[٧٣٩ - محمَّد بن مصطفى بن الحاج حسن (١)]
المولى الفاضل، والعالم الكامل، حاوي العلوم العقلية والشرعية، ضابط الفنون الأصلية والفرعية، جامع الفضائل، مرجع الأفاضل، شمس الأهالي، وبدر الأعالي، وصدر الموالي، محمَّد بن مصطفى بن الحاج حسن.
كان بحرًا في العلوم، محبًّا للعلم والعلماء، طلق الوجه، متواضعًا محبًّا للفقراء، وكان عارفًا بأسرار القرآن، كاشفًا رموز (٢) الفرقان، قرأ على علماء عصره، ثم وصل إلى خدمة المولى يكان، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة مَلْقَرَه، ثم صار قاضيًا ببلدة كَلِيبُولِي، ثم مدحه الوزير محمود باشا عند السُّلطان محمَّد خان، فأعطاه مدرسة والده السُّلطان مراد خان بمدينة بروسا، ثم جعله قاضيًا بالمدينة المزبورة، ثم أعطاه إحدى المدارس الثمان، ثم أعطاه قضاء مدينة قسطنطينية.
ثم جعله السُّلطان محمَّد خان في السنة التي مات فيها قاضيًا بالعسكر إلى ذلك الوقت واحدًا، ثم صار اثنين؛ أحدهما القسطلاني، وثانيهما المولى المذكور، وقد مرت حكايته في ذكر المولى القسطلاني قبيل هذا.
(ثم لما جلس السُّلطان بايزيد على سرير السلطنة قرَّره في مكانه) (٣)، ثم جعله قاضيًا بالعسكر المنصور في ولاية روم إيلِي، وما زال قاضيًا بالعسكر إلى أن مات في سنة إحدى عشرة وتسعمئة.
стр. 1962
ومن تلامذته المولى جعفر بن النَّاجي بك، وأخوه المولى سعدي علي (١) بن النَّاجي بك.
كتب المولى المزبور حاشية على "تفسير سورة الأنعام" للقاضي البيضاوي، وله حاشية على "المقدمات الأربع"، وحاشية للمحاكمة بين العلامة جلال الدِّين الدواني والعلامة أمير (٢) صدر الدين، وصنف كتابًا في الصرف سماه "ميزان الصرف".
وكان ذا ثروة عظيمة بنى مدرسة ومسجدًا بمدينة قسطنطينية بقرب من جامع السُّلطان محمَّد خان.
* * *
[٧٤٠ - سنان باشا بن خضر بك (٣)]
المولى الفاضل (٤) المحقق، والحبر الكامل المدقق، عالم المشروع والمعقول، حاوي الفروع والأصول، الزكي المتوقد، والنقي الناقد، فائق الأقران، خبير المعاني والبيان، ذو اليد الطولى في البلاغة والأدب، صاحب الباع الممتد في النظم والنثر والإنشاء والخطب، العالم النحرير، والأستاذ الكبير، سنان باشا يوسف بن خضر بك بن جلال الدِّين القاضي، رحمهم الله تعالى.
كان عالما فاضلًا، كثير الاطلاع على العلوم العقلية والشَّريعة، وله المشاركة
стр. 1963
التامة في الفنون الأصلية والفرعية، وكان فارسًا في البحث مفرط الذكاء، يقول من يشاهده: عجبًا لهذا الشاب كيف ما حوى قلَّ أن تلد أمهات الزَّمان مثله في الفضل والعرفان، (وكان سبَّاقًا إلى درك المعاني، وقَّافًا على المدارك والمباني، وكان خاطره ميالًا (١) إلى مواقع الإشكال، وطبعه سيالًا كالماء السلسال، غلب على طبعه إيراد الشكوك والشبهات، (قلما يلتفت إلى تحقيق المسائل ويمر عنها بأدنى الإشارات، يقال: إنّ والده المولى خضر بك كان يلومه عليه) (٢).
يروى أنّ المولى سنان باشا كان يأكل مع أبيه المولى خضر بك لحمًا في طبق، فلامه أبوه على ميله إلى الشكوك والأوهام، وقال: بلغ (٣) بك الشكوك إلى مرتبة يمكن أن تشك في أنّ هذا الظرف من نحاس، قال: يمكن ذلك لأنّ الحواس أغاليط، فغضب والده، وضربه بالطبق على رأسه.
ولما مات والده كان هو في جوار العشرين من سنه، فأعطاه السُّلطان محمَّد خان إحدى المدارس الثمان في سنة إحدى وسبعين وثمانمئة، ثم جعله معلِّمًا لنفسه، ومال إلى صحبته.
ولما جاء المولى علي القوشجي إلى السُّلطان محمَّد خان، (حرض السُّلطان محمَّد خان) (٤) المولى سنان باشا على تعلم العلوم الرياضية، فأرسل هو المولى لطفي التُوقَاتي وهو من تلامذته في ذلك الزمان إلى المولى علي القوشجي، وقرأ عليه العلوم الرياضية، وأخبر كل ما سمع منه للمولى سنان باشا حتى أكمل العلوم الرياضية.
стр. 1964
وكتب بأمر السُّلطان محمَّد المولى سنان حواش على "شرح الجغمني" لقاضي زاده الرومي، وهي حاشية لطيفة في فن الهيئة، تشتمل على مؤاخذات قوية، طالعتها وانتفعت بها عند قراءة الشرح المزبور على المولى الشهير بضرخاني جلبي بشركة المولى عبد الكريم قصاب زاده.
مات بالقدس الشريف في سنة أربع وثمانين وثمانمئة، ﵀ وجاوز عن سيئاته.
وقد كنت قرأت "مختصر الجغمني" على المولى غرس الدِّين أوَّلًا، والمولى المذكور علي القوشجي أبوه محمَّد، من خدام الأمير أُلُغْ بيك بن الأمير تيمور الأعرج ملك ما وراء النهر.
وكان هو حافظ البازي وهو معنى (القوشجي)، قرأ على علماء سمرقند، وقرأ على المولى الفاضل قاضي زاده الرومي، وقرأ عليه العلوم الرياضية، وقرأها (١) على الأمير أُلغ بيك أيضًا، وكان الأمير أُلغ بيك مائلًا إلى العلوم الرياضية.
ثم إنَّ الأمير أُلغ بيك هيَّأ موضع رصد بسمرقند، وصرف عليه مالًا عظيمًا، وتولَّاه أولًا (٢) غياث الدِّين جمشيد من مهرة هذا العلم، فتوفاه الله في أوائل (٣) الأمر، ثم تولاه المولى قاضي زاده الرومي، فتوفاه الله قبل إتمامه، وأكمله المولى علي القوشجي، فكتبوا ما فضل لهم من الرصد، وهو المشهور بالزيج الجديد لأُلغ بيك، وهو أحسن (٤) الزيجات وأقربها من الصحة.
стр. 1965
ثم لما توفي الأمير أُلغ بيك، وتسلطن بعض أولاده، ولم يعرف قدر المولى المذكور، ونفر قلبه، استأذن للحج، ولما (١) جاء إلى تبريز والأمير هناك في ذلك الوقت السُّلطان حسن الطويل أكرم المولى المذكور إكرامًا عظيمًا، وأرسله بطريق الرسالة إلى السُّلطان محمَّد خان ليصالح بينهما، ولما أتى السُّلطان محمَّد خان أكرم إكرامًا عظيمًا فوق ما أكرمه السُّلطان حسن، وسأله أن يسكن في ظل حمايته، فأجاب في ذلك وعهد إليه أن يأتي إليه بعد إتمام أمر (٢) الرسالة، فلما أدى الرسالة أرسل السُّلطان محمَّد خان إليه من خدامه يخدموه في الطريق، فصرفوا إليه في كلِّ مرحلة ألف درهم بأمر السُّلطان محمَّد خان، فأتى مدينة قسطنطينية بالحشمة الوافرة والنعم المتكاثرة.
وحين قدم إليه أهدى إلى السُّلطان محمَّد خان عند ملاقاته رسالة في علم الحساب، وسمَّاها "المحمدية"، وهي رسالة لطيفة لا يوجد أنفع منها في ذلك العلم (٣).
ثم إنّ السُّلطان محمَّد خان لما ذهب إلى محاربة السُّلطان حسن أخذ المولى المذكور معه، وصنَّف في أثناء السفر رسالة لطيفة في علم الهيئة باسم السُّلطان محمَّد خان، سمَّاها "الرسالة الفتحية"؛ لمصادفتها فتح عراق العجم.
ولما رجع السُّلطان محمَّد خان إلى قسطنطينية أعطاه مدرسة آيَا صُوفيَه، وعين له كلَّ يوم مئتي درهم، وعيَّن لكل أولاده وتوابعه منصبًا.
يروى أنّه لما نزل إلى قسطنطينية كان معه من توابعه مئتا نفس، ولما قدم أول قدومه استقبله علماء المدينة، وكان المولى خواجه زاده إذ ذاك قاضيًا بها، فلما ركبوا
стр. 1966
ذكر المولى علي القوشجي ما شاهده في بحر هُرْمُز من الجزر والمد، فبين المولى خواجه زاده سبب (١) الجزر والمد.
ثم إنّ المولى علي القوشجي ذكر مباحثة السيِّد الشريف مع العلامة التَّفْتَازَانِي (عند الأمير تيمور، ورجَّح جانب التَّفْتَازَانِي) (٢) قال المولى خواجه زاده: وإني أظن الأمر كذلك إلا أني حققت البحث المذكور في حاشية كتابي، فأمر بعض خدمه بإحضار ذلك الكتاب، فأحضر الكتاب عند خروجه من السفينة، فتلقى المولى المذكور تلك الحاشية، فلما لقي المولى المذكور السُّلطان محمَّد قال: لا نظير له في العجم، قال له السُّلطان محمَّد خان: ولا نظير له في العرب أيضًا (٣).
وله من التصانيف "شرح التجريد"، وحاشية على أوائل "شرح الكشَّاف" للعلامة التَّفْتَازَانِي، و"كتاب عنقود الزواهر في الصرف"، وله رسالة في مباحث الحمد.
حكي أنَّ المولى علي القوشجي جمع عشرين متنًا في مجلدة واحدة، كل متن من علم، وسماه "محبوب الجمال"، وكان بعض غلمانه يحمله ولا يفارقه أبدًا، وكان ينظر فيه كل وقت.
مات بقسطنطينية ودفن في حريم أبي أيوب الأنصاري ﵁.
[جئنا إلى ما نحن فيه:
ثم جعل السُّلطان محمَّد خان المولى المزبور وزيرًا في سنة خمس وسبعين وثمانمئة، وتقرب عنده غاية التقرب طلب السُّلطان محمَّد خان رجلًا من العلماء
стр. 1967
يكون أمينًا على خزانة كتبه، فذكر عنده المولى لطفي فجعله أمينًا على تلك الخزانة، ووقف هو بواسطته على لطائف الكتب وغرائب العلوم، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة دار الحديث في أَدْرَنة، وعيَّن له كل يوم ستون درهمًا، وكان ذلك في سنة إحدى وثمانين وثمانمئة، ثم جعل وظيفته ثمانين درهمًا، ثم صار مدرِّسًا بإحدى المدرستين المتجاورتين بأَدْرَنة، وعين له كل يوم خمسون درهمًا، وضم إليها تولّيه عمارة السُّلطان مراد خان بمدينة أَدْرَنة، ثم عين له كل يوم مئة درهم بطريق التقاعد، ثم أعطى له لواء كليبولي.
ثم إنّه وقع بينه وبين السُّلطان محمَّد خان أمر كان سببًا لعزله وحبسه، فلما حققه علماء البلد اجتمعوا في الدِّيوان العالي، وقالوا: لا بد من إطلاقه من الحبس وإلَّا نحرق كتبنا في الديوان الثاني ونترك مملكتك، فأخرجه وسلَّمه إليهم، ولما سكتوا أعطاه سَفَرى حصار مع مدرسته، وأخرجه في ذلك اليوم من قسطنطينية فخرج، وكان المولى نور الدِّين القراصوي من تلامذته عنده، ذهب معه ولم يفارقه.
ولما وصل إلى إزنيق أرسل خلفه طبيبًا، [وقال: عالجه] (١) لقد اختلَّ عقله، فأعطاه الطبيب المذكور شربة، وضرب كل يوم خمسين عصا، فلما سمعه المولى ابن حسام الدِّين أرسل كتابًا إلى السُّلطان محمَّد خان وقال له: إما أن ترفع هذا الظلم، وإما أن أخرج من مملكتك، فرفع عنه الظلم المذكور.
وذهب هو إلى سَفَري حصار وأقام هناك بما لا يمكن شرحه من الكآبة والحزن، ومات السُّلطان محمَّد خان وهو فيها.
فلما جلس السُّلطان بايزيد خان على سرير السلطنة أعطاه مدرسة دار الحديث
стр. 1968
بأدرنة، وعيَّن له كلَّ يوم مئة درهم] (١)، وكتب (هو هناك) (٢) حواش على (٣) مباحث الجواهر من "شرح المواقف"، [وأورد أسئلة كثيرة على السيِّد الشريف حتى إنَّه يورد سؤالين أو ثلاثة في سطر واحد، فنصحه بعض أصحابه وقال: لا بد من انتخاب تلك الأسئلة لأنّ السيِّد الشريف رفيع الشأن، فأذن للطلبة أن يطالعوا تلك الأسئلة، فأسقط منها ما أجابوا عنه] (٤).
وله كتاب (٥) بالتركي أنشأه (٦) في مناجاة الحق ، (اشتهرت بين الناس) (٧) بـ "تضرعْ نامه سنان باشا"، وكتاب آخر أيضًا في مناقب الأولياء، (وكلاهما في غاية الحسن واللطف نثرًا ونظمًا) (٨).
مات ﵀ في سنة إحدى وتسعين وثمانمئة، ولم يوجد في بيته حطب يسخن به الماء، وذلك لإفراطه في السخاء، ووصوله إلى حد السرف.
[ومن تلامذته المولى نور الدِّين القرة صوى، الشهير بصاري كرز، والمولى بالي الأسود الآيديني، والمولى محمود بن محمَّد بن قاضي زاده الرومي الشهير بالمولى ميرم جلبي، والشَّيخ العارف بالله عبد الرحيم بن علي بن مؤيد الأماسي الشهير بحاجي جلبي، والمولى لطفي التوقاتي، وكان المولى المزبور محبًّا للمشايخ، وكان
стр. 1969
من ملازمي الشَّيخ العارف بالله الشَّيخ ابن الوفا، وقد سبق ذكر ما يتعلق به في ذكر الشَّيخ ابن الوفا في الكتيبة السابقة] (١).
* * *
[٧٤١ - يعقوب باشا بن خضر بك (٢)]
(المولى العالم الفاضل، والحبر الفاخر الكامل، حاوي العلوم الدينية، وجامع المعارف اليقينية، منبع المكارم والمفاخر، ومستجمع الفضائل كابرًا عن كابر، فائق الأقران في الفروع والأصول، سابق الأعيان في المعقول والمنقول) (٣)، يعقوب باشا ابن خضر بك بن جلال الدِّين.
كان محقِّقًا مدققا ورعًا بارعًا متواضعًا متخضعًا، مقبول الذات، كريم الصِّفات، مرعيَّ الشَّمائل، مرضيَّ الخصائل، حاوي الفضائل العديدة، صاحب الأخلاق الحميدة، وكان أفقه زمانه فارس ميدانه وأعز إخوانه.
أخذ الفقه عن أبيه المولى خضر بك بن جلال الدِّين، عن المولى يكان، عن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، عن الشَّيخ أكمل الدِّين، عن الإمام قوام الدِّين الكاكي (٤)، عن صاحب "النهاية" حسام الدِّين، عن حافظ الدِّين الكبير البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن برهان الدِّين شيخ الإسلام صاحب "الهداية" عن الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين،
стр. 1970
عن أبيه الصَّدر الكبير برهان الدِّين الكبير، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
كان مدرِّسًا بسلطانية بروسا، ثم صار مدرِّسًا بإحدى المدارس الثَّمان، ثم استقضى بمدينة بروسا، ومات وهو قاض بها سنة إحدى وتسعين وثمانمئة.
وله حواش على "شرح الوقاية" الصدر الشَّريعة، أورد فيها دقائق غريبة، وأسئلة عجيبة، (أعجب بها) (١) الناظرون، وكان في غاية الإيجاز (في التحرير، وكانت هي) (٢) مقبولة عند العلماء، حتى كانوا يدرِّسونها في المدارس.
(قال صاحب "الشقائق": ورأيت له نسخة من "شرح المواقف" للسيِّد الشَّريف كتب في حواشيه كلمات كثيرة، وأسئلة لطيفة، وأكثر حواشي المولى حسن جلبي مأخذوة منها) (٣).
* * *
[٧٤٢ - أحمد باشا بن خضر بك (٤)]
المولى الفاضل الكبير، والعالم الكامل النِّحرير، عارف العلوم الدِّينية، وواقف المعارف اليقينية، أحمد باشا بن المولى خضر بك بن القاضي جلال الدِّين،
стр. 1971
(قدس الله تعالى سره العزيز) (١).
كان له مشاركة في (٢) الأصول والفروع، (وكان بجميع العلوم واقفًا) (٣)، وكان سليم النفس، متواضعًا ورعًا بارعًا، محبًّا للفقراء والمساكين، وكان متصلِّبًا في إجراء الشرع المبين.
حكي أنَّه لما بنى السُّلطان محمَّد خان المدارس الثَّمان أعطاه واحدة منها، وسنُّه إذ ذاك دون العشرين، وعيَّن له كلَّ يوم أربعين درهمًا، (ثم لما عزل أخوه سنان باشا عن الوزارة عزله عن التدريس المذكور، وأعطاه مدرسة بلدة أُسْكُوب وقضائها) (٤).
ولما جلس السُّلطان بايزيد خان على سرير السلطنة أعطاه إحدى المدرستين المتجاورتين بمدينة أدرنة، ثم أعطاه إحدى المدارس الثمان، ثم جعله قاضيًا بمدينة بروسا، وضم إليها قرية قريبة من بروسا، وعاش هناك مدة متطاولة حتى جاوز عشر التسعين.
ومات في سنة سبع وعشرين وتسعمئة في أوائل سلطنة السُّلطان الغازي سليمان خان.
ومن تلامذته الشَّيخ العارف بالله الشَّيخ مصلح الدِّين مصطفى، الشهير بمركز خليفة، من خلفاء الشَّيخ المعروف بسنبل سنان.
* * *
стр. 1972
[٧٤٣ - المولى الخيالي (١)]
المولى الفاضل المحقِّق، والعالم العامل الكامل المدقِّق، عارف أسرار العلوم الدينية، وكاشف رموز المسائل اليقينية، ومنبع المعارف الربَّانية، ومجمع اللَّطائف السبحانية، مشهور الآفاق، مرضي الأخلاق كريم الذات، المتحلي بأنواع المعالي، شمس الدِّين أحمد بن موسى الشهير بالمولى الخَيَالي، (قدس الله تعالى سرَّه العزيز) (٢).
كان أبوه قاضيًا، فقرأ عنده (٣) مباني العلوم، ثم وصل إلى خدمة المولى خضر بك، وكان مدرِّسًا بسلطانية بروسا، وصار معيدًا لدرسه، والمعيد الأول المولى خواجه زاده، وكان لهذه المدرسة معيدان.
(وكان المولى مصلح الدِّين القسطلاني والمولى علاء الدِّين العربي من أصحاب الدَّرس، ثم صار مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم انتقل إلى مدرسة فِلِبَه، وكان له كلَّ يوم ثلاثون درهمًا) (٤).
وكان المولى محمَّد بن مصطفى بن الحاج حسن في ذلك الوقت قاضيًا بكَلِيبُولِي، فمدحه الوزير محمود باشا عند السُّلطان محمَّد خان، فأعطاه مدرسة السُّلطان مراد ابن السُّلطان محمَّد خان ببروسا، واليوم مشهورة بمرادية بروسا، فحسد الخيالي على
стр. 1973
ذلك، وكتب إلى الوزير محمود باشا كتابًا، وأرسله إليه وأورد فيه هذين البيتين:
أعجوبة في آخر الأيام … تبديك صحة ظفرة النظام
وفساد آراء الحكيم لأنها … في الآن قطع مسافة الأعوام
ولما قرأ الوزير محمود باشا هذين البيتين قال: إنّ المولى لا يعرف حال الرجل وهو مستحق بذلك.
ثم [إن المولى تاج الدِّين إبراهيم الشهير بابن الخطيب والد المولى الشهير بخطيب زاده لما مات بمدرسة إِزْنِيقْ، عرضه المولى الخيالي مكانه، فقال السُّلطان محمَّد خان: أليس هو الذي كتب الحواشي على "شرح العقائد"، وذكر فيها اسمك؟ قال: نعم هو كذلك، قال: إنّه مستحق بذلك، فأعطاه المدرسة المذكورة] (١)، وعيَّن له كلَّ يوم مئة وثلاثين درهمًا، (وكان للمولى تاج الدِّين المتوفى كل يوم مئة درهم) (٢).
وكان المولى الخيالي في (ذلك الوقت) (٣) متهيِّئًا للحج الشريف، فجاء قسطنطينية، فأعلم الوزير محمود باشا، فأبرم عليه قَبول المدرسة المزبورة (٤)، فقال: إن أعطيتني وزارتك وأعطى السُّلطان سلطنته (٥) لا أترك هذا السفر، فعرض الوزير محمود باشا على السُّلطان، فقال: هلَّا أبرمت عليه قال: أبرمت عليه، قال: إن أعطيت وزارتك لا أترك هذا السفر، ولم يذكر السلطنة استحياءً من السُّلطان، فحزن لذلك السُّلطان، وأمر أن يدرِّس معيده في تلك المدرسة إلى أن يرجع هو من الحج.
стр. 1974
ثم صار مدرِّسًا بها، ولم يثبت إلا سنين قليلة حتى مات في أوائل عشر الستين وثمانمئة، وكان سنُّه وقت وفاته ثلاثًا وثلاثين سنة.
وكان ﵀ مشتغلًا بالعلم والعبادة لا ينفكُّ عنهما ساعة، وكان يأكل في كل يوم وليلة مرة واحدة ويكتفي بالأقل، وكان نحيفًا في الغاية، حتى روي أنه كان سبابته وإبهامه يدخل فيهما يده إلى أن تنتهي إلى عضده.
(ومن تلامذته المولى غياث الدِّين بن أخي الشَّيخ العارف بالله آقْ شمس الدِّين الشهير بباشا (١) جلبي، والمولى كمال الدِّين قَرَه كمال) (٢).
يحكى عن باشا جلبي أنّه قال: لازمته مقدار سنين، وقرأت عليه في بلدة إِزْنِيقْ، ولم أره مزح (٣) ولا ضحك، وكان دائم الصَّمت، مشتغلًا بالعبادة، وملاحظًا دقائق العلوم، وكان لا يتكلَّم إلا عند مباحثة العلوم.
حكي أنَّه اجتمع يومًا مع المولى خواجه زاده في الجامع، وباحث معه، فغلب عليه، فلما رجع إلى بيته قال له بعض الحاضرين: اليوم غلبت علي خواجه زاده، قال: إني ما زلت أضرب على رأس ابن صالح البخيل، وكان يلقب جد المولى خواجه زاده بذلك، روي عن باشه جلبي أنه قال: ما رأيت ضحكه إلا في هذه الساعة.
ويحكى أنّ المولى خواجه زاده ما نام على الفراش قط إلى أن مات المولى خيالي خوفًا منه لفضله، وقال بعد وفاته: أنا أستلقي بعد ذلك على ظهري.
وله حواش على "شرح العقائد النَّسفية" للعلامة التَّفْتَازَانِي، سلك فيها مسلك
стр. 1975
الإيجاز والألغاز، وأتى ببدائع تقرب رتبة الإعجاز، وله حواش على أوائل "حاشية التجريد"، وله "شرح نظم العقائد" لأستاذه المولى خضر بك، ولقد أجاد فيه، ورأيت بخطه "شرح الطوالع" للأصفهاني، علَّق على هامش أوراقه مؤاخذات قوية على الشرح وعلى حواشيه.
ورأيت في هامش نسختي من "الفتاوى البَزَّازية" تعليقة علَّقها المولى الخيالي في مسألة التوضؤ من الحوض أفضل من الماء الجاري رغمًا للمعتزلة بناءً على مسألة الجزء الذي لا يتجزأ، (وهي هذه:
قيل في حله: إنَّ بعض المعتزلة كالنظَّام لمَّا رأوا عدم تناهي الجزء الذي لا يتجزأ) (١) قالوا: أجزاء النجاسة الواقعة في الحوض غير متناهية كأجزاء الماء، فانقسم كل النجاسة إلى كل أجزاء الماء فتنجس الكل، وعلماؤنا لما رأوا تناهي الجزء الذي لا يتجزأ يتجزأ لزم أن يبقى بعض أجزاء الحوض طاهرًا، لكن لا يعرف الطاهرة من النجسة، فللضرورة وهي أنّ الماء لا يحرز في البيوت حكمنا بطهارة الكلِّ، بخلاف العصير والخل، فإنّه يحرز في الأواني، ألا يرى أنّ الأسواق لما لم تخلُ عن الحرام اعتبر الغلبة، كذلك بحكم الضرورة اعتبر عدم النجاسة، انتهى كلام الخيالي.
قلت: أصل المسألة من "فوائد الإمام الرُّسْتُغْفَني": ذكر الشَّيخ الإمام افتخار الدِّين طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد في فتاويه "خلاصة الفتاوى" نقلًا عنها: التوضؤ من الحوض أفضل من التوضؤ من النهر؛ لأنّ أهل الاعتزال لا يرون التوضؤ من الحوض جائزًا، فنحن نتوضأ رغمًا لهم، وأما الحوض الصَّغير فهو قياس الأواني، والحِبَاب لا يجوز التوضؤ فيه، ولو وقعت فيه قطرة خمر يتنجس.
стр. 1976
وقال فيه قبيل (١) هذه المسألة: الماء النجس إذا دخل الحوض الكبير لا يتنجس الحوض الكبير، وإن كان الماء النجس على ماء الحوض غالبًا؛ لأنّه كلما اتصل الماء بالحوض صار ماء الحوض عليه غالبًا، انتهى.
وكان (٢) المولى الخيالي مائلًا إلى طريق التَّصوف، صحب الشَّيخ العارف بالله عبد الرَّحيم المَرْزِيفُوني خليفة الشَّيخ العارف بالله زين الدِّين الخَوَافي، وقد سبق ذكره (في الكتيبة السابقة في قلب الكتيبة) (٣).
* * *
[٧٤٤ - خطيب زاده (٤)]
المولى (٥) العالم الفاضل، والفائق البارع الكامل، كثير الفضل، جليل المقام، كبير القدر، جميل الكلام، نحوي زكي متوقد، جدلي خلافي كلامي ناقد، محيي الدِّين محمَّد، الشهير بخطيب زاده (قدس الله تعالى سره العزيز) (٦).
نشأ في حجر الرئاسة والعلم، وغذي بالفضل والحلم، وتربى في صباه عند والده (٧) المولى تاج الدِّين إبراهيم ابن الخطيب، وأبوه هذا كان رجلًا فاضلًا صاحب
стр. 1977
شيبة عظيمة وصاحب مهابة، كان يعظِّمه السُّلطان مراد خان والسُّلطان محمَّد خان ويكرمانه، حتى أعطاه مراد خان مدرسة إِزْنِيقْ، وعيَّن له كلَّ يوم (مئة درهم) (١)، وتوفي في أوائل سلطنة السُّلطان محمَّد خان ببلدة إِزْنِيقْ، وأعطى مدرسته للمولى الخيالي كما سبق ذكره.
وكان من تلامذته المولى يَكَانْ، ذكر في ذكر المولى يكان حكاية بينهما.
وقد تعلم المولى خطيب زاده عند أبيه المولى تاج الدِّين مباني العلوم والمعاني والبيان، ثم قرأ على العلامة الطوسي وعلى المولى خضر بك، ثم صار مدرِّسًا بإحدى المدارس الثَّمان، وهو من أوَّل المدرسين بها، ثم عزله السُّلطان محمَّد خان لأمر جرى بينهما، ثم نصح المولى الكُوْرَاني للسلطان محمَّد خان، فأعاده إلى مدرسته، وجعله معلِّمًا لنفسه، ولما ادعى البحث مع المولى خواجه زاده قال له السُّلطان محمَّد خان: أنت تقدر البحث؟ قال: نعم سيما ولي مرتبة عند السُّلطان، فعزله السُّلطان محمَّد خان لهذا الكلام، وجعله مدرِّسًا، فدرَّس مدة كثيرة وأفاد (٢).
وكان طليق اللسان، (جريء الجنان) (٣)، قويًّا على المحاورة، فصيحًا عند المباحثة، ولهذا قهر كثيرًا من علماء زمانه، ثم كان متقاعدًا، له كل يوم مئة درهم.
وتوفِّي في سنة إحدى وتسعمئة، في (٤) السنة التي مات فيها المولى القسطلاني، لا زال من أن يتداركهما اللطف الرباني.
стр. 1978
وله من المصنَّفات (١) حاشية على "حواشي شرح التجريد" للسيِّد الشَّريف، وحواش على "حاشية الكشَّاف" للسيِّد الشَّريف، وحواش على أوائل "شرح الوقاية" لصدر الشَّريعة، كتبها بأمر السُّلطان بايزيد خان، ولم يتمِّها لعائق، وهو أنّه كان له ابن شاب (فاضل حتى إنّ أكثر) (٢) النّاس يُرجِّحونه على أبيه، وكان مدرِّسًا بمدرسة أبي أيوب الأنصاري، فقتله بعض غلمانه، فلهذا بقيت الحاشية بترًا (٣) لتكدره عليه.
(ثم اشتغل بحواشي "حاشية الكشَّاف") (٤)، وله حاشية على أوائل "شرح المختصر" للسيِّد الشَّريف ورسالة في بحث الرؤية والكلام، وله حاشية على أوائل "شرح المواقف"، وحواش على "المقدمات الأربع"، ورسالة في فضائل الجهاد.
ومن تلامذته المولى العلَّامة شيخ الإسلام والمسلمين مفتي الثقلين أحمد بن سليمان بن كمال باشا، والمولى محيي الدِّين جلبي بن علي بن يوسف بالي بن المولى الفَنَاري، وأخوه المولى محمَّد شاه بن المولى الفَنَاري، والمولى ركن الدِّين زِيْرَك زاده، والمولى عبد الواسع بن جعفر بن النَّاجي بك، والمولى حسام الدِّين بن عبد الرَّحمن، والمولى نور الدِّين القراصوي، والمولى بالي الأسود الآيْدِيني، والمولى عبد الرَّحيم بن المولى علي العربي الشهير بابك جلبي، والشَّيخ العارف بالله محمَّد بن المولى بهاء الدِّين.
يحكي صاحب "الشقائق" عن أستاذه المولى محيي الدِّين جلبي الفَنَاري أنّه كان يقرأ على المولى الخطيب مع أخيه المولى (٥) محمَّد شاه، وكان المولى ابن الخطيب
стр. 1979
متقاعدًا عند ذلك، له في كل يوم مئة درهم، فذهب إلى السُّلطان بايزيد خان في يوم عيد، وأمرنا أن نذهب معه ليذكرنا عند السُّلطان بخير، وكان ابن أفضل الدِّين مفتيًا في ذلك الوقت وله تسعون درهمًا، وكان يتقدم المولى خطيب زاده عليه فلما مرا بالديوان والوزراء جالسون فيه سلَّم المولى ابن أفضل الدِّين عليهم، فضرب المولى (ابن الخطيب) (١) بظهر يده على صدره، وقال: هتكت عرض العلم، وسلَّمت عليهم، أنت مخدوم وهم خدام، سيَّما وأنت رجل شريف.
قال الأستاذ (٢): ثم دخل على السُّلطان ونحن معه، والسُّلطان استقبله، فعددت بأصبعي كان سبع خطوات، فسلم عليه وما انحنى له، فصافحه ولم يقبِّل، وقال للسُّلطان: بارك الله لك في هذه الأيام الشريفة، ثم ذكرنا عنده، وقبَّلنا يد السُّلطان وأوصانا السُّلطان بالاشتغال بالعلم، ثم سلَّم ورجع ورجعنا معه، وقلنا له: هذا سلطان الرُّوم واللائق أن تنحني له وتقبِّل يده، قال: أنتم لا تعرفون، يكفيه فخرًا أن يذهب إليه عالم مثل خطيب زاده وهو راضٍ بهذا القدر.
قال صاحب "الشقائق": هذا ما حكاه الأستاذ من تكبره على الوزراء (٣) والسلاطين.
ثم إنّ السُّلطان بايزيد خان جمعه مع المولى علاء الدِّين العربي وسائر العلماء، وجرى بينهما مباحثة، وانتهى البحث إلى كلام أنكر السُّلطان عليه لذلك كلَّ الإنكار، وتكدَّر عليه كدرًا عظيمًا.
وفطن لذلك المولى خطيب زاده، فصنَّف رسالة في بحث الرؤية والكلام،
стр. 1980
وحقَّق في بحث الكلام ما ادَّعاه، وذكر في خطبتها اسم (١) السُّلطان بايزيد خان، وأرسلها إليه بيد الوزير إبراهيم باشا، فلما عرضها على السُّلطان قال: ما اكتفى بذكر ذلك الكلام الباطل باللسان، وكتبه في الأوراق اضرب رسالته في وجهه، وقل له: يخرج من مملكتي ألبتة، فتحيَّر الوزير، وكتم هذا الكلام من المولى خطيب زاده، ومع ذلك يرجو ابن الخطيب الجائزة من قبل (٢) السُّلطان، وتألَّم من تأخرها، وقال للوزير استأذن السُّلطان أن أذهب من هذه المملكة وأجاور بمكَّة، وأدَّى أمره إلى الاختلال عند السُّلطان.
[ولعله وقع هذا الاختلال والاضطراب بعدما حكم على المولى لطفي بزندقته وإباحة دمه على حسب التعصب، حتى روي أنه لما حكم بقتله وأتى منزله قال: خلصت كتابي من يده، وكان يسمع أن يقصد أن يزيِّف حواشيه على "شرح التجريد"، وكان المولى حميد الدِّين بن أفضل الدِّين مفتي البلاد الإسلامية في هذا الأوان توقف في أمر المولى لطفي ولم يحكم بإباحة دمه وزدقته] (٣).
ثم أرسل الوزير المزبور إلى المولى عشرة آلاف درهم من ماله باسم السُّلطان، وأنسى السُّلطان ما أمره به من خروج المولى المذكور عن مملكته، ومع ذلك اعتقد المولى المذكور أن تأخير الجائزة وتقليلها من جهة الوزير، ووقعت لذلك بينهما وحشة عظيمة.
يحكى أنَّ المولى جلال الدِّين الدواني كان من كبار الشَّافعية أرسل كتابًا إلى بعض أصدقائه ببلاد الروم، وكتب في حاشيته: السَّلام على المولى خطيب زاده وعلي
стр. 1981
المولى خواجه زاده، فسمع المولى ابن الخطيب هذا الكتاب، فطلبه منه وأرسله إلى الوزير المزبور، وقال: (إنك تعتقد) (١) فضل خواجه زاده عليَّ وأنا مفضَّل عليه ببلاد العجم، يدل عليه كتاب جلال الدِّين الدواني حيث قدَّمني عليه ذِكْرًا، فلمَّا وصل الكتاب إلى الوزير نظر فيه، وقال: إنَّه سؤال دوري، والتقديم في الذِّكْر لا يستلزم (٢) التقديم في الفضل، ولعل المولى ابن الخطيب لا يعرف هذه المسألة.
* * *
[٧٤٥ - حسن جلبي بن المولى الفَنَاري (٣)]
العالم الفاضل، الجامع بين أشتات العلوم، والبارع الكامل المبرز بالمعقول والمفهوم، صاحب التصانيف التي سارت مشرقًا ومغربًا، وجامع التأليف التي تزيد الناظرين عجبًا، فائق الزمان، (ومجمع الفضائل والعرفان) (٤)، المولى حسن جلبي بن محمَّد شاه المولى الفَنَاري ﵀ (٥).
كان عالمًا فاضلًا جامعًا محقِّقًا مدقِّقًا نحويًّا، خبيرًا بالمعاني والبيان، واقفًا على الأصول والفروع وتفسير القرآن، (وكان مع فضله صالحًا متديِّنًا، حافظًا لأوقاته،
стр. 1982
حسن السِّيرة، مرضي الطريقة، مطلعًا على علمي الشَّريعة والحقيقة، قسم أيامه بين العلم والعبادة) (١)، وكان متخشِّعًا متخضعًا، لا يركب دابة للتواضع، وكان يلبس الثياب الخشنة، وكان (صاحب الأخلاق الحسنة، يحب الفقراء والمساكين، ويعاشر مشايخ الصوفية ويضيف المريدين.
كان) (٢) مدرِّسًا بالمدرسة الحلبية بأَدْرَنة، وكان ابن عمه علي الفَنَاري قاضيًا بالعسكر في أيام السُّلطان محمَّد خان، فدخل عليه وقال: استأذن من السُّلطان، فإني أريد أن أذهب إلى مصر لأقرأ "كتاب مغني اللبيب" في النحو على رجل مغربي سمعته بمصر، يعرف ذلك الكتاب غاية المعرفة، فعرضه على السُّلطان، فأذن له، فقال: قد اختل دماغ ذلك المرء، وكان السُّلطان (محمَّد خان) (٣) لا يحبُّه لأجل أنَّه صنَّف حواشيه على "التلويح" باسم السُّلطان بايزيد خان في حياة والده.
ثم إنّه دخل مصر وكتب "كتاب مغني اللبيب" بتمامه، وقرأه على ذلك المغربي قراءة تحقيق وإتقان، وكتب ذلك المغربي بخطه على ظهر كتابه إجازة له في ذلك الكتاب، وقرأ هناك أيضًا "صحيح البخاري" على بعض تلامذة ابن حجر، وحصَّل منه الإجازة في رواية الحديث عنه، ثم إنّه رجع وأتى بلاد الروم، وأرسل "كتاب مغني اللبيب إلى السُّلطان محمَّد خان، فلما نظر فيه زال عنه تكدر خاطره عليه، فأعطاه مدرسة إِزْنِيقْ، ثم أعطاه إحدى الثَّمان.
وكان يسكن في حجرة من حجرات المدرسة، وكان يلازم المدرسة في الأوقات الخمسة، والعباء في ظهره والشملة والتاج على رأسه، وكان يذهب بعد الدرس إلى
стр. 1983
مدرسة قاضي زاده المولى قاسم، ويزوره بعد درسه، وفي الغد (يزور المولى قاسم قاضي زاده) (١)، ثم عيَّن له السُّلطان بايزيد خان كل يوم ثمانين درهمًا، وسكن ببروسا إلى أن مات فيها ﵀.
وله حواشٍ على "كتاب التلويح" للعلامة التَّفْتَازاني، وحواشٍ على "الشرح المطوَّل للتلخيص" للعلامة المزبور أيضًا في المعاني والبيان، وحواشٍ على "شرح المواقف" للسيِّد الشَّريف في الكلام، وكلُّها (٢) مقبولة مشهورة لدى الأهالي والموالي.
ومن تلامذته المولى محيى الدِّين محمَّد القُوجَوي، [يحكي صاحب "الشقائق" عن تلميذه المولى المزبور، وكان معيدًا له قال: طلبني يومًا وقت السَّحر، فدخلت في داره، ولما وصلت إلى باب حجرته سمعت بكاءه عاليًا، فتحيَّرت وظننت أنّه أصابته مصيبة عظيمة، ثم دخلت وسلَّمت، فأمرني بالجلوس، وقلت: ما سبب بكائكم هذا؟ قال: خطر ببالي في الثلث الأخير من الليل خاطر، فلم أجد بدًا من البكاء، فسألته عن ذلك، فقال: تفكَّرت أنّه لم يحصل لي ضرر دنيوي منذ ثلاثة أشهر، قال: وقد سمعت من الثِّقاة أنّ الضرر إذا توجَّه إلى الآخرة يتولى عن الدنيا، ولهذا بكيت خوفًا من توجه الضرر إلى الآخرة.
وبينا نحن في هذا الكلام إذا دخل عليه واحد من غلمانه وهو حزين، فقال: ما سبب خزنك؟ قال: أمرتموني أن أذهب إلى المصلحة الفلانية، فركبت البغلة الفلانية فسقطت البغلة وماتت، قال: الحمد لله حصل لي ضرر دنيوي، وأنت يا غلام بشّرتني بهذا، فأنت حرٌّ لوجه الله تعالى؛ شكرًا لذلك.
стр. 1984
ويحكى أنّ المولى المذكور] (١) من إنصافه أنّه قال: إني معترف بفضل خواجه زاده عليَّ، لكنه لا يمر من بحث إلى بحث حتى يتقنه ويحققه، وأنا أمر بعد ما فهمت البحث قبل إتقانه، ثم قال: وعلى كلِّ حال هو أفضل مني.
* * *
[٧٤٦ - قاضي زاده المولى قاسم (٢)]
المولى العالم، والأولى الحاكم (٣)، حاوي المكارم، المولى قاسم الشهير بقاضي زاده.
كان أبوه قاضيًا ببلدة قَسْطَمُونِي، اشتغل في بلاده، وقرأ على علمائها، وبلغ رتبة الكمال، ثم وصل إلى خدمة المولى الفاضل خضر بك بن جلال الدين، وحصَّل عنده علومًا كثيرة، وفاقَ على أقرانه، ثم صار مدرِّسًا ببلدة تِيرَه، ثم نقله السُّلطان محمَّد خان حين بنى المدارس الثَّمان (من مدرسة تِيرَه) (٤) إلى إحدى المدارس (٥) الثَّمان (٦) المذكورة (٧).
وكان (مشتغلًا بالعلم) (٨)، زكي الطبع، (جيد القريحة، مصنِّفًا) (٩) متَّصفًا
стр. 1985
بالأخلاق الحميدة، وقد سبق بعض من أحواله في ذكر المولى القسطلاني، وذكر المولى حسن جلبي، وكان له معرفة تامَّة بالعلوم الإلهية والرياضية.
ومن تلامذته المولى يوسف الحميدي، والمولى مصطفى بن بركي، والمولى سعدي بن تاجي بك، والمولى مصطفى بن خليل (١) طاش كبري، والشَّيخ العارف بالله جمال خليفة.
صار قاضيًا بمدينة بروسا، [وكان في قضائه مرعيَّ الأحوال، مرضيَّ الخصائل، جميل السِّيرة، محمود الطريقة، قويًّا في إنفاذ الشرع، جريئًا في إجراء الأحكام، شديدًا على من خالف الحق، (ألَدَّ في) (٢) الخصام.
وكان حسن العيش، قانعًا باليسير، غير متلفِّت إلى الجاه، يستوي عنده الصَّغير والكبير، قوَّالًا بالحقِّ، ولا يخاف في الله لومة لائم، ويسطو بأمر الله على المبتدعة ولا يبالي وإن رغم الراغم.
وكان ورعًا عفيفًا محتاطًا لنفسه في مطعمه ومشربه وملبسه، يحاسب نفسه على ساعة تذهب بغير طاعة، قلَّ أن ترى العيون مثله في قُضاة وحكَّام، حتى صار من تواريخ الأيام، ثم استعفى من السُّلطان محمَّد خان، فأعيد إلى إحدى المدارس الثَّمان] (٣).
ولمَّا جلس السُّلطان بايزيد خان على سرير السَّلطنة استقضاه ثانيًا بمدينة بروسا، فلم يقبله حتى أكرهه عليه، فقبل كرهًا، وعاش مدة محترما مقبولًا عند الخاص والعام، إلى أن توفَّاه الله، ورزقه حسن المقام في ثالث رمضان المبارك، سنة تسع وتسعين وثمانمئة.
стр. 1986
روي أنّه صار موته من نوائب الزَّمان، حتى أغلقت الحوانيت والدكاكين يوم موته وفي غده؛ لشدَّة (ما أصاب) (١) أهل بروسا على موت المولى المزبور القاضي بالحق.
* * *
[٧٤٧ - ابن مغنيسا (٢)]
المولى الفاضل، والعالم الكامل، جامع أشتات العلوم الأصلية العقلية والفرعية (٣) والشرعية، فصيح البيان، فائق الأقران، محيي الدِّين محمَّد، الشهير بابن مَغْنِيسَا ﵀ (٤).
كان عالمًا عارفًا فاضلًا، اشتغل في العلم، فبلغ رتبة الفضل والكمال، ثم وصل إلى خدمة المولى خُسْرَو، وأخذ عنه العلوم، وقرأ عليه الفنون، وكان المولى خُسْرَو مدرِّسًا بمدرسة آيا صُوفيَه، وكان حجرة ابن مغنيسا في الطبقة العليا من المدرسة، وكان يشتغل، ويشعل سراجه طول اللَّيل إلى السَّحر، والسُّلطان محمَّد خان يراه من دار سعادته، ولا يدري من هو، فسأل المولى خُسْرَو عن أفاضل طلبته، فمدح المولى خُسْرَو علم ابن مغنيسا وفضيلته، فقال السُّلطان محمَّد خان: إنَّه ساكن في الحجرة الفلانية وعيَّن الحجرة المذكورة، قال: نعم، هو ذاك.
ولمَّا بنى الوزير محمود باشا مدرسة بقسطنطينية أعطاها السُّلطان محمَّد خان المولى ابن مغنيسا، فحضر في أول درسه الأستاذ المولى خُسْرَو والمولى
стр. 1987
خطيب زاده وسائر علماء البلد، فدرَّس بحضرتهم، ولما ختم الدرس قال المولى خُسْرَو: إني رأيت في الرُّوم درسين؛ أحدهما لمحمَّد شاه الفَنَاري، والآخر هو الذي حضرناه الآن، قال خطيب زاده: انظروا هذه الشهادة، كان المدرس الأول محمَّد شاه الفَنَاري وقارؤه فخر الدِّين العجمي، وهذا المدرس ابن مغنيسا وقارؤه فلان، وأين هذا من ذاك.
ثم أعطاه السُّلطان محمَّد خان إحدى المدارس الثمان، ثم جعله قاضيًا بمدينة قسطنطينية، ثم جعله قاضيًا بالعسكر، واتفق أن سافر السُّلطان محمَّد خان إلى جانب روم إِيلِي، فسأله وهو راجع إلى قسطنطينية عن بيت عربي، فقال المولى ابن مغنيسا: أتفكر فيه بالمنزل ثم أجيب، فقال السُّلطان: تحتاج إلى التفكر في بيت واحد؟ فسكت المولى ابن مغنيسا.
وقال السُّلطان محمَّد خان لبعض خدامه: أحضروا مولانا سراج الدين، وهو إذ ذاك موقعًا للديوان العالي، فحضر فسأله عن ذلك البيت، فقال المولى: هو للشاعر الفلاني من قصيدته الفلانية من البحر الفلاني، ثم قرأ سباق البيت وسياقه، وحقَّق معنى البيت، فقال السُّلطان محمَّد خان لابن مغنيسا: ينبغي أن يكون العالم هكذا في العلم والمعرفة والتتبع، ولما نزل عزله في ذلك اليوم عن قضاء العسكر، وأعطاه إحدى المدارس الثمان، وقال: هو محتاج إلى التَّدريس.
ثم جعل السُّلطان محمَّد خان المولى ابن مغنيسا وزيرًا، ثم عزله عن الوزارة، وعيَّن له كل يوم مئتي درهم، ثم جعله السُّلطان بايزيد خان قاضيًا بالعسكر، ومات وهو قاض بالعسكر.
[والمولى سراج الدِّين كان من تلامذة المولى خواجه زاده، واشتغل عنده
стр. 1988
في العلوم وبلغ رتبة الفضل، ثم صار مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم أعطاه السُّلطان محمَّد خان إحدى المدارس الثَّمان، ثم جعله السُّلطان محمَّد خان لمهارته في الإنشاء موقِّعًا بالديوان العالي، ومات في عنوان شبابه، يروى أنّه كان موته مصيبة للعلماء.
وكان حافظًا لجميع مسائل العلوم، حتى كان المولى خواجه زاده يشهد في حقِّه بأن كلَّ ما قرأه وما طالعه ما غاب عن خاطره حتى في العلوم الغريبة، وكان ماهرًا في حفظ قصائد العرب، وله اليد الطولى في النظم والنثر، ويقول الشعر العربي والفارسي والتركي، وكان ذا باع ممتد في إنشاء المكاتيب والرسائل.
روي أنَّ المولى خواجه زاده رأى في المنام أنّه قطعت يده، ولم يمر عليه زمان إلا وسمع خبر وفاة المولى سراج الدين، وقال قد كان موته تعبير رؤياي، وكان ﵀ متواضعا متخضعًا، وكان ذا أدب ووقار.
حكي أنَّه كان المولى القسطلاني في زمان كونه مدرِّسًا بإحدى المدارس الثَّمان والمولى سراج الدِّين كان قرأ عليه في سوابق الزمان، وكان يدخل مدرسته ويدرِّس بها، وعيَّن شخصًا يترصد خروج المولى (١) القَسْطَلَّانِي من المدرسة، فحين أخبر بذلك يترك المولى سراج الدِّين الدَّرس ويخرج من المدرسة ليأخذ برِكاب المولى القسطلاني، وكان هو يمنعه عن ذلك، ثم يسلِّم عليه، ثم يرجع إلى درسه فيتمه] (٢).
* * *
стр. 1989
[٧٤٨ - المولى أخى (١)]
العالم الفاضل، والعامل الكامل، والحبر المتبحر في الفروع والأصول، والبحر الزاخر في المعقول والمنقول، الورع الزَّاهد، (والعابد المتهجد) (٢)، المولى أخي يوسف بن جنيد التُوقَاتِي ﵀ (٣).
أخذ العلم أولًا عن السيِّد أحمد القِرِيمي، (عن حافظ الدِّين البَزَّازي، [عن أبيه ناصر الدِّين محمَّد بن شهاب، عن السيِّد جلال الدِّين الكُرْلاني، عن صاحب "النهاية" حسام الدِّين السِّغْنَاقِي) (٤) عن حافظ الدِّين الكبير البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن صاحب "الهداية"] (٥).
ثم قرأ على المولى صلاح الدِّين معلِّم السُّلطان بايزيد خان، قد نصبه السُّلطان محمَّد خان، وقرأ السُّلطان بايزيد خان عليه "شرح العقائد"، (وكتب المولى صلاح الدِّين لأجله حواشي عليها، وقرأ عليه أيضًا "شرح هداية الحكمة" لمولانا زاده، وكتب عليه حواش أيضًا لأجله، وكلتا الحاشيتين مقبولتان عند العلماء، وكان صالحًا غاية الصلاح) (٦).
стр. 1990
ثم صار مدرِّسًا (بسلطانية بروسا) (١)، ومات بها رحمه الله تعالى.
(ثم وصل المولى أخي إلى خدمة المولى خُسْرَو، وصار بعده مدرِّسًا بالمدرسة القلندرية بقسطنطينية، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة المرحوم محمود باشا بالمدينة المزبورة، ثم صار مدرِّسًا بسلطانية بروسا) (٢)، ثم انتقل إلى إحدى المدارس الثَّمان، (وعيَّن له كلَّ يوم خمسين درهمًا، ثم زيدت عليها عشرة عشرة حتى بلغت وظيفته ثمانين درهمًا، ومات وهو يدرِّس بها) (٣).
بني ﵀ مسجدًا بقرب داره بقسطنطينية، وكانت له كتب كثيرة وقفها على العلماء بعده، (وكان مشتغلًا بالعلم، ومواظبًا على تلاوة القرآن ومطالعة الكتب الفقهية) (٤).
صنَّف حواشي على "شرح الوقاية" الصدر الشَّريعة، وهي مقبولة متداولة بين الناس، وله رسالة جمع فيها المسائل المتعلقة بألفاظ الكفر وسماه "هدية المهديين" (٥).
ومن تلامذته المولى خير الدِّين معلم السُّلطان سليم (٦) خان الغازي.
* * *
стр. 1991
[٧٤٩ - المولى حسن السامسوني (١)]
المولى الفاضل، والعالم الكامل، عالم المعقول والمنقول، جامع الفروع والأصول، حسن بن عبد الصَّمد السَّامْسُونِي.
قرأ على علماء عصره، وبلغ رتبة الفضل، ثم وصل إلى خدمة المولى خسرو، وحصل جميع العلوم عنده أصولها وفروعها، (معقولها ومشروعها، ثم صار مدرِّسًا) (٢) ببعض المدارس، ثم (انتقل إلى إحدى) (٣) المدارس الثَّمان، ثم صار معلِّمًا للسُّلطان محمَّد خان، ثم جعل قاضيًا بمدينة قسطنطينية.
[وكان في قضائه محمود الطريقة، مرضيَّ السِّيرة، قويَّ الإسلام، مقدامًا في إجراء الأحكام، لا يخاف (في الله) (٤) لومة لائم، وكان ﵀ محبًّا للفقراء والمساكين، ومريدًا للمشايخ المتصوفين.
وكان له خطٌّ حسن كتب بخطه كتبًا كثيرة، يحكى أنّه كتب للسلطان محمَّد خان "صحاح الجوهري"] (٥).
وله حواشٍ على "المقدمات الأربع"، وله حواش على "حاشية شرح المختصر"
стр. 1992
للسيِّد الشَّريف (قرأ عليه ابنه المولى محمَّد بن حسن بن عبد الصمد السَّامسوني) (١).
مات ﵀ في سنة إحدى وتسعين وثمانمئة.
* * *
[٧٥٠ - المولى محي الدِّين النِّكْساري (٢)]
المولى العالم الفاضل، والبارع العامل الكامل، المولى محيي الدِّين محمَّد بن إبراهيم (٣) بن حسن النِّكْساري.
قرأ أولًا على المولى حسام الدِّين التُّوقَاتِي، ثم قرأ على المولى يوسف بالي بن المولى الفَنَاري، ثم قرأ على المولى يكان، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة إسماعيل بك ببلدة قَسْطَمُونِي، وبنى الأمير المزبور تلك المدرسة لأجله، ووقف عليها ثلاثمئة مجلدة من التفاسير والأحاديث والشرعيات والعقليات وغير ذلك، ودرس هناك وأفاد.
وكان ﵀ عالمًا بالعلوم الشرعية والفنون العقلية، عارفًا بالإلهيات والرياضيات، (وكان حافظًا للقرآن العظيم بجميع الروايات، وضبط العلوم المتعلقة بالقراءات، وكان ماهرًا في علم التفسير غاية المهارة، وكان يذكِّر النَّاس في كل (٤) يوم الجمعة) (٥).
ولما جلس السُّلطان بايزيد خان علي سرير السلطنة ووصفوه عنده بالفضيلة
стр. 1993
في التفسير والمهارة في التذكير) (١) عيَّن له كلَّ يوم خمسين درهمًا لأجل التفسير.
(وكان يذكِّر النّاس تارة في جامع آيا صُوفْيَه وتارة في جامع السُّلطان محمَّد خان) (٢)، وقد حضر السُّلطان بايزيد خان في جامع آيا صُوفْيَه لاستماع تفسيره، وقد ختم القرآن في جامع آيا صُوفْيه، ثم قال: أيها النّاس إني سألت الله أن يمهلني إلى ختم القرآن، ولعل الله يختمني عقيب ذلك، فدعا الله بالختم على الخير والإيمان، فأمَّن النّاس لدعائه، وأتى بيته فمرض ومات في سنة إحدى وتسعمئة، ودفن عند الشَّيخ ابن الوفاء.
وله حواشٍ على "شرح الوقاية" لصدر الشَّريعة، وحواشٍ على "تفسير القاضي البيضاوي"، وله "تفسير سورة الدخان" أهداها إلى السُّلطان بايزيد خان.
(يحكي صاحب "الشقائق" عن والده أنّه قال: كان المولى محمَّد بن النِّكْساري خالي وأستاذي، وكان معدن الصلاح ومجمع مكارم الأخلاق) (٣).
وكان آية كبرى في علم التفسير.
* * *
[٧٥١ - المولى عبد الكريم (٤)]
العالم الفاضل والعامل، كاسب المعالي بجِدِّه لا بجَدِّه، وغالب الأعالي بكدِّه في موضع قده، المقدَّم في علم الفروع وأصوله، والمشار إليه في التفريع وتأصيله، المولى عبد الكريم.
стр. 1994
وكان هو والوزير محمود باشا والمولى إياس عبيدًا لمحمَّد آغا من أمراء السُّلطان مراد خان، وقد أتوا من بلادهم وهم صغار، والمولى عبد الكريم والوزير محمود باشا كانا عدلًا، والمولى إياس لكونه (١) كان أكبر منهما كان عدلًا لهما، وكان يقول لهما: تلطَّفا كما كنت عدلًا لكما على الدَّابة (٢)، فالآن عدلكما (٣) في الفضيلة، ثم نصب لهم محمَّد أغا المذكور معلِّمًا، فأقرأهم، وأرسل محمودًا إلى السُّلطان مراد خان ووهبه السُّلطان مراد خان لابنه السُّلطان محمَّد خان، ونشأ وهو معه، ولما انتهت نوبة السلطنة إليه جعله وزيرًا.
والمولى إياس كان عالمًا ورعًا بارعًا، وقرأ العلوم على المولى الآيَاثُلُوغِي، وكان شريكًا عنده للمولى خواجه زاده (وقرأ على المولى خضر بك وهو مدرس بسلطانية بروسا، وكان معلِّمًا للسلطان محمَّد خان وهو صغير) (٤).
ثم هب له نسيم التوفيق، فلحقته الجذبة الإلهية حتى وصل إلى خدمة الشَّيخ العارف بالله تاج الدِّين من خلفاء الشَّيخ عبد اللطيف القدسي، حتى أكمل طريقة التَّصوف، وأجازه بالإرشاد، وسكن بمدينة بروسا إلى أن [مات ﵀.
قال صاحب "الشقائق": سمعت من السيِّد ولاية ابن السيِّد أحمد قال: حججت مع الشَّيخ أحمد وهو من أولاد عاشق باشا، ومن خلفاء الشيخ عبد اللطيف القدسي، قال: يا ولدي، انظر قطب الزَّمان كي تعرف من هو، وهو يقف يمين الإمام بعرفات في كل حجَّة، فنظرت فإذا هو المولى إياس وهو ببروسا في تلك السنة.
стр. 1995
ولمَّا رجعنا من الحج وأتينا مدينة بروسا سألني واحد من الصلحاء عن الواقف في يمين الخطيب بعرفات، فقلت: المولى إياس، فحصل لي في تلك الليلة وجع عظيم حتى قربت من الموت، ففي صبيحة تلك الليلة ذهب الشَّيخ أحمد إلى زيارة المولى إياس، فذهبت معه، فلمَّا جلسنا عنده نظر إليَّ نظر المغضب، وكان لم يرني قبل ذلك وقال: لأي شيء أفشيت سرِّي؟! وإني قصدت هذه الليلة (١) ثلاث مرات أن أدعو الله بقبض روحك، فحال كلَّ مرة روح رسول الله ﷺ بيني وبين الدعاء، ومن هذا علمت أنك صحيح النسب.
فاعتذر إليه الشَّيخ أحمد من قبله حتى قبل التماسه وعفى عنِّي، وقمت فقبَّلت يده، ورضي حتى دعا لي بالخير.
والمولى عبد الكريم قرأ العلوم بأثرها واشتهر بالفضائل، وقرأ على المولى علي الطوسي، وعلى المولى سنان العجمي من تلامذة المولى الفاضل محمَّد شاه الفَنَاري، ثم صار مدرِّسًا بإحدى المدارس الثَّمان، ثم جعله قاضيًا بالعسكر، ثم عزله] (٢).
مات في أيام سلطنة السُّلطان بايزيد خان.
وله حواش على أوائل "التلويح".
ومن تلامذته المولى قاسم، الشَّهير بمولانا عذاري الكَرْمِيَانِي.
[يحكي صاحب "الشقائق" عن بعض من حضر بمجلس محمود باشا أنّ المولى الشهير بولدان قال يومًا للوزير محمود باشا: إني أحبك محبة شديدة، ومن العجب أنك تحب عبد الكريم أكثر مني، قال: صدقت، قال المولى ولدان:
стр. 1996
إنّ عبد الكريم يأخذ بيدك ويدخلك الجنة، قال: أرجو ذلك منه، قال: كيف؟ قال: كنت رئيس البوابين عند السُّلطان محمَّد خان، وكان ميلي بشرب الخمر، وافطرت منها ليلة، فجاء في وقت الصبح المولى عبد الكريم، فطهَّرت بيتي وأزلت عنه ألات الخمر وبخَّرت البيت حتى لا يطلع، فتكلمت معه ساعة، ثم قام وذهب، فلما وصل إلى الباب وقف وقال: أكلمك شيئًا، فقال: إنك بحمد الله من أهل العلم، ولك منْزلة عند السُّلطان، وعن قريب من الزَّمان تكون وزيرًا له، فلا يليقَ بك أن تصبَّ (١) هذا الخبيث.
قال: فتعرَّقْتُ استحياء منه حتى ترشح العرق من ثوبي، وكان يومًا باردًا، وكنت ألبس الثوب المحشو، فكان المولى عبد الكريم سببًا لتوبتي، فهل (٢) أحبه أم لا؟ قال المولى ولدان: وجبت عليك محبته من صميم القلب] (٣).
* * *
[٧٥٢ - المولى يوسف الكِرْمَاسْتي (٤)]
المولى العالم الفاضل والبارع الكامل المولى يوسف بن الحسين الكِرْمَاسْتي.
كان من تلامذة المولى خواجه زاده بلغ عنده رتبة الفضل والكمال، ثم صار مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم صار بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بمدينة قسطنطينية، وكان في قضائه مرضيَّ السيرة ومحمودَ الطريقة.
стр. 1997
وكان (ناصر السنَّة، قامع البدعة، لا تأخذه رأفة في دين الله، كان سيفًا من سيوف الله) (١)، لا يخاف في الله لومة لائم، (ويسطو على أعداء الله ولا يبالي، وإن رغم الراغم) (٢).
روي أنّه ذهب يومًا إلى المسجد بعمامة صغيرة، ولما خرج من المسجد طلبه الوزير إبراهيم باشا لمصلحة اقتضت حضوره، فلم يتبدل عمامته خوفًا من ترجيح جانب الوزير على المسجد، فلما رآه الوزير على تلك الهيئة سأله عنها، قال في جوابه: حضرت خدمة الخالق بهذه الهيئة ولم أجد في نفسي رخصة في تغيير الهيئة (٣) لأجل الوزير، فوقع هذا الكلام من الوزير موقع القَبول والرضاء، وحكاه إلى السُّلطان بايزيد خان، فأهدى إلى المولى المذكور جوائز سنيَّة لأجل فعله المذكور (٤).
وله تصانيف، منها "حاشية الشرح المطوّل للتلخيص"، و"حاشية شرح الوقاية لصدر الشَّريعة، وله مختصر في علم الأصول سمَّاه "الوجيز"، وكتاب في علم المعاني.
مات ﵀ في حدود التسعمئة، ودفن إلى جنب مكتبه الذي بني عند جامع السُّلطان محمَّد خان بمدينة قسطنطينية، (روح الله روحه) (٥).
* * *
стр. 1998
[٧٥٣ - المولى مصلح الدِّين اليارحصاري (١)]
المولى الفاضل، والعامل الكامل المولى مصلح الدِّين مصطفى بن أوحد الدِّينِ اليَارْحِصَارِي.
كان عالمًا فاضلًا صالحًا، شريف النفس، عالي الهمة، (كبير القدر، عظيم الحرمة) (٢).
اشتغل في العلم، فبلغ رتبة الفضل (٣)، ثم وصل إلى خدمة المولى خواجه زاده، ونال من الشمول والإحاطة والكمال ما نال، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة مراد باشا بمدينة قسطنطينية (وقد ذكرناه في ذكر خواجه زاده في ذهابه إلى الوزير محمَّد باشا القَرَامَانِي (٤).
ثم صار مدرِّسًا بالمدرسة العتيقة بمدينة أَدْرَنة، ثم صار مدرِّسًا بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بمدينة قسطنطينية في أيام دولة السُّلطان بايزيد مدة عشر سنين، ومات وهو قاضٍ بها.
حكي (٥) أنّ الوزراء أبرموا عليه بالقَبول (قضاء قسطنطينية) (٦) فلم يقبل، وعرضوا
стр. 1999
على السُّلطان بايزيد خان، وقال: إني أكتب إليه كتابًا بيدي، فكتب وقال: إني أعرف أنك مستحق بالقضاء المزبور (١)، وأعرف أني إن ولَّيت غيرك لعصيت الله، وأتضرع منك أن تقبل القضاء المزبور (٢)، فلما جاء إليه الكتاب قبل وباشر أمر القضاء بسيرة حسنة، تغمَّده الله بغفرانه.
(وكان فاضلًا في العلوم كلِّها، قد اعترفوا العلماء في زمانه بفضيلته، وكانت له السِّيرة الحسنة، والطريقة المرضية في قضائه) (٣).
مات ﵀ بمدينة قسطنطينية سنة إحدى عشرة وتسعمئة، ودفن عند مسجده بالمدينة المزبورة.
* * *
[٧٥٤ - ابن المعرف (٤)]
العالم الفاضل، والكامل العامل، الجامع بين العلم والعمل عظيم القدر، جليل المحل، المولى المعروف بابن المعرف.
كان من ولاية بَالِي كِسْرَى، وقرأ على علماء عصره، وبلغ رتبة الفضل، ثم انتهى إلى خدمة المولى خضر بك، ثم صار مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم صار معلِّمًا للسلطان بايزيد خان، ونال عنده القَبول التَّام، وأحبه محبة عظيمة.
стр. 2000
يحكى (١) أنّه قال في حقِّه: لولا صحبتي معه ما صحَّت عقيدتي، (وكان يثني عليه ثناءً جميلًا، ويكرمه إكرامًا عظيمًا) (٢).
وقد عمي في أواخر عمره، وما ترك السُّلطان بايزيد خان صحبته إلى أن مات ﵀.
[كان المولى نور الدِّين حمزة الشهير بأُوجْ بَاشْ من تلامذته وملازميه بلغ رتبة الفضل عنده ونال ما نال من المناصب والجاه بعده، وقرأ عليه المولى الفاضل العلامة شيخ الإسلام أحمد بن كمال باشا، والمولى محمَّد شاه بن علي بن يوسف بالي الفَنَاري، والشَّيخ العارف بالله محمَّد بن المولى بهاء الدين] (٣).
* * *
[٧٥٥ - المولى بهاء الديِّن بن لطف الله (٤)]
العالم العامل، والفاضل الكامل، المولى بهاء الدِّين بن الشَّيخ العارف بالله والمتوجه بالكلية إلى الله لطف الله، من خلفاء قطب العارفين الحاج بَيْرَامْ.
كان عالمًا فاضلًا، عارف الدقائق، واقف الحقائق، رفيع المقدار، واسع الصدر، وكان ذا حظ وافر من العلوم الدينية والفنون الأدبية، وله مهارة تامة في المعقول (والمنقول، وشهرة عامة في الفروع والأصول) (٥)، وكان صالحًا متدينًا (٦)، (حافظًا لأوقاته، موزع السَّاعات في شغله وعباداته.