← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال الشَّيخ الأكمل في "عناية الهداية": روى الطَّحَاوِي في "شرح الآثار" بإسناد إلى حماد عن إبراهيم النَّخَعي، قال: المُطلقة والمختلعة والمتوفى عنها زوجها والملاعنة لا يختضبن، ولا يتطيّبن، ولا يلبسن ثوبًا مصبوغًا، ولا يخرجن من بيوتهن (١). وإبراهيم أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى فيجوز تقليده. وذكر الإمام جمال الدِّين البَزْدَوي في "تهذيب الجامع الصغير" للزعفراني: روي عن علي ﵁ حين سئل عن الفأرة إذا وقعت في البئر وماتت فيها، يُنزح منها دلاء، وفسَّره عطاء بعشرين دلوًا، وعن إبراهيم النَّخَعي، وجماعة من الصحابة ﵃: أنَّه يُستقى في الفارة عشرون أو ثلاثون دلوًا، فإن قيل: كيف يفصل بين الطاهر من الماء والنجس؟ قلنا: هذا اعتراض على الصحابة وإجماعهم، فلم يُقبل؛ لأنَّ اعتبار موجب القياس ساقط في مُخالفة الصحابة ﵃. وذكر الخَصَّاف في "أدب القضاء" في باب نفقة المطلَّقة عن إبراهيم أنَّه قال: قوت المطلَّقة نصف صاع كلَّ يوم بإدامها، إنما قيد بالإدام لأنها ربما لا تقدر على أكل الخبز القفار فتجوع وتتضرر، والضَّرر منفي في التَّسريح. وفي باب اليمين فيه أيضًا: إذا اُدُّعي على مورث دَيْن أو عين كيف يحلف على العلم أو على البتات؟ وبالبتات أخذ ابن أبي ليلى. وقال إبراهيم النَّخَعي والحسن البصري: يحلف على العلم، وبه أخذ علماؤنا ﵏. وفي فصل الجمعة من "فتاوى الظَّهِيْرِيَّة" روي عن إبراهيم النَّخَعي وإبراهيم بن مهاجر أنهما كانا يتكلَّمان وقت الخُطبة، فقيل لإبراهيم النَّخَعي في ذلك فقال: إنّي صليت الظُّهر في داري، ثم خرجت إلى الجمعة تقية.

стр. 282

وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنَّ النَّاس كانوا في ذلك الزَّمان فريقَيْن؛ فريقًا منهم لا يصلِّي الجمعة، لأنه كان لا يرى الجائر سلطانًا، وسُلطانهم يومئذ كان جائرًا، وإنما كانوا لا يصلون الجمعة لأجل ذلك. وكان فريق منهم يترك الجمعة لأنَّ السُّلطان كان يؤخِّر الجمعة عن وقتها في ذلك الزمان، فكانوا يؤدُّون الظُّهر في بيوتهم، ثم يصلُّونها مع الإمام، ويجعلونها سبحة أي نافلة. وقال بعضهم: ما دام الخطيب في حمد الله والثَّناء عليه والمواعظ فعليهم الاستماع، فإذا أخذ في مدح الظَّلمة والثَّناء عليهم فلا بأس بالكلام حينئذ. وفي "البدائع": البعيد من الخطيب إذا لم يسمع الخطبة كيف يصنع؟ اختلف المشايخ فيه، قال محمَّد بن سلَمة البَلْخِي: الإنصات أولى من قراءة القرآن، وهكذا روى المعلَّى عن أبي يوسف، وهو اختيار الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، ووجهه ما روي عن عمر وعُثمان ﵄ أنهما قالا: إنَّ أجر المنصت الذي لا يسمع مثل أجر المُنصت الذي يسمع، ولأن في حال قربه من الإمام كان مأمورًا بشيئين: الاستماع والإنصات، وهو عاجز عن الاستماع، قادر على الإنصات فيجب عليه. وعن نصير بن يحيى: أنّه أجاز له قراءة القرآن سرًّا، وكان الحكم بن زهير من أصحابنا ينظر في كتب الفقه. إلى هُنا من "البدائع". وفي "المعارف" (ص: ٤٦٤): مات إبراهيم النَّخَعي في سنة ست وتسعين، وهو ابن ست وأربعين سنة، وصلَّى عليه عبد الرَّحمن بن الأسود، ابن خاله.

стр. 283

وقال السِّمْناني في "روضة الفقهاء" (٤: ١٤٩٦): إبراهيم النَّخَعي عالم الكوفة، وأستاذ حمَّاد، والمقتدى به (١) في الوقت] (٢). توفي سنة خمس ومئة، وقيل: ست وتسعين. * * * [٨٠ - عَطاء بن أبي رَباح (٣)] عطاء بن أبي رَباح بن أسلم، من مولدي الجَنَد (٤). نشأ بمكَّة وعلَّم الكتابة بها. وكان مولًى لبني فِهْر، يكنى أبا محمد. وكان أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج (٥)، ثم عمي بعد ذلك، وهلك سنة خمسة عشر ومئة، وهو ابن ثمانين سنة، وأمه سوداء تسمى بركة، وابنه يعقوب بن عطاء، ذكره ابن قتيبة (٦). [وفي "روضة السِّمْناني" في باب اعتبار العلم في القضاء (١: ٥٤ - ٦٠): وقد كانت الصحابة ﵃ لا يولُّون الأحكام جاهلًا ولا فاسقًا، ولا ماجنًا، ولا

стр. 284

من يُطعن عليه في دينه ودُنياه، وكان بنو أميَّة يُنادون في الموسم: لا يفتي أحد بمكة غير عطاء بن أبي رباح، لأنه كان القدوة في زمانه، وفي المدينة مالك بن أنس. ذكر حافظ الدِّين الكَرْدَري في "مناقب أبي حنيفة": قال أبو حنيفة: ما رأيت أفقه من حماد، ولا أجمع للعلوم من عطاء بن أبي رباح، أكثر رواية الإمام عنه، سمع ابن عباس، وابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وجابرًا، وعائشة رضي الله تعالى عنهم] (١). ذكر الدَّمِيْرِي في ذكر الطَّاووس في "حياة الحيوان" عن ابن الصلاح في "رحلته": روينا عن الزُّهري أنّه قال: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة. قال: فمن خلفت فيها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي، قال: وبمَ سادهم؟ قلت: بالدِّيانة والرِّواية. قال: إنَّ أهل الدِّيانة والرِّواية ينبغي أن يسودوا الناس. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كَيْسان؟ قال: فمن العرب أم من الموالي؟ (قلت: من الموالي) (٢)، قال: فبمَ سادهم؟ قلت بما سادهم به عطاء؟ قال: من كان كذلك ينبغي أن يسوَّد الناس؟ قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. فقال: كما قال في الأوَّلَين. ثم قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول الدِّمشقي. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: (من الموالي) (٣) عبد نُوْبي، أعتقته امرأة من هذيل. فقال كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. فقال كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت:

стр. 285

الضَّحاك بن مُزاحم. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي؟ فقال: كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي؟ قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النَّخَعي. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب. قال: ويلك يا زهري فرَّجْتَ عنِّي، والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر، وأن العرب تحتها، قال: قلت: يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظه ساد، ومن ضيَّعه سقط (١). [قال صاحب "الهداية" في كتاب الحج في فصل الصيد: وقال عطاء: أجمع النَّاس على أنَّ (على الدَّال) (٢) الجزاء؛ لأنَّ الدلالة من محظورات الإحرام. قال الشَّيخ أكمل الدِّين: هو عطاء بن أبي رباح تلميذ ابن عباس ﵃، ولم يروِ أحد من الصحابة خلاف ذلك، فصار ذلك إجماعًا (٣). وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" قال: حكى محمَّد بن شجاع، عن إبراهيم الجرَّاح، وهو من كبار أصحاب عطاء بن أبي رباح، وهو مخصوصٌ بعلم المناسك، تلميذ عبد الله بن عباس ﵃، قال: دخلت على أبي يوسف ﵀ فوجدته مغمى عليه، ففتح عينيه فرآني، فقال: يا إبراهيم! أيما أفضل للحاجِّ أن يرمي راجلاً أم راكبًا؟ فقلت: راجلًا، فخطَّأَني. فقلت: راكبًا، فخَطَّأَني. ثم قال: ما كان يوقف عندها فالأفضل أن يرميها راجلًا، وما لا يقف عندها فالأفضل أن يرميها راكبًا، فخرجت من

стр. 286

عنده، فما بلغت الباب حتى سمعت صراخ النِّساء عليه أنَّه قد توفي ﵀، فلو كان شيء أفضل من مذاكرة العلم لاشتغل به في هذه الحالة؛ لأنَّ هذه الحالة حالة الندامة والحسرة والفراق] (١). * * * [٨١ - عِكْرِمة (٢)] عِكْرِمة مولى ابن عباس ﵄. كان عبدًا لعبد الله بن عباس، فمات ﵁، فورثه ابنه علي بن عبد الله ابن عباس، فباعه من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار (٣)، فأتى عِكْرِمة عليًّا، فقال له: ما خِيْرَ لك، بعْتَ علم أبيك بأربعة آلاف دينار (٤)، فاستقاله، فأقاله، وأعتقه (٥). وكان يُكنى أبا عبد الله. [عن يزيد بن هارون: قدم عِكْرِمة البصرة، فأتاه أيُّوب، والتَّيمي، ويونس، فبينما هو يحدِّثهم إذ سمع صوت غناء، فقال عِكْرِمة: اسكتوا، فسمع ثم قال: قاتله الله لقد أجاد، فأمَّا سليمان، ويونس فلم يعودا إليه، وعاد إليه أيُّوب. قال يزيد: وقد أحسن أيُّوب، هو أيُّوب السجستاني. وكان يُكنى أبا بكر، واسم أبيه كيسان، ويكنى بأبي

стр. 287

عتمة، وكان أيُّوب مولى بني عمار، وعمار مولى عنزة، فهو مولى مولى] (١)، وكان يحلق رأسه في كلِّ سنة مرة، فإذا طال فرقه. وقد رأى أنس بن مالك ﵁، ومات بالبصرة في الطَّاعون، سنة إحدى وثلاثين ومئة. [ذكره ابن قتيبة في "المعارف" (ص: ٤٧١). وقال فيه أيضًا: حدثنا الرِّياشي، عن الأصمعي، عن نافع المَدِيْني قال: مات عِكْرِمة وكُثَيِّرُ الشَّاعر في يوم واحد. وقال الرِّياشي: فحدثنا ابن سلام: أنَّ الناس ذهبوا في جنازة كُثَيِّر. وكان عِكْرِمة يرى رأي الخوارج، وطلبه بعضُ الولاة، فتغيَّب عند داود بن الحصين حتى مات عنده، ومات سنة خمس ومئة، وقد بلغ من السن ثمانين سنة. وفي "حياة الحيوان": عِكْرِمة -بكسر العين والراء المهملتين-: الأنثى من الحمام، ويُسمى بها الإنسان أيضًا، كعِكْرِمة مولى ابن عباس ﵄ أحد أوعية العلم، مات هو وكُثَيِّر عَّزة الشَّاعر في يوم واحد بالمدينة سنة خمس ومئة، وصُلِّيَ عليهما في مكان واحد. فقال الناس: مات اليوم أعلم الناس، وأشعر الناس. ونقل ابن خَلِّكان عن كُثَيِّر: أنّ كُثَيِّر عزَّة أحد شعراء العرب ومتيميها، وكان كيسانيًّا، والكيسانية فرقة من الرَّوافض يعتقدون إمامة محمَّد بن علي بن أبي طالب المعروف بمحمَّد بن الحنفيَّة. ذكر الزَّنْدَوِيْستي في "روضته": وإنما سُمِّي ابن (٢) الحنفيَّة وهي جارية عليٍّ، نُسِبَ إلى الأمِّ كرامةً للحسن والحسين.

стр. 288

وفي "القاموس": حنيفة -كسفينة-: لقب أُثال بن لُجَيْم، أبي حَيٍّ، منهم خَوْلة بنْتُ جعفرٍ الحنفيَّة، أم محمَّد بن عليّ بن أبي طالب. ورئيس الكيسانيَّة كيسان، وهو لقب المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عَمْرو الثَّقفي، ومسعود جد المختار عظيم القريتين له وَلَدان: سعد، وأبو عُبيد؛ والد المختار، وكان سعد عامل علي بن أبي طالب ﵁ على المدائن، وأما أبو عبيد فولَّاه عمر بن الخطاب ﵁ جيشًا، فيهم رجال من أصحاب النبيِّ ﷺ ، فلقي خرزان الحاجب من الكوفة، وهو على فيل، فضرب أبو عبيد الفيل، فوقع عليه الفيل، فمات أبو عبيد، وله بنت هي صفيَّة، فكانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب. وأما ابنه المختار فمولى عليِّ بن أبي طالب ﵁، قيل: إنَّه تلميذ السيِّد محمَّد بن الحنفيَّة، يعتقد نفسه اعتقادًا فوق حدِّه ودرجته، من إحاطته بالعلوم كلِّها، واقتباسه من السيِّدَين الأسرار بجملتها، من علم التَّأويل والباطن، وعلم الآفاق والأنفس، فكان رأسَ فرقةٍ من الشيعة، وهم الذين شايعوا عليًّا ﵁، وقالوا بإمامته وخلافته، واعتقدوا أنَّ الإمامة لا تخرج من أولاد عليٍّ، وإن خرج فبظلم. وفرق الشيعة خمسة: الكيسانيَّة، والزيديَّة، والإماميَّة، والغالية، والإسماعيليَّة. والمختار بن أبي عُبيد رأس الكيسانيَّة، قال بإمامة محمَّد بن الحنفيَّة، وكان يدعو الناس إليه، ويظهر أنّه من رجاله ودعاته، ويذكر علومًا مزخرفة ينوطها به، ولما وقف محمَّد بن الحنفيَّة على ذلك تبرأ منه، وأظهر لأصحابه إنما انمسَّ على الخلق، وذلك ليفشو أمره ويجتمع الناس عليه، وإنما انتظم ما انتظم بأمرين: أحدهما: انتسابه إلى محمَّد بن الحنفيَّة علمًا ودعوة.

стр. 289

والثاني: قيامه بثأر الحسن والحسين ﵄، فغلب المختار على الكوفة زمن مصعب، وقتل عَمْرو بن سعد بن أبي وقاص، وقتل شِمْر بن ذي الجَوْشَن، فقتل عُبيد الله بن زياد، ثم ظفرَ مصعب بالمختار، فقتل المختار سنة سبع وستين. وتوفِّي محمَّد بن الحنفيَّة سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين، ثم اختلفَتْ الكيسانيَّة بعد محمَّد بن الحنفيَّة في سوق الإمامة، وصار كلُّ اختلاف مذهبًا؛ بعضهم قالوا بانتقال محمَّد بن الحنفيَّة إلى رحمة الله تعالى، وانتقال الإمامة منه إلى ابنه أبي هاشم (١)، فإنّه أفضى إليه أسرار العلوم، وأطلعه على تطبيق الآفاق والأنفس، وتقدير التَّنزيل على التَّأويل، وتصوير الظاهر على الباطن، وأوصل العلم الذي استأثره أبوه علي بن أبي طالب إلى ابنه أبي هاشم، فكلُّ من اجتمع فيه هذا العلم فهو الإمام حقًّا. واختلفَتْ هذه الفرقة؛ فبعضهم قالوا: إنَّ أبا هاشم مات منصرفًا من الشام بأرض الشراة، وأوصى إلى محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأنجزَتْ في أولاده الوصيَّة، حتى صارت الخلافة إلى بني العبَّاس، ولهم في الخلافة حقٌّ لاتصال النسب، وقد توفِّي رسول الله ﷺ وعمَّه العبَّاس أولى بالوراثة لابن أخيه ﷺ . وفِرَقٌ أخرى قالوا ما قالوا من الأقوال الفاسدة والآراء الباطلة الكاسدة، ثم إنَّ بعض الكيسانيَّة يعتقدون أنّ محمَّد بن الحنفيَّة لم يمت، وأنه في رضوى بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضَّاختان تجريان بماء وعسل، يعود بعد الغيبة، فيملأ العالم عدلًا كما مُلئ جورًا، حتى اعتقدوه دينًا وركنًا من أركان التشيُّع، فنعوذ بالله من سوء الظن، واليقين الباطل، واقتران أهل الضلال. وكان السيِّد الحِمْيَري وكُثَيِّر عَزَّة الشَّاعر المذكور من الكيسانيَّة، قال كُثَيِّر:

стр. 290

ألا إنَّ الأئمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ … ولاةَ الحقِّ أربعةٌ سَوَاءُ عليٌّ والثَّلاثةُ مِنْ بَنِيْهِ … هم الأَسْباطُ ليسَ بهمْ خَفاءُ فَسِبْطُ سِبْطِ إيمانٍ وبِرٍّ … وسِبْطٌ غيَّبَتْه كَربُلاءُ وسِبْطٌ لا يذوقُ الموتُ حتَّى … يقودَ الخيلَ يقدُمه اللواء تغيَّبَ لا يُرَى فيهم زمانًا … برَضْوى عندَه عسلٌ وماءُ والخوارجُ كلُّ مَنْ خرج على الإمام الحقِّ، الذي اتَّفَقَتِ الجماعة عليه، سمي خارجيًّا سواء كان الخروج على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان في كلِّ زمان، وكبار فرقهم ستة، تفصيله لا يتيسَّر في هذا الباب. قال محمَّد الشَّهْرَسْتاني في "الملل والنِّحل": رجال الخوارج من المتقدِّمين عِكْرِمة، وأبو هارون العبدي، وأبو الشَّعثاء، وإسماعيل بن سميع] (١). * * * ٨٢ - الضَّحاك بن مُزَاحم (٢) هو من بني عبد مَناف بن عامر بن صَعْصعة، رهط زينب بنت خزيمة، زوج النبيِّ ﷺ ، ويكنى أبا القاسم. ووُلِدَ لسنَتَيْن، وقد كان معلِّمًا، وأتى خراسان وأقام بها، ومات سنة اثنتين وثلاثين ومئة.

стр. 291

[٨٣ - أبو عَمْرو الشَّعبي (١)] أبو عَمْرو الشَّعبي عامر بن شراحيل. كانت أمُّه من سبي جلولا، هي قرية بناحية فارس. وكان مولده لست سنين مضت من خلافة عُثمان ﵁. وكان ضئيلًا نحيفًا، قيل له: ما لنا نراك ضئيلًا؟ قال: إنِّي زوحمْتُ في الرَّحم، وكان وُلِد هو وأخ له في بطن. صحب ابن عبَّاس، وروى عنه، وعن غيره من الصحابة ﵃. ذكرَ الإمامُ أبو حَفْص عمر النَّسَفِي في "التَّفسير"، في تفسير سورة الفاتحة: قد روي أنَّ رَجلًا أتى الشَّعبي ﵀، فشكى إليه وجع الخاصرة، فقال: عليك بأساس القرآن. قال: وما أساس القرآن؟ قال: فاتحة الكتاب، سمعت عبد الله بن عباس (٢) ﵄ (غير مرة) (٣) يقول: إنَّ لكل شيء أساسًا، وأساس الدنيا مكَّة لأنها دحيت (٤) منها، وأساس السموات عريبا وهي السماء السابعة العُلى، وأساس الجنَّة عدن، لأنّ الجنان أسِّست عليها، وأساس النَّار جهنَّم وهي الدركة السفلى (عليها أسِّست الدَّركَات) (٥)، وأساس الخلق آدم، وأساس الأنبياء نوح ﵇،

стр. 292

وأساس بني إسرائيل يعقوب ﵇، وأساس الكتب القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة بسم الله الرَّحمن الرحيم، فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالأساس تشفَ بإذن الله تعالى (١). فلهذا قال ﷺ : "إن في سورة فاتحة الكتاب تسعين شفاء" (٢). [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنّه قال: قال النبي ﷺ : "فاتحة الكتاب شفاء من كل سم"، وفي رواية "شفاء من كل داء إلا السام" (٣)، وهو الموت. ذكر الخَصَّاف (٤) عن الشعبي أنّه قال له رجل: اقضِ بيننا بما أراك الله تعالى، فقال الشعبي: لست تراني قاضيًا (٥) (٦). قال الصَّدر الشَّهيد: تكلَّموا فيه على ثلاثة أوجه: منهم من قال معناه: لست من المجتهدين الذين يصيبون الحقَّ باجتهادهم، وهم الأنبياء ﵈، فأنا قاضٍ ولست بنبيٍّ، وأنت بهذا القول تزعم أنِّي نبي ولست بقاضٍ، فيكون هذا دليلًا على أنّ المجتهد يخطئ ويصيب. ومنهم من قال: معناه لست تراني قاضيًا؛ لأنك تطلب مني ما لا طريق له إلى التوصل إليه، وهذا هو الوصول إلى الحقِّ لا محالة.

стр. 293

ومنهم من قال: معناه: لست تراني قاضيًا بعد هذا، فإني لا أجلس مجلس القضاء بعد هذا، فإني علمْتُ أنَّ الخصوم يطلبون الصَّواب لا محالة من القاضي، فإذا علمْتُ الآن فلا أجلسُ مجلس القضاء بعد هذا. وفائدته أنَّ المجتهد يخطئ ويصيب. وذكر في "فتاوى قاضي خان" في فصل ما يتعلَّق بالنكاح من كتاب الدعوى: ولو ادَّعى رجل أجنبي على الميت ألف درهم، فصدَّقه بعض الورثة وكذَّبه البعض؛ ذكر محمَّد في "الكتاب": أنَّه يأخذ كلَّ الدِّين من نصيب من صدَّقه؛ لأنَّ الذي صدَّقه مُقرٌّ أنَّ الدِّين مُقدَّم على الميراث. وقال الفقيه أبو الليث: عندي يأخذ من المصدِّق بالحصَّة من الدِّين، وهو قول الشَّعبي، والبصري، ومالك، وابن أبي ليلى، قال: وهذا أعدل وأحسن. وذكر علاء الدِّين السَّمَرْقندي في "التُّحفة" في كتاب الصوم: فأما الاستنشاق لغير الصلاة والاغتسال، وصب الماء على الرأس، والتلفُّف بالثَّوب المبلول، روي عن أبي حنيفة أنَّه يكره؛ لأنه إظهار العجز عن العبادة، وقال أبو يوسف: لا يكره، فأبو حنيفة أخذ بقول الشَّعبي، وأبو يوسف بقول الحسن البصري. وفي باب الحبس في "شرح أدب القضاء" للخصَّاف: عن الشَّعبي قال: إذا لم أحبِس في الدِّين فأنا أَتُوَيْتُ حقَّه (١)؛ لأنَّ النَّاس متى علموا أنَّ القاضي لا يحبس في الدِّين لا يتسارعون إلى (٢) قضاء الدَّين، فيُتْوَى حقٌّ الإنسان، فيكون القاضي هو المتوىُّ لحقِّه (٣).

стр. 294

وذكر الخَصَّاف (١) فيه أيضًا عن سلام بن (٢) مسكين، قال: سمعت الحسن يقول: إنَّ أناسًا من أهل الحجاز اقتتلوا، فقتلوا بينهم قتيلًا، فبعث إليهم رسول الله ﷺ فحبسهم، أورد هذا الحديث ليبيِّن أنَّ الحبس بالتهمة مشروع، إلا في زمن رسول الله ﷺ وفي زمن أبي بكر وعمر وعُثمان ﵃ لم يكن سجن (٣)، وكان يحبس في المسجد وفي الدِّهليز حيث أمكن، ولما كان زمن عليٍّ ﵁ أحدث السجن، وكان أول من أحدث السجن في الإسلام، وسُمِّي السجن نافعًا، ولم يكن حصينًا فانفلتت الناس منه، ثم بنى سجناً آخر، وسماه مخيسًا، وقال فيه شعرًا، أورده الخَصَّاف ها هنا، وأورده محمَّد في كتاب الكفالة، لكن بين اللفظين تفاوت، وما أورده الخَصَّاف: بنيْتُ بعدَ نافعٍ مُخيِّسًا … بابًا شديدًا أو أميرًا كَيِّسًا ألَا تراني كَيِّسًا مُكيِّسًا وأما الذي أورده محمَّد ﵀ في كتاب الكفالة قال: ألا تراني كيِّسًا مُكَيِّسًّا … بنيْتُ بعدَ نافعٍ مُخيِّسا (٤) إلى هنا كلام الصَّدر الشَّهيد. وذكر الشَّيخ الإمام أبو القاسم علي السِّمْناني في "روضة القضاة" (١: ١٢٨):

стр. 295

أنَّ عمر ﵁ اشترى دارًا بأربعة آلاف درهم وجعلها سجنًا، وحبس عمر ﵁ الحُطيئة الشاعر، فقال: ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرخٍ … حُمْرُ الحَواصِلِ لا ماءٌ ولا شجرٌ ألقيْتَ كاسبهم في قَعْر مظلمة … فارْحَمْ عليكَ سلامُ اللهِ يا عمرُ (١) فخلَّاه وحبسَ آخر فقال: يا عمر الفاروق طالَ حَبْسي … وملَّ منِّي (٢) إخوتي وعرْسِي في (حدثٍ (٣) لم) (٤) تقترفْهُ نَفْسِي … (الأمرُ أضوأ) (٥) مِنْ شُعاع الشَّمسِ (٦) وقد روي عن عليٍّ ﵁ أنَّه لمَّا بنى السجن قال: بدلت بعد نافع مخيسا … بابا شديدًا وأميرًا كيِّسا ألا تراني كيسًا فكيِّسا وروي عنه أَنَّه حَبَسَ في الدَّين، وقد كان للحسن بن شريح، والشعبي، وابن سيرين، وغيرهم من القضاة حبوس، وهو فعل جميع القضاة والأئمَّة من لدن النبيِّ ﷺ إلى يومنا هذا، لا يدفع ذلك دافع، ولا ينكره منكر، فصار ذلك إجماعًا.

стр. 296

وكان الشَّعبي كاتب عبد الله بن مطيع العدوي، وكاتب عبد الله بن يزيد (١) الخطمي عامل الزُّبير على الكوفة، مات سنة خمس ومئة. * * * ٨٤ - قتادةُ بن دِعَامَة (٢) كان وُلد أبوه بالدعامية أعرابيًّا، وأمُّه سُرِّيَّة من مولدات الأعراب، ويكنى قتادة أبا الخطاب. مات سنة سبعة عشر ومئة. وفي "محيط السَّرَخْسي" في باب المسح على الخفين: روي أنَّ قتادة لما قدم الكوفة دخل عليه أبو حنيفة وهو صبي، فقال له قتادة: من أين أنت؟ قال: من الكوفة، فقال: أنت من القوم الذين اتخذوا دينهم شيعًا، قال: لا، لكني أفضِّل الشَّيخين، وأحبُّ الختَنَيْن، وأرى الَّصلاة خلف كلِّ برٍّ وفاجر، ولا أكفِّر أحدًا بذنب، ولا أُخرِج أحدًا من الإيمان إلا من وجه الذي دخل فيه، وأرى المسح على الخفَّين، فقال له قتادة: أصبتَ فالزم، ثلاث مرات. وفي "فتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل أحكام المسجد: قيل: لا يجوز التَّسليم على أهل الذمَّة، وقال بعضهم: يجوز، ولو سلَّموا يُرَدُّ عليهم. قال قتادة في قوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]: للمسلمين، ﴿أَوْ

стр. 297

رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]: لأهل الذمَّة، قال ظهير الدِّين صاحب الفتاوى: وبه نأخذ فيقولون لهم: وعليكم، وقال بعضهم: إن كان لنا إليهم حاجة فنسلِّم وإلَّا فلا، ولو سلَّم عليهم تبجيلًا كفر] (١). * * * [٨٥ - نافع (٢)] نافع مولى عبد الله بن عمر ﵁. كان من أهل أَبْرَ شَهْر، أصابه عبد الله في غزواته. عن الأصمعي عن العمري عن نافع قال: دخلت مع ابن عمر على عبد الله بن جعفر، فأعطاه بي اثني عشر ألف دينار، فأبى أن يبيعني، وأعتقني أعتقه الله. مات (٣) سنة سبعة عشر ومئة، (والله أعلم) (٤). [ذكر الخَصَّاف في باب القاضي يأخذ الرزق (٥): عن نافع أنّه قال: كان زيد (٦) بن ثابت يأخذ على القضاء أجرًا، ولم يرد به حقيقة الأجر، بل يأخذ

стр. 298

كنايته (١)، لكن سماه أجرًا لتصوره بصورة الأجر، فإنَّه يستحق ذلك لعمل نفسه فأشبه الأجر، وذُكر عن أبي ليلى أنَّ عليًّا ﵁ رزق شريحًا خمسمئة درهم، يريد به: كلَّ شهر، وإنما فعل ذلك لأنَّه كثير العيال، فكان يحتاج إلى ذلك القدر] (٢). * * * ٨٦ - مكحول الشَّامي (٣) كان هو من كابل، مولى لامرأة من هذيل، وكان سِنْديًّا لا يفصح، قال معقل بن عبد الأعلى القرشي: سمعته يقول: ما فعلت تلك الهاجة، يريد: الحاجة. ومات سنة ثلاثة عشر ومئة، ذكره ابن قتيبة (٤). [وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" نقلاً عن "المنتقى": عن محمَّد ﵀: إذا سرق في سنة السَّنة أو سرق عن ضرورة وجوع لا يُقطع، ولا يفصل بين الطعام وغيره، والسَّنة: القَحْط، والأصل فيه حديثان:

стр. 299

أحدهما: ما روي عن مكحول الشَّامي: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا قطع في مجاعة مُضطر" (١). والثَّاني: ما رواه السَّرَخْسي في "المبسوط" عن الحسن البصري ﵀، عن رجل قال: رأيت رجلين مكتوفين ولحمًا، فذهبْتُ معهم إلى عمر ﵁، فقال صاحب اللحم: كانت لنا ناقة عشراء ننتظرها كما ينتظر الربيع، فوجدت هاذين قد اجتزاها، فقال عمر: هل يرضيك من ناقتك ناقتان عشراوتان مريعان، فإنا لا نقطع في العَذْقِ وعام السنة، وكان ذلك في عام السَّنَة (٢).

стр. 300

العشراء: الحامل التي أتى عليها عشرة أشهر، وقربت ولادتها، وقوله: ننتظرها؛ يعني: كنا نقول: إذا ولدت هذه الناقة حصل لنا الولد، وكثر اللَّبن، وتوسع بها العيش، كما ينتظر الناس الربيع الذي يخرج فيه النبات، وتظهر فيه الغلَّات، والعذق غصن النخل. ذكر الزَّنْدَوِيْستي في "روضته" في الباب الثالث والثلاثين: قال مكحول الشَّامي: والعبد لا يخلو عن المعصية، وقلَّما يقع أن لا يعصي، وجزاء المعصية النار، فأمر الله تعالى عباده بالصوم، لكي يكون نار الصوم جزاءً لهم في الدنيا، وتحرق نار الصوم ذنوبهم، فينجون في الآخرة عن نار الجحيم، ومن شرف الصائمين أنَّ الله تعالى يقول: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، قيل السائحون: الصائمون؛ لأنَّ السيّاح يدخل في البلد فإذا استطاب أقام، وإن لم يستطب فيسيح أينما استطاب، كذا الصائم في قصور الجنَّة] (١). * * * [٨٧ - عمر بن عبد العزيز (٢)] أمير المؤمنين، سيِّد التابعين، عُمر بن عبد العزيز، الخليفة الرَّاشد، الفقيه المجتهد. بويع له بالخلافة بعد موت سليمان بن عبد الملك بن مروان (٣)، يومَ موت (٤)

стр. 301

سليمان (١) بعهدٍ منه له في ذلك، في عاشر صفر، سنة تسع وتسعين، ومولده بمصر سنة إحدى وستين. روي عن أنس بن مالك، والسَّائب بن يزيد ﵄. وعن الإمام أحمد بن حنبل (٢): ليس أحد من التابعين قوله حجَّة إلا عمر بن عبد العزيز (٣). وأمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، وهو جدُّه من قبل أمِّه. (وهو أول) (٤) من اتخذ دار الضيافة من الخُلفاء، وأول مَن فرض لأبناء السبيل، وكانت بنو أميَّة تذكر عليًّا ﵁ على المنابر، وجعل مكان ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، وأزال ما كانت عليه بنو أميَّة. وكان عفيفًا زاهدًا، عابدًا (٥) تقيًّا، صادقًا، وكتب إلى عمَّاله أن لا يُقيَّد مسجون بقيد؛ فإنَّه يمنع من الصَّلاة. روي أنَّه لما دفن سليمان بن عبد الملك وخرج من قبره أتى له مواكب الخلافة ليركبها، فقال: نحُّوها عني، قرِّبوا إليَّ دابتي، فقُرِّبت إليه، فركبها، فجاء صاحب الشرطة إليه ليسير بين يديه بالحربة؛ جريًا على قاعدة الخلفاء قبلُ (٦)، فقال له: تنحَّ

стр. 302

عني، مالي فيك، إنما أنا رجل من المسلمين، ثم سار مختلطًا بين الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر واجتمع الناس عليه. فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبيَّ ﷺ ، ثم قال: أيُّها النَّاس إِنِّي ابتليْتُ بهذا الأمر من غير رأيٍ منِّي ولا طلبْتُه (١) (ولا شورة) (٢)، وإنِّي قد خلعْتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم غيري، فصاح المسلمون: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضيناك أميرنا (٣) (باليُمْن والبركة) (٤). فلمَّا سكتوا حمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصلَّى على النبيِّ ﷺ ، ثم قال: أوصيكم بتقوى الله، فإنَّ تقوى الله تعالى خَلَفٌ من كلِّ شيء، وليس من تقوى الله خَلَف، وتعلَّموا لآخرتكم، من عمل (٥) لآخرته كفاه الله أمر دنياه وآخرته، وأصلحوا سرائركم يُصلح الله علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، وأحسنوا له الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنَّه هاذم اللذات وإني والله لا أعطي أحدًا باطلًا، ولا أمنع أحدًا حقًّا. يا أيها الناس! من أطاع الله وجبَتْ طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيته فلا طاعة لكم. ثم نزل ودخل دار الخلافة، فأمر بالستور فهتكت، وبالبسط فرفعت، وأمر ببيع ذلك، وإدخال أثمانها في بيت مال المسلمين، ثم ذهب يتبوأ مقيلًا، فأتاه ابنه عبد الملك، فقال: ما تريد أن تصنع يا أبت؟ قال: أقيل يا بُني، قال: تقيل ولا تردُّ المظالم؟!

стр. 303

قال: أي بُني، إنّي قد سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظُّهر رددْتُ المظالم، فقال (له ابنه): (١) يا أمير المؤمنين، من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟! فقال: اُدن مني، فدنا منه، فقبَّله بين عينيه، وقال: الحمد لله الذي أخرج من ظهري من يُعينني على ديني، فخرج ولم يُقل، وأمر مناديه (٢) أن يُنادي: ألَا مَنْ كانت له ظُلامة فليرفعها. وعن (٣) رجاء بن حيوَة: كان عمر بن عبد العزيز من أكيس الناس وأعظمهم، وأجملهم (٤) في مشيته ولبسه، فلما استخلف قُوِّمَت ثيابه، وعمامته، وقميصه، وقباه، ورداه، فإذا هنَّ يعدلْنَ اثني عشر درهمًا. وعن ابن عساكر وغيره (٥): أنَّ عمر بن عبد العزيز ﵀ كان قد شدَّد على أقاربه، وانتزع (كثيرًا مما) (٦) في أيديهم، فتبرَّموا به وسَمُّوه. ويروي أنّه دعا بخادمه الذي سمَّه وقال له: وَيْحَكَ! ما حملك على أن سقيتني السُّمَّ؟ قال: ألف دينار أعطيتها، قال هاتها، فجاء بها، فأمر بطرحها في بيت المال، وقال لخادمه: اذهب لا يراك أحدٌ. ولما احتضر قال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصَّرْتُ ونهيتني (٧) فعصيْتُ، ولكن لا إله إلا الله.

стр. 304

وتوفي ﵁ بدير سمعان، من أرض حمص سنة إحدى ومئة. وعن الشَّافعي ﵀: الخلفاء الرَّاشدون خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنهم. وعن الحافظ ابن عساكر: لما وضع ﵁ في قبره بدير سمعان، هبَّت ريح شديدة، فسقطت ورقة مكتوبة بأحسن خط: بسم الله الرَّحمن الرحيم، براءة من الله العزيز الجبَّار لعمر بن عبد العزيز من النار، فأخذوها ووضعوها في أكفانه. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر. [ذكر الخَصَّاف في باب الحكمة وفصل الخطاب، من "كتاب أدب القضاء" (١: ٣٧٧ - ٣٧٨) عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنّه قال: خمس إذا أخطأ القاضي خصلة منهن كانت فيه وَصْمة: أن يكون فهمًا، وأن يكون عفيفًا، وأن يكون عالمًا، وأن يكون حليمًا، وأن يكون صائبًا. وذكر في باب الرشوة أيضًا (٢: ٤٠ - ٤١) عن الحسن بن رستم أنَّه قال لعمر ابن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين! مالك لا تقبل الهدية؟ وقد كان ﷺ يقبلها؟ قال: إنها كانت على عهد رسول الله ﷺ هدية، وإنها اليوم رشوة. أشار ﵀ إلى أنَّ الزَّمان قد انفسد، والمُهدي يلتمس ما لا يحلُّ له في الشَّريعة، فلو قبل كان رشوة، وهذا لا يتصوَّر في زمن رسول الله ﷺ فكانت هدية. وذكر في هذا الباب أيضًا (٢: ٥٢ - ٥٥) عن عمر بن عبد العزيز: أنَّه نزل منزلًا بالشام، فأهدي له تفَّاح فأمر بردِّه، فقال له عَمْرو بن قيس: يا أمير المؤمنين! أما علمْتَ أنَّ رسول الله ﷺ لو كان يأكل الهدية، فقال: ويحك يا عَمرو! إِنَّ الهدية كانت لرسول الله ﷺ هدية، وإنها لنا اليوم رشوة. قال: فقام رجل من أهل بيته يقال له:

стр. 305

هشام، وكان يعرفه عمر بصلاح، فقال: يا أمير المؤمنين! لو أمرت به فقوِّم وأعطيتهم ثمنه (١) وأكلته، فأمر به فقُوِّم فأعطاهم ثمنه. قال الصَّدر الشَّهيد: إنما قال هشام ذلك لأحد المعنيَيْن؛ إمَّا أنَّه أقرب إلى حسن العشيرة؛ لأنَّ ردَّ الهدية مما يسوؤه ويوحشه، أو لأنَّه رأى عمر يشتهي ذلك التُّفاح، لكنه ردَّه لمعنى الرَّشوة. قال تقيُّ الدين أبو بكر ابن حِجَّة الحَمَوي الحنفي في "ثمرات الأوراق": لما استُخْلِف عمر بن عبد العزيز وَفَد إليه الشُّعراء، وأقاموا ببابه أيامًا لا يُؤْذَن لهم، فبينما هم كذلك إذ مرَّ بهم رجاء بن حَيْوَة (وكان جليس عمر) (٢)، فلما رآه جرير قام إليه وأنشد: يا أيها الرَّجل المرخي عمامَته … هذا زمانُك فاستأذِنْ لنا عُمَرا فدخل ولم يذكر له شيئًا من أمرهم، ثم مرَّ بهم عدي بن أَرْطَاة فقال له جرير: لا تنسَ حاجتنا لقِّيْتَ مغفرةً … قد طالَ مُكثي عن أهلي وعن وطني (٣) فدخل عدي على عمر فقال: يا أمير المؤمنين! الشُّعراء ببابك، وسهامهم مسمومة، وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عدي! مالي وللشعراء. قال: أعزَّ الله أمير المؤمنين، إنَّ رسول الله ﷺ قد امتدح وأعطى، ولك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، قال: كيف؟ قال: امتدحه العبّاس بن مرداس السُّلمي فأعطاه فيها (٤) صِلة قطع بها (٥) لسانه، قال أتروي له شيئًا؟ قال: نعم.

стр. 306

رأيتُكَ يا خير البريَّة معلِّمًا … نشرْتَ كتابًا جاءَ بالحقِّ معْلما شرعْتَ لنا دينَ الهدى بعد جَوْرنا … عن الحقِّ لما أصبحَ الحقُّ مُظلما ونوَّرْتَ بالبرهان أمرًا مُدلَّسًا … وأطفأْتَ للإسلام نارًا تضرَّما فمَنْ مُبْلِغ عنِّي النبيِّ محمَّدًا … وكلُّ امريءٍ يُجزَى بما كان قدَّما أقمْتَ سبيلَ الحقِّ بعد اعوجاجِهِ … وكان قديمًا ركْنُه قد تهدَّما (١) فقال عمر: ويلك يا عدي! مَنْ بالباب؟ قال: عمر بن أبي ربيعة، قال: أليس الذي قال: ثمَّ نبَّهتُها فمدَّتْ (٢) كعابًا … طفلةٌ ما تَبِيْنُ رَجْعَ الكلام ساعة ثم إنَّها بعدُ قالت … ويلنا قد عجلْتَ يا ابنَ الكرام (٣) فلو كان عبد الله إذ فجرَ كتم على نفسه لكان أستر له، لا يدخل عليَّ والله أبدًا، فمَنْ بالباب سواه؟ قال الفرزدق: قال أوليس الذي يقول: هما دلَّتاني من ثمانينَ قامةً … كما انقضَّ بازٍ أقتمَ الرِّيشِ كاسرُه فلمَّا استوَتْ رجلايَ في الأرض قالَتا … أحيٌّ فيُرْجى أم قتيلٌ نحاذِرُه (٤) لا يدخلْ والله عليَّ، فمن بالباب منهم؟ قال: الأخطل، قال: هو الذي يقولُ يا عدي: ولسْتُ بصائمٍ رمضانَ طَوْعًا … ولسْتُ بآكلٍ لحمَ الأضاحي

стр. 307

ولسْتُ بزاجرٍ عَنْسًا بُكُورًا … إلى بطحاءَ مكَّة للنَّجاح ولسْتُ بزائرٍ بيتًا عتيقًا … بمكَّة أبتغي فيه صلاحي ولسْتُ بقائمٍ كالعير أدعو … قُبَيلَ الصُّبح حيَّ على الفلاح ولكنِّي سأشربها شمولًا … وأسجدُ عند مُبتلجِ الصَّباح (١) والله لا يدخل عليَّ، وهو كافر أبدًا، فمن سوى ما ذكرت؟ قال: جرير، قال: أما إنِّه الذي يقول: طرقَتْكَ صائدةُ القلوبِ وليسَ ذا … حين الزِّيارةِ فارجعي بسلامي فإن كان ولا بدَّ فهو الذي يدخل، فلما مَثل بين يديه، قال: يا جرير! اتقِّ اللهَ ولا تقول إلا حقًّا، فأنشد قصيدته الرَّائية التي منها: إنا لنرجو إذا ما الغيْثُ أخلَفَنا … من الخليفةِ ما نرجو منَ المطرِ نالَ (٢) الخلافة إذا كانَتْ له قَدرًا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ هذي الأرامِلُ قد قضَّيْتَ حاجَتها … فمَنْ لحاجةِ هذا الأرمَلِ الذَّكَرِ الخير ما دُمْتَ حيًّا لا يفارِقُنا … بوُركْتَ يا عمرَ الخيراتِ من عمرِ (٣) فقال: يا جرير! ما لك في الذي هاهنا من حقِّ مال؟ قال: بلى، يا أمير المؤمنين! إنِّي ابن سبيل، ومنقطِع، فأعطاه من طيب ماله مئة درهم. وقال له: ويحك يا جرير! لقد ولِّيت هذا الأمر، وما نملك إلا ثلاثمئة درهم، فمئة أخذها عبد الله، ومئة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المئة الباقية، قال: فأخذها جرير، وقال: لهي والله أحبُّ مما

стр. 308

اكتسبته. فقال له الشعراء: ما وراءَك، فقال: ما يسوؤكم، خرجت من عند خليفةٍ يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني عليه لراضٍ، وأنشدَ: رأيْتُ رقى الشَّيطان لا تَستفزُّه … وقد كان شيطاني من الجنِّ راقيا (١) ذكر الدَّمِيْرِي في ذكر الحمام في "حياة الحيوان": روي أنَّ المنصور أمير المؤمنين قال يومًا لعبد الرَّحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃، وكان أفضل زمانه: عظني بما رأيت. قال: مات عمر بن عبد العزيز ﵁ وخلَّف أحد عشر ابنًا، فبلغَتْ تركته سبعة عشر دينارًا، كفِّن منها بخمسة دنانير، واشتري له موضع القبر بدينارَيْن، وأصاب كلُّ واحدٍ من أولاده تسعة عشر درهمًا، ومات هشام بن عبد الملك فخلَّف أحد عشر ابنًا، فورث كل واحد منهم ألف ألف درهم، ثم إنِّي رأيت رجلًا من أولاد عمر بن عبد العزيز أحمل في يوم واحد على مئة فرس في سبيل الله تعالى، ورأيت رجلًا من أولاد هشام يسأل أن يُتصدَّق عليه. قلْتُ: وهذا غريب عجيب، فإن عمر كان وكَّلهم إلى ربِّه فكفاهم وأغناهم، وهشام وكلهم إلى دنياهم فأفقرهم مولاهم] (٢). * * *

стр. 309

٨٨ - إياس بن معاوية القاضي (١) يكنى أبا واثلة، وكان ذكيًّا (٢) (فطنًا، يضرب به المثل في فطانته) (٣)، وكان صادق الظنِّ، نظيفًا في الأمور، حسن السِّيرة في القضاء، وكان من زهَّاد التَّابعين. رأيت في "ثمرات الأوراق" لابن حِجَّة: أنَّ إياس بن معاوية وقف وهو صبي إلى قاضي دمشق ومعه شيخ، فقال: أصلح الله القاضي، هذا الشَّيخ ظلمني وأكل مالي، فقال القاضي: ارفق بالشيخ، ولا تستقبل بمثل هذا الكلام، فقال إياس: أصلح الله القاضي، فإن الحقَّ أكبر مني ومنه ومنك، قال: اسكتْ، قال: فإن أسكُتُ من يقوم بحجَّتي، قال: تتكلَّم، فوالله لا تتكلَّم بخير (٤)، فقال: لا إله إلا الله (وحده لا شريك له) (٥)، فبلغ ذلك الخليفة، فعزل القاضي وولَّى إياس مكانه، وكان إياس كارهًا، فأُجبر على القضاء. [وأيضًا في "ثمرات الأوراق": كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أَرْطَاة: أن أجمع بين إياس بن معاوية، والقاسم بن ربيعة، فولِّ القضاء أفقههما، فجمع بينهما، فقال إياس: أيها الرَّجل! سلْ عني وعنه، فقيهَي الحسن البصري، وابن سيرين، وكان القاسم يأتيهما، وإياس لا يأتيهما، ففهم القاسم أنَّه إن سألهما عنه أشارا به، فقال: لا

стр. 310

تسأل عنِّي ولا عنه، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنَّ إياس بن معاوية أفقه منِّي، وأعلم منِّي بالقضاء، فإن كنْتُ كاذبًا فما عليك أن تولِّيني وأنا كاذب، وإن كنْتُ صادقًا فاقبل قولي، فقال له إياس: إنّك جنْتَ برجلٍ وقفت به على شفير جهنَّم، فنجَّي بنفسه منها بيمين كاذبة، نستغفر الله منها فما نخاف، فقال له عَدي: أما إذا فهمتهما، فأنت لها، فاستقضاه فأجبره، فقبل. ذكر الخَصَّاف في باب القاضي يقوم على رأسه الجِلْواز (٢: ٨٢): عن خالد الحذاء قال: شهدت إياسًا حين استقضى فجلس ناحية فنكس رأسه والخصوم في ناحية أخرى، وهذا لأنّ إياسًا كان من زُهاد التابعين، ثم أجبر على القضاء، وكان يبكي ندمًا على ما شرع في القضاء خوفًا من أن يُبتلى بالجور، لكن كان لا يبكي بين يدي الخصوم، وإنما يبكي في ناحية والخصوم في ناحية، كي لا يذهب مهابته وحشمة مجلسه، انتهى. وذكر الخَصَّاف في باب اجتهاد الرأي: روي عن الحسن البصري ﵀ أنَّه دخل على إياس بن معاوية بعدما قُلِّد القضاء، فوجده باكيًا حزينًا، فقال الحسن: ما أصابك؟ فقال: أتفكر في قول علي ﵁ حيث قال: إن اجتهدَ فأخطأ فهو في النَّار، فتلا عليه الحسن قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. وداود ﵇ كان مجتهدًا، وسليمان ﵇ اجتهد وأصاب، وقد مدحهما الله تعالى بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، إنما قال علي ﵁ فيمن لم يكن من أهل الاجتهاد، واجتهد في غير محل الاجتهاد. وذكر أيضًا في باب المسألة عن الشُّهود عن محمَّد بن عبد الرَّحمن النُّوْفَلي أنّه قال: قلْتُ لإياس بن معاوية: أخبرْتُ أنَّك كنْتَ لا تجيز بشهادة

стр. 311

الأشراف بالعراق ولا التُّجار، ولا الذين يركبون البحر، قال: أجل. قال الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف" (٣: ٢٠) واعلم أنَّ أسباب الجرح كثيرة، منها: الرُّكوب في البحر إلى الهند؛ لأنَّه إذا ركب في البحر إلى الهند فقد خاطر بنفسه ودينه، وسكن دار الحرب وكثر سوادهم وعددهم، وتشبَّه بهم لينال بذلك مالًا، ويرجع إلى أهله غنيًّا، فإنْ كان لا يُبالي أن يخاطر بنفسه ودينه، فلا بدَ وأنْ يأخذ من عروض الدنيا فيشهد بالزُّور. ومنها: التِّجارة في قرى فارس فإنَّه يطعمونهم الرِّبا وهم يعلمون، وأكل الرِّبا من أسباب الجرح. ومنها: أنَّه لا تُقبَل شهادة الأشراف من أهل العراق؛ لأنهم قوم يتعصبون، فإذا نابَتْ أحدٌ منهم نائبة أتى سيِّد قومه، فيشهد له سيِّد قومُه، ويشفع فلا يؤمن من أن يشهد بالزُّور] (١). * * * [٨٩ - أبو قِلَابَة (٢)] أبو قِلَابَة عبد الله بن زيد الجَرْمي. كان ديوانه بالشام، ومات بداريَّا (٣)، سنة أربع ومئة.

стр. 312

عن أيُّوب أنَّه قال: كان أبو قِلَابَة يحثُني على الاحتراف (١)، ويقول: إنَّ الغِني من العافية. [ذكر الخَصَّاف (٢): أنّ أبا قِلَابَة دُعي إلى القضاء فهرب حتى أتى بالشام، فوافق ذلك عزل صاحبها، فهرب حتى أتى اليمامة، فقال: ما وجدت مثل القاضي إلا كمثل سابح في بحر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق، وهذا لأنَّ الغالب من حال السابح الهلاك، والنَّجاة نادر، فكان حديث أبي قِلَابَة بلغ إلى أبي حنيفة رحمه الله تعالى حتى قال لأبي يوسف: لو أمرت أن أعبر البحر سباحة لكنْتُ أقدر عليه] (٣). * * * ٩٠ - حمَّاد بن أبي سليمان (٤) من تمامة الساقة، وبقية الكتيبة، أستاذ الإمام الأعظم حمَّاد بن أبي سليمان. مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، ويكنى أبا إسماعيل، واسم أبيه مسلم، وكان ممن أرسل به معاوية إلى أبي موسى الأشعري، وهو بدومة الجَنْدل، وهو راوية إبراهيم النَّخَعي، وأخذ عنه الفقه، وهو عن علقمة والأسود، وروى عن أبي عبد الرَّحمن السّلمي، والأوَّلان عن عبد الله بن مسعود، والثالث

стр. 313

عن علي بن أبي طالب ﵃، وكان من التَّابعين، (سمع أنس بن مالك ﵁ (١). وكان وحيد فقهاء الكوفة في زمانه، تفقَّه به إمامنا الأعظم صاحب مذهبنا أبو حنيفة النعمان، وإليه الرِّحلة في الفقه في زمانه. [ذكر الكَرْدَري في "المناقب": عن أبي حنيفة قال: خرجنا مع حمَّاد إلى تشييع الأعمش، وأعوز الماء لصلاة المغرب، فأفتى حماد بالتَّيمم لأوَّل الوقت، فقلْتُ: نؤخِّر إلى آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا فنتيمَّم، ففعلْتُ، فوجد الماء في آخر الوقت، وهذا أول مسألة خالف الإمام أبو حنيفة أستاذه حمَّاد. رأيْتُ في "أجناس النَّاطِفي" قال: لو صلَّى خلفَ الإمام صلاة الفجر، والإمام يرى القنوت فيها، والمأموم لا يرى، سكَتَ خلفَه ولا يقنت في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يتابعه، ذكره في "الجامع الصغير". وفيه: وفي صلاة الوتر، قال حمَّاد بن سليمان: قلْتُ لإبراهيم النَّخَعي في الحيِّ مسجدان؛ أحدهما أقرب إلا أنَّه يُقنت فيه، والآخر أبعد لا يُقنت فيه، قال: عليك بالأبعد الذي لا يُقنت فيه، وهو قول أبي يوسف، انتهى كلام النَّاطِفي. وفي "الجواهر المضيّة" (١: ٢٢٦): حماد بن مسلم أبو إسماعيل ابن أبي سليمان الكوفي، سمع أنس بن مالك، وتفقَّه بإبراهيم النَّخَعي، وروى عنه سفيان بن عُيينة وشعبة وبه تفقَّه أبو حنيفة، وعليه تخرَّج وانتفع. وحجَّ حمَّاد، فلمَّا قدم استقبلوه، فقال: أبشروا يا أهل الكوفة! رأيت عطاء وطاوسًا ومجاهدًا، فصبيانكم، بل صبيان صبيانكم أفقه منهم (٢).

стр. 314

وكان له لسان سؤول، وقلب عقول] (١). وكان حمَّاد يُفطر كلَّ يوم في شهر رمضان خمسين إنسانًا، فإذا كان يوم العيد كساهم ثوبًا ثوبًا وأعطاهم مئة مئة. [وعن ابن السَّبَّاك: لما قدم ابن زياد الكوفة على الصَّدقة، كلَّم رجلٌ حمَّادًا أن يكلِّم ابن زياد ليستعين له في بعض أعماله، فقال له حمَّاد: كم تؤمل في عملك له أن تصيب فيه، قال ألف درهم، قال: قد أمرت لك بخمسة آلاف ولا أبذل وجهي له، قال: جزاك الله خيرًا. قال ابن قتيبة: وكان حمَّاد مرجئيًّا] (٢). مات في سنة عشرين ومئة. * * * ٩١ - محمَّد بن مسلم الزُّهري (٣) كان أبوه مسلم بن عبد الله بن الحارث بن زهرة مع [ابن] الزُّبير، ولم يزل الزُّهري مع عبد الملك بن مروان، ثم مع هشام بن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد

стр. 315

الملك استقضاه، أخذ عن أبي بكر عبد الرَّحمن الحارث، وعبيد الله بن عبد (١) الله بن عتبة بن مسعود، المعدودَيْن من الفقهاء السبعة في الحجاز، تقدم ذكرهما. ومات في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومئة، ودفن بمالة (٢) على قارعة الطريق (ليمرَّ مارٌّ) (٣)، فيدعو له. والموضع الذي دُفن فيه آخر عمل الحجاز، وأول عمل فلسطين. ذكره ابن قتيبة في "المعارف" (ص: ٤٧٢). [ذكر في "الهداية" في كتاب الشهادة: ولا تقبل شهادة النساء؛ لحديث الزُّهري: مضت السنَّة من لدن رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنِّساء في الحدود والقصاص (٤). قال الشَّيخ أكمل الدِّين: وقول الزُّهري: مضت السنَّة من لدن رسول الله ﷺ والخليفتين: يدل على تلقِّيه الصَّدر الأول بالقَبول، فكان مشهورًا تجوزُ الزِّيادة به. وفي "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في باب علامة النون من كتاب الصلاة، قال: ويستحب للقوم أن يتوجَّهوا إلى الإمام عند الخطبة؛ لما روي عن الزُّهري وعطاء أنهما قالا: ثلاث من السنَّة، وعدَّ من جملة ذلك: الاستقبال إلى الإمام يوم الجمعة. يعني: الخطبة.

стр. 316

وفي "تحفة علاء الدِّين محمَّد السَّمَرْقندي": قال الزُّهري: لا يجوز التَّيمم في حقِّ النَّوافل؛ لأنها طهارة ضرورية، ولا ضرورة في حق النوافل، ولكن عامَّة العلماء قالوا إنَّ الحاجة إلى إحراز الثَّواب معتبرة كما في طهارة المستحاضة تظهر في حقِّ النَّوافل بالإجماع (١)] (٢). * * * ٩٢ - وهب بن منبِّه (٣) هو من أبناء الفُرْس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن، ويكنى أبا عبيد الله، وكان من التابعين ﵏. قال: قرأت من كتاب الله اثنين وسبعين كتابًا. وكان له إخوة، منهم همام بن منبِّه، وكان أكبر من وهب، وروي عن أبي هريرة ﵁، ومات قبل وهب، ومات وهب بصنعاء سنة عشرة ومئة (ذكره ابن قتيبة (٤)) (٥). * * *

стр. 317

٩٣ - مَيمون بن مِهران (١) كان مكاتبًا لبني نضر بن معاوية فأعتق، وكان ابنه عَمرو بن ميمون مملوكًا لامرأة من الأزد، فأعتقته، فلم يزل بالكوفة حتى كان هيج (٢) الجماجم، فتحوَّل إلى الجزيرة (٣). وكان ميمون واليًا لعمر بن عبد العزيز على الخراج، وابنه عمرو بن ميمون على الديوان. (وكان ميمون بزَّازًا، فكان يجلس في دكانه ويتولى الخراج) (٤). ومات سنة سبع عشرة ة ومئة، ومات ابنه عمر سنة خمس وأربعين ومئة، ذكره ابن قتيبة (٥). * * *

стр. 318

٩٤ - محمَّد بن السَّائب الكَلْبي (١) كان الكَلْبي من النَّسابين صاحب التَّفسير، ويكنى أبا النَّضر، وقُتل أبوه السَّائب مع مصعب بن الزُّبير، وشهد محمَّد بن الكَلْبي الجماجم مع ابن الأشعث، وتوفي بالكوفة سنة ست وأربعين ومئة. وكان ابن الكَلْبي هشام بن محمَّد بن السَّائب أعلم النَّاس بالأنساب، قال ابن الكَلْبي عن أبيه قال: دخلت على ضرار بن عطارد من ولد حاجب بن زرارة بالكوفة، فإذا عنده رجل (كأنه جُرَذ) (٢) يتمرَّغ في الحر، فغمز بي ضرار فقال: سله ممن أنت؟ فقلت له: ممن أنت؟ فقال: إن كنت ناسبًا فانسبني فإنني من بني تميم، فابتدأت أنسب تميمًا حتى بلغت إلى غالب فقلت: ولد غالب همامًا، فاستوى جالسًا فقال: والله ما سمَّاني به أبواي إلا ساعة من نهار، فقلت: والله إنّي أعرف اليوم الذي سمَّاك فيه أبوك الفرزدق. فقال: وأي يوم هو؟ فقلت: بعثك في حاجة، فخرجت تمشي وعليك سبعة لك. فقال: والله لكأنك فرزدق، دهقان قرية قد سماها بالجبل، قال: صدقْتَ والله، (ثم قال: أتروي شيئًا من شعري. قلت: لا، ولكني أروي لجرير مئة قصيدة. قال: فتروي لأبي المراغة، ولا تروي لي، والله لأهجونَّ كلبًا سنة أو تروي كما رويت لجرير. فجعلت أختلف إليه، أقرأ عليه النقائض خوفًا منه، ومالي في شيء (٣) حاجة) (٤).

стр. 319

كتيبة الأئمة المجتهدين وأصحاب المذهب وأهل اليقين قد سبق في العنوان أن علماء الدِّين والأئمة المجتهدين شكر الله تعالى مساعيهم اجتهدوا ومهَّدوا قواعد الأصول التي تفي بأحكام الحوادث كلِّها، واستنبطوا أحكام الفروع من الأدلَّة الأربعة على حسب تلك القواعد، وهذَّبوا مسائل الاجتهاد (مع تنقيح طرق النَّظر) (١)، وأوضحوا الدَّلائل، ووضعوا المسائل. وأصحاب الطبقة العالية في الاجتهاد منهم بعد الخلفاء الرَّاشدين وفقهاء الصحابة وأعلام التَّابعين الذين يزاحمون وجوه الصَّحابة في الفتوى ثمانيةٌ، وهم الذين يستبدُّون في استبناط الأحكام من الكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس، من غير تقليد لا في الفروع ولا في الأصول: أبو حنيفة نُعمان الكوفي، مالك بن أنس، ابن أبي ليلى، سفيان الثَّوري، عبد الرَّحمن الأوزاعي، محمَّد بن إدريس الشَّافعي، أحمد بن حنبل، داود بن علي الأصفهاني، وقيل: ربيعة الرَّأي منهم. وألحق البعض اللَّيثَ بن سعد إليهم فكانوا عشرة. ولكنَّ الله تعالى خصَّ من بينهم الأئمة الأربعة: النُّعمان، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، عناية منه (٢) بهم، بحيث منع العلماء تقليد غيرهم، فشاع مذهبهم في الأمصار والأعصار. قال محمَّد الشَّهْرَسْتاني في "الملل والنِّحل": "المجتهدون من أئمة الأمَّة مخصوصون في صِنْفَيْن لا يَعدون إلى ثالث: أهل الحديث، وأهل الرَّأي، والأوَّل أهل الحجاز، وأصحابهم أصحاب أهل الحديث، والثاني أهل العراق، ويُقال لأصحابهم: أصحاب أهل الرأي.

стр. 320

والصِّنف الأول أصحاب مالك بن أنس، وأصحاب محمَّد بن إدريس الشَّافعي، وأصحاب سُفيان الثَّوري، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأصحاب داود بن علي الأصفهاني، وإنما سمُّوا أصحاب الحديث؛ لأن عنايتهم بتحصيل الأحاديث، ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النُّصوص، ولا يرجعون إلى القياس الجليِّ والخفيِّ ما وجدوا خبرًا أو أثرًا. وقد قال الشَّافعي: إذا وجدتم لي مذهبًا، وعلى خلاف مذهبي خبرًا، فاعلموا أن مذهبي ذلك الخبر. ومن أصحاب الشَّافعي: المُزَني، والمرادي، والبُوَيطي، والصَّباح الزَّعْفَراني وغيرهم، وهم لا يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، بل يتصرَّفون فيما نقل عنه توجيهًا واستنباطًا، ويصدرون عن رأيه جملة، ولا يخالفونه بتَّة (١)، ويذهبون إلى ما نصَّ عليه، و [لا] يخرجون على رأيه. والصِّنف الثَّاني: أصحاب أبي حنيفة نعمان بن ثابت، ومن أصحابه: محمَّد بن الحسن، وأبو يوسف بن إبراهيم بن محمَّد القاضي، وزُفَر بن هذيل، والحسن بن زياد اللُّؤلؤي، وأبو شجاع، وعافية القاضي، وأبو مطيع البَلْخِي، وبشر المَرِيْسِي. وإنما سموا أصحاب الرأي لأنَّ عنايتهم بتحصيل وجه القياس، والمعنى المستنبط من الأحكام وبناء الحوادث عليها، وربَّما (٢) يُقدِّمون القياس على آحاد الخبر، وقد قال أبو حنيفة ﵀: عِلْمُنا هذا رأيٌ، وهو أحسنُ ما قدرنا عليه، فمنْ قدر على غير ذلك فله ما رآى، وهؤلاء ربما يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، ويخالفونه في الحكم الاجتهادي.
следующие страницы →