← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

قيل (١): إنّه ﵀ كان (٢) عمريَّا من جهة الأب، وبكريًّا من جهة الأم، كان أصله من ولاية قرامان بقرية من ناحية بلدة نِكْدَة، مسماة بادرية كوى. اشتغل في أول عمره بالعلم، وكان يقرأ "شرح العقائد" عرضت له داعية فارتحل إلى خدمة السيِّد يحيى الشَّرْواني. روي أنّه لمَّا وصل إلى مكان السيِّد يحيى لقي أولًا جماعة من مريديه، فقال لهم: هل يقدر شيخكم أنّ يريني الرب في يوم واحد، وكان فيهم الحاج حمزة المدفون بقرية قَرَاجَه لَوْ (٣) بقرب من قصبة قُورْشُونَلُو من ولاية كَانْقِرِي، فلطمه لطمة شديدة حتى خرَّ مغشيًّا عليه. فعلم الشَّيخ هذه القصة فدعا الشَّيخ حبيب وقال له: لا بأس، إنّ الصوفية يغلب عليهم الغيرة، وإن الأمر كما ظننت، فأمر له بالجلوس في موضع، ويقصّ ما رآه عليه في المنام، ثم قال لمريديه: إنّه من العلماء، نقل عنه قال: لما جلست في ذلك الموضع جاءت تجليات الحق مرة بعد أخرى، وفنيت كل مرة. وبعد مداومة اثنتي عشرة سنة، رجع بإجازة منه إلى بلاد الروم، فطاف تلك البلاد، ثم سكن بأنقرة، ولازم زيارة الحاج بيرام وصحب مع الشَّيخ آقْ شمس الدِّين، ومع الشَّيخ إبراهيم، ومع الأمير النقشبندي القَيْصَري، ومع الشَّيخ عبد المعطي من الزينية. وكان له إشراف على الخواطر، روي أنّه لم يره أحد راقدًا ولا (٤) مستندًا إلا في مرض موته. مات ﵀ سنة اثنتين وتسعمئة، وقبره بمدينة أَمَاسْيَه في عمارة محمَّد باشا. ومن أعزة أصحابه الشَّيخ العارف بالله جمال الدِّين خليفة رحمه الله تعالى.

стр. 1927

الكتيبة العشرون من كتائب أعلام الأخيار [٧٣٥ - المولي خواجه زاده (١)] المولى الفاضل المحقق، والعالم الكامل المدقق، ذو الفكر الصائب، والذهن الوقاد، وصاحب الرأي الصائب، والطبع النقاد، أستاذ العصر، فريد الدهر، أمير الكلام، مقتدى الأنام، مصلح الدِّين، مصطفى بن يوسف بن صالح البرسوي، الشهير بالمولي خواجه زاده، عامله الله بالحسنى وزيادة. حكي أنّه كان والده من طائفة التجار، وكان ذا ثروة عظيمة، وكان أولاده مترفهين في اللباس والعبيد، وعين للمولى خواجه زاده (في شبابه) (٢) كلَّ يوم درهمًا واحدًا فقط، وكان ذلك لاشتغاله بالعلم وترك طريقة والده، وقد سخط عليه أبوه لذلك، واتفق أنّ اجتمع أبوه يومًا من الأيام مع الشَّيخ العارف بالله ولي شمس الدِّين من خلفاء الشَّيخ أمير سلطان. فرأى الشَّيخ المزبور المولى خواجه زاده يجلس في صف النعال على أسوء الحال، وعليه ثياب، دنية، وسائر إخوته متجملين بالثياب النفيسة، ومعهم الخدم والعبيد، فقال الشَّيخ لوالد خواجه زاده من هؤلاء؟ وأشار إلى إخوة خواجه زاده، قال: أولادي، قال: ومن هذا؟ وأشار إلى المولى خواجه زاده، قال: هو أيضًا ولدي

стр. 1928

قال: لأي سبب هو في سوء الحال، قال: إني أسقطته من عيني لتركه طريقتي، فنصح الشَّيخ له ولم يؤثر (فيه نصحه) (١). ولما قاموا عن المجلس قال الشَّيخ للمولي خواجه زاده: ادن مني، فدنا منه فقال له: لا تتأثر من سوء الحال، فإنّ الطريق طريقك، ويكون لك إن شاء الله تعالى شأن عظيم، ويقوم إخوتك عندك في مقام الخدام والعبيد، وكان ﵀ لا يملك إلا قميصًا واحدًا، وكان لا يفتر عن اشتراء الكتب، ويكتب كتابه لنفسه على أوراق ضعيفة أرخصها، ثم إنّه حصّل العلوم، ثم وصل إلى خدمة المولى ابن قاضي آيا ثُلُوغْ، وقرأ عنده الأصولَيْن والمعاني والبيان في مدرسة أغراس. ثم وصل إلى خدمة المولى خضر بك بن جلال الدين، وهو مدرِّس بسلطانية بروسا، وصار معيد الدرس، وحصَّل عنده علومًا كثيرة وهو في سن الشباب، (وكان المولى المذكور يكرمه إكرامًا كثيرًا) (٢)، وكان يقول إذا أشكلت عليه (٣) مسألة: فليعرضها (٤) على العقل السليم، يريد به المولى خواجه زاده. ثم أرسله المولى خضر بك إلى السُّلطان مراد خان، وشهد له باستحقاق التدريس، فقَبِله السُّلطان إلا أنّه كان متوجهًا إلى السفر، وأعطاه قضاء (٥) بكَسْتَل، ولما

стр. 1929

رجع أعطاه المدرسة الأسدية بمدينة بروسا، وعيَّن له كل يوم عشرة دراهم، فمكث هناك ست سنين، واشتغل بالعلم مع فقر وفاقة، حتى إنّه كان يخدم بيته بنفسه، وحفظ هناك "شرح المواقف" بتدقيق (١) وإتقان. ثم لما انتهت السلطنة إلى السُّلطان محمَّد خان وشاهد العلماء رغبته في العلم ذهبوا إليه، وأراد المولى خواجه زاده الذهاب إليه، لكن منعه فقره عن السفر، وكان له خادم من أبناء الترك، فاقترض منه (٢) ثمانمئة درهم، فاشترى بها فرسًا لنفسه وفرسًا لخادمه وذهب إلى السُّلطان، ولقيه وهو ذاهب من قسطنطينية إلى أَدْرَنة، ولما رأى الوزير محمود باشا قال له: أصبت في مجيئك، إني ذكرتك عند السُّلطان، اذهب إليه وعنده البحث. فذهبت إليه (وسلَّم على السُّلطان فقال) (٣) السُّلطان لمحمود باشا: من هذا؟ فقال: هو خواجه زاده، فرحب به (٤) السُّلطان فإذا في (أحد جانبيه) (٥) المولى زِيرَك، وفي الآخر مولانا سيدي علي العجمي. فتوجه خواجه زاده إلى جانب سيدي علي، واعترض على المولى زِيْرَك، فجرى بينهما كلام كثير، وذهب المولى سيدي علي وبقي خواجه زاده في جنب السُّلطان، وأكثر المباحثة وأفحم (٦) المولى زَيْرَك، حتى قال السُّلطان

стр. 1930

محمَّد: كلامك ليس بشيء، فذهب المولى زِيْرَك وبقي المولى خواجه زاده عند السُّلطان، وتحدث معه إلى المنزل، ثم إنّ السُّلطان محمَّد خان أحسن إلى المولى سيدي علي وإلى المولى زِيْرَك، وبقي المولى خواجه زاده حزينًا مهمومًا حتى إنّ خادمه صار لا يخدمه، ويقول له: لو كان لك علم لأكرمك كما أكرمهم. وفي بعض المنازل نام الخادم، وخدم المولى خواجه زاده الفرس بنفسه، ثم (١) كان يجلس بظل شجرة حزينًا، وإذا ثلاثة من حجَّاب السُّلطان يسألون عن خيمة خواجه زاده، ويظنون أنّ له خيمة كسائر الأكابر، فأشار بعض النّاس إليهم أنّ هذا الجالس في ظل الشجرة هو المولى خواجه زاده. فأنكروا ذلك، ثم جاؤوا وسلموا عليه، وقالوا: أنت خواجه زاده، قال: نعم (قالوا: أصحيح هذا؟ أنت مدرِّس الأسدية وأنت الذي ألزمت على المولى زِيرَك، قال: نعم) (٢) فتقدموا إليه، وقبلوا يده، وقالوا: إنّ السُّلطان جعلك معلِّمًا لنفسه، قال المولى خواجه زاده: فظننت أنهم يسخرون مني، ثم ضربوا هناك خيمة، فقدموا إليه طويلة فرس مع عبيد وألبسة فاخرة وعشرة آلاف درهم، والعبيد سرجوا فرسًا منها، وقالوا: قم إلى السُّلطان، والخادم المذكور نائم بعد، فذهب إليه (٣) المولى خواجه زاده، ونبهه من النوم، فقال الخادم: خلّني أنام، قال: قم وانظر حالي، فقال: إني أعرف حالك دعني أنام، فأبرم عليه، فقام

стр. 1931

ونظر حاله فقال: أي حال (١) هذا، قال: إني صرت معلِّم السُّلطان، فقبل الخادم يده (وتضرع إليه) (٢)، واعتذر عن تقصيره في خدمته. ثم إنَّ المولى خواجه زاده أدَّى ما عليه من دين الخادم المذكور في ذلك الوقت وهو ثمانمئة درهم، ثم ركب إلى السُّلطان وقرأ عليه السُّلطان متن عز الدِّين الزنجاني في التَّصريف، وكتب شرحًا عليه، وتقرَّب عنده غاية التقرب حتى حسده الوزير محمود باشا، وقال يومًا للسلطان: يريد خواجه زاده منصب قضاء العسكر، قال: لأي شيء يترك صحبتي، قال: يريده، وقال: أمرك السُّلطان أن تكون قاضي عسكر، فقال: أنا لا أريده، فقال: هكذا جرى الأمر، فامتثل أمره، وصار قاضيًا بالعسكر. وكان والده وقتئذ في الحياة، فسمع أنّ ولده صار قاضي العسكر، فلم يصدِّق، ولما تواتر الخبر قام من بروسا إلى أَدْرَنة لزيارته، فلما قرب من بلدة أَدْرَنة استقبله المولى خواجه زاده وتبعه علماء البلد وأشرافه، فنظر والده فرأى جمعًا عظيمًا، وقال: من هؤلاء قالوا ابنك، قال: ابني هل بلغ إلى هذه المرتبة، قالوا: نعم، فلما رأى المولى خواجه زاده والده نزل عن فرسه ونزل والده أيضًا، (فقبَّل ولده) (٣) وعانقه واعتذر إليه عن تقصيره، وقال المولى خواجه زاده: إنك لو أعطيتني مالًا لما بلغت إلى هذه الحالة، ثم إنه عرض والدَه على السُّلطان، وأذن له في الدخول عليه، فدخل عليه هو بهدايا جزيلة، وقبَّل يد السُّلطان.

стр. 1932

ثم إنّ المولى خواجه زاده صنع ضيافة لوالده عظيمة، وجمع العلماء والأكابر، وجلس هو في صدر المجلس ووالده عنده، وسائر الأكابر جلسوا على قدر مراتبهم، ولم يكن لإخوانه (١) الجلوس في المجلس لازدحام الأكابر، فقاموا مقام الخدَّام، فقال المولى خواجه زاده في نفسه هذا ما ذكر لي الشَّيخ (ولي شمس الدِّين) (٢) ﵀. ثم إنّ السُّلطان محمَّد خان أعطاه تدريس سلطانية بروسا، وعين له كل يوم خمسين درهمًا. قال صاحب "الشقائق": كان يحكي والدي عنه قال: (وحينما كنت) (٣) مدرِّسًا بسلطانية بروسا كنت في سن ثلاث وثلاثين سنة، وليس لي محبة شيء سوى محبة العلم، قال: والدي كان يفتخر بتدريسه بسلطانية بورسا فوق ما يفتخر بقضاء العسكر وتعليم السُّلطان، قال: وكان لي وقتئذ مئة ألف درهم. فاشتغل في المدرسة المزبورة اشتغالًا عظيمًا، وكان أنفق في اقتباس العلم ريّان عمره، وفاق في الفضل والكمال شبان عصره، لم يتدنس لعرضه درن (٤) ولا جيب، ولا حام حول كماله شين ولا عيب فدرس من قوانين الحكمة والأدب عدة (٥) نسخ، وأتقن في فنون الخلاف والمذهب ورسخ، وأدرك بشق نفسه الفضل الوافر ولم يفتر عن الدرس والإفادة لمحة ناظر، (وكان يسود وجه الباطل ويبيض محيّا الحق إذا

стр. 1933

جري سواد الحبر في بياض الورق، ويشق الشعر في تدقيق الكلام، ويقطع عروق الأفهام في تحقيق المقام، إذا أخذ يده أسنَّة الأقلام. وله فضائل من فنون جاوزت طرق الظنون ومنتهى الأوهام) (١)، فكان فارس الميدان والمقدَّم على الأقران، امتدت إليه الأعين وانتشر صيته في البلدان، (ترحل الطلبة من المشرق والمغرب إليه، وتحمل مشكلات العلوم من البر والبحر إلى بين يديه) (٢). فأخذ (٣) عنه (٤) العلوم جماعة (كثيرة، كل منهم مهذبة الأخلاق، مرضية الشمائل، مشاهير في الآفاق) (٥)، منهم المولى الفاضل بهاء الدِّين بن الشَّيخ لطف الله، والمولى نور الدِّين القراصوي، والمولى مصلح الدِّين اليَارْحِصَارِي، والمولى يوسف الكِرْمَاسْتي، والمولى ركن الدِّين بن محمد، الشهير بزِيرَك زاده، والمولى جعفر، والمولى سعدي ابنَي التَّاج بك، والمولى قطب الدِّين محمَّد بن محمَّد بن قاضي زاده، والمولى محمود بن محمَّد بن قاضي زاده، الشهير بمِيرِمْ جلبي، والمولى مصطفى بن خليل (طاش كوبري) (٦) والد صاحب "الشقائق"، والشَّيخ العارف بالله عبد الرَّحيم المؤيدي الشهير بالحاج جلبي، وغيرهم من فضلاء الدَّهر، وأكابر العصر، فكان كلٌّ منهم موفقًا بإذن الله تعالى في الشرع القويم، وفي إجراء أحكام الدِّين على الصِّراط المستقيم.

стр. 1934

ثم بعد مدَّة أعطاه السُّلطان محمَّد خان إحدى المدارس الثمان، وهي المدرسة التي صار المولى زِيْرَك محمَّد مدرسًا فيها، فعزله السُّلطان (١) وأعطاه. وسببه أنّ المولى الفاضل محمَّد الشهير بزِيرَك -وكان قرأ في صباه على الحاج بَيْرَامُ ولقَّبه هو بزِيرَك، ثم أخذ العلوم عن المولى خضر شاه وبلغ رتبة الفضل، وكان مدرِّسًا بمدرسة السُّلطان (مراد خان بمدينة بروسا، ونقله السُّلطان) (٢) محمَّد خان إلى إحدى المدارس التي عيَّنها عند فتح قسطنطينية قبل بناء المدارس الثمان، وهذا الموضع مشتهر الآن بالإضافة إليه، وعيَّن له كل يوم خمسين درهمًا، وجعل يصرف العشرين منها إلى مصارف بيته، ويرسل الباقي إلى فقراء الشَّيخ الحاج بيرام، وكان اشتغاله بالعبادة أكثر من اشتغاله بالعلم -كان يومًا من الأيام ادَّعى الفضل على السيِّد الشريف عند السُّلطان محمَّد خان، فنقل ذلك الكلام عليه ودعا خواجه زاده، وهو وقتئذ كان مدرِّسًا بمدرسة بروسا في مدرسة السُّلطان محمَّد خان، وأمره بالبحث مع المولى زِيْرَك ليكتب جوابًا عنه، فلما كتب جوابه حضرا (٣) عند السُّلطان محمَّد خان، وكان الحكم بينهما المولى خُسْرَو والوزير محمود باشا قائم على قدميه. فشرع المولى خواجه زاده في الكلام أولًا، وقال: وليعلم السُّلطان أنّه لا يلزم من الإنكار على البرهان الإنكار على المدعي، وإني أخاف أن يقول النّاس: خواجه زاده أنكر التوحيد. ثم قرأ سؤاله وأجاب عنه المولى زِيْرَك، وجرى بينهما مباحثات عظيمة ولم ينفصل الأمر في ذلك اليوم، حتى استمرت المباحثة إلى سبعة أيام، وأمر السُّلطان

стр. 1935

في اليوم السابع أن يطالع كلٌّ منهما ما حرَّره صاحبه، فقال المولى زريك ليس عندي نسخة غير هذه، فقال المولى خواجه زاده: عندي نسخة أخرى وأعطى (١) ما حرَّره إليه، وكتب ما حرَّره على ظهر نسخته فاطلع الوزير محمود باشا من وسطه دواة، ووضعه عند جنب خواجه زاده، فشرع هو في الكتابة. فقال السُّلطان: تلطَّف به أيها المولى لا تكتب كلامه غلطًا، قال: ولو كتبت غلطًا لا يكون ذلك الغلط أكثر من غلطه، فضحك السُّلطان من هذا الكلام. ثم في اليوم التاسع ظهر فضل المولى (٢) خواجه زاده وحكم بذلك المولى خسرو أيضًا، فقال السُّلطان مخاطبًا لخواجه زاده: أيها المولى ورد في الحديث: "إن من قتل قتيلًا وله بينة فله سلبه" (٣)، وأنت قتلت هذا الرجل وأنا شاهد بذلك، فأعطيتك مدرسته، فخرجا من عنده. ثم ذهب المولى زِيْرَك إلى بروسا، وتوطَّن بها، وكان له جار هناك يدعى بخواجه حسن، فجاء إليه، وقال: يا مولانا، كم خرجك (٤)، قال: في (٥) كل يوم عشرون درهمًا، فقال أنا أكفل به (٦) كل يوم، (فأعطى له المذكور خواجه حسن) (٧) إلى أن مات المولى المزبور.

стр. 1936

ثم إنّ السُّلطان محمَّد ندم على ما فعل، وعرض له مناصب، فلم يقبل، (وقال: إنّ سلطاني خواجه حسن، هذا ما جرى بين المولى زِيْرَك وخواجه زاده) (١). ثم إنّ المولى خواجه زاده اشتغل في تلك المدرسة اشتغالًا عظيمًا، وكان المولى علي الطوسي في هذا الأوان في إحدى المدارس الثمان، فأعطاه السُّلطان محمَّد خان مدرسة أبيه السُّلطان مراد خان بمدينة أَدْرَنة، وقد ذكرناه في الكتيبة السابقة، فأمرهما أن يصنفا كتابًا للمحاكمة بين "تهافت" الإمام الغزالي والحكماء، فكتب المولى خواجه زاده، وأتمه في أربعة أشهر، وكتب المولى الطوسي، وأتمه في ستة أشهر، وسمَّاه "الذخر". وفضَّل العلماء "تهافت" المولي خواجه زاده علي "ذخر" (٢) الطوسي، وأعطى السُّلطان محمَّد خان لكلٍّ منهما عشرة آلاف درهم، وزاد لخواجه زاده بغلة نفيسة، فاشمأز خاطر المولى الطوسي، وذهب إلى بلاد العجم، وكان سبب ذهابه هذا. حكي أنَّ المولى الطوسي لما ذهب إلى بلاد العجم لقي هناك علي القوشجي قال له: إلى أين تذهب؟ (٣) قال: إلى بلاد الروم، قال: عليك بالمداراة مع الكوسج يقال له: خواجه زاده، فإنَّ معلوم الرجل عنده كالمجهول، فعمل المولى علي القوشجي (٤) بوصيته، وزوج بنته من ابن المولى خواجه زاده، وزوَّج أيضًا المولى خواجه زاده بنته من ابن بنت المولى علي القوشجي، وهو المولى قطب الدِّين محمَّد بن محمَّد بن قاضي زاده الرومي، والمولى علي القوشجي جده لأمه.

стр. 1937

وحكي (١) أنّه لما قدم المولى علي القوشجي أول قدومه استقبله علماء قسطنطينية، وكان المولى خواجه زاده إذ ذاك قاضيًا بها، فلما ركبوا ذكر المولى علي القوشجي ما شاهده في بحر هرمز من المد والجزر، فبيَّن المولى خواجه زاده سبب الجزر والمد، ثم ذكر مباحثة الشريف مع العلامة التَّفْتَازَانِي عند الأمير تيمور، ورجح جانب المولى التَّفْتَازَانِي. قال المولى خواجه زاده: وإني أظن الأمر كذلك، إلا أني حقَّقت البحث المذكور أنّ الحق في جانب السيِّد الشريف، وكتبت عند ذلك في حاشية كتابي، فأحضر الكتاب عند خروجه من السفينة، فطالع علي القوشجي تلك الحاشية، فلما لقي المولى المذكور السُّلطان محمَّد خان قال: لا نظير له في العجم، قال له السُّلطان محمَّد خان لا نظير له في العرب أيضًا، وسيجيئ ذكر علي القوشجي في ذكر المولى سنان باشا قريبًا إن شاء الله تعالى. [حكي أنّ المولى عبد الرَّحمن بن مؤيد لما وصل إلى خدمة العلامة جلال الدِّين الدواني قال له بأي هدية جئت إلينا؟ قال: "كتاب التهافت" للمولى خواجه زاده، قال ذاك هذا الرجل المبروص (٢)، قال: هو ليس بمبروص (٣)، قال: إنّه مشهور في بلادنا بذلك، قال: المؤيدي فدفعت إليه "كتاب التهافت" فطالعه مدة، ثم قال: رضي الله تعالى عنك وعن مؤلفه، قد كان في فكري أن أكتب في هذا الباب كتابًا، ولو كتبت قبل أن أرى هذا الكتاب لافتضحت. ثم كان المولى المزبور قاضيًا بمدينة أَدْرَنة ثم بمدينة قسطنطينية.

стр. 1938

قال صاحب "الشقائق": يحكي والدي، عن المولى العذاري أنّه قال: المصيبة كل المصيبة قَبوله القضاء، إذ لو داوم على الاشتغال الذي كان عليه لظهر له آثار عظيمة في العلم، بحيث يتحير فيه أولو الألباب. وكثيرًا ما نسمع أستاذنا المولى الفاضل السيِّد محمَّد بن عبد القادر يقول: إنّ المذاق العلميَّة ما حصَّلها علماء الروم إلا من المولى الفاضل خواجه زاده] (١). ثم أعطاه السُّلطان محمَّد خان قضاء إِزْنِيق مع مدرسة، وسببه أنّ الوزير محمَّد باشا كان من تلامذة المولى الطوسي، وكان متعصبًا على المولى خواجه زاده (للأمر السابق الجاري بين المولى الطوسي والمولى خواجه زاده) (٢)، فقال الوزير المزبور يومًا للسلطان محمَّد خان: إنّ خواجه زاده يشكو من هواء قسطنطينية، ويمدح هواء إِزْنِيق، ويقول: قد نسيت ما حفظت من العلوم فيها، فذهب المولى خواجه زاده إلى إِزْنِيق امتثالًا لأمره، ثم ترك قضاءه، وقال: إنّه مانع من اشتغالي بالعلوم، وبقي مدرِّسًا فيها إلى أن مات السُّلطان محمَّد خان. ولما جلس السُّلطان بايزيد خان على سرير السَّلطنة في سنة ست وثمانين وثمانمئة أعطاه مدرسة سلطانية بروسا، وعين له كل يوم مئة درهم، ثم أعطاه منصب الفتوى بمدينة بروسا، وقد اختلت رجلاه ويده اليمنى، روي أنّه كان يكتب الفتوى بيده اليسرى، وكان لا يكتب الفتوى إلا بعد النظر (في الفتوى) (٣) ومراجعة الكتب، حتى إذا كررت عليه مسألة واحدة كرر النظر إليها، وكان يعلل في ذلك ويقول: لو سامحت النفس فيها لربما تسامح في غيرها، وكان إذا لم يجد مسألة في الفتوى

стр. 1939

يسلك مسلك الرأي، وربما يظهر له وجوه ويرجح واحدًا منها على البواقي. [قال: ثم أجد تلك المسألة في بعض الكتب وأجد كلَّ ما لاح لي من الوجوه قد ذهب إليه واحد من الأئمَّة، وأجد ما رجحته قد قيل فيه: وهو الأصح وعليه الفتوى. قال صاحب "الشقائق": قال الوالد: قلت حين سمعت هذه الحكاية منه: إنَّ هذه مرتبة عظيمة، قال: وليس لي فضل على العلماء إلا هذا. وقال المولى الوالد: قرأت عليه حواشي "شرح المختصر" للسيِّد الشَّريف، فلما بلغنا إلى مبحث خواص الذاتي، وكنا نسمع أنّ له اعتراضات على السيِّد الشريف قرر المولى المذكور تلك الاعتراضات وما قدرنا أن نتكلم عليها لقوتها، ثم قال المولى المذكور: وهذه من الاعتراضات التي لو كان حضرة السيِّد (١) الشَّريف في الحياة وعرضتها عليه لقبلها بلا تردد ولا توقف ولا أقل من القبول بعد المباحثة. ثم قال: ولا تظنن من كلامي هذا أني أدَّعي الفضل على حضرة الشَّريف أو التّ! ساوي معه، فحاشا ثم حاشا إنّه أستاذي في العلوم، لقد استفدت من تصانيفه، لكن له همَّة صادقة ولم يتخللها سوء المزاج و [لا] المناصب الأجنبية كالقضاء ونحوه، ولقد كان معي تلك الهمة الصادقة، ولكن تخللها سوء المزاج والمناصب الأجنبية كالقضاء ونحوه، ولو لم يتخللها هذه لكان لي شأن في العلم. قال صاحب "الشقائق": قال المولى الوالد: هذه عباراته بعينها، قال: وكان يقول: ما نظرت في كتاب واحد بعد تصانيف حضرة الشَّريف بنية الاستفادة. وقال إنّه قال: إني صاحب إقدام وإحجام. قلت: ما التوفيق بينهما؟ قال: إذا أكملت مطالعتي لا أخاف أحدًا كائنًا من كان، وإذا لم أكملها أخاف

стр. 1940

كل أحد] (١)، (قال: وكان لا يتكلم إلا بعد مطالعة أصلًا) (٢). وقال (٣): إنَّه قال يومًا: إنّ العلوم على ثلاثة أقسام: [منها ما يمكن تقريره وتحريره وهو المكتوب في المصنَّفات، ومنها ما يمكن تقريره ولا يجوز تحريره وهو الجاري عند المباحثة، ومنها ما لا يمكن تقريره ولا تحريره] (٤)، قلت: وأي علم لا يمكن التعبير عنه؟ قال: وقال: لا يمكن التعبير عنه لدقته إلا إذا حصل لأحد تلك الحالة الدقيقة، فيتكلم معه بالإيماء والإشارة، لا بصريح العبارة. وحكى المولى الوالد أرسل السُّلطان حسين بن (بَيْقَرَا ملك) (٥) خراسان إلى السُّلطان بايزيد ليهنئه بالسلطنة رسولًا مع هدايا جزيلة وتحف سنية، وأرسل معه من طلبة العلم رجلًا، والتمس من السُّلطان بايزيد أن يأخذ الإذن من خواجه زاده ليقرأ ذلك الرجل عنده، فجاء الرجل إلى المولى مع كتاب (السُّلطان إليه وهو معه هدية إلى المولى خواجه زاده) (٦)، فعمل المولى ضيافة، ثم أمر له أن يقرأ حواشي " شرح المختصر" للسيِّد الشَّريف من حيث تعريف العلم، قال المولى الوالد: وكنت أنا في ذلك الدرس فحضرنا المجلس مع ذلك الرجل، فأمرني المولى بالقراءة، وما تكلمت أنا وسائر الشركاء في ذلك اليوم، وإنّما تكلم ذلك الرجل فقط.

стр. 1941

وفي الدرس الثاني قرَّر ذلك الرجل اعتراضًا، فأجبت عنه، فقبل المولى جوابي، ثم أورد اعتراضًا ثانيًا، فأجبت عنه أيضًا، فقبل المولى جوابي هذا أيضًا، ثم أورد اعتراضًا ثالثًا فأجبت عنه، ولم يقبل المولى جوابي، وبعد قراءة سطرين من الحاشية استعاد المولى جوابي الثالث، فأعدته، فحكم بصحته، وقال: هذا الكلام من الشريف يؤيد ما ذكرته من الجواب فقمنا من المجلس. حكي أن الوزير المزبور المتعصب (١) للمولى خواجه زاده (أعني محمَّد باشا القراماني، كان يريد كسر عرض المولى خواجه زاده) (٢)، فحرض المولى خطيب زاده حتى طلب المباحثة مع المولى خواجه زاده، فجاء المولي خواجه زاده من بلدة إزنيق إلى قسطنطينية، فذهب إلى الوزير راكبًا على بغلته وتلامذته يمشون قدَّامه، منهم المولى سراج الدِّين، والمولى بهاء الدِّين، وكانا مدرِّسين في ذلك الزَّمان بالمدارس الثمان، والمولى مصلح الدِّين اليارحصاري، وكان مدرِّسًا بمدرسة مراد باشا بمدينة قسطنطينية، فلما رآه الوزير بهذه الأُبِّهة والجلالة تحيَّر واستقبله إلى بابه وأجلسه مكانه وجلس هو قدامه، والتلامذة قائمون على أقدامهم، فتحدث معه ساعة، وقال: إنّ ابن الخطيب يباحث أولًا مع تلامذتي فإن غلب عليهم يباحثني. ثم قام المولى خواجه زاده فشايعه الوزير إلى خارج الباب، وأخذ هؤلاء الأكابر بركابه، ومشوا قدامه إلى بيته وتأوَّه الوزير وقال: ما قدرنا على كسر عرضه، وما علمت أنَّ عزته بالعلم لا بالمنصب. ثم إنَّ الوزير أسمع المولى خطيب زاده كلام المولى خواجه زاده، فاتهمه بالإفحام من المباحثة، فلما سمعه المولى خواجه زاده أرسل خادمًا إلى إزنيق ليجيء

стр. 1942

بكتبه إليه، فذهب المولى سنان باشا بن خضر بك إلى الوزير، فقال: هل تريد كسر عرض ابن الخطيب؟ فإنَّ بعد تكميل (١) مطالعته لا يمكن أن يتكلم معه، فقال الوزير: الأمر هكذا، قال: نعم، ثم أذن للمولى خواجه زاده أن يذهب إلى إزنيق، فلم يلبث إلا قليلًا حتى مات السُّلطان محمَّد خان، وقتل الوزير في هذا البين. وحكي أيضًا عن والده أنّه لما شاع حواشي "حاشية التجريد" للمولى خطيب زاده طلبها فأحضرها، فطالعها فأعجبته (٢). ويحكى عن المولى خواجه زاده أنّه قال: ذهبت يومًا إلى الوزير المذكور، وجلست عنده، وفي جانبه الآخر خير الدِّين المهزول، وأراد به خواجه خير الدِّين معلم السُّلطان محمَّد خان، ثم جاء ابن أفضل الدِّين فجلس عند خير الدِّين وأنف أن يجلس عندي، فتكدَّرت عليه لذلك. ثم جرى في المجلس فضل السيِّد الشريف واتفقا على أنّه لا يرد عليه اعتراض أصلًا، فقلت: إنه بشر يمكن أن يخطئ، لكن خطأه قليل، فأنكرا عليَّ، فقلت: إنَّ السيِّد الشَّريف يعترض في "شرح المواقف" على العلامة التَّفْتَازَانِي في قوله: إنَّ علم الكلام محتاج إلى المنطق، ويقول: لا يجترئ (٣) عليه إلا فلسفي أو متفلسف هجس من فضلات الفلاسفة، ويذكر نفسه كلام العلامة التفتازاني في حواشيه على "شرح المختصر" بقوله: والحق [قال]. وهذا خطأ صريح، فاعترضا (٤) بما نقلته عن "شرح المواقف"، وأنكرا ما نقلته

стр. 1943

عن "حواشي المختصر"، فقلت: إنّه مكتوب في نسختي في الصحيفة اليمنى بعد أربعة أسطر. فقال الوزير: عندي الحواشي المذكورة، فأمر بإحضارها فأحضرت، وكان غرضه أن لا يظهر فيها ويظهر افترائي، فوجدت الكلام المذكور في الحاشية، فعرضت عليهم (١)، فسكت خير الدِّين، وقال ابن أفضل الدِّين: ما في هذه الحاشية بيان نفس الأمر، وما في "شرح المواقف" اعتراض فقلت: إنك تقول في نفس الأمر، وهل تعرف معناها؟ فقال: إنَّ لها معنيين، فقلت: قد أخطأت وجهلت، إنَّ لها معنى واحدًا يصدق على أمرين، وأنت ممن لا يفرق بين المفهوم وبين ما صدق هو عليه، ومع ذلك تدَّعي العلم، فسكت ابن أفضل الدين. ثم قال الوزير: يا مولانا إنّ فيك لحدة، قلت: نعم إنّ لي حدة، لكن على الكلام الباطل، فقال الوزير: هكذا تعامل مع طلبتك، فقلت: لو تكلم واحد منهم بمثل هذا الكلام الباطل لضربت الكتاب على وجهه، فضحك الوزير، ثم قمت، وذهبت به. وله من التأليفات "كتاب التهافت" السابق ذكره، و"حواش على شرح المواقف"، و"حواش على شرح هداية الحكمة"، لمولانا زاده يحكي صاحب "الشقائق" عن والده عن خواجه زاده قال: إني ما قصدت تأليف هذه الحاشية، إنّما قرأ أبو بكر جلبي وهو ابن أحمد باشا بن ولي الدين، وكنت أكتب ما ظهر لي في مطالعتي على ورقة وأدفعها إليه، وهو نظم تلك الأوراق كنظم السبحة، قال المولى الوالد هذه عبارة المولى خواجه زاده.

стр. 1944

وله "شرح المطالع"، لكنه بقي في المسودة، وله غير ذلك من المسودات، وحواش على "التلويح"، بقيت أيضًا في المسودة. روي أنّ السُّلطان بايزيد خان أمره ثانيًا أن يكتب حاشية على "شرح المواقف" تمامًا فامتثل أمره، فكانوا يضعون "شرح المواقف" أمامه فوق الوسادة وينظر فيه، ولا يقدر أن ينظر في كتاب آخر لضعف يده، حتى إنّه إذا أراد أن يقلب ورقة يتوقف إلى أن يجيء أحد فيقلبها، وكتب الحاشية المذكورة إلى أثناء مباحث الوجود، وعند ذلك توفَّاه الله تعالى ووصل إلى رحمته. وبقيت الحاشية مسودة، ثم أخرجها إلى البياض المولى بهاء الدِّين من تلامذته فلما أتم تبييضها مات هو أيضًا، ومن غرائب الاتفاق أنّه وقع آخر كلمة من تلك الحاشية كلمة: "لا يتم به المطلوب". * * * [٧٣٦ - المولى علي العربي (١)] الشَّيخ العالم العامل، والإمام الفاضل الكامل، قدوة أصحاب الفتوى، وأسوة أرباب التقوى، أستاذ المحدثين، وإسناد المحققين، شيخ الإسلام والمسلمين، شمس الحقيقة وبدر السالكين، المولى العارف بالله، علاء الدِّين علي العربي الحلبي قدس الله تعالى سره. كان أصله من نواحي حلب، ونشأ بها، وقرأ على علماء بلاده (٢)، وحصل فيها

стр. 1945

العلوم العربية والفنون الأدبية، ثم رحل إلى بلاد الروم، ووصل إلى خدمة المولى الكُوْرَاني، وهو مدرِّس بمدرسة السُّلطان بايزيد بن مراد خان بمدينة بروسا، فقرأ عليه مدة مديدة، وحصلت بينهما محبَّة أكيدة، حتى روي عن المولى علاء الدِّين العربي أنّه قال: قال لى المولى الكُوْرَاني يومًا: أنت عندي بمنزلة السيِّد الشَّريف عند مبارك شاه المنطقي. وذلك أنّ السيِّد الشريف بعدما قرأ "شرح المطالع" ست عشرة مرات قال في نفسه: لا بد لي أن أقرأ على مصنفه، فذهب إليه وهو بهرات، والتمس منه أن يقرأ عليه "شرح المطالع"، وكان الشارح عند ذلك هرمًا، وقد بلغ من العمر مئة وعشرين، وسقط حاجباه على عينيه من الكبر، فرفع حاجبيه بيديه عن عينيه، فنظر إلى الشريف، فإذا هو في سن الشباب فقال: أنت رجل شاب وأنا شيخ ضعيف، لا أقدر (على الدرس) (١)، فإن أردت (أن تسمع) (٢) "شرح المطالع" مني فاذهب إلى مبارك شاه، وهو يقرئك كما سمع مني. وكان المولى مبارك شاه في ذلك الوقت مدرِّسًا بمصر، وكان هو غلام الشارح، ربَّاه وهو صغير في حجره، وعلَّمه جميع ما علمه، فذهب السيِّد الشريف من هرات إلى مصر ومعه كتاب الشارح إلى مبارك شاه، فلما قرأ هو كتاب الشارح قبله، وقال: نعم، إلا أنّه ليس لك درس مستقل، وليس لك قراءة أصلًا ولا إذن في التكلم، بل تقنع بمجرد السَّماع (٣)، فرضي الشريف جميع ما ذكره. وقد ابتدأ الشرح المذكور رجل من أولاد الأكابر بمصر فحضر الشريف الدرس

стр. 1946

معه، وكان بيت مبارك شاه متصلًا بالمدرسة، وله باب إليها، فخرج ذات ليلة إلى صحن المدرسة يدور فيها، إذ سمع في حجرة فاستمع، فإذا الشريف يقول: قال الشارح كذا، وقال الأستاذ كذا، وأنا أقول كذا، وقرر كلمات لطيفة أعجبت مبارك شاه، حتى رقص من شدة طربه، فأذن للسيد الشريف أن يقرأ ويتكلَّم ويفعل ما يريد. وسوَّد الشريف حاشية "شرح المطالع" هناك، وبعد ما قص المولى المذكور هذه القصة قال للمولى علي العربي: أنا في شدَّة طرب منك وافتخار بك مثل مبارك شاه وافتخاره بالسيِّد الشَّريف. ثم إنَّ المولى وصل بعده إلى خدمة المولى خضر بك بن جلال الدين، وكان مدرِّسًا بسلطانية بروسا، واجتمع فيه مع المولى خواجه زاده، والمولى خواجه خيالي، وكانا معيدين للدَّرس، والمولى القسطلاني شريك درسه، وحصَّل عنده علومًا كثيرة، وبلغ رتبة الفضل والكمال، وفاق على الأقران والأمثال، وحاز قَصَب السَّبْق، وصار معيدًا للمولى خضر بك بمدرسة دار الحديث بمدينة أَدْرَنة للسلطان محمَّد جد السُّلطان محمَّد خان، وصنف هناك "حواشي شرح العقائد". ثم صار مدرِّسًا بمدرسة السُّلطان مراد خان الغازي بمدينة بروسا، الشَّهير بقَبْلُوجه، فاتَّفق أن جاء الشَّيخ علاء الدِّين الخَلْوَتي من خلفاء السيِّد يحيى الشَّرْواني، وكان المولى العربي ينكر السَّماع والوجد أشدَّ الإنكار، فذهب الشَّيخ يومًا إلى دار المولى المزبور، ودقَّ بابه وسلَّم، ثم أدخله بيت (١) مطالعته، وأحضر له الطعام، وتحدَّث معه في التصوف، فانجذب إليه المولى المذكور انجذابًا شديدًا حتى اختار صحبته على الدَّرس، وأكمل عنده طريقة التصوف حتى أجازه

стр. 1947

في الإرشاد، ولما اجتمع النّاس على الشَّيخ علاء الدِّين المزبور (١) لقوَّة جذبته حصل منه الخوف للسلطان محمَّد خان، فنفاه من البلد، وأراد المولى علي العربي أن يجادل عنه، ويجيب لخصمائه فنفوه معه. فذهب إلى بلدة مَعْنِيسَا، وكان أميرها وقتئذ هو السُّلطان مصطفى بن السُّلطان محمَّد خان، فصاحب مع المولى علي العربي، وأحبه محبَّة عظيمة، فشفع له إلى أبيه، فأعطاه أبوه مدرسة ببلدة مَغْنِيسا، فاشتغل هناك بالعلم غاية الاشتغال، واشتغل أيضًا بطريق التصوف، فجمع بين رئاستي العلم والعمل. ثم صار مدرِّسًا بإحدى المدارس الثمان، وكان في كلِّ جمعة يعقد في الجامع مجلس الذِّكر مع المريدين له، وكثيرًا ما يغلب عليه الحال في تلك المجالس ويغيب عن نفسه، ولهذا لا يقدر على الدَّرس يوم السبت، ويدرِّس بدله يوم الإثنين. ثم عيَّن له السُّلطان محمَّد خان في آخر سلطنته كل يوم ثمانين درهمًا، فلما جلس السُّلطان بايزيد خان سرير السلطنة غير ذلك وعين له خمسين درهمًا، وكان رغمًا من جانب الوزراء، فتردد في القَبول، فنصحوا له، ثم جعلوا له ثمانين درهمًا، ثم صار مفتيًا بقسطنطينية بعد المولى علي الكُوْرَاني في سنة ثلاث وتسعين وثمانمئة، وعين له كل يوم مئة درهم، ومات وهو مفت بها سنة إحدى وتسعمئة، فصار مكانه المولى حميد الدِّين بن أفضل الدِّين مفتيًا. كان المولى علاء الدِّين العربي جامعًا للعلوم الشرعية والعقلية، متبحرًا ماهرًا في التفسير والحديث والأصول، يروى أنّه كان "كتاب التلويح" في حفظه، ويدرس كل يوم منه ورقتين.

стр. 1948

يحكي صاحب "الشقائق" عن والده قال: قال المولى الوالد: كنت في خدمته مقدار سنين، وقرأت عليه "كتاب التلويح" من الركن الأول إلى آخر الكتاب، وكان يمتحن الطلاب في المواضع المشكلة، ويصرِّح بالإحسان لمن أصاب. ومن تلامذته المولى محمَّد بن المولى حسن بن عبد الصَّمد السَّاسوني (١)، والمولى سيدي القراماني، والمولى مصطفى بن خليل طاش كبرى والد صاحب "الشقائق"، والمولى عبد الرَّحيم (٢) بن علي القَسْطَمُوني معلم السُّلطان سليم خان بن السُّلطان بايزيد خان، والمولى المفسر الواعظ الشهير بالتُّرابي. وللمولى المذكور "حواشي شرح العقائد"، (علقها (٣) معيدًا بمدرسة دار الحديث كما سبق ذكره) (٤)، وله حواش على "المقدِّمات الأربع"، ثم كتب عليها المولى القسطلاني حاشية ورد عليه في بعض المواضع، ثم كتب المولى حسن السَّاسوني (٥)، ثم كتب خطيب زاده المولى محيي الدين، ثم كتب المولى ابن الحاج حسن. وكان المولى المذكور رجلًا طويلًا، عظيم اللحية، قوي المزاج جدًّا، حتى إنَّه كان يجلس عند الدَّرس مكشوف الرأس في أيام الشتاء، وكان له ذكر قلبي يسمع من بُعْد، وربما يغلب صوت الذكر من قلبه على صوته (٦) أثناء تقريره المسألة، ويمكث ساعة حتى يرجع صوت قلبه، ثم يشرع في تقرير الكلام.

стр. 1949

وكان يجامع كلِّ ليلة مع جواريه، ويغتسل في بيته أيام الشتاء، ثم يصلي مئة ركعة، ثم ينام ساعة، ثم يقوم للتهجد، ثم يطالع إلى الصبح. روي أنّه ولد من صلبه تسع وتسعون ذكرًا أو أنثى، وخلف منهم خمسة عشر، أشهرهم المولى عبد الرحيم الشهير ببابك جلبي، والمولى عبد الباقي، والمولى عبد الرَّحيم، قرأ على المولى والده ثم على المولى خطيب زاده، ثم صار مدرِّسًا ببعض المدارس الثمان، ثم صار قاضيًا بمدينة قسطنطينية، ثم بإحدى المدارس الثمان، وعين له كل يوم مئة درهم، ومات وهو مدرس بها سنة ثلاث وعشرين وتسعمئة. وكان له مشاركة تامَّة في العلوم أصولها وفروعها، معقولها ومنقولها. وأما المولى عبد الباقي بن المولى علي العربي، كان عالمًا عارفًا فاضلًا، له مشاركة تامَّة في كلِّ (١) العلوم، رأيناه مدرِّسًا بإحدى المدارس الثمان، (وكان من أعلم المدرِّسين فيها وأشهرهم) (٢)، رأيناه في أوائل قدومنا بمدينة قسطنطينية للاشتغال في سنة تسع وأربعين وتسعمئة، ولم يمكث بعد قدومنا فيها حتى صار قاضيًا بحلب، ولو مكث لوصلت إلى خدمته إن شاء الله تعالى، ثم صار قاضيًا بمدينة بروسا، (ثم عزل) (٣)، ثم صار بمصر، ثم بمكَّة المعظَّمة، ثم عزل، وتوفي ما بين الستين والسبعين وتسعمئة، وللمولى المذكور علاء الدِّين العربي حالات عجيبة وكرامات غريبة. يحكي صاحب "الشقائق" عن آخر: أنّه سكن فوق جبل هناك في أيام الصيف، فرأى يومًا واحدًا من أئمة بعض القرى، فقال المولى المزبور (٤): إني أجد منك رائحة

стр. 1950

النجاسة، ففتش الإمام ثيابه، ولم يجد شيئًا، فلما أراد أن يجلس سقط من جيبه رسالة هي واردات الشَّيخ بدر الدِّين ابن قاضي سماونه، فنظر فيها المولى المزبور، فوجد فيها ما يخالف الإجماع، وقال: كأن الرائحة المذكورة (١) لهذه الرسالة، فأمر بإحراقها، وخالفه الإمام ولم يرض، فقال له المولى المذكور: عليك بإحراقها، (ولا يحصل) (٢) لك منها الخير، وبينا (٣) هما في ذلك الكلام ظهر من بعيد أثر النار، فنظر الإمام فقال: إنها في قريتي، ثم نظر بعد ذلك وتأمَّل، فقال: إنها في بيتي، فتوجه الإمام إلى بيته نادمًا على مخالفته. [وحكي أنّه كان لبعض أبنائه ولد فمرض في بعض الأيام مرضًا شديدًا حتى قرب من الموت، فذهب والد المريض إلى أبيه المولى المذكور وهو في الخلوة الأربعينية، فتضرع إليه بأن يذهب إلى المريض ويدعو له فلم يرضَ بذلك، ثم أبرم عليه غاية الإبرام، فخرج من الخلوة ودخل على المريض وهو في آخر رمق الحياة، فمكث ساعة مراقبًا، ثم دعا له بالشفاء، فاستجاب الله دعوته، حتى قام المريض من فراشه، فأخذ المولى المذكور بيده فأخرجه من البيت كأن لم يمسَّ به سوء أصلًا، وعاش ذلك الولد بعد وفاة المولى المذكور مدة كثيرة] (٤). ويحكي صاحب "الشقائق": أنّ المولى المذكور كان يجامع كل ليلة مع جواريه ويغتسل في بيته، ولا يدخل الحمَّام استحياء.

стр. 1951

ولما مرض مرض الموت عاده (١) الوزراء الأربعة ومعهم الطبيب، فأمره (٢) الطبيب بالاستحمام، فلم يرضَ بذلك المولى المزبور، فأجلسه الوزراء جبرًا على سرير، فقبض كلُّ واحد (٣) منهم طرفًا منه، وذهبوا به إلى الحمام، (انظروا إلى ديدن الزمان) (٤). * * * [٧٣٧ - المولى حميد الدِّين الحسيني (٥)] المولى البارع (٦) الفاضل، والعالم العامل الكامل، مجمع الأخلاق السَّنية، ومحرز الآداب الزَّكية، شرف العترة الحسينية، شريف النَّسب، لطيف الحسب، صاحب اليد الطولى في العلم والأدب، انتهت إليه رئاسة الفتوى والمذهب، شيخ الإسلام والمسلمين، المولى حميد الدين بن أفضل الدِّين السيِّد الحسيني، (قدس الله تعالى سره العزيز آمين) (٧). وكان ﵀ عالمًا عاملًا (٨)، فاضلًا كاملًا (٩)، جامعًا للعلوم الدينية أصولًا

стр. 1952

وفروعًا، وكان ماهرًا في (الفنون العقلية) (١)، وكان لجميعها جموعًا، وافر الفضل، سليم العقل، دائم، الذكر مصيب الفكر، إذا حضر في مجلس كان هو المشار إليه، وإذا وقع المشكل كان هو المعوَّل عليه، وعليه ترد الفتاوى من أقطار الأرض، وإليه ترد بعضها على بعض، وكان من محاسن الزَمان في العلم والفتوى، قلَّ أن ترى العيون مثله في الورع والتَّقوى. قرأ أوَّلًا على أبيه المولى أفضل الدِّين مباني العلوم، وكان المولى أفضل الدِّين أيضًا عالمًا عاملًا صالحًا عابدًا زاهدًا ورعًا قانعًا صبورًا، وقرأ أيضًا على علماء عصره واشتغل واجتهد وحصَّل الفنون. ثم وصل إلى خدمة المولى يكان، فأخذ عنه وقرأه عليه، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة السُّلطان مراد خان الغازي بمدينة بروسا، وعزل منها في أوائل سلطنة السُّلطان محمَّد خان، وأتى هو إلى مدينة قسطنطينية. وبينما هو يمر (٢) في بعض طرقها إذ لقي السُّلطان محمَّد خان (٣) وهو ماشٍ مع عدة غلمانه، وكان من عادته ذلك، يروى عنه أنّه قال: فعرفت ونزلت عن فرسي ووقفت، فسلم عليَّ، وقال: أنت ابن أفضل الدِّين، فقلت: نعم، ثم قال يوم العرض للوزراء: أجاء ابن أفضل الدين؟ قالوا: نعم، قال: أعطيته مدرسة والدي السُّلطان مراد خان بمدينة بروسا، وعين (٤) له كل يوم خمسين درهمًا وطعامًا يكفيه من مطبخ عمارته.

стр. 1953

قال: فلما دخلت عليه وقبَّلت يده أوصاني بالاشتغال بالعلم، وقال: إني لا أغفل عنك، فاشتغلت بتلك المدرسة، وسقطت لحيتي من كثرة الاشتغال، حتى اتهمني بعض أعدائي بمرض هائل، فكتبت هناك أجوبة عن اعتراضات الشَّيخ أكمل الدين في "شرحه للهداية"، ثم أعطاني إحدى المدارس الثمان التي بناها، (فذهب هو إلى الغزاة) (١). ووقع في قسطنطينية طاعون عظيم، فخرجت بأولادي إلى بعض القرى، وكنت ألازم منها إلى قسطنطينية، وأدرِّس كلَّ يوم من الأيام المعتادة (٢) من أربعة كتب مع اهتمام عظيم (٣)، بحيث لا يمكن المزيد عليه. ولما رجع السُّلطان محمَّد من الغزاة استقبلته (٤)، فلما رآني قال: ادن مني، فدونت منه، قال: سمعت أنك تسكن بعضًا من القرى وأنت تلازم الدَّرس في أربعة من الكتب، وقد أدَّيْتَ ما عليك، وبقي ما عليَّ، وأهدى إلى كلٍّ من علماء البلد أسيرًا وأهدى إليَّ أسيرين. وكان حليمًا صبورًا، لا يرى منه الغضب. جعله السُّلطان محمَّد خان قاضيًا بمدينة قسطنطينية في السَّنة التي توفي فيها مكان المولى الفاضل محمَّد بن مصطفى بن الحاج حسن، وكان قد جعله قاضيًا بالعسكر المنصور بآناطولي، كان قاضي العسكر في ذلك الوقت واحدًا، وسيجيئ سببه، وكان المولى ابن الحاج حسن قاضيًا بقسطنطينية بعد المولى القسطلاني، وهو

стр. 1954

بعد المولى خواجه زاده، وهو بعد المولى خسرو، وهو بعد المولى خضر بك بن جلال الدِّين، وهو أول قاضٍ بمدينة قسطنطينية، أعطاه السُّلطان محمَّد خان حين فتحها، ثم صار مفتيًا في زمن السُّلطان بايزيد خان، بعد وفاة المولى علاء الدِّين علي العربي سنة إحدى وتسعمئة. ومات وهو مفتٍ بها سنة ثمان وتسعمئة، فتعيَّن أمر الفتوى بعده إلى العالم الزَّاهد المتورِّع علاء الدِّين علي الجمالي، واتفق أنّه وجد في الحج الشريف، فأمر السُّلطان بايزيد خان بأن يكتبوا الفتوى مدرسو المدارس الثمان إلى مجيء المولى المزبور. وله تصانيف، علَّق (١) الحواشي على "شرح الطوالع" للأصفهاني، وله حواشٍ على "حاشية شرح المختصر" للسيِّد الشَّريف، وهما متداولتان بين أيدي العلماء، وله تعليقات على "شرح الهداية". ومن تلامذته المولى محيي الدِّين جلبي الفَنَاري، والمولى عبد الواسع بن خضر، والمولى حسام الدِّين حسين بن عبد الرَّحمن، والمولى الشَّهير بحافظ الكتب مصلح الدِّين موسى الأَمَاسِي، والشَّيخ العارف بالله سنبل سنان، والمولى العارف بالله شيخ زاده المفسر بن الشَّيخ مصلح الدِّين القُوجَوِي. يحكي صاحب "الشقائق" (عن أستاذه المولى محيي الدِّين جلبي الفَنَاري أنّه قال: قرأت عليه مدَّة، ولم أجد مسألة من المسائل الشرعية أو العقلية إلا وهو كان يحفظها، وظني أنّه لو ضاعت كتب الكلام لأمكن أن يكتب كلَّها من حفظه. ويحكي) (٢) عن أبيه أنّه قال: حضرت مجلس قضائه، فتحاكمت إليه امرأة مع

стр. 1955

رجل، فحكم المولى المذكور للرجل، فأطالت المرأة لسانها عليه، وأساءت القول فيه، فصبر على ذلك، وما زاد على أن قال: لا تتعبي نفسك، حكم الله لا يُغيَّرُ، وإن شئتِ أن تغضبيني فيه فلا تطمعِي فيه. كان ﵀ مرضيَّ السِّيرة، (حسن الطريقة في قضائه) (١)، صبورًا على أذى الخَلْق. * * * [٧٣٨ - مصلح الدِّين القسطلاني (٢)] المولى الفاضل المحقِّق، والعالم الكامل المدقِّق، جامع أشتات العلوم، وضابط مشكلات المعقول والمفهوم، فخر الأهالي، صدر الموالي، أسوة العلماء الرَّباني، مصلح الدِّين، مصطفى القَسْطَلاني، قدَّس الله سرَّه. قرأ على علماء الروم الكتب المتداولة، وحصَّل مباني العلوم، واشتغل وبالغ إلى أن (حاز قَصَب السَّبْق عن أقرانه) (٣)، وصار أوحدَ زمانه وفريد أوانه. فقرأ على المولى خضر بك بن جلال الدِّين قراءة كانت تُضْرَب بها الأمثال، وكان المولى خواجه زاده والمولى خيالي معيدين لدرسه، والمولى علاء الدِّين العربي شريك درسه، فبلغ عنده رتبة الفضل والكمال، وكان له

стр. 1956

شمول في الفنون الغريبة والمعارف العجيبة ومشاركة تامة في العلوم كلِّها (١) الإلهي والرياضي والطبيعي وغير ذلك. ثم صار مدرِّسًا بقصبة مُدُرْني، ثم انتقل إلى مدرسة دِيمَتُوقَه، ثم لمَّا بنى السُّلطان محمَّد خان المدارس الثمان أعطاه واحدة منها، وكان لا يفتر عن الدَّرس أصلًا، وكان يذكر كلَّ يوم دروسًا، كلَّ درسٍ منها بتحقيق المسائل وتدقيق الدلائل، مع كشف المشكلات وحل المعضلات، (يقرِّر غير متلعثم في الكلام، وتحرير غير مستبهم في المرام، بل كان كالسيل ينحدر، أو البرق إذا سرى) (٢). حكي أنّه كان يدَّعي أن لو أعطي المدارس الثَّمان كلها يقدر أن يدرس فيها كلَّ يوم منها ثلاث دروس. استقضي (بكلٍّ من البلاد، وهي مدينة) (٣) بروسا وأَدْرَنة وقسطنطينية بعد المولى خواجه زاده، وكان هو قاضيًا بمدينة قسطنطينية بعد المولى خسرو، وهو بعد المولى خضر بك، وهو أول قاضٍ بها كما تقدم ذكره. ثم جعله السُّلطان محمَّد خان قاضيًا بالعسكر المنصور في أواخر سلطنته، وكان قاضي العسكر إلى ذلك الزَّمان واحدًا، وكان الوزير وقتئذ محمَّد باشا القراماني، فخاف من المولى القسطلاني؛ لأنّه كان لا يداري الناس، ويتكلَّم بالحقِّ على كلِّ حال، فعرض على السُّلطان محمَّد خان، وقال: إنَّ الوزراء أيَّدهم الله تعالى قالوا: لو كان قاضي العسكر اثنين أحدهما في روم إيلي والآخر في آناطولي يكون أسهل في إتمام مصالح المسلمين، ويكون زينة للديوان العالي.

стр. 1957

فمال السُّلطان محمَّد خان إلى رأيه، فجعل المولى القسطلاني قاضي عسكر روم إيلي، وجعل المولى مصطفى بن الحاج حسن قاضيًا بالعسكر بآناطولي. وكان هو وقتئذ قاضيًا بقسطنطينية، فلم يقبل المولى القسطلاني، ولم يرضَ بالمشاركة، وأرسل إليه الوزير أن يلين قلبه، فلم يُفد (١)، ثم قال الوزير: إني أذهب إليه بنفسي، فنصحوا للمولى القسطلاني، وقالوا: إنّه إذا جاء إليك يرضيك ألبتة، فإنك (٢) لا تأمن بعد ذلك من شره، فذهب إليه الوزير وأرضاه بالكلام كما قالوا. قيل: إنَّ المولى محمَّد بن الحاج حسن عهد إلى الوزير أن يخبره بكل ما يتكلَّم المولى القسطلاني عند السُّلطان في حقِّ ذلك الوزير. قال صاحب "الشقائق": حلف بالطلاق أن يخبره، وهو بعيد من الرجل العالم. وبعد مدة قليلة مات السُّلطان محمَّد خان، وجلس السُّلطان بايزيد خان على سرير (٣) السلطنة، فعزل المولى القسطلاني، عن قضاء العسكر، وعيَّن له كل يوم مئة درهم، ونصب مكانه المرحوم إبراهيم باشا بن خليل باشا. وكان المولى القسطلاني لكثرة اشتغاله للدرس والقضاء لم يتفرغ للتصنيف، ولو لم يكن كذلك لكان له آثار عجيبة. ومن تصانيفه "حواش على شرح العقائد"، و"حواش على المقدمات الأربع"، وله رسالة فيها سبعة إشكالات على "المواقف"، وله "لطائف الإشارات". ذكر المولى تاج الدِّين إبراهيم - الشَّهير برجه (٤) وكان مفتيًا بحلب وكَفَه، ومات

стр. 1958

متقاعدًا بمدينة بروسا فيما بين السبعين والثمانين وتسعمئة - في حاشيته التي علقها على شرح الزَّنجاني للعلامة التَّفْتَازَانِي: الحرف صوت معتمد على مقطع محقق أو مقدَّر، ويختص بالإنسان وضعًا، وعرَّفه ابن سينا بأنه هيئة عارضة للصوت، بها يمتاز صوت عن صوت آخر يماثله في الحدَّة والثقل تمييزًا في المسموع، والصوت قيل: ماهية وإنيَّة غنيتان عن البيان، وبعضهم عرَّفوه؛ منهم من قال: إنّه جسم خاص من الأجسام، ومنهم من قال: إنّه اصطكاك أجسام صلبية، ومنهم من قال: القرع أو القطع، ومنهم من: قال تموج الهواء، والكل منظور فيه؛ إذ لا شيء منها بمسموع، وكل صوت مسموع. وذكر الجَعْبَري: الصوت هواء متموج من تصادم جسمين، وفيه نظر، وقال الحكماء: هو كيفية تحدث في الهواء بسبب تموج ذلك الهواء، الذي هو صدم بعد صدم، وسكون بعد سكون، بسبب القرع الذي هو الإمساك بعنف، أو القلع الذي هو الانفصال بعنف، بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع. وقول الفاضل القسطلاني في "لطائف الإشارات": إنّ الصوت هو الحاصل من دفع الرئة الهواء المحتبس بالقوة الدافعة، فيتموج قيصوم الهواء الساكن، فيحدث الصوت من قرع الهواء المندفع عن الرئة، تعريف الصوت الخارج من الفم على رأي الحكماء، والذي عليه أهل الحق: أنّ الصوت كيفية تحدث بمحض خلق الله من غير تموج الهواء والقرع والقلع كسائر الحوادث. ومن تلامذته المولى الفاضل العلامة شمس الدِّين أحمد بن سليمان بن كمال باشا، والشَّيخ العارف بالله محمَّد بن المولى بهاء الدِّين والشَّيخ جمال خليفة. يحكي صاحب "الشقائق" عن والده، عن المولى قاضي زاده قاسم المدرِّس

стр. 1959

بإحدى الثَّمان، أنّه قال: قال المولى قاسم الشهير بقاضي زاده: لما مات المولى مصنفك حضر علماء البلد كلهم دفنه، وكان المولى القسطلاني وقتئذ قاضيًا بمدينة قسطنطينية، وكان بيته في موضع بني فيه الآن جامع السُّلطان سليم خان، قال المولى القسطلاني عند رجوعه إلى منزله للمولى الشهير بابن مغنيسا والمولى قاضي زاده قاسم المزبور: أسألكما أن تبيتا عندي هذه الليلة، ونذهب معكما غدًا إلى زيارة المولى مصنفك. قال المولى الوالد: قال المولى قاضي زاده: قلت للمولى القسطلاني: إني أذهب إلى بيتي ثم أجيء، وكان بيته قريبًا من بيته، قال: ولما اجتمعنا في بيته عشية تلك الليلة أحضر حقة فيها معجون، قال: وكان هو متهما بأكل الحشيش، قال: فتحققته في هذه الليلة إذ يداوم أكله، فأكل نفسه منه شيئًا كثيرًا، ثم أبرم عليَّ، وأنا اخترت الكذب فقلت: إني ذهبت إلى بيتي لهذا الأمر، فتركني، ثم أبرم على المولى ابن مغنيسا، فأكل هو منه قدر اليسير، وبعد مدة عمل في المولى القسطلاني كيفية المعجون، فشرع في بث المعارف، فتارة تكلَّم في العلوم الحكمية، وسمعت فيها دقائق لم أسمعها مدة عمري، وتارة تكلم في العلوم الشرعية، وبسط فيها حقائق لم أسمعها أبدًا، وتارة تكلم في العلوم (١) والتواريخ وأورد فيها غرائب لم تسمعها الآذان، وتارة تكلم في القصائد العربية وسمعت فيها غرائب. قال: وشاهدت تبحره في كلِّ العلوم جلائلها وحقائرها (٢)، قال: وقال هو في أثناء الكلام: إنّ هذا وأشار إلى المعجون حال بيني وبين معلوماتي، قال: قلت: حالك الآن هذا، فما حالك قبل هذا.

стр. 1960

وقال: حكي عن المولى لطفي التُوقَاتي أنّه قال: كنت من طلبة المولى سنان باشا وكان هو وزيرًا وقتئذ، وكان من دأبه إحضار العلماء ليالي العطلة وإحضار الأطعمة اللطيفة، فاجتمعوا عنده ليلة فيهم المولى القسطلاني والمولى خواجه زاده والمولى خطيب زاده، وكانوا مشتغلين بالصحبة والمحادثة. وكان عندي رفيق لي كنت أتحدث معه سرًّا، قال: وقلت أنا في أثناء الكلام: مرضت أنا في زمان، فتعرقت بالدم حتى انصبغ منه قميصي، فضحك رفيقي، فتنبه العلماء، وقالوا له: مِمَّ ضحكت، قال: إنّ المولى لطفي يقول كذا وكذا، فضحكت منه، فضحك العلماء أيضًا من قولي. فقال المولى القسطلاني: من أيّ شيء تضحكون هذا المرض الفلاني، يذكره ابن سينا في الفصل الفلاني من "كتاب القانون"، وقال المولى خواجه زاده للمولى القسطلاني: طالعت "القانون" بتمامه قال: نعم، بل وجميع مصنفات ابن سينا حتى طالعت "كتاب الشفاء" بتمامه، قال المولى القسطلاني للمولى خواجه زاده: أنت طالعت "كتاب الشفاء" بتمامه؟ قال: لا، وإنّما طالعت مواضع احتجت إليها، قال المولى القسطلاني: وإني طالعته بتمامه سبع مرات، وفي السابعة مثل مطالعة التلامذة أول درسهم عند مدرس جديد فتعجب الحاضرون من إحاطته بالعلوم وشمول مطالعته لجميع الكتب. وكان المولى خواجه زاده إذا ذكره يصرِّح بلفظ (المولى) دون من عداه من أقرانه، وكان يقول: إنّه قادر على حل المشكلات، وعلى إحاطة علوم كثيرة في مدة قليلة إلا أنّه أخطأ بحكم البشرية، لا يرجع عن ذلك، وقد أخطأ في مسألة الوزير محمود باشا، وأسمع الآن أنّه لم يرجع عنه، قال: ويقول هو أيضًا في حقي: إنّ خواجه زاده قد أخطأ في المسألة المذكورة، وأسمع أنّه لم يرجع عن ذلك.

стр. 1961

[٧٣٩ - محمَّد بن مصطفى بن الحاج حسن (١)] المولى الفاضل، والعالم الكامل، حاوي العلوم العقلية والشرعية، ضابط الفنون الأصلية والفرعية، جامع الفضائل، مرجع الأفاضل، شمس الأهالي، وبدر الأعالي، وصدر الموالي، محمَّد بن مصطفى بن الحاج حسن. كان بحرًا في العلوم، محبًّا للعلم والعلماء، طلق الوجه، متواضعًا محبًّا للفقراء، وكان عارفًا بأسرار القرآن، كاشفًا رموز (٢) الفرقان، قرأ على علماء عصره، ثم وصل إلى خدمة المولى يكان، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة مَلْقَرَه، ثم صار قاضيًا ببلدة كَلِيبُولِي، ثم مدحه الوزير محمود باشا عند السُّلطان محمَّد خان، فأعطاه مدرسة والده السُّلطان مراد خان بمدينة بروسا، ثم جعله قاضيًا بالمدينة المزبورة، ثم أعطاه إحدى المدارس الثمان، ثم أعطاه قضاء مدينة قسطنطينية. ثم جعله السُّلطان محمَّد خان في السنة التي مات فيها قاضيًا بالعسكر إلى ذلك الوقت واحدًا، ثم صار اثنين؛ أحدهما القسطلاني، وثانيهما المولى المذكور، وقد مرت حكايته في ذكر المولى القسطلاني قبيل هذا. (ثم لما جلس السُّلطان بايزيد على سرير السلطنة قرَّره في مكانه) (٣)، ثم جعله قاضيًا بالعسكر المنصور في ولاية روم إيلِي، وما زال قاضيًا بالعسكر إلى أن مات في سنة إحدى عشرة وتسعمئة.

стр. 1962

ومن تلامذته المولى جعفر بن النَّاجي بك، وأخوه المولى سعدي علي (١) بن النَّاجي بك. كتب المولى المزبور حاشية على "تفسير سورة الأنعام" للقاضي البيضاوي، وله حاشية على "المقدمات الأربع"، وحاشية للمحاكمة بين العلامة جلال الدِّين الدواني والعلامة أمير (٢) صدر الدين، وصنف كتابًا في الصرف سماه "ميزان الصرف". وكان ذا ثروة عظيمة بنى مدرسة ومسجدًا بمدينة قسطنطينية بقرب من جامع السُّلطان محمَّد خان. * * * [٧٤٠ - سنان باشا بن خضر بك (٣)] المولى الفاضل (٤) المحقق، والحبر الكامل المدقق، عالم المشروع والمعقول، حاوي الفروع والأصول، الزكي المتوقد، والنقي الناقد، فائق الأقران، خبير المعاني والبيان، ذو اليد الطولى في البلاغة والأدب، صاحب الباع الممتد في النظم والنثر والإنشاء والخطب، العالم النحرير، والأستاذ الكبير، سنان باشا يوسف بن خضر بك بن جلال الدِّين القاضي، رحمهم الله تعالى. كان عالما فاضلًا، كثير الاطلاع على العلوم العقلية والشَّريعة، وله المشاركة

стр. 1963

التامة في الفنون الأصلية والفرعية، وكان فارسًا في البحث مفرط الذكاء، يقول من يشاهده: عجبًا لهذا الشاب كيف ما حوى قلَّ أن تلد أمهات الزَّمان مثله في الفضل والعرفان، (وكان سبَّاقًا إلى درك المعاني، وقَّافًا على المدارك والمباني، وكان خاطره ميالًا (١) إلى مواقع الإشكال، وطبعه سيالًا كالماء السلسال، غلب على طبعه إيراد الشكوك والشبهات، (قلما يلتفت إلى تحقيق المسائل ويمر عنها بأدنى الإشارات، يقال: إنّ والده المولى خضر بك كان يلومه عليه) (٢). يروى أنّ المولى سنان باشا كان يأكل مع أبيه المولى خضر بك لحمًا في طبق، فلامه أبوه على ميله إلى الشكوك والأوهام، وقال: بلغ (٣) بك الشكوك إلى مرتبة يمكن أن تشك في أنّ هذا الظرف من نحاس، قال: يمكن ذلك لأنّ الحواس أغاليط، فغضب والده، وضربه بالطبق على رأسه. ولما مات والده كان هو في جوار العشرين من سنه، فأعطاه السُّلطان محمَّد خان إحدى المدارس الثمان في سنة إحدى وسبعين وثمانمئة، ثم جعله معلِّمًا لنفسه، ومال إلى صحبته. ولما جاء المولى علي القوشجي إلى السُّلطان محمَّد خان، (حرض السُّلطان محمَّد خان) (٤) المولى سنان باشا على تعلم العلوم الرياضية، فأرسل هو المولى لطفي التُوقَاتي وهو من تلامذته في ذلك الزمان إلى المولى علي القوشجي، وقرأ عليه العلوم الرياضية، وأخبر كل ما سمع منه للمولى سنان باشا حتى أكمل العلوم الرياضية.

стр. 1964

وكتب بأمر السُّلطان محمَّد المولى سنان حواش على "شرح الجغمني" لقاضي زاده الرومي، وهي حاشية لطيفة في فن الهيئة، تشتمل على مؤاخذات قوية، طالعتها وانتفعت بها عند قراءة الشرح المزبور على المولى الشهير بضرخاني جلبي بشركة المولى عبد الكريم قصاب زاده. مات بالقدس الشريف في سنة أربع وثمانين وثمانمئة، ﵀ وجاوز عن سيئاته. وقد كنت قرأت "مختصر الجغمني" على المولى غرس الدِّين أوَّلًا، والمولى المذكور علي القوشجي أبوه محمَّد، من خدام الأمير أُلُغْ بيك بن الأمير تيمور الأعرج ملك ما وراء النهر. وكان هو حافظ البازي وهو معنى (القوشجي)، قرأ على علماء سمرقند، وقرأ على المولى الفاضل قاضي زاده الرومي، وقرأ عليه العلوم الرياضية، وقرأها (١) على الأمير أُلغ بيك أيضًا، وكان الأمير أُلغ بيك مائلًا إلى العلوم الرياضية. ثم إنَّ الأمير أُلغ بيك هيَّأ موضع رصد بسمرقند، وصرف عليه مالًا عظيمًا، وتولَّاه أولًا (٢) غياث الدِّين جمشيد من مهرة هذا العلم، فتوفاه الله في أوائل (٣) الأمر، ثم تولاه المولى قاضي زاده الرومي، فتوفاه الله قبل إتمامه، وأكمله المولى علي القوشجي، فكتبوا ما فضل لهم من الرصد، وهو المشهور بالزيج الجديد لأُلغ بيك، وهو أحسن (٤) الزيجات وأقربها من الصحة.

стр. 1965

ثم لما توفي الأمير أُلغ بيك، وتسلطن بعض أولاده، ولم يعرف قدر المولى المذكور، ونفر قلبه، استأذن للحج، ولما (١) جاء إلى تبريز والأمير هناك في ذلك الوقت السُّلطان حسن الطويل أكرم المولى المذكور إكرامًا عظيمًا، وأرسله بطريق الرسالة إلى السُّلطان محمَّد خان ليصالح بينهما، ولما أتى السُّلطان محمَّد خان أكرم إكرامًا عظيمًا فوق ما أكرمه السُّلطان حسن، وسأله أن يسكن في ظل حمايته، فأجاب في ذلك وعهد إليه أن يأتي إليه بعد إتمام أمر (٢) الرسالة، فلما أدى الرسالة أرسل السُّلطان محمَّد خان إليه من خدامه يخدموه في الطريق، فصرفوا إليه في كلِّ مرحلة ألف درهم بأمر السُّلطان محمَّد خان، فأتى مدينة قسطنطينية بالحشمة الوافرة والنعم المتكاثرة. وحين قدم إليه أهدى إلى السُّلطان محمَّد خان عند ملاقاته رسالة في علم الحساب، وسمَّاها "المحمدية"، وهي رسالة لطيفة لا يوجد أنفع منها في ذلك العلم (٣). ثم إنّ السُّلطان محمَّد خان لما ذهب إلى محاربة السُّلطان حسن أخذ المولى المذكور معه، وصنَّف في أثناء السفر رسالة لطيفة في علم الهيئة باسم السُّلطان محمَّد خان، سمَّاها "الرسالة الفتحية"؛ لمصادفتها فتح عراق العجم. ولما رجع السُّلطان محمَّد خان إلى قسطنطينية أعطاه مدرسة آيَا صُوفيَه، وعين له كلَّ يوم مئتي درهم، وعيَّن لكل أولاده وتوابعه منصبًا. يروى أنّه لما نزل إلى قسطنطينية كان معه من توابعه مئتا نفس، ولما قدم أول قدومه استقبله علماء المدينة، وكان المولى خواجه زاده إذ ذاك قاضيًا بها، فلما ركبوا
следующие страницы →