صدر الإسلام أبو اليسر، والقاضي ركن الإسلام أبو بكر الزَّرَنْجري، والقاضي جمال الدِّين يفتون أنّ البائع إن (١) قال للمشتري: قيمة متاعي كذا، أو قال: متاعي يساوي كذا، فاشترى بناء على ذلك، ثم ظهر بخلافه، أنّ له الرد بحكم التغرير، أما إذا لم يقل ذلك فليس له الرد.
وغيرهم من مشايخنا كانوا لا يفتون بالردِّ على كل حال، والصحيح أنّه يفتى بالرد إذا وجد التغرير، وبدونه لا يفتى بالرد. إلى هنا من "التاتارخانية".
* * *
[٦٩٩ - زين الدِّين عبد الرَّحمن التفهني (٢)]
قاضي القضاة زين الدِّين عبد الرَّحمن بن علي بن عبد الرَّحمن بن علي التَّفَهْني.
قال الحافظ ابن حجر: لازم الاشتغال فمهر في الفقه والعربية والمعاني والبيان (٣)، واشتهر اسمه وناب في الحكم ثم ولي تدريس الصرغتمشية ومشيخة الشيخونية، ثم قضاء الحنفيَّة.
قيل: مات مسمومًا في شوال سنة خمس وثلاثين وثمانمئة، ذكره السيوطي في "حسن المحاضرة" في طبقات الحنفيَّة المصرية.
* * *
стр. 1822
[٧٠٠ - تقي الدِّين التَّميمي الدَّاري (١)]
الشَّيخ الإمام الفاضل، تقي الدِّين، أبو العبَّاس، أحمد بن الشَّيخ المحدث كمال الدِّين محمَّد بن حسن التَّميمي الدَّاري الإمام الشُّمني.
ذكره جلال الدِّين السيوطي في طبقات الحنفيَّة المصرية في "حسن المحاضرة"، قال: الإمام تقي الدِّين الشُّمني أبو العبَّاس أحمد بن الشَّيخ المحدث كمال الدِّين قدوة عين الزمان وإنسانها، ولد بالإسكندرية في رمضان سنة إحدى وثمانمئة، وتلى على الزراتيتي (٢)، وتفقَّه بالشَّيخ يحيى السِّيْرامي، وأخذ النحو عن الشَّمس الشَّطَّنوفي، والحديث عن الشَّيخ ولي الدِّين العراقي، ولازم البساطي في المعقول، وبرع في الفنون، وسمع الكثير، وأجاز له العراقي، والبُلْقيني والحلاوي، والمراغي، وغيرهم.
وقرأ الفنون وانتفع به الخلق.
وصنَّف حاشية على ["مغني] اللَّبيب في الأعاريب"، وحاشية على "الشفا"، وشرح "النقاية" في الفقه، وشرح "نظم النخبة" لأبيه.
طلب لقضاء الحنفيَّة فامتنع.
مات ﵀ في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وثمانمئة.
* * *
стр. 1823
[٧٠١ - المولى شمس الدِّين الكُوْرَاني (١)]
الشَّيخ العالم العامل، والإمام الفاضل الكامل، عالم المعقول والمنقول، ضابط الفروع والأصول، شيخ القرَّاء، حافظ القراءات، أستاذ أساتيذ (٢) الحديث، ضابط الرِّوايات، كشَّاف مشكلات التَّنزيل الجليل، حلَّال معضلات الأصول، المشار إليه في التفريع والتأصيل، خلاصة المتشرعين، نقاوة المتورعين، المولى شمس المِلَّة والدِّين، أحمد بن إسماعيل (الكُوْرَاني رحمة الله عليه) (٣).
حكي أنّ المولى الفاضل محمَّد بن أرمغان الشهير بالمولى يكان، المذكور في هذه الكتيبة، لمَّا دخل القاهرة في سفره إلى الحجاز لقيه المولى شمس الدِّين الكُوْرَاني، ولما شهد فضله وعلمه وأعجب كلامه أكرمه غاية الإكرام، وأخذه معه إلى بلاد الروم، ولما لقي المولى يكان السُّلطان مراد خان قال له: هل أتيت إلينا بهدية، قال: نعم، معي رجل عالم فاضل، وعامل كامل حافظ فقيه مفسر محدث، بارع في العلوم، متوسع في إبراز المعقول والمفهوم، وقد أوتي بالمكيال الأوفى من الورع والتقوى، قال: فأين هو؟ قال: بالباب.
فأرسل إليه السُّلطان، فدخل هو (٤) عليه وسلّم، ثم تحدث معه ساعة، فرأى فضله في الغاية، وشموله في العلوم في النهاية، فأعطاه مدرسة جده السُّلطان مراد
стр. 1824
خان الغازي بمدينة بروسا، ثم أعطاه مدرسة جده السُّلطان بايزيد خان بالمدينة المذكورة، وكان ولد السُّلطان مراد المذكور محمَّد خان أمير في ذلك الزمان ببلدة مغنيسا، وقد أرسل إليه والده عدَّة من المعلمين ولم يمتثل أمرهم، ولم يقرأ شيئًا حتى إنّه لم يختم القرآن، فطلب السُّلطان مراد رجلًا له مهابة وحدَّة، فقيل له: المولى الكُوْرَاني المذكور.
فجعله معلِّمًا لولده، وأعطاه بيده قضيبًا يضربه بذلك (١) إذا خالف أمره، فذهب إليه، ودخل عليه والقضيب بيده، فقال: السَّلام عليك، ولم يعظِّمه بالسَّلام، ولم يكنه بخطاب الأمير والسُّلطان، فتقدم إليه وقال: أرسلني والدك للتعليم وللضرب إذا خالفتَ أمري، فضحك السُّلطان محمَّد خان من هذا الكلام، فضربه المولى الكُوْرَاني في ذلك المجلس ضربًا شديدًا، حتى خاف منه السُّلطان محمَّد خان، وأرسل إلى المولى الكُوْرَاني أموالًا كثيرة، وقرأ عليه القرآن وحفظه، وأخذ عنه بعض العلوم، وبلغ في العلم مبلغًا يفهم ما يعرض عليه من مسائل العلوم، ويميِّز الصَّواب عن غير الصَّواب إذا قرر عنده بحسن التقرير.
ثم إنّ السُّلطان محمد خان لما جلس على سرير السلطنة بعد وفاة والده المرحوم السُّلطان مراد خان في سنة خمس وخمسين وثمانمئة - وقد كان السُّلطان محمَّد خان جلس على سرير السلطنة قبل ذلك بعدة سنين، وقد أجلسه أبوه السُّلطان مراد خان وترك السلطنة وذهب إلى بلدة مَغْنِيسَا، ثم ندم على ذلك لأمور لم تتحمل ذكرها هذه الكتيبة، فأرسل ابنه السُّلطان محمَّد إلى بلدة مغنيسا وجلس هو (٢) مكانه إلى أن مات - عرض للمولى الكُوْرَاني وزارة فلم يقبل، وقال: إنَّ مَنْ ببابك من الخدام والعبيد
стр. 1825
إنّما يخدمونك لأن ينالوا الوزارة آخر أمرهم، وإذا كان الوزير من غيرهم تنحرف قلوبهم عنك، فيختل أمر سلطنتك، فاستحسنه السُّلطان محمَّد خان، وعرض له قضاء العسكر فقبله.
وكان السُّلطان محمَّد قد جعل المولى خُسْرَو قاضيًا بالعسكر المنصور في جلوسه الأول، فلمَّا عزل عنه السلطنة تركه أركان السلطنة بأجمعهم، ولم يتركه المولى خُسْرَو، فقال له السُّلطان محمَّد خان: اذهب أنت أيضًا معهم، فقال: لا أذهب إنَّ من المروَّة أن يشارك الرجل صاحبه في الدولة والعزل، فأحبه السُّلطان محمَّد لهذا الكلام محبة شديدة، وجعل له في سلطنته الثانية في كل يوم مئة درهم.
ثم إنّ المولى الكُوْرَاني لما باشر أمر القضاء أعطى التدريس والقضاء (١) لأهلها من غير عرض على السُّلطان، فأنكر السُّلطان على هذا الأمر، ولكن استحى منه أن يظهره، فشاور مع الوزراء فأشاروا على أن يقول له: سمعت أنّ أوقاف جدي بمدينة بروسا قد اختلَّت فلا بد تداركها، فقال له السُّلطان هذا الكلام، قال المولى المذكور: إن أمرتني بذلك أصلحها، قال السُّلطان: هذا (٢) يقتضي زمانًا مديدًا، فتقلَّد بروسا مع تولية الأوقاف، فقبل المولى المذكور، وذهب إلى مدينة بروسا، فجعل السُّلطان محمَّد المولى مجد الدِّين قاضيًا بالعسكر المنصور بعده.
وكان المولى المزبور صاحب سيرة حسنة وطريقة مرضية، ثم بعد مدة أرسل السُّلطان محمَّد خان واحدًا من خدامه إلى المولى الكُوْرَاني وبيده مرسوم السُّلطان وضمنه أمر يخالف الشرع، فخرق الكتاب وضرب الخادم، فاشمأزّ السُّلطان من ذلك فعزله، ووقع بينهما منافرة، فارتحل المولى المذكور إلى مصر وسلطانها يومئذ
стр. 1826
قَايِتْبَاي فأكرمه غاية الإكرام، ونال عنده القَبول التَّام، وعاش عنده زمانًا بعزَّة عظيمة، وحشمة وافرة، وجلالة تامة.
ثم إنّ السُّلطان محمد خان ندم على ما فعل فأرسل إلى السُّلطان قَايِتْبَاي يلتمس منه أن يرسل المولى المذكور إليه، فحكى السُّلطان قَايِتْبَاي كتاب السُّلطان محمَّد خان للمولى المذكور، ثم قال: لا تذهب إليه فإني أكرمك فوق ما يكرمك هو، قال المولى (١): هو كذلك إلا أنّ بيني وبينه محبة عظيمة كما بين الوالد والولد، وهذا الذي جرى بيننا شيء آخر، وهو يعرف ذلك مني، ويعرف أني أميل إليه بالطبع، فإذا لم أذهب إليه يفهم (٢) أنّ المنع من جانبك، فيقع بينكما عداوة، فاستحسن السُّلطان قَايِتْبَاي هذا الكلام، وأعطى له مالًا عظيمًا جزيلًا، وهيَّأ له ما يحتاج إليه من حوائج السفر، وبعث معه هدايا عظيمة إلى السُّلطان محمَّد خان.
فلما جاء إلى قسطنطينية أعطاه السُّلطان محمَّد خان قضاء بروسا، ووقع ذلك في سنة اثنتين وثمانمئة، ودام على ذلك مدة، وكان المولى المزبور (٣) عمَّر عمرًا طويلًا حتى عاش إلى زمان (٤) دولة السُّلطان بايزيد خان بن السُّلطان محمَّد خان، ثم إنّ السُّلطان محمَّد خان قلَّده منصب الفتوى بعد وفاة المولى خُسْرَو في سنة خمس وثمانين وثمانمئة، وعيَّن له في كل يوم مئتي درهم والشهر عشرين ألف درهم، وفي كل سنة خمسين ألف درهم، سوى ما يبعث إليه من الهدايا والتحف والعبيد والجواري، وعاش في كنف حمايته مع نعمة جزيلة، وعيش رغد.
стр. 1827
وصنَّف في أيامه تفسير القرآن وسماه "غاية الأماني في تفسير السبع المثاني"، أورد فيه مؤاخذات كثيرة على العلَّامتين الزَّمَخْشَري والبيضاوي، وصنف أيضًا "شرح البُخاري" ورد (١) فيه كثيرًا من المواضع لشرح الكَرْماني وابن حجر، وله حواشٍ مقبولة على "شرح الجَعْبَري للقصيدة الشاطبية".
وأقرأ التفسير والحديث وعلوم القراءات حتى تخرج عنده كثير من الطلاب وتمهروا في العلوم الكثيرة (٢)، وكانت أوقاته مصروفة إلى الدرس والفتوى والتصنيف والعبادة، كذا ذكره صاحب "الشقائق".
وحكي، عن بعض تلامذته أنّه بات ليلة، فلما صلى العشاء ابتدأ بقراءة القرآن من أوله، قال: وإنّما نمت واستيقظت فإذا هو يقرأ سورة الملك، فأتم القرآن عند طلوع الفجر، قال: وسألت بعض خدامه عن ذلك، فقال: هذه عادة مستمرة له.
وكان ﵀ رجلًا طويلًا مهيبًا كبير اللِّحية يصبغ لحيته، وكان قوَّالًا بالحقِّ، وكان يخاطب الوزير والسُّلطان باسمه، وكان إذا لقي السُّلطان سلَّم ولا ينحني له، ويصافحه ولا يقبِّل يده، ولا يذهب إليه يوم عيد إلا إذا دعاه.
وسمعت عن ثقة أنّه (ذهب إليه) (٣) يوم عرفة وكان يوم مطر في أيام سلطنة السُّلطان بايزيد خان، فجاء إليه (واحد من الخدام) (٤)، فقال (٥): السُّلطان يسلِّم عليكم ويلتمس منكم أن تشرِّفوه غدًا، فقال المولى: لا أذهب، واليوم يوم وحلٍ، وأخاف أن
стр. 1828
يتوحل خفِّي، فذهب الخادم فلم يلبث إلا أن جاءه وقال (١): يسلِّم عليكم السُّلطان وأذن لكم أن تنْزلوا عن الدابة في موضع نزول السُّلطان حتى لا يتوحَّل خفُّكم، فذهب إليه، مات ﵀ سنة ثلاث وتسعين وثمانمئة بمدينة (٢) قسطنطينية، ودفن بها أمام جامعه، وله مدرسة وجامع ومساجد وزاوية وأوقاف في مواضع متفرقة بقسطنطينية.
وقصة وفاته أنّه أمر يومًا في أوائل فصل الربيع أن تضرب له خيمة في خارج قسطنطينية، فسكن هناك إلى أول الخريف، وفي هذه المدة كان الوزراء يذهبون إلى زيارته في كل أسبوع مرة، ثم إنّه صلَّى الفجر في يوم من الأيام، وأمر أن ينصب سرير في الموضع الفلاني من بيته في قسطنطينية، فلما صلَّى الإشراق جاء إلى بيته واضطجع على السرير على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، وقال: أخبروا من في البلد من الذين قرؤوا عليَّ القرآن، فأخبروهم فحضر الكلُّ، فقال المولى الكُوْرَاني: لي عليكم حق، واليوم يوم قضائه، فاقرؤوا عليَّ القرآن إلى وقت العصر، فأخبر الوزراء بذلك فجاؤوا لعيادته، فبكى الوزير داود باشا لما بينهما من المحبة الزائدة.
فقال المولى: لماذا تبكي يا داود؟ قال: فهمت فيكم ضعفًا، فقال (٣): ابكِ على نفسك، فإني عشْتُ في الدنيا بسلامة، وأختم إن شاء الله بسلامة، ثم قال للوزراء: سلموا منا على بايزيد، ويريد به السُّلطان بايزيد المرحوم، وأوصيه أن يحضر صلاتي بنفسه، وأن يقضي ديوني من بيت المال قبل دفني، ثم قال: أوصيكم إذا وضعتموني عند القبر أن تأخذوا برجلي وتسحبوني إلى شفير القبر، ثم تضعوني فيه.
стр. 1829
ثم إنَّ المولى صلى صلاة الظهر موميًا، ثم أخذ يسأل عن أذان (١) العصر، فلما قرب وقته أخذ يسمع صوت المؤذنين: الله أكبر، قال: لا إله إلا الله، فخرجت روحه في تلك الساعة، روَّح الله تعالى روحه، ونوَّر ضريحه.
ثم إنّ السُّلطان بايزيد خان حضر صلاته وقضى ديونه بلا شهود، فكانت ثمانين ألف ومئة ألف درهم، ثم إنهم لما وضعوه عند قبره، لم يتجاسر أحد أن يأخذه برجله، فوضعه على حصير وجذبوا الحصير إلى شفير القبر، ثم أنزلوه فيه، وسلموه إلى رحمة الله تعالى ورضوانه، وامتلأت المدينة في ذلك اليوم من الصياح والبكاء حتى النساء والصبيان، وكانت جنازته مشهودة، وانثلمت بموته ثلمة في الإسلام، كذا ذكره صاحب "الشقائق".
وله بيت القراء قدام ميدان بقسطنطينية، وهو موضع مشهور، وله مدرسة فيها مشهورة بالمدرسة الكُوْرَانية، وصرت في سنة إحدى وستين وتسعمئة مدرسًا بتلك المدرسة كل يوم بعشرين درهمًا (٢)، ودرَّسْتُ هناك حاشية "شرح التجريد" للسيد الشريف من الأول، و"الشرح المطول للتلخيص" من أول أحوال الإسناد الخبري مع حواشيه للمولى حسن جلبي، ونقلت "كتاب شرح المشارق" لابن الملك من الحديث، وكنت اشتغل فيها سوى وظائف دروس "كتاب مغني اللبيب" مع شرحيه للدماميني والشمني في العربية و"مختصر الجغمني" وشرحه لقاضي زاده رومي، مع حواشيه في الهيئة، و"كتاب التهافت" لخواجه زاده و"الذخر" للمولى الطوسي، مع تعليقات المولى كمال باشا زاده عليه.
ومن تلامذة المولى الكُوْرَاني المولى العالم الفاضل علاء الدِّين علي العربي
стр. 1830
المفتي، والمولى محيي الدِّين العجمي، قرأ عليه المولى علاء الدِّين العربي، وكان هو مدرِّسًا بمدرسة السُّلطان بايزيد خان بن مراد خان الغازي بمدينة بروسا، وله معه حكاية تأتي إن شاء الله تعالى.
وكان المولى الكُوْرَاني يفتخر بالمولى العربي، ورأيت فيما بين الْمُرَقَّعَات عندي مكتوبًا بخط المولى الكُوْرَاني يقال: إنّه أرسله إلى المولى خُسْرَو، نقلته عن خط زبرته أنامله الشريفة تبركًا وهو هذا.
سلام الله تعالى ورحمته وبركاته، وأزكى تحياته على المولى المكرَّم، بلَّغه الله ما يتمنَّاه، ومما ينهي للرأي الكريم أنّ حامل صحيفة الوداد مفخر السادات سيد حسين من محبينا وأصدقائنا من القديم، وقد استقر في ظلِّ جنابكم السَّامي، فيرجى من كرمكم الشامل أن يتعمَّق بالرعاية المشكورة والعناية المأثورة، فما يأتي له من اللطف فهو في الحقيقة للمحبِّ، فحاشا الكريم أن لا يجيب من دعاه أو يخيب من رجاه أو يرده عن (١) بابه المورود، مقتبسة أنوار اللطف والجود، والسَّلام على الدوام.
قيل له يومًا: إنَّ الشَّيخ ابن الوفا يزور المولى خُسْرَو ولا يزورك، فقال: أصاب في ذلك لأنّ المولى خُسْرَو عالم عامل تجب زيارته، وإني وإن كنت عالمًا لكني خالطت مع السُّلطان فلا يجوز زيارتي.
وكان ﵀ لا يحسد أحدًا من أقرانه إذا فضل عليه في المنصب، وإذا قيل له في ذلك كان يقول: المرء لا يرى عيوب نفسه، ولو لم يكن له عليَّ فضل لما أعطاه الله ذلك المنصب.
حكي أنّ المولى المذكور قال يومًا للسلطان محمَّد خان بطريق الشكاية عنه:
стр. 1831
إنّ الأمير تيمور أرسل بريد المصلحة، وقال له: إن احتجت إلى فرس خذ فرس كل من لقيته وإن كان ابني شاه رخ، فتوجه البريد إلى ما أمر به، فلقي المولى سعد الدِّين التَّفْتَازَانِي وهو نازل في موضع قاعد في خيمته وأفراسه مربوطة قدامه، فأخذ البريد منها فرسًا - فأخبر المولى بذلك، فضرب البريد ضربًا شديدًا، فرجع هو إلى الأمير تيمور وأخبره ما فعله المولى، فغضب الأمير تيمور غضبًا شديدًا، ثم قال: ولو كان ابني شاه رخ لقتلته، ولكن كيف لي أن أقتل رجلًا ما دخلت ببلدة إلا وقد دخلها تصنيفه قبل دخول سيفي.
ثم قال المولى الكُوْرَاني: إنّ تصانيفي تقرأ الآن بمكة ولم يبلغ إليها سيفك، فقال السُّلطان محمَّد خان: نعم أيها المولى يكتبون تصانيفه، وأنت كتبت تصنيفك وأرسلت إلى مكة، فضحك المولى الكُوْرَاني واستحسن غاية الاستحسان.
* * *
[٧٠٢ - حمزة القرماني (١)]
العالم الفاضل، والعارف الكامل، الفائق التحرير في علمي الحديث والتفسير، المولى العلامة (٢) الرَّباني حمزة القَرَمَاني.
قرأ على علماء عصره في بلاده، وبلغ رتبة الكمال، ومهر في العلوم الأصلية والفرعية، والفنون العقلية والشرعية، وحاز من الفضيلة منتهاها، وأفنى عمره في الدرس والفتوى، ووزَّع أطيب أوقاته في العبادة ومطالعة التفسير والإملاء.
стр. 1832
وكان عالمًا (١) فاضلًا، مشتهرًا بالفضل، ثقة مقبولًا بين الخواص والعوام، أرسله صاحب قرامان إلى السُّلطان مراد خان اعتذارًا عما وقع منه من سوء الأدب ونوع المخالفة، فقبله السُّلطان المذكور فأقبله وأكرمه، ثم أرسل السُّلطان مراد خان إلى صاحب قرامان المولى شكر الله ليحلِّفه كي لا يعود، وكان المولى شكر الله عالمًا فاضلًا مشتهرًا بالفضل مقبولًا بين الخواص والعوام، وكان السُّلطان محمَّد يعتني به اعتناءً كثيرًا.
وللمولى المزبور حمزة القراماني حواشٍ على "تفسير العلامة البيضاوي"، وهي حواشٍ مقبولة، طالعته وانتفعت به، فوجدت أكثر أقواله مأخذ الحواشي المتأخرة عنها، قرأ عليه شيخ الإسلام المولى علاء الدِّين الجمالي، وحفظ عنده "مختصر" الشَّيخ الإمام أبي الحسين القُدُوري، و"منظومة النَّسفي".
مات سنة تسع وتسعين وثمانمئة.
* * *
قلب الكتيبة الثامنة عشر
[٧٠٣ - خواجه عبيد الله الشَّاشي (٢)]
الشَّيخ العارف الرَّباني، والمرشد الكامل الصَّمداني، قطب العارفين، وغوث السَّالكين، القائم بحقوق الله على الاستقصاء والمراقب بذكر الله في السَّراء والضَّراء، قدوة المشايخ الخواجكانية، وصفوة الأعزة النَّقشبندية، خواجه عبيد الله
стр. 1833
(بن خواجه محمود) (١) بن خواجه شهاب الدِّين التاشكندي الشَّاشي، قدس الله تعالى أرواحهم (٢).
ولد في تاشكند من ولاية شاش.
وفي "الرشحات": حضرت خواجه عبيد الله ميفرمودندكه: من يكساله بوده ام ميخواسته اند كه سر مراتراشند، سورى ساخته بودند كه ناكَاه خبر مركَـ امير تيمور در افتاده ومردم برهم زده شدند جنانجه آشهاكه مي بخته اند فرصت نشده است كه آنرا بخورند ديكَها خالى كرده اند وبكوه برآمده ودرآن زمان آباء كرام حضرت ايشان درباغتسان مي بوده اند؛ خواجه شهاب الدِّين شاشي رحمة الله عليه جد بدرئ حضرت ايشانند وصاحب آيات وكرامات واحوال ومواجيد بوده اند، وبا مجانين ومجاذيب صحبت بسيار مي داشته اند واكثر اوقات بزراعت وكَاهي بتجارت مشغول بوده اند، وايشان را دوبسر بوده است، يكي خواجه محمَّد وديكَر خواجه محمود والد بزركَـ؛ واز حضرت ايشان منقولست كه جون خواجه شهاب الدِّين را وفات نزديك رسيده است بفرزند بزركَوار خود خواجه محمَّد كَفته اند كه فرزندان خود را بيار تا وداع كنم، وخواجه محمَّد رادو بسر بوده است، خواجه اسحاق وخواجه مسعود؛ دورا آورده است.
خواجه شهاب الدِّين ايشان رانواخته اند وفرموده اندكه: محمَّد فرزندان توبسي بريشاني وسركَرداني خواهند كشيد، خواجه مسعود سبب سركَرداني خواجه اسحاق وى شد. بعد ازآن خواجه محمود راكَفته اند تونيز فرزندخود رابيار، وحضرت ايشان درآن محل بغايت خورد بوده اند، ايشان را در خرقه بيجيده آورده، جون نظر خواجه
стр. 1834
شهاب الدِّين برايشان افتاده اضطراب كرده اندكه مراخيزايند، ايشانرا خيزانيده اند ايشان آن حضرت رابركنار خود نهاده اند وروى خودرا درتمام اعضاي ايشان ماليده كَريه بسيار كرده وفرموده اند: آن فرندي كه من ميطلبيدم اينست، دريغ كه درايام ظهور أو نخواهم بود وتصرفات وي را درعام نخواهم ديد، زود باشد كه اين بسر عام كَير شود؛ وهرجه از ابتداءتا انتهاء برحضرت ايشان كَذشته است همه را برسبيل اجمال ظاهر كرده اند، ويكبار ديكَر روى خودرا برهمه اعضاي ايشان ماليده اند، بس بخواجه محمود داده اند، ايشا نرا وصيت كرده اند وفرموده اندكه: بخاطرت نيابد كه فرزندان مراجندان ننواخت وبفرزند محمود جندان برداخت، جه توان كرد؟ فرزند آن ترا آن نوع ساخته ند وفرزند محمود اين نوع؛ (ذلك تقدير العزيز العليم) من جه كنم؟
حضرت ايشا نرا ازسه جار سالكي باز نسبت آكَاهي بجناب حق سبحانه حاصل بوده است ميفرمود ندكه: در طفوليت بمكتب آمد شد ميكردم دل من همه وقت بحق سبحانه حاضر وكَاه ميبود، ودرآن وقت مراعقيده جنان بود كه همه مردم عالم خرد وبزرك برين وجهند؛ يكبار دراين اوقات فصل زمستان بود ودرصحراي باي من بلاي فرورفت وكفش از باي جدا كَشت ودر كَل بماند وهوا بغايت سرد بود وتا برآوردن كفش از كَل غفلتي عارض شد واز نسبت آكَاهي بازماندم، في الحال خود راملامت كردم ونيك متأثر شدم جنانجة كَربه برمن مستولى شد.
ميفر مودندكه: تامن بحد بلوغ شرعي نرسيدم ندانستم كه مردم راغفلتي مي باشد. بعد ازآن معلوم شدكه آن عنايتي بوده است ازلي از حق سبحانه مختص ببعضى وبراضت واجتهاد بسيار بعضي را اين مرتبه ميسر مي شده است؛ ميفرموداند كه: خال من خواجه إبراهيم عليه الرحمه بسيار خاطر مشغول داشتند كه من تحصيل
стр. 1835
علم كنم، مرا از تاشكند بسمرقند بجهت اين مصلحت آورند واهتمام بسيار كردند، وليكن هربار كه براي خواندن روز آوردندي مرضي عارض شدي كه مانع تحصيل شدي، آخر الامر حصه قوي شد بخال خودكَفتم: كه مراحالتي است تحصيل نمي توانم كرد وشمانمي كَذاريد، اكَر زياد مبالغة نمائيد وهم است كه بعد ازين ترابحال خود كَذاشتم، بهر طريق كه خاطرت ميخواهد مشغول باش.
فضل الله أبو ليثي از اكابر علماي سمرقند بوده اند ميفرمودندكه: ما كمال باطن حضرت ايشان نميدانيم اما اين قدر ميدانيم كه ايشان بحسب ظاهر از علوم رسوم جيزي بغابت كم خوانده اند وكم روزي باشد كه در تفسير قاضي شبهه بيش مانياورند كه ما همه از آن عاجز نيايم؛ خدمت مولانا علي طوسي كه بمولانا علي عران مشهورند واز علماء عظام زمان بودند بحضرت ايشان عقيده بسيارد اشته اند وبمجلس آن حضرت بسيارمي آمده اند اما بغايت كم سخن ميكرده اند روزي حضرت ايشان فرموده اند كه بيش شما سخن كَفتن ما بي شرميست، بايد كه شما كَوييد ما شنويم، خدمت مولانا فرموده اندكه جايي كه از مبدا فياض سخن بي واسطه رسد، سخن كَفتن ما آنجا بي شرميست.
حضرت ايشان در مبادي حال بعد از جندكَاه كه درسمرقند بوده اند از آنجا ميل بخارى فرموده اند، وبخواجه علا الدِّين غجدواني صحبتها داشته اند جنا نجه در مقاله كتاب مذكور شده بعد از آن عزيمت خراسان كرده واز راه مرو بهرات رفته اند ومدت جهار سال ببوسته آنجا بوده اند ودرآن مدت بصحبت سيدي قاسم تبريزي وشيخ بهاء الدين عمر بسيار ميرفته اند وبصحبت حضرت شيخ زينالدين خوافي قدس الله سره احيانا ميرسيده اند وبعد ازجهار سال ازهرات به نيت صحبت حضرت مولانا يعقوب جرخى قدس سره از راه بَلْخ متوجه ولايت حصار شده
стр. 1836
اند، ودر بَلْخ بصحبت مولانا حسام الدِّين بارسا رسيده اند، واز آنجا بجغانيان رفته اند به نيت زيارت قبر حضرت علاء الدِّين عطار رحمه الله تعالى؛ بعد از آن بهلنتو آمده اند وخدمت مولانا يعقوب را آنجا در يافته اند ودست بيعت بديشان داده اند، از يشان طريقه كَرفتند ودرآن سفر مدت سه ماه مانده بوده اند؛ وباز به هرات مراجعت فرموده يكسال ديكَر آنجا بوده وبر صحبت اكابر وقت داشته اند عزيمت مراجعت بوطن مألوف كرده اند ودر تاشكند مقيم شده با مزارعت قيام نموده وشغل دهقنت فرموده؛ ميفر موده كه: من تابيست ونه سالكَى در شهر هاي مردم بوديم ودر سنه خمس وثلاثين وثمانمئة ازهري بتاشكند. آمديم. بعد ازآنكه بتاشكند رفته اند خدمت مولانا نظام الدِّين خاموش آنجا بوده بايشان صحبتها داشته اند. إلى هنا من "الرشحات" على وجه الاختصار.
وحكي عن بعض أحفاده (١)، وهو خواجه محمَّد قاسم بن خواجه عبد الهادي بن خواجه محمَّد بن عبد الله بن خواجه عبيد الله السَّمَرْقندي الشَّاشي أنّه ينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وقال: أخذ جدي طريقة التصوف عن المولى يعقوب الجرخي (٢)، وهو لقَّنه الذِّكر.
قال: ونقل عن جدِّي أنّه قال: غلب على خاطري داعية تحصيل العلم وكنت في سن العشرين، فذهبت من تاشكند إلى خدمة المولى نظام الدِّين خاموش، وهو مدرس في ذلك الزمان في مدرسة أُلُغْ بيك بسمرقند، وكنت سمعت حاله وجذبته واستغراقه، فوجدته في المدرسة يدرِّس الطَّلبة، فجلست في زاوية من المدرسة صامتًا وساكتًا، ولما فرغ من الدَّرس نظر إليَّ وقال لي: لأي شيء اخترت الصمت؟
стр. 1837
وقبل أن أتكلَّم أجاب هو وقال: الصمت نوعان: صمت المترقين من عالم البشرية، وصمت السالكين فيه، وإنه لصاحبه، وكان خواجه عبيد الله يقول: علمت جلالة قدر المولى المذكور من كلامه هذا (١).
وحكي عن محمَّد قاسم (٢) أنّه قال: سمعت جدي عبيد الله أمر يومًا بسمرقند بعد الظهر - وكان يوم الخميس - بإحضار فرسه، فركب عليه وتبعه بعض أصحابه، فلمَّا انفصل من المدينة أمرهم بالوقوف هناك، وتوجه إلى صحراء تسمى بدشت عباس، وذهب خلفه واحد من أصحابه يدعى (٣) بمولاي شيخ، وحكى هو أنّ الشَّيخ لما وصل إلى دشت عباس أعدى فرسه إلى جانب ذلك الموضع وربما يغيب عن البصر في بعض الأوقات، ولما أتى الشَّيخ منْزله سئل عن هذا الحال، فقال: إنّ سلطان الروم محمَّد خان قاتل مع الكفار في ذلك الوقت فاستمد منِّي، فذهبت إلى معاونته، فغلب بحمد الله على الكفار.
وقال خواجه محمَّد قاسم: لما أتى والدي خواجه عبد الهادي إلى بلاد الروم دخل على السُّلطان بايزيد، فسأله السُّلطان بايزيد عن زي خواجه عبيد الله وعن هيأته وعن فرسه، وقال: بل كان له فرس أبيض، قلت: نعم، قال السُّلطان بايزيد خان: قال والدي السُّلطان محمَّد خان: كنت يومًا مع محاربة الكفار بعد الظهر، وتوهمت الغلبة من الكفار، وتوجهت إلى حضرة خواجه عبيد الله، قال: فحضر شيخ صفته كذا وكذا موافقًا لما أخبرته.
стр. 1838
وقال لي: أيها السُّلطان محمَّد خان لا تخف، قلت: وكيف (لا أخاف) (١) وعسكر الكفار كثر غاية الكثرة، وقال: انظر إلى كمي، فنظرت (٢) فإذا فيه صحراء، وفيها ما لا يحد من عساكر الإسلام، قال: وقال: هؤلاء كلهم جاؤوا لنصرة الإسلام، قال: ثم قال لي: اذهب إلى الطبل واضرب الطبل ثلاث مرات ومُرْ عسكرك بالكرِّ على الكفَّار، ففعلت ما قاله، ورأيت خواجه عبيد الله حمل على الكفار مرَّات فانهزموا بأسرهم.
قال: وقال: ظن الوزراء كلامي لخواجه عبيد الله: إنَّ عسكر الكفار كثير، كلام الحيرة؛ لأنّهم كانوا لا يرون خواجه عبيد الله.
ونقل عن شيخ الحرم الشَّيخ عبد المعطي أنّه قيل له: يقال: إنك لقيت خواجه عبيد الله؟ قال: نعم، إنّه منذ ما فرض الله عليه الحج يحج كل سنة وأصحابه معه، مع أنّه مقيم بسمرقند.
وكانت طريقة الشَّيخ خواجه عبيد الله الاعتقاد على مذهب أهل السنة والجماعة، والانقياد لأحكام الشَّريعة، والاتباع لسنَّة رسول الله ﷺ ودوام (٣) العبودية، وهو ملاحظة جناب الحق من غير شعور بما سواه، وقال التوحيد تخليص القلب عن الشعور بما سوى الله تعالى.
توفِّي قدس سره بسمرقند، سنة خمس وتسعين وثمانمئة، وقبره الشريف بظاهر سمرقند يُزار ويُتبرَّك به.
وكان لخواجه عبيد الله السَّمَرْقندي ولدان: الشَّيخ العارف بالله محمَّد بن عبيد الله خواجكان، والشَّيخ العارف الرَّباني خواجه محمَّد يحيى.
стр. 1839
وأصحابه كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن مشاهير أعزة أصحابه في ديار الروم الشَّيخ العارف بالله عبد الله الإلهي المدفون بقصبة دار يكبجه سي بقرب مدينة سلانيك في ولاية روم إيلي، والشَّيخ العارف بالله السيِّد أحمد البُخاري كان من أصحابه أيضًا، ثم صحب بأمره الشَّيخ الإلهي، والشَّيخ العارف الرَّباني علاء الدِّين علي بن الحسين الواعظ الكاشفي، الشهير بالمولى صفي، صاحب "الرشحات"، ومولانا شيخ ومولانا إسماعيل الفركتي وهم من ديار العجم.
وكان خواجكان خواجه محمَّد عبد الله ابنه الكبير، وكان متبحرًا في العلوم النقلية والعقلية، وبلغ رتبة الفضل والكمال في تحقيق حقائق العلوم الحقيقية، وكان خواجه عبيد الله يكرمه غاية الإكرام ويعظمه غاية التعظيم، وابنا المولى العارف خواجكان خواجه عبد الهادي، وخواجه خاوند محمود، وخواجه عبد الحق كانوا من زوجته صلبية السيِّد تقي الدِّين الكَرْماني، وخواجه عبد العليم، وخواجه عبد الشهيد، وخواجه أبو الفيض، كانوا من زوجته صلبية خواجه نظام الدِّين من أولاد صاحب "الهداية"، وله آخر من سرية وهو خواجه محمد، وخواجه عبد الهادي المذكور آنفًا هو الذي أتى بلاد الروم، ودخل على السُّلطان بايزيد، كما حكي آنفًا من خواجه محمَّد قاسم بن خواجه عبد الهادي وخواجه محمَّد يحيى، جلس مقام الإرشاد مكان أبيه خواجه عبيد الله السَّمَرْقندي بإشارة أبيه بعد وفاته.
وذكر المولى العارف بالله نور الدِّين عبد الرَّحمن الجامي في "النفحات": خواجه عبيد الله أدام الله بركات وجوده على مفارق الطالبين امروز مظهرايات ومجمع كرامات وولايت طيبه خواجكَان ورابطه التيام وواسطة انتظام سلسلة شريفة ايشان قدس الله تعالى أرواحهم حضرت خواجه ومخلصان ونياز مندان
стр. 1840
ايشانند، اميد واري جنانست كه ببركت وجود شريف ايشان التئام وانتظام اين سلسلة إلى يوم القيام امتداد يابد، هرجند اين فقير امثال اين سخنان صورت كَستاخي دارد اما جندانكه باخود انديشه كرد ازخود درنيافت كه خاطر رابران قرار تواند داد، كه اين مجموع كه مقصود از جمع آن ذكر معارف ونشر مناقب اين طائفة است؛ اذ ذكر ايشان خالي باشد، لا جرم شرح مناقب واحوال اين سلسلة شريفه رابعضي ازكلمات قدسيه كه رقم زده خامه معارف نكَار ايشان شده است مسكية الختام كَردانند؛ ثم ذكر بعد تحرير كلماته القدسية في نفحاته الأنسية جون امثال ما فقيران را بطريق ذوق در يافت اين معاني ميسر نيست كَرفتاري باين جنين كَفت وكَوى شيرين تر مي نمايد از اشتغال بغير اين كَفت وكَوى، رزقنا الله وإياكم انتظارًا به يغنينا عنا بحرمة محمَّد ﷺ ، قال المولى الجامي في كتاب تحفة الأحرار في منقبة خواجه عبيد الله مثنوى:
زد بجهان نوبت شاهنشهي … كوكبه فقد عبيد اللهي
آنكه زحريت فقرآ كَهست … خواجه احرار عبيد الله است
روى زمين كشن نه سروي بن است … در نظرش جون روي يك ناخنست
يك روى ناخن كه بدست آيدش … كه بره فقر شكست آيدش
لجه بحرًا حديث دلش … صورت كثرت صدف ساحلش
هست درآن لجه ناقعر باب … قبه نه توى فلك يك حباب
* * *
стр. 1841
[٧٠٤ - المولى الجامي (١)]
الشَّيخ العارف بالله، والمتوجه بالكليَّة إلى الله، دليل الطريقة، ترجمان الحقيقة، المنسلخ عن الهياكل الناسوتية، والمتصل إلى السبحات اللاهوتية، شمس سماء التحقيق، بدر فلك معدن عوارف المعارف، مستجمع الفضائل، جامع اللطائف، المولى الجامي نور الدِّين عبد الرَّحمن بن أحمد بن نظام الدِّين محمَّد الدشتي الجامي.
كان لقبه الأصلي عماد الدِّين، ثم اشتهر بنور الدين، ولد بخَرْجِرْد جام، وقت العشاء، الثالث والعشرين من شعبان المكرم، سنة سبع عشرة وثمانمئة، وقد تخلص بالجامي، وقال في وجهه قطعة:
مولدم جام ورشحه قلمم … جرعة جام شيخ الإسلاميست
لا جرم در جريده اشعار … بدو معنى تخلصم جاميست
وقال في قصيدته المسماة بـ "رشح البال":
بسال هشت صدو هفده زهجرت نبوي … كه روز مكه ويثرب سرادقات جلال
زاوج قله بروازكَاه عز وقدم … بدين حضيض هو است كرده ام برووبال
وكان ينتهي نسبه إلى الإمام محمَّد بن الحسن الشَّيباني، بيَّنه المولى عبد الغفور في "تذييل النفحات".
وذكر في "الرشحات": مولانا نظام الدِّين أحمد دشتي از مشاهير أهل علم وتقوى بوده اند منسوب بمحله دشت ازمحروسه اصبهان كه بواسطه بعض حوادث زمان از
стр. 1842
وطن مالوف بولايت جام آمده اند، وبامر قضا وفتوى اشتغال نموده اند ومادر وبدر ايشان از فرز ندان إمام محمَّد شيباني است؛ جه مولانا نظام الدِّين محمَّد ازفرزندان امام محمَّد درآن ولايت كه از ولايت خود بديار جام آمده اند صلبيه خود را درسلك ازدواج مولانا محمَّد دشتي وازوى مولانا أحمد كه والد شريف ايشانست متولد شده وآبا ايشان تادر ولايت جا ساكن مي بوده اند، در كتابت وسجلات وقبالجات عبارت دشتي مي نوشته، اند، جون رخت اقامت به هرات كشيده اند لفظ جامي بجاي آن رقم مي زده اند ودر آن سال كه حضرت مخدومي متولد شده شاه رخ ميرزا بر تسخير ممالك عراق وفارس دست يافته بوده است.
اشتغل المولى الجامي أولًا بالعلم الشريف، وفاق أهل زمانه في المعقول والمنقول، وقد سبق أوصافه في ذكر سعد الدِّين الكاشغري في الكتيبة السابقة، ثم عرض له داعي الطلب، فصحب مشايخ الصوفية، وتلقن كلمة التوحيد من خواجه سعد الدِّين الكاشغري، وتلقن عنه المولى رضي الدِّين عبد الغفور اللاري (١).
ذكر المولى عبد الغفور اللاري في "تذييل النفحات": حضرت ايشان قدوة العارفين واسوة الكاملين المتوجه إلى الله بالكلية والداعي إليه بأنواره الجلية، مولانا سعد المِلَّة والدِّين الكاشغري قدس سره را در واقعه ديده اند وبكَوش هوش شنيده كه فرمودند:
مصراع: رو دامن ياري كَيركه ناكَزير توبود. رباعي:
معشوقة زد ازميكده ام بانكَـ تعال … داد ازمى عشقم قدحى ما لا مال
ازد رد سر خرد شدم فارغ بال … برداشتم افغان بتقاضاي وصال
стр. 1843
زد سحر طائر قدسم زسر سدره صفير … كه درين دامكَه حادثه آرام مكَير
قدسيان بهر توآراست خلوتكَه انس … تودرين غمكده جون غمزكَان مانده اسير
بكَسل ازدل ببر از جان كه كَزير است ازآن … دل درآن شاهد جان نه كه ازآن نيست كَزيز
هرآينه جون حضرت حق خواهد كه بنده را از محض كرم وعنايت بي علت خود بنوازد ودرمانده راباي دل از قيد آب وكَل بردارد بمقتضاي وفق عادت وسبق ارادت وسيله انكَيزد وبهانه سازد؛ نسيم فضل واحسان عبير بيز وعنبر افشان شود وجهره وي از تحت استار عوائق درخشان كَردد؛ حضرت ايشان را ازين واقعة تأثير بليغ ودغدغه در خاطر افتاد، عنان توجه بجانب خراسان تافته اند وصحبت حضرت مخدوم دريافته.
(وبلغ عنده رتبة الكمال والإرشاد) (١)، وأخذ التلقين والنسبة، عن المولى سعد الدِّين الكاشغري عن المولى نظام الدِّين الخاموش، عن خواجه علاء الدِّين العطار، عن خواجه بهاء الدِّين نقشبند، عن السيِّد أمير كلال، عن خواجه محمَّد بابا شماسي، عن خواجه على الرامتيني الشهير بخواجه عزيزان، عن خواجه محمَّد الإنجير فغنوي، عن خواجه عارف الريوكري، عن خواجه عبد الخالق الغُجْدُوَاني، عن خواجه يوسف الهَمَذاني، عن أبي القاسم الكُرْكاني، عن أبي علي الفارمدي، عن أبي الحسن الخَرَقَاني، عن سلطان العارفين أبي زيد البِسْطَامي عن الإمام جعفر الصادق، عن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃.
стр. 1844
وكان للمولى الجامي صحبة كثيرة (١) مع خواجه عبيد الله السَّمَرْقندي انتسب إليه أتم الانتساب.
وكان يقتبس من أنوار مشكاة عرفانه، ويستفيد من فوائد تحقيقه وإيقانه، وكان في ابتداء شغله عند المولى سعد الدِّين الكاشغري عمل المجاهدات الشاقة، واختار العزلة عن الخلق، وحصل له جذبة عظيمة، وكيفية قوية، حتى توجَّه من غير شعور جانب الكعبة، ووصل إلى كوسوا وأفاق فيها، ثم عاد إلى مولانا سعد الدِّين، وأقام عنده مدة، ثم قدم فصل الربيع إلى قصبة أوبه، وأقام بها أيامًا فغلب شوق المولى سعد الدِّين وأرسل إليه مكتوبًا، وهذه (٢) صورته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حق تعالى با خود دارد وبغير خود ندارد، توقيع ازآن برادر ونور بصر مولانا عبد الرَّحمن جامي آنكه اين فقير حقير عمر ضائع كرده را از كوشه خاطر شريف دور ندارند؛ توقيع ازآن برادر واشتياق غالب دادند، نميدانم كه جه نويسم؟ اينها همه اسم ورسم است، آنجه مقصود است در عبارت نمى آيد. شيخ احمد غزالي ميكَويد: كه تعريف اين طائفة كه ميكنم نه از جهت احتياجست مرا، اما تعطشي كه مراست وعزت وشرفي كه ايشا نراست نميدانم كه جه ميكَويم؟ رخسار من اينجا وتوبر كَل نكرى والسلام، والتحية، الفقير الحق سعد الكاشغري، وحين وصل الكتاب إليه رجع إلى خدمته.
وله تصانيف كثيرة مقبولة، ذكرها عبد الغفور اللاري في "الذيل"، فقال: تفصيل مصنفات حضرة إيشان قدس سره تفسيرتا آيت ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، شواهد
стр. 1845
النبوة، نفحات الأنس، نقد النصوص، رسالة طريق (١) خواجكان أشعة اللمعات، شرح فصوص الحكم، لوامع شرح بعض أبيات تائية فارضية، شرح رباعيات، لوائح، شرح بيتين مثنوي مولوي، شرح بيت خُسْرَو دهلوي، شرح حديث أبي رزين عقيلي جمع سخنان خواجه مي بارسا، ترجمة أربعين حديث، مناقب حضرت مولى، مناقب خواجه عبد الله أنصاري، رسالة تحقيق مذهب صوفي ومتكلم وحكيم، رسالة في الوجود، رسالة جواب سؤال هندوستان، رسالة لا إله إلا الله، رسالة مناسك حج، هفت اورنكَـ مشتمل بر هفت كتاب، كتاب أول سلسلة الذهب، وثانى ابسال سلامان، ثالث تحفة الأحرار، رابع سبحة الأبرار، خامس يوسف زليخا، سادس ليلي ومجنون، سابع خودنامه اسنكدري، ديوان أول، ديوان ثاني، ديوان ثالث، بهارستان، رسالة كبير در معمار، رساله متوسط رسالة صغيرة، رسالة منظومة أصغر، رساله عروض، رسالة قافية، رسالة موسيقي، رسالة منشآت، فوائد (٢) ضيائية في شرح الكافية، شرح بعض أز مفتاح الغيب كه به بياض نرفته صرف فارسي منظوم، ومنثور.
وكان جميل السيرة، حسن السريرة، دائم الذكر مصيب الفكر، مستغرق الأوقات بالخلوة والطاعة، مستوعب العمر بالعبادة والتوجه والمطالعة، قليل الرغبة في الدنيا، غير ملتفت إلى الأمراء، جمع بين علمي الشَّريعة والحقيقة، وشرح أحسن الشروح أصول الطريقة، وكان من محاسن الزمان، لم تر العيون مثله في العلم والعرفان.
ولقد كنا في سالف الزمان نقرأ "تفسير البيضاوي" بالإخوان على أستاذنا فخر الأفاضل، مجمع المعاني وجامع الفضائل، المولى العالم العامل، والسيِّد الفاضل الكامل، محي الدِّين محمَّد بن عبد القادر عفى عنهما الملك الغفار المقتدر.
стр. 1846
وكان وقتئذ مستعفيًا ومتقاعدًا عن قضاء العسكر المنصور بأناطولي، فجمعنا كتب التفاسير وما يتعلق بها من الرسائل والحواشي، وعندي تفسير المولى العالم الرباني نور الدِّين عبد الرَّحمن الجامي كتبته بيميني، وكنت أنظر فيه في أثناء مطالعتي، وأنظر ما حققه، وأضبط ما دققه.
واتفق في أثناء درسي بمحضر أستاذنا السيِّد الفاضل أن أتكلم عن تحقيقاته وتدقيقاته التي حرَّرها ذلك العالم الرَّباني في أثناء تفسير قوله تعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] من كلمات وأقوال المتصوفة في الأعيان الثابتة، وتبعية العلم بالمعلوم، ومجعولية الماهية وعدمها، وفائدة التكلف، وغير ذلك مما أفاض الله به على هذا العبد الفقير في ذلك المجلس الخطير.
فحين سمع كلامي انبسط المولى الأستاذ، وبسط الكلام في هذا المقام وأفاد وأجاد، فلما أتم كلامه تأوه وارتعد، فسكت زمانًا كأنه تواجد، ثم رجع وشرع إلى ذكر فضائل المولى الجامي، وأخذ دروز ثوبه يجره (إلى يمينه) (١) السامي، وقال: وإلى هذا بِذَنبِيّ، لو كنت بزمانه (لأفتخر بأن) (٢) أكون من جملة غواشيه، أفاض الله شآبيب رضوانه عليه وعلى حواشيه.
وحكى صاحب "الشقائق" عن أستاذه المولى الفاضل محيي الدِّين الفَنَاري، وهو عن والده المولى الفاضل علي الفَنَاري أنّه قال: قال والدي وكان قاضيًا بالعسكر المنصور للسلطان محمَّد خان: إنّ السُّلطان قال لي يومًا: إنّ الباحثين من
стр. 1847
علوم الحقيقة المتكلمون والصوفية والحكماء، ولا بد من المحاكمة بين هؤلاء الطوائف، (قال والدي: قلت للسلطان: لا يقدر على المحاكمة بين هؤلاء) (١) إلا المولى عبد الرَّحمن الجامي.
قال: قال: فأرسل السُّلطان محمَّد خان إليه رسولًا مع الجوائز السنية، والتمس منه المحاكمة المزبورة، فكتب رسالة حكم فيها بين هؤلاء الطوائف في مسائل ست؛ منها: مسألة الوجود وأرسلها إلى السُّلطان محمَّد خان، فقال: إن كانت الرسالة مقبولة تلحقها بباقي المسائل وإلا فلا فائدة في تضييع الأوقات، فوصلت الرسالة إلى الروم بعد وفاة السُّلطان محمَّد خان.
قال المولى محيي الدِّين الفَنَاري وبقيت تلك الرسالة عند والدي، وأظن أنّه قال: إنها عندي الآن.
مات ﵀ بهرات، سنة ثمان وتسعين وثمانمئة، قيل في تاريخه:
جامي كه بود بلبل جنت قرار يافت … في روضة مخلدة أرضها السماء
كلك قضاء نوشت بران روزن بهشت … تاريخه ومن دخله كان آمنا
حكي أنّه لما توجه الطائفة الطاغية الأَرْدُبِيلية إلى خراسان أخذ ابنه ضياء الدِّين يوسف جسده من قبره، ودفن في ولاية أخرى، ولما سلط عليها الطائفة المذكورة نبشوا قبره ولم يجدوه، وأحرقوا ما فيه من الأخشاب عليه الرحمة، وله السعادة العظمى يوم الحساب، وعليهم النكال والعقاب والعذاب.
* * *
стр. 1848
[٧٠٥ - السيِّد عبد الله البرزش آبادي]
الشَّيخ العارف الرباني، والمرشد الكامل الصمداني، مجمع فنون المجاهدة، منبع عيون المشاهدة مفتاح كنوز الحقائق، مصباح رموز الدقائق، (فخر زمانه، ومقدم أوانه) (١)، شرف العترة الحسينية، السيِّد عبد الله البرزش آبادي.
كان فخر زمانه، ومقدم أوانه، نسبًا وحسبًا، وكان نقيب السادة الأشراف بمملكة خراسان، وكان نقيب المملكة العثمانية السيِّد محترم يتصل نسبه إليه هو جد أبيه.
حكي أنّ الشَّيخ العارف بالله عبد اللطيف الجامي المخدومي لما قدم هذه الديار طلبه السُّلطان الغازي سليمان خان، فدخل عليه، يقال: إنّ السُّلطان المذكور أخذ عنه التلقين، وكان مريدًا له، فسأله في أثناء الصحبة عن سبب مجيئ الشَّيخ إلى قسطنطينية، فقال: جئنا إلى هذه البلدة (٢) الوبائية لزيارة مخدومنا السيِّد محترم، فإنّه نجل الشَّيخ الأعظم السيِّد عبد الله برزش آبادي، وهو رجل عظيم القدر شريف النسب، أخذ التلقين وآداب الطريق عن خواجه إسحاق الختلاني، وهو عن السيِّد علي الهمذاني، وهو عن الشَّيخ محمود المردقاني، عن عبد الرَّحمن الكسرتي، عن جمال الدِّين أحمد الجوزَقاني، عن رضي الدِّين علي لالا، عن مجد الدِّين البغدادي، عن نجم الدِّين الكُبْرَى، عن إسماعيل القصري، عن شهاب الدِّين السُّهْرُوَرْدِي، عن أحمد الغزالي، عن أبي بكر النَّسَّاج، عن أبي القاسم الكُرْكاني، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي علي الكاتب، عن أبي علي الرُّوْذْبَاري، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن السَّري السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطائي، عن حبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵃.
стр. 1849
ولبس الخرقة وأخذ التلقين عن الشَّيخ عبد الله برزش آبادي الشَّيخ الملقَّب بالرشيد، وأخذ عنه الشَّيخ شاه بيدوازي، وأخذ عنه شيخنا المخزومي الأعظم حاجي محمَّد المخبوشاني، أخذت التلقين عنه، كذا حكا لي الشَّيخ العارف بالله شيخنا الشَّيخ محمَّد السَّمَرْقندي خليفة الشَّيخ العارف بالله الشَّيخ عبد اللطيف المزبور.
ثم قال لي الشَّيخ عبد اللطيف: واعلم أيها السُّلطان أنّ السيِّد عبد الله برزش أبادي كان صحيح النسب كبير الحسب (١)، له مقامات عالية وكرامات سامية، ومع ذلك كان نقيب الأشراف في ديار خراسان، ولم يكن رجل فيها نقيبًا إلا وقد سلم من الدخل في نسبه، فقال السُّلطان الغازي سليمان خان: هو كذلك.
ثم بعد ذلك كان النَّقِيب محترم يزداد تفخيمه وتعظيمه عند السُّلطان وأركان السلطنة، حتى ارتقى أمره إلى أن نازع في التصدر في الأعياد على شيخ الإسلام مفتى الأنام المولى المعظم أستاذ العالم أبي السعود العمادي، وكان في الأول يلازم إلى بابه بل إلى باب حواشيه، ولقد كنت في بعض الأيام والليالي نحضر مجلسه العالي فسمعناه مرارًا يطيل لسانه عليه، وأكثر طعنه أنّه يقول: أيها الفحول، ما يقول شيخ الإسلام ومفتي الأنام في الزكاة وحج بيت الله الحرام.
وكان شيخ الإسلام ذا مروءة عظيمة، طلب الإذن للحج من السُّلطان فلم يرضَ، وكان نقيب الأشراف السيِّد محترم شافعي المذهب (٢) أشعري العقيدة، مات قبل شيخ الإسلام بسنتين، في سنة إحدى وثمانين وتسعمئة، وهو مات في (٣) سنة ثلاث وثمانين وتسعمئة.
стр. 1850
[٧٠٦ - عبد اللطيف المقدسي (١)]
الشَّيخ العارف بالله الشَّيخ عبد اللطيف المقدسي قدس سره.
كان صاحب "الشقائق"، كتب هو بخطه نسبه في بعض كتاب الإجازة هكذا: عبد اللطيف بن عبد الرَّحمن بن أحمد بن علي بن غانم المقدسي الأنصاري.
ولد ﵀ في ليلة الجمعة، الموفية للعشرين من شهر رجب، سنة ست وثمانين وسبعمئة (٢)، واشتغل أولًا بالعلم الشريف، ثم غلب عليه الميل إلى طريق التصوف، واتصل بخدمة الشَّيخ العارف بالله الشَّيخ عبد العزيز، وأجازه الإرشاد، ولما وصل الشَّيخ زين الدِّين الخافي إلى القدس الشريف أنزله الشَّيخ عبد اللطيف في بيته وأكرمه غاية الإكرام، وصاحب معه، وحصل له ميل عظيم إليه.
ثم لما عاد الشَّيخ زين الدِّين توجه معه إلى خراسان، وقعد بأمره في الخلوة، واشتغل بالرياضات والمجاهدات، ووصل عنده (٣) ما وصل، فأجازه الإرشاد، فكتب له كتاب الإجازة للإرشاد، فارتحل إلى دمشق الشام، ثم ارتحل إلى بلاد الروم، ودخل مدينة قونيه، وله بيتان أشار بأول حرف من كل كلمة منهما إلى أول حرف من أسماء رجال سلسلته وهما هذان (٤):
علا زين عزي يا حبائب مهجعا … نجيا علي نهج غلا نوع كونه
عفا كلُّ رسمٍ جازَ سير مني عفا … كفاهُ جرى بحرزها حين عونه
стр. 1851
وأسماء رجال هذه السلسلة على هذا الترتيب، عبد اللطيف القدسي، ثم زين الدِّين الخافي، ثم عبد الرَّحمن السرسي، ثم يوسف العجمي، ثم حسن الشمشيري، ثم محمود الأصفهاني، ثم نور الدِّين النظري، ثم عمر السُّهْرُوَرْدِي، ثم نجيب السُّهرُوَرْدِي، ثم أحمد الغزالي، ثم النَّسَّاج أبي علي، ثم الكُرْكاني أبي علي، ثم أبي عُثمان المغربي، ثم أبو علي الكاتب، ثم أبو علي الرُّوْذْبَاري، ثم جنيد البغدادي، ثم السَّري السَّقَطي، ثم معروف الكَرْخي، ثم علي بن موسى الرضا، ثم موسى الكاظم، ثم الإمام جعفر الصادق، ثم محمَّد الباقر، ثم الإمام زين العابدين، ثم الإمام حسين بن علي، ثم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين (١)، انتهى ما في "الشقائق" إجمالًا (٢).
وأخذ عنه التلقين وأكمل عنده الشَّيخ العارف بالله مصلح الدِّين مصطفى بن أحمد الصدري القُونَوي، الشهير بالشَّيخ وفا، والشَّيخ بيري خليفة الحميدي، والشَّيخ العارف بالله تعالى تاج الدِّين إبراهيم المناوغاتي.
روي أنّ اشتغال هذا [الطريق] لأجل دفع الضرَّ وجلب المنافع ومعاونة الإخوان ومقابلة الأعداء، إنّما ظهر من الشَّيخ عبد اللطيف القدسي وراثة من طريقة الشَّيخ عبد العزيز، وإلا (لا مساغ) (٣) لذلك في طريق الزينية.
وله كتاب مسمَّى بـ "التحفة في بيان المقامات والمراتب"، مات ﵀ في قلعة بروسا، سنة ست وخمسين وثمانمئة، ودفن عند زاويته، يزار ويتبرك به.
* * *
стр. 1852
[٧٠٧ - عبد الرحيم بن الأمير المرزيفوني (١)]
الشَّيخ العارف بالله، الشَّيخ عبد الرَّحيم بن الأمير الْمَرْزِيفُونِي، هو ابن الأمير بمرزيفون ﵀ (٢).
ولد ﵀ بمرزيفون، سافر [إلى] البلاد المصرية، ولقي هناك الشَّيخ العارف بالله زين الدِّين الخافي، وصاحب معه وسافر معه إلى قصبة خواف (٣)، واختلي عنده خلوات كثيرة، واجتهد غاية الاجتهاد برياضات قوية ومجاهدات شاقة، وتلقن منه الذكر، ولبس منه الخرقة، ونال عنده المقامات العالية، وظهرت منه الكرامات السامية، فكتب له الإجازة بالإرشاد (٤)، وأجاز له أن يروي عنه "كتاب عوارف المعارف"، و"كتاب أعلام الهدى" للشيخ شهاب الدِّين السُّهْرُوَرْدِي، وأجاز له أن يروي عنه تصنيفه الموسوم بـ "الوصايا القدسية"، وسائر تصانيفه، وأرسله إلى وطنه مرزيفون من بلاد الروم.
روي أنّه قال بعد ذهاب المولى عبد الرحيم المرزيفوني: أرسلنا إلى بلاد الروم نار العشق، ولما وصل إلى وطنه عيَّن له السُّلطان مراد خان من أوقاف عمارته بمرزيفون خمسة دراهم كل يوم، ثم زاد عليها ثلاثة، وعين له كل سنة عشرة أمداد من الغلَّة.
ولما سئل الشَّيخ عن قبول هذه الدراهم قال: لا بأس به، حصرنا الأيادي المختلفة في اليد الواحدة وسددنا بتلك اللقمة فم النفس.
مات ﵀ بموطنه مرزيفون، ودفن هناك، وقبره مشهور يزار ويتبرك به.
стр. 1853
وله كرامات عيانية ومعنوية، خارجة عن العد والإحصاء، مشهورة في دياره، وله نظم مشتمل على أحوال العشق، يلقب نفسه في نظمه بالرومي.
* * *
[٧٠٨ - عبد المعطي المغربي]
الشَّيخ العارف بالله الشَّيخ عبد المعطي المالكي المغربي.
كان مالكيَّ المذهب ولد بالبلاد المغربية، ووصل إلى خدمة الشَّيخ العارف بالله زين الدِّين الخافي، وكان يسمى لعبد المعطي هذا، ولعبد الرحيم، ولعبد اللطيف المذكورين قبله بالعبادلة الثلاثة، وهؤلاء الثلاثة من كبار خلفاء زين الدِّين الخافي.
ولقب عبد المعطي هذا أيضًا بشيخ الحرم، وله كرامات عيانية ومعنوية مشهورة في الآفاق.
حكي عن المولى محمود السندي - الذي قد نيف سنة على مئة وعشرين سنة ولم يظهر في محاسنه بياض، وقد صاحب زين الدِّين الخافي، وخواجه عبيد الله السَّمَرْقندي، والسيِّد قاسم الأنوار- أنّه قال: حججت في بعض السنين ولقيت بمكة الشَّيخ عبد المعطي، ورأيته على الرياضة القوية، والانقطاع عن الناس، وأحببته محبة عظيمة.
فقال لي يومًا: سمعت أنك رأيت الخواجه عبيد الله السَّمَرْقندي، وهل تعرفه إذا رأيته اليوم؟ قال: قلت: نعم، قال: وها هو في الطواف، فذهبت إلى المطاف فرأيته يطوف بالبيت، واشتغلت أنا أيضًا بالطواف.
وقبل فراغي من الطواف ذهب هو إلى مقام إبراهيم واشتغل بالصلاة، فلما أتممت الطواف ذهبت إلى مقام إبراهيم وشرعت في الصلاة، فلما سلَّمت لم أر
стр. 1854
أثرًا من الخواجه عبيد الله، قال: فأتيت الشَّيخ عبد المعطي، فقال: عرفت أنك تعرف الخواجه عبيد الله، قال: وبعد مدة سافرت إلى سمرقند، وذهبت إلى خدمة الخواجه عبيد الله، فلما رآني قال لي: اكتم ما جرى، قال: ثم ذهبت إلى مكة، فوجدت الشَّيخ عبد المعطي اشتهر بين الناس واجتمع عليه جماعة كثيرة، قال: ولما ذهبت إلى خدمته قال لي: شهرت الخواجه عبيد الله عندك، وهو شهرني عند الناس.
* * *
[٧٠٩ - السيِّد يحيى الشَّرْواني (١)]
الشَّيخ العارف بالله، والمتوجه بالكلية إلى الله، قدوة الطائفة الخَلْوَتية، أسوة الشيوخ الكسوتية، فخر العترة الحسينية، بحر المعرفة اليقينية، السيِّد يحيى بن السيِّد بهاء الدِّين الشَّرْواني، قدس سره.
كان أبوه من أهل الثراء، ولد بشماخي مدينة بولاية شروان، ونشأ بها وكان صبيح الوجه، حسن الخصال، صاحب الغنج والدلال، وكان يلعب بالصولجان فرأى ذات ليلة واقعة تغيَّرت بها أحواله، فهب له نسيم التوفيق، والتجأ إلى خدمة الشَّيخ صدر الدِّين الخَلْوَتي، ولازم، خدمته، فكره والده السيِّد بهاء الدِّين ذلك؛ لدخوله خلوة الشَّيخ مع هذا الجمال الذي هو مضرب الأمثال، وأنكر على الشَّيخ صدر الدِّين أيضًا لإذنه له في ذلك، وقد نصح لابنه السيِّد يحيى مرات فلم ينفع، حتى إنّه قصد إهلاك (٢) الشَّيخ صدر الدِّين ولم يتيسر مرامه.
حكي أنّه اتفق في بعض تلك الليالي أنّ السيِّد يحيى لم يحضر الجماعة في
стр. 1855
صلاة العشاء لاشتغاله بصفاء الهمة، وكان الأيام أيام الشتاء، فتعطل رجلاه (وحصل له وجع) (١)، وبقي على ذلك أيامًا، فدخل الشَّيخ صدر الدِّين بيت الخلوة ليلة من كوة البيت فأخذ بيده، وقال: قم يا ولدي، فاندفعت تلك العلة عنه، فسمع هذا الأمر والده فزاد إنكاره عليه، وقال له: لأي شيء دخل شيخك من الكوة ولم يدخل من الباب، وأنت تعتقد أنّه متشرع فقال السيِّد يحيى: خاف من الشوك في الطريق، قال: وأي شوك هو؟ قال: إنكارك عليه، فعند ذلك زال إنكاره، ولازم هو أيضًا خدمة الشَّيخ المذكور.
روي أنّ الشَّيخ صدر الدِّين أمر السيِّد بهاء الدِّين أن يخدم نعل ولده سنة ليحصل له المجاهدة بذلك.
وكان السيِّد يحيى يتأثر من ذلك غاية التأثير، إلى أن أمره الشَّيخ صدر الدِّين أن يخدم نعل والده، وكان الشَّيخ السيِّد يحيى تربى بتربية صدر الدين (٢)، وبلغ عنده رتبة الإرشاد ونال الكرامات وظهر منه الحالات.
وكان الشَّيخ بيرزاده بن الشَّيخ حاج عز الدِّين الخَلْوَتي أيضًا في خدمة الشَّيخ صدر الدِّين ونال عنده مقامات عالية، وكان السيِّد يحيى تزوج ابنة بيرزاده لأنّه كان قديم الصحبة مع السيِّد صدر الدِّين، ومع ذلك إقبال الناس على السيِّد يحيى كثيرًا، ولهذا الخلاف انتقل السيِّد يحيى من شماخي إلى بلدة باكو من ولاية شيروان، وتوطن هناك، واجتمع الناس عليه مقدار عشرة آلاف نفس (٣)، وانتشر خلفاؤه إلى أطراف الممالك.
стр. 1856
قيل: هو أول من سنّ ذلك، وكان يقول: يجوز إكثار الخلفاء لأجل تعليم آداب (١) الطريقة للناس، وأما المرشد الذي يقوم مقام الإرشاد بعد شيخه فهو لا يكون إلا واحدًا.
يحكى أنّه لم يأكل الطعام في آخر عمره مقدار ستة أشهر، واشتهى يومًا في تلك المدة طعامًا عيَّنه، فباشر تحصيله ولده الأكبر، واهتم فيه غاية الاهتمام، حتى أحضره بين يديه، فلما أخذ منه لقمة اشتغل بتقرير المعارف الإلهية زمانًا، ثم ترك اللقمة ولم يأكلها، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ الحكيم لقمان تغذى برائحة بعض من الرياحات عدة سنين، ولا بعد لي أن أتغذى برائحة هذه اللقمة.
يروى أنّه كان يقول إذا دعي له بطول العمر: ادْعُو بطول العمر للسلطان خليل؛ لأنّ عمري في مدة حياته، وكان كما قال، حيث عاش بعد وفاته مقدار تسعة أشهر.
مات في بلدة باكو، سنة تسع أو ثمان وستين وثمانمئة.
ومن كبار خلفائه الشَّيخ العارف بالله المولى علاء الدِّين الخَلْوَتي، والشَّيخ العارف الرَّباني عمر دده الأيديني الشهير بروشني، والشَّيخ العارف بالله حبيب العمري القراماني، والشَّيخ محمَّد الجمال الشهير بجلبي خليفة، الذي اتصل نسبه إلى جمال الدِّين الآقسرايي.
صاحب مع الشَّيخ علاء الدِّين الخَلْوَتي مدة يسيرة، ثم بعد وفاته توجه إلى خدمة السيِّد يحيى، ولما انفصل من أَذْرَبِيجان مسافة يومين استمع وفاة السيِّد يحيى فلم يتيسر له الوصول، ورجع إلى أَذْرَبِيجان.
* * *
стр. 1857
[٧١٠ - الحاج بيرام]
الشَّيخ العارف الرَّباني، والمرشد الكامل الصَّمداني، جامع علمي الشَّريعة والحقيقة، حافظ السنة، وضابط آداب الطريقة، أستاذ الشيوخ الأكابر، مجمع عيون المشاهدة بالكشف الباهر، الغوث الأكبر، وارث خير البشر، الحاج بيرام الأنقروي، قدس سره.
ولد ﵀ بصُول فَصول، وهي قرية من توابع بلدة أنقرة، مجاورة بنهر معروف بحياة مي، فنشأ بأنقرة، واشتغل بالعلوم الشرعية والعقلية، وفاق على أقرانه، وبلغ رتبة الفضل والكمال.
وصار مدرسًا بمدينة أنقرة، ثم هب له نسيم التوفيق، ودلَّه إلى سواء الطريق، وترك التدريس، وتشرف بصحبة الشَّيخ العارف حميد الدِّين الآقسرايي، وبلغ رتبة الإرشاد، وأجازه وكتب له الإجازة، وكان عارفًا بأطوار السلوك ومنازله ومقاماته، وكان صاحب كرامات عيانية ومعنوية، وكان صحبته مؤثرة في الغاية يلتقط الدرر من كلمه، ويتناثر الجوهر من حكمه، يصدع القلب القاسي خطابه، ويجمع العظام النخرة عتابه، لو استمع له الصخر لانفلق، والكافر الجحود لآمن وصدق.
ووصل ببركة صحبته كثير من الخلق إلى المراتب العالية، أخذ الطريقة والتلقين، عن الشَّيخ حميد الدِّين الآقسرايي، وهو أخذ عن خواجه علي الأَرْدُبِيلي، عن صفي الدِّين الأَرْدْبِيلي، عن إبراهيم الزَّاهد الكيلاني، عن جمال الدِّين النوسري، عن شهاب الدِّين التِّبْرِيْزي، عن ركن الدِّين السِّجَاسي، عن قطب الدِّينِ الأَبْهَري، عن أبي النجيب السُّهْرُوَرْدِي، عن الإمام الشَّيخ أحمد الغزالي، عن أبي بكر النَّسَّاج، عن أبي القاسم الكُرْكاني، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي علي الكاتب، عن أبي
стр. 1858
علي الرُّوْذْبَاري، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي (١) رحمهم الله تعالى.
وأخذ عنه جماعة كثيرة، ونالوا عنده المقامات العالية، وظهرت منهم الكرامات السامية، منهم الشَّيخ العارف بالله محمَّد بن حمزة الشهير بآقْ (٢) شمس الدِّين، والشَّيخ العارف بالله الأمير السكيني، وبدر الدِّين الدقيق، وبدر الدِّين الأحمر، والشَّيخ لطف الله، وآق بيق المجذوب، ومحمَّد بن الكاتب صاحب "كتاب المحمدية"، وأخوه أحمد بن الكاتب، وشيخي الشاعر، وصلاح الدِّين البونوي (٣)، وبابا نحاس الأنقروي، وعمر دده البروسوي وغيرهم.
مات ﵀ ببلدة أنقرة، ودفن بها، وقبره هناك مشهور يزار ويتبرك به، ويستجاب عنده الدعوات ويتنزل به البركات
* * *
[٧١١ - أمير سلطان (٤)]
قطب العارفين، وغوث السالكين، القائم بحقوق الله على الاستقصاء، والمراقب بذكر الله في السراء والضراء، ذو العلم النافع، والعمل الرافع، سلطان رجال الزمان، عنوان صحيفة العرفان، شمس الدِّين محمَّد بن علي الحسيني البُخاري، الشهير بأمير سلطان.
كان عارفًا بالله، وعالمًا بالكتاب والسنة، وزاهدًا متورعًا، له جذبة قوية،
стр. 1859
وحالات سنيَّة، وله قدم راسخ في التصوف وأحوال الطريقة، وكان جامعًا بين علمي الشَّريعة والحقيقة.
ولد ببلدة بخارى، وأبوه ربَاه، وظهرت له كرامات في حال صِباه، ونشأ ورعًا زاهدًا تقيًّا، طاهر الذيل دائم الذكر، مصيب الفكر، مراقبًا لله تعالى في حركاته وسكناته، (مرضي السيرة، مرعي السريرة) (١)، لقي الكبراء الفخام، وعاشر المشايخ العظام، وأخذ عنهم، ونال منهم ما نال من الأصول والفروع، والقال والحال، وله الأحوال (٢) الظاهرة، والكرامات الفاخرة.
ثم رحل إلى بلاد الروم وتوطن بمدينة بروسا، وقرأ على المولى شمس الدِّين الفَنَاري، قال صاحب "الشقائق": رأيت بخطه "كتاب مفتاح الغيب" لصدر الدِّين القُونَوي قدّس سرّه، قرأه على المولى الفَنَاري، وكتب عليه إجازة بخطه الشريف.
ثم إنّ أهالي بروسا لما شاهدوا فيه كرامات عيانية ومعنوية أحبوه محبة عظيمة، وكانوا يستمدون بهمته في نهاية آمالهم، ويستغيثون بفاتحته في مضائقات أحوالهم، فكان سيد وقته، وسر الله بين خليقته، واشتهر عندهم بأمير سلطان، وصارت من جملة أحبائه بنت السُّلطان بايزيد بن السُّلطان الغازي مراد خان حتى تزوَّج بها، وحصل له منها أولاد.
وله وقائع عجيبة، وحكايات غريبة مسطورة في مناقبه.
стр. 1860
ثم إنّ السلاطين العثمانية لما شاهدوا كراماته صاروا من أصحابه وأحبائه، وكانوا يعظمونه ويكرمونه ويحبونه ويعتقدونه، حتى إذا قصدوا سفرًا يذهبون إليه، ويتبركون بدعائه، ويتقلدون منه السيف.
ومن غرائب حكاياته المشهورة أنّه لما دخل الأمير تيمور بروسا، وأفسد فيها، واستغاث الناس بين يديه، وعرضوا أحواله عليه، وتضرعوا في دفع ظلمه واستيلائه، فقال: ادخلوا بعسكره، واطلبوا فيه رجلًا على هيئة زيه يصنع نعل الدواب، ووصف لهم شكله وهيئته (١)، فإذا وجدتموه سلموا مني عليه، وقولوا له مني (٢) يسأل عنكم الارتحال (بعد هذا) (٣)، فطلبوه ووجدوه كما وصف، وأوصلوا إليه الخبر، فقال: سمعًا وطاعة إن شاء الله تعالى، ففي غد ذلك اليوم ارتحل الأمير تيمور مع عسكره، بحيث لم ينظر مقدمهم ومؤخرهم.
مات ﵀ بمدينة بروسا في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمئة، ودفن بها، وقبره مشهور هناك، يعرفه كل أحد، يزورونه ويتبركون به، وتستجاب عنده الدعوات، ويستنزل به البركات، خصوصًا أهالي قره سي إيلي، يجيئون أكثر أهاليهم كل سنة مرة، ويطوفون حول مزاره، ويتبركون به، وعند قبره جامع وعمارة ومدرسة.
* * *