ثم قال: وظيفة أهل الفتوى أن يحافظوا على آخرة السُّلطان، وقد سمعت أنك أمرت بقتل مئة وخمسين رجلًا لا يجوز قتلهم شرعًا، فعليك بعفوهم، فغضب السُّلطان سليم خان، وكان صاحب حدَّة، وقال: إنك لا تتعرض لأمر السلطنة، وليس من وظيفتك، قال: لا، بل أتعرض لأمر آخرتك، وإنه من وظيفتي، فإن عفوت فلك النجاة، وإلا فعليك عقاب عظيم، فانكسرت عند ذلك سورة غضبه، فعفى عن الكل.
ثم تحدَّث معه ساعة، ولما أراد أن يذهب من مجلسه قال: إني (١) تكلمت في أمر آخرتك، وبقي لي كلام متعلِّق بالمروءة، قال السُّلطان: ما هو؟ قال: إِنَّ هؤلاء من عبيد السُّلطان، فهل يليق بعرض السلطنة أن يتكففوا الناس؟ قال: لا، قال: فقرِّرهم في مناصبهم (٢)، فقَبِله السُّلطان، فقال (له: أقررهم في مناصبهم) (٣) إلا أني أعزرهم لتقصيرهم في خدمتهم، قال المولى المذكور: وهذا جائز مفوَّض إلى رأي السُّلطان، ثم سلَّم وانصرف وهو مشكور.
ونظير هذه الحكاية: ذهب السُّلطان سليم خان المزبور إلى مدينة أَدْرَنة، فسبقه المولى المذكور، فلقي في الطريق أربعمئة رجل مشدودين بالحبال، فسألهم عن حالهم، فقالوا: إنهم قد خالفوا أمر السُّلطان وقد اشتروا الحرير، وكان قد منع السُّلطان عن ذلك، فذهب المولى المذكور إلى السُّلطان وهو راكب، فتكلَّم فيهم، وقال: لا يحلُّ قتلهم، فقال له السُّلطان: أيها المولى! أما يحل قتل ثلثي العالم لنظام الباقي؟ قال: نعم، ولكن إذا أدَّى إلى خلل عظيم، قال السُّلطان: وأي خلل أعظم من مخالفة الأمر؟ قال المولى: هؤلاء لم يخالفوا أمرك، لأنك نصبت الأمناء على
стр. 2032
الحرير، وهذا إذن بطريق الدلالة، فقال له (١) السُّلطان: ليس أمور السلطنة وظيفتك، قال (٢): إنه من أمور الآخرة، وإن التعرض لها من وظيفتي، ثم فارقه المولى المذكور، ولم يسلِّم عليه.
فحصل للسلطان سليم خان حدَّة عظيمة حتى وقف على فرسه زمانًا كثيرًا، والناس واقفون قدامه وخلفه متحيرين في ذلك الأمر، ثم إنّ السُّلطان سليم خان لما وصل إلى منزله عفا عن الكل، ولما وصل إلى أَدْرَنة أرسل إليه أمرًا، وقال: إني تحققت أنك تتكلم بالحق، وأعطيتك قضاء العسكر، وجمعت بك الطرفين، فلم يقبل.
فكتب في جوابه: وصل إليّ كتابك سلَّمك الله تعالى وأبقاك، وأمرتني بالقضاء، وإني ممتثل أمرك، إلا أنّ لي مع الله عهدًا أن لا يصدر مني لفظة: حكمت، فأحبه السُّلطان محبة عظيمة، وأرسل إليه خمسمئة دينار فقبله.
قرأ المولى المذكور ﵀ في صغره على المولى حمزة القراماني، وحفظ عنده "مختصر الإمام القُدُوري"، و"منظومة الإمام النَّسفي"، ثم أتى بلدة قسطنطينية، وقرأ على المولى خُسْرَو، ثم أرسله المولى خُسْرَو إلى المولى مصلح الدِّين بن حسام، وعلل في ذلك، وقال: إني مشتغل بالفتوى، والمولى مصلح الدِّين يهتم لتحصيلك أكثر مني.
فذهب إليه وهو مدرِّس بسلطانية بروسا، فقرأ عنده العلوم العقلية والشرعية، ثم صار معيدًا لدرسه، ثم زوَّجه المولى مصلح الدِّين بنته، وحصل للمولى علي الجمالي منها أولاد، ثم أعطاه السُّلطان محمَّد خان المدرسة الحجرية (بمدينة
стр. 2033
أَدْرَنة) (١)، وعيَّن له كل يوم ثلاثين درهمًا، وأعطاه (٢) خمسة آلاف درهم وبعضًا من الألبسة، وذلك لأنّه سمع فقره.
ولما صار محمَّد باشا القراماني وزيرًا للسلطان محمَّد خان نقمه لكثرة صحبته مع سنان باشا، فنقله من تلك المدرسة إلى مدرسة أخرى، ونقص من وظيفته خمسة دراهم، والمولى المذكور لم ينقطع عن سنان باشا السابقة فضله عليه (وكرمه، ولهذا نقله الوزير المذكور إلى مدرسة أخرى ونقص من وظيفته خمسة دراهم.
واشمأز المولى من ذلك) (٣) وترك التدريس، واتصل إلى خدمة الشَّيخ العارف بالله تعالى مصلح الدِّين ابن الوفاء قدس سره، ثم مات السُّلطان محمَّد خان، وقتل الوزير المزبور، وجلس السُّلطان بايزيد خان على سرير السلطنة، ورأى المولى المذكور في المنام، فأرسل إليه الوزراء ودعاه، فلم يجب، ثم أرسله جبرًا إلى آماسْيَه وعيَّن له كل يوم ثلاثين درهمًا، وفوض إليه الفتوى هناك، ثم أعطاه مدرسة السُّلطان مراد الغازي بمدينة بروسا.
ثم ترك المولى المزبور تلك المدرسة، وذهب إلى آماسيه لزيارة ابن عمه وهو الشَّيخ العارف بالله محيي الدِّين محمَّد الجمالي الشهير بجلبي خليفة المذكور في الكتيبة السابقة، ثم أعطاه السُّلطان بايزيد خان مدرسة إِزْنِيقْ، وعين له كل يوم خمسين درهمًا، ثم أعطاه مدرسة (٤) سلطانية بروسا، ولما بنى السُّلطان بايزيد مدرسته بآماسْيه
стр. 2034
نصبه مدرسًا، وفوض إليه أمر الفتوى هناك، ثم أعطاه إحدى المدارس الثَّمان، فدرَّس هناك مدة كثيرة.
ثم توجه بنيَّة الحج إلى مصر، واتفق إن لم يتيسر له الحج في تلك السنة لفتنة حصلت بمكَّة المشرفة، وتوقف المولى المذكور بمصر سنة، وفي أثنائها توفي المولى حميد الدِّين بن أفضل الدِّين المفتي بقسطنطينية، فأمر السُّلطان بايزيد خان بأن يكتب الفتوى مدرسو المدارس الثمان، وذلك في سنة ثمان وتسعمئة، ولما أتى المولى المذكور من الحج أعطاه منصب الفتوى، وعين له كل يوم مئة درهم.
ثم إنّ السُّلطان بايزيد خان بنى مدرسة بقسطنطينية، وأضافها إلى المولى المذكور، وعيَّن له كل يوم خمسين درهمًا لأجل التدريس، فصارت وظيفته كل يوم مئة وخمسين درهمًا، فحسده على ذلك بعض من العلماء وهو مولانا سيدي ابن الحميدي، وكان هو قاضيًا بمدينة قسطنطينية، وهو يدَّعي الفضل على أبناء زمانه، والناس يقدمونه على أقرانه، وجمع بعض فتاواه، وقال: إنه أخطأ فيها، وأرسلها إلى الديوان العالي، وأرسلها الوزراء (١) إلى المولى المذكور علي الجمالي فكتب أجوبتها.
وفي أثناء تلك الأيام قال: إني حين ما نزلت من عرفات حصل لي جذبة لم يبقَ بيني وبين الحق حجاب، وفوضت أمر المولى سيدي إلى الحق ، فلم يمر أسبوع إلا وقد مات المولى سيدي في ليلة واحدة في ذلك، وقعت في سنة اثنتي عشرة وتسعمئة.
ثم إنّ السُّلطان سليم خان جلس على سرير السلطنة، فعرض القضاء بالعسكر
стр. 2035
عليه، فلم يقبل، وقد تقدم ذكره، فأحبه محبة عظيمة وأكرمه غاية الإكرام، فعاش في سعة وعيش رغيد (١).
ثم لما جلس السُّلطان سليمان على سرير السلطنة زاد على وظيفته خمسين درهمًا، فصارت وظيفته مئتي درهم.
مات ﵀ سنة اثنتين وثلاثين وتسعمئة.
[يحكي صاحب "الشقائق" عن والده قال: قد ذهبت إلى المولى المذكور مع المولى الوالد لعيادته في مرض موته، وكلَّمه سرًّا، فبكى المولى الوالد، وما علمنا سبب بكائه، ولما أتى منزله سألناه عن سبب بكائه، فقال: إنه أخبر بموته، وقال: جاء لي روح موسى النبي ﵇ وقت الإشراق، وقال: شرفوا بعد هذا دار الآخرة، وكان ﵀ آية كبرى، ومن مفردات الدنيا في الفتوى والتقوى، وقالوا: دفن بدفنه العلم والفتوى.
ومن تلامذته المولى الفاضل يوسف بن الشَّيخ حسن، الشهير بسنان جلبي، والمولى قطب الدِّين المرزيفوني، والمولى مصلح الدِّين، والقاضي موسى بن منتشا السِّينُوبِي.
وللمولى الفاضل المرحوم ابنان:
أكبرهما المولى الفاضل العالم محيي الدِّين محمَّد بن المولى علاء الدِّين الجمالي الشهير بمولى جلبي، وكان صاحب أخلاق حميدة، قرأ على جدِّه لأمه المولى حسام زاده مصلح الدِّين أستاذ أبيه، ثم على المولى مؤيد زاده، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة الوزير مراد باشا بقسطنطينية، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم صار
стр. 2036
قاضيا بأَدْرَنة، ثم صار مدرسا بإحدى المدارس الثَّمان، وعيَّن له كلَّ يوم ثمانون درهمًا، ثم تقاعد وعين له كل يوم مئة درهم، ومات سنة ست وخمسين وتسعمئة، وكان له حجرات عند بيته بقسطنطينية، ثم كان مدرسة.
وأصغرهما المولى الفاضل فضيل جلبي، والآن موجود، متَّعنا الله تعالى وسائر المسلمين بطول بقائه] (١).
* * *
[٧٦٩ - ابن كمال باشا (٢)]
أستاذ الفضلاء المشاهير، إسناد العلماء النَّحارير، إمام الفروع والأصول، علَّامة المعقول والمنقول، كشَّاف مشكلات الكلام القديم، حلَّال معضلات الكتاب الكريم، فارس ميدان البلاغة والأدب، ومؤسس طريقة الخلاف والمذهب، مفتي الثقلين، لسان الفريقين، السائر تصانيفه مسير الخافقين، شيخ الإسلام والمسلمين، شمس الملَّة وضياء الدِّين، أحمد بن سليمان بن كمال باشا.
كان ﵀ شعبة دوحة المجد، وسلالة العترة الكمالية، شمسية الأنوار، بدرية الأضواء غير (٣) الهلالية، ذللت قطوفها للمحترفين، وعذبت مشارعها للمقترفين،
стр. 2037
كان جدُّه أمير أمراء الدولة العثمانية، وأبوه (١) سليمان (بن كمال باشا) (٢) من رؤوس الجنود الإسلامية الخاقانية، وأمه كانت بنت المولى الفاضل محيى الدِّين محمَّد، الشهير بابن كيلوا، وهو من العلماء المشهورين بالفضل في زمانهم.
جعله السُّلطان محمَّد خان قاضيًا بالعسكر المنصور بعد ما تولى بعض المناصب، ثم عزله بعد قعوده من فتح بلاد قرامان، وذلك سنة اثنتين وسبعين وثمانمئة، وقد عزل الوزير محمود باشا في تلك السنة، وكان للمولى المذكور بنتان، تزوج إحداهما المولى سنان باشا، وولد له منها ولد اسمه محمَّد جلبي، صار مدرسًا بمدرسة الوزير محمود باشا بمدينة قسطنطينية، ثم صار قاضيًا ببعض البلاد، ثم تزهَّد عن المناصب، ومات وهو شاب، وتزوج (الثانية سليمان) (٣) جلبي بن كمال باشا، فولد له منها أحمد شاه، وهو هذا المولى العلامة.
ونشأ هو في حجر العزِّ والدَّلال، ومال في صباه إلى تحصيل العلم والكمال، وأنفق ريَّان عمره في اقتباس كلِّ فضيلة تسمو به إلى المحلِّ الأرفع، وصرف حداثة سنه في إحراز كلِّ معرفة تعليه ذروة العزِّ الأنفس والمجد الأتلع (٤)، وحفظ القرآن، وضبط في ابتداء أمره من اللغة ما نفع (٥) بها غلة صدره، وأحاط علمًا بوجوه القراءات والعلل، وأمن على نفسه ثمالة التورط (٦) في مداحض الزلل.
стр. 2038
ثم استظهر في فنون الأدب كتبًا قلَّما يتصدَّى لحفظها أقرانه، ويهتدي لضبطها أسنانه، ثم استولى على أمد الشعر، ورقي إلى الإعجاز منزلة السحر، ثم حدثت في طبعه الشريف داعي الرئاسة لما كان آباؤه من أصحاب الكرِّ والفرِّ والسِّياسة، فلحق بجملة العسكر، وصرف عنان همته إلى سمت آخر، وذهب مع السُّلطان بايزيد خان إلى السفر.
سمعت عن بعض ورأيت في "الشقائق" أيضًا: أنه كان العلامة المذكور يحكي عن نفسه قال: كنت مع السُّلطان بايزيد خان في سفره، وكان الوزير وقتئذ إبراهيم باشا ابن خليل باشا، وكان وزير أعظم الشأن، وكان في ذلك الزمان أمير يقال له: أحمد بك ابن أورنوس، وكان من كبار الأمراء، لا يتصدره أحد من الأمراء، وكنت واقفًا على قدمي قدام الوزير المذكور، والأمير المذكور جالس عنده، إذ جاء رجل من العلماء زري الهيئة دني اللِّباس فجلس فوق الأمير المذكور، ولم يمنعه أحد عن ذلك.
فتحيَّرت فيه، فقلت لبعض رفقائي: من هذا الذي تصدر مثل هذا الأمير؟ قال: هو رجل عالم مدرِّس بمدرسة فِلِبَه (١)، يقال له: المولى لطفي، قلت: كم وظيفته؟ قال: ثلاثون درهمًا، قلت: كيف يتصدر هذا الأمير ومنصبه هذا المقدار، قال رفيقي: إنَّ العلماء يُعظَّمون لعلمهم، ولو تأخر لم يرضَ بذلك الأمير ولا الوزير.
قال المولى العلامة ﵀: فتفكرت في نفسي، فوجدت أني لا أبلغ رتبة الأمير المذكور في الإمارة، ووجدت في نفسي أني لو اشتغلت بالعلم يمكن أن أبلغ رتبة العالم المذكور، فلما رجعنا من السفر وصلت إلى خدمة المولى المذكور، وقد أعطي هو عند ذلك مدرسة دار الحديث بأدْرَنة، وعيِّن له كل يوم أربعون درهمًا، فقرأت عليه حواشي "المطالع" انتهى إلى هنا.
стр. 2039
وكان المولى لطفي من أخص تلامذة المولى سنان باشا، (ولما أتى المولى علي القوشجي إلى بلاد الروم أرسله المولى سنان باشا) (١) إليه، وقرأ العلوم الرياضية عليه، وحصل سنان باشا العلوم الرياضية بواسطته، وربَّاه سنان باشا حال وزارته عند السُّلطان محمد خان، فجعله أمينًا على خزانة الكتب، واطلع بواسطته على غرائب الكتب.
ولما جلس السُّلطان بايزيد خان على سرير السلطنة أعطاه مدرسة السُّلطان مراد (٢) الغازي بمدينة بروسا، ثم أعطاه مدرسة فِلِبَه، ثم أعطاه مدرسة دار الحديث بأَدْرَنة، ثم أعطاه إحدى المدارس الثَّمان، ودرَّس بها مدَّة من الزَّمان، ثم أعطاه مدرسة جدِّه السُّلطان مراد بمدينة بروسا، وعيَّن له كل يوم ستين درهمًا.
وكان ﵀ عالمًا لا يجارى، وعاملًا (٣) لا يباري، وكان يطيل لسانه على أقرانه، بل على السلف أيضًا، ولكثرة (٤) فضائله حسده (٥) أقرانه، ولإطالة لسانه أبغضه (٦) العلماء العظام، ولهذا نسبوه إلى الزَّندقة والإلحاد حتى فتشوه، ولم يحكم المولى بن أفضل الدِّين بإباحة دمه، وتوقَّف فيه، وحكم المولى خطيب زاده.
روي أنّ المولى خطيب زاده لمَّا حكم بقتله وأتى منزله قال: خلصت كتابي من يده، وكان يسمع أنه يريد أن يزيِّف كتابه، وهو الذي علقها على "شرح التجريد".
стр. 2040
يحكي صاحب "الشقائق" عمن حضر قتله كان يكرِّر كلمة الشهادة، وينزِّه عقيدته عما نسبوه إليه من الإلحاد، حتى حكي أنه تكلَّم بكلمة الشهادة بعد أن سقطت رأسه على الأرض.
وروي أنّ الشَّيخ العارف بالله تعالى محيي الدِّين القوجوي لما سمع قتله قال: إني أشهد الله أنّ المولى المذكور (١) بريء من الإلحاد والزندقة.
وكان يلبس الملابس الردية، وكان يركب دابة، ويجيء إلى المدرسة، وعلف الدَّابة في يده، فينزل بباب المدرسة، فيربط الدابة بحلقة الباب، ويلقي قدامها العلف، ثم يدرِّس ثم يركب دابته، ويذهب إلى زاوية الشَّيخ العارف بالله ابن الوفاء، ويروي هناك "كتاب صحيح البخاري" إلى أذان المغرب، ثم يذهب إلى بيته، وهذا دأبه، هكذا ذكر صاحب "الشقائق".
ويحكي عن عمه المولى قاسم بن خليل طاش كبري وهو من تلامذة المولى لطفي، قال: كنت أقرأ على المولى لطفي وهو يروي "صحيح البخاري"، وكان عند فتح الكتاب تنزل دموع عينيه على الكتاب وكان يبكي إلى أن يختم الكتاب.
وحكي يومًا أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ ضرب في بعض الغزوات بسهم، فبقي نصله في بدنه، فجزع عند إخراجه، فصبروا حتى اشتغل بالصلاة، فأخرجوه منه (٢)، فلم يحس بذلك. قال صاحب "الشقائق": قال عمي: وقد حكى المولى لطفي هذه ثم قال وهو يبكي: هذه هي الصلاة حقيقة، وأما صلاتنا فهي قيام وانحناء لا فائدة فيها، وكان عمِّي يحلف بالله: إني سمعت هذه الحكاية على هذا
стр. 2041
الوجه، قال: وحين أخذوا المولى المزبور شهد شهداء الدرس عليه بأنه قال: الصلاة قيام وانحناء لا فائدة فيها، قال انظروا أين ما قاله ممَّا شهدوا عليه.
وقال صاحب "الشقائق" له نوادر غريبة، من جملتها أنّ السُّلطان محمَّد خان أمر المدرسين بالمدارس الثَّمان أن يجمعوا بين الكتب الستَّة من علم اللُّغة كـ "الصحاح" و"التكملة" و"القاموس" وغير ذلك.
وكان في ذلك الوقت مولى مسمى بشجاع وملقبًا بأوصل، وهو كلمة رومية ومعناها الحمار الضخم، فاجتمع يومًا مع المولى لطفي قال له: كيف حالك مع اللغة، قال: أضع علامة الشك في كل سطر، فقال له المولى لطفي: أنت أشك مني، ولفظ أشك بالتركية بمعنى الحمار.
وله تصانيف منها "حواشي المطالع" و"حواشي المفتاح" للسيِّد الشَّريف، وله أيضًا رسالة سمَّاها بـ "السبع الشداد"، وهي مشتملة على سبعة أسئلة على السيِّد الشريف في بحث الوضع.
قال صاحب "الشقائق": ولقد أبدع فيها كلَّ الإبداع وأجاد كلَّ الإيجاد، ولو لم يكن له تصنيف آخر غير هذه الرسالة لكفته فضلًا وشرفًا، وأجاب عن تلك الأسئلة المولى عذاري إلا أنّ الحق لم يقدر على دفعها والحق أحق، وله أيضًا رسالة ذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والغريبة (١)، حتى بلغ مقدار مئة علم، وأورد فيها غرائب لم تسمعها آذان الزمان.
جئنا إلى ما كنا فيه:
فغلب على المولى ابن الكمال حبَّ العلم والفضل والكمال، واشتغل بالعلم
стр. 2042
الشَّريف بالغدو والآصال، ومن لطائف صنع الله (١) التي جلَّت أن تعد، وكبرت لعظم شأنها عن أن تحد: أنه لم يخل في عصر من الأعصار كافة المدائن والأمصار عن ذي ذهن وقَّاد وصاحب طبع نقاد، يبذل جهده في ارتفاع ما يرفع في الدارين قدره، ويطلع من أفق النباهة بدره، فتصدى لاقتباس العلم ودراسته، واجتهد في صونه عن الضياع وحراسته، وصرف همته إلى تجديد مراسم الشرع، وأجرى سواد الحبر في بياض الورق، ووقف نهمته على تمهيد قواعد الأصل والفرع، وسوَّد وجه الباطل وبيَّض محيَّا الحق به، كل من يقتدي يسترشد ويهتدي، وما هو في عهده إلا هذا المولى، سجيته التأليف والدرس والفتوى، ولا يفتر لمحة ناظر عن التأليف والتدريس والإفادة، ولا ينزع طائره صوت (٢) طائر عن التكرار والإعادة، يقرر غاية مرامه غير متلعثم في كلامه:
فسل عن جلايا مجده كلَّ شارق … وطارح خفايا فضله كل غاسق
أضاءت سماءُ الفضل منه بثاقب … تفديه سيارات ذات الطرائق
وليس له ثانٍ من النّاس كلَّما … علا درجاتٍ في بيان الدَّقائق
يذلُّ مصاعيب العلوم فتثنى … إليه هوادسها طرو الوسائق
ويسحر في علم البيان محافظًا … على نسبٍ يزهى بها وعلائق
ومَنْ لكلام الله يبدي كنوزَه … سواه بكشفٍ للغوامض رائق
وأنفاسه في روض نعمان عضه … لواقح قد شفَّت حبوب الشَّقائق
تمر سنو الدُّنيا فتخلد ذِكْره … تصانيف قد زانت بطون المهارق
стр. 2043
فالمولى العلامة أخذ العلم من أفواه الرجال النَّحارير، وقرأ الفنون على أفاضل الفضلاء المشاهير، منهم المولى لطفي المزبور، والمولى مصلح الدِّين القَسْطَلَّاني، والمولى خطيب زاده.
والمولى معرف زاده، فأخذ علم الفروع والأصول عن المولى القسطلاني، عن المولى خضر بك، عن المولى يكان، عن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، عن الشَّيخ أكمل الدِّين، عن الإمام قوام الدِّين الكاكي، عن الإمام حسام الدِّين السِّغْنَاقِي صاحب "النهاية" عن الشَّيخ الإمام حافظ الدِّين الكبير البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر المَرْغِيْنَاني صاحب "الهداية"، عن نجم الدِّين النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
فهذه طريق العنعنات، بلَّغه الله تعالى أقصى درجات الكمال، ومتعه بما خوَّله في الحال والمآل، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة علي بكر بمدينة أَدْرَنة، ثم بمدرسة الحلبية، ثم (بإحدى المدرستين) (١) المتجاورتين بأَدْرَنة، ثم بمدرسة السُّلطان بايزيد خان بأَدْرَنة، (ثم استقضاه السُّلطان سليم خان بمدينة أَدْرَنة) (٢)، ثم صار قاضيًا بالعسكر المنصور بآنَاطُولي.
وكان المولى العلامة (أحمد بن كمال باشا) (٣) في فتح مصر مع السُّلطان سليم خان، وكان قاضيًا بالعسكر، فلما دخل القاهرة لقيه أكابر العلماء وأعظم الفضلاء،
стр. 2044
وناظروه وباحثوه وتكلموا بما عندهم، فامتحنوه فأعجبوا بفصاحة لسانه وحسن كلامه وبلاغة بيانه وبسط مرامه، وأقروا له بالفضل والكمال، وكانوا يذكرونه بغاية التبجيل والإجلال، ويشهدون أن ليس له في العرب عديل ولا في أفاضل العجم والروم عوض ولا بديل.
ثم لما شكى الأحداث والأراذل من مديد أصحابه، وكتبوا على التَّفصيل والإجمال، وأوصلوا كتابهم إلى السُّلطان، (وكشفوا الأحوال) (١)، عزله السُّلطان سليم خان، وقصد إليه الإساءة والعدوان، فنصحه بيري محمَّد الوزير وحوَّله من هذا الرأي والتدبير، ثم عاد إليه بالإحسان مبتدرًا لما فطن أنّ أمر الفتوى يكون متعذرًا أعطاه مدرسة دار الحديث بمدينة أَدْرَنة، وعيَّن له كل يوم مئة درهم وعطايا سنية في السنة.
ثم أعطاه السُّلطان سليمان خان مدرسة جده السُّلطان بايزيد خان بالمدينة المزبورة، ومكث فيها إلى أن صار مفتيًا بقسطنطينية بعد وفاة المولى علاء الدِّين علي الجمالي ﵀ في سنة اثنتين وثلاثين وتسعمئة، فعاش فيه معزَّزًا مكرَّمًا محترمًا مقبولًا عند الخاص والعام، ونالت عقود الفضل في زمانه حسن النظام.
ومن تلامذته المولى الفاضل الأستاذ السيِّد محيي الدِّين محمَّد بن عبد القادر، والد المولى الفاضل النَّقِيب اليوم في الممالك العثمانية، والمولى محيي الدِّين محمَّد بن حسام الدِّين الشهير بقَرَه جلبي، والمولى محمَّد بن عبد الوهاب بن المولى عبد الكريم.
وله تصنيفات كثيرة معتبرة متداولة بين أيدي العلماء ومقبولة لدى الفضلاء، كان يكتب ما سنح بباله الشريف بأداء حسنٍ وتحرير لطيف، وقد فتر الليل والنهار
стр. 2045
ولم يفتر قلمه، ولم يذكر في مجلسه مسألة من كلِّ الفنون إلا وهو كان يعلمه.
له كتاب في الفروع متن وشرح، سماه بـ "إيضاح الإصلاح"، وهو كتاب مشهور مستعمل جدًّا، صنَّفه بأَدْرَنة في مدرسة دار الحديث في أوائل دولة السُّلطان سليمان خان.
قال في خطبته: وكان شروعي في هذا الأمر الخطير في شهور سنة ثمان وعشرين وتسعمئة من تاريخ هجرة نبينا عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام.
ثم (١) وقع الاختتام سلخ شوال ذلك العام، وكنت أقدر الإتمام في أكثر من ثلاث سنين، وتيسر في أقل من ثلثي السنة بعون الملك العلام.
وله كتاب في علم الكلام متن وشرح أيضًا، سمَّاه "تجويد التجريد"، وله متن في المعاني والبيان، وشرح له أيضًا، (وله حواش على "التلويح"، وحواش على "شرح المفتاح"، و "كتاب في الفرائض"، وشرح له أيضًا) (٢)، وله حواش على "الهداية" مجلدين، مجلد في كتاب النكاح، وله حواش على "التهافت" للمولي خواجه زاده، وتعليقات على "شرح الجغنمي" لسنان باشا، وكتاب في اللغة على ترتيب القوافي، تامَّة الإفادة لمن أراد النظم والإنشاء، وله "كتاب نكارستان" علي منوال "كلستان" الشَّيخ سعدي، وبهارستان المولى الجامي، وله "كتاب دقائق الحقائق" في قواعد الفارسية واستعمالاتها، وله "كتاب تواريخ آل عثمان"، أبدع في إنشائه.
(وكل تصانيفه مشهورة مقبولة بين الأعيان، متداولة بين أهالي الزمان) (٣)،
стр. 2046
وكان عدد رسائله قريبًا (١) من مئة رسالة، كل منها جامعة الفوائد عامة العوائد، وهذه المذكورات ما شاعت بين الناس، وأما ما بقي في المسودة فأكثر مما لا يحصى، تفرقته أيادي سبأ.
وبالجملة أنسى ﵀ ذكر السَّلف بين النَّاس، وأحيا رباع العلم بعد الاندراس، وكان من مفردات الدنيا، ومنبعًا للمعارف العليا، شهرته تغني عن التفصيل والإطناب، والحاصل ما من فنٍّ إلا وله فيه حكمة وفصل خطاب، (رحمه الله تعالى ورحمنا إذا عدنا إليه) (٢).
* * *
[٧٧٠ - المولى حسن السَّامسوني (٣)]
المولى الفاضل، والعالم الكامل، محيي الدِّين محمَّد بن المولى الفاضل حسن السَّامْسُونِي.
كان ﵀ عالمًا فاضلًا بارعًا ورعًا.
قرأ أولًا على والده، وحصَّل عنده مباني العلوم، وبلغ رتبة الفضل، ثم وصل إلى خدمة المولى علاء الدِّين العربي، فأخذ عنه العلوم الشرعية والعقلية، ونال ما نال من الفضل والكمال، ثم أعطاه السُّلطان بايزيد خان مدرسة المولى خُسْرَو بمدينة بروسا، ثم أعطاه المدرسة الحجرية بمدينة أدْرَنة، ثم أعطاه مدرسة الوزير محمود
стр. 2047
باشا بمدينة قسطنطينية، ثم أعطاه مدرسة السُّلطان أورخان الغازي بمدينة إزْنِيقْ، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأَدْرَنة، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم عيَّن له كلَّ يوم ثمانين درهمًا بطريق التقاعد، ثم جعله السُّلطان سليم خان قاضيًا بمدينة أَدْرَنة، ومات وهو قاضٍ بها سنة تسع عشرة وتسعمئة.
وأخذ العلم عنه المولى الفاضل الكامل، شيخ الإسلام، مفتي الأنام، سعد الله بن عيسى، الشهير بسعدي أفندي.
وكان ﵀ مشتغلًا بالعلم غاية الاشتغال بحيث لا يفارق عن حلِّ الدقائق ليلًا ونهارًا، وكان معرضًا عن مزخرفات الدنيا، وكان يستوي عنده الذَّهب والمدر، وكان يؤثر الفقراء على نفسه، حتى يختار لأجلهم الجوع والعري، وكان راضيًا بالعيش القليل، وكان محبته صادقة للصوفية.
له حواشٍ على "التلويح" للعلامة التَّفْتَازَانِي في الأصول، وحواش على "شرح المفتاح" للسيِّد الشَّريف، وحواش على "حاشية التجريد" للسيِّد الشَّريف.
* * *
[٧٧١ - المولى نور الدِّين القراصوي (١)]
العالم الفاضل، والعامل الكامل، جامع الفروع والأصول، ضابط المنقول والمعقول، عظيم القدر، جليل المحل، غزير العلم، كثير العمل، المولى نور الدِّين القَرَاصُوي.
كان عالمًا فاضلًا متخضعًا متخشِّعًا، متصلِّبًا في الشرع، قوَّالًا بالحقِّ، لا يخاف
стр. 2048
في الله لومة لائم، وكان صاحب هيبة وصولة، متشرِّعًا متورِّعًا، مرضيَّ السِّيرة، محمودَ السَّريرة، وكانت له طريقة حسنة في قضائه، وكان سيفًا من سيوف الله.
قرأ على علماء بلاده، واشتغل بالعلوم وحصَّل المباني، ثم وصل إلى خدمة المولى خطيب زاده، فأخذ عنه العلوم الشرعية والعقلية، ثم قرأ على المولى خواجه زاده، ثم وصل إلى خدمة المولى الفاضل سنان باشا، ولازم خدمته ولم يفارقه أبدًا إلى أن بلغ رتبة الفضل والكمال، وتولى التدريس حتى كان عنده حين نفي المولى المذكور عن البلدة، فذهب معه وقد مرَّ ذكره في الكتيبة السابقة.
ولما أعيد المولى سنان باشا إلى تدريس دار الحديث صار المولى نور الدِّين معيدًا لدرسه، ثم صار مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة السُّلطان بايزيد خان (١) بمدينة بروسا، ثم صار مدرِّسًا بمدينة أُسْكُوب، ثم صار مدرِّسًا بدار الحديث بمدينة أَدْرَنة، ثم بإحدى المدارس الثَّمان، (ثم عين له كل يوم ثمانون درهمًا بطريق التقاعد) (٢).
ثم جعله السُّلطان سليم خان قاضيًا بمدينة قسطنطينية، ثم صار قاضيًا بالعسكر بولاية آناطُولي، ثم بالعسكر المنصور بولاية روم إِيلِي، ثم عزله السُّلطان بايزيد خان عن ذلك، وأعطاه إحدى المدارس الثمان، وعين له كل يوم مئة وعشرين درهمًا.
ومات سنة سبع وعشرين وتسعمئة.
وكان أستاذنا أستاذ العصر المولى الفاضل السيِّد محمَّد بن عبد القادر من أعزَّة تلامذته، وصل إلى خدمته بعد المولى كمال باشا زاده، ومكث عنده مدة كثيرة، وأخذ عنه العلوم الشرعية والعقلية.
стр. 2049
وله نوادر غريبة ووقائع عجيبة، سمعناها من أستاذنا، لكن لا تفي بذكرها هذه الكتيبة.
وبالجملة كان (١) زمانه في قضائه من تواريخ الأيام.
وله كتاب في الفقه، جمع فيه مختارات المسائل، وسمَّاه "المرتضى"، وهو تصنيف لطيف كان في الطبقة العليا، وله رسالة متضمنة للأجوبة عن إشكالات المولى سيدي (٢) الحميدي، والمولى المزبور من تلامذة المولى علاء الدِّين العربي، مات قاضيًا بمدينة قسطنطينية سنة اثنتي عشرة وتسعمئة، وقد سبق ذكره قليلًا في أثناء ذكر المولى علاء الدِّين الجمالي.
وللمولى نور الدِّين مسجد وحجرات، وقبره قدام مسجده بقسطنطينية.
وصنف المولى سيدي القَرَامَاني رسالة متضمنة للأجوبة عن إشكالات المولى سيدي القراماني أيضًا، ولكن ليس هذا بذاك، فإنّ العلماء يرجحونها على رسالة المولى سيدي الحميدي.
وهو أيضًا من تلامذة المولى علاء الدِّين العربي، وصار معيدًا لدرسه، ثم صار مدرسًا ببلدة تُوقَاتْ، ثم بالمدرسة القلندرية بمدينة قسطنطينية، ثم بسلطانية بروسا، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم بمدرسة السُّلطان بايزيد خان بأَدْرَنة، ثم صار قاضيًا بمدينة بروسا، ثم بمدينة قسطنطينية، ثم صار قاضيًا بالعسكر المنصور بآناطُولي، ثم بولاية روم إِيلِي، ثم عزل عنه في أوائل سلطنة السُّلطان سليم خان، وجعل مدرسًا بإحدى المدارس الثَّمان، وعين له كل يوم مئة وعشرون درهمًا، ومات وهو مدرِّس بها، سنة ثلاث وعشرين وتسعمئة، ودفن عند دار النعيم التي بناها بقسطنطينية.
стр. 2050
وكان ذا شيبة عظيمة تتلألأ أنوار العلم والصلاح في جبينه.
وكان المولى العلامة شيخ الإسلام أبو السعود العمادي من تلامذته.
تولى المنصب بعدما وصل إلى خدمته، والمولى العلامة المذكور في الحقيقة تلميذ أبيه، أخذ العلوم كلها عنه، وبلغ بتربيته رتبة الكمال.
* * *
[٧٧٢ - المولى بالي الآيديني (١)]
العالم العامل، والفاضل الكامل، المقدَّم على الأقران، أعلم أهل الزمان المولى بالي الآيْدِيني.
اشتغل في العلم، فقرأ على علماء بلاده، ثم وصل إلى خدمة المولى خطيب زاده، ثم إلى خدمة المولى سنان باشا، فبلغ رتبة الفضل والكمال، ثم صار مدرسًا ببعض المدارس، ثم بمدرسة الوزير علي باشا بمدينة قسطنطينية، (ثم بإحدى المجاورتين بمدينة أَدْرَنة) (٢) ثم بإحدى المدارس الثَّمان، (ثم عيَّن له كل يوم ثمانون درهمًا بطريق التقاعد، ثم أضيف إليها عشرون فصار مئة) (٣).
ومات وهو مدرِّس بها سنة تسع وعشرين وتسعمئة، (ودفن عند مسجده بمدينة قسطنطينية.
стр. 2051
وله حجرات عند مسجده، عيَّنها للملازمين وطلبة الموالي (١) لو لم يوجد من الملازمين طالب) (٢).
ومن تلامذته المولى شيخ محمَّد بن إلياس الشَّهير بجوي زاده، والد المولى الفاضل الكامل، صدر الأهالي، محمَّد القاضي بالعسكر المنصور بروم إِيلِي اليوم.
وكان ﵀ يصرف جميع أوقاته في الاشتغال بالعلم، حتى إنه سقط عن فرسه وانكسرت رجله وكان مستلقيًا على ظهره مدة شهرين أو أكثر ولم يترك درسه في تلك المدة، وكان تأتي الطلبة إلى بيته وتقرأ عليه، وكان له مشاركة في جميع العلوم، وكان قادرًا على حلِّ غوامضها، قويَّ الحفظ جدًّا، وكانت له كتب كثيرة، وقف كلها على العلماء الصالحين.
وله أيضًا رسالة متضمنة للأجوبة عن إشكالات المولى سيدي الحميدي.
* * *
[٧٧٣ - عبد الحليم بن علي (٣)]
المولى الفاضل والعالم الكامل عبد الحليم بن علي.
كان من بلدة قَسْطَمُونِي، نشأ بها، واشتغل بالعلم الشريف، وقرأ على علماء البلاد، ثم وصل إلى خدمة المولى علاء الدِّين العربي، ولما مات المولى العربي ارتحل إلى البلاد الشَّامية ومصر، وقرأ على علمائها وحج، ثم سافر إلى بلاد العجم، وقرأ على علمائها.
стр. 2052
(قال صاحب "الشقائق": التحق ببلاد العجم بطائفة الصوفية، وتربى عند شيخ يقال له: شيخ المخدومي) (١).
ثم أتى (٢) إلى بلاد الروم، وسكن ببلدة قسطموني مدة، ثم إن السُّلطان سليم خان قبل جلوسه على سرير السلطنة طلبه، وجعله إمامًا لنفسه، وصاحب معه، فرأه متفننا في العلوم (متحلِّيًا بالمعارف) (٣)، وكان لذيذ الصحبة، طيب المحاورة (٤)، فلما جلس على سرير السلطنة نصَّبه معلِّمًا لنفسه، وعين له كل يوم مئتي درهم، وأعطاه قرى كثيرة، وصاحب معه ليلًا ونهارًا، وتقرب عنده، وحصلت له حشمة وافرة وجاه عظيم.
مات سنة اثنتين وعشرين وتسعمئة بدمشق، بعد قفول السُّلطان سليم خان من مصر إلى الشام.
(وكان معينًا للضعفاء والفقراء، كثير الإنعام، حتى كانت أيامه بكثرة إحسانه تواريخ الأيام) (٥)، ﵀ الملك العلَّام.
* * *
стр. 2053
[٧٧٤ - المولى سيد إبراهيم (١)]
المولى الفاضل، والعامل الكامل، الجامع بين علمي الشَّريعة والحقيقة، سلطان الفريقة وبرهان أهل الطريقة، ذو الحسب الباهر والنسب الطاهر، المولى سيد (٢) إبراهيم.
كان والده من سادات العجم، ارتحل إلى بلاد الروم، وتوطن في قرية من نواحي آمَاسْيَه يقال لها: قرية يَكِجَه.
قال صاحب "الشقائق": كان والد السيِّد إبراهيم من سادات العجم، وكان من أولياء الله تعالى وصاحب الكرامات السنية، (ينقل عنه كثير من خوارق العادات، ولم نتعرض لتفاصيلها خوفًا من الإطناب) (٣).
ومن جملة ذلك أنه ﵀ عمي في أواخر عمره، وكشف ولده المذكور عن رأسه (ذات يوم) (٤) وهو عنده، فقال: يا سيد إبراهيم لا تكشف عن رأسك، إنّما يضرك الهواء البارد، وقال له ابنه: كيف رأيته وأنت بهذه الحالة، قال: دعوت الله أن يريني وجهك، فمكنني من ذلك، فصادف نظري انكشاف رأسك، وقد كفَّ بصري الآن كما كان.
[ومنها أنّ السُّلطان بايزيد خان حين بني عمارته بآماسيه كان يلازمه ويستمد من دعائه، وقد أوصاه يومًا بعدم الإفراط في الصيد، فتركه أيامًا، ثم باشر الصيد، فافترق
стр. 2054
لأجله قطيعًا من الضباء فتركها ولم يرم بسهم، فسئل عن ذلك، فقال: إني رأيت أبي راكبًا على واحد منها، وكان السُّلطان بايزيد يدعوه بلفظ الأب، قال لي: أما نهيتك عن الصيد، فرجع السُّلطان بايزيد خان إلى منزله خائفًا من كلامه.
ونشأ المولى سيدي إبراهيم في حجر والده بعفاف وصلاح، ثم رحل لطلب العلم إلى مدينة بروسا، وقرأ هناك على جدي الإمام الشَّيخ سنان الدين، ولما التحق جدي بخدمة المشايخ الصوفية بقي هناك وهو معتكف بالجامع الكبير بمدينة بروسا.
قال ﵀: وقد تفقدني يومًا الشَّيخ سنان المذكور، وقال: اشتغل بتزكية النفس، وأوصاني بوصايا فوقع لي واقعة، رأيتني في (١) صورة طير أبيض أخضر الجناحين أحمر المنقارين، رأيتني أطير على العرش وعلى الكرسي وعلى السموات السبع، قال: ورأيت شجرة نابتة في الأرض وفروعها في السماء ولها غصن يمتد من المشرق إلى المغرب، قال: فوقفت على ذلك الغصن، ثم جاء الشَّيخ المذكور إلي، فحكيت له الواقعة ولم يعبرها، وقال: دم على الاشتغال.
وبعد أيام وقعت لي نادرة أخرى، رأيتني على حمار يجر زمامه على الأرض، مشدود على الحمار ظرف فيها خمر، وخلفي غلام مليح الوجه، وبيدي طنبور أضرب بها، فاشمأزت نفسي من هذه الواقعة، وحزنت من ذلك حزنا شديدًا عظيمًا.
قال: فجاء إليَّ الشَّيخ بعد أيام، فحكيت له الواقعة وحزني عليها، قال: لا تحزن، هذه الواقعة أحسن من الأولى؛ لأنَّ الخمر صورة الجذبة، والغلام صورة الروح، والطنبور صورة انجذاب إلى عالم القدس، إلا أنه لم يكن زمام الحمار بيدك، لا تقتدي أنت بأحد أصلًا، واشتغل بعد ذلك بالعلم ثم كفَّ.
стр. 2055
قال ﵀: وكان كما قال، ثم اشتغل بالعلم حتى وصل إلى خدمة المولى السَّامسوني، وعيَّنه لأهلية التدريس، فلم يقبل التدريس ورغب في خدمة المولى خواجه زاده وذهب إليه حال تدريسه بمدرسة إزنيق، وصار مدرِّسًا فيها بعد قضاء قسطنطينية، وصار في خدمته مدة كثيرة.
ثم استدعاه الوزير محمَّد باشا القراماني لتعليم ولده، فعلمه مدَّة، ثم صار معلِّمًا للسُّلطان، فوافقه ابن السُّلطان بايزيد خان في حياة السُّلطان محمَّد خان، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة مرزيفون، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة قره حصار، ثم بمدرسة مصطفى باشا بمدينة قسطنطينية، ثم بمدرسة السُّلطان بايزيدخان بمدينة أماسيه، وعين له كل يوم ثمانون درهمًا وفوض إليه أمر الفتوى هناك.
ثم ترك التدريس والفتوى وعين السُّلطان بايزيد خان في أواخر سلطنته كل يوم مئة درهم بطريق التقاعد، ولما جلس السُّلطان سليم خان على سرير السلطنة اشترى له دارًا في جوار مزار أبي أيوب الأنصاري ﵁.
(والآن هي وقف وقفها المولى المذكور على كلِّ من يكون مدرِّسًا في مدرسة أبي أيوب الأنصاري ﵁ (١). فسكن هناك إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين وتسعمئة، وقد تنيف من العمر على تسعين.
وكان ﵀ مجردًا لم يتأهل مدة عمره، وقصد أن يزوجه أبوه بالتماس بعض من توابعه، فوجدوا بنتًا من بنات الصلحاء، فأبرم عليه والده لنكاحها فأجاب لذلك رعاية لخاطر والده، ثم إنّ والده رجع عن هذا الإبرام، فسئل عن ذلك، فقال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: أعطاك الله تعالى ولدًا مثل إبراهيم، أما رضيت بهذا وطلبت له ولدًا.
стр. 2056
وكان ﵀ منقطعًا عن النّاس بالعلم والعبادة، وكان زاهدًا، وربما يستوي عنده الذهب والمدر، وكان ذا عفَّة وصلاح وديانة، وكان حسن الصَّمت، صاحب الأدب، ولم يره أحد حتى غلامه إلا جاثيًا على ركبتيه، ولم يضطجع أبدًا، وكان ينام جالسًا مع كبر سنه.
ومن عادته أنه لم يأمر أحدًا حتى مماليكه بشيء أصلًا، وربما يجد الكوز فارغًا ولا يقول لخادمه: املأه؛ حذرًا من الأمر، وكان يقول: ما صنعه من صنعه إلا للماء.
وكان حسن الشيبة تتلألأ أنوار العلم والعبادة والشرف والسيادة في وجهه الكريم] (١)، وكان طويل القامة، طيب المحاورة، حسن النادرة، (متواضعًا متخشعًا، يبجِّل الصَّغير كما يوفِّر الكبير، وبالجملة العجز عن مدحه.
وقد عمي في آخر عمره مدة، ثم عولج ففتح إحدى عينيه واكتفى بذلك إلى آخر عمره) (٢)، وكان يكتب الخط المليح جدًّا، وكان عنده الكتب المتداولة كلها كبارها وصغارها بخطه الشريف، وكان يجيئ (٣) المسجد (من العشاءين) (٤)، ويصلي الأوقات الخمسة بالجماعة.
قال صاحب "الشقائق": وقد ذهبت إليه في مرض موته، وهو قريب من الاحتضار، ففتح عينه وقال: إنَّ الله تعالى لطيف، لقد شاهدت من كرمه ولطفه ما يعجز عنه الواصف، ثم اشتغل بنفسه، ودعوت له وذهبت. ومات في تلك الليلة، ودفن عند جامع أبي أيوب الأنصاري.
стр. 2057
وكان واحد (١) من الطلبة في زمانه يطيل لسانه عليه في غيبته، وكان ذلك الرجل (٢) خبيث النفس جدًّا، فأخبر هو مرارًا وسكت، وذكر عنده ذلك (٣) يومًا، فقال: هل يتحرك لسانه الآن؟ فاعتقل لسان ذلك الرجل (٤) في تلك الليلة، ولم ينحل إلى أن مات.
* * *
[٧٧٥ - المولى نور الدِّين محمود (٥)]
العالم العامل، المولى نور الدِّين محمود بن الشَّيخ محمَّد.
كان إمامًا للسلطان بايزيد خان بعد جلوسه على سرير السَّلطنة، بتربية المولى معرف، ثم صار قاضيًا بمدينة بروسا، (وصار قاضيًا) (٦) مدة عشر سنين أو أكثر، ثم أعطاه السُّلطان بايزيد خان قضاء العسكر بولاية آناطُولي سنة إحدى عشرة وتسعمئة، ثم عزله عنه، وعيَّن له كل يوم مئة درهم، ومات بعد زمان يسير.
كان كريم النفس، (حميد الأخلاق، محبًّا للعلماء والصلحاء) (٧)، وله نظم بالتركية، سمَّاه "المحمودية"، نظيره "الكتاب المحمدية"، قال صاحب "الشقائق": إِنَّ "المحمودية" نظم نازل الدَّرجة.
стр. 2058
[٧٧٦ - المولى خليلي (١)]
العالم العامل المولى خليل، الشهير بخليلي.
كان ﵀ مدرسًا ببعض المدارس، ثم صار مدرسًا بإحدى المدارس الثَّمان، ثم أعطاه السُّلطان بايزيد خان مدرسة بمدينة أَدِرْنَة، ثم أعطاه قضاء العسكر بولاية آنَاطُولِي، ثم بولاية روم إِيلِي، ومات على تلك الحال في أوائل سلطنة السُّلطان سليم خان في أثناء العشر والعشرين وتسعمئة.
(وكان حليمًا كريمًا محبًّا للخير متواضعًا.
قال صاحب "الشقائق": إلا أنه كان يغلب عليه الغفلة في أكثر أحواله) (٢)، ﵀.
* * *
[٧٧٧ - المولى زِيْرَك (٣)]
العالم الفاضل، والعارف الكامل، المولى ركن الدِّين بن المولى الفاضل زِيْرَك محمَّد.
مات والده وهو صغير، وتعلم العلم، وحصل مباني العلوم في مدينة بورسا على طلبة الموالي، ثم قرأ على المولى سنان باشا، وعلى المولى خواجه زاده (وعلى المولى خطيب زاده) (٤)، فبلغ رتبة الفضل والكمال، إلا أنه كان غير منقطع عن أخذ العلوم عن أفواه الرجال.
стр. 2059
أعطاه السُّلطان محمَّد خان مدرسته الواعظية بمدينة بروسا، وكان يدرس بها ويقرأ على المولى درويش محمَّد بن خضر شاه، وهو مدرس بسلطانية بروسا، وكان له حجرة في تلك المدرسة يسكن فيها في بعض الأوقات.
(قال صاحب "الشقائق": قرأ والدي على المولي دريوش بن خضر شاه، وكان مدرِّسًا بسلطانية بروسا، وكان يحكي من فضائله وزهده وتقواه ما لا يمكن وصفه، قال: وكان يلبس عباه ويلف رأسه بشملة، ويذهب من بيته إلى المدرسة ماشيًا.
قال) (١): ولما مرَّ السُّلطان محمَّد خان بمدينة بروسا لقصد محاربة السُّلطان حسن الطويل سلَّم عليه المولى المذكور، ثم رجع، قال: (وقال السُّلطان محمَّد) (٢) وكان جهوري الصَّوت: أليس هذا درويش محمد؟ قال الوزير محمود باشا: بلى هو ذاك، قال السُّلطان محمَّد خان للوزير محمود باشا (٣): أدركه خلفه (٤)، وأوصاه بالدعاء، وكان مجاب الدعوة، (وكان مشهورًا بذلك عند الناس، وكانوا يتبركون بأنفاسه) (٥).
وكان عادته أنه يحلق رأسه في السنة مرة واحدة، واختار لذلك يوم عاشوراء، وكان الناس يجتمعون في ذلك اليوم على بابه، ويأخذون من شعره، ويداوون به (٦)
стр. 2060
المرضى، (قال: وربما يجيئ بعض الناس وهو في الدَّرس يلتمس من شعره لأجل المرضى، وكان يكشف لهم رأسه فيأخذون من شعره) (١)، وقد سقط في آخر عمره من السطح، ومات رحمة الله عليه (٢)، انتهى.
(ثم أعطاه السُّلطان محمَّد خان مدرسة بن كَرْمِيَان في بلدة كُوتَاهْيَه، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة قَبْلُوجَه بروسا، ثم بمدرسة إِزْنِيقْ، ثم بمدرسة سلطانية بروسا، ثم أعطاه السُّلطان بايزيد خان مدرسته بأَمَاسْيَه، وفوَّض إليه أمر الفتوى هناك، ثم أعيد إلى سلطانية بروسا، ثم بمرادية بروسا) (٣).
صار قاضيًا بمدينة أدْرَنة، (ثم بمدينة قسطنطينية) (٤)، ثم صار قاضيًا بالعسكر بولاية آنَاطُولِي، ثم بالعسكر المنصور بولاية روم إِيلِي، ثم أرسله السُّلطان سليم خان إلى السُّلطان الغوري رسولًا من قبله إليه، ثم عاد إلى منصبه، ودام على ذلك مدة، ثم عزل عنها سنة أربع وعشرين وتسعمئة، وعين له كل يوم مئة درهم، ثم زاد عليها ثلاثين درهمًا.
ومات سنة تسع وثلاثين وتسعمئة.
* * *
стр. 2061
[٧٧٨ - المولى سعدي بن النَّاجي بك (١)]
العالم الفاضل، والبارع الكامل، المولى سعدي بن النَّاجي بك، أخو المولى جعفر، الشهير بناجي زاده.
قرأ مباني العلوم، وحصَّل الاستعداد، ثم وصل إلى خدمة المولى قاسم، الشهير بقاضي زاده، والمولى ابن الحاج حسن، ونال ما نال، وبلغ مبلغ الفضل والكمال، حتى اشتهر بالفضيلة والكمال (٢) في الآفاق، وصار مدرِّسًا بالاستحقاق أولًا بمدرسة قَبْلُوجَه بروسا، (ثم بمدرسة الوزير علي باشا بقسطنطينية) (٣)، ثم بإحدى المدارس الثَّمان، ثم حج البيت العتيق، ورزق الهداية والتوفيق، فعين له بعده ثمانون درهمًا.
مات سنة اثنتين وعشرين وتسعمئة.
(وكان صالحًا، كريم النَّفس، حميد الخصال، صادق القول، قال صاحب "الشقائق": كان الوالد ﵀ يقول في حقِّه: لو قلت: إنه لم يكذب مدة عمره لما كذبت) (٤).
وله قصائد بالعربي أجاد فيها كل الإجادة، وله حواش على "شرح المفتاح" للسيِّد الشَّريف، وحاشية على باب الشهيد من "شرح الوقاية" لصدر الشَّريعة، وقد نظم "العقائد النَّسفية" بالعربية نظمًا بليغًا، وله غير ذلك من الرسائل والفوائد.
* * *
стр. 2062
[٧٧٩ - المولى جعفر جلبي (١)]
وأما أخوه المولى الفاضل جعفر جلبي فهو أيضًا اشتهر بالفضائل في الآفاق، ووصل إلى خدمة المولى ابن الحاج حسن (والمولى (٢) القسطلاني) (٣) ثم صار مدرِّسًا بمدرسة الوزير محمود باشا بمدينة قسطنطينية، أعطاه السُّلطان بايزيد خان موقعًا بالديوان العالي، فسلك مسلك الأمراء، وعاش في ظل حمايته بدولة وافرة وحشمة متكاثرة.
ثم أصابته عين الزمان (٤)، وانتهب داره، وعزل عن منصبه (٥) في أواخر سلطنة السُّلطان بايزيد خان، بسبب زلَّة وقعت عنه، فتكدَّر بها خاطر العالم الفاضل، والفاضل الكامل) (٦)، مصلح الدِّين بن المولى خليل طاش كبري، فدعا عليه بسوء، وليس هذا محل (٧) (ذكرها، فتجاوز الله عنه.
وعين له كل يوم مئة درهم بطريق التقاعد فلم يقبل) (٨)، ولما جلس السُّلطان سليم خان على سرير السلطنة أضاف إليها قضاء بعض البلاد، فقبلها، ثم جعله موقعًا بالديوان العالي ثانيًا، ثم جعله قاضيًا بالعسكر بولاية آنَاطُولي، ثم قتله لأمر أوجب ذلك.
وله نظم في غاية الحسن، ومنشآت كثيرة مقبولة عند أهلها.
стр. 2063
[٧٨٠ - قره كمال (١)]
العالم الفاضل، العامل الكامل، عالم الفروع والأصول، وضابط المعقول والمنقول، المولى كمال الدِّين إسماعيل القَرَامَاني، الشهير بقَرَه كمال.
كان عالما فاضلًا، اشتغل في العلم، وبلغ رتبة الكمال، ثم وصل إلى خدمة المولى الخيالي، ثم أخذ إلى خدمة المولى خسرو، ثم صار مدرسًا ببعض المدارس، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بمدينة أدْرَنة، وكان القاضي بها وقتئذ عبد الرَّحمن بن المؤيد، فوقع بينهما خلاف في مسألة، وأصرَّ المولى كمال الدِّين على الخلاف، وتكدَّر عليه لذلك خاطر المولى ابن المؤيد، ولما صار ابن المؤيد قاضيًا بالعسكر عزله عن التدريس، وعيَّن له كل يوم ستين درهمًا بطريق التقاعد، فشكر المولى عليه، ورضي بما فعله، ولازم بيته، واشتغل بالعلم والعبادة إلى أن مات.
وله "حواشي الكشَّاف"، و "حواشي تفسير البيضاوي"، وحواش على "شرح الوقاية" لصدر الشَّريعة، وحواش على "حاشية شرح العقائد" للخيالي، وحواش على "شرح المواقف" للسيِّد الشَّريف، وغير ذلك.
* * *
стр. 2064
[٧٨١ - المولى محيي الدِّين محمَّد شاه (١)]
المولى الفاضل المحقق، والبارع الكامل المدقِّق، جامع العلوم، والمبرَّز في المعقول والمفهوم، المولى محيي الدِّين محمَّد شاه بن المولى علي (بن المولى) (٢) يوسف بالي بن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، روَّح الله أرواحهم.
ولد المولى المزبور في أيام سلطنة السُّلطان محمَّد خان، وكان والده المولى علي الفَنَاري وقتئذ قاضيًا بالعسكر، (٣) عين له السُّلطان محمَّد خان يوم ولادته كلَّ يوم ثلاثين درهمًا، ونشأ في حجر الفضل والرئاسة، وغذي بالعلم، وحمل على أكتاف الأئمة، واشتغل بالعلم.
وعلمه أبوه في صباه، وتعلم العلم والأدب وفاق أقرانه، بعد وفاة والده قرأ على المولى خطيب زاده، وجعل السُّلطان بايزيد خان (وظيفته كل يوم خمسين درهمًا، ثم قرأ على المولى معرف زاده، ثم أعطاه السُّلطان بايزيد خان) (٤) مدرسة مناستر بروسا، وعين له كل يوم خمسين درهمًا، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم أعطاه السُّلطان سليم خان قضاء بروسا، ثم جعله قاضيًا بقسطنطينية، ثم جعله قاضيًا بالعسكر ببلاد العرب، ثم قاضيًا بأَدْرَنة، ثم بالعسكر المنصور بولاية آنَاطُولِي، ثم بولاية روم إِيلِي.
ومات وهو قاضٍ بالعسكر بولاية روم إيلي، سنة تسع وعشرين وتسعمئة، ودفن عند قبر جده ببروسا.
стр. 2065
له حواشي على "شرح الفرائض" للسيِّد الشَّريف، وحواشٍ على أوائل "شرح الوقاية" لصدر الشَّريعة، (وحواشٍ على "شرح المواقف" للسيِّد الشَّريف) (١).
قال صاحب "الشقائق": (كان صاحب أخلاق حميدة، وطبع زكي، ووجه بهي، وكرم وفي، وكان ذا عشرة حسنة) (٢)، مات وهو شاب، ولو عاش لظهرت منه تأليفات وحالات (٣) لطيفة ﵀ (٤).
* * *
[٧٨٢ - المولى خير الدِّين (٥)]
المولى العالم العامل الكامل، خير الدِّين، معلم السُّلطان سليمان خان الغازي.
كان من ولاية قَسْطَمُوني، اشتغل في العلوم، ثم وصل إلى خدمة المولى أخي يوسف، ثم إلى خدمة المولى مصطفى التركي، ثم صار معلِّمًا للسلطان سليمان خان الغازي، ووقع عنده محلَّ القَبول، وحصَّل حشمة وافرة، وجاهًا رفيعًا، بحيث ازدحم العلماء والفضلاء على بابه، وكذا الأكابر والأعيان، ومع ذلك لم يتبدل (٦) ما في طبعه من التواضع والكرم والتلطف بالفقراء والمساكين.
(وربي كثيرًا من أفاضل الطَّلبة، وأقرأهم بيوميات يسيرة، ونالوا بها
стр. 2066
المراتب العليَّة والأموال الكثيرة، وأكثر أفاضل الزمان وصلوا إلى خدمته، ثم نالوا المناصب العالية) (١).
مات ﵀ على أتم العزِّ والعيش الرَّغيد، وعظيم الجاه، سنة خمسين وتسعمئة، ودفن عند جدار أبي أيوب الأنصاري.
* * *
[٧٨٣ - المولى محيي الدِّين جلبي (٢)]
العالم العامل الزَّاهد الورع، والفاضل الكامل البارع المتورع، النِّحرير المتقن الفقيه، والحبر المحقق (٣) المدقق النَّبيه، ذو الفضل الجليل، عديم النظير، فقيد المثيل، المولى محيي الدِّين جلبي محمَّد بن علي بن يوسف بالي بن المولى الفَنَاري، أخو المولى محمَّد شاه، السَّابق الذِّكر ﵀ (٤).
هو أيضًا مثل أخيه، قرأ (في سن الطفولية) (٥) على أبيه المولى علي بن الفَنَاري، وقرأ بعد وفاة والده على المولي خطيب زاده، وقد ذكرناهما في ذكر أبيهما وذكر المولى خطيب زاده (في الكتيبة السابقة) (٦).
стр. 2067
ثم أخذ العلم عن المولى أفضل زاده (١)، عن المولى يَكَان، عن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، عن الشَّيخ أكمل الدِّين، عن الشَّيخ الإمام قوام الدِّين الكاكي، عن الإمام السِّغْنَاقِي صاحب "النهاية"، عن الشَّيخ الإمام حافظ الدِّين الكبير البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن شيخ الإسلام برهان الدِّين صاحب "الهداية" عن نجم الدِّين النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُواني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف، وهذا أحد الطرق.
ثم صار المولى المزبور مدرِّسًا بمدرسة الوزير علي باشا بقسطنطينية، ثم بسلطانية بروسا، ثم بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بأَدْرَنة، ثم (٢) بقسطنطينية، ثم صار قاضيًا بالعسكر المنصور في ولاية آنَاطُولي، ثم بولاية روم إِيلِي، ومكث في قضائه بالعسكر مدة خمس عشرة سنة، ثم عزل، وعيَّن له كل يوم (مئة وخمسون) (٣) درهمًا، ثم أضيف إلى ذلك خمسون درهمًا أخرى (٤)، فصارت وظيفته (٥) كل يوم مئتي درهم.
ثم صار مفتيًا بقسطنطينية بعد تقاعد المولى قدري قادري عن الفتوى في سنة ثمان وأربعين وتسعمئة، ثم ترك الفتوى في سنة إحدى وخمسين وتسعمئة، وفوض أمر الفتوى إلى العلامة أبي السعود العمادي ﵏، وعين له كل يوم ما يتبادرهم
стр. 2068
أيضًا (١)، واشتغل بإقراء التفسير والتصنيف فيه، إلا أنه لم يوفق بالتكميل، فمات سنة أربع وخمسين وتسعمئة، ودفن بجوار جامع أبي أيوب الأنصاري ﵁، وقد قرب (٢) عمره الثمانين.
قرأ عليه كثير من أفاضل الزمان، وأخذوا عنه، منهم المولى أستاذنا العلامة السيِّد محمَّد بن عبد القادر، وكان ﵀ عالمًا فاضلًا (تقيًّا نقيًّا ورعًا متورعًا صالحًا محبًّا للفقراء والصلحاء، وكان جريء الجنان طليق اللسان، ذا مهابة ووجاهة، يستوي عنده الصَّغير والكبير في إجراء الشرع، وكان) (٣) لا يخاف في الله لومة لائم.
وبالجملة كان ﵀ علَّامة في الفتوى (٤)، وآية كبرى في التَّقوى، (وكان زاهدًا، محترزًا عن حقوق العباد غاية الاحتراز، حتى إنه كان لغاية احتياطه ربما ينتهي إلى حد الوسوسة في معاملاته مع الناس) (٥).
وله حاشية على أوائل "شرح الوقاية" الصدر الشَّريعة، وكلمات متعلقة بـ "الهداية"، وتعليقات على "حواشي الهداية"، و "حواشي المفتاح" للسيِّد الشَّريف، ورسالة أخرى متعلِّقة ببعض المواضع من الأصول والفروع والتفسير والحكايات العجيبة، ووقائعه الغريبة لا تضبطها هذه الكتيبة، فعلينا (٦) أن نذكر بعضًا منها.
من جملتها أنه كان يومًا بالديوان العالي استمع بقضية، فحلَّ محل الحكم،
стр. 2069
فأخر في الحكم لكي تنكشف حقيقة القضية غاية الانكشاف، وكانت تلك القضية معلومة للوزير إبراهيم باشا المقتول، فقال الوزير: يا مولانا هذه صحيحة، وأنا أشهد بها، وليست محل التأخير، فقال: شهادتك غير مقبولة عند الشرع، فاشمأزَّ الوزير قال: ولأي شيء لا تقبل شهادتي؟! قال: لأنك عبد غير معتوق، فقام الوزير، ودخل على السُّلطان، وكانت له منزلة عظيمة عند السُّلطان سليمان خان، فشكى إليه وبكى، وقال: خلدك الله أيها السُّلطان إنّ المولى ابن الفَنَاري هتك عرضي وحرمتي في الديوان العالي، وقال كذا وكذا، وعرض عبيدك الوزراء عرض هذا الجناب العالي، فقال السُّلطان سليمان الغازي عليه الرحمة من الباري: يا إبراهيم هذا أمر مشروع، والمولى المزبور قوَّال بالحقِّ، متصلِّب في الدِّين، لا يداهن أحدًا أبدا، وهذا شأن العلماء الربَّانيين، وأنا أخاف منه، أما أنت فقد أعتقتك اليوم، فاذهب أنت وقل له: أعتقني السُّلطان، تقبل.
فرجع وجاء إلى الديوان العالي (١)، وقال: أيها المولى أعتقني السُّلطان تقبل شهادتي؟ قال لا، قال: ولأي شيء؟ قال: هذا ادعاء، ولا بدَّ من إقرار السُّلطان عندي أو البيِّنة، فدخل المولى المزبور لعرض القضايا على السُّلطان، فأقرَّ بالعتق، وكتب المولى المزبور كتاب عتق ذلك الوزير، وأعطاه في غد اليوم بمحضر الأركان في الديوان العالي، وقال: خذ هذا كتاب عتاقتك، فالآن تقبل شهادتك، وهذا أغرب جرأة من الأول.
فتكدَّر خاطر الوزير بعد هذا على المولى المزبور، والتهب (يفور غيظه) (٢)، وكان يتميز من غيظه، وبعد ذلك قصد الوزير المزبور أن يكافئ المولى العارف المذكور،
стр. 2070
فعرض على السُّلطان سليمان خان الغازي يومًا، وقال: إنّ قضاة العساكر أيدهم الله وأدام معاليهم وزاد بالبر فضائلهم لو اجتمعوا معنا على سماط واحد في الديوان العالي لكان أدخل في مشاورة واقعات الدِّين، ولكان أسهل في إتمام مصالح المسلمين، (ويكون زينة للأركان ومهابة لأهل الديوان) (١).
وكان قديمًا على هذا المنوال، فسمع كلام الوزير على التفصيل والإجمال، وأمر على مقتضى مرامه، وبعد غد دعا المولى المزبور إلى سماط الوزراء، فلم يجب، وقال: أنا صائم، وجاء قرينه المولى الفاضل قادري جلبي القاضي بالعسكر المنصور بولاية آنَاطُولي، فأكل الطعام معهم والمولى محيي الدِّين جلبي قاعد في مقامه، وبعد غد دعي أيضًا فلم يجب، وقال: أنا صائم، إلى أن مضى تمام شهرين بعد اللَّتَيَّا والَّتي وقف السُّلطان على تصلبه وثباته، فعين سماطهما أيضًا كما في الأول فخجل الوزير المزبور. ومناقبه الشريفة لا تفي بذكرها هذه الكتائب.
* * *
[٧٨٤ - المولى عذاري الكرماني (٢)]
العالم الفاضل، والبارع الكامل، قاسم، الشهير بالمولى عذاري الكَرْماني.
اشتغل في العلوم، ثم وصل إلى خدمة المولى عبد الكريم، ثم صار مدرِّسًا ببلدة آمَاسْيَه، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة أبي أيوب الأنصاري ﵁، (وعيَّن له