← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

إنّ عبد الكريم يأخذ بيدك ويدخلك الجنة، قال: أرجو ذلك منه، قال: كيف؟ قال: كنت رئيس البوابين عند السُّلطان محمَّد خان، وكان ميلي بشرب الخمر، وافطرت منها ليلة، فجاء في وقت الصبح المولى عبد الكريم، فطهَّرت بيتي وأزلت عنه ألات الخمر وبخَّرت البيت حتى لا يطلع، فتكلمت معه ساعة، ثم قام وذهب، فلما وصل إلى الباب وقف وقال: أكلمك شيئًا، فقال: إنك بحمد الله من أهل العلم، ولك منْزلة عند السُّلطان، وعن قريب من الزَّمان تكون وزيرًا له، فلا يليقَ بك أن تصبَّ (١) هذا الخبيث. قال: فتعرَّقْتُ استحياء منه حتى ترشح العرق من ثوبي، وكان يومًا باردًا، وكنت ألبس الثوب المحشو، فكان المولى عبد الكريم سببًا لتوبتي، فهل (٢) أحبه أم لا؟ قال المولى ولدان: وجبت عليك محبته من صميم القلب] (٣). * * * [٧٥٢ - المولى يوسف الكِرْمَاسْتي (٤)] المولى العالم الفاضل والبارع الكامل المولى يوسف بن الحسين الكِرْمَاسْتي. كان من تلامذة المولى خواجه زاده بلغ عنده رتبة الفضل والكمال، ثم صار مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم صار بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بمدينة قسطنطينية، وكان في قضائه مرضيَّ السيرة ومحمودَ الطريقة.

стр. 1997

وكان (ناصر السنَّة، قامع البدعة، لا تأخذه رأفة في دين الله، كان سيفًا من سيوف الله) (١)، لا يخاف في الله لومة لائم، (ويسطو على أعداء الله ولا يبالي، وإن رغم الراغم) (٢). روي أنّه ذهب يومًا إلى المسجد بعمامة صغيرة، ولما خرج من المسجد طلبه الوزير إبراهيم باشا لمصلحة اقتضت حضوره، فلم يتبدل عمامته خوفًا من ترجيح جانب الوزير على المسجد، فلما رآه الوزير على تلك الهيئة سأله عنها، قال في جوابه: حضرت خدمة الخالق بهذه الهيئة ولم أجد في نفسي رخصة في تغيير الهيئة (٣) لأجل الوزير، فوقع هذا الكلام من الوزير موقع القَبول والرضاء، وحكاه إلى السُّلطان بايزيد خان، فأهدى إلى المولى المذكور جوائز سنيَّة لأجل فعله المذكور (٤). وله تصانيف، منها "حاشية الشرح المطوّل للتلخيص"، و"حاشية شرح الوقاية لصدر الشَّريعة، وله مختصر في علم الأصول سمَّاه "الوجيز"، وكتاب في علم المعاني. مات ﵀ في حدود التسعمئة، ودفن إلى جنب مكتبه الذي بني عند جامع السُّلطان محمَّد خان بمدينة قسطنطينية، (روح الله روحه) (٥). * * *

стр. 1998

[٧٥٣ - المولى مصلح الدِّين اليارحصاري (١)] المولى الفاضل، والعامل الكامل المولى مصلح الدِّين مصطفى بن أوحد الدِّينِ اليَارْحِصَارِي. كان عالمًا فاضلًا صالحًا، شريف النفس، عالي الهمة، (كبير القدر، عظيم الحرمة) (٢). اشتغل في العلم، فبلغ رتبة الفضل (٣)، ثم وصل إلى خدمة المولى خواجه زاده، ونال من الشمول والإحاطة والكمال ما نال، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة مراد باشا بمدينة قسطنطينية (وقد ذكرناه في ذكر خواجه زاده في ذهابه إلى الوزير محمَّد باشا القَرَامَانِي (٤). ثم صار مدرِّسًا بالمدرسة العتيقة بمدينة أَدْرَنة، ثم صار مدرِّسًا بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بمدينة قسطنطينية في أيام دولة السُّلطان بايزيد مدة عشر سنين، ومات وهو قاضٍ بها. حكي (٥) أنّ الوزراء أبرموا عليه بالقَبول (قضاء قسطنطينية) (٦) فلم يقبل، وعرضوا

стр. 1999

على السُّلطان بايزيد خان، وقال: إني أكتب إليه كتابًا بيدي، فكتب وقال: إني أعرف أنك مستحق بالقضاء المزبور (١)، وأعرف أني إن ولَّيت غيرك لعصيت الله، وأتضرع منك أن تقبل القضاء المزبور (٢)، فلما جاء إليه الكتاب قبل وباشر أمر القضاء بسيرة حسنة، تغمَّده الله بغفرانه. (وكان فاضلًا في العلوم كلِّها، قد اعترفوا العلماء في زمانه بفضيلته، وكانت له السِّيرة الحسنة، والطريقة المرضية في قضائه) (٣). مات ﵀ بمدينة قسطنطينية سنة إحدى عشرة وتسعمئة، ودفن عند مسجده بالمدينة المزبورة. * * * [٧٥٤ - ابن المعرف (٤)] العالم الفاضل، والكامل العامل، الجامع بين العلم والعمل عظيم القدر، جليل المحل، المولى المعروف بابن المعرف. كان من ولاية بَالِي كِسْرَى، وقرأ على علماء عصره، وبلغ رتبة الفضل، ثم انتهى إلى خدمة المولى خضر بك، ثم صار مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم صار معلِّمًا للسلطان بايزيد خان، ونال عنده القَبول التَّام، وأحبه محبة عظيمة.

стр. 2000

يحكى (١) أنّه قال في حقِّه: لولا صحبتي معه ما صحَّت عقيدتي، (وكان يثني عليه ثناءً جميلًا، ويكرمه إكرامًا عظيمًا) (٢). وقد عمي في أواخر عمره، وما ترك السُّلطان بايزيد خان صحبته إلى أن مات ﵀. [كان المولى نور الدِّين حمزة الشهير بأُوجْ بَاشْ من تلامذته وملازميه بلغ رتبة الفضل عنده ونال ما نال من المناصب والجاه بعده، وقرأ عليه المولى الفاضل العلامة شيخ الإسلام أحمد بن كمال باشا، والمولى محمَّد شاه بن علي بن يوسف بالي الفَنَاري، والشَّيخ العارف بالله محمَّد بن المولى بهاء الدين] (٣). * * * [٧٥٥ - المولى بهاء الديِّن بن لطف الله (٤)] العالم العامل، والفاضل الكامل، المولى بهاء الدِّين بن الشَّيخ العارف بالله والمتوجه بالكلية إلى الله لطف الله، من خلفاء قطب العارفين الحاج بَيْرَامْ. كان عالمًا فاضلًا، عارف الدقائق، واقف الحقائق، رفيع المقدار، واسع الصدر، وكان ذا حظ وافر من العلوم الدينية والفنون الأدبية، وله مهارة تامة في المعقول (والمنقول، وشهرة عامة في الفروع والأصول) (٥)، وكان صالحًا متدينًا (٦)، (حافظًا لأوقاته، موزع السَّاعات في شغله وعباداته.

стр. 2001

وكان من أولياء الله) (١)، قد لبس تاج الحاج بيرام (في صغره، فلم يتركه إلى أن مات ﵀، وقد كان أبوه لطف الله من خلفاء الشَّيخ الحاج بيرام) (٢)، وتردد (إلى مجلسه الشريف) (٣) مع أبيه، فقسم أوقاته من العلم والعبادة، واشتغل في العلم على علماء عصره. ثم وصل إلى خدمة المولي خواجه زاده وبلغ عنده رتبة الفضل، حتى صار معيدًا لدرسه، ثم صار مدرِّسًا) (٤) بمدرسة بالي كسرى، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة السُّلطان بايزيد خان بن السُّلطان مراد خان الغازي بمدينة بروسا، ثم أعطاه السُّلطان محمَّد خان إحدى المدارس الثَّمان، ثم نقله إلى المدرسة المذكورة، ونصب مكانه المولى (٥) ابن مغنيسا حين عزله (٦) عن قضاء العسكر، وقد (مر ذكره) (٧). ثم ترك المولى المذكور التدريس، واختار العزلة، وارتحل إلى قصبة بالي كسرى، وتمكن بها إلى أن بنى السُّلطان بايزيد خان المدرسة الكائنة بأَدْرَنة، ثم أعطاها (المولى المذكور عند بنائها) (٨)، وصار مدرِّسًا بها إلى أن توفي سنة خمس وتسعين وثمانمئة. * * *

стр. 2002

[٧٥٦ - خواجه خير الدين (١)] المولى العالم الفاضل الكامل، خواجه خير الدِّين، معلم السُّلطان محمَّد خان. كان من تلامذة المولى خضر بك بن جلال الدين، صار مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم صار معلِّمًا للسُّلطان محمَّد خان. مات في أواخر سلطنة السُّلطان محمَّد خان، له مدرسة وجامع بمدينة قسطنطينية، معروفة بمدرسة خواجه خير الدِّين. وكان عالمًا فاضلًا، حسن الأخلاق، مرضيَّ الشمائل، كريم الذات، (مرعيَّ الخصال (٢)) (٣)، ظريف الطَّبع، لذيذ الصحبة، حسن النادرة. * * * [٧٥٧ - محيي الدِّين العَجَمي (٤)] المولى العالم الفاضل، والعامل البارع الكامل، حاوي العلوم الأصلية والفرعية، وضابط الفنون العقلية (٥) والشَّرعية، محيي الدِّين العَجَمي. يقال: إنَّه من تلامذة المولى الكُوْرَاني، وقرأ على المولى خُسْرَو. وكان عالمًا فاضلًا، قد بلغ من الفضل منتهاه، ونال من الكمال ما يتمناه، ثم

стр. 2003

صار مدرِّسًا ببعض المدارس، وبعدها صار مدرِّسًا بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بمدينة أَدْرَنة، ومات وهو قاضٍ بها. وكان محمودَ السيرة، (حسن الطريقة، جامع الشَّريعة والحقيقة) (١)، متشرعًا متورِّعًا متصلِّبًا في الحق، (وكان ذا تقرير واضح، وتحرير حسن) (٢)، وكان يكتب الخط المليح. وله حواشٍ على "شرح الفرائض السراجية" للسيد الشريف، وله تعليقات ورسائل، منها رسالة في باب الشهيد علَّقها على "شرح الوقاية" لصدر الشَّريعة، وهي الآن عندي، وهي رسالة لطيفة تحكي فضل صاحبها. ذكر في أول حاشيته اسم السُّلطان بايزيد خان، وذكر المولى المزبور في طرَّة حواشيه المزبورة عند ابتداء خطبتها: الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء. وقال: إنّ السُّلطان محمود الغزنوي -قضى الله حوائجه الأخروية- شك في ثلاثة أمور: في أنّه هل (٣) هو من سليل صلب سَبُكْتكِين أم لا. (وفي أنّه هل يستحق هو في الآخرة المغفرة أم لا) (٤). وفي أنّه هل هذا الحديث: "العلماء ورثة الأنبياء" (٥) صحيح أم لا.

стр. 2004

فكان يتردد في هذه الأمور الثلاثة سنين، ولا ينكشف له ولا يستبين، حتى اتفق أن حضر مجلسه النفيس وحضرته الأنيسة يومًا واحدًا من العلماء، فرحبه أكثر مما يؤمله العلماء من الأمر. فرأى في تلك الليلة حضرة صاحب الرسالة ﷺ عليه من الصلوات أزكاها ومن التحيات أوفاها، فتوجَّه إليه ﷺ ، وقال: يا ابن سبكتكين، أكرمك الله كما أكرمت وارثي (١)، فأصبح مسرورًا بحضرة الخلق منظورًا. وحل مشكلاته التي كانت تختلج في صدره وتتردد في نحره منذ سنين، بمصاحبة ذلك العالم ساعة وإكرامه واحترامه، وأكرمه الله تعالى على لسان نبيه وصفيه (٢) ﷺ . (فاستيقن بعد ذلك أنّه يحصل له سلطنة العقبى مع الأولى، وانشرح بذلك صدره وأنجح أمره، وخلص عن ذلك التشويش والدغدغة وحصل له الفراغ والدَّعة) (٣). إلى هنا من كلام المولى محيي الدِّين العجمي المزبور في طرة حواشيه المزبورة. * * *

стр. 2005

المتفرقات من الكتيبة العشرين من كتائب أعلام الأخيار [٧٥٨ - المولى علي بن يوسف بالي (١)] العالم الكبير، والفاضل النحرير، كشاف مشكلات المنقول، حلَّال معضلات المعقول، صدر الأفاضل، بحر (٢) الفضائل، فضائله مقرونة بالفواضل، كريم شريف الأصل، حلو الشمائل، المولى علي بن يوسف بالي بن المولى الفَنَاري. (مات أبوه المولى يوسف بالي الفَنَاري) (٣) وكان هو طفلًا، ونشأ ببروسا، وتعلم العلم واشتغل (في العلم) (٤)، وكان حريصًا على تحصيل العلم ونيل الفضائل، فتغرب عن أوطانه إلى أن حاز قَصَب السَّبْق في ميدانه، فارتحل في عنوان شبابه إلى بلاد العجم، ودخل هرات، وقرأ على علمائها، ثم قدم سمرقند وبخارى، (وقرأ على علمائهما أيضًا، وبرع في كل العلوم حتى صار مدرِّسًا) (٥) فيها. ثم غلب عليه حب الوطن، وأتى بلاد الروم في أوائل سلطنة السُّلطان محمَّد خان، وكان المولى الكُوْرَاني يقول للسلطان محمَّد خان: لا يتم قدر سلطنتك إلا بأن يكون عندك واحد من أولاد الفَنَاري، ولما جاء هو أخبر الكُوْرَاني السُّلطان (٦) بمجيئه فأعطاه مدرسة مَنَاسْتِرْ بمدينة بروسا، وعيَّن له كل يوم خمسين درهمًا،

стр. 2006

وتزوَّج بنت أبي الخير من أبناء الشَّيخ محمَّد بن محمَّد بن محمَّد الجزري، فإن أبا الخير المذكور أوصى أن يزوَّج بنته منه، فتزوَّجها (١) بموجب وصيته. وأبو الخير هذا أتى بلاد الروم في أيام دولة السُّلطان محمَّد خان، وكان جده الشَّيخ الجزري أخذه الأمير تيمور في وقعة السُّلطان يلدرم بايزيد في بروسا، وكان متمكنًا بالبلدة المذكورة، وأنزله بمدينة كش، ثم أتى إلى سمرقند، ثم بعد موت تيمور سافر في البلاد، ودخل شيراز، (فمات بها) (٢)، وبقي أولاده وأحفاده فيها، ثم تفرقوا. فجاء أبو الخير في أيام دولة السُّلطان محمَّد خان، وكان عالمًا فاضلًا بارعًا في صنعة الإنشاء حتى فاق الأقدمين، ونصبه السُّلطان محمد خان موقعًا في الديوان العالي، وأكرمه غاية الإكرام لوفور فضله وحسن أخلاقه وشمائله، إلا أنّه كان مبتلى باستعمال التِّرْيَاقَاتِ (٣)، واختل مزاجه لذلك. وكان يقول السُّلطان محمَّد في حقِّه: لو لم يكن معه هذا الابتلاء لقلدته الوزارة، وكان له ابن صغير عين له ثلاثين ألف دينار، وكانت له بنت مقدار سنها عشر سنين، وكان عين لها ثلاثين ألف دينار، وسمع في أيام مرضه أنّ المولى علي بن يوسف بالي الفَنَاري توجه إلى بلاد الروم، فأوصى أن تتزوج (٤) بنته منه، فلما توفي الشَّيخ أبو الخير أتى هو إلى بلاد الروم، فزوجوه ابنته، وسلموها إليه مع ثلاثين ألف دينار، وحصل له منها ابنان فاضلان: المولى محمَّد شاه، والمولى محيي الدِّين

стр. 2007

جلبي، وهما مشهوران بين الأداني والأعالي، (كانا صدرين للموالي) (١). ثم أعطاه السُّلطان محمَّد خان مرادية بروسا، (وعين له ستين درهمًا، ثم جعله قاضيًا بمدينة بروسا) (٢)، ثم جعله قاضيًا بالعسكر، ومكث فيه عشر [سنين، وبلغت زمرة العلماء بهمته العليَّة إلى أوج الشرف، وعرج شرف العلم والفضل إلى أوج السماء. وبالجملة أيامه كانت تواريخ الأيام، ثم عزل وعين له كل يوم خمسين درهمًا في كل سنة عشرة آلاف درهم، وعين لولده الكبير خمسين درهمًا، ولولده الصَّغير أربعين درهمًا، وجعل قضاء إينه كول ضميمة لأولاده] (٣). ثم لما جلس السُّلطان بايزيد خان على سرير السلطنة جعله قاضيًا بالعسكر المنصور في ولاية روم إِيلِي، ثم عزل وعين له كل يوم سبعين درهمًا وعشرة آلاف في كل سنة، وصار يدرس أيام الأسبوع كلها سوى يوم الجمعة ويوم الثلاثاء. (وكان مهتمًّا بالاشتغال بالعلم) (٤)، وكان منزله على جبل فوق مدينة بروسا، وكان يمكث فيه الفصول الثلاثة من السنة، ويسكن في المدينة الفصل الرابع، وربما ينزل الثلج (٥) مرات كثيرة، ولا يمنعه ذلك عن المكث فيه. (روي أنّه قد نزل عليه الثلج يومًا وعلى كتبه أيضًا، فحضر الطلبة الدرس واحتاج في أثناء الدرس إلى بعض كتبه، فأخذ ذلك الكتاب بيده وعليه الثلج، فقال:

стр. 2008

ما أشبه هذا إلا (١) لمحبوب أبيض اللون بارد الطبع، كل ذلك لمصلحة الاشتغال) (٢). وكان لا ينام على فراش، وإذا غلب عليه النوم يستند إلى الجدار والكتب بين يديه، فإذا استيقظ ينظر في الكتب، [وكان مع هذا الاشتغال ومع ماله من التحقيقات والتدقيقات لم يقع منه التصنيف، إلا شرح في النحو، وشرح قسم التجنيس من علم الحساب، ولم يسمع غيرها. وكان ماهرًا في أقسام العلوم الرياضية كلها، وفي علم الكلام، وعلم الأصول، وعلم الفقه، وعلم البلاغة، وكان رجلًا عاقلًا صاحب أدب ووقار. وكان سخيًّا جوادًا، قيل: ذكر يومًا بعد عزله قلة ماله، فقيل له: قد توليتم هذه المناصب الجليلة، فأين ما حصل لكم من المال؟ قال: رجل سكران، يريد به غرور الجاه، ولم يوجد عندي من يحفظه. قال بعض: إذا عاد إليكم المنصب مرة أخرى عليكم بحفظ المال، قال: لا يفيد، إذا عاد المنصب يعود معه السكر، وكان يغلب عليه الصمت إلا إذا ذكر صحبته السلاطين] (٣). قيل له يومًا: ما كان أعظم لذاتك عند السلاطين؟ قال: ما سألني عن ذلك أحد إلى الآن، وإنه أمر غريب، وقال: سافر السُّلطان محمَّد خان في أيام الشتاء، وكان ينزل ويبسط له بساط صغير ويجلس عليه إلى أن تضرب له الخيمة، وإذا أراد (الجلوس عليه) (٤) يخرج واحد من غلمانه الخف عن رجليه، وعند ذلك يستند إلى شخص

стр. 2009

معين، وكانت عادته ذلك، وفي يوم من الأيام لم يحضر ذلك الشخص فاستند السُّلطان (١) إليّ، وهذا أعظم لذائذي في صحبة السلاطين. [يحكي صاحب "الشقائق" عن خاله عبد العزيز بن السيِّد الحسيني الشهير بعابد جلبي، تلميذ المولى المزبور صار مدرسًا بكليبولي، ثم صار قاضيًا ببعض البلاد، ومات قاضيًا ببلدة كفه سنة إحدى وثلاثين وتسعمئة أنّه قال: شرعت عنده قراءة "الشرح المطول"، وكنا نقرأ عليه في كل يوم واحد سطرًا أو سطرين، ومع ذلك يمتد الدرس من الضحوة إلى العصر، ولما مضت عليَّ على ذلك ستة أشهر قال: إنّ الذي قرأتموه عليَّ إلى الآن يقال له: قراءة الكتاب، وبعد هذا اقرؤوا الفن. قال: وبعد هذا قرأنا كل يوم ورقتين، وأتممنا بقية الكتاب في ستة أشهر، ولما بلغنا إلى فن البديع كان يذكر لكل صنعة عدة أبيات من الفارسية، وقلنا له يومًا: ما أكثر حفظكم للأبيات! قال: عادة الطلبة في بلاد العجم أنهم يجتمعون بعد العصر فيتذاكرون الشعر إلى المغرب، والذي قرأته من الأبيات وما حفظته من القول (٢) فبلغ عشرة آلاف غزل. وكان المولى قد جمع علمي الشَّريعة والحقيقة، وكان قد اتصل بخدمة الشَّيخ العارف بالله عبد الله، المشهور بالحاج خليفة، وقد ذكرنا في ذكر الشَّيخ العارف بالله الحاج خليفة في الكتيبة السابقة. روي أنّ المولى المزبور قال: ما بقي من حوائجي إلا ثلاثة: الأُولى أن أكون أول من يموت في داري، والثانية أن لا يمتد بي مرض، والثالثة أن يختم لي بالإيمان.

стр. 2010

يحكى أنّه قد كان أول من مات ممن في الدار، يتوضأ يومًا للظهر ثم مرض وختم مع أذان العصر، قالوا: استجيبت دعوته في الأوليين، فأجيبت (١) دعوته في الثالثة أيضًا إن شاء الله تعالى] (٢). مات ﵀ سنة ثلاث وتسعمئة. * * * [٧٥٩ - حسام زاده (٣)] المولى العالم الفاضل، والبارع العامل الكامل، المولى مصلح الدِّين مصطفى بن المولى حسام الدين (٤)، الشهير بحسام زاده. كان ماهرًا في العلوم الأدبية والعربية، ومتبحرًا في العلوم الشرعية والعقلية، عارفًا بالأحاديث والتفاسير، (وكان محبًّا للصوفيَّة) (٥). صار مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم بسلطانية بروسا، ثم صار مفتيًا بمدينة بروسا، ومات وهو مفتٍ بها. له حواش على "التلويح"، وحواش على "شرح الوقاية" لصدر الشَّريعة، (وكانت له اليد الطولى في علم الإنشاء) (٦)، وله مصنف في الإنشاء، أورد فيه رسائل

стр. 2011

إلى إخوانه وأصدقائه، وكانت ألفاظه فصيحة، ومعانيه بليغة، ونظمه عذبًا سلسًا. يقال: إنَّه كان رجلًا طويلًا، عظيم اللحية، كثير الكلام والمزاح، (وكان متواضعًا حسن الأخلاق، متدينًا كريم الأعراق) (١). قرأ عليه المولى علاء الدِّين الجمال، [وكان المولى شيخ الإسلام علي الجمالي يقرأ على المولى خُسْرَو، فأرسله إلى المولى مصلح الدِّين المزبور وتعلل بأن قال: إني مشتغل بالفتوى، والمولى مصلح الدِّين يهتم لتحصيلك أكثر مني، فذهب إليه وهو يدرس بسلطانية بروسا، فقرأ عنده العلوم العقلية والشرعية، ثم صار معيدًا لدرسه، ثم زوَّجه بنته، وحصل له منها أولاد] (٢). * * * [٧٦٠ - المولى حمزة القراماني (٣)] العالم الفاضل، والعارف الكامل، الفائق في علمي الحديث والتفسير، الفقيه النبيه النحرير، والمتبحر الماهر الخبير، في علم البلاغة والأدب، وله الباع الممتد في في الخلاف والمذهب، المولى حمزة القَرَامَانِي (قدس الله تعالى سره) (٤). قرأ على علماء عصره، واشتغل في الفنون (٥)، وبلغ رتبة الفضل والكمال، فكان

стр. 2012

جامع العلوم وحاوي الفنون، (واشتهر في كل منها، وفاز بالقِدْح المُعَلَّى) (١)، وأفنى عمره في الدَّرس والفتوى، (وأطيب أوقاته مضى في الحديث والتفسير والإملاء) (٢). يقال: إنه (٣) قرأ عليه شيخ الإسلام علاء الدِّين علي الجمالي في صغره، وحفظ عنده "مختصر الإمام القُدُوري"، و"منظومة النَّسَفِي" قبل تعلمه على المولى خسرو، وتفقَّه عليه. وله حواش على "تفسير العلامة البيضاوي"، وهي حواش مقبولة، انتفعت بها بحمد الله ومنّه، وهي الآن عندي، (يوجد أكثر ما أَبْدَعَه خاطره مأخذ الحواشي المتأخرة عنها) (٤). مات ﵀ في بلاده في مسقط رأسه، في سنة تسع وتسعين وثمانمئة. * * * [٧٦١ - المولى ابن التمجيد (٥)] العالم الفاضل المتبحر، والبارع الكامل المفسر، جامع العلوم، والمبرز في المعقول والمفهوم، المولى ابن التمجيد ﵀. يقال: إنّه كان معلّمًا للسلطان محمَّد خان، وكان رجلًا صالحًا عابدًا فائقًا في العلم.

стр. 2013

له حواش على "تفسير العلامة البيضاوي"، ولخصها من "حواشي الكشَّاف". ورأيت له نظمًا بالفارسية والعربية، (كان ينسبه إليه) (١)، وكان نظمًا حسنًا. * * * [٧٦٢ - المولى حسام الدِّين أم ولد (٢)] الإمام العامل، والفاضل الكامل، المولى حسام الدِّين حسين بن حامد التِّبْرِيْزي (٣)، المشتهر بأم ولد. لقب بذلك لتزوجه أم ولد المولى فخر الدِّين العَجَمي. كان صالحًا مشتغلًا بنفسه، منقطعًا عن الخلائق، وكان يصرف أوقاته في العلم والعبادة، وقد طالع كثيرًا من الكتب، وصححها من أولها إلى آخرها. صار مدِّرسًا في بعض المدارس، ثم أعطاه السُّلطان محمَّد خان إحدى المدارس الثمان، (وكان يحبُّه لسلامة فطرته وصلاح نفسه) (٤). يحكى أنّ السُّلطان محمَّد خان خرج من قسطنطينية للجهاد (٥) والعلماء معه والطبول تضرب خلفه، قال بعض العلماء: ما الحكمة في أمر المؤمنين بالإيمان في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فقال السُّلطان

стр. 2014

للمولى المذكور: أيها العجمي، بيِّن لنا (١) الحكمة فيه، قال: تجيب عنها الطبول (٢)، قال السُّلطان: (كيف ذلك؟ قال: إنَّ الطبول تقول:) (٣) دُمْ دُمْ، والمراد بقوله تعالى: ﴿آمِنُوا﴾: دوموا على الإيمان، فأعجب السُّلطان هذا الكلام واستحسنه. ومع هذا الفضل (٤) تغلب عليه الغفلة في أمور الدنيا، حتى إنّه كان لا يهتدي إلى مدرسته من المدارس الثَّمان (٥) لو لم يوجد من يدله (٦) عليها. [يحكي صاحب "الشقائق" عن والده أنّه قال: كنا نقرأ يومًا عند المولى علاء الدِّين العربي في إحدى المدارس الثَّمان، فدخل المولى المذكور موضع الدَّرس، ولما عرف أنَّه غير مدرسته، رجع فضحك المولى العربي، وقال: لم يوجد دليل المولى عنده ولهذا اشتبه مدرسته] (٧). روي أنّه ذهب يومًا إلى السُّلطان محمَّد خان يريد أن يقبِّل يده، فناوله كفَّه، وقال: أيها المولى أي شيء أشرت بهذا؟ قال: إلى مدرسة آيا صُوفْيَه، فإِنَّ آيا في التركي كف اليد، فاستحسنه (٨) وأعطاه تلك المدرسة. * * *

стр. 2015

قلب الكتيبة العشرين من كتائب أعلام الأخيار [٧٦٣ - السيِّد أحمد البُخاري (١)] الغوث الأكبر، ووارث خير البشر، بحر الشَّريعة، وشمس الحقيقة، وبرهان الطريقة، الشَّيخ العارف بالله والمتوجه بكليته (٢) إلى الله، (علَّامة الأوان، وكنز الزَّمان) (٣)، السيِّد أحمد البُخاري الحسيني. نشأ ببلدة بخارى، ووصل إلى خدمة قطب العارفين خواجه عبيد الله السَّمَرْقندي، وتشرف بصحبته، وأخذ عنه ما أخذ. ثم صحب بأمر خواجه عبيد الله خليفته الشَّيخ الإلهي، وأتى معه بلاد الروم، وأقام معه بسِمَاو (٤) -وهو وطن الشَّيخ الإلهي- أكثر من ست سنين، وكان الشَّيخ الإلهي يعظِّمه غاية التعظيم، وعينه للإمامة مدة إقامته بسِمَاو (٥). وعن الشَّيخ الإلهي أنَّ السيِّد أحمد البُخاري صلَّى لنا صلاة الفجر بوضوء العشاء ست سنين، وسئل عن نومه تلك المدة، قال: (كنت آخذ بغلة الشَّيخ وحماره في صبيحة كلِّ يوم، وأصعد الجبل لنقل الحطب إلى مطبخ الشَّيخ، وكنت أرسلهما ليرتعا في الجبل، وفي ذلك الوقت) (٦) كنت أستند إلى شجرة وأنام ساعة.

стр. 2016

[ثم سافر بإذن الشَّيخ الإلهي على التجرد والتوكل إلى الحجاز، وأعطاه الشَّيخ حمارًا وعشرة دراهم، وأخذ من سفرة العشاء خبزة واحدة، وذهب وليس معه إلا هذا والمصحف الشريف و"كتاب المثنوي"، وسرق المصحف في الذهاب وباع "كتاب المثنوي" بمئتي درهم بإبرام البعض، ولم يكن له مال سوى هذا، ولم يقبل من أحد في سفره مالًا ولا صدقة، سوى دينار نذره البعض لخواجه بهاء الدِّين وقبله بإبرام منه، ومع ذلك سافر على أحسن حال وسعة نفقة. وسكن في القدس الشريف مدة، وسكن بمكة المكرمة قريبًا من سنة، ونذر أن يطوف الكعبة كلَّ يوم سبع مرات وأن يسعى بين الميلين سبع مرات، وكان كلَّ ليلة يطوف الكعبة، ويقوم تارة ويقعد تارة، ولا ينام ساعة، مع أنّه كان ضعيف البنية. ثم إنَّ الشَّيخ الإلهي أرسل إليه كتابًا وطلب منه أن يجيء إليه، فرجع إلى خدمة الشَّيخ امتثالًا لأمره، ولما مات الشَّيخ الإلهي قعد السيِّد أحمد البُخاري مكانه لإرشاد الطالبين وتربية المريدين، بإشارة الشَّيخ وتعيينه له، فاشتغل بدعوة الخلق إلى الطريقة، وإرشاد الأصحاب إليها. وعمَّت بركاته على المريدين والمتواردين (١)، فكانوا من هداة الدِّين وأئمة المؤمنين، إلى أن ظهرت آثار خلافته، ورغب الخلق إلى زيارته بمدينة قسطنطينية، ولازم أصحاب المناصب خدمته، وتركوا المناصب، ورجَّحوا صحبته (٢)، ووفدت الملوك والأمراء على زيارته ووافت السلاطين والخلفاء لتقبيل عتبته (٣).

стр. 2017

ولما كثر الطالبون وتزاحم المسترشدون بنى في قسطنطينية مسجدًا، وحجرات لسكنى الطالبين، وعين له أوقاف لمعاش المريدين والمحبين. وكانت طريقته العمل بالعزيمة، وترك البدعة، والاتباع للسنَّة، والمداومة على الذِّكْر الخفي، والعزلة عن الأنام، وقلَّة الطعام والكلام، وإحياء الليالي، وصوم الأيام. وكانت آداب مجلسه أن يجلس على هيبة ووقار، والنَّاس حوله يجلسون متحلِّقين على أدب عظيم كأن على رؤوسهم الطير، وكان مشرفًا على الخواطر، وكان لا يجري في مجلسه كلمات دنيوية أصلًا (١)] (٢). مات ﵀ سنة اثنتين وتسعمئة، ودفن عند مسجده، وقبره (٣) يزار ويتبرك به. [وقام مقامه الشَّيخ محمود جلبي ربيب المولى القِرِيمي، والشَّيخ مصلح الدِّين مصطفى السَّاكن بزاوية طَاشْلِق، والد إمام السُّلطان سليمان خان الغازي الشَّيخ درويش وتزوَّج بنته الشَّيخ محمود جلبي. حكي عنه أنّه قال: لما مات الشَّيخ غسَّلته، وواحد من المحبين يصب عليه الماء، وآخر منهم بيده منشفة يمسح عرقي؛ لأني تعرَّقت من الحياء في وقت غسله، فتح عينيه ثلاث مرات ونظر إليّ كما في حياته قدس سره، ولما وضعته في القبر توجَّه هو بنفسه إلى جانب القِبْلة، ورآه القرَّاء الحاضرون هناك، فصاحوا وصلُّوا على النَّبي ﷺ ] (٤). * * *

стр. 2018

[٧٦٤ - شيخ ياوسه (١)] الشَّيخ العارف بالله، والمرشد الكامل (٢) المتوجه بكليته إلى الله، قدوة العارفين، وقِبْلة السالكين، وغوث المريدين، محيي الدِّين محمَّد العمادي الإِسْكِلِبِي، الشهير بشيخ يَاوْسَه، والد أستاذ العلماء المحققين، وسند الفضلاء المدققين (٣)، شيخ الإسلام والمسلمين (٤)، المولى العلامة (٥) أبي السعود العمادي، صاحب ("الإرشاد" في) (٦) التفسير. كان الشَّيخ محيي الدِّين ﵀ أوَّلًا (٧) مشتغلًا بالعلم الظاهر، حتى وصل إلى خدمة المولى علي بن محمَّد القوشجي، وبلغ عنده رتبة الفضل. حكي أنَّه لشدة حرصه وتمام (٨) (توغله وقوة تمسكه وتشبثه بمسائل) (٩) العلوم كان يقول له المولى علي القوشجي: "ياوسه"، وكثيرًا ما كان يقول (١٠) في مجلسه مولانا محيي الدِّين ماجون: ياوسه ايست، فلقب بياوسه محيي الدين، ثم اشتهر بالشَّيخ ياوسه.

стр. 2019

وبعد وفاة المولى علي القوشجي سلك مسلك التصوف، واشتغل أولًا عند الشَّيخ مصلح الدِّين القُوجَوِي، ثم وصل إلى خدمة الشَّيخ العارف بالله إبراهيم القَيْصَري، وحصَّل عنده طريقة الصوفية، ونال ما نال عنده من الكرامات والحال (١)، فأجازه للإرشاد، فجلس هو لإرشاد الطالبين. كان جامعًا بين علمي الشَّريعة (والطريقة، وواصلًا إلى مقام الحقيقة) (٢)، ثم ذهب بإشارة شيخه إلى بلدة (٣) آمَاسْيَه، وكان السُّلطان بايزيد خان أميرًا على آماسيه، وتوجه الشَّيخ إلى الحج، فلقي السُّلطان بايزيد خان، وقال له: إني أجدك بعد أن آتي من الحجاز (٤) جالسًا على سرير السلطنة، وكان كما قال، فأحبَّه السُّلطان بايزيد خان محبة عظيمة حتى اشتهر بين الخلق بشيخ السُّلطان، وبنى له زاوية بقسطنطينية. وكان الأكابر يزدحمون على بابه، وتأتيه الوزراء وقضاة العساكر لزيارته، وكثيرًا ما يدعوه السُّلطان بايزيد خان إلى دار سعادته، ويصاحب معه، وحصل له من هذه الجهة رئاسة عظيمة، ومع ذلك لم يتغير حاله للزهد والتقوى، [وكان من الفضل على جانب عظيم، وكان العلماء يهابون منه لجلالته في العلم. يحكي صاحب "الشقائق": أنّ الشَّيخ ياوسه امتحن الوالد في مسألة أصولية، وكنت صغيرًا وقتئذ، فكتب المولى الوالد رسالة في المسألة المزبورة فاستحسنها الشَّيخ المزبور غاية الاستحسان، وقال: ما رأيت من يفهم هذه الدقيقة من العلماء غيرك.

стр. 2020

وقال صاحب "الشقائق": ومن جملة كراماته أنّه كان لواحد من أحبائه ولد شاب وصدرت منه جريمة توجب العقوبة العظيمة في عرف السُّلطان، فاستغاث والده من الشَّيخ وتضرع إليه لأنّ يلتمس من الوزراء تخليص ولده، وقال الشَّيخ: إني أتوجه إلى من هو أعظم منهم، في غد ذلك اليوم أحضروا ذلك الشاب إلى الديوان لأجل العقوبة، فما سبق لسان الوزراء إلا إلى مدح ذلك الشاب والشهادة له، فأطلقوا ذلك الشاب، وبعد إطلاقه تعجَّب الوزراء من تحول نياتهم من العقوبة إلى العفو، وما كان ذلك إلا ببركة ذلك الشيخ. وقال: ومن جملة كرامته أيضًا ما حكاه الشَّيخ العارف بالله تعالى عبد الرحيم المؤيدي المشهور بين النّاس بالحاج جلبي، وكان من جملة خلفائه وقال: إن أخي عبد الرَّحمن بن المؤيد كان معزولًا عن قضاء العسكر في أوائل سلطنة السُّلطان سليم خان، قال: فذهبت إليه يومًا، فوجدته مشوش الخاطر، فذهبت به إلى الشَّيخ، فنصحه الشَّيخ ورغبه عن العزِّ والجاه، قال: ولم يجبه أخي وسكت، ثم إنّ الشَّيخ قال: افرشوا فراشًا وانصبوا عليه وسادة، قال: ثم أمر أخي بأن يجلس عليه على نحو ما كان يفعله في مجلسه عند كونه قاضيًا بالعسكر، قال: فجلس عليه أخي كما أمر الشَّيخ، قال: ثم قال له: بارك الله لك في المنصب، قال: فلم يمض خمسة عشر يومًا إلا وأتى الأمر من السلطان سليم خان، وكان السلطان سليم خان وقتئذ بمدينة أدرنة، قال: فطلب أخي فذهب إلى أَدْرَنة، ونصبه قاضيًا بالعسكر بولاية روم إيلي، وما كان يرجى له ذلك] (١). مات ﵀ ببلدة إِسْكِلِيبْ في سنة عشرين وتسعمئة، ودفن هناك، يزار ويتبرك به. [ومن أعزة خلفائه أيضًا الشَّيخ العارف بالله تعالى مصلح الدِّين السِّيرُوزِي،

стр. 2021

والشَّيخ العارف بالله تعالى محيي الدِّين محمَّد بن المولى الفاضل بهاء الدِّين بن الشَّيخ العارف بالله لطف الله خليفة الشَّيخ الحاج بيرام قدس الله تعالى أرواحهم، جلس بعد وفاته بالزاوية التي بناها السُّلطان بايزيد خان للشيخ المزبور الشَّيخ مصلح الدِّين السِّيرُوزِي، وانتفع به خلق كثير، ومات سنة ست وعشرين وتسعمئة. ثم جلس بعده الشَّيخ الحاج جلبي، وانتفع به أيضًا خلق كثير، وكان آية كبرى من معارف الصوفية، وراح إلى رحمة الله في سنة أربع وأربعين وتسعمئة، ثم جلس بهذه الزاوية المباركة الشَّيخ الفاضل العارف الرَّباني بهاء الدِّين زاده، محيي الدِّين محمَّد، وأدركت زمانه، واغتنمت تقبيل يده الكريمة، وذكرني بصالح دعائه، ثم ذهب إلى الحج في سنة إحدى وخمسين وتسعمئة، ولما رجع في السنة القابلة مات ببلدة قيصرية، ودفن بها عند شيخه الشَّيخ إبراهيم القَيْصَري هو خليفة (١) الشَّيخ آقْ شمس الدِّين] (٢). * * * [٧٦٥ - جلبي خليفة (٣)] الشَّيخ العارف بالله، والمرشد الكامل الدَّاعي إلى الله، سالك مسالك (٤) الطريقة، ناهج مناهج الحقيقة، آسي أساس السعادة، كاسي لباس العبادة، الشَّيخ محمَّد الجمالي، الشهير بجلبي خليفة.

стр. 2022

كان من (١) نسل جمال الدِّين الآقْسَرَايِي، وكان ابن عم المولى الفاضل، شيخ الإسلام، علاء الدِّين علي الجمالي المفتي علي جلبي، وقد يجيء في ذكره. اشتغل بالعلم الشَّريف (على المولى المذكور) (٢) أوَّلًا (٣)، وحصَّل مباني العلوم، (وعند اشتغاله بـ "الشَّرح المختصر للتلخيص") (٤) هبَّ له نسيم التوفيق، ودلَّه إلى سواء الطريق) (٥)، فغلب عليه محبة الصوفية، (ورغب فيهم) (٦)، وترك ما عنده من الأسباب والكتاب، ودخل خلوة الشَّيخ عبد الله من خلفاء الشَّيخ علاء الدِّين الخَلْوَتي من خلفاء السيِّد يحيى الشَّرْواني، واختلي عنده خلوات ببلاد قَرَامَان. وفي أثناء تلك (٧) المدة أتى الشَّيخ علاء الدِّين المذكور إلى بلاد قَرَامان، فذهب إليه وراءه لابسًا جبَّة سوداء، وراكبًا على فرس أسود، وأظهر له المحبَّة، فقال الشَّيخ علاء الدِّين: إن أردت هذه الجبة أعطيك إياها، فأجاب هو بأن لبس الخرقة ينبغي أن يكون باستحقاق، ولا استحقاق لي بلبسها، وقال الشَّيخ: إذًا تحتاج إلى توابعي، فلم يلبث الشَّيخ إلا وقد توفي بتلك البلاد، وتوفي بعده الشيَّخ عبد الله. ثم أتى إلى بلدة تُوقَات، وجلس في الخلوة عند الشَّيخ المعروف بابن طاهر، وكان يأمر مريديه بالرياضة القوية، [حتى إنَّ بعضهم لم يصبروا على ذلك، فطردهم من عنده، فبقي هو عنده وحده، واشتغل بالرياضة القوية.

стр. 2023

(قيل للشيخ يومًا في حقِّه: إنّه يشتغل بالرياضة القوية) (١)، وقال: خلِّه فليمت، وكان ذلك الشَّيخ من طائفة التراكمة، وكان أميًّا، إلا أنَّه كان في باطنه قوة عظيمة، واتَّفق له في ذلك الأيام واقعة كشف الحال، فقصَّها على الشَّيخ، فعامله بعد ذلك بالملاطفة، ثم توفي هذا الشَّيخ. وذهب بعده إلى بلده أَذْرَبِيجان، وصاحب هناك مع الشَّيخ بير محمَّد الأَذْرَبِيجاني الشَّهير بالمولى بيري خليفة، من خلفاء المولى يوسف، من خلفاء الشَّيخ حبيب، من خلفاء السيِّد يحيى، قالوا: إن بيري خليفة الأَذْرَبِيجاني قد وصل إلى خدمة السيِّد يحيى، ولما انفصل من أَذْرَبِيجان مسافة يومين استمع وفاة السيِّد يحيى، ورجع إلى أَذْرَبِيجان، ولازم خدمة المولى بيري خليفته وأكمل عنده، وأجازه، وأرسله إلى بلاد الروم لإرشاد الطالبين وتربية المريدين وإرشاد المسترشدين، ومن خلفائه الشَّيخ العارف بالله يوسف الشهير بسنبل سنان، والشَّيخ بايزيد خليفة، والشَّيخ أويس المتوطن بدمشق. حكي أنَّ الشَّيخ جلبي خليفة قدم ببلدة أماسيه في أواخر إمارة السُّلطان بايزيد (خان فيها) (٢)، واشتغل بإرشاد الفقراء، وجمع الخلق عنده، وكانت له جذبة كاملة، وقوة شاملة، فاشتهر بهذه الدِّيار، فتضرع السُّلطان بايزيد إلى جلبي خليفه أن يتوجَّه إليه، وكان الوزير محمَّد باشا القراماني وزير السُّلطان محمَّد مائلًا إلى السُّلطان جم، يمدحه عند السُّلطان محمَّد خان، وينقص السُّلطان بايزيد عنده، وكان بسببه يميل السُّلطان محمَّد خان إلى ولده السُّلطان جم ويرعاه، ويظن أنّه هو لائق السلطنة لا السُّلطان بايزيد، فاستغنى الشَّيخ جلبي خليفة عن السُّلطان بايزيد، فزاد السُّلطان

стр. 2024

بايزيد خان في التضرع، فتوجه إليه، فرأى أولياء قرامان في جانب السُّلطان جم، فقصدهم الشَّيخ، فرموه بنار أخطأت الشَّيخ وأصابت بنته. وبعد أيام مرضت البنت وماتت، فتضرع إليه السُّلطان بايزيد خان وأبرم عليه، فتوجه ثانيًا، وحضر أولياء قرامان، فقالوا له: ماذا تريد؟ فقال: إنّ هذا الرجل -وأراد الوزير محمَّد باشا القراماني- قد أبطل أوقاف المسلمين، وضبطها لبيت المال، ففرغ الكل عن الانتصار له، وما بقى إلا الشَّيخ ابن الوفا، قال: ورأيته قد رسم حول الوزير دائرة، قال: فدخلت الدائرة بجهد عظيم، وسيظهر الأثر بعد ثلاثة وثلاثين يومًا. حكى بعض أقربائه أنّه قال: حصلت لي في أثناء ذلك التوجه غيرة عظيمة حتى روى أنّه وصلت النكبة إلى كل من يسمى بمحمَّد، قال صاحب "الشقائق": قال الراوي: وإن اسمي محمَّد، وعند ذلك كنت صبيًّا، فصعدت على شجرة وانكسر غصنها فوقعت وشجَّ رأسي، وعند ذلك في بلدة آمَاسْيَه فقدوا (١) فيها أربعين رجلًا اسمهم محمَّد، قد وصلت النَّكبة إلى كل منهم. روي أنّه لما تم ثلاثة وثلاثون يومًا جاء خبر وفاة السُّلطان محمَّد، فتوجه السُّلطان بايزيد إلى قسطنطينة، وبعد خمسة أيام من توجهه سمع من الطريق أنّ الوزير المزبور قد قتل. حكي أنّ الشَّيخ ابن الوفا عمل له وفق مئة في مئة، وكان يحمله الوزير على رأسه، وعند وفاة السُّلطان محمَّد خان عرق عرقًا شديدًا لشدَّة حيرته وخوفه، فانطمس بعض حروف الوفق المذكور، فأرسله إلى الشَّيخ ابن الوفاء ليصلحه، فقتل

стр. 2025

الوزير قبل وصول الوفق إليه، ولعل ما رآه الشَّيخ جلبي خليفة من رسم الشَّيخ ابن الوفا دائرة حول الوزير المزبور] (١). ثم إنّ السُّلطان بايزيد خان بعد جلوسه على سرير السَّلطنة أرسل الشَّيخ المزبور (٢) مع أربعين رجلًا من أصحابه إلى الحجِّ ليدعوا له هناك لدفع الطاعون (٣) من بلاد الروم، فأعطى الشَّيخ صرة من الدراهم، وأعطى كل شخص من أتباعه ثلاثة آلاف درهم، فمات الشَّيخ في الطريق ذهابًا، وبعد توجه الشَّيخ خفَّ الطاعون (٤) في (٥) قسطنطينية عدَّة سنين، بل انقطع في تلك المدَّة قدَّس الله سرَّه العزيز، (وأدام عليه الرَّحمة والغفران) (٦)، (هكذا حكاه صاحب "الشقائق النعمانية" في ذكر مشايخ طريقة الخَلْوَتية، في طبقة دولة السُّلطان بايزيد خان، عليه الرحمة والغفران) (٧). * * * [٧٦٦ - جمال خليفة (٨)] الشَّيخ العالم الرَّباني، والمرشد الكامل العارف الصَّمداني، جامع علمي الشَّريعة والحقيقة، محيي السنَّة، ومكمِّل آداب الطَّريقة، مصباح رموز الدَّقائق، مفتاح

стр. 2026

كنوز الحقائق، صفوة العلماء، قدوة العرفاء، الشَّيخ جمال الدِّين إسحاق، المعروف بجمال خليفة. كان ﵀ من بلاد قَرَامَان، اشتغل بالعلم الشريف، وبلغ رتبة الفضل والكمال بين أقرانه، وقرأ على المولى الفاضل قاضي زاده، ثم وصل إلى خدمة المولى القسطلاني. وكان يكتب الخط الحسن، واستكتبه السُّلطان محمَّد خان "الكافية في النحو"، وأعطاه بعضًا من المال، وحجَّ بذلك، ثم جاء إلى قسطنطينية. قال صاحب "الشقائق": حكى نفسه -يعني جمال خليفة- أنَّه قال: كان مع بعض رفقائي (من الحاج) (١) مصحف بخط أرغون الكاتب، وأخذته منه، وأتيت به المولى القسطلاني، وكان عند ذلك قاضيًا بقسطنطينية، فنظر في المصحف، وقال: كم درهمًا يريد صاحبه، قلت: ستة آلاف درهم، فقال: كثير، ودفع المصحف إليَّ، وعند ذلك أتى هو (٢) بأفراس من بلاد قرامان، واشترى واحدًا منها بعشرة آلاف درهم، قال: فقلت في نفسي: إني لا أصير في طريق العلم مثل المولى القسطلاني، ومع ذلك هذا في آخر عمره. (ثم وصل إلى خدمة الشَّيخ حبيب، واشتغل عنده بالرياضات القوية، والمجاهدات الشَّاقة، حتى أجاز له بالإرشاد، وقعد مدة في بلاد قرامان) (٣). ثم أتى قسطنطينية، وبنى له (٤) الوزير محمَّد باشا زاوية، وقعد فيها إلى أن مات.

стр. 2027

كان ﵀ ماهرًا في التفسير، وكان يعظ النّاس ويذكرهم، ويلحقه عند التذكير وجد وحال، وربما يبكي ويصيح، وربما يغلب عليه الحال، ويلقي نفسه عن (١) المنبر، وكان لا يسمع صوته أحد إلا ويحصل له حال، (وكم من فاسق تاب من فسقه عندما رأى من (٢) أحواله) (٣) ورأيت كافرًا سمع صوته من بعيد فجاء حتى دخل المسجد وأسلم. وكان متواضعًا متخشعًا صاحب (أخلاق حميدة) (٤)، وكان عابدًا زاهدًا ورعًا (تقيًّا نقيًّا) (٥)، (وكان نبيهّا باللَّيالي يتضرع إلى الله تعالى ويناجيه) (٦)، وكان يستوي عنده الغني والفقير، [وكان متطهرًا بغسل ثيابه لنفسه مع ماله من ضعف المزاج. قال صاحب "الشقائق": وقد عدته في مرض موته، فطلبت منه الوصية، فقال: لا تسلك مسالك الصوفية، إذ لم يبق لها اليوم أهل، وقال: التوحيد والإلحاد يصعب التميز بينهما، وربما لا تقدر التميز بينهما، فالوقوف على طريقتك أسلم، ثم قال: وإذا غلب عليك خاطرك بالميل إلى التصوف فاختر من المشايخ ثابت القدم في الشَّريعة، وإن رأيت فيه شيئًا يخالف الشرع وإن

стр. 2028

كان قليلًا فاحترز عنه، فإنّ مبنى الطريقة رعاية الأحكام الشرعية وآدابها (١)، كلها هذه وصيته لي. ثم] (٢) توفى (بعد يومين) (٣) سنة ثلاث وثلاثين وتسعمئة. * * * [٧٦٧ - شيخ شاه بيدوازي] الشَّيخ العارف بالله شيخ شاه بيدوازي (٤). كان من كبار مشايخ الكبروية، أخذ الذكر والتلقين ولبس الخرقة من يد الشَّيخ رشيد، عن السيِّد عبد الله برزش آبادي، عن خواجه إسحاق ختلاني، عن السيِّد علي الهمذاني، عن محمود المرزوقاني، عن علاء الدولة السِّمْناني (٥)، عن أحمد الجُوْزَجاني، عن رضي الدِّين علي لالا، عن نجم الدِّين البغدادي، عن نجم الدِّين الكُبْرَى. وأخذ عنه الشَّيخ حاجي محمَّد بن صديق خيوشاني، الشهير بما وراء النهر بمخدومي أعظم، وهو شيخ عبد اللطيف السَّمَرْقندي. * * *

стр. 2029

الكتيبة الحادية والعشرون من كتائب أعلام الأخيار [٧٦٨ - زنبيللي علي أفندي (١)] شيخ الإسلام والمسلمين، برهان الشَّريعة والدين، علم الهدى، علَّامة الورى قدوة أهالي (٢) الفتوى، أسوة أصحاب الورع والتقوى، جامع مكارم الأخلاق، مرضي الخصائل (٣) المشهورة في الآفاق، مرجع العلماء الكبراء، ومعزز الأمراء والوزراء، ومقرب السلاطين والخلفاء، الفاضل الكامل المكمل، عظيم القدر، جليل المحل، (العالم البارع) (٤) المجتهد، (والعامل المتهجد) (٥)، المولى علاء الدِّين علي بن أحمد بن محمَّد الجمالي (٦)، (قدس الله سره العزيز) (٧). كان ﵀ فقيهًا أصوليًّا أديبًا لغويًّا نحويًّا مفسِّرًا محدِّثًا جدليًّا خلافيًّا متبحرًا في الفنون العقلية والعلوم الشرعية، وكان ورعًا زاهدًا تقيًّا نقيًّا طاهرًا قائم الليل، معامل الله في سره وجهره، وترك الدنيا وراء ظهره. وكان يصرف جميع أوقاته في الدرس والفتوى (٨) والعبادة، ولم يزل طول عمره مواظبًا على صلاة الجماعة، (وكان مجتهدًا مطلعًا على حقائق الشَّريعة، ومتهجدًا

стр. 2030

مراقبًا واقفًا على دقائق الطريقة) (١)، وكان متصلبًا في إحياء السنَّة والقيام بالحقِّ، لا يخاف سطوة الجبارين، (وهو يسطو على المبتدعين) (٢). وكان متواضعًا يبجِّل الصَّغير كما يوقِّر الكبير، كان يقعد في علوِّ داره، والزِّنْبِيل معلَّق، فيلقي المستفتي ورقته فيه، فيجذبه المولى، ويكتب جوابه ثم يدليه، وإنما فعل ذلك لئلا ينظر النَّاس لأجل الفتوى. (وكان لسانه طاهرًا، لا يذكر أحدًا بسوء) (٣)، وكانت العبادة تتلألأ من صفحات وجهه المبارك، وكان ﵀ عليه آية كبرى، ومن مفردات الدنيا في الفتوى والتَّقوى، (وكان جبلًا من جبال العلم، ومحلَّى بالوفاء والصِّدق والحلم، وكان رفيع الشأن مطاع السُّلطان) (٤). حكي أنّ السُّلطان سليم خان أبا (٥) السُّلطان سليمان خان الغازي أمر بقتل مئة وخمسين رجلًا من حفَّاظ الخزائن في زمان سلطنته، فتنبَّه لذلك المولى المذكور، وذهب إلى الدِّيوان العالي، ولم يكن من عادتهم أن يذهب المفتي إلى الدِّيوان إلا بحادث عظيم، فتحيَّر أهل الدِّيوان، لمَّا دخل الديوان سلَّم على الوزراء، فاستقبلوه وأجلسوه في صدر المجلس، ثم قالوا: أي شيء دعا المولى إلى المجيء إلى الدِّيوان؟ قال: أريد أن ألاقي (٦) السُّلطان، ولي معه كلام، فعرضوه على السُّلطان، فأذن له وحده، فدخل وسلَّم عليه وجلس.

стр. 2031

ثم قال: وظيفة أهل الفتوى أن يحافظوا على آخرة السُّلطان، وقد سمعت أنك أمرت بقتل مئة وخمسين رجلًا لا يجوز قتلهم شرعًا، فعليك بعفوهم، فغضب السُّلطان سليم خان، وكان صاحب حدَّة، وقال: إنك لا تتعرض لأمر السلطنة، وليس من وظيفتك، قال: لا، بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت فلك النجاة، وإلا فعليك عقاب عظيم، فانكسرت عند ذلك سورة غضبه، فعفى عن الكل. ثم تحدَّث معه ساعة، ولما أراد أن يذهب من مجلسه قال: إني (١) تكلمت في أمر آخرتك، وبقي لي كلام متعلِّق بالمروءة، قال السُّلطان: ما هو؟ قال: إِنَّ هؤلاء من عبيد السُّلطان، فهل يليق بعرض السلطنة أن يتكففوا الناس؟ قال: لا، قال: فقرِّرهم في مناصبهم (٢)، فقَبِله السُّلطان، فقال (له: أقررهم في مناصبهم) (٣) إلا أني أعزرهم لتقصيرهم في خدمتهم، قال المولى المذكور: وهذا جائز مفوَّض إلى رأي السُّلطان، ثم سلَّم وانصرف وهو مشكور. ونظير هذه الحكاية: ذهب السُّلطان سليم خان المزبور إلى مدينة أَدْرَنة، فسبقه المولى المذكور، فلقي في الطريق أربعمئة رجل مشدودين بالحبال، فسألهم عن حالهم، فقالوا: إنهم قد خالفوا أمر السُّلطان وقد اشتروا الحرير، وكان قد منع السُّلطان عن ذلك، فذهب المولى المذكور إلى السُّلطان وهو راكب، فتكلَّم فيهم، وقال: لا يحلُّ قتلهم، فقال له السُّلطان: أيها المولى! أما يحل قتل ثلثي العالم لنظام الباقي؟ قال: نعم، ولكن إذا أدَّى إلى خلل عظيم، قال السُّلطان: وأي خلل أعظم من مخالفة الأمر؟ قال المولى: هؤلاء لم يخالفوا أمرك، لأنك نصبت الأمناء على

стр. 2032

الحرير، وهذا إذن بطريق الدلالة، فقال له (١) السُّلطان: ليس أمور السلطنة وظيفتك، قال (٢): إنه من أمور الآخرة، وإن التعرض لها من وظيفتي، ثم فارقه المولى المذكور، ولم يسلِّم عليه. فحصل للسلطان سليم خان حدَّة عظيمة حتى وقف على فرسه زمانًا كثيرًا، والناس واقفون قدامه وخلفه متحيرين في ذلك الأمر، ثم إنّ السُّلطان سليم خان لما وصل إلى منزله عفا عن الكل، ولما وصل إلى أَدْرَنة أرسل إليه أمرًا، وقال: إني تحققت أنك تتكلم بالحق، وأعطيتك قضاء العسكر، وجمعت بك الطرفين، فلم يقبل. فكتب في جوابه: وصل إليّ كتابك سلَّمك الله تعالى وأبقاك، وأمرتني بالقضاء، وإني ممتثل أمرك، إلا أنّ لي مع الله عهدًا أن لا يصدر مني لفظة: حكمت، فأحبه السُّلطان محبة عظيمة، وأرسل إليه خمسمئة دينار فقبله. قرأ المولى المذكور ﵀ في صغره على المولى حمزة القراماني، وحفظ عنده "مختصر الإمام القُدُوري"، و"منظومة الإمام النَّسفي"، ثم أتى بلدة قسطنطينية، وقرأ على المولى خُسْرَو، ثم أرسله المولى خُسْرَو إلى المولى مصلح الدِّين بن حسام، وعلل في ذلك، وقال: إني مشتغل بالفتوى، والمولى مصلح الدِّين يهتم لتحصيلك أكثر مني. فذهب إليه وهو مدرِّس بسلطانية بروسا، فقرأ عنده العلوم العقلية والشرعية، ثم صار معيدًا لدرسه، ثم زوَّجه المولى مصلح الدِّين بنته، وحصل للمولى علي الجمالي منها أولاد، ثم أعطاه السُّلطان محمَّد خان المدرسة الحجرية (بمدينة

стр. 2033

أَدْرَنة) (١)، وعيَّن له كل يوم ثلاثين درهمًا، وأعطاه (٢) خمسة آلاف درهم وبعضًا من الألبسة، وذلك لأنّه سمع فقره. ولما صار محمَّد باشا القراماني وزيرًا للسلطان محمَّد خان نقمه لكثرة صحبته مع سنان باشا، فنقله من تلك المدرسة إلى مدرسة أخرى، ونقص من وظيفته خمسة دراهم، والمولى المذكور لم ينقطع عن سنان باشا السابقة فضله عليه (وكرمه، ولهذا نقله الوزير المذكور إلى مدرسة أخرى ونقص من وظيفته خمسة دراهم. واشمأز المولى من ذلك) (٣) وترك التدريس، واتصل إلى خدمة الشَّيخ العارف بالله تعالى مصلح الدِّين ابن الوفاء قدس سره، ثم مات السُّلطان محمَّد خان، وقتل الوزير المزبور، وجلس السُّلطان بايزيد خان على سرير السلطنة، ورأى المولى المذكور في المنام، فأرسل إليه الوزراء ودعاه، فلم يجب، ثم أرسله جبرًا إلى آماسْيَه وعيَّن له كل يوم ثلاثين درهمًا، وفوض إليه الفتوى هناك، ثم أعطاه مدرسة السُّلطان مراد الغازي بمدينة بروسا. ثم ترك المولى المزبور تلك المدرسة، وذهب إلى آماسيه لزيارة ابن عمه وهو الشَّيخ العارف بالله محيي الدِّين محمَّد الجمالي الشهير بجلبي خليفة المذكور في الكتيبة السابقة، ثم أعطاه السُّلطان بايزيد خان مدرسة إِزْنِيقْ، وعين له كل يوم خمسين درهمًا، ثم أعطاه مدرسة (٤) سلطانية بروسا، ولما بنى السُّلطان بايزيد مدرسته بآماسْيه

стр. 2034

نصبه مدرسًا، وفوض إليه أمر الفتوى هناك، ثم أعطاه إحدى المدارس الثَّمان، فدرَّس هناك مدة كثيرة. ثم توجه بنيَّة الحج إلى مصر، واتفق إن لم يتيسر له الحج في تلك السنة لفتنة حصلت بمكَّة المشرفة، وتوقف المولى المذكور بمصر سنة، وفي أثنائها توفي المولى حميد الدِّين بن أفضل الدِّين المفتي بقسطنطينية، فأمر السُّلطان بايزيد خان بأن يكتب الفتوى مدرسو المدارس الثمان، وذلك في سنة ثمان وتسعمئة، ولما أتى المولى المذكور من الحج أعطاه منصب الفتوى، وعين له كل يوم مئة درهم. ثم إنّ السُّلطان بايزيد خان بنى مدرسة بقسطنطينية، وأضافها إلى المولى المذكور، وعيَّن له كل يوم خمسين درهمًا لأجل التدريس، فصارت وظيفته كل يوم مئة وخمسين درهمًا، فحسده على ذلك بعض من العلماء وهو مولانا سيدي ابن الحميدي، وكان هو قاضيًا بمدينة قسطنطينية، وهو يدَّعي الفضل على أبناء زمانه، والناس يقدمونه على أقرانه، وجمع بعض فتاواه، وقال: إنه أخطأ فيها، وأرسلها إلى الديوان العالي، وأرسلها الوزراء (١) إلى المولى المذكور علي الجمالي فكتب أجوبتها. وفي أثناء تلك الأيام قال: إني حين ما نزلت من عرفات حصل لي جذبة لم يبقَ بيني وبين الحق حجاب، وفوضت أمر المولى سيدي إلى الحق ، فلم يمر أسبوع إلا وقد مات المولى سيدي في ليلة واحدة في ذلك، وقعت في سنة اثنتي عشرة وتسعمئة. ثم إنّ السُّلطان سليم خان جلس على سرير السلطنة، فعرض القضاء بالعسكر

стр. 2035

عليه، فلم يقبل، وقد تقدم ذكره، فأحبه محبة عظيمة وأكرمه غاية الإكرام، فعاش في سعة وعيش رغيد (١). ثم لما جلس السُّلطان سليمان على سرير السلطنة زاد على وظيفته خمسين درهمًا، فصارت وظيفته مئتي درهم. مات ﵀ سنة اثنتين وثلاثين وتسعمئة. [يحكي صاحب "الشقائق" عن والده قال: قد ذهبت إلى المولى المذكور مع المولى الوالد لعيادته في مرض موته، وكلَّمه سرًّا، فبكى المولى الوالد، وما علمنا سبب بكائه، ولما أتى منزله سألناه عن سبب بكائه، فقال: إنه أخبر بموته، وقال: جاء لي روح موسى النبي ﵇ وقت الإشراق، وقال: شرفوا بعد هذا دار الآخرة، وكان ﵀ آية كبرى، ومن مفردات الدنيا في الفتوى والتقوى، وقالوا: دفن بدفنه العلم والفتوى. ومن تلامذته المولى الفاضل يوسف بن الشَّيخ حسن، الشهير بسنان جلبي، والمولى قطب الدِّين المرزيفوني، والمولى مصلح الدِّين، والقاضي موسى بن منتشا السِّينُوبِي. وللمولى الفاضل المرحوم ابنان: أكبرهما المولى الفاضل العالم محيي الدِّين محمَّد بن المولى علاء الدِّين الجمالي الشهير بمولى جلبي، وكان صاحب أخلاق حميدة، قرأ على جدِّه لأمه المولى حسام زاده مصلح الدِّين أستاذ أبيه، ثم على المولى مؤيد زاده، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة الوزير مراد باشا بقسطنطينية، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم صار
следующие страницы →