بخدمته، ثم ذهب بإشارته إلى بخارى، واعتكف هناك عند مزار الشَّيخ العارف بالله خواجه بهاء الدِّين نقشبندي، وتربى من روحانيته.
يقال: إنَّه أويسي المشرب، قيل: إنّه كان يجتهد فيه اجتهادًا كثيرًا، ويتوجه إلى روحانية خواجه بهاء الدِّين، وخواجه عبد الخالق، حتى كان في بعض المكاشفة ينشق القبر، ويتمثَّل له خواجه (بهاء الدِّين ويُعبِّر واقعته.
ثم بعد مدة أتى إلى مدينة سمرقند، وصحب مدة أخرى مع خواجه) (١) عبيد الله السَّمَرْقندي، وبلغ عنده رتبة الكرامة والإرشاد، ثم ذهب بإشارته الشريفة إلى بلاد الروم، ومر ببلدة هرات، فصحب المولى عبد الرَّحمن الجامي وغير ذلك من مشايخ خراسان.
وصحب معه، بأمر خواجه عبيد الله السَّمَرْقندي الشَّيخ العارف الرَّباني السَّيِّد أحمد البُخاري الحسيني، المدفون بالزَّاوية بقرب عمارة السُّلطان محمَّد، المشهورة بأمير بخارى، وسافرا وأتيا إلى بلاد الروم، وكان الشَّيخ الإلهي يعظمه غاية التعظيم، ولم يصدِّر عليه أحدًا من العلماء والفضلاء. ثم أتى إلى وطنه سِمَاوْ (٢)، وأقام بها مدَّة، وعيَّن للإمامة مدة إقامته بها السيِّد أحمد البُخاري.
حكي عن الشَّيخ الإلهي أنّه قال: إنّ السيِّد البُخاري صلَّى لنا صلاة الفجر بوضوء العشاء ستة سنين، وسئل عن نومه في تلك المدة، قال: كنت آخذ بغلة الشَّيخ وحماره في صبيحة كل يوم، وأصعد الجبل إلى نقل الحطب لمطبخ الشيخ، كنت أرسلهما ليرتعا في الجبل، وفي ذلك الوقت كنت أستند إلى شجرة وأنام ساعة.
стр. 1892
ثم اشتهر صيته في الآفاق، وظهرت كراماته، واجتمع عليه الرجال، ووصلوا إلى أمانيهم، حتى بلغ شهرته إلى مدينة قسطنطينية، وطلبه أكابرها وعلماؤها، فلم يلتفت إليهم، وأقام بوطنه إلى أن مات السُّلطان محمَّد خان.
وظهرت الفتنة والفساد في وطنه، فأتى إلى مدينة قسطنطينية، وسكن هناك بجامع زِيْرَك، واجتمع عليه الأكابر والأعيان، فشوش الفقراء بمزاحمة الأكابر، ومال الشَّيخ إلى الارتحال، فبينما هو على ذلك استدعاه الأمير أحمد بك الأورنوسي وكان من محبيه بأن يشرف مقامه بقصبته دار يكيجه سي، بولاية روم إيلي، فقبل كلامه، وأنجح مرامه، وارتحل إليه، فاجتمع عليه الطلاب، وأخذوا عنه ما أخذوا، ووصلوا إلى ما وصلوا، وانتفع ببركة قدومه الخاصة والعامة.
ومات هناك ﵀ سنة ست وتسعين وثمانمئة، ودفن بذلك الموضع، وهناك جامع (١) يزار ويتبرك به.
كان ﵀ في مجالسه الشريفة على الحضور التام، وكان متواضعًا صاحب خلق عظيم، بحيث لو دخل عليه أحد صغير أو كبير، غني أو فقير، يقوم له من مجلسه، ذكر عنده انقطاع الشَّيخ ابن الوفا عن النّاس، وخروجهم إليه موقتًا، وعدم التفاته إلى الأصاغر والأكابر، فقال: اختار جانب الحضور على حسن الخلق.
ويحكي صاحب "الشقائق" عن الشَّيخ مصلح الدِّين الطَّويل، وكان من جملة أحبابه أنّه قال: كنت مع سائر الطالبين عند حضور الشَّيخ بجامع زِيْرَك وعنده الشَّيخ عابد جلبي من أبناء جلال الدِّين الرومي، وكان قاضيًا، ثم تركه وصار ممَّن يلازم خدمة الشَّيخ، فأسرَّ الشَّيخ بكلام إليه، فنظر هو إلى جانب وتبسم، قال: وتعجبت من
стр. 1893
هذا الحال، فسألت عابد جلبي، عن هذا فقال: قال لي الشَّيخ: انظر إلى نور الدِّين خليفة، وكان إمامًا بالجامع المذكور، وكان رجلًا صالحًا من أهل الطريقة الخَلْوَتية، قال: فنظرت إليه فإذا هو في زي راهب، فتبسمت من هذا.
قال الشَّيخ مصلح الدِّين: فازداد بهذا الكلام اضطرابي، فقلت في نفسي: كيف كشف الشَّيخ حال ذلك الإمام مع أنّه رجل صالح من أهل الطريقة، وكيف خصَّ هذا الكلام بعابد جلبي، ولم يكن ذلك من عادته، فغلب عليَّ هذا الخاطر حتى تكلمته عند الشَّيخ، قال: قال الشَّيخ: ذلك الزَّي (١) صورة إنكاره علبَّ لا صورة دينه، وتخصيص الكلام بعابد جلبي هو أنّ مشارب النّاس مختلفة، مثلًا صبيان العوام يعلمون بالضرب وصبيان الأكابر يعلمون باللطف، ولو لم أتلطف معه لتركني، وترك هذا الطريق.
ومن مريديه وخلفائه الشَّيخ مصلح الدِّين الطويل من كرة النحاس، والشَّيخ بدر الدِّين بابا، والشَّيخ لطف الله الأسكرمي.
* * *
[٧٢٣ - عبد الغفور اللاري (٢)]
المولى العارف الرَّباني، والشَّيخ العالم الصَّمداني، عارف أسرار الحقيقة، كاشف رموز الطَّريقة، شمس سماء التحقيق، بدر فلك التدقيق، قدوة العارفين، عمدة السالكين، مولانا رضي الدِّين عبد الغفور اللَّاري.
стр. 1894
كان ﵀ من نسل سعد بن عُبادة ﵁ من كبار الأنصار، ورئيس قبيلة الخزرج.
وكان المولى عبد الغفور من أعزِّ تلامذة المولى العارف بالله تعالى عبد الرَّحمن الجامي، أخذ عنه العلوم العقلية والشرعية، والحقيقة والطريقة، وتلقَّن عنه الذِّكر، وأخذ عنه نسبة الطريقة النَّقشبندية، وقرأ عليه أكثر مصنفاته، كتب المولى الجامي بعد مقابلة "فصوص الحكم" في آخر كتاب عبد الغفور: تمت مقابلة هذا الكتاب بيني وبين صاحبي وهو الأخ الفاضل، والمولوي الكامل، ذو الرَّأي الصَّائب، والفكر الثَّاقب، رضيُّ المِلَّة والدِّين عبد الغفور، استخلصه الله تعالى لنفسه، وكان له عوضًا عن كلِّ شيء، في أواسط جمادى الأولى، المنتظمة في سلك شهور سنة ست وتسعين وثمانمئة، وأنا الفقير عبد الرَّحمن الجامي عفى عنه.
وفي "الرشحات": خدمت مولوي يعني عبد الغفور در تكلمه حاشية نفحات ادخال خود باين عنوان تعبير كرده اند: فقيرى را دغدغه شغل بدين طريق دست داده بوده است وبملازمت ايشان آمده واستدعاء تعليم كرده. ايشان او را تلقين ذكر لا إله إلا الله محمَّد رسول الله كرده اند وشروط بحفظ صورت مبارك خود ساخته اند.
آن شخص درهمان صحبت بفرموده ايشان مشغول كَشته، في الحال دروى اثر معهوده اين طائفة بظهور آمد وخود را در فضاي روشن ديده ولذت قوى وشوق عظيم دست داده ونشان (يوم تبدل الأرض غير الأرض) هويدا كَشته؛ اين حالت را بديشان عرض كرده فرموده اند: اين سريست كه از يار واز دوست نيز اخفا بايدكرد، بعده بتكرار شغل وكثرت عمل كيفيت بيخودي دروي متزايد ميى شده؛ روزى اين شخص از بعضي اشغال كه سبب فتور اين نسبت مي شده نزد ايشان شكايت كرده فرموده اندكه: جاره نيست، آن نسبت راشغلي اشغال ظاهري جمع مي بايد ساخت
стр. 1895
وصحبت كسي راكه ازوي اين نسبت دريافته لازم داشت، اين ملك ديكرست كه درين كس منعكس شده، جنان بايدكرد، ملك اين كس شود و اين بدوام صحبت ميسر، كردد كه فرمودند: اشتغال ما برين بحسب ظاهر ضروريست تا اين كس ازسائر خلق ممتاز نشود ونشانه مند نكردد؛ نشنيده كه شخصي نزديك برزكي رفت والتماس تعليم طريقي كرد، فرمودكه: هيج بيشه داري؟ كفت: ني، فرمودكه: بروبينه دوزي بياموز كه معنى روش اين طائفة بي صورت شغلي نمي باشد.
خدمت مولوي ميكفتند كه بيش ايشان درآمدم واز اختلاط مردم شكايت كردم. فرمودندكه: خلق خداي رااز عالم بيرون نمى توان كرد جنان بايد زيست كه خلق رابدين كس دست تصرف نباشد. رشحه خدمت مولوي استادى مولانا عبد الغفور عليه الرحمة والغفران دربيان وجود باري تعالى ونسبت معنوي ميفرمودند كه: وجود ممكن غير حقيقت اوست وعارض حقيقت او مثلا زيد مصور درذهن حقيقتي است كه اين وجود خارجي عارض آن حقيقت شده ومنظم بوي كشته، وآن حقيقت بواسطة ضميمه بخود مبدأ آثار باشد، جه از وجود بجيزي تعبير ميكنند كه مبدأ آثار باشد؛ ووجود واجب عين حقيقت اوست بخلاف وجود ممكن، بس آن حقيقت بخود مبدأ آثار است بي انضمام هيج شي بوي واختلاف است حكمًا وصوفيه راكه آن وجودي كه مبدأ آثار موجودات شده جه وجود است؟ شيخ ركن الدِّين علاء الدولة سمناني وقليلي از صوفيه برانند؛ واكثر حكما ومتكلمين برانند كه آن صفتي است ازصفات حق سبحانه كه إفاده وجود كرده برموجودات ومسمى است بفيض وجودى ووجود عام ونفس الرَّحمن وغير آن؛ وحضرت شيخ محيى الدِّين العربي واتباع ايشان واكثر محققين صوفية از متقدمين ومتاخرين وقليلي ازحكما ومتكلمين برانندكه وجودي كه مبدأ آثار شده هم وجود حق است سبحانه كه عين حقيقت خود
стр. 1896
است لا غير، بس همه ممكنات موجود بوجود واجب اند، يعني ذات با أشياء علاقة معيتي واقع است كه آن معيت مجهول الكيفية است وهيج احدي از ارباب تحقيق از انبياء واولياء وحكما بي بسر آن معيت وحقيقت نبرده، غايتش آنكه جمعي از افراد انسان مطلع شده اند برسر معيت بقدر استعداد وقابليت خود، تمثيلي كه مشابه اين علاقه است كه بقدر مناسبتي دارد نه آنكه في الواقع جنان باشد نسبت عارض است بمعروض، فقيري بعد از وفات خدمت مولانا عبد الغفور عليه الرحمة والغفران بجند روز شبي ايشا نرا بخواب ديده وبخاطرش آمده كه از دنيا رحلت كرده اند، بيش رفته وسلام كرده وجواب شنيده، بعد ازآن برسيده كه مخدومًا جون بدار آخرت نقل كرديد ازسر توحيد وجود نسبت معيت وي باشياء كه حضرته شيخ محي الدِّين درآن سخن كفته وغلو كرده شما راجه معلوم شد؟ فرموده اندكه: جون باين عالم آمدم مرا باحضرت شيخ ملاقات واقع شد واز ايشان سر اين مسأله برسيدم، فرمودند: سخن همانست كه نوشته ايم، باز آن فقير برسيدكه: آيا در عالم آخرت عشق وعاشقى وتعلق خاطر بمظاهر جميله مي باشد؟ فرمودند كه" جه ميكوئي؟ مذاق عاشقي آنست كه اينجاست، زيرا كه حسن عالم اجسام كه از تركيب اجزائي مختلفة حاصل ميشود زود متغير ميشود ومتبدل ميكردد بواسطة ضديت اجزاء بايكديكر، وبدان سبب عشق زائل ميشود وتعلق خاطر نمي ماند، اما حسنهاي اين عالم كه از جميع بسائط حاصل شده قابل فنا وزوال نيست وهركز تغير وتبدل نمي بزيرد، جه ميان اجزاي آن ضديت ومخالفت نيست، لا جرم آنجا هميشه عشق وعاشقي برقرارست، غايتش آنكه در ابتدا انقطاع ازبدن بواسطة علاقة وانسى كه روح راببدن مي باشد دوسه روزي تشويش بجوهر روح راه مي بايد، اما جون صاف وباك ميشود همجنان برسر مذاق وعاشقي مي آيد، جون ايشان اين سخنان فرموده
стр. 1897
اند آن فقير كفته كه آنجه شما فرموديد ازجمله اسرار آخر تست وميكويند: اموات ماذون نيستند بافشاي اسرار، آخرت اين جكونه است؟ كفتندكه: آن سخني است واهي كه عوام ميكويند واصلي ندارد، كه مردم بسيار در واقعات بيغمبر را ﷺ وكبراء اين امت راقدس الله تعالي ارواحهم ديده اند وازيشان غرائب وعجائب عالم آخرت جائز نبودي معلوم كرده اند؛ واكر افشاي عالم آخرت جائز نبودي قرآن وحديث بآن ناطق نشدي. بار ديكر درهمان آيام آن فقير بخواب ديده كه خدمت مولوي بيمارند، بخاطرش كذشته كه آيادرين جه سراست كه دوستان حق سبحانه اكثر أوقات به آفات وبليات مبتلا باشند؟ فرموده اند: سرش آنست كه امراض ورياضات موجب تنقية دماغ وتصفية قواى دماغى است، وجون دماغ تنقية مي يابد هرآينه متعلق اين قوت دماغي ميشود آن نور مطلق بسيط كه محيط جمله موجودات است، ومقصود همه مكونات وظهور اين معني مخصوص نيست، به بعض دون بعضي بلكه ازهر فردي از افراد انساني را كه اين تنقيه وتصفيه دست دهد آن نور مطلق بقوت دماغي وي ميشود، وفات خدمت مولوى عليه الرحمة در صباح يكشنبه بنجم شعبان سنة اثنى عشر وتسعمئة بود، بعد از طلوع آفتاب وبعض اكابر زمان در وفات ايشان اين قطعه نظم كردند، قطعة:
جوشد عبد الغفور آن كامل عصر … بعقبي غرقه درباي غفران
سرآمد روز كاردين ودانش … فرورفت آفتاب علم وعرفان
جوخواهي روزوماه سال فوتش … بكو يكشنبه بنجم زشعبان
стр. 1898
[٧٢٤ - آق شمس الدِّين (١)]
الشَّيخ العارف بالله، والمتوجه بالكلية إلى الله، دليل الطريقة، ترجمان الحقيقة، (إمام العارفين) (٢)، قِبلة السَّالكين، رافع أعلام السُّنَّة، قامع أضاليل البدعة، قرة عين الأولياء، غرة وجه الأصفياء، الداعي إلى الله (سبحانه على طريق) (٣) اليقين، محمَّد بن حمزة، الشهير بآق شمس الدِّين، قدس سره.
كان من نسل الشَّيخ العارف الرَّباني شهاب الدِّين السُّهْرُوَرْدِي. ولد بدمشق المحروسة، ثم أتى مع والده وهو صبي بلاد الرُّوم، واشتغل بالعلوم وبرع وفاق، وبلغ رتبة الفضل، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة عثمانجق، وكان مائلًا إلى طريقة التصوف، وكان يرغبه بعض الصلحاء في الوصول إلى خدمة الحاج بيرام إلا أنّه كان ينكر عليه، لأن الشَّيخ الحاج بيرام كان يسأل ويدور في الأسواق لحوائج الفقراء والمديونين، مع ما فيه من كسر النفس في ذلك الوقت.
ولما بلغه صيت الشَّيخ زين الدِّين الخافي ترك التَّدريس وتوجَّه إليه، ولما وصل إلى حلب رأى في المنام أنّ في عنقه سلسلة، طرفها بيد الشَّيخ الحاج بيرام بمدينة أنقرة فتوجَّه إلى بلد عثمانجق، ثم توجه إلى خدمة الحاج بيرام، فوجده مع مريديه يحصدون الزَّرع، ولم يلتفت إليه الشَّيخ، واشتغل آق شمس الدِّين في الخدمة المزبورة، ولما فرغوا من الخدمة أحضر لهم الطعام فوزعوه على الفقراء، وجعلوا
стр. 1899
من الطعام حصة للكلاب، ولم يلتفت الحاج بيرام إلى آق شمس الدِّين، ولم يدعه إلى الطعام معهم، فقعد الشَّيخ آق شمس الدِّين مع الكلاب، واشتغل بالأكل معهم، وعند ذلك ناداه الحاج بيرام، وقال: يا كوسج ادنُ مني وقد أخذت قلبي.
فاشتغل عنده وحصَّل طريقة الصوفية، ونال ما نال من الكرامات العليَّة والمقامات السنية، ومناقبه أكثر من أن تحصى.
وكان الشَّيخ آق شمس الدِّين طبيبًا للأبدان أيضًا، وله في الطِّب الظَّاهر تصانيف، وكان يعالج أبدان الواردين كما يعالج أرواحهم، يقال: إنَّ العشب تناديه وتقول: أنا شفاء من المرض الفلاني.
حكي أنّ سليمان جلبي بن الوزير خليل باشا كان قاضيًا بالعسكر في زمن السُّلطان مرادخان، وقد مرض بمدينة أَدْرَنة، في وزارة والده خليل باشا، وكان الشَّيخ آق شمس الدِّين في هذا الأوان بمدينة أَدْرَنة، وقد دعا الوزير المذكور الشَّيخ لأن يدعو ويعالج لولده.
حكي أن الشَّيخ عبد الرَّحيم الشَّهير بابن المصري من خلفاء الشَّيخ المذكور أنّه قال: ذهبت مع الشَّيخ المذكور إلى المريض المذكور، فدخلنا عليه فإذا عنده أطباء السُّلطان حول المريض يحضرون الأدوية للعلاج، فقال الشَّيخ للأطباء: أي مرض هذا؟ قالوا: المرض الفلاني، قال الشَّيخ: عالجوه بدواء السِّرسام، فأنكر عليه الأطباء، وخرجوا من عند المريض.
وأخذ الشَّيخ بدواة وكتب أسامي الأدوية فأحضروها، فعالجه بها، وظهر النفع في الحال، ومع ذلك لم يسأل عن حال المريض، قال الشَّيخ عبد الرَّحيم -أي المصري-: ولما خرجنا من عند المريض، قال لي: لو سكتُّ عنه لأهلكته الأطباء بعلاجهم.
стр. 1900
ومن أعزة أصحابه وخلفائه العارف بالله عبد الرَّحيم الشَّهير بابن المصري، والعارف بالله الشَّيخ إبراهيم بن حسين السيواسي مولدًا القَيْصَري مرقدًا، والعارف بالله حمزة الشهير بالشَّيخ الشَّامي، وابن العطَّار الشَّيخ مصلح الدين، ومن نجباء أولاده الشَّيخ سعد الله، والشَّيخ فضل الله، والشَّيخ أمر الله، والشَّيخ العارف (حمد الله) (١)، المشتهر بحمدي، جلبي، صاحب النظم باللغة التركية في يوسف ﵇.
حكي أنّ السُّلطان أبو الفتح محمَّد خان بن السُّلطان مراد خان لما أراد فتح قسطنطينية دعاه للجهاد، ودعا أيضًا الشَّيخ آق بق، وأرسل إليهما المرحوم أحمد باشا بن ولي الدِّين للتوجه إلى فتح قسطنطينية، وكان الشَّيخ آق بق رجلًا مجذوبًا لم يحصل منه شيء، وأما الشَّيخ آق شمس الدِّين فإنّه قال: سيدخل المسلمون القلعة من الموضع الفلاني في اليوم الفلاني وقت الضحوة الكبرى وأنت تكون حينئذ عند السُّلطان محمَّد خان.
قال صاحب "الشقائق": حكى لي بعض أولاده أنّه جاء ذلك الوقت ولم تنفتح القلعة، فحصل لنا خوف عظيم من جهة السُّلطان، فذهبت إليه وهو في خيمته، وواحد من خدامه واقف على الباب ومنعني عن الدخول؛ لأنه أوصاه (٢) أن لا يدخل عليه أحد، فرفعت أطناب (٣) الخيمة ونظرت، فإذا هو ساجد على التراب ورأسه مكشوف ويتضرع ويبكي، فما رفعت رأسي إلا قام وكبّر، فقال: الحمد لله منحنا الله تعالى بفتح القلعة.
قال: فنظرت إلى جانب القلعة فإذا العسكر قد دخلوا بأجمعهم، ففتح الله تعالى ببركة دعائه، وكانت دعوته تخترق السبع الطباق، ثم تفتر، وتملأ ببركتها الآفاق.
стр. 1901
ولما دخل السُّلطان محمَّد القلعة نظر إلى جانبه، فإذا ابن ولي الدِّين، فقال: هذا ما أخبر به الشيخ، وقال: ما فرحت بهذا الفتح وإنّما فرحي من وجود مثل هذا الرجل في زماني، ثم بعد يوم جاء السُّلطان محمَّد خان إلى خيمة الشَّيخ، فوجده مضطجعًا فلم يقم له، وقبَّل السُّلطان محمَّد خان يده، وقال: جئتك لحاجة، قال: أن أدخل الخلوة عندك أيامًا، قال الشَّيخ: لا، فأبرم عليه مرارًا، وهو يقول: لا، فغضب السُّلطان، فقال: إنّ واحدًا من الأتراك يجيئ إليك وتدخله الخلوة لحظة واحدة، فقال له (١) الشَّيخ: إنك إذا دخلت الخلوة تجد لذة هناك فتسقط السلطنة عن عينك ويختل أمورها، فيمقت الله إيانا، والغرض من الخلوة تحصيل العدالة، فعليك أن تفعل كذا وكذا، وذكر له ما لا بد له من النصائح.
ثم أرسل ألفي دينار ولم يقبل، ولما خرج السُّلطان محمَّد خان قال لابن ولي الدِّين: ما قام الشَّيخ لي، وأظهر التأثر، قال ابن ولي الدِّين: إنّه شاهد فيكم الغرور بسبب هذا الفتح الذي لم (٢) يتيسَّر للسَّلاطين العظام، وإن الشَّيخ مُربٍّ فأراد أن يدفع عنكم الغرور.
ثم إنّ السُّلطان محمَّد خان التمس من الشَّيخ آق شمس الدِّين أن يعين له موضع قبر أبي أيوب الأنصاري ﵁، وكان يروى في كتب التواريخ أنّ قبره بموضع قريب من سور قسطنطينية، فجاء الشَّيخ إلى الموضع المشهور في هذا الآن، وقال: إني أشاهد في هذا الموضع نورًا، ولعل قبره هناك، فجاء موضع القبر فتوجه زمانًا، ثم قال: إني التقيت مع روحه وهنأني بهذا الفتح، وقال: شكر الله سعيكم حتى خلصتموني من ظلمة أهل الكفر، فأخبر السُّلطان بذلك، وجاء السُّلطان إلى ذلك
стр. 1902
الموضع وقال للشيخ: إني أصدقك، ولكن التمس منك أن تعين لي علامة أراها بعيني ويطمئن بذلك قلبي، فتوجه الشَّيخ ساعة، ثم قال احفروا هذا الموضع من جانب الرأس مقدار ذراعين يظهر لكم رخام عليه خط عبراني، تفسيره هذا، وقرر الكلام، فلما حفر مقدار ذراعين ظهر رخام عليه خط عبراني، فقرأه من يعرفه وفسَّره، فإذا هو ما قرره الشَّيخ.
فتحير السُّلطان محمَّد وغلب عليه الحال حتى كاد أن يسقط لولا أن أخذوه، ثم أمر ببناء القبة على ذلك الموضع، وأمر ببناء الجامع والحجرات، والتمس أن يجلس فيه الشَّيخ مع مريديه فلم يفعل، واستأذن أن يرجع إلى وطنه فأذن له السُّلطان تطبيبًا لخاطره.
ولما عبر البحر قال لأكبر أولاده الشَّيخ سعد الله: لما جاوزت البحر امتلأ قلبي نورًا، وقد فسد لها ما بي بقسطنطينية من ظلمة الكفر فيها، ولما سار ساعة لقيه رجل من أجلاف بلاد الروم وتحته فرس نفيس يميل إليه قلب كل أحد، فذهب الرجل ولم يلتفت إلى الشَّيخ ولم يسلِّم عليه، ولم يذهب إلا قليلًا (حتى رجع ونزل عن فرسه) (١) وقال للشيخ: وهبتك هذا الفرس، فأشار الشَّيخ إلى ابنه، فنَزل عن فرسه وأعطاه لذلك الرجل، وركب هو فرس الرجل، ثم سأله ابن الشَّيخ هذا الأمر، فقال: لو كان لرجل كريم عبد وكان في طاعته واستدعا منه يومًا شيئًا حقيرًا هل يمنعه منه؟ قال ابنه: لا، قال الشَّيخ: وأنا منذ ثلاثين سنة لم أخرج عن طاعة الله تعالى فلمَّا مال قلبي إلى هذا الفرس ألهم الله تعالى ذلك الرجل حتى وهبه لي.
ثم انتهى الشَّيخ إلى وطنه وهو قصبة كونيك، وقعد هناك زمانًا، ثم مات ودفن فيها، يزار ويتبرك به، والآن عليه جامع وزاوية.
стр. 1903
وله تصنيفات منها رسالة في التصوف سمَّاها "رسالة النور"، ورسالة أخرى في دفع مطاعن الصوفية، وكتاب في علم الطب، جمع فيه من العلاجات النافعة جرَّبها لكل مرض.
* * *
[٧٢٥ - الأمير السكيني (١)]
الشَّيخ العارف بالله الأمير السكيني.
أخذ الذكر والتلقين عن الشَّيخ العارف بالله الحاج بَيْرَامُ الأنقروي، وبلغ عنده المقامات العالية، وظهر منه الكرامات السامية.
حكي أنّه لما قرب الاحتضار للشيخ الحاج بيرام جمع أصحابه عنده متوجهين إلى أنّ الشَّيخ من يخلفه مكانه ومن يتعين للإرشاد، والشَّيخ آق شمس الدِّين كان يجلس يمين الشَّيخ ولا يقدم عليه أحد (٢)، وكان الشَّيخ السَّكيني قائم في آخريات الأصحاب، ففتح الحاج بيرام عينه وقال: أمير صو كتور؛ يعني هات الماء، فكان من المريدين سادات وكان من مقدميهم، فقام واحد منهم وأتى الماء بالمشربة، فأعطاها الشَّيخ، فأخذ الشَّيخ المشربة، وكان بين يدي الشَّيخ طبق مملوء بالفاكهة، فصب عليه ذلك الماء ولم يشرب، ووضع المشربة بين يديه، ثم بعد ذلك فتح عينيه أيضًا، وقال أيضًا: أمير صو كتور، فقام منهم واحد وأتى الماء بهذه (٣) المشربة، وأخذ الشَّيخ أيضًا وصب ذلك الماء على الفاكهة، ووضع المشربة بين يديه ولم يشرب، ثم فتح عينيه وقال: أمير صو كتور، فلما تسارع واحد من هذه السادات إلى الماء أيضًا قال الشَّيخ
стр. 1904
آق شمس الدِّين وهو مقدم الأصحاب: اجلسوا مكانكم، فخاطب الأمير السَّكيني وقال: هات أنت الماء يا أمير، فأخذ الأمير المشربة من بين يدي الشَّيخ الحاج بيرام وأتى الماء، وأعطى الشَّيخ الحاج بيرام.
روي أنّ الشَّيخ الحاج بيرام أخذ الماء من يد الأمير السَّكيني فشرب منه قليلًا، ثم أعطى سؤره إلى الأمير السَّكيني وقال: اشرب ما فيه تنل الأُمنية الكبرى، فشرب الأمير بقية الماء، قيل: هذا إشارة إلى تسليم السِّر إليه، وبعد انتقال الشَّيخ الحاج بيرام جلس مقام الإرشاد الشَّيخ آق شمس الدِّين وتوطن بقصبة كونيك.
وكان الأمير السَّكيني أيضًا متوطنًا بقصبة كونيك، وقلد جميع المريدين إلى الشَّيخ آق شمس الدِّين ولازموا مجلسه وأخذوا البيعة عنه، وكان الشَّيخ آق شمس الدِّين كل غداة وعشية يجلس في المسجد والأحباء يذكرون الله في حلقته ويصافحونه بعد الذِّكر ويقبلون يده، وكان الأمير السكيني يقعد في ناحية المسجد، ولا يلازم حلقته، فاشمأز طبع الشيخ (١) آقْ شمس الدِّين منه، فقال يومًا للأمير السكيني: عليك أن تلازم حلقتنا مثلهم وإلا نأخذ منك تاج الشيخ (٢)، فقال الأمير السكيني هكذا قال الشَّيخ آق شمس الدِّين؟ قال: نعم، قال: إن كان لا بد من ذلك فجيئوا إلى بيتنا غدًا بعد صلاة الجمعة نسلِّم لكم الخرقة والتَّاج إن شاء الله تعالى.
حكي أنّه لما صار يوم الجمعة أوقد الأمير السكيني في حائط بيته نارًا عظيمة، وراح إلى صلاة الجمعة، فلما صلَّى الجمعة قال للشيخ آق شمس الدِّين وأصحابه: هلموا إلى بيتنا نسلِّمكم الخرقة والتّاج، فذهبوا معه فلما جاء إلى بيته جلس في النار وعليه تاج وخرقة ومكث فيها زمانًا بأعين الناس، ثم قام من النار فنظروا فيه فإذا هو
стр. 1905
النار أحرق التَّاج والخرقة ولم يحرق بدنه، فأعجبوا جميعًا وراحوا، ومن ذلك الزمان ما فيه ولا في مريديه وخلفائه خرقة، لا يخرجون أصحابه من زيهم كيف كانوا، وهذه قصة مشهورة بين أهالي كونيك سمعناها منهم، وزرنا مرقده الشريف ومحل هذه الحادثة، والعهدة على الراوي.
وله خليفة واحد وهو الشَّيخ العارف بالله ابن يامن، كان متمكنًا بقصبة آيَاشْ (بقرب بلدة أنقرة) (١)، ومات في أوائل دولة السُّلطان الغازي سليمان خان.
* * *
٧٢٦ - الشَّيخ المجذوب آق بق (٢)
كان من أصحاب الحاج بَيْرَامْ، وفتحت له أثناء الخلوات أبواب الدنيا وقنع بها، فنصح له الشَّيخ وقال: الدنيا فانية، ولا بد من طلب الباقي، وقال آق بق: الدنيا مزرعة الآخرة، وبها تفتح أبواب الجنة، وانصرف عن الشَّيخ، فقال الشَّيخ: إذًا لا يصحبك مني شيء، ولما أراد الخروج من الزاوية سقط التاج عن رأسه، وعرف أنّه من جهة الشَّيخ، فبقي حاسر الرأس إلى آخر عمره، وكان يرسل شعره ولا يحلقه، وانفتح له أبواب الدنيا، وكان يلقى الصفراء والبيضاء في زاوية بيته ولا يلتفت إلى حفظها، وينفقها على الفقراء والمحاويج، واشترى دارًا عظيمة في مدينة بروسا، وتوسع في النفقات، (وكان صاحب كشف وكرامات) (٣)، وكان سكره يغلب على صحوه.
حكى المولى الوالد أنّه كان له ولد مكشوف الرأس وشعره مرسول (٤)، وكان يقرأ على المولى علاء الدِّين علي العربي، مات بمدينة بروسا ودفن بها، وقبره مشهور هناك.
стр. 1906
[٧٢٧ - ابن الكاتب (١)]
الشَّيخ العارف بالله، صاحب "كتاب المحمدية" المنظومة بالتركية، محمَّد الشهير بابن الكاتب.
كان من خلفاء الشَّيخ الحاج بيرام، وتوطن في مدينة كَلِيبُولي متوجهًا إلى الحق، منقطعًا عن الخلق، ونظم "الكتاب المحمدية"، وذكر فيه من مبدأ العالم إلى وفاة النبي ﷺ ما ذُكِر في التفاسير والأحاديث والآثار الصحيحة، وربما يمزجه بمعارف الصوفية، وهو كتاب لطيف معتمَد عليه في نقله.
وله "شرح الفصوص" أي الفرعي الإجمالي ولم يتعرض لمشكلاته ولا تأويلها.
وله كرامات ظاهرة وباطنة يعرف أحواله من كتابه المذكور، وقبره بالمدينة المزبورة (يزار ويتبرك به) (٢).
وأخوه الشَّيخ أحمد الكاتب المشهور بأحمد بيجان، صاحب "كتاب أنوار العاشقين"، وكراماته ظاهرة من الكتاب وهو متوطن بكليبولي، وقبره بالمدينة المزبورة.
* * *
стр. 1907
[٧٢٨ - الشَّيخ لطف الله (١)]
الشَّيخ العارف بالله لطف الله.
كان من نسل الأمير إسفنديار، وكان من جملة الأمراء، وتوطَّن في بلدة بالي كسرى، وقد حضر مدينة أنقرة يومًا للشيخ الحاج بَيْرَام، وتحدَّث معه، ووصف له بلدة بَالِي كِسْرى، ورغَّب الشَّيخ في الذهاب إليه، فقال لطف الله: متى تتوجه إليها؟ قال الشَّيخ الحاج بيرام: إن شئت أتوجه إليها الساعة؛ إذ نحن فقراء ولا قيود لنا، فسافر لطف الله مع الشَّيخ إلى البلدة المزبورة.
وقال أصحاب الشَّيخ في الطريق والشَّيخ يسير قدامهم: إنّ للشيخ همةًّ عظيمة في حقك، ولو جلست في الخلوة الأربعينية لوصلتَ إلى مرادك، وعند ذلك توقَّف الشَّيخ وقال لهم: يصل إلى مراده بنظرة واحدة، فنَزل الشَّيخ لطف الله من فرسه وقبَّل رجل الشَّيخ.
ووصلوا إلى البلدة المذكورة، وبنى الشَّيخ هناك بيتًا وسكن مدة، وقد وصل الشَّيخ لطف الله في خدمة الشَّيخ الحاج بيرام إلى ما وصل من المقامات العلية والحالات البهية، ثم ذهب الشَّيخ إلى مدينة أنقرة، ونصَّب الشَّيخ لطف الله خليفة ببلدة بالي كسرى وسكن هو بها إلى أن مات.
وابنه العالم الفاضل والعامل الكامل المولى بهاء الدِّين بن لطف الله كان قد لبس تاج الشَّيخ الحاج بيرام في صغره، فلم يتركه إلى أن مات.
وكان من العلماء الكبار، مات بمدينة أَدْرَنة، وكان مدرسًا بمدرسة السُّلطان بايزيد خان بأَدْرَنة في سنة خمس وتسعين وثمانمئة.
стр. 1908
وابنه الشَّيخ العارف بالله جامع علمي الشَّريعة والحقيقة محمَّد بن المولى بهاء الدِّين بن الشَّيخ لطف الله كان شيخًا كبيرًا، اتصل إلى صحبة الشَّيخ (١) العارف بالله محيي الدِّين محمَّد الإِسْكِلِيبِي والد شيخ الإسلام مفتي الأنام أبي السعود العمادي، وأخذ عنه العلم والطريقة، وبلغ عنده مرتبة الإرشاد، والشَّيخ محمَّد الإِسْكِلِيبِي خليفة الشَّيخ إبراهيم القَيْصَري، وهو خليفة الشَّيخ آق شمس الدِّين، قدس الله أرواحهم.
* * *
[٧٢٩ - محمَّد رشيد الدِّين الإسفرائيني]
الشَّيخ العارف بالله والمتوجِّه بالكليَّة إلى الله، الشَّيخ محمَّد رشيد الدِّين الإسفرائيني.
كان ملقَّبًا بالرَّشيد واشتهر به، ولم يعرف اسمه، ويكتب بكتاب إجازاته ومراسلاته بلفظ رشيد.
أخذ الذكر والتلقين وآداب الطريقة عن السيِّد أمير عبد الله برزش آبادي، وهو عن الشَّيخ إسحاق الختلاني، وهو عن السيِّد علي الهمذاني، وهو عن الشَّيخ محمود المرزوقاني، وهو عن نور الدِّين الشَّيخ علاء الدولة السِّمْناني، عن عبد الرَّحمن الكسرتي، عن جمال الدِّين أحمد الجُوْزَجاني، عن الشَّيخ رضي الدِّين علي لالا، عن الشَّيخ مجد الدِّين البغدادي، عن الشَّيخ أبي الجَنَّاب نجم الدِّين الكُبْرَى.
وأخذ عنه الشَّيخ شاه بيدوازي، ولبس عنه الخرقة على هذه النسبة، (والله أعلم) (٢).
стр. 1909
[٧٣٠ - ابن الوفا (١)]
الشَّيخ العارف بالله والداعي على طريق اليقين إلى الله، مهبط الأنوار القدسية، مستجمع الكمالات الأنسية، إمام علمي الشَّريعة والطريقة، كاشف غوامض أسرار الحقيقة، قرة عين الأولياء، غرة جبين الأصفياء، صاحب الذوق والوفا، مصلح الدِّين مصطفى، الشهير بابن الوفا.
كان كتب على ظهر كتاب كتبه: هذا من كتب الفقير مصطفى بن أحمد الصدري القُونَوي، المدعو بوفا، أخذ الذكر والتلقين بعد ما بلغ في العلوم الظاهرة مبلغًا عظيمًا عن الشَّيخ مصلح الدِّين المشتهر بإمام الدبَّاغين بمدينة أَدْرَنة، ثم انتقل بأمره إلى خدمة الشَّيخ عبد اللطيف القدسي، وأكمل عنده الطريقة والإرشاد، وكان إمام الدبَّاغين أيضًا من خلفاء الشَّيخ عبد اللطيف القدسي، وكان عارفًا بالله وصفاته، عالمًا بالعلوم الظاهرة، وقد شهد له الشَّيخ عبد اللطيف القدسي وقال: كان الشَّيخ مصلح الدِّين بحرًا من بحار الحقيقة، وكان رجلًا دائم الاستغراق، مهيمًا دائم الفكرة.
يحكى أنّه كان يصلي كل ليلة مئة ركعة، يجدد الوضوء بعد كل ركعتين منها، مات بأدْرَنة، وقبره مشهور يزار ويتبرك به.
كان ابن الوفا ﵀ جامعًا للعلوم الظاهرة والباطنة، وكانت له يد طولى في العلوم الظاهرة وفروعها وأصولها.
[حكي أنّه كان حنفيًّا المذهب، إلا أنّه كان يجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، ويجلس فيها للاستراحة، فأنكر عليه العلماء بناء على أنّه لا يصح خلط المذهب،
стр. 1910
فجمع المولى الكُوْرَاني علماء قسطنطينية في الجامع وهو مفتٍ بها ليحضروا الشَّيخ ابن الوفا ويمنعوه عن العمل بخلاف المذهب.
فاجتمعوا وكانوا ينتظرون الباشا سنان، فلما حضر هو، قال: ما الداعي إلى هذا الجمع؟ فبيَّن المولى الكُوْراني سببه، فقال هو: إذا حضر الرجل وقال: إني اجتهدت في هذه المسألة فأدى اجتهادي إلى الجهر بالبسملة أحضروا له الجواب.
وقال له المولى الكُوْرَاني: أمجتهد هو؟ قال: نعم، يعلم تفسير القرآن بالبطون السبعة، ويحفظ من السنة الصحاح الستة، وهو عارف بشرائط الاجتهاد من القواعد الأصولية. قال المولى الكُوْرَاني: أنت تشهد بهذا؟ قال: نعم. قال للحاضرين: قوموا، فمن كان له مثل هذا الشاهد لا ينبغي أن يعارض له.
وكان عالمًا بعلم الوفاق، وظهرت ببركته تصرفات عظيمة، وكانت له معرفة تامة بعلم الموسيقى، وكانت له بلاغة عظيمة في التعبير والإنشاء، وكان يخطب يوم الجمعة ويقرأ خطبًا بليغة، وكان يغلب على ظاهره الجلال، ومع ذلك كانت صحبته معاللطف والجمال، وكانت كلماته تشتمل على الحكم] (١).
حكي أنّ الشَّيخ مصلح الدِّين القُوجَوِي لما قدم قسطنطينية أرسل إليه الشَّيخ ابن الوفاء من عنده من المريدين ليتبركوا بزيارته، فذهبوا إليه وقبَّلوا يده، وكان من عادة الشَّيخ المذكور (إذا قبَّل أحد يده كان يغسل يده، وكان من جملة المريدين المذكورين الشَّيخ ولي الدِّين، فلما قبَّل هو يد الشَّيخ المذكور) (٢) ولم يغسل يده، حصل للشَّيخ ولي الدِّين من هذه الجهة غرور عظيم.
стр. 1911
روي أنّه لما أتى الشَّيخ ابن الوفا حكى الشَّيخ ولي الدِّين القصة عليه، وقال: لكني قبلت يده ولم يغسلها، فلما رأى الشَّيخ ابن الوفا فيه البهجة والسرور من هذه الجهة قال: كيف يغسلها وقد وجب قطعها، روي عن الشَّيخ ولي الدِّين أنّه قال: لم يفتح لي باب التصوف إلا بهذه الحكمة.
وحكي أنّه سئل يومًا عن قول ابن العربي في حق فرعون: إنّه مات طاهرًا مطهَّرًا، أجاب بأنه ليته كان يشهد لي بمثل هذا رجلان من المؤمنين، وسئل يومًا عن قول المنصور: (أنا الحق) (١)، فقال: كيف يعمل ولم يسوغ لنفسه أن يقول: أنا الباطل.
وحكي أنّ السُّلطان بايزيد خان لما أراد أن يزوج ابنته لواحد من أمرائه التمس أن يكون عقد النكاح عند حضرة الشَّيخ ابن الوفا تبركًا به، وأرسل إليه أربعين ألف درهم فلم يقبل، وقال: إنّ الشَّيخ محمَّد القوجوي معزَّز ونفسه مبارك، احملوه إليه، فعقدوا النكاح بين يديه.
وسمعت هذه الحكاية من أقرباء الشَّيخ محيي الدِّين القوجوي، وقال: أرسل السُّلطان بايزيد وزراءه إلى الشَّيخ ابن الوفا لمصلحة هذا النكاح يومًا، وكان يوم عرفة فجاء الوزراء إلى بابه وهو مراقب في المسجد، فدخلوا عليه وقعدوا خلفه، ومكثوا زمانًا، فلم يقدروا عرض مرادهم إليه (٢) لجلالة شأنه، ثم بعد زمان جاء رجل من مريديه فعرضوا عليه فأقدم هو، وعرض، ثم إنّ الشَّيخ ابن الوفا نظر إليهم نظر المغضب، وقال: هذا الوقت المبارك وقت من أوقاتي لا أرضى أن أضيع هذا لذلك، احملوه إلى الشَّيخ محمَّد الفوجوي، وهو صالح، نفسه مبارك.
стр. 1912
فجاء الوزراء إلى مسجده، وأرسلوه المبلغ فوصل، ودق بابه (١) في محل كانت زوجته تطيل لسانها عليه هذا يوم عرفة وغد يوم العيد وأبناء المسلمين وبناتهم (٢) يلبسون الثياب الجديدة، ويتعيشون، وأنت مقلٌّ معدم فقير تارك، قاعد في بيتك لا تلازم أبواب الأكابر ولا تعرض احتياجك وحوائجك، فمن يقوم بمهماتك، وعلى هذا كانت تتكلم وتكثر في الطعن والإيذاء، وكان الشَّيخ القوجوي يقعد ويراقب في بيته إذ دقَّ الباب، فقال الشَّيخ محيي الدِّين لزوجته: قومي وخذي الجيف الحاضرة في الباب واصر في مصارف بناتك تتعيشوا في الغد إن شاء الله تعالى، فقامت الزوجة، وجاءت الباب، فإذا هي بالمبلغ المزبورة فأخذتها.
قال لي هذا الحاكي: وقسم الشَّيخ محيي الدِّين القوجوي المبلغ المزبور (٣) ثلاثة أقسام، وأعطى قسميه لزوجته لحوائج بنتيه، وقسم ثالث صرف لبناء مسجد في محلته هذه، وكانت له بنتان.
حكي أنّ السُّلطان محمَّد خان قصد أن يجتمع معه ولم يرضَ بذلك، وقصد السُّلطان بايزيد خان أيضًا للاجتماع معه ولم يرضَ بذلك أيضًا، ولما مات حضر السُّلطان بايزيد جنازته، فأمر بكشف وجهه لينظر إلى وجهه المبارك اشتياقًا لرؤيته فقالوا: إنّه غير مشروع، فأصرَّ على ذلك، وكشف عن وجهه ونظر إليه.
ومناقبه أكثر من أن تحصى، سافر للحج من طريق البحر، فأخذته النصارى وحبسوه في قلعة رودس، واشتراه منهم الأمير إبراهيم بك بن قرمان، ثم توطن مدينة
стр. 1913
قسطنطينية، وله فيها زاوية وجامع وقبره قدام الجامع، وهو مشهور يزار ويتبرك به، وهو موضع مشهور بميدان الوفا بقسطنطينية.
وكان وفاته قدس الله سره سنة ست وتسعين وثمانمئة، قال المؤرخ في تاريخه: إلى رحمة ربه.
* * *
[٧٣١ - تاج الدِّين المَنَاوْغَاتي]
الشَّيخ العارف بالله تاج الدِّين إبراهيم بن بخشى فقيه المَنَاوْغَاتِي.
كان ﵀ من جملة الطلبة المشتغلين بالعلوم الظاهرة عند الشَّيخ بيري خليفة الحميدي، وكان بيري خليفة الحميدي المذكور ختن (شيخ الإسلام) (١) المتوطن بأَكِرْدِر، وكان يدرس الكتب المعتبرة للطلبة، ولما دخل الشَّيخ عبد اللطيف القدسي بلدة قونيه زاره الشَّيخ المزبور (٢)، وأناب عنده وتاب على يده، وأقام بخدمته (٣)، ثم رجع بإذنه إلى وطنه.
وكان جامعًا بين الشَّريعة والطريقة والحقيقة (٤)، كاملًا في طريقة الصوفية، (ومكملًا للمسترشدين من الصوفية) (٥)، وكان الشَّيخ (تاج الدين) (٦) المذكور مع بيري خليفة حين ذهب إلى زيارة الشَّيخ عبد اللطيف القدسي، ولما رجع بيري خليفة
стр. 1914
إلى وطنه قال له الشَّيخ عبد اللطيف: خلِّ المولى تاج الدِّين عندي، ولما وصل الشَّيخ عبد اللطيف إلى بروسا كان الشَّيخ تاج الدِّين في خدمته، واختلي عنده خلوات كثيرة، وحصَّل دقائق طرق الطريقة، وظهر منه حالات عجيبة، وكرامات غريبة، وبلغ عند الشَّيخ عبد اللطيف رتبة (١) الفضل والكمال والإرشاد (٢).
وكان الشَّيخ العارف بالله تعالى محيي الدِّين القوجوي تربى عنده، والشَّيخ سليمان خليفة، ولما مات الشَّيخ عبد اللطيف ببروسا قام مقامه لإرشاد الطالبين وتربية المريدين وتكملة المسترشدين، فاهتم الشَّيخ تاج الدِّين في إرشادهم غاية الاهتمام، واجتمع عليه كثير من الطلاب، ففتح الله ببركة صحبته (وشرف تربيته) (٣) عليهم الباب (ووصل كل منهم) (٤) إلى مبتغاهم، ونال جميعهم مناءهم.
ويحكى عن بعض خدامه: قسمتُ في (٥) هذه الليلة للطالبين المجتمعين عنده مئة وعشرين قصعة من الطعام، وعلى هذا في أكثر الأوقات.
وحكي عن بعض أصحابنا أنّه قال: فقدنا الشَّيخ أيامًا، فاجتهدنا في طلبه، فوجدناه على جبل (٦) مدينة بروسا مشتغلًا بالرياضة، وذلك الموضع الآن من، مطاف أهل زاويته، وقد بني رجل يدعى بخواجه رستم هناك حجرات للطالبين من الصوفية، وأما زاوية الشَّيخ ومسجده في مدينة بروسا بناهما خواجه بخشايش البُخاري من أحباء الشَّيخ عبد اللطيف.
стр. 1915
مات الشَّيخ تاج الدِّين في شهر صفر سنة اثنتين وسبعين وثمانمئة، ودفن عند شيخه عبد اللطيف تحت قبة مبنية عند زاويته بالمدينة المزبورة، يزار ويتبرك به، وقال المؤرخ في تاريخه:
انتقل الشَّيخ وتاريخه … قدسك الله بسر رفيع
ومن أعزة خلفائه الشَّيخ العارف بالله عبد الله المشهور بجامع خليفة، والشَّيخ سنان الدِّين القروي، والشَّيخ سليمان خليفة، وكان أصل الشَّيخ عبد الله حاج خليفة من ولاية قسطموني، وكان ﵀ كاملًا في العلوم الظاهرة، قد بلغ رتبة الكمال، ثم اتصل إلى خدمة الشَّيخ تاج الدِّين المذكور، وحصَّل عنده الطريقة وانكشف له المراتب العالية، حتى أجازه بالإرشاد، وأقامه مقامه بعد وفاته.
وكان قدس سره جامعًا للعلوم والمعارف كلها، وكان متواضعًا متخشعًا صاحب أخلاق (حميدة، وآثار سعيدة) (١)، وكان له يد طولى في تعبير، الواقعات وكان مظهرًا للخيرات والبركات، وصاحب عزٍّ وكرامات.
من جملة أحواله الشريفة ما حكي أنّ المولى الفاضل علاء الدِّين الفَنَاري بعد عزله عن قضاء العسكر مال إلى التصوف وأراد أن يختلي خلوات عند الحاج خليفة، فقال الشَّيخ النهاية تابع للبداية، فمن سلك مسلك التصوف يقطع جميع العوائق ويكون سلوكه على ذلك في النهاية، ولكن يجوز أن يسلك على الاعتدال، ولا يلزم على المريد أن يعتقد في شيخه الولاية والكرامة، بل يكفي له أن يعتقده سالكًا طريق الحق، وواصلًا إليه، وجاريًا على منهاج الشَّريعة.
ثم قال: "وكان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينظر إلى شيء كان لا يلوي عنقه
стр. 1916
إلى ذلك الجانب فقط، بل يتوجه إليه بكليته حتى يحصل له ذلك" (١).
وحكي أنّ المولى المذكور لما طلب من الشَّيخ المزبور (٢) الإذن بالرياضة وترك أكل الحيوانات، قال الشَّيخ المزبور (٣): إني ما أكلت حيوانًا ولا شربت ماءً ستة أشهر في أيام رياضتي، وما انتفعت بذلك، بل بامتثال أمر الشيخ.
وحكي أيضًا أنّ واحدًا من المريدين قال له يومًا: ربما يمر عليَّ يومًا لا أقدر على التلفظ بكلمة الشهادة، ويطرأ ببالي أنّ واحدًا لو قال في حضور السُّلطان كل وقت: لا سلطان أكبر منك، يعد هذا سوء أدب، من المعلوم أن لا إله غير الله فذكره في حضوره كل وقت يكون بعيدًا عن الأدب.
فقال له الشَّيخ المذكور حاج خليفة: هذا معنى إحساني، فمن وصل إليه يكفيه أن يلاحظ حضور الحق، وقال ذلك الرجل: ربما لا أقدر على ملاحظة معنى الذكر أيضًا، بل لا أقدر على الدعاء، فقال له الشَّيخ: قال الشَّيخ تاج الدِّين: ما قدرت أن أدعو الله تعالى مدة ستة أشهر، وقال الشَّيخ: وعند ذلك يكل اللسان فيكفيه ملاحظة حضور الحق، [وقال الرجل: وترتعد أعضائي، قال الشَّيخ: هذا ابتداء، ولو قدرت على الصحة لكان أولى.
وحكي أنّ الفاضل قاضي زاده كان قاضيًا ببروسا في ذلك الوقت، وقد حضر
стр. 1917
يومًا ما عند الشَّيخ المذكور، فسأله عن مذهب الجبرية ومذهب أهل الحق، فقال له الشَّيخ: الجبر قسمان: جبر محقَّق، وجبر مقلد، أما الجبر المحقق فهو تفويض جميع أموره إلى الله تعالى وإسقاط اختياره بعد الامتثال للأوامر والاجتناب عن النواهي، وأما الجبر المقلد فهو تفويض أمره إلى هواه واتباع شهوات نفسه وإسقاط إرادته في الأوامر والنواهي، ويتمسك بأنه ليس باختيار وقدرة، بل يجري على ما كتب في الأزل، قال الشَّيخ الحاج خليفة وهذا كفر.
ثم قال: خرج رسول الله ﷺ يومًا على أصحابه وبيده كتابان، فقال للذي في يمينه هذا كتاب من الله تعالى وفيه أسماء أهل الجنة، وقد أجمل على آخرها"، [وقال للذي في شماله: "هذا كتاب من الله تعالى وفيه أسماء أهل النار وقد أجمل على آخرها"] (١)، وقالت الصحابة: إذا ندع العمل، قال ﷺ : "اعملوا فكلُ ميسر لما خلق له (٢)، وقال الشَّيخ أراد رسول الله ﷺ أنّ لأهل الجنة علامة فمن وجد فيه تلك العلامة فهو من أهلها.
ثم قال ولا بد لك أن تحصل علامة أهل الجنة، كما فعل رسول الله ﷺ حيث اجتهدوا في العمل ولم يتركوه اعتمادًا على الكتاب، وإذا بلغت مبلغ
стр. 1918
أهل التحقيق باتباع شريعة رسول الله ﷺ يصح لك أن تقول: ليس لي قدرة واختيار، بل الكل من الله تعالى، أما تعرف أنَّ السلف اجتهدوا في اتباع الشَّريعة والاجتهاد في الأعمال الشاقة والرياضات الصعبة، فإذا كان حالهم كذلك فما بالنا لا نجتهد في العمل.
فلما قرر الشَّيخ هذا الكلام قال المولى قاضي زاده: صدقتم، كنت أنا والمولى سنان باشا والمولى حسن السَّامْسُوني نقول: لا نجاة إلا في متابعة أمر رسول الله ﷺ ] (١).
مات ﵀ في سلخ جمادى الآخرة من شهور (٢) سنة أربع وتسعين وثمانمئة، ودفن عند تربة شيخه.
ومن خلفاء الشَّيخ عبد الله الحاج خليفة الشَّيخ العارف بالله محيي الدِّين محمَّد، الشهير (بيوللي جلبي، والشَّيخ شجاع الدِّين إلياس، الشهير بنيازي، والشَّيخ علاء الدِّين علي الشهير) (٣) بعلاء الدِّين الأسود، والشَّيخ العارف بالله مصلح الدِّين مصطفى، الشهير بابن المعلم، والشَّيخ صفي الدِّين مصطفى الأنقروي، وكل منهم كانوا خلفاء جلسوا بأمره للإرشاد وتربية المريدين، وحصَّل كثير عندهم طريقة التصوف.
* * *
стр. 1919
[٧٣٢ - إبراهيم القَيْصَري (١)]
الشَّيخ العارف بالله، والمرشد (٢) المتوجه إلى الله، (العالم العامل) (٣)، الشَّيخ إبراهيم بن حسين السِّيوَاسِي مولدًا (٤)، القَيْصَري أصلًا (٥).
حصَّل العلوم الظاهرة أولًا عند المولى يعقوب بقونيه، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة حواند خاتون بمدينة قيصرية، وكان شافعي المذهب، ولما اطَّلع على أنّ المدرسة المزبورة مشروطة للحنفية تركها.
ثم هبَّ له نسيم التوفيق، وغلب عليه محبة الله على التحقيق، قصد (٦) أن يصل إلى مشايخ أردبيل، ثم سمع صيت الشَّيخ آق شمس الدين، فتوجه إليه راكبًا على حمار، والشَّيخ عند ذلك مشتغل بالإرشاد ببلدة بَكْ بَازَارِي، ولما وصل إلى الشَّيخ رأى النّاس مجتمعين حوله يسألونه عن الأمراض البدنية.
فلمَّا تفرقوا قال الشَّيخ: يا عجبًا ليس يسألني أحد عن الأمراض الروحانية، قال: فتقدمت إلى الشَّيخ، فقال: من أنت؟ قلت: كنت مدرسًا بقيصرية، فحصل في قلبي هم عظيم، أتيت راجيًا لمداواته، فقال: هل معك هدية لنا؟ قال: فاستحيت لأني كنت
стр. 1920
رجلًا فقيرًا غير (١) قادر على الهدية، (قال: ففطن) (٢) الشَّيخ لذلك، وقال: أسألك عن الواقعات والأحوال، فقلت: ليس لي شيء سوى سواد القلب والوجه، فأمرني بالخلوة وإحياء تلك الليلة، ورأيت تلك الليلة أربعمئة واقعة، فلما أصبحت أخذت قلمًا وأشرت إلى أوائل الواقعات، فوجدت تفصيلها في خاطري مع أني كنت رجلًا كثير النسيان.
ثم بلغ عنده ما نال من المقامات والكرامات، وأجازه الشَّيخ آق شمس الدِّين للإرشاد.
[روي أنّه حصل للشيخ إبراهيم قبض عظيم عند اشتغاله بالإرشاد بقيصرية في حياة شيخه، ولم يقدر على دفعه، فتوجه إلى شيخه فرأى في الطريق في الواقعة: أنّ الشَّيخ أمرك بالقعود على التنُّور للتعرف، ففعل كما أمر، وسَالَ منه عرق كثير، فتبدل القبض بالبسط.
فحكى ما وقع إلى الشَّيخ فاستحسنه الشَّيخ، وأمر له بالعمل عند حصول القبض، وكان الشَّيخ إبراهيم يأمر مريديه عند حصول (٣) القبض بالقعود على التنور ويسقيهم جرارًا من الماء، فيسيل منهم عرق كثير، ويتبدل قبضهم بالبسط.
ومن أعزة خلفائه الشَّيخ محيي الدِّين محمَّد الإِسْكِلِيبِي، الشهير بشيخ ياوسه، والد شيخ الإسلام أبي السعود العمادي، يروى أنّ الشَّيخ إبراهيم المذكور يغلب عليه الاستغراق حتى إنّه ربما كان لا يعرف ولده ويقول: مَن هذا؟] (٤).
стр. 1921
وله كتاب صنَّفه في بيان أطوار السلوك، وسماه بـ "كتاب كلزار".
ومات بقيصرية سنة سبع وثمانين وثمانمئة، وقبره بالبلدة المزبورة يزار ويتبرك به قدس الله تعالى سره العزيز.
* * *
[٧٣٢ - علاء الدِّين الخَلْوَتي (١)]
الشَّيخ العارف بالله علاء الدِّين الخَلْوَتي.
كان ﵀ صاحب جذبة قوية، وتصرفات كاملة، ظهرت منه الحالات العجيبة، والكرامات الغريبة.
وكان من أعزة خلفاء الشَّيخ العارف بالله، قِبلة الطائفة الخَلْوَتية، السيِّد يحيى الشَّرواني، أخذ الطريقة عن الشَّيخ صدر الدِّين، عن جمال الدِّين التِّبْرِيْزي، عن شهاب الدِّين محمَّد التَّبْرِيْزي، عن ركن الدِّين السِّجَاسي، عن قطب الدِّينِ الأَبْهَري، عن أبي النجيب السُّهْرُوَرْدِي، عن الإمام أحمد الغزالي، عن أبي بكر النَّسَّاج، عن أبي القاسم الكُرْكاني، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي علي الكاتب، عن أبي علي الرُّوْذُبَاري، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي.
وبلغ عنده رتبة الإرشاد وأجازه، وأرسله إلى بلاد الروم، فقدم بلاد قرامان، فأقام بها مدة ثم أتى مدينة بروسا، وكانت له جذبة عظيمة، كان النّاس تلحقهم الجذبة بنظرة منه أو بكلام منه في أذنهم، وكان المولى علاء الدِّين علي العربي مدرِّسًا فيها بمدرسة قبلوجه، بناها السُّلطان الغازي مراد خان.
стр. 1922
قال صاحب "الشقائق" في موضع منها: ذهب الشَّيخ علاء الدِّين من رؤساء الطائفة الخَلْوَتية، فذهب يومًا إلى دار المولى العربي ودقَّ الباب فخرج وسلَّم، ثم أدخله بيت مطالعة، وأحضر له الطعام، وتحدث معه في التَّصوف، فانجذب إليه المولى العربي انجذابًا شديدًا، حتى اختار صحبته على التَّدريس، وأكمل عنده طريقة الصوفية حتى أجازه في الإرشاد.
[وقال في موضع منها: كان المولى علاء الدِّين العربي (١) مدرِّسًا وقتئذ بمدينة بروسا قبلوجه، أنكر سماعه ووجده غاية الإنكار، واتفق أنّ اجتمع معه وتكلم الشَّيخ في أذنه، فصاح وخرَّ مغشيًا عليه مدة، ولما أفاق تاب على يده وترك الإنكار، ودخل عنده الخلوة، وحصَّل عنده طريقة التصوف] (٢).
ثم أتى الشَّيخ مدينة قسطنطينية في زمن السُّلطان محمَّد خان، (واجتمع عليه الأكابر والأعيان وسائر النّاس، فخاف منه السُّلطان محمَّد خان) (٣)، فأمره بتشريف بلاد، آخر، فلما وصل إلى بلاد قرامان توفي إلى رحمة الله ببلدة لارنده، وقبره بها يزار.
[اتصل بخدمته الشَّيخ العارف بالله المولى مسعود، والشَّيخ عبد الله التُّرُكْماني.
روي أنّ الشَّيخ محمَّد الجمالي الشهير بجلبي خليفة غلب عليه محبة الصوفية، و اختلي ببلاد قرامان فذهب إليه وراءه لابسًا جبة سوداء وعمامة سوداء وراكبًا على فرس أسود وأظهر له المحبة، فقال الشَّيخ علاء الدِّين: إن أردت هذه الجبة أعطيك إياها، فأجاب هو بأن لبس الخرقة ينبغي أنّ يكون باستحقاق، ولا استحقاق
стр. 1923
لي بلبسها، وقال الشَّيخ: إذا نحتاج إلى توابعي، فلم يلبث الشَّيخ الأوقد توفي بتلك البلاد، وتوفي بعده الشَّيخ عبد الله] (١)
* * *
[٧٣٣ - روشني دده عمر (٢)]
الشَّيخ العارف بالله والمرشد الكامل المتوجه بالكلية إلى الله، صاحب المقامات السَّامية، ومظهر الكرامات العالية، بدر الحقيقة، ضياء الطريقة، دَدَه عمر الآيْدِيني، الشهير برُوشَني.
كان ﵀ أخ الشَّيخ علاء الدِّين الخَلْوَتي المذكور آنفًا، وكان من طلبة العلم في شبابه، وكان مشتغلًا بمدينة بروسا، وكان في شبابه مشتغلًا بالملاهي وهجو الناس، ثم ذهب إلى بلاد العجم لتحصيل العلم ومر ببلاد قرامان، ولقي هناك أخاه الأكبر الشَّيخ علاء الدِّين المزبور، وهب له نسيم التوفيق، ودله على سواء الطريق، وتاب على يده.
ثم وصل إلى ولاية شروان، واتصل هناك بخدمة الشَّيخ العارف الرباني السيِّد يحيى الشَّرْواني، وأخذ عنه الذكر والتلقين وأدب الطريقة، واشتغل عنده بالرياضات والمجاهدات، وتبدل عشقه المجازي إلى الحقيقي، وبلغ عنده رتبة الكمال، وظهر منه الأحوال الفاخرة والكمالات الباهرة، وأجازه الشَّيخ السيِّد يحيى وكتب له الإجازة.
وكان يسكن كثيرًا تارة ببَرْدَعَة، وتارة بكَنْجَه، وتارة بِقَرَه أَغَاجْ، وأحبه الأمير حسن الطويل والي تبريز محبة عظيمة، وأحبه سلجوق خاتون زوجة الأمير حسن المزبور،
стр. 1924
وهي والدة السُّلطان يعقوب، وأنزله السُّلطان يعقوب زاوية بنتها هي زوجة الأمير جهانشاه بتبريز وسكن بها مدة، واشتهر بتلك البلاد، وصار مرجعًا للأكابر والأعيان.
والشَّيخ إبراهيم الشهير بكُلْشَنِي الساكن بمصر خليفته، ورأيت شيخًا من خلفاء الشَّيخ دده عمر الروشني وكان ساكنًا (١) ببلدة حلب في سنة اثنتين وخمسين وتسعمئة، يقال له: الشَّيخ الكوا، وقد جاوز عمره التسعين، (وكان ساكنًا في محلة البياضة (٢) بزاوية) (٣)، وتشرفت بتقبيل يده وصحبته، وهو رجل مبارك، وقد حضرت مرارًا بمجلسه الشريف، وأخذت نصحه وخاطبني يومًا بهذا النظر:
أهل دللر مجلسندن سن إراغ أولمه صقين … كم بو مجلسدن إراغ أولن أولور حقه يقين
وكان ﵀ يحيي ليلة الجمعة وسائر الليالي المباركة (إلى الزاوية المزبورة) (٤)، ويصلي صلاة العشاء بأصحابه، واجتمع أيضًا معهم من المحبين بالزاوية، وكنت حاضرًا فيها، فجلس الخلق الحلقة بعد الصلاة، وشرعوا بذكر الله تعالى، والشَّيخ المزبور قاعد في الصَّدر مراقب، واضعًا (٥) رأسه على الصدر.
وكان عادتهم الشريفة أنّ يقطعوا الذكر قبل مضي ثلث الليل ويكلمهم بعده بالحكمة وجوامع الكلم، فامتد إلى أنّ مضى نصف الليل والليل ليل الشتاء، فعرض الملال على الخلق حتى توجهوا إلى التفرق، (فبينما هم في هذا) (٦) صاح الشَّيخ
стр. 1925
صيحة عظيمة واضطرب، وقام ودخل الحلقة ورقص وصفَّق، وشرع في الذكر. حتى قمت عن غير اختيار ودخلت الحلقة، وشرعت في الذِّكر، وظهر للشيخ جذبة عظيمة في هذا المجلس.
ونحن وأهل الصحبة في هذه الحالة إذ دخلت على المجلس طائفة سكارى وفي أيديهم ظروف الخمر وآلات اللهو، كانوا يصيحون ويرقصون، فلما دخلت هذه الطائفة وسمعوا نقرة الشَّيخ وصفقته عرض عليهم الرَّعدة والاضطراب كسروا الآلات وألقوا الظروف بالخمور إلى جانب الزقاق، ودخلوا حلقة الذكر.
ثم قطع الشَّيخ الذكر وقرأ الفاتحة، وبعد الفاتحة هذه الطائفة باسوا يد الشَّيخ وتابوا بين يديه ولازموا خدمته، ثم (١) سألنا من هذه الطائفة: ما كان الداعي لمجيئكم المجلس في ذلك الوقت؟ قالوا: قد كنا مشغولين بفسقنا فانجذبنا انجذابًا شديدًا إلى مجلس الشَّيخ هذه (٢) الليلة بغتة، وما قدرنا على أنّ نقعد بمجلسنا لحظة حتى جئنا وتشرَّفنا بشرف، صحبته، وتبنا إلى الله، والحمد لله.
* * *
[٧٣٤ - حبيب القَرَامَاني (٣)]
الشَّيخ العارف بالله حبيب العُمَري القَرَامَاني.
стр. 1926
قيل (١): إنّه ﵀ كان (٢) عمريَّا من جهة الأب، وبكريًّا من جهة الأم، كان أصله من ولاية قرامان بقرية من ناحية بلدة نِكْدَة، مسماة بادرية كوى.
اشتغل في أول عمره بالعلم، وكان يقرأ "شرح العقائد" عرضت له داعية فارتحل إلى خدمة السيِّد يحيى الشَّرْواني.
روي أنّه لمَّا وصل إلى مكان السيِّد يحيى لقي أولًا جماعة من مريديه، فقال لهم: هل يقدر شيخكم أنّ يريني الرب في يوم واحد، وكان فيهم الحاج حمزة المدفون بقرية قَرَاجَه لَوْ (٣) بقرب من قصبة قُورْشُونَلُو من ولاية كَانْقِرِي، فلطمه لطمة شديدة حتى خرَّ مغشيًّا عليه.
فعلم الشَّيخ هذه القصة فدعا الشَّيخ حبيب وقال له: لا بأس، إنّ الصوفية يغلب عليهم الغيرة، وإن الأمر كما ظننت، فأمر له بالجلوس في موضع، ويقصّ ما رآه عليه في المنام، ثم قال لمريديه: إنّه من العلماء، نقل عنه قال: لما جلست في ذلك الموضع جاءت تجليات الحق مرة بعد أخرى، وفنيت كل مرة.
وبعد مداومة اثنتي عشرة سنة، رجع بإجازة منه إلى بلاد الروم، فطاف تلك البلاد، ثم سكن بأنقرة، ولازم زيارة الحاج بيرام وصحب مع الشَّيخ آقْ شمس الدِّين، ومع الشَّيخ إبراهيم، ومع الأمير النقشبندي القَيْصَري، ومع الشَّيخ عبد المعطي من الزينية.
وكان له إشراف على الخواطر، روي أنّه لم يره أحد راقدًا ولا (٤) مستندًا إلا في مرض موته.
مات ﵀ سنة اثنتين وتسعمئة، وقبره بمدينة أَمَاسْيَه في عمارة محمَّد باشا.
ومن أعزة أصحابه الشَّيخ العارف بالله جمال الدِّين خليفة رحمه الله تعالى.
стр. 1927
الكتيبة العشرون من كتائب أعلام الأخيار
[٧٣٥ - المولي خواجه زاده (١)]
المولى الفاضل المحقق، والعالم الكامل المدقق، ذو الفكر الصائب، والذهن الوقاد، وصاحب الرأي الصائب، والطبع النقاد، أستاذ العصر، فريد الدهر، أمير الكلام، مقتدى الأنام، مصلح الدِّين، مصطفى بن يوسف بن صالح البرسوي، الشهير بالمولي خواجه زاده، عامله الله بالحسنى وزيادة.
حكي أنّه كان والده من طائفة التجار، وكان ذا ثروة عظيمة، وكان أولاده مترفهين في اللباس والعبيد، وعين للمولى خواجه زاده (في شبابه) (٢) كلَّ يوم درهمًا واحدًا فقط، وكان ذلك لاشتغاله بالعلم وترك طريقة والده، وقد سخط عليه أبوه لذلك، واتفق أنّ اجتمع أبوه يومًا من الأيام مع الشَّيخ العارف بالله ولي شمس الدِّين من خلفاء الشَّيخ أمير سلطان.
فرأى الشَّيخ المزبور المولى خواجه زاده يجلس في صف النعال على أسوء الحال، وعليه ثياب، دنية، وسائر إخوته متجملين بالثياب النفيسة، ومعهم الخدم والعبيد، فقال الشَّيخ لوالد خواجه زاده من هؤلاء؟ وأشار إلى إخوة خواجه زاده، قال: أولادي، قال: ومن هذا؟ وأشار إلى المولى خواجه زاده، قال: هو أيضًا ولدي
стр. 1928
قال: لأي سبب هو في سوء الحال، قال: إني أسقطته من عيني لتركه طريقتي، فنصح الشَّيخ له ولم يؤثر (فيه نصحه) (١).
ولما قاموا عن المجلس قال الشَّيخ للمولي خواجه زاده: ادن مني، فدنا منه فقال له: لا تتأثر من سوء الحال، فإنّ الطريق طريقك، ويكون لك إن شاء الله تعالى شأن عظيم، ويقوم إخوتك عندك في مقام الخدام والعبيد، وكان ﵀ لا يملك إلا قميصًا واحدًا، وكان لا يفتر عن اشتراء الكتب، ويكتب كتابه لنفسه على أوراق ضعيفة أرخصها، ثم إنّه حصّل العلوم، ثم وصل إلى خدمة المولى ابن قاضي آيا ثُلُوغْ، وقرأ عنده الأصولَيْن والمعاني والبيان في مدرسة أغراس.
ثم وصل إلى خدمة المولى خضر بك بن جلال الدين، وهو مدرِّس بسلطانية بروسا، وصار معيد الدرس، وحصَّل عنده علومًا كثيرة وهو في سن الشباب، (وكان المولى المذكور يكرمه إكرامًا كثيرًا) (٢)، وكان يقول إذا أشكلت عليه (٣) مسألة: فليعرضها (٤) على العقل السليم، يريد به المولى خواجه زاده.
ثم أرسله المولى خضر بك إلى السُّلطان مراد خان، وشهد له باستحقاق التدريس، فقَبِله السُّلطان إلا أنّه كان متوجهًا إلى السفر، وأعطاه قضاء (٥) بكَسْتَل، ولما
стр. 1929
رجع أعطاه المدرسة الأسدية بمدينة بروسا، وعيَّن له كل يوم عشرة دراهم، فمكث هناك ست سنين، واشتغل بالعلم مع فقر وفاقة، حتى إنّه كان يخدم بيته بنفسه، وحفظ هناك "شرح المواقف" بتدقيق (١) وإتقان.
ثم لما انتهت السلطنة إلى السُّلطان محمَّد خان وشاهد العلماء رغبته في العلم ذهبوا إليه، وأراد المولى خواجه زاده الذهاب إليه، لكن منعه فقره عن السفر، وكان له خادم من أبناء الترك، فاقترض منه (٢) ثمانمئة درهم، فاشترى بها فرسًا لنفسه وفرسًا لخادمه وذهب إلى السُّلطان، ولقيه وهو ذاهب من قسطنطينية إلى أَدْرَنة، ولما رأى الوزير محمود باشا قال له: أصبت في مجيئك، إني ذكرتك عند السُّلطان، اذهب إليه وعنده البحث.
فذهبت إليه (وسلَّم على السُّلطان فقال) (٣) السُّلطان لمحمود باشا: من هذا؟ فقال: هو خواجه زاده، فرحب به (٤) السُّلطان فإذا في (أحد جانبيه) (٥) المولى زِيرَك، وفي الآخر مولانا سيدي علي العجمي.
فتوجه خواجه زاده إلى جانب سيدي علي، واعترض على المولى زِيْرَك، فجرى بينهما كلام كثير، وذهب المولى سيدي علي وبقي خواجه زاده في جنب السُّلطان، وأكثر المباحثة وأفحم (٦) المولى زَيْرَك، حتى قال السُّلطان
стр. 1930
محمَّد: كلامك ليس بشيء، فذهب المولى زِيْرَك وبقي المولى خواجه زاده عند السُّلطان، وتحدث معه إلى المنزل، ثم إنّ السُّلطان محمَّد خان أحسن إلى المولى سيدي علي وإلى المولى زِيْرَك، وبقي المولى خواجه زاده حزينًا مهمومًا حتى إنّ خادمه صار لا يخدمه، ويقول له: لو كان لك علم لأكرمك كما أكرمهم.
وفي بعض المنازل نام الخادم، وخدم المولى خواجه زاده الفرس بنفسه، ثم (١) كان يجلس بظل شجرة حزينًا، وإذا ثلاثة من حجَّاب السُّلطان يسألون عن خيمة خواجه زاده، ويظنون أنّ له خيمة كسائر الأكابر، فأشار بعض النّاس إليهم أنّ هذا الجالس في ظل الشجرة هو المولى خواجه زاده.
فأنكروا ذلك، ثم جاؤوا وسلموا عليه، وقالوا: أنت خواجه زاده، قال: نعم (قالوا: أصحيح هذا؟ أنت مدرِّس الأسدية وأنت الذي ألزمت على المولى زِيرَك، قال: نعم) (٢) فتقدموا إليه، وقبلوا يده، وقالوا: إنّ السُّلطان جعلك معلِّمًا لنفسه، قال المولى خواجه زاده: فظننت أنهم يسخرون مني، ثم ضربوا هناك خيمة، فقدموا إليه طويلة فرس مع عبيد وألبسة فاخرة وعشرة آلاف درهم، والعبيد سرجوا فرسًا منها، وقالوا: قم إلى السُّلطان، والخادم المذكور نائم بعد، فذهب إليه (٣) المولى خواجه زاده، ونبهه من النوم، فقال الخادم: خلّني أنام، قال: قم وانظر حالي، فقال: إني أعرف حالك دعني أنام، فأبرم عليه، فقام