← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

اجتهد وأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (١)، " … وإن اجتهد فأخطأ فهو في النَّار" (٢). روي عن الحسن ﵀ أنه سمع الحَّجاج يقول: حق على العاقل إذا صرف من عمره ساعة إلى غير ما خُلق له أن يتأسف على ذلك جميع عمره. فقال ﵀: دقَّ هذا الكلام ظهري (٣). فقبل منه مع جلالة قدره؛ لأنَّ الحكمة ضالة المؤمن. وذكر في "روضة الزَّنْدَوِيْستي" في الباب الثالث والعشرين قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن البصري: بسم الله الرَّحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى الحسن البصري، سلام عليك، أما بعد: فإني ابتليت بأمر عظيم، وقد شغلني عن كل ما أنا فيه، فإن لم يتداركني الله تعالى برحمته هلكتُ، ولا أدري كيف الخلاص منه، فعِظني بموعظة موجزة لعل الله أن ينفعني بها، وأنا أسأل الله التوفيق لما يحب ويرضي، وأن يجعلنا وإياكم من الفائزين برحمته، والسلام. قال: فكتب الحسن البصري: بسم الله الرَّحمن الرحيم، من الحسن بن أبي الحسن إلى أبي عبد الله عمر أمير المؤمنين أنْ سلام عليك، أما بعد: فقد فهمْتُ ما كتبت به إليّ، فاعلم يا أمير المؤمنين أنَّ من اتقى الله اتقاه الناس، ومن خاف الله تعالى خاف الناس منه، ومن استحى من الله استحى منه الناس، ومن اجترأ على الله تعالى اجترأ عليه الناس، ومن تعجل الأمن دخل الخوف على نفسه

стр. 247

غدًا، ومن تعجل الخوف أدرك الأمن غدًا، والنجاة مع الحذر، والصبر ملاك الأمر وفيه أعظم الأجر. فاستعن بالله يا أمير المؤمنين على ما أمرك يعينك الله، وتوكل عليه يكفيك، ولا تستعن بغير الله تعالى فيكلك إليه، يا أمير المؤمنين إنّك قد ابتليت بأمر عظيم يتوجه الناس إليك في حوائجهم، وافتح بابك للضعيف والأرامل، وما تحب لنفسك فأحب لهم، وما تكرهه لنفسك فاكره لهم، ولا تفعل بهم. ولقد حدثني عبد الله بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الرَّحمن! لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها بغير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فلتأت الذي هو (١) خير، وكفّر عن يمينك" (٢). فاعلم يا أمير المؤمنين! أنّ البرّ لا يبلى، وأن الإثم لا يُنسى، وأن لكل عمل جزاءً؛ إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، جعلنا الله تعالى وإياك من العاملين (٣) بكتابه، ووفقنا وإياك بطاعته، ورزقنا وإياك حسن العواقب في الدنيا والآخرة بمنّه ورأفته، إنّه قريب مجيب] (٤). * * *

стр. 248

٦٣ - سعيد بن جُبير (١) سعيد بن جُبير بن هشام أبو عبد الله الأسدي. من سادات التابعين علمًا وفضلًا وعبادة، قرأ القرآن على ابن عباس، وروى عن (٢) عدي بن حاتم، وابن عمر، وعبد الله بن مُغَفَّل، وأبي هريرة، وغيرهم ﵃. وعن ابن عباس ﵁ قال: يا أهل الكوفة، تسألوني وفيكم سعيد بن جبير (٣)؟ وروي عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: مات سعيد بن جُبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه (٤). وروى عنه وأخذ الحَكَم وأيوب وجعفر بن [أبي] المغيرة، ومحمَّد بن سُوْقَة، والأعمش، وخلق كثير قال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمُّنا في رمضان، فيقرأ ليلة بقِراءة ابن مسعود، وليلة بقِراءة زيد بن ثابت (٥).

стр. 249

وعن هلال بن يساف قال: دخل سعيد بن جبير الكعبة فقرأ القرآن في ركعة (١). وقيل: إنه كان يختم في كل ليلتين (٢). هكذا ذكره الذَّهبي في "طبقات القراء". وذكر (٣) ابن قُتيبة في "المعارف" (ص: ٤٤٥): كان سعيد بن جُبير مولى لبني وائلة من بني أسد، ويُكنى أبا عبد الله، وكان أسود، [وكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري وهو على القضاء وبيت المال، وخرج مع ابن الأشعث عبد الرَّحمن بن محمَّد بن الأشعث، فلما هزم أصحاب ابن الأشعث من دير الجماجم هرب سعيد إلى مكة، وأخذه خالد بن عبد العزيز القسري، وكان والي (٤) الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعثه إلى الحجَّاج، وكان الوليد بن عبد الملك ولي الخلافة يوم مات أبوه عبد الملك بن مروان سنة ست وثمانين، وكان خبيث الولاية] (٥). روى ابن قتيبة في "المعارف" (ص: ٤٤٦) أيضًا عن الخطاب عن أبي داود عن عمارة بن زاذان عن أبي الصَّهباء قال: قال الحجَّاج لسعيد بن جبير: اختر أي قتلة شئت، قال: بل اختر أنت لنفسك، فإن القِصاص أمامك، قال له: يا شقي بن كسير! ألم أقدم الكوفة، وليس يؤمُّ بها إلا عربي، فجعلتك إمامًا (٦) بها؟ قال: بلى.

стр. 250

قال: أولم (١) أولِّك القضاء فضجَّ أهل الكوفة وقالوا: لا يصلح إلا لعربي، فوليت أبا بردة، وأمرته أن لا يقطع أمرًا دون أمرك؟ قال: بلى. (قال: أوما جعلتك في سمَّاري؟ قال: بلى) (٢)، قال: فما أعطيتك كذا وكذا من المال تفرِّقه في (٣) ذوي الحاجة، ثم لم أسألك عن شيء منه؟ قال: بلى. فقال له (٤): فما أخرجك عليَّ؟ قال: بيعة (٥) (كانت في عنقي لابن الأشعث) (٦)، فغضب الحَجَّاج، (ثم قال:) (٧) بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عُنقك قبلُ، والله لأقتلنَّك، وقتله الحَجَّاج سنة أربع وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين سنة. وروي (٨) أنَّ سعيدًا حين قتله الحَجَّاج قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم لا تسلِّطه على أحد بعدي، فذبح على النَّطْع، فكانت رأسه تقول بعد قطعها: لا إله إلا الله مرارًا. وعاش الحَجَّاج بعده خمس عشرة ليلة، ولم يُسلَّط على قتل أحد بعده، ذكره الدَّمِيْرِي وغيره. روي أنَّ الحسن البصري لما بلغه قتل سعيد بن جبير قال: اللهم أنت

стр. 251

على فاسق ثقيف رقيب، والله لو أنَّ أهل المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبَّهم الله في النّار، والله لقد مات وأهل الأرض من المشرق (إلى المغرب) (١) محتاجون إلى علمه (٢). وذكر الدَّمِيْرِي في ذكر التَّيس من "حياة الحيوان": يروى عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁، أنّه رأى الحَجَّاج في المنام بعد موته وهو جيفة منتنة، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة (٣) واحدة، إلا سعيد بن جبير، فإنّه قتلني به سبعين قتلة، فقال له: ما أنت منتظر؟ قال: ما ينتظره الموحِّدون. فهذا مما ينفي عنه الكفر، ويُثبت أنّه مات على التوحيد، وعند الله علم حاله، وهو أعلم بحقيقة أمره، وسابق رحمته على غضبه، وهو الكريم الغفَّار. قيل: بعض المشايخ أكفره بما روي عنه أنه (٤) ركب يوم جمعة، فسمع ضجّة (٥)، فقال: ما هذا؟ فقيل: المحبوسون يضجّون ويشكون مما هم فيه من العذاب والجوع، فالتفت إلى ناحيتهم وقال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فما صلى جمعة بعدها (٦).

стр. 252

وبما وقع في "الكامل" (١): أنّه رأى الناس يطوفون حول حجرة رسول الله ﷺ ، فقال: إنما يطوفون بأعواد ورِمَّة. وإنما أكفره الفقهاء بهذا، لأنّ فيه المعاذ بالله تكذيب رسول الله ﷺ ، فإنَّه صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: "إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈" (٢). وقيل: الحكمة في أنَّ الله تعالى قتل الحجَّاج بكل قتيل قتله قتلة (٣) واحدة، وبقتل سعيد بن جبير سبعين قتلة، وعبد الله بن الزُّبير قتلة، وهو صحابي أفضل من التابعي: أنَّ سعيد بن جبير لم يكن له نظير حين قتله، وعبد الله بن الزُّبير كان له نظيرًا في العلم والرَّأي كابن عمر، وأنس بن مالك، وغيرهما ﵃. وفي "فتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل من يصح الاقتداء به: ولا بأس بالصلاة خلف الإمام الجائر، فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلُّون خلف بني أميَّة، وكانوا جائرين مثل الحجَّاج، فإنَّه كان جائرًا على ما روي عن الحسن البصري أنّه قال: لو جاءت كلُّ أمَّة بخبثائها، وجئنا بأبي محمَّد -يعني الحجَّاج- لغلبناهم (٤). مات في خلافة الوليد بواسِط (-بناه الحجاج سنة ثلاث وثمانين-) (٥) في سنة

стр. 253

خمس وتسعين، (ودفن فيها) (١) وعفي قبره، وأجري عليه الماء، ولما مات لم يُعلم بموته حتى خرجت جنازته من قصره، وهم يقولون (هذا البيت) (٢): اليوم يرحمُنا مَنْ كانَ يَغْبِطنا … اليومَ نتَّبع مَنْ كانوا لنا تَبعا [فعلم بموته (٣). واستشهد سعيد بن جبير بواسط، في شعبان سنة خمس وتسعين على ما ذكره الذَّهبي، وقيل: سنة أربع وتسعين. فعن أشعث بن إسحاق قال: كان يُقال لسعيد بن جُبير: جِهْبِذ العلماء (٤). قال في "عناية الهداية": روي عن سعيد بن جبير أنّه قال: قلت لابن عباس: كيف اختلف الناس في وقت تلبية رسول الله ﷺ وما حجَّ إلا مرة واحدة؟ فقال: لبَّى رسول الله ﷺ في دبر صلاته، فسمع ذلك قوم من أصحابه فنقلوا، وكان القوم يأتونه أرسالًا، فلبَّى حين استوت راحلته فسمع ذلك قوم فظنوها أول تلبيته فنقلوا ذلك، ثم لبَّى حين علا البيداء فسمعه قوم آخرون فظنوها أول تلبيته فنقلوا ذلك، وايم الله ما أوجبها إِلَّا في مصلاه (٥). فقلنا: بأن الإتيان بقول ابن عباس أفضل؛ لأنَّه أكَّد روايته باليمين، والإتيان بقول ابن عمر ﵄ جائز؛ يعني حين استوت راحلته.

стр. 254

وفي كتاب الصيد والذبائح من "فتاوى قاضي خان"] (١): روي أنَّ رجلًا جاء إلى سعيد بن جُبير، فقال: كانت ببعض الحيِّ نعامة، فضربها إنسان، فوقدها، فألقاها على كُنَاسة وهي (٢) حية، فقال سعيد: ذكُّوها، هذا يدل على أنَّ النَّعامة من المأكولات، انتهى. * * * ٦٤ - عروة بن الزُّبير (٣) (أخو عبد الله بن الزُّبير ﵃ (٤)، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة، كان له رواية وفقه، ويكنى أبا عبد الله. قال ابن قتيبة (٥): كان فقيهًا، أصابته في رجله بالشام أكِلَة، وهو عند الوليد بن عبد الملك، فقطعت رجله، والوليد حاضر، لم يتحرَّك، ولم يشعر الوليد أنها قطعت حتى شمَ رائحة الكي، وبقي بعد ذلك ثمان سنين. واحتفر بئرًا في المدينة يقال لها: بئر عروة، ليس بالمدينة بئر أعذب منها، وهلك في ضَيعة له بقرب المدينة سنة أربع وتسعين، وكانت تلك السنة تُدعى سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها من الفقهاء وأهل الفُتيا.

стр. 255

٦٥ - هشام بن عروة (١) وكان ابنه هشام بن عروة فقيهًا، وقدم الكوفة في أيام جعفر، فسمع منها الكوفيُّون. مات سنة ست وأربعين ومئة. * * * [٦٦ - عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة (٢)] عُبيد الله بن عبد الله (بن عُتبة) (٣) بن مسعود كان لعبد الله بن مسعود أخ يقال له: عتبة بن مسعود، وكان قديم الإسلام، ولم يروِ عن النبيِّ ﷺ شيئًا، ومات في خلافة عمر ﵄. وكان له (٤) ابن يقال له: عبد الله، ويكنى أبا عبد الرَّحمن، نزل الكوفة، وتوفي بها في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان (٥) كثير الحديث والفُتيا فيها. فمن ولده هذا عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، وكان فقيهًا عالمًا، هو والذي يروي

стр. 256

عنه محمَّد بن مسلم الزُّهري، وهو أحد الفقهاء السَّبعة الذين كانوا بالمدينة، مات سنة ثمان وتسعين. ومن ولد عبد الله عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان زاهدًا عالمًا، له كلام كثير، بليغ حسن (١). وكان أول أمره يقول بالإرجاء، ثم رجع عنه، وكان ذا منزلة من عمر بن عبد العزيز، (وله يقول جرير:) (٢) يا أيها الرَّجل المرخي (٣) عمامَته … هذا زمانك إنِّي قد مضى زمن (٤) أبلغْ خليفَتنا إن كنْتَ لاقيه … إنّي لدى (٥) الباب كالمشدود في قرن هكذا قال ابن قتيبة (٦). (وقال تقي الدِّين بن حِجَّة الحَمَوي في "ثمرات الأوراق" هذين البيتين قالهما جرير مُخاطبًا إلى رجاء بن حَيْوَة، وسنذكره إن شاء الله تعالى في عمر ابن عبد العزيز) (٧). * * *

стр. 257

[٦٧ - القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق (١)] الفقيه العارف العالم الرَّباني قاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصدِّيق ﵃. أحد الفقهاء السَّبعة بالحجاز. وكان أبوه محمَّد بن أبي بكر ممَّن أعانَ على قتل عُثمان ﵄، ثم ولَّاه عليُّ بن أبي طالب ﵁ مصر، فقاتله صاحب معاوية هناك فظفر به فقتله. وكان قاسم بن محمَّد بن أبي بكر من سادات التَّابعين وفقهائهم، أخذ عن سلمان، وعائشة، وروى عنهما وعن غيرهما ﵃. مات سنة ثمان ومئة. (وكان ﵀ جدَّ الإمام جعفر الصَّادق، وأم الإمام جعفر الصَّادق فروة بنت قاسم بن محمَّد بن أبي بكر. ولد لسنة ثمانين، ومات سنة ثمان وأربعين ومئة، ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه) (٢). * * *

стр. 258

[٦٨ - أبو بكر بن عبد الرَّحمن (١)] أحد الفقهاء السَّبعة أبو بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام. وكان الحارث أخا أبي جهل بن هشام، شهدَ بدرًا مع المشركين، ثم أسلم يوم فتح مكة، وكان من المؤلَّفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وخرج في زمن عمر ﵁ بأهله وماله، فأتبعه أهل مكة يبكون، فرقَّ وبكى، وقال: لو أنَّا نستبدل دارًا بدار، وجارًا بجار، ما أرْدُت بكم بدلًا، ولكنها النقلة إلى الله ، فلم يزل هناك مجاهدًا حتى مات في طاعون عَمَوَاس سنة ثمانية عشر. [وكان ابنه عبد الرَّحمن بن الحارث يُكنى أبا محمَّد، وكان اسمه إبراهيم، فدخل على عمر ﵁ في ولايته حين أراد أن يغيِّر أسماء المسمَّون بأسماء الأنبياء ﵈، فسمَّاه عبد الرَّحمن فثبت اسمه إلى اليوم (٢). وكان شريفًا سخيًّا، توفي في خلافة معاوية بالمدينة. وأبو بكر هذا ابنه اسمه كنيته، وكان يقال له: راهب قريش؛ لكثرة فضله وصلاته، واستصغر يوم الجمل فرُدَّ هو وعروة بن الزُّبير، وكان في أواخر عمره ذهب بصره، دخل مُغتسله، فمات فيه فجأة سنة أربع وتسعين بالمدينة، وهي سنَّة الفقهاء. وروى وأخذ عن أبي هريرة وعائشة، وعنه الزُّهري محمَّد بن مسلم، وجماعة] (٣).

стр. 259

[٦٩ - سليمان بن يسار (١)] أحد الفقهاء السَّبعة سُليمان بن يسار. عن (٢) أبي اليقظان: كان يسار مولى ميمونة الهلاليَّة، زوج النبيِّ ﷺ ورضي الله عنها، وولد ليسار سليمان، وعطاء، ومسلم، وعبد الملك، بنو يسار كلُّهم فقهاء. ومات سليمان سنة سبع ومئة، وله ثلاث وستون سنة، وكان يُكنى أبا أيوب، انتهى. [وأخذ عن عائشة وأبي هريرة وغيرهما ﵃، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة الرَّأي القاضي، وعطاء بن يسار. كان قاضيًا، ويرى القدر، ويُكنى أبا محمد ومات سنة ثلاث ومئة، وهو ابن أربع وثمانين سنة. ومات أخوه عبد الملك بن يسار سنة عشر ومئة. ذكره ابن قتيبة (٣). ذكر نجم الدِّين عمر النَّسَفِي صاحب "التيسير في التفسير" في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] عن سعيد بن جبير، قال: كنت أنا ومجاهد عند ابن عباس، فسأله رجل عن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فقال: من حيث جاء الدم. فقال: كيف بالآية التي بعدها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ

стр. 260

فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، فقال: ويحك هل في الدبر من حرث (١)؟ وقال عطاء: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: متى شئتم من ليل أو نهار (٢). وقالوا: هذا لا يصح في اللغة؛ لأنّ "أنى" له ثلاثة معان فقط: معنى كيف، ومعنى أين، ومعنى أيَّ وجه، قال الله تعالى: ﴿أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، فأنى بمعنى متى، فليس ذلك في اللغة. قلْتُ: وفي "القاموس": أنى يكون بمعنى أين، ومتى، وكيف، وهي من الظروف التي يُجازى به: أنَّى تأتني آتك. انتهى كلام "القاموس" (٣)] (٤). * * * [٧٠ - خارجة بن زيد بن ثابت (٥)] أفقه الفقهاء السَّبعة بالحجاز خارِجَة بن زَيْد بن ثابِت. كان أبوه زيد بن ثابت ﵁ آخر من عَرَض القرآنَ على رسول الله ﷺ على مصحفه، وهو أقرب المصاحف من مصحفنا، وكان كاتب عمر بن الخطاب ﵄، ومات سنة خمس وأربعين، وصلَّى عليه مروان.

стр. 261

وكان (١) له أخٌ يقال له: يزيد بن ثابت. وابنه هذا خارجة بن زيد وأيضًا (٢) يُكنى أبا زيد، وكان من الفقهاء وأهل الفُتيا، (له علم) (٣). وهو الَّذي (٤) قال: رأيت في المنام كأنّي بنيت سبعين درجة، فلما فرغت منها تهورت، وهذه السنة لي سبعين سنة قد أكملتها، فمات فيها، وهي سنة مئة بالمدينة، ذكره ابن قتيبة (٥). (وفي "فوائد الجواهر المضيَّة" (١: ٤٢٢): خارجة بن زيد بن ثابت من الفقهاء السَّبعة، أخذ وروى عن أبيه زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وعنه ابنه سليمان، مات سنة تسع وتسعين، روى له الجماعة) (٦). * * * ٧١ - محمَّد بن سيرين رحمة الله عليه (٧) كان عبدًا لأنس بن مالك، كاتبَه على عشرين ألفًا فأدَّاها، وكان من سَبي مَيْسان،

стр. 262

افتتحها المغيرة بن شُعبة، وكان سُبي معه من مَيْسان الحسنُ البَصْري، وكان ابنُ سيرين محمَّد من أعلام التابعين، وأفتى في زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى، وسوغوا له الاجتهاد، وعدوه في مواقع الإجماع. [ذكر الشَّيخ الإمام صاحب "الفوائد الظَّهِيْرِيَّة" محمَّد ظهير الدِّين البُخاري في "فتاواه" في فصل التَّدبير والاستيلاد: عتق المدبَّر يُعتبر من ثلث المال، مطلقًا كان أو مقيدًا، وهو مذهب علي، وسعيد بن المسيب، وشريح، والحسن، وابن سيرين، فقد صحَّت برواية ابن عمر ﵃ أجمعين: أنَّ النبيَّ ﷺ جعل عتق المدبّر من الثُّلث (١). وقوله: عتق المدبَّر يعتبر من الثُّلث، أراد به: إذا لم يكن على الميت دين، حتى لو كان على الميت دين يستغرق ماله وقيمة المدبَّر، فالمدبَّر يسعى في جميع قيمته للغرماء؛ لأنَّ عتقه بطريق الوصية، والوصية مؤخَّرة عن الدَّين، فيجب ردُّ عتقه، وردُّ العتق بردِّ مناه، وذلك بإيجاب السعاية عليه. وكان ابن سيرين بزَّازًا، حُبِس ابن سيرين بدين كان عليه، وكان يقول: إنِّي لأعرف الذنب الذي حُمل به عليَّ الدين، فقيل له: ما هو؟ قال: قلتُ لرجل منذ أربعين سنة: يا مُفلس (٢)] (٣). وكان أنس بن مالك ﵁ قد أوصى أن يغسِّله ويصلِّي عليه محمَّد بن سيرين، وكان ابن سيرين محبوسًا لما مات أنس بن مالك فاستأذن الأمير، فأذن له،

стр. 263

فخرج فغسَّله وكفَّنه وصلَّى عليه، ثم رجع إلى السِّجن، ولم يذهب إلى أهله (١). وكان أعبر الناس في الرُّؤيا، وله اليد الطُّولى في التَّعبير، روي أنّ امرأة جاءته يتغدى فقالت: رأيت القمر دخل في الثريا، ونادى مُنادٍ من خلفه: أين ابن سيرين فقضى عليه، فحين سمعه تغيَّر لون ابن سيرين، وقام وهو آخذ على بطنه، فقالت له أخته: ما بالك؟ قال: زعمت هذه أني ميت بعد سبعة أيام، فمات ﵀ بعد سبعة أيام، في سنة عشر ومائة، بعد الحسن البصري ﵀ بمئة يوم. وقضى عليه ابنه ثلاثين ألف درهم، فما مات عبد الله حتى قوِّم ماله ثلاثمئة ألف درهم. وكان محمَّد بن سيرين كاتب أنس بن مالك بفارس ﵃. * * * [٧٢ - أبو العالية الرِّياحي (٢)] أبو العالية الرِّياحي رُفَيع بن مِهْران البَصْري. كان مولى امرأة من بني رِياح، أسلم في خلافة أبي بكر ودخل عليه، وصلَّى خلف عمر، وقرأ القرآن على أُبيٍّ، وروى عن عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 264

(وعن أبي عَمرو (١) الدَّاني أنّه قال: أخذ أبو العالية القراءة عرضًا عن أُبيٍّ، وزيد بن ثابت، وابن عبَّاس، وقرأ عليه أبو عمرو) (٢)، وروى عنه خالد الجزَّار، وعاصم الأحول، (وخلق كثير) (٣). وذكر الذَّهبي في "طبقاته": أنّ أبا العالية كان إمامًا [في القرآن والتَّفسير والعلم والعمل. مات سنة تسعين. روي عن أبي العالية أنه قال: كنْتُ آتي ابن عباس، وهو أمير البصرة، فيجلسني على السَّرير. إلى هنا كلام الذَّهبي (٤). عدَّه أبو القاسم السِّمْناني في "روضته" من سمط القضاة، وكان فقيهًا من أهل الفُتيا. ذكر ابن قتيبة (٥): حدثني أحمد بن الخليل، عن مسلم بن إبراهيم، عن أبي خلدة، قال: سألت أبا العالية عن قتل الذَّر، فجمع منهم شيئًا كثيرًا، وقال: مساكين، ما أكيسهن، ثم قتلهن وضحك. وكان مزَّاحًا] (٦). مات سنة تسعين. * * *

стр. 265

٧٣ - قَبِيْصَةُ بنُ ذُؤَيْبٍ الفقيه (١) عده السِّمْناني في سلك القضاة (٢)، كان من وجوه التَّابعين والأعيان بالمدينة، (وكان راوية زيد بن ثابت، ويكنى أبا إسحاق، وكان على خاتم عبد الملك بن مروان. وكان الزُّهري يروي الحديث عنه، وهو أدخل الزُّهري على عبد الملك، وفرض له، ذكره ابن قتيبة (٣). وقال:) (٤) توفي قَبِيْصة (٥) بالشَّام سنة ستٍّ وثمانين، (ولا أعلم له عقبًا) (٦). * * * ٧٤ - أبو سليمان يحيى بن يَعْمَر العَدْوانِيُّ البَصْرِيُّ (٧) سمع ابنَ عباس وابن عمر وعائشة وأبا هريرة رضي الله تعالى عنهم، (وروى أيضًا عن أبي ذر، وعمَّار بن ياسر) (٨).

стр. 266

وحدَّث عنه قتادة، ويحيى بن عقيل، وعطاء الخراساني، (وسليمان التَّيمي، واسحاق بن سُويد، وأخذ القراءة عرضًا عن أبي الأسود الدُّؤَلي، وأخذ العربية عنه) (١)، وكان فصيحًا مفوَّهًا عالمًا (٢)، وهو أول من نقَّط المصحف، وقرأ عليه أبو عَمْرو بن العلاء، وعبد الله الحضرمي) (٣). ولي قضاء خراسان لقُتيبة بن مسلم (٤)، ثم إنَّ قتيبة عزله لما بلغه عنه شرب المُنَصَّف (٥)، توفي قبيل سنة تسعين، كذا (٦) ذكره الذَّهبي في "طبقات القراء" (٧). [ذكر الخَصَّاف في باب القاضي يقضي في المسجد (١: ٣٠٢)، عن ابن المبارك عن رجل قال: أتيت يحيى بن يَعْمَر في منزله فقال: القاضي لا يُؤْتَى في منزله (٨). قال الصَّدر الشَّهيد: تكلموا في تأويله من وجهين: أحدهما: أن المراد منه إذا ملَّ القاضي من سماع الخصومات، فقام ليستريح، لا ينبغي للخصوم أن يقبضوه. والثاني: أنَّ المراد لا يأتي أحدُ الخصمَيْن في دار القاضي؛ لأنَّ القاضي يُتَّهَم بالميل إليه، ولا يُؤْتَى في منزله نفيًا للتُّهمة.

стр. 267

وذكر الخَصَّاف في باب التَّسوية [بين] الخصمَيْن (١) عن عبد الله بن المبارك أيضًا، عن رجل قال: أتيت يحيى بن يَعْمَر في منزله، فقال القاضي لا يؤتى في منزله. أراد به: أحد الخصمَيْن، قال الصَّدر الشَّهيد: أما إذا كان الخصمان معًا لا بأس بأن يدخلا عليه. ثم قال الصَّدر الشَّهيد: قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب، يعني الخَصَّاف: والذي يُكره للقاضي من هذا أن يكون يأذن لأحد الخصمَيْن يدخل منزله، فإنَّ ذلك يُكْرَه لخصمه، فأمَّا إذا لم تكن له خصومة فلا بأس بأن يأذن القاضي له من الدُّخول ﵇ أو لحاجة تُعْرَض. وذكر القاضي ظَهير الدِّين البُخاري في "فتاويه" في "كتاب السير" في الفصل الثاني: ولو أنَّ جماعة من الكفَّار قالوا للمسلمين: أمِّنونا على ذرارينا، فأمَّنوهم على ذلك، فهم آمنون، وأولادهم وأولاد أولادهم وإن سفلوا، من أولاد الرِّجال، لأنَّ اسم الذُّريَّة يعمُّ جميع ذلك، ألا ترى أنَّ النَّاس كلهم ذرية آدم ونوح ﵉، ولا يدخل أولاد البنات كذا ذكره في "السير الكبير" لأنّ أولاد البنات من ذرية آبائهم لا من ذرية أمَّهاتهم، لأنَّ الناس يضافون إلى آبائهم لا إلى أمهاتهم. وذكر في موضع آخر: إنَّ أولاد البنات يدخلون في ذلك؛ لأنَّ الذرية اسم للفرع المتولِّد من الأصل، والأب والأم أصلان للولد، ومعنى الأصالة في جانب الأم أبين؛ لأنَّ ماء الفحل يصير مستهلكًا بالحضانة في أرحام الأمَّهات. وقال فيه: وفي المسألة حكاية يحيى بن يَعْمَر -بفتح الميم- فإنَّ الحَجَّاج أمر به ذات يوم، فأدخل عليه وهمَّ بقتله، فقال له: لتقرأنَّ عليَّ آية من كتاب الله تعالى

стр. 268

على أنّ العلوية من ذرية رسول الله ﷺ أو لأقتلنَّك، ولا أريد قوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] فتلا عليه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [سورة الأنعام ٨٤ - ٨٥]، ثم قال: فعيسى من ذرية نوح من قِبَل الأمِّ. فبهت الحجاج وردَّه بجميل (١)] (٢). * * * [٧٥ - أبو الحَجَّاج مجاهد بن جَبْر المَخْزومي (٣)] أحد الأعلام، أوحد الأخيار، المقرئ المفسِّر، الإمام مجاهد بن جَبْر، أبو الحجَّاج، مولى السَّائب المَخْزومي المكِّي. قرأ على ابن عباس، وصحب ابن عمر مرارًا (٤) كثيرة، وأخذ عنه، وروى عن عائشة، وأبي هريرة، وسعد، وعبد الله بن عمر، وكثير من الصحابة ﵃. وقرأ عليه ابن كثير، وأبو عَمْرو وغيرهم، وحدَّث عنه قَتادة وعَمرو بن دينار وأيُّوب ومنصور والأعمش وابن عون وغيرهم، وجاء عنه أنَّه قرأ القرآن على ابن عباس ثلاثين مرَّة (٥).

стр. 269

[والذي صحّ أنّه قال: عرضتُ القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات (١)، أقفه (٢) عند كلِّ آية أسأله: فيمَ نزلَتْ، وكيفَ كانت (٣). قال قتادة: أعلمُ من بقي بالتَّفسير مجاهد (٤). وقال سلمة (٥) بن سهيل: كان مجاهد ممَّن يريد بعلمه الله (٦)، وقال الأعمش: كنْتُ إذا رأيت مجاهدًا ازدريته مبتذلًا كأنه خربنده (٧) قد ضلَّ حماره (٨). توفي سنة ثلاث ومئة، (وقد نيف) (٩) على الثمانين، هكذا ذكره الذَّهبي في "طبقات القراء" (١٠).

стр. 270

في كتب الأصول في باب السُّنة: إذا عمل الراوي بخلاف الخبر بعد أن يبلغه ما هو خلاف بيقين، فإن ذلك جرح فيه، لأنَّ ذلك العمل إذا كان حقًّا فقد بطل الاحتجاج به، وإن كان خلاف الخبر باطلًا فقد سقطت به روايته، إلا أن يعمل ببعض ما يحتمله الحديث. قال في "التنقيح" (١): كحديث ابن عمر ﵄ في رفع اليدين في الركوع (٢)، قال مجاهد: صاحبت ابن عمر عشر سنين فلم أره يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح. قال العلامة المولى ابن كمال باشا في "تغيير التنقيح": وفيه قصور إذ لا دلالة فيما ذكره على أن صحبته كانت بعد الرواية، وقد يُجاب عنه بأن مُجاهدًا تابعي ولا شك في أنه صحب ابن عمر بعد ما رأى فعل النبي ﷺ . ولو كان رأى ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ رفع يديه حيث ركع وحيث رفع رأسه لما ساغ له العمل بخلافه بعد وفاة رسول الله ﷺ . ذكر حافظ الدِّين ابن البَزَّازي في "مناقب أبي حنيفة" عن سفيان بن عيينة قال: اجتمع الإمام أبو حنيفة مع الإمام عبد الرَّحمن الأوزاعي في المسجد الحرام، فقال له: مالكم أن لا ترفعوا أيديكم عند رفع الرأس من الركوع؟ قال: لأنه لم يصحَّ فيه عن رسول الله ﷺ . فقال: كيف وقد حدثني الزُّهري عن سالم، عن أبيه، عنه ﷺ : أنَّه كان يرفع يديه عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع؟ فقال: أخبرني حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود، عن عبد الله بن مسعود ﵁:: أنَّ النبيَّ ﷺ كان لا يرفع يديه إلا عند الافتتاح، ثم كان لا يعود لشيء من ذلك (٣).

стр. 271

فقال الأوزاعي: أحدِّثكم عن الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر، وأنت عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة؟! كأنَّه رجح بعلو الإسناد. فقال أبو حنيفة: أما حماد فكان أفقه من الزُّهري، وإبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر. وفي رواية: ولولا سبق ابن عمر، لقلتُ علقمة أفقه منه، وفي رواية: وعلقمة ليس بدون ابن عمر، وإن كان لابن عمر صحبة، فله فضل الصحبة، والأسود له فضل كثير، وعبد الله فعبد الله، وسكت الأوزاعي (١). وقد ذكر هذه الحكاية أبو البركات حافظ الدِّين النَّسَفِي في كتابه "المصفَّى" شرح منظومة أبي حفص نجم الدِّين النَّسفي، في باب فتاوى الشَّافعي، وحدَّه في بيت: وسنة رفع اليدين إذ ركع … وعند رفع الرَّأس منه إذ رفع] (٢) * * * ٧٦ - زين العابدين علي بن الحسين (٣) أعزُّ التابعين، أجلُّ السلف الصالحين، الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين كانت أمُّه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس.

стр. 272

وعن الزَّمَخْشَري في "ربيع الأبرار": أنَّ يزدجرد كان له ثلاث بنات سُبين في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فحصلَتْ واحدة منهن لعبد الله بن عمر ﵄، فأولدها سالمًا، والأخرى لمحمَّد بن أبي بكر الصديق ﵄، فأولدها قاسمًا، والأخرى للحسين بن علي ﵄، فأولدها عليًّا زين العابدين، فكلهم بنو خالة. وكان زين العابدين مع أبيه بكربلاء، فاستُبقي لصغر سنه؛ لأنهم قتلوا كل من أنبَتَ كما يُفعل بالكفَّار، قاتل الله فاعل ذلك وأخزاه ولعنه، (وكان أقدم عبيد الله بن زياد بقتله، ثم صرفه الله عنه) (١)، وأشار بعض الفجرة على يزيد بن معاوية بقتله أيضًا، فحماه الله منه. ثم إنَّ يزيد بن معاوية صار يكرمه ويعظمه (ويجلس معه) (٢)، ولا يأكل إلا وهو عنده (٣)، ثم بعثه إلى المدينة فكان بها محترمًا معظَّمًا. (وعن ابن عساكر: أنَّ مسجده بدمشق معروف، وهو الذي يقال له: مشهد عليٍّ بجامع دمشق) (٤). وعن الزُّهري (أنه قال) (٥): ما رأيت قرشيًّا أفضل منه. وعن محمَّد بن سعد: كان زين العابدين ثقة، مأمونًا، كثير الحديث عن رسول الله ﷺ ، عالمًا، ولم يكن من أهل البيت مثله.

стр. 273

وعن الأصمعي: لم يكن للحسين ﵁ عقب إلا من ابنه زين العابدين، ولم يكن لزين العابدين نسل إلا من ابنة عمِّه الحسن، فجميع الحسينيّين من نسله. روى الحديث عن أبيه، وعمِّه، وجابر، وابن عباس، والمِسْوَر بن مخرمة، وأبي هريرة، وصفية، وعائشة، وأم سلمة أمهات المؤمنين. وكان إذا توضأ يصفرُّ لونه، فإذا قام إلى الصلاة أرعد (١) من الخوف، فقيل له في ذلك، فقال: أتدرون بين يدي مَن أقوُم وبمن أناجي؟ (ويروى أنّه احترق البيت الذي هو فيه وهو قائم يصلي، فلما انصرف قيل له: ما بالُك لم تنصرف حين وقعت النار، فقال: إنّي اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى، وكان كثيرَ الصدقات) (٢). مات سنة أربع وتسعين، وقيل: اثنين وتسعين، وقيل: في ثلاث، وقيل: في تسع وتسعين، وكان عمره ثمان وخمسين سنة، ودُفن في قبر عمِّه الحسن ﵃ في البقيع، وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين. وولد له من فاطمة بنت الحسين ﵁ الإمام محمَّد الباقر، وهو والد الإمام جعفر الصَّادق ﵀ وكانت أمَّه بنت قاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃. * * *

стр. 274

[٧٧ - ظالم بن عَمْرو الدُّؤَلي (١)] ظالم بن عَمْرو بن سليمان أبي الأسود الدُّؤَلي. وقاضي البصرة، منسوب إلى الدُئِيل -بضم الدال وكسر الهمزة-: دويبة شبيهة بابن عِرس، (قالوا: لا يجيئ اسم على فعل غيره) (٢). وعن الأخفش: ينسب إليه أبو الأسود ظالم، قاضي البصرة، (إلا أنهم فتحوا الهمزة على مذهبهم في النِّسبة؛ استثقالًا لتوالي الكسرتين مع ياء النِّسبة، كما نسبوا إلى تمر: تمري، وإلى ملك: ملكي) (٣). وكان من سادات التَّابعين وأعيانهم، يروي عن عليّ، وأبي موسى، وأبي ذر، وعمران بن الحصين، وصحب عليَّ بن أبي طالب ﵃، وشهد مع عليٍّ صفِّين، وكان من أكمل الناس رأيًا، (وأشدّهم عقلًا) (٤)، وهو أوَّل من وضع النَّحو بإشارة عليٍّ ﵁. ذكر ابن قتيبة (٥): ولي البصرة لابن عباس، وفلج بالبصرة. ومات بها سنة تسع وستين، في طاعون الجارف بالبصرة.

стр. 275

عن المدائني قال: (١) حدَّث من أدرك الجارف، قال: كان ثلاثة أيام، فمات في كلِّ يوم نحو من سبعين ألفًا، وعن أبي اليقظان وغيره: مات لأنس بن مالك في طاعون الجارف سبعون ولدًا من أولاده وأولاد أولاده، كذا حكاه الذهبي (في "طبقاته". وأخذ عنه أبو حرب بن الأسود، ويحيى بن يَعْمر، وعبد الله بن بريدة، وجماعة) (٢). وكان أبو الأسود حازمًا بخيلًا، وهو القائل: (لا تجاودوا الله تعالى فإنّه أجود وأمجد، ولو شاء أن يوسع على النَّاس كلِّهم لفعل، فلا تجهدوا (٣) أنفسكم في التَّوسعة على الناس فتهلكوا هزلًا (٤). وهو صاحب نوادر؛) (٥) منها: أنّه سمع رجلًا يقول: يا من يعشِّي الجائع، فدعاه وعشَّاه، فلما (ذهب السائل ليخرج) (٦)، قال له: هيهات، إنما أطعمتك على أن لا تؤذي المسلمين الليلة، ثم وضع رجله في الأدهم، يعني: القيد حتى أصبح. [ومنها: أنَّه قال له رجل: إنك ظرف علم، ووعاء حلم، غير أنك بخيل، فقال: وما خير ظَرْف لا يُمْسَك ما فيه. ومنها: أنَّه اشترى ثوبًا بتسعة دنانير فمرَّ به رجل أعور، فقال له: بكم اشتريته،

стр. 276

فقال: قوِّمه، قال: قيمته أربع دنانير ونصف، قال الأسود: معذور أنت؛ لأنك نظرته بعين واحدة، فقومته بنصف قيمته. ومنها: أنَّه نام يومًا، فلمَّا استيقظ سمع صوتًا، فقال: ما هذا؟ فقال: الفرس يأكل شعيره. فقال: لا أترك في مالي مَنْ أنام وهو يتلفه، ولا أترك إلا مَنْ يزيده وينميه، فباعه واشترى بثمنه (١) أرضًا للزِّراعة. ومنها: دخل على معاوية ﵁ يومًا، فبينما هو يخاطبه إذ ضرط أبو الأسود، فضحك معاوية، فقال له: يا أمير المؤمنين لا تخبر بها أحدًا، فلمَّا خرج من عنده دخل عليه عَمْرو بن العاص فأخبره بما كان من أبي الأسود، فلمَّا رآه عَمْرو. قال له: يا أبا الأسود ضرطْتَ بين يدي أمير المؤمنين، فلما دخل أبو الأسود على معاوية قال له: كيف تصلح للخلافة وتؤمَّن على أموال المسلمين ودمائهم إذا لم تكن لك أمانة على ضرطة، فضحك معاوية ووصله، ذكرها الدَّمِيْري في "حياة الحيوان"] (٢). * * * [٧٨ - طاوُس بن كَيْسان (٣)] طاوُس بن كَيْسان أبو عبد الرَّحمن اليَماني. كان رأسًا في العلوم والعمل من سادات التَّابعين، أدركَ خمسين صحابيًّا من

стр. 277

أصحاب النبيِّ ﷺ ، وسمع ابن عبَّاس وأبا هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الزُّبير ﵃. روى عنه مجاهد وعَمرو بن دينار وعمر بن شعيب ومحمَّد الزُّهري. لما وليَ عمر بن عبد العزيز الخلافة كتبَ إليه طاوس: إن أردْتَ أن يكون عملك خيرًا كله فاستعمل أهل الخير، فقال عمر بن عبد العزيز: كفى بها موعظة (١). [وعن عبد الله الشَّامي أنَّه قال: أتيت طاوسًا فخرج إليَّ الشيخ، فقلْتُ له: أنت طاوس، فقال: أنا ابنه، فقلْتُ: إن كنتَ ابنه فإن الشَّيخ قد خرف، فقال: إنَّ العالم لا يخرف، فدخلتُ عليه، فقال: أتحب أن أجمع لك التوراة والإنجيل والزَّبور والفرقان في مجلس هذا؟ قلت: نعم. فقال: خف الله مخافة لا يكون عندك شيء أخوف منه، وأرجه رجاءً هو أشد من خوفك إيَّاه، وأَحِبّ لأخيك ما تحبُّ لنفسك. ذكره الدَّمِيْرِي (٢). ورأيت في "ثمرات الأوراق" لابن حِجَّة الحَمَوي الحنفي: حكي عن هشام ابن عبد الملك: أنَّه (٣) قدم حاجًّا إلى بيت الله الحرام، فلمَّا دخل الحرم، قال: ائتوني برجل من الصحابة، فقيل: يا أمير المؤمنين! قد تفانوا، قال: فمن التَّابعين، فأوتي بطاوس اليماني، فلما دخل خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يُسلم بإمرة المؤمنين، ولم يكنَّه، وجلس إلى جانبه بغير إذنه، وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب من ذلك

стр. 278

غضبًا شديدًا حتى هَمَّ بقتله، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أنْتَ في حرم الله تعالى وحرم رسوله ﷺ لا يُمكنك ذلك. فقال: يا طاوس، ما حملك على ما صنَعْتَ؟ فقال: وما صنعْتُ؟ قال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلم عليَّ بإمرة المؤمنين، فقال له طاوس: أما خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعها بين يدي ربِّ العزَّة في كلِّ يوم خمس مرات فلا يعاتبني ولا يغضب عليَّ، وأما قولك: لم تسلِّم عليَّ بإمرة المؤمنين، فليس كل المؤمنين راضين بإمرتك، فخِفْتُ أن أكون كذَّابًا، وأما قولك: لم تُكنني فإن الله تعالى سمَّى أنبياءه، فقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿يَايَحْيَى﴾ [مريم: ١٢]، ﴿يَاعِيسَى﴾ [آل عمران: ٥٥]، وكنَّى بأعدائه فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، وأما قولك: [جلسْتَ] (١) بإزآئي بغير إذني، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يقول: إذا أردْتَ أن تنظر إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل وحوله قومٌ قيام. فقال له: عِظْني، فقال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ يقول: إنَّ في جهنَّم حيات كأفيال، وعقارب كالبغال، تلدغ كلَّ أمير لا يعدل في رعيَّته (٢)] (٣). توفي رحمه الله تعالى حاجًّا بمكَّة قبل التَّروية بيوم، وصلَّى عليه هشام بن عبد الملك في سنة ست ومئة، وحجَّ أربعين حجّة، وكان مُجاب الدعوة. * * *

стр. 279

[٧٩ - إبراهيم النَّخَعي (١)] ساقة هذه الكتيبة: إبراهيم بن يزيد النَّخَعي. رهط علقمة، والأسود. من النَّخَع مُحركة: هي قبيلة من اليمن. وهو ابن عَمْرو بن علة بن خالد بن مالك بن أدد (٢). حُمِل عنه العلمُ، وهو ابن ثمانية عشرة سنة. وهو عالم الكوفة وأستاذ حمَّاد، والمقتدى في الوقت. أخذ العلم من علقمة والأسود صاحبي عبد الله بن مسعود، وروى عن أبي عبد الرَّحمن السُّلمي صاحب علي بن أبي طالب ﵁. [وفي "الفتاوى الصوفية" في الفصل الثاني في رجوع العلماء إلى الزُّهد، نقلًا عن فتاوى النَّسَفِي في مناقب إبراهيم النَّخَعي: إنّ إبراهيم كان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة، والعصر عصر بقية التابعين، فجاءه (٣) يومًا مستفتٍ وهو في المتوضأ. فقالت له أمُّه: أمكث ساعة، فإن ابني هذا كثير الاختلاف في المتوضأ، والآن فيه، وإني أسأل الله تعالى أن يتوب عليه ويجعله خيرًا من هذا. فقال المستفتي: وكم يختلف إليه؟ فقالت: في الشهر مرتين، فتعجب المستفتي، وقال: أكثير هذا؟ قالت:

стр. 280

نعم، فأنا ما اختلف إليه في الشَّهر إلا مرة واحدة. إلى هُنا تم ما في "الصوفية". وذكر حافظ الدِّين الكَرْدَري في "مناقب أبي حنيفة" رحمه الله تعالى: لما مات إبراهيم النَّخَعي قال الشَّعبي: مات أفقه أهل الكوفة، قيل له: أتقول هذا وأنت فيهم؟ قال: لما مات مُجاهد، قال عطاء: مات أفقه أهل مكَّة. فقيل له: أتقول هذا وفيهم سالم بن عبد الله، وعروة بن الزُّبير؟ فقال: مات أفقه أهل الدنيا. وفي كتاب الأشربة من "فتاوى قاضي خان": روي عن إبراهيم النَّخَعي ما يرويه الناس: "كلُّ مسكر حرام" (١)، وكذا ما يرويه الناس: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٢) ليس بثابت، وإبراهيم كان خبيرًا صير في الحديث (٣). وفي كتاب الهبة في فصل الصدقة من "فتاوى قاضي خان" أيضًا: رجل أخرج إلى المسكين كسرة فلم يجده، قال الحسن البصري: يضعها حتى يجيء آخر، فإن أكلها أطعم مثلها. وعن إبراهيم النَّخَعي مثل هذا، وقال الشعبي: هو بالخيار إن شاء قضاها، وإن شاء لم يقضها، وما أخرجه للصدقة لا يكون صدقة إلا بالدَّفع إلى الفقير. وقال مجاهد: هو بالخيار متى أخرج صدقته، إن شاء أمضى وإن شاء لم يمضِ، وعن عطاء مثل هذا، وبه أخذ الفقيه أبو اللَّيث رحمه الله تعالى.

стр. 281

قال الشَّيخ الأكمل في "عناية الهداية": روى الطَّحَاوِي في "شرح الآثار" بإسناد إلى حماد عن إبراهيم النَّخَعي، قال: المُطلقة والمختلعة والمتوفى عنها زوجها والملاعنة لا يختضبن، ولا يتطيّبن، ولا يلبسن ثوبًا مصبوغًا، ولا يخرجن من بيوتهن (١). وإبراهيم أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى فيجوز تقليده. وذكر الإمام جمال الدِّين البَزْدَوي في "تهذيب الجامع الصغير" للزعفراني: روي عن علي ﵁ حين سئل عن الفأرة إذا وقعت في البئر وماتت فيها، يُنزح منها دلاء، وفسَّره عطاء بعشرين دلوًا، وعن إبراهيم النَّخَعي، وجماعة من الصحابة ﵃: أنَّه يُستقى في الفارة عشرون أو ثلاثون دلوًا، فإن قيل: كيف يفصل بين الطاهر من الماء والنجس؟ قلنا: هذا اعتراض على الصحابة وإجماعهم، فلم يُقبل؛ لأنَّ اعتبار موجب القياس ساقط في مُخالفة الصحابة ﵃. وذكر الخَصَّاف في "أدب القضاء" في باب نفقة المطلَّقة عن إبراهيم أنَّه قال: قوت المطلَّقة نصف صاع كلَّ يوم بإدامها، إنما قيد بالإدام لأنها ربما لا تقدر على أكل الخبز القفار فتجوع وتتضرر، والضَّرر منفي في التَّسريح. وفي باب اليمين فيه أيضًا: إذا اُدُّعي على مورث دَيْن أو عين كيف يحلف على العلم أو على البتات؟ وبالبتات أخذ ابن أبي ليلى. وقال إبراهيم النَّخَعي والحسن البصري: يحلف على العلم، وبه أخذ علماؤنا ﵏. وفي فصل الجمعة من "فتاوى الظَّهِيْرِيَّة" روي عن إبراهيم النَّخَعي وإبراهيم بن مهاجر أنهما كانا يتكلَّمان وقت الخُطبة، فقيل لإبراهيم النَّخَعي في ذلك فقال: إنّي صليت الظُّهر في داري، ثم خرجت إلى الجمعة تقية.

стр. 282

وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنَّ النَّاس كانوا في ذلك الزَّمان فريقَيْن؛ فريقًا منهم لا يصلِّي الجمعة، لأنه كان لا يرى الجائر سلطانًا، وسُلطانهم يومئذ كان جائرًا، وإنما كانوا لا يصلون الجمعة لأجل ذلك. وكان فريق منهم يترك الجمعة لأنَّ السُّلطان كان يؤخِّر الجمعة عن وقتها في ذلك الزمان، فكانوا يؤدُّون الظُّهر في بيوتهم، ثم يصلُّونها مع الإمام، ويجعلونها سبحة أي نافلة. وقال بعضهم: ما دام الخطيب في حمد الله والثَّناء عليه والمواعظ فعليهم الاستماع، فإذا أخذ في مدح الظَّلمة والثَّناء عليهم فلا بأس بالكلام حينئذ. وفي "البدائع": البعيد من الخطيب إذا لم يسمع الخطبة كيف يصنع؟ اختلف المشايخ فيه، قال محمَّد بن سلَمة البَلْخِي: الإنصات أولى من قراءة القرآن، وهكذا روى المعلَّى عن أبي يوسف، وهو اختيار الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، ووجهه ما روي عن عمر وعُثمان ﵄ أنهما قالا: إنَّ أجر المنصت الذي لا يسمع مثل أجر المُنصت الذي يسمع، ولأن في حال قربه من الإمام كان مأمورًا بشيئين: الاستماع والإنصات، وهو عاجز عن الاستماع، قادر على الإنصات فيجب عليه. وعن نصير بن يحيى: أنّه أجاز له قراءة القرآن سرًّا، وكان الحكم بن زهير من أصحابنا ينظر في كتب الفقه. إلى هُنا من "البدائع". وفي "المعارف" (ص: ٤٦٤): مات إبراهيم النَّخَعي في سنة ست وتسعين، وهو ابن ست وأربعين سنة، وصلَّى عليه عبد الرَّحمن بن الأسود، ابن خاله.

стр. 283

وقال السِّمْناني في "روضة الفقهاء" (٤: ١٤٩٦): إبراهيم النَّخَعي عالم الكوفة، وأستاذ حمَّاد، والمقتدى به (١) في الوقت] (٢). توفي سنة خمس ومئة، وقيل: ست وتسعين. * * * [٨٠ - عَطاء بن أبي رَباح (٣)] عطاء بن أبي رَباح بن أسلم، من مولدي الجَنَد (٤). نشأ بمكَّة وعلَّم الكتابة بها. وكان مولًى لبني فِهْر، يكنى أبا محمد. وكان أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج (٥)، ثم عمي بعد ذلك، وهلك سنة خمسة عشر ومئة، وهو ابن ثمانين سنة، وأمه سوداء تسمى بركة، وابنه يعقوب بن عطاء، ذكره ابن قتيبة (٦). [وفي "روضة السِّمْناني" في باب اعتبار العلم في القضاء (١: ٥٤ - ٦٠): وقد كانت الصحابة ﵃ لا يولُّون الأحكام جاهلًا ولا فاسقًا، ولا ماجنًا، ولا

стр. 284

من يُطعن عليه في دينه ودُنياه، وكان بنو أميَّة يُنادون في الموسم: لا يفتي أحد بمكة غير عطاء بن أبي رباح، لأنه كان القدوة في زمانه، وفي المدينة مالك بن أنس. ذكر حافظ الدِّين الكَرْدَري في "مناقب أبي حنيفة": قال أبو حنيفة: ما رأيت أفقه من حماد، ولا أجمع للعلوم من عطاء بن أبي رباح، أكثر رواية الإمام عنه، سمع ابن عباس، وابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وجابرًا، وعائشة رضي الله تعالى عنهم] (١). ذكر الدَّمِيْرِي في ذكر الطَّاووس في "حياة الحيوان" عن ابن الصلاح في "رحلته": روينا عن الزُّهري أنّه قال: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة. قال: فمن خلفت فيها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي، قال: وبمَ سادهم؟ قلت: بالدِّيانة والرِّواية. قال: إنَّ أهل الدِّيانة والرِّواية ينبغي أن يسودوا الناس. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كَيْسان؟ قال: فمن العرب أم من الموالي؟ (قلت: من الموالي) (٢)، قال: فبمَ سادهم؟ قلت بما سادهم به عطاء؟ قال: من كان كذلك ينبغي أن يسوَّد الناس؟ قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. فقال: كما قال في الأوَّلَين. ثم قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول الدِّمشقي. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: (من الموالي) (٣) عبد نُوْبي، أعتقته امرأة من هذيل. فقال كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. فقال كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت:

стр. 285

الضَّحاك بن مُزاحم. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي؟ فقال: كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي؟ قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النَّخَعي. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب. قال: ويلك يا زهري فرَّجْتَ عنِّي، والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر، وأن العرب تحتها، قال: قلت: يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظه ساد، ومن ضيَّعه سقط (١). [قال صاحب "الهداية" في كتاب الحج في فصل الصيد: وقال عطاء: أجمع النَّاس على أنَّ (على الدَّال) (٢) الجزاء؛ لأنَّ الدلالة من محظورات الإحرام. قال الشَّيخ أكمل الدِّين: هو عطاء بن أبي رباح تلميذ ابن عباس ﵃، ولم يروِ أحد من الصحابة خلاف ذلك، فصار ذلك إجماعًا (٣). وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" قال: حكى محمَّد بن شجاع، عن إبراهيم الجرَّاح، وهو من كبار أصحاب عطاء بن أبي رباح، وهو مخصوصٌ بعلم المناسك، تلميذ عبد الله بن عباس ﵃، قال: دخلت على أبي يوسف ﵀ فوجدته مغمى عليه، ففتح عينيه فرآني، فقال: يا إبراهيم! أيما أفضل للحاجِّ أن يرمي راجلاً أم راكبًا؟ فقلت: راجلًا، فخطَّأَني. فقلت: راكبًا، فخَطَّأَني. ثم قال: ما كان يوقف عندها فالأفضل أن يرميها راجلًا، وما لا يقف عندها فالأفضل أن يرميها راكبًا، فخرجت من
следующие страницы →