المراتب العليَّة والأموال الكثيرة، وأكثر أفاضل الزمان وصلوا إلى خدمته، ثم نالوا المناصب العالية) (١).
مات ﵀ على أتم العزِّ والعيش الرَّغيد، وعظيم الجاه، سنة خمسين وتسعمئة، ودفن عند جدار أبي أيوب الأنصاري.
* * *
[٧٨٣ - المولى محيي الدِّين جلبي (٢)]
العالم العامل الزَّاهد الورع، والفاضل الكامل البارع المتورع، النِّحرير المتقن الفقيه، والحبر المحقق (٣) المدقق النَّبيه، ذو الفضل الجليل، عديم النظير، فقيد المثيل، المولى محيي الدِّين جلبي محمَّد بن علي بن يوسف بالي بن المولى الفَنَاري، أخو المولى محمَّد شاه، السَّابق الذِّكر ﵀ (٤).
هو أيضًا مثل أخيه، قرأ (في سن الطفولية) (٥) على أبيه المولى علي بن الفَنَاري، وقرأ بعد وفاة والده على المولي خطيب زاده، وقد ذكرناهما في ذكر أبيهما وذكر المولى خطيب زاده (في الكتيبة السابقة) (٦).
стр. 2067
ثم أخذ العلم عن المولى أفضل زاده (١)، عن المولى يَكَان، عن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، عن الشَّيخ أكمل الدِّين، عن الشَّيخ الإمام قوام الدِّين الكاكي، عن الإمام السِّغْنَاقِي صاحب "النهاية"، عن الشَّيخ الإمام حافظ الدِّين الكبير البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن شيخ الإسلام برهان الدِّين صاحب "الهداية" عن نجم الدِّين النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُواني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف، وهذا أحد الطرق.
ثم صار المولى المزبور مدرِّسًا بمدرسة الوزير علي باشا بقسطنطينية، ثم بسلطانية بروسا، ثم بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بأَدْرَنة، ثم (٢) بقسطنطينية، ثم صار قاضيًا بالعسكر المنصور في ولاية آنَاطُولي، ثم بولاية روم إِيلِي، ومكث في قضائه بالعسكر مدة خمس عشرة سنة، ثم عزل، وعيَّن له كل يوم (مئة وخمسون) (٣) درهمًا، ثم أضيف إلى ذلك خمسون درهمًا أخرى (٤)، فصارت وظيفته (٥) كل يوم مئتي درهم.
ثم صار مفتيًا بقسطنطينية بعد تقاعد المولى قدري قادري عن الفتوى في سنة ثمان وأربعين وتسعمئة، ثم ترك الفتوى في سنة إحدى وخمسين وتسعمئة، وفوض أمر الفتوى إلى العلامة أبي السعود العمادي ﵏، وعين له كل يوم ما يتبادرهم
стр. 2068
أيضًا (١)، واشتغل بإقراء التفسير والتصنيف فيه، إلا أنه لم يوفق بالتكميل، فمات سنة أربع وخمسين وتسعمئة، ودفن بجوار جامع أبي أيوب الأنصاري ﵁، وقد قرب (٢) عمره الثمانين.
قرأ عليه كثير من أفاضل الزمان، وأخذوا عنه، منهم المولى أستاذنا العلامة السيِّد محمَّد بن عبد القادر، وكان ﵀ عالمًا فاضلًا (تقيًّا نقيًّا ورعًا متورعًا صالحًا محبًّا للفقراء والصلحاء، وكان جريء الجنان طليق اللسان، ذا مهابة ووجاهة، يستوي عنده الصَّغير والكبير في إجراء الشرع، وكان) (٣) لا يخاف في الله لومة لائم.
وبالجملة كان ﵀ علَّامة في الفتوى (٤)، وآية كبرى في التَّقوى، (وكان زاهدًا، محترزًا عن حقوق العباد غاية الاحتراز، حتى إنه كان لغاية احتياطه ربما ينتهي إلى حد الوسوسة في معاملاته مع الناس) (٥).
وله حاشية على أوائل "شرح الوقاية" الصدر الشَّريعة، وكلمات متعلقة بـ "الهداية"، وتعليقات على "حواشي الهداية"، و "حواشي المفتاح" للسيِّد الشَّريف، ورسالة أخرى متعلِّقة ببعض المواضع من الأصول والفروع والتفسير والحكايات العجيبة، ووقائعه الغريبة لا تضبطها هذه الكتيبة، فعلينا (٦) أن نذكر بعضًا منها.
من جملتها أنه كان يومًا بالديوان العالي استمع بقضية، فحلَّ محل الحكم،
стр. 2069
فأخر في الحكم لكي تنكشف حقيقة القضية غاية الانكشاف، وكانت تلك القضية معلومة للوزير إبراهيم باشا المقتول، فقال الوزير: يا مولانا هذه صحيحة، وأنا أشهد بها، وليست محل التأخير، فقال: شهادتك غير مقبولة عند الشرع، فاشمأزَّ الوزير قال: ولأي شيء لا تقبل شهادتي؟! قال: لأنك عبد غير معتوق، فقام الوزير، ودخل على السُّلطان، وكانت له منزلة عظيمة عند السُّلطان سليمان خان، فشكى إليه وبكى، وقال: خلدك الله أيها السُّلطان إنّ المولى ابن الفَنَاري هتك عرضي وحرمتي في الديوان العالي، وقال كذا وكذا، وعرض عبيدك الوزراء عرض هذا الجناب العالي، فقال السُّلطان سليمان الغازي عليه الرحمة من الباري: يا إبراهيم هذا أمر مشروع، والمولى المزبور قوَّال بالحقِّ، متصلِّب في الدِّين، لا يداهن أحدًا أبدا، وهذا شأن العلماء الربَّانيين، وأنا أخاف منه، أما أنت فقد أعتقتك اليوم، فاذهب أنت وقل له: أعتقني السُّلطان، تقبل.
فرجع وجاء إلى الديوان العالي (١)، وقال: أيها المولى أعتقني السُّلطان تقبل شهادتي؟ قال لا، قال: ولأي شيء؟ قال: هذا ادعاء، ولا بدَّ من إقرار السُّلطان عندي أو البيِّنة، فدخل المولى المزبور لعرض القضايا على السُّلطان، فأقرَّ بالعتق، وكتب المولى المزبور كتاب عتق ذلك الوزير، وأعطاه في غد اليوم بمحضر الأركان في الديوان العالي، وقال: خذ هذا كتاب عتاقتك، فالآن تقبل شهادتك، وهذا أغرب جرأة من الأول.
فتكدَّر خاطر الوزير بعد هذا على المولى المزبور، والتهب (يفور غيظه) (٢)، وكان يتميز من غيظه، وبعد ذلك قصد الوزير المزبور أن يكافئ المولى العارف المذكور،
стр. 2070
فعرض على السُّلطان سليمان خان الغازي يومًا، وقال: إنّ قضاة العساكر أيدهم الله وأدام معاليهم وزاد بالبر فضائلهم لو اجتمعوا معنا على سماط واحد في الديوان العالي لكان أدخل في مشاورة واقعات الدِّين، ولكان أسهل في إتمام مصالح المسلمين، (ويكون زينة للأركان ومهابة لأهل الديوان) (١).
وكان قديمًا على هذا المنوال، فسمع كلام الوزير على التفصيل والإجمال، وأمر على مقتضى مرامه، وبعد غد دعا المولى المزبور إلى سماط الوزراء، فلم يجب، وقال: أنا صائم، وجاء قرينه المولى الفاضل قادري جلبي القاضي بالعسكر المنصور بولاية آنَاطُولي، فأكل الطعام معهم والمولى محيي الدِّين جلبي قاعد في مقامه، وبعد غد دعي أيضًا فلم يجب، وقال: أنا صائم، إلى أن مضى تمام شهرين بعد اللَّتَيَّا والَّتي وقف السُّلطان على تصلبه وثباته، فعين سماطهما أيضًا كما في الأول فخجل الوزير المزبور. ومناقبه الشريفة لا تفي بذكرها هذه الكتائب.
* * *
[٧٨٤ - المولى عذاري الكرماني (٢)]
العالم الفاضل، والبارع الكامل، قاسم، الشهير بالمولى عذاري الكَرْماني.
اشتغل في العلوم، ثم وصل إلى خدمة المولى عبد الكريم، ثم صار مدرِّسًا ببلدة آمَاسْيَه، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة أبي أيوب الأنصاري ﵁، (وعيَّن له
стр. 2071
كلَّ يوم مئة درهم) (١)، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بمدينة أدْرَنة، ثم بإحدى المدارس الثَّمان، ومات وهو مدرس بها في سنة إحدى وتسعمئة.
وكان شديد الذَّكاء، نظَّارًا، فارسًا في البحث، (سليم الطَّبع، قوي الفطنة، وله الحدس الصَّائب والذِّهن الثَّاقب) (٢).
روي أنه كان يدرس كلَّ يوم سطرين أو ثلاثة أسطر، وكان يجري فيها جميع قواعد العلوم الآلية (٣) على الترتيب، وسائر ما يتعلق في هذا البحث تفصيلًا وإجمالًا، ويتكلَّم على قواعد المناظرة، ويدفع ما أشكل على الطلبة على أحسن الوجوه، ثم يحقق المقام تحقيقًا واضحًا، مثل الشمس على وسط النهار.
قال صاحب "الشقائق": إذا جاء يوم العطلة يذهب مع الطلبة إلى بعض المتنزهات في أيام الصيف، وفي أيام الشتاء يجتمعون في بيته، ويباحث معهم إلى حضور الطعام، وبعد الطعام يشتغلون باللطائف، وسمعت من بعض طلبته أنه قال: ينحل في أثناء تلك المباحثات من المواضع المشكلة ما لا ينحل في الدرس.
وله أجوبة عن "السبع الشداد"، (وقد ذكرنا في ذكر المولى لطفي في أثناء ذكر المولى العلامة كمال باشا زاده) (٤) وله أشعار لطيفة على لسان الفارسية والتركية.
[وكان ابن أخت مولانا شيخي الشاعر ناظم "كتاب قصة خُسْرَو وشيرين"، والمولى شيخي كان من بلاد كرمان، قرأ على علماء عصره، ثم وصل إلى خدمة الشَّيخ العارف بالله الحاج بيرام الأنقروي، وحصل عنده طريقة الصوفية، ونال ما نال.
стр. 2072
وكان على زي الفقراء، وكان ذميم الخلقة، عليل العينين، حكي أنه كان يصنع الكحل (١) ويبيع للطالبين، فاشترى منه واحد يومًا كحلًا بدرهم ورأى المشتري أنّ عينيه عليلة فأعطاه درهمين، وقال: هذا ثمن كحلك، وهذا الآخر اشترِ به أنت أيضًا كحلًا وكحِّل به عينك. فاستحسن المولى الشَّيخ هذا الكلام وكان كثيرًا ما يذكره ويضحك. تقاعد في وطنه قريبًا من كوتاهيه، وكان قبره بها ﵀] (٢).
* * *
المتفرقات من رجال الكتيبة الحادية والعشرين من كتائب أعلام الأخيار
[٧٨٥ - مؤيد زاده (٣)]
المولى الفاضل المحقِّق، والعالم العامل المدقِّق، بحر العلوم، قَمْقام المعقول والمفهوم، شيخ الفنون الأدبية، إمام العلوم العربية، علامة في المعاني والبيان، فريد ماهر في التحقيق والتبيان، الأستاذ الكبير، الجليل (٤) القدر، العديم النظير في الفقه والأصول والحديث والتَّفسير، صاحب الفصاحة والبلاغة، ذو اليد الطولى في النظم والنثر والإنشاء والإملاء، عبد الرَّحمن بن علي بن مؤيد الأَمَاسِي، المشتهر بمؤيد زاده.
ولد بأَمَاسْيَه، في صفر سنة ستين وثمانمئة، ونشأ على تحصيل الفضل والكمال، في عيشٍ رغيدٍ، وزمان سعيد، وكان أبوه وجده من أكابر بلدة أمَاسْيَه ومرجع أهاليها،
стр. 2073
ثم صحب عنوان شبابه السُّلطان بايزيد خان، وهو إذ ذاك كان أميرًا على بلدة أَمَاسْيَه.
وحصَّل عنده منزلة عظيمة، وحسده الحاسدون، ووشى به المفسدون إلى أبيه السُّلطان محمَّد خان، فأمر بقتله، فأخبر به السُّلطان بايزيد خان قبل وصول أمر أبيه إليه، فتدارك (١) في أمره بالتعجيل، فأخرجه خفية إلى سواء السبيل، وأرسله إلى البلاد الحلبية، وأعطاه عشرة آلاف درهم وآلات السفر وأفراس بهية، وكان دخوله إلى البلاد الحلبية سنة إحدى وثمانين وثمانمئة، وكان تلك البلاد في ذلك الزمان في أيدي الجراكسة، فأقام (٢) المولى المزبور هناك مدة يسيرة.
وقرأ على بعض علمائها "كتاب المفصَّل في النحو "للعلامة الزَّمَخْشَري، وقصد أن يقرأ العلوم العقلية ولم يجد من يفيده ذلك، فأراد أن يذهب إلى بلاد أخر، فنصحه بعض تجار العجم، وقال: عليك أن تذهب إلى المولى جلال الدِّين الدواني ببلدة شيراز فهو كذا وكذا، (وكان قد سمع بعض أوصافه أولًا) (٣)، فخرج مع تجار العجم في السنة المذكورة إلى بلدة شيراز، ووصل إلى خدمة المولى (جلال الدِّين، وقد ذكر في ذكر خواجه زاده في ذكر "كتاب التهافت") (٤)، وبقي عنده مدة كثيرة (٥)، وأخذ عنه العلوم العقلية والعربية والتفاسير والأحاديث، وبلغ عنده رتبة الفضل والكمال، (ثم كتب له كتاب الإجازة بعدما أقام عنده مدة سبع سنين) (٦).
стр. 2074
وقرأ فيها أيضًا على المولي مير صدر الدِّين، (ورأيت بخط المولى مؤيد زاده كتاب حاشية المولى مير صدر الدِّين التي علقها على "شرح التجريد"، وكان ابتداؤه المولى مير صدَّر بخطه أسطرًا، ثم كتبها المولى مؤيد زاده عند قراءتها تمامًا) (١).
ولما سمع (المولى المذكور) (٢) جلوس السُّلطان بايزيد خان على سرير السَّلطنة سافر من بلاد العجم إلى بلاد الروم، فقدم ببلدة أماسيه في شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وثمانمئة، وأقام هناك مقدار أربعين يومًا، ثم أتى مدينة قسطنطينية.
فصحب موالي الروم، وتكلَّم معهم حتى استحسنوه غاية الاستحسان، (وشهدوا له بالفضل والتحقيق والإتقان) (٣)، فأرسلوه إلى الوزراء، فعرضوه على حضرة (٤) السُّلطان، (قالوا: وأقروا بعلمه وكمال فضله فضلاء الزَّمان، حتى المولى خطيب زاده، وهو أوحد عصره في ذلك الأوان، فحلَّ عرضهم محلَّ القَبول عند السُّلطان بايزيد خان) (٥)، وأعطاه مدرسة قَلَنْدَرْخَانَة بمدينة قسطنطينية، وذلك في أواخر سنة ثمان وثمانين وثمانمئة.
ثم تزوَّج المولى المذكور بنت المولى مصلح الدِّين القسطلاني سنة إحدى وتسعين وثمانمئة، وأعطاه السُّلطان بايزيد خان (٦) إحدى المدارس
стр. 2075
الثَّمان، (وكانت هي مدرسة المولى أفضل زاده حميد الدِّين، ثم أعطاه قضاء مدينة أَدْرَنة سنة تسع وتسعين وثمانمئة) (١).
ثم صار قاضيًا بالعسكر المنصور (بولاية آنَاطُولي في شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعمئة) (٢)، ثم انتقل إلى قضاء العسكر بولاية روم إِيلِي (بعد وفاة المولى ابن الحاج حسن سنة إحدى عشرة وتسعمئة) (٣)، ثم نهبت داره، فعزل لذلك عن قضاء العسكر في رجب سنة سبع عشرة وتسعمئة، وعين له كل يوم مئة درهم وخمسون درهمًا، فلم يقبل.
ولم يلبث إلا قليلًا حتى جلس السُّلطان سليم خان علي سرير السَّلطنة، فسأل الوزراء عن حاله، فأخبروه بذلك، فأضاف هو إلى الوظيفة المذكورة قضاء قرية ديريه، ثم أعيد إلى قضاء العسكر في رجب سنة تسع عشرة وتسعمئة، وسافر مع السُّلطان سليم خان إلى بلاد العجم، وكان معه عند محاربته مع شاه إسماعيل الأرْدُبِيلي.
ثم لما رجع منها ووصل إلى جسر الراعي عزل المولى المذكور عن قضاء العسكر بسبب اختلال في عقله في شعبان سنة عشرين وتسعمئة، وعين له كل يوم مئتي درهم، وأتى مدينة قسطنطينية معزولًا (٤).
ومات في ليلة الجمعة الخامسة عشر من شهر شعبان المعظم سنة اثنتين وعشرين وتسعمئة، وهذا البيت من أبيات في تاريخه:
قل للذي يبتغي تاريخ رحلته … نجل المؤيد مرحوم ومبرور
стр. 2076
(ومن تلامذته المولى حسام الدِّين حسين بن عبد الرَّحمن، والمولى داود بن كمال القوجوي، والمولى عبد العزيز حفيد المولى الشهير بأم ولد، والمولى محمَّد جلبي بن المولى قطب الدِّين محمَّد بن محمَّد بن المولى موسى الشهير بقاضي زاده رومي، والمولى العلامة شيخ الإسلام أبو السعود العمادي) (١).
وللمولى المذكور فوائد كثيرة وتحقيقات ولطائف (غريبة وتدقيقات) (٢)، وله تعليقات على كتب كثيرة، وكلمات لا تحصى، بقيت كلها في المسودة، (ولو لم يكن منصب القضاء والرئاسة والاشتغال بها مانعة عن تبييضها لظهرت عنه آثار عجيبة، وبقيت لدى الدَّهر على صفحات الأعصار) (٣).
وله رسالة لطيفة أورد فيها المواضع المشكلة من علم الكلام، وقد أرسلها إلى السُّلطان قُورْقُود، وضمَّن في خطبتها قصيدة عربية يمدحه بها، وهي في غاية البلاغة ونهاية اللطافة، وله رسالة أخرى في حل الشبهة العامة، (ولقد أحسن فيها وأجاد) (٤)، وله أيضًا رسالة أخرى في تحقيق الكرة المدحرجة، (وهي أيضًا في غاية اللطافة) (٥).
وقد جمع غرائب من الكتب، وفي كتبه كتب لم يسمع بها أحد من أبناء الزمان فضلًا عن الاطلاع عليها، وقد سمعت أنه خلَّف سبعة آلاف ما بين مجلدات سوى المكررات، وله نظم بالتركية والفارسية، وكان حسن الخط جدًّا، ويكتب أنواع الخطوط.
стр. 2077
[ومن نظمه في مدح رسالة في بعض العلماء، وقد وضع عليه خطه وقال:
هاتيك رسالة على وفق السؤال … من أمعنَ فيها يتلقى بالقَبول
يستعظم من ألَّفها ثم يقول … يا خير رسالة ويا خير قَبول
وقد كتب على الرسالة المذكورة المولى بن الحاج حسن، وقد كانا قاضيين بالعسكر:
رسالة لنكات الفنونِ جامعةٌ … ومثلها الدَّليل فضل صاحبها
انظروا إلى بلاغتها … فشتَّان بين الثريَّا والثرى] (١)
* * *
[٧٨٦ - المولى يعقوب بن سيدي علي (٢)]
المولى الفاضل، والعامل الكامل، جامع الفروع والأصول، ضابط المعقول والمنقول، يعقوب بن سيدي علي.
اشتغل في العلم، وقرأ على علماء عصره، فصار فارس ميدانه، وسابق أقرانه، وبلغ رتبة الفضل والكمال، (وكان مشارًا إليه بالبنان بين الأمثال) (٣)، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة حمزة بك بمدينة بروسا، ثم بمدرسة ابن ملك بولاية آيْدِين، ثم بسلطانية بروسا، (ثم بمرادية بروسا) (٤)، ثم بمدرسة السُّلطان بايزيد
стр. 2078
خان بمدينة أَدْرَنة، ثم صار قاضيًا بها، (ثم أعيد إلى المدرسة المذكورة) (١)، ثم بإحدى المدارس الثَّمان، (وعين له كل يوم ثمانون درهمًا) (٢)، ثم عزل وعين له كلَّ يوم مئة درهم بطريق التقاعد.
ومات سنة إحدى وثلاثين وتسعمئة راجعًا من سفر الحج.
وله تصنيف لطيف، وهو "شرح كتاب شرعة الإسلام"، وهو جامع للفوائد الشريفة، (واللطائف المنيفة) (٣)، وكان السُّلطان بايزيد خان لقَّبه بشارح الشرعة؛ لميله إلى الشرح المذكور، وله حواشٍ على "شرح ديباجة المصباح"، وهي متداولة بين طلبة العلم، وله "شرح كتاب كُلِسْتَان" الشَّيخ سعدي الشِّيْرَازِي والكتاب المذكور بالفارسية، وقد كتب الشرح المذكور بالعربية؛ لتسهيل معرفة اللسان الفارسي على طلبة العلم، روح الله روحه.
[حكي أنّ السُّلطان سليم خان سأل المولى العلامة بن كمال باشا قال: أيها المولى لِمَ (٤) لمْ يكتب المولى يعقوب بن سيدي على شرح كُلِسْتان الشَّيخ سعدي بالفارسية، وقد كتبه بالعربية؟ فأجاب المولى العلامة بأن المولى المزبور كان لا يعلم الفارسية ولا يحسن فيها، فضحك السُّلطان سليم خان] (٥).
* * *
стр. 2079
[٧٨٧ - الشَّيخ يحيى بن بخشي (١)]
العالم الفاضل، والعامل الكامل، الشَّيخ يحيى بن بخشي.
قرأ على علماء عصره، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة طُوزُلَه من بلاد ولاية قَرَه صِى، ثم سلك مسلك التَّصوف، وبلغ مبلغ الإرشاد، ثم انقطع عن النّاس في الولاية المذكورة، واشتغل بتذكير النَّاس ووعظهم.
وكان صاحب أحوال انتفع به كثير من الناس، وكان يقرئ الطلبة "تفسير العلَّامة البيضاوي"، (وكان يرشد النّاس بطريقة المتصوفة) (٢).
وله شرح على "كتاب شرعة الإسلام"، رأيته وانتفعت به، ولقد أحسن فيه وأجاد، (وكأنه قد تتبعه المولى يعقوب بن سيدي علي، ثم كتب شرحه على "كتاب شرعة الإسلام" هذا، فإنّ أكثر كلامه مأخوذ من ذلك الشرح) (٣).
مات ﵀ في أوائل المئة العاشرة.
وكان عالمًا جامعًا بين رئاستي العلم والعمل.
* * *
стр. 2080
[٧٨٨ - بخشي خليفة (١)]
العالم الفاضل، والبارع الكامل العامل، الجامع بين العلم والعمل، كثير الفضل، جليل المحل (٢)، فقيد المثيل، عديم النظير في الأصول والفروع والحديث والتفسير، المعروف ببخشي خليفة.
كان بقرية قريبة من أَمَاسْيَة، اشتغل بالعلم الشريف، (واجتهد وبالغ في الاجتهاد) (٣)، وحصَّل العلوم الأصلية (والفرعية، والفنون العقلية والشرعية) (٤)، ثم ارتحل إلى البلاد الشَّامية وقرأ على علمائها، ودخل مصر وأخذ عن فضلائها.
وبرع في العلوم، وبلغ رتبة الفضل والكمال، ثم اختار طريقة المتصوفة، وصحب المشايخ، واقتبس من مشكاة أنوارهم القدسية، ونال منهم ما نال من المعارف والحال، ثم رجع إلى دياره، واشتغل بالتدريس والوعظ والتذكير (٥).
وكانت له اليد الطولى في التفسير، (وكان أكثر كتب التفاسير في حفظه، وقرأ عليه الكثيرون وانتفعوا به، شكر الله تعالى مساعيه، وكانت له اليد
стр. 2081
الطولى) (١) أيضًا في الفقه والحديث، حكي أنه ربما يقول: رأيت في اللوح المحفوظ هكذا، ولا يخطئ كلامه أصلًا، ويكون كما نقل.
قال صاحب "الشقائق": رأيت له رسالة جمع فيها رؤية النبي ﷺ في المنام وصحبته معه، وهي كثيرة جدًّا.
ومات في جوار (٢) الثلاثين وتسعمئة.
[وسمعت من تلميذه المولى علاء الدِّين علي - الواعظ المفسِّر وكان متقاعدًا عن قضاء العسكر الخانية ببلدة كَفَه، وكنت وقتئذ في عنوان الشباب في جوار دون العشرين، أسمع منه "شرح كتاب المشارق" في الحديث، وهو يحدثه كل يوم بعد العصر في الجامع الكبير فيها - يقول: إن أستاذي المولى الكامل الزَّاهد كان ينقل "تفسير القاضي البيضاوي"، وكنا نسمع مع شركائنا والناس يحلقون، فنقل "تفسير القاضي البيضاوي" مرَّة من أوَّله إلى تمامه في تسع سنين، ونقل مرَّة من فاتحته إلى خاتمته في أقل من ثلاثة أشهر، ابتدأ من ليلة الرغائب وختم في ليلة القدر] (٣).
* * *
стр. 2082
قلب الكتيبة الحادية والعشرين من كتاب كتائب أعلام الأخيار
[٧٨٩ - حاجي جلبي (١)]
الشَّيخ العالم الرَّباني، والمرشد الهادي الصَّمداني، فخر أرباب العبادة، بدر أصحاب الاستفادة، جامع علمي الشَّريعة والحقيقة، قبلة العارفين، دليل الطريقة، صفوة العلماء، قدوة العرفاء، صاحب العزيمة، مواظب سنة النبي ﷺ ، عبد الرَّحيم المؤيدي، الشهير بحاجي جلبي.
كان صاحب الأحوال الفاخرة، والكرامات الباهرة، وكان لسان التصوف في عصره، ومرجع أهل العرفان في مصره، تتلألأ أنوار الزُّهد والسعادة من جبينه، وتتلهَّب (٢) نار العشق والمحبَّة من عفافه ودينه، وكان جامعًا بين علمي الظاهر والباطن.
(اشتغل أولًا بالعلوم، وأبرز في المعقول والمفهوم، وصل إلى خدمة المولى الفاضل سنان باشا، والمولى الفاضل خواجه زاده، وأخذ العلوم الشرعية والعقلية عنهما، وكان مقبولًا عندهما) (٣).
يحكي صاحب "الشقائق" عن والده قال: كان المولى الوالد ﵀ يحكي ويقول: إنَّ المولى خواجه زاده كان يذكر بالفضل الشَّيخ عبد الرَّحيم المؤيدي، وكان
стр. 2083
(يذكر المولى بالفضل المولى الفاضل ركن الدِّين الشَّهير بباشا جلبي) (١)، (قال المولى الوالد: ما سمعته يشهد لأحد من طلبته بالفضل مثل شهادته لهما) (٢).
* * *
٧٩٠ - المولى باشا جلبي (٣)
هو ابن أخ الشَّيخ العارف بالله آقْ شمس الدِّين، واسمه غياث الدِّين، اشتهر بباشا جلبي.
قرأ على المولى الخيالي والمولى خواجه زاده، ثم اتصل بخدمة المشايخ الصوفية، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة المولى الكُوْرَاني بمدينة قسطنطينية، ثم بمدرسة بَكْ بَازَارِي، ثم بمدرسة سيفية أنْقَرَة، ثم بمدرسة حسنية أَمَاسْيَه، ثم بحلبية أَدْرَنة، ثم بسلطانية بروسا، ثم بإحدى المدارس الثَّمان، ثم تركها، واختار مدرسة أبي أيوب الأنصاري ﵁، ثم بسلطانية أَمَاسْيَه مع نصب الفتوى، (ثم تركها، وعين له كل يوم سبعون درهمًا بطريق التقاعد) (٤).
ثم طلب مدرسة القدس الشريف، ومات قبل السفر إليها في سنة (ثماني عشرة) (٥) وتسعمئة.
стр. 2084
وله أسئلة من كلِّ فن، ورسائل كثيرة، وله لطائف عجيبة، وفوائد غريبة، وله وقائع وحكايات مع الموالي والأكابر، وكلماته كالسِّهام النفاذة (١) والنِّصال (٢)، يضرب بها الأمثال، وهي مشهورة تغني عن الإيراد.
[ثم إِنَّ الشَّيخ حاج جلبي سلك مسلك التصوف، واتصل بخدمة الشَّيخ العارف بالله تعالى الشَّيخ محيي الدِّين الإسْكِلِيِبِي فأخذ عنه الذِّكر، وتلقَّن عنه كلمة التوحيد، وهو أخذ عن الشَّيخ إبراهيم القَيْصَري، وهو عن الشَّيخ آق شمس الدِّين، عن الشَّيخ الحاج بيرام الأنقروي، عن الشَّيخ حميد الدِّين حامد الآقْسَرَايي، عن خواجه علي الأَرْدُبِيلي، (عن الشَّيخ العارف بالله صدر الديبلي، عن الشَّيخ العارف بالله صفي الدِّين الأرديبلي) (٣)، عن الشَّيخ العارف بالله إبراهيم الزاهد الكيلاني.
عن جمال الدِّين النوسري، عن شهاب الدِّين محمَّد التِّبْرِيْزي، عن ركن الدِّين النَّحاس، عن قطب الدِّين الأَبْهَري، عن أبي النَّجيب السُّهْرُوَرْدِي، عن أحمد الغزالي، عن أبي بكر النَّسَّاج، عن أبي القاسم الكُرْكاني، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي على الكاتب، عن أبي علي الرُّوْذُبَاري، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن السَّري السَّقَطي، عن داود الطائي، عن حبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵃، عن النبي ﷺ .
ثم جاهد حقَّ الجهاد، واشتغل بالرياضات، وبلغ عنده رتبة الفضل والإرشاد، ونال في التصوف غاية المُنى، وحصل له في طريق المشايخ شأن أعلى، ثم جلس للإرشاد في زاوية شيخه بمدينة قسطنطينية، بعد وفاة الشَّيخ
стр. 2085
مصلح الدِّين الشِّيروزي (١)، وقد مرَّ ذكر مصلح الدِّين في الكتيبة السابقة في ذكر شيخه محيي الدِّين الإسْكِلِيِبِي.
وربَّي كثيرًا من الطالبين ورقَّى أكثرهم إلى رتبة الواصلين.
وكان ﵀ آية كبرى في المعارف الصوفية، وكان جامعًا بين رئاستي العلم والعمل، وكان فضله وذكاؤه في الغاية، لا سيما في العلوم العقلية وأقسام العلوم الحكمية] (٢)، وكانت له معرفة تامَّة بالعربية، وكان يكتب خطًّا حسنًا.
* * *
[٧٩١ - الشَّيخ محيي الدِّين محمَّد (٣)]
قطب الواصلين، وغوث السَّالكين، سلطان الشَّريعة، برهان الطَّريقة، قدوة أرباب التقوى، وأسوة أصحاب الفتوى، جامع مكارم الأخلاق، مرضي الشمائل في الآفاق، عالم المعقول والمنقول، إمام الفروع والأصول، حاوي حقائق علمي الباطن والظاهر، أستاذ الموالي، وشيخ الشيوخ الأكابر (٤)، الداعي إلى الله سبحانه (٥) على طريق اليقين، العالم الفاضل، (والمرشد الكامل) (٦)،
стр. 2086
الشَّيخ محيي الدِّين محمَّد بن المولى الفاضل بهاء الدِّين بن الشَّيخ العارف بالله لطف الله خليفة الشيخ (١) الحاج بَيْرَام.
اشتغل في العلم الشريف، وبلغ فيه رتبة الفضل، ثم قرأ على المولى خطيب زاده، وعلى المولى القسطلاني، وعلى المولى ابن المعرف، وفاق على أقرانه، وحاز قَصَب السَّبْق في ميدانه، ثم هبَّ له نسيم التَّوفيق، وهداه إلى سواء الطريق، فوصل إلى خدمة الشَّيخ العارف بالله الشَّيخ محيي الدِّين الإِسْكِلِيِبِي.
واجتهد عنده غاية الاجتهاد، فوصل إلى (٢) المقامات العالية، وحصَّل الحالات السَّامية، ونال غاية مناه من معارف الصوفيَّة، وأجاز له بالإرشاد، وجلس مدة في وطنه بَالِي كِسْرى، ثم أتى مدينة قسطنطينية، وجلس في زاوية شيخه بعد وفاة الشَّيخ عبد الرَّحيم المؤيدي، (السَّابق ذكره قبيل هذا) (٣)، واشتغل بإرشاد الطالبين، وربى كثيرًا من المريدين.
وكان عالمًا فاضلًا عابدًا (٤) زاهدًا ثقة ورعًا، ملازمًا للسنَّة وحدود الشَّريعة، ومراعيًا لآداب الطريقة، وكان قوَّالًا بالحقِّ، لا يخاف في الله لومة لائم.
حكي أنه تكلَّم بكلام بالحقِّ في بعض الأمور في زمن الوزير إبراهيم باشا المقتول، فتكدَّر الوزير المزبور عليه، فخاف أصحابه على الشَّيخ من جهته، ونصحوا له بالسكوت عن هذا الكلام، فقال الشيخ: غاية ما يقدر هو على ثلاثة أشياء (٥): إما
стр. 2087
القتل وإنه شهادة، وإما الحبس وهو خلوة وعزلة، والخلوة والعزلة طريقتنا، وإما النَّفي عن البلد وهو هجرة، واحتسب على ذلك ثوابًا من الله تعالى.
وكان عالمًا بالعلوم الشرعية الأصلية والفرعية، (وعارفًا بالتفسير والحديث، ماهرًا في العلوم العقلية والأدبية) (١).
وله "شرح الفقه الأكبر" للإمام الأعظم، جمع فيه بين طريق أهل الكلام وطريقة المتصوفة، وأتقن المسائل غاية الإتقان، حتى رقاها من العلم إلى العيان، سيما في المعاد الجسماني، طالعنا فيه وانتفعنا به والحمد لله (على ذلك) (٢)، وله رسائل كثيرة في التصوف والعلوم الظاهرة.
[حكي أنه لما مرض المولى الفاضل شيخ الإسلام علي الجمالي مدَّة كثيرة وعجز عن كتب الفتوى، قيل له من جانب السُّلطان: اختر من العلماء من ينوب في كتابة الفتوى، وحلِّ مشكلات الأنام، فيما شجر بينهم من الخلاف والنِّزاع والخِصام، فاختار المولى البارع المتورِّع الشَّيخ المذكور من بين العلماء، وقال: إنَّ المولى محيي الدِّين محمَّد بن بها الدِّين ثقة فقيه ورع متَّقٍ زاهد متورع لائق بمقامي هذا] (٣).
قال صاحب "الشقائق": (٤) ومن غرائب ما جرى بيني وبينه أني كنت مدرِّسًا بإحدى المدارس الثَّمان، رأيت في المنام أنّ النبي ﷺ أهدى تاجًا من المدينة، ووقعت لي هذه الواقعة في الثلث الأخير من اللَّيل، فقمت وكنت أطالع "تفسير البيضاوي" في ذلك الزمان، وكنت مشتغلًا به، فاشتغلت بمطالعته.
стр. 2088
ولمَّا صليت الصبح (جاء إليَّ واحد، وأتى بالسَّلام من قبل الشَّيخ المذكور، وقال) (١): قال الشَّيخ: الواقعة التي رأيتها اللَّيلة معبرة بأنه ستصير قاضيًا، وبعد رؤية هذه الواقعة ما دخل عليَّ هذا الرجل الذي أتى بالسَّلام من قبل الشَّيخ، فعلمت أنه من قبيل الكشف له، فذهبت إليه بعد أيام وتعبيره لها، فقال: نعم، هو كذلك، فقلت: أنا لا أطلب القضاء، فقال: لا تطلب القضاء، ولكن إذا أعطي بلا طلب منك فلا تردَّه، وكان هذا أحد أسباب قَبولي منصب القضاء.
ذهب ﵀ إلى الحج سنة إحدى وخمسين وتسعمئة، ولما رجع منه في السنة القابلة مات ببلدة قَيْصَرِيَّة، ودفن عند الشَّيخ إبراهيم القَيْصَري وهو شيخ شيخه، قدس الله أرواحهم.
* * *
[٧٩٢ - الشَّيخ محمود جلبي (٢)]
الشَّيخ العارف بالله، والداعي على طريق الحقِّ إلى الله، بقيَّة المشايخ النَّقشبندية، (ملاذ الجمهور، شفاء الصدور) (٣)، الشَّيخ محمود جلبي، ربيب المولى القِرِيمي. كان ﵀ مشتغلًا بالعلم الشريف، وكان مهتمًا بتحصيل المعاني في هذا الطريق، فهبَّ له نسيم التوفيق، وأقعده عنه، فرغب في طريقة التَّصوف، ووصل إلى خدمة السيِّد أحمد البُخاري، وحصَّل عنده علم الحقيقة ودقائق الطريقة، ونال المقامات العالية، وحاز الكرامات السامية، وبلغ المنتهى، ووصل إلى الأمد الأقصى، وأكمل الطريقة، وأجازه بالإرشاد.
стр. 2089
ثم تزوَّج بنت الشَّيخ أحمد البُخاري، ثم بعد وفاة الشَّيخ المزبور جلس مقامه في زاويته المعروفة المشهورة بداخل قسطنطينية، بقرب من جامع السُّلطان محمَّد خان.
ومن خلفائه الشَّيخ عبد اللطيف، والشَّيخ الحاج خليفة المنتَشَوِي.
وكان عالمًا عابدًا زاهدًا (١) أديبًا وقورًا، صاحب حياء وعفَّة.
قال صاحب "الشقائق": كنت لا أقدر على النظر إلى وجهه الكريم؛ لانعكاس حيائه إليَّ، وكنت أحضر مجلسه، وكان يقرأ عنده (٢) "المثنوي"، ويؤوله على طريق الصُّوفيَّة.
[وقال يومًا: هل إنكار على الصوفية؟ قلت: هل يكون أحد لينكرهم؟ قال: نعم، قال: حكى لي السيِّد البُخاري أنه كان يقرأ ببخارى على واحد من علماء عصره، ثم تركه وذهب إلى خدمة الشَّيخ الإلهي، وأيضًا هو قد قرأ على ذلك العالم، وزار الشَّيخ الإلهي مع السيِّد البُخاري ذلك العالم يومًا وقال للسيِّد: لأي شيء تشتغل بمثل هذا الكتاب، وإنَّ أعقلَ العقلاءِ الحكماءُ، وقال [صاحب] ذلك الكتاب في حقِّهم: إِنَّ الحكيم كافر محقق، قال: وغضب عليَّ حتى طردني، وطردهم الشَّيخ من مجلسه.
فلما حكى الشَّيخ محمود جلبي هذه الحكاية، قلت: المنكر مبتلى بإنكاره، وأما المعترف السالك غير طريقهم فلا يكون حاله أقبح من المنكرين، قال: لا الاعتراف يجذبه أخرى إلى طريق الحق، ثم قلت: إنا نجد في بعض الكتب شيئًا يخالف ظاهر الشرع، هل يجوز لنا الإنكار عليه؟ قال: بل يجب عليكم الإنكار إلى أن يحصل لكم تلك
стр. 2090
الحال، وبعد حصول تلك الحال تظهر لكم موافقته للشرع، هذا ما جرى بيني وبينه] (١).
مات ﵀ بقسطنطينية.
* * *
[٧٩٣ - الشَّيخ قاسم جلبي (٢)]
الشَّيخ العارف بالله، قدوة الطَّائفة الخَلْوَتية، وأسوة المشايخ الخرقية، قاسم جلبي.
كان صاحب الحالات الفاخرة، والكمالات الباهرة، وكان ذا جذبة قوية، وتصرف عظيم، وكان ذا خلق حسن، وقلب سليم، عرض له داعية الطلب، وحدث نار العشق في قلبه والتهب، ومال إلى طريقة التصوف (ورغب، فوصل إلى خدمة الشَّيخ العارف بالله جلبي خليفة، وهو محمَّد الجمالي، وحصل عنده طريقة التصوف) (٣) وإجازة الإرشاد.
وأتى إلى قسطنطينية، وقعد في زاوية الوزير علي باشا، وانتفع به خلق كثير (من الناس) (٤)، ووصلوا بتربيته إلى مقام الإرشاد، منهم الشَّيخ العارف بالله رمضان خليفة، والشَّيخ بالي خليفة الصُّوفْيَوِي، والشَّيخ خير الدين.
مات بالزاوية المزبورة بقسطنطينية، في أواخر سلطنة السُّلطان سليم خان.
وكان ملازمًا للسنَّة، مراعيًا لأدب الطريقة، صاحب أدب ووقار، وكان مجتهدًا آناء اللَّيل وأطراف النَّهار.
стр. 2091
[٧٩٤ - الشَّيخ سنبل سنان (١)]
الشَّيخ العارف بالله، والمتوجِّه بالكليَّة إلى الله، سنان الدِّين، المشتهر بسنبل سنان.
اشتغل بالعلم الشَّريف في عنوان شبابه، وفاق على أقرانه وأترابه، حتى وصل إلى خدمة المولى الفاضل أفضل زاده، وبلغ عنده (٢) رتبة الفضل والكمال، ثم غلب عليه محبَّة التصوُّف، ورغب إلى خدمة الشَّيخ جلبي خليفة، واشتغل عنده بالرياضة والمجاهدة، ونال إلى ما نال من الوجد والحال والكرامة، فأجاز له الشَّيخ جلبي خليفة بالإرشاد.
ثم سكن مدة بمصر، يربي المريدين (٣) هناك، ثم أتى قسطنطينية، وقعد في زاوية الوزير مصطفى باشا، واشتغل بتربية الطالبين (وإرشادهم، حتى أكمل جمعًا كثيرًا منهم) (٤)، وأجاز لهم بالإرشاد، (ودام على ذلك) (٥) إلى آخر عمره.
وكان عالمًا بالتفسير، وكان يفسِّر القرآن العظيم، ويعظ النَّاس في جامع الوزير مصطفى باشا وغيره، (وبنى الوزير مصطفى باشا زاوية وحجرات عند جامعه للشيخ المزبور، وكان يسكن فيها ويربِّي المريدين، ومن خلفائه الشَّيخ
стр. 2092
العارف بالله مصلح الدِّين مصطفى، الشهير بمركز خليفة، جلس بعده بالزاوية المزبورة لإرشاد الطالبين) (١).
* * *
[٧٩٥ - الشَّيخ أويس]
الشَّيخ العارف بالله أويس، نزيل دمشق.
اشتغل بالعلم الشَّريف أولًا، وحصَّل منه ما لا بد، ثم مال إلى طريقة التصوف، وغلب (٢) عليه المحبَّة، وترك العلم، ورغب إلى خدمة الشَّيخ محيي الدِّين محمَّد الجمالي الشَّهير بجلبي خليفة، واجتهد عنده بالرياضات والمجاهدة (٣) الشَّاقة، وبلغ رتبة الإرشاد، وأجازه، وارتحل بإذنه إلى دمشق، وتوطَّن بها.
وكان صاحب معرفة كثيرة، (وكان له زهد وتقوى وورع، وكان متواضعًا متخشعًا عابدًا، وكان النَّاس يحبونه محبَّة عظيمة) (٤)، واجتمع عليه خلق كثير، ولكن غلط في بعض مكاشفاته في آخر عمره، فتوهَّم أنه يصاحب المهدي أو يصاحبه خليفته الشَّيخ العارف بالله داود خليفة المقتول، وأصر على هذا الوهم حتى روي أنه كتبه وكتب داود في دوائر السلوك، سمعته من الشَّيخ يعقوب، لقيته في الشام، وخالفته في وهمه هذا، فوجدته والشَّيخ داود مصرَّيْن عليه، ولم يلبث قليلًا مات الشَّيخ أويس، وقتل الشَّيخ داود، ولم يصح دعواهما.
стр. 2093
[٧٩٦ - الشَّيخ سليمان خليفة (١)]
الشَّيخ العارف بالله سليمان خليفة.
كان من عبيد السُّلطان محمَّد خان، ثم لحقته الجذبة الإلهية، واتصل بخدمة الشَّيخ العارف بالله تعالى المولى مسعود خليفة، وهو من خلفاء علاء الدِّين الخَلْوَتي من خلفاء السيِّد يحيى الشَّرْواني ﵏.
وكان المولى مسعود خليفة متوطنًا بمدينة أَدْرَنة، (وكان مشتغلًا بتربية المريدين فيها) (٢)، وكان صاحب الكرامات السَّامية، والمقامات العالية، (وذا جذبة عظيمة، وكان له قدم راسخ في مواظبة العبادات، ومحافظة أداب الشَّريعة، وملازمة السُّنَّة، ومراعاة العزيمة) (٣)، مات في أواخر سلطنة السُّلطان محمَّد خان.
فاشتغل الشَّيخ سليمان خليفة المذكور عند الشَّيخ مسعود برياضات شاقة، وجهد بليغ، ونال ما يتمنَّاه، وبلغ رتبة الإرشاد، وأجازه المولى مسعود للإرشاد، فارتحل إلى مدينة قسطنطينية، وبنى زاوية فيها، واشتغل هناك بتربية المريدين إلى أن مات في أواخر السَّلطنة السُّلطان، وكان صاحب جمال وجذبة عظيمة، وكان يزدحم النّاس إلى مجلسه، ويحصل لهم الحال.
* * *
стр. 2094
[٧٩٧ - الشَّيخ سنان الدِّين الأرْدُبِيلي (١)]
الشَّيخ العارف بالله، والدَّاعي إلى ذكر الله، سنان الدِّين يوسف الأَرْدُبِيلي.
كان من خلفاء الشَّيخ محيي الدِّين الجمالي جلبي خليفة، وحصل عنده طريقة الصوفيَّة.
وكان عابدًا مرتاضًا، مشتغلًا بالإرشاد، وكان يسكن بزاوية عند جامع آيَا صُوفْيَه، وربَّى كثيرًا من المريدين، (وكان عابدًا زاهدًا، صاحب هيئة وسكون ووقار، وكان ذا شيبة عظيمة، وقد زاد سنه على مئة) (٢).
مات بعد الخمسين وتسعمئة.
* * *
[٧٩٨ - الشَّيخ مصلح الدِّين مصطفى (٣)]
الشَّيخ مصلح الدِّين مصطفى، من خلفاء السيِّد أحمد البُخاري.
كان متوطنًا بقسطنطينية، في زاويته المسمَّاة بذات الأحجار.
وكان شيخًا نورانيًّا عابدًا زاهدًا صالحًا، منقطعًا إلى الله تعالى (مشتغلًا بأصحابه) (٤).
توفي قريبًا من الستين وتسعمئة.
стр. 2095
وابنه العارف بالله درويش جلبي إمام المرحوم السُّلطان سليمان الغازي، كان اليوم جالسًا في مكانه في تلك الزاوية.
* * *
[٧٩٩ - مخدومي الأعظم]
الشَّيخ العارف بالله، الشَّيخ الحاج، محمَّد بن صديق الخبوشاني، الشهير بما وراء النهر بمخدومي الأعظم.
أخذ التلقين وآداب الطريقة والنسبة عن الشَّيخ شاه علي البيدوازي، وهو أخذ عن الشَّيخ رشيد الدِّين الإسفرائيني، عن الأمير عبد الله البرزش آبادي، عن الشَّيخ إسحاق الختلاني، عن الأمير (١) السيِّد علي الهمذاني.
وأخذ عنه الشيخان العارفان المخدوميان الشَّيخ حسين الخُوَارِزْمِي المخدومي، والشَّيخ عبد اللطيف الجامي المخدومي، مرشد السُّلطان سليمان خان الغازي.
وكان الشَّيخ محمَّد ﵀ مدفونًا ببلدة وزير، وقبره هناك يزار ويتبرك به.
وكانت له كرامات كثيرة.
* * *
стр. 2096
الكتيبة الثانية والعشرون من كتائب أعلام الأخيار
[٨٠٠ - المولى سعد الله بن عيسى (١)]
علم الفتوى، علَّامة الورى، جامع العلوم، وضابط المعقول والمفهوم، واقف بينات الشرع وآيات التنزيل، وكاشف مخدرات الكتاب بالتفسير والتأويل، صاحب الذِّهن الوقَّاد، ذو الفطنة والطَّبع النَّقاد، ملاذ الجمهور، شفاء الصدور، مدفاع المعضلات، حلَّال المشكلات، شيخ الإسلام والمسلمين، برهان الشَّريعة (٢) والدِّين (٣)، المولى سعد الله بن عيسى بن أمير خان، خصه الله وأسلافه بالرأفة والإحسان والرحمة والغفران.
هو الثَّاقب السَّعيد الأخير فلن يرى … مقابله في ألف ألف قران (٤)
أما يريك الفضل أصناف صيته … وكم صيت قوم ضائع بعَيان
له الخاطر الوَّقاد يعلو ضرامه … وأفئدة الحسَّاد في الغَلَيان
كان أصله من ولاية قَسْطَمُوني، وولد فيها، ثم أتى مدينة قسطنطينية مع والده، ونشأ على طلب العلم والمعرفة.
وكان أبوه عالمًا بالمختصرات، وصار إمامًا بعد مجيئه إلى قسطنطينية
стр. 2097
بجامع الوزير محمود باشا، وعلَّمه أبوه، وأقرأه كتب الصرف والنحو، ثم بعد ما قوي استعداده قرأ على علماء عصره.
ثم وصل إلى خدمة المولى محمَّد السَّامْسُوني، وأخذ عنه العلوم الشرعية والعقلية، وقرأ عليه "الهداية" و"التلويح"، وكان المولى سنان الدِّين يوسف كبْرِيجِكْ زاده شريكه، أخذا عنه، وهو عن أبيه المولى حسن بن عبد الصمد السَّامسوني، عن المولى خُسْرَو، عن برهان الدِّين حيدر الهروي، وعن (١) المولى علي العربي، عن المولى خضر بك، عن المولى يكان، عن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، عن الشَّيخ أكمل الدِّين، عن الشَّيخ الإمام قوام الدِّين الكاكي، عن الشَّيخ الإمام حسام الدِّين السِّغْنَاقِي صاحب "النهاية"، عن حافظ الدِّين الكبير البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن شيخ الإسلام برهان الدِّين صاحب "الهداية"، عن الصَّدر الشَّهيد، عن أبيه برهان الدِّين الكبير، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وكان المولى الفاضل المزبور نظَّارًا في البحث، فارسًا في ميدانه، ثم بعد ما فاق على أقرانه وحاز قَصَب السَّبْق في ميدانه، أقرَّ له بالفضل أهل زمانه، وتعيَّن للدرس، فصار مدرِّسًا بمدرسة إبراهيم الرئيس بقسطنطينية، ثم بالمدرسة الحجرية بأَدْرَنة، ثم بمدرسة الوزير محمود باشا بقسطنطينية، ثم بسلطانية بروسا، ثم بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بقسطنطينية، (وعين له كل يوم مئة درهم، ثم صار مفتيًا
стр. 2098
بقسطنطينية) (١) ودام على ذلك مدة كثيرة، ثم مات سنة خمس وأربعين وتسعمئة.
[كان أستاذنا المولى الفاضل السيِّد محمَّد بن عبد القادر يثني على المولى المزبور كثيرًا، ويذكره بالفضل والإفراط، ويقول: هو فائق زمانه، وسابق أقرانه، وفارس ميدانه في تدريسه، وكان في قضائه مرضيَّ السِّيرة، محمود الطريقة، وكان في فتواه مقبول الجواب مهتديًا إلى الصواب، وكان طاهرَ اللِّسان، لا يذكر أحدًا إلا بخير.
وكان صحيح العقيدة وكان مفرط الذَّكاء، وكان من جملة الذين صرفوا أوقاتهم في الاشتغال بالعلم، وكان مقلدنا في التدريس والبحث، وجميع أحواله مقبولة عندنا كذا وكذا، يكرِّر ذكر فضائل المولى المزبور وشمائله وأخلاقه وسائر أحواله أستاذنا المولى المزبور في مجالسه الشريفة.
وكان يقول: وبالجملة هو غالب على أبناء زمانه في التحقيق والتدقيق، وسيما في حل المواضع المشكلة، وكان قويَّ الحفظ جدًّا] (٢).
وقد حفظ من المناقب والتواريخ أشياء كثيرة، وقد ملك كتبًا كثيرة، واطلع على عجائب من الكتب، وكان ينظر فيها ويحفظ فوائدها، ويشير في حاشية أوراقها إلى المهمات والفوائد واللطائف منها (٣).
ومن جملة ما ملكه (منها "كتاب) (٤) حياة الحيوان" للدَّميري، وهو الآن عندي مجلدين، ملكته بشراء صحيح، طالع المزبور فيهما، وأكثر أوراقه مشحونة بخطه الشريف، يُظَن أنَّه طالعه من أوله إلى آخره، وهذا شأنه في الكتب غير المتداولة،
стр. 2099
(وأما الكتب المتداولة) (١) التي تعلق عليها نظره الشريف وطالعها فمزينة بالفوائد والنكات التي أبدعها خاطر المولى المزبور، منها "كتاب الهداية"، ونسخته معلومة لأهالي الوقت، و"كتاب تفسير القاضي"، هاتان النسختان أولاهما من أولها إلى آخرها، وثانيتها إلى سورة هود، صححهما المولى المزبور، وعلق على أكثر أسطر أوراقها حواشٍ مفيدة.
وقد اهتم بجمع حواشي هاتين النسختين أعز تلامذته المولى الفاضل صدر الأفاضل، أستاذنا عبد الرَّحمن بن علي، فجمع كلًّا منها، وجعل مجلدين، (وهاتان الحاشيتان) (٢) - أعني "حاشية تفسير القاضي" و"حاشية الهداية" - معتبرتان مقبولتان عند الأفاضل، و"حاشية تفسير القاضي" من أول هود إلى آخر التفسير.
وقد علق المولى سعد الدِّين التَّفْتَازَانِي ﵀ على "الكشَّاف" من أوله إلى سورة هود، وقد أكمله السَّعد الثاني من أول هود، ولكن علقه على "تفسير القاضي البيضاوي"، وقد بنى دار القراء بقرب داره بقسطنطينية، وله تعليقات كثيرة على كتب العلوم المتداولة التي صادفت مطالعته، وأكثرها مشحونة بالنوادر.
وقد أدرجت فتاوى كثيرة كتبت أجوبتها بخط المولى الفاضل المزبور في "خزانة المرقعات" التي جمعتها من الفتاوى الواقعة أجوبتها بخطوط المفتين، عفا الله تعالى عنهم أجمعين، (ورتبتها على ترتيب أبواب الفروع) (٣)، منها هذه الفتوى، وقد كتبت في طرف الجواب خلاف المعتاد (٤).
стр. 2100
النقل عن "التاتارخانية": مسألة زيد، كوجك اوغلي اولوب عورتنه اوغلاني يالكوز قويوب طشره جيقوب كيتمه ديسه عورت اوغلاني يالكوز قويوب جيقوب اولرنه كيتسه اوغلان يوارلنوب اوده دوشوب يانسه عورته نسنه لازم اولورمي بيان اولنوب مثاب اولونه، الجواب: الله أعلم دية لازم اولماز كتبه الفقير سعد عفى عنه من "التاتارخانية".
وفي "فتاوى سمرقند": صبية بنت ست سنين حُمَّتْ وكانت جالسة إلى جنب النَّار، فخرجت الأم بعد خروج الوالد إلى بعض الجيران، فاحترقت الصبية وماتت، لا دية على الأم، ولكن إن كان لها مال يعجبني أن تعتق رقبة، أو تصوم شهرين متتابعين، وتكون على ندامة واستغفار، لعل الله أن يعفو عنها.
ومنها زيدك زوجه سي بكا طلاق وير ديو إبرام وأقدام ايله سه مذكور زيد حرف إن شاء الله إيله بوش اولسون ديسه صباحدن إكندو اولنجه زيدك أونده ساكن اولوب زيد إكندو نمازنده سجده ده ايكن مذكوره عورت جميع أسبابني الوب كيتسه بر وجهله زيدك عورتي بوش اولورمي؟ الجواب: الله أعلم بوش اولماز، أما متصلًا إن شاء الله ديمه دي ديو شاهدلر وار ايسه طلاق حكم اولنور، كتبه الفقير سعد عفى الله عنه.
ومنها: زيد عمروك يدنده كه دارى بودار بكا بابامدن قالمش دار در ديو دعوى إيلسه عَمْرو دخى زيده باباك فوت اولدقدن صكره ذكر اولنان دارى قرنداشكله اليكوزدن اشترا ايتدم ديو بيّنه أيسله زيد دخي بابام فوت اولدقن بن حاضر دكل إيكن قرنداشم داري بكره بيع إيدوب بكر دخي بنم خبرم يوق إيكن سكا بيع ايلدي سن داري بكردن اشترا ايتدك ديو بيّنه إقامت ايدوب وآرادن حصه ألمق إستسه شرعًا وجه مشروح اوزرنه زيد داردن حصه ألابلورمي؟ الجواب: عمروك بيّنه سي معتبردر، زيد حصه ألاماز، كتبه الفقير سعد عفى عنه.
стр. 2101
[٨٠١ - جوي زاده محمَّد أفندي (١)]
الإمام النِّحرير، صاحب البيان والتقرير، مجمع الفضائل والمفاخر، أستاذ الأفاضل والأكابر، حافظ قوانين الشرع، ملخص مشكلات الأصل والفرع، منتخب الأعالي، مختار الموالي، فخر المحققين، خيار المدققين، أفقه الأقران، فارس الميدان، جامع المعاني والبيان، حاوي الأصول والفروع، عالم المعقول والمنقول، زبدة أرباب التَّقوى، عمدة أصحاب الفتوى، شيخ الإسلام والمسلمين، المولى الفاضل محيي الدِّين محمَّد بن شيخ محمَّد بن إلياس، المشتهر بجِوِي زاده، والد صدر الموالي، وبدر الأهالي، المولى محيي الدِّين محمَّد بن شيخ محمَّد جوي زاده، القاضي بالعسكر المنصور بروم إِيلِي ألآن، ﵀ أسلافه) (٢).
كان ﵀ عالمًا محقِّقًا مدقِّقًا متفنِّنًا ثقة، عالمًا بالرِّوايات، عارفًا بالدّرايات، محدِّثًا مفسِّرًا أصوليًّا فروعيًّا كلاميًّا جدليًّا بيانيًّا بديعيًّا، ماهرًا في الرِّياضيات، باهرًا في الطبيعيات والإلهيات، جامعًا للعلوم الغريبة، ضابطًا للفنون العجيبة، وكان له مشاركة تامَّة في كلِّ العلوم، وقوَّة كاملة في المعقول والمفهوم.
أخذ مباني العلوم عن أبيه أوَّلًا، وكان أبوه مدرِّسًا حسيبًا، مشتهرًا بالمولى
стр. 2102
جوي، (فاضلًا كاملًا متقنًا) (١)، وكتب (٢) بخطِّه كتبًا كثيرة من الكتب المتداولة (٣)، وقفها على أولاده، والآن من هذه الكتب كتب كثيرة في يد حفيده المولى الفاضل المزبور، وانتفعت ببعضها.
ثم اشتغل في العلوم اشتغالًا عظيمًا، واجتهد وبالغ إلى أن صار أوحد أقرانه وفارس ميدانه، فوصل إلى خدمة المولى سعدي جلبي بن النَّاجي بك، فأخذ عنه وهو من تلامذة المولى الحاج حسن زاده تلميذ المولى يكان، والمولى قاسم الشَّهير بقاضي زاده تلميذ المولى خضر بك.
ثم وصل إلى خدمة المولى بالي الأسود، فأخذ عنه العلوم الشرعية، وحصَّل الفروع والأصول، وبلغ عنده رتبة الفضل والكمال (٤)، ونال منه القَبول، حتى صار معيدًا لدرسه، ثم تزوَّج بنت هذا المولى، وهذا المولى المذكور القاضي بالعسكر، ولد له منها أولاد (٥)، وهي الآن حيَّة، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة أمير الأمراء بأَدْرَنة، ثم بمدرسة أحمد باشا بن ولي الدِّين ببروسا.
وأحمد باشا بن المولى ولي الدِّين الحسيني (نوَّر الله مرقدهما) (٦)، كان عالمًا فاضلًا، وكان مدرِّسًا بمدرسة السُّلطان مراد خان بمدينة بروسا، وقاضيًا بمدينة أَدْرَنة، ثم جعله السُّلطان محمَّد خان قاضيًا بالعسكر، ثم جعله معلِّمًا لنفسه،
стр. 2103
وصاحب معه مصاحبة دائمة، وكان لذيذ الصحبة، كثير النادرة، خفيف البديهة (١).
وله اليد الطولى في الشعر، (وكان يقول الشعر) (٢) في التركي والعربي والفارسي، (وأكثر شعره في التركي، وغلب في شعره فصاحته على بلاغته) (٣)، وله ديوان (كامل في الشعر) (٤) التركي.
وقد مال إليه السُّلطان محمَّد خان ميلًا عظيمًا حتى استوزره مدة، ثم عزله عن الوزارة، وجعله أميرًا على بعض البلاد، مثل تِيرَه وأَنْقَرَه وبروسا، ومات وهو أمير مدينة بروسا سنة اثنتين وتسعمئة، ودفن بها، والمدرسة المشهورة هناك (٥) بولي الدِّين زاده، بناها ذلك الفاضل وهو أمير بها، وبها قبة مبنية على قبره مكتوب على باب القبة تاريخه.
[قال محمَّد بن أفلاطون نائب المحكمة الشريفة ببروسا حين مات أحمد باشا هذه الأبيات:
هذه مشكاة أنوار لمن … عدَّه الرَّحمن من ممدوحه
فرَّ من أدناس تلك الدَّار إذْ … كان مشتاقًا إلى سبوحه
قال روح القدس في تاريخه … إنَّ في الجنات مأوى روحه
وكان شريف النَّسب، رفيع القدر، لطيف الحسب، لم يتزوَّج أصلًا، ولم يبقَ له عقب، أشار إلى شرف نسبه بما كتبه في بعض مكاتباته بالأبيات، منها:
стр. 2104
سلامي كأنفاسي إذا كنت ناطقًا … بمدح رسولِ الله جدِّي وسيِّدي
وهذا البيت ينسب إليه كذا، نسبه صاحب "الشقائق" ومناقبه وأخباره كثيرة.
ثم إنَّ المولى الفاضل جوى زاده كان مدرِّسًا بالمدرسة الفرهادية، ثم بمدرسة جورلي بنواحي قسطنطينية، وهي مدرسة بناها الوزير الخائن المقتول أحمد باشا قبل ما راح إلى مصروخان، ثم ترك هذه المدرسة حين سمع المولى المذكور خيانة ذلك الوزير، وما درَّس فيها، وذهب إلى قسطنطينية، قيل له في ذلك، قال: ما أكون مدرِّسًا بمدرسة الخائن.
ثم كان مدرسًا بمدرسة الوزير محمود باشا بقسطنطينية، ثم بمدرسة جورلي بنواحي قسطنطينية] (١)، ثم (٢) بإحدى المدرستين المتجاورتين بأَدْرَنة، ثم بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بمصر، ثم صار قاضيًا بالعسكر بولاية آنَاطُولِي، ثم قلد منصب الفتوى بعد وفاة المولى الفاضل سعد أفندي المفتي سنة أربع وأربعين وتسعمئة.
وكان ﵀ متصلِّبًا في الدِّين، ومتعصبًا في مذهب أهل السنَّة والجماعة، (زاهدًا ورعًا مراعيًا في أوامر الشرع) (٣)، بالغ في بعض المسائل الشرعية، وخالف الجمهور، وأفتى بخلافهم المولى المذكور، كمسألة جواز المسح على الخف الملبوس فوق الجرموق أو الكرباس، كما في خف على اللفافة، وجواز وقفية الدراهم والدنانير وغيرهما.
ثم ترقى في ذلك، وأفتى بإكفار بعض المشايخ الأجلَّة كالشَّيخ الأكبر محيي الدِّين العربي وجلال الدِّين الرومي وغيرهما، فعزل عن منصب الفتوى،
стр. 2105
ثم عين له كل يوم مئتا درهم، ثم ضم إليه مدرسة من إحدى المدارس الثَّمان، ثم صار قاضيًا بالعسكر المنصور بولاية روم إِيلِي، ولم يمكث في ذلك المنصب إلا وقد مرض بعد صلاة العصر، وكان في ديوانه قاعدًا في صدره في بيته، فتفرَّق الخلق، وأدخله أصحابه إلى حجرته، فلم يمضِ نصف الليل حتى مات، وذلك في سنة أربع وخمسين وتسعمئة.
وأكثر أهالي الزمان من تلامذته، منهم المولى الفاضل علاء الدِّين علي بن القاضي أمر الله الشهير بقِنَالِي زاده، والمولى الفاضل محمَّد شاه جلبي، وغيرهم من أفاضل الدَّهر.
وله تعليقات على الكتب المتداولة من الأصول والفروع (والمعقول والمشروع) (١)، إلا أنها لم تشتهر بين الناس، ورأيت أجزاء من تعليقاته على "كتاب التلويح حاشية التوضيح" من الأصول للعلامة التَّفْتَازَانِي، وكتبتها من النسخة التي زبرتها أنامله الشريفة لأجل أستاذنا المولى الفاضل، وكانت كتابتي بُعيد (٢) وفاة المولى المزبور جوي زاده، وأظن الآن هذه النسخة بخطي موجودة فيما بين كتب ابن أستاذنا المولى الفاضل نقيب أشراف المملكة العثمانية (اليوم هذا) (٣).
وله رسالة في أوائل فصل طعن الراوي، حرَّرها في الامتحان مع المولى الفاضل إسحاق جلبي الأُسْكُوبِي، والمولى الفاضل إسرافيل زاده فخر الدِّين، وكان المميز المولى محيي الدِّين جلبي القاضي بالعسكر المنصور بولاية روم إيلي، وقد تحقق