وفي "تحفة علاء الدِّين محمَّد السَّمَرْقندي": قال الزُّهري: لا يجوز التَّيمم في حقِّ النَّوافل؛ لأنها طهارة ضرورية، ولا ضرورة في حق النوافل، ولكن عامَّة العلماء قالوا إنَّ الحاجة إلى إحراز الثَّواب معتبرة كما في طهارة المستحاضة تظهر في حقِّ النَّوافل بالإجماع (١)] (٢).
* * *
٩٢ - وهب بن منبِّه (٣)
هو من أبناء الفُرْس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن، ويكنى أبا عبيد الله، وكان من التابعين ﵏.
قال: قرأت من كتاب الله اثنين وسبعين كتابًا.
وكان له إخوة، منهم همام بن منبِّه، وكان أكبر من وهب، وروي عن أبي هريرة ﵁، ومات قبل وهب، ومات وهب بصنعاء سنة عشرة ومئة (ذكره ابن قتيبة (٤)) (٥).
* * *
стр. 317
٩٣ - مَيمون بن مِهران (١)
كان مكاتبًا لبني نضر بن معاوية فأعتق، وكان ابنه عَمرو بن ميمون مملوكًا لامرأة من الأزد، فأعتقته، فلم يزل بالكوفة حتى كان هيج (٢) الجماجم، فتحوَّل إلى الجزيرة (٣).
وكان ميمون واليًا لعمر بن عبد العزيز على الخراج، وابنه عمرو بن ميمون على الديوان.
(وكان ميمون بزَّازًا، فكان يجلس في دكانه ويتولى الخراج) (٤).
ومات سنة سبع عشرة ة ومئة، ومات ابنه عمر سنة خمس وأربعين ومئة، ذكره ابن قتيبة (٥).
* * *
стр. 318
٩٤ - محمَّد بن السَّائب الكَلْبي (١)
كان الكَلْبي من النَّسابين صاحب التَّفسير، ويكنى أبا النَّضر، وقُتل أبوه السَّائب مع مصعب بن الزُّبير، وشهد محمَّد بن الكَلْبي الجماجم مع ابن الأشعث، وتوفي بالكوفة سنة ست وأربعين ومئة.
وكان ابن الكَلْبي هشام بن محمَّد بن السَّائب أعلم النَّاس بالأنساب، قال ابن الكَلْبي عن أبيه قال: دخلت على ضرار بن عطارد من ولد حاجب بن زرارة بالكوفة، فإذا عنده رجل (كأنه جُرَذ) (٢) يتمرَّغ في الحر، فغمز بي ضرار فقال: سله ممن أنت؟ فقلت له: ممن أنت؟ فقال: إن كنت ناسبًا فانسبني فإنني من بني تميم، فابتدأت أنسب تميمًا حتى بلغت إلى غالب فقلت: ولد غالب همامًا، فاستوى جالسًا فقال: والله ما سمَّاني به أبواي إلا ساعة من نهار، فقلت: والله إنّي أعرف اليوم الذي سمَّاك فيه أبوك الفرزدق. فقال: وأي يوم هو؟ فقلت: بعثك في حاجة، فخرجت تمشي وعليك سبعة لك. فقال: والله لكأنك فرزدق، دهقان قرية قد سماها بالجبل، قال: صدقْتَ والله، (ثم قال: أتروي شيئًا من شعري. قلت: لا، ولكني أروي لجرير مئة قصيدة. قال: فتروي لأبي المراغة، ولا تروي لي، والله لأهجونَّ كلبًا سنة أو تروي كما رويت لجرير. فجعلت أختلف إليه، أقرأ عليه النقائض خوفًا منه، ومالي في شيء (٣) حاجة) (٤).
стр. 319
كتيبة الأئمة المجتهدين وأصحاب المذهب وأهل اليقين
قد سبق في العنوان أن علماء الدِّين والأئمة المجتهدين شكر الله تعالى مساعيهم اجتهدوا ومهَّدوا قواعد الأصول التي تفي بأحكام الحوادث كلِّها، واستنبطوا أحكام الفروع من الأدلَّة الأربعة على حسب تلك القواعد، وهذَّبوا مسائل الاجتهاد (مع تنقيح طرق النَّظر) (١)، وأوضحوا الدَّلائل، ووضعوا المسائل.
وأصحاب الطبقة العالية في الاجتهاد منهم بعد الخلفاء الرَّاشدين وفقهاء الصحابة وأعلام التَّابعين الذين يزاحمون وجوه الصَّحابة في الفتوى ثمانيةٌ، وهم الذين يستبدُّون في استبناط الأحكام من الكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس، من غير تقليد لا في الفروع ولا في الأصول: أبو حنيفة نُعمان الكوفي، مالك بن أنس، ابن أبي ليلى، سفيان الثَّوري، عبد الرَّحمن الأوزاعي، محمَّد بن إدريس الشَّافعي، أحمد بن حنبل، داود بن علي الأصفهاني، وقيل: ربيعة الرَّأي منهم. وألحق البعض اللَّيثَ بن سعد إليهم فكانوا عشرة.
ولكنَّ الله تعالى خصَّ من بينهم الأئمة الأربعة: النُّعمان، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، عناية منه (٢) بهم، بحيث منع العلماء تقليد غيرهم، فشاع مذهبهم في الأمصار والأعصار.
قال محمَّد الشَّهْرَسْتاني في "الملل والنِّحل": "المجتهدون من أئمة الأمَّة مخصوصون في صِنْفَيْن لا يَعدون إلى ثالث: أهل الحديث، وأهل الرَّأي، والأوَّل أهل الحجاز، وأصحابهم أصحاب أهل الحديث، والثاني أهل العراق، ويُقال لأصحابهم: أصحاب أهل الرأي.
стр. 320
والصِّنف الأول أصحاب مالك بن أنس، وأصحاب محمَّد بن إدريس الشَّافعي، وأصحاب سُفيان الثَّوري، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأصحاب داود بن علي الأصفهاني، وإنما سمُّوا أصحاب الحديث؛ لأن عنايتهم بتحصيل الأحاديث، ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النُّصوص، ولا يرجعون إلى القياس الجليِّ والخفيِّ ما وجدوا خبرًا أو أثرًا.
وقد قال الشَّافعي: إذا وجدتم لي مذهبًا، وعلى خلاف مذهبي خبرًا، فاعلموا أن مذهبي ذلك الخبر.
ومن أصحاب الشَّافعي: المُزَني، والمرادي، والبُوَيطي، والصَّباح الزَّعْفَراني وغيرهم، وهم لا يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، بل يتصرَّفون فيما نقل عنه توجيهًا واستنباطًا، ويصدرون عن رأيه جملة، ولا يخالفونه بتَّة (١)، ويذهبون إلى ما نصَّ عليه، و [لا] يخرجون على رأيه.
والصِّنف الثَّاني: أصحاب أبي حنيفة نعمان بن ثابت، ومن أصحابه: محمَّد بن الحسن، وأبو يوسف بن إبراهيم بن محمَّد القاضي، وزُفَر بن هذيل، والحسن بن زياد اللُّؤلؤي، وأبو شجاع، وعافية القاضي، وأبو مطيع البَلْخِي، وبشر المَرِيْسِي.
وإنما سموا أصحاب الرأي لأنَّ عنايتهم بتحصيل وجه القياس، والمعنى
المستنبط من الأحكام وبناء الحوادث عليها، وربَّما (٢) يُقدِّمون القياس على آحاد الخبر، وقد قال أبو حنيفة ﵀: عِلْمُنا هذا رأيٌ، وهو أحسنُ ما قدرنا عليه، فمنْ قدر على غير ذلك فله ما رآى، وهؤلاء ربما يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، ويخالفونه في الحكم الاجتهادي.
стр. 321
وبين الفريقين اختلافات في الفروع، ولهم فيها تصانيف، وعليها مناظرات، وقد بلغت النِّهاية في مناهج الظُّنون، حتى كأنَّهم (١) أشرفوا على القطع واليقين، وليس يلزم بذلك تضليل ولا تكفير، بل كلٌّ مجتهد مُصيب". انتهى.
[وذكر ابن قتيبة في "المعارف" (١: ٤٩٤) أصحاب الرَّأي: وعدَّ منهم ابن أبي ليلى محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعبد الرَّحمن الأوزاعي، وربيعة الرَّأي.
وعن الشَّافعي أن اللَّيث بن سعد أفقه من مالك إلا أنَّ أصحابه لم يقوموا به، ذكره الدَّمِيْرِي (٢)] (٣).
وهذه الكتيبة في ترجمة هؤلاء العشرة من المجتهدين وأئمَّة الدِّين.
* * *
[٩٥ - أبو حنيفة]
سراج الملَّة، وتاج الأمَّة، صاحب المذهب المختار، وقمَّة الأئمة الأخيار، إمام المسلمين، قِبْلة المجتهدين أبو حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز، ملك بني شيبان.
اختلف أصحاب التَّواريخ في نسب الإمام، وفي "الكافي": نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز ملك بني شيبان.
وفي "جامع الأصول": نعمان بن ثابت بن زُوطا بن ماه من أهل كابل، وقيل: من أهل بابل، ويحتمل أن يكون عربيًّا؛ فإن بغداد تسمى ببابل في القديم، كما في "عراقيات الأبيوردي".
стр. 322
وعن أبي مطيع البَلْخِي: أنه من العرب من قبيلة الأنصار، وهو نعمان بن ثابت بن زوطا بن يحيى بن راشد الأنصاري.
وعن الصَّيْمَري (١) بإسناده إلى إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة أنه نعمان بن ثابت بن مرزبان من أبناء فارس الأحرار، ما وقع علينا رقٌّ قط، ذهب ثابت إلى علي ﵁ وكرم وجهه، فدعا له بالبركة (٢) (ولذرِّيته من بعده، فنحن نرجو من ذلك البركة إن شاء الله تعالى.
وفي "القاموس") (٣): حنيفة - كسفينة -: لقب أثالة بن لجيم أبو حي، منهم خولة بنت جعفر الحنفيَّة أم محمَّد بن علي بن أبي طالب، وأبو حنيفة النُّعمان الإمام، وعبد الوَّهاب ابن علي الشَّافعي، وأبو حنيفة كنية عشرين من الفقهاء، أشهرهم إمام الفقهاء النُّعمان.
وذكر الكَرْدَري (٤) نقلًا عن الغَزْنَوي، بإسناده عن أبي صالح بن أحمد العِجْلي عن أبيه: أنه كوفي تَيْمي، من رهط حمزة الزَّيات المقري، وكان بزَّازًا يبيع الخزَّ.
وعن زفر عن الإمام أنه قال: كنْتُ بلغْتُ الغاية في علم الكلام، حتى صرت المشار إليه بالبنان، وكنت أجلس بقرب (٥) حلقة حمَّاد، فسألتني (٦) امرأة عمَّن له زوجة (٧) أَمَة (٨) كيف يطلِّقها للسنة؟ فلم أهتدِ إلى الجواب، فقلت لها: سلي حمَّادًا، ثم
стр. 323
أخبرني بالجواب. فقلت في نفسي: لا حاجة لي في علم الكلام. فتحوَّلت إلى حلقة حمَّاد، وكان إذا ذكر المسألة أحفظ قولَه، فإذا كرَّر أحفظ الجواب ويخطئ أصحابه، فقال يومًا: لا يجلس في الحلقة [قبالتي غيرك] (١)، فلزمتُه عشر سنين. ثم أردت أنفرد في حلقة فلمَّا دخلت المسجد على ذلك العزم لم أملك الخلاف، فجلست في الحلقة فأخبر بموت حميم [له] بالبصرة، فخرج حمَّاد إليه وأجلسني مكانه، فوردَتْ عليَّ ستون مسألة لم أحفظ جوابها، فأجبْتُ، وكتبْتُ جوابي، فخالفني في عشرين، فحلفْتُ أن لا أفارقه إلى الموت، فلازمته ثماني عشرة سنة.
قيل له: كيف اخترْتَ حمادًا؟ قال: بتوفيق الله تعالى، تأمَّلْتُ في العلوم، فقلْتُ: الكلام عاقبته سوء، ونفعه قليل، (من تبحَّر فيه لا يقدر على الكلام جهارًا، ويُرْمَى بالهوى) (٢)، وعاقبة الأدب مجالسة الصبيان، (وعاقبة الشِّعر التكدي بالمدح، وقول الجفاء والخناء وتمزيق الدِّين) (٣)، وعلم القراءة بعد جمع الكثير منه في العمر الطويل مجالسة الأحداث، وربما يُرْمَى بسوء الحفظ، وعلم الفقه أولًا مجالسة المشايخ والتخلق بأخلاقهم مع الجلالة، (ولا يستقيم أداء التكاليف إلا به) (٤)، وحصول نجاة الدَّارين متعلق به، ولو نزلت نازلة في الحي احتاجوك، فإن أردت الدنيا نلت به، ولا يقدر أحد أن يتعبَّد إلا به، فلذلك اخترْتُ حمَّادًا.
روي أنَّه خرج حمَّاد حاجًّا، فخلف (٥) الإمام مكانه، فوجدوا عنده ما لم يجدوا عند (٦) غيره من كلِّ الأبواب، فلازموه وتركوا غيره.
стр. 324
وكان من معاصريه ابن أبي ليلى وابن شُبْرُمة والثَّوري وشريك وغيرهم، يتكلَّمون فيه، ويطلبون شينه ويخالفونه، وكان أمر الإمام وشأنه يزداد قوَّة، ويكثر أصحابه، حتى كانَتْ حلقته أكبر من حلقهم؛ إذ كان أوسعهم جوابًا، فمال إليه وجوه الناس، وأكرمه الحكَّام، وقام بالنَّوائب، وعمل أشياء (١) عجز عنها عُلماء عصره، وقوي عليهم في العلم والفُتيا، وساعدته المقادير حتى كثر حُساده.
وبعضهم قد طعنوا بأنه دسَّ ابنه في بيت حمَّاد حين مات ليأخذ كتبه. (قالوا:) (٢) هذا ليس بصحيح، (ولئن صحَّ فذلك دليل على إتقانه في حفظه؛ لأن أبا حنيفة لا يستجيز الرواية إلا عن حفظ وإتقان، ولا يأمن الحافظ وإن جلَّ حفظه وحسن ضبطه، فالرجوع إلى كتب أستاذه دلالة إتقانه، لا طعن فيه ولا جرح، هكذا ذكر في "شرح أصول فخر الإسلام البَزْدَوي" في دفع هذا الطَّعن، وكان الإمام ما ضبط ضبطه من حمَّاد، فأحسن الضَّبط عنه) (٣).
وعن الحسن بن زياد: وكان الإمام يروي أربعة آلاف حديث، ألفين عن حمَّاد، وألفين عن سائر المشايخ.
وكان الإمام مشتغلًا باستخراج المسائل من الحديث، (وقليلَ الرِّواية للحديث، وكذلك كان أجلُّ الصَّحابة كأبي بكر وعمر ﵄، كانوا مشتغلين بالعمل لا بالرِّواية، حتى قلَّتْ روايتهم) (٤).
стр. 325
ذكر الإمام الصَّيْمَري (١) في "مناقب الإمام" (٢): كان الإمام أبو حنيفة يقرأ لعاصم، وكان عاصم شيخ الإمام في القراءة، فلما ارتفع الإمام وانتهى في العلوم وارتفع شأنه قصده عاصم، وصار يتردَّد إليه ويحضر درسه، وكان يقول: يا أبا حنيفة! جئتنا صغيرًا وجئناك كبيرًا.
وعن الإمام أبي الفضل الكَرْماني، قال حين قدم خُوارِزْم: إن الإمام وضع خمسمئة ألف مسألة. (وذكر الخطيب الخُوَارِزْمي (٣): أنه وضع ثلاثة آلاف وثمانين ألف مسألة)، (٤) ثمانية وثلاثين ألفًا في العبادة، والباقي في المعاملة، لولا هذا لبقي الناس في الضَّلالة.
(وعن الغَزْنَوي بإسناده إلى محمَّد بن سلمة (٥)، قال خلف بن أيوب: صار العلم من الله تعالى لرسوله محمَّد ﷺ ، ثم إلى الصحابة، ثم إلى التابعين، ثم إلى أبي حنيفة وأصحابه، فمن شاء فليرضَ، ومن شاء فليسخط (٦).
فالإمام نشأ في القرن الصَّادق؛ لأنَّه ولد في آخر عصر الصحابة، فصار بذا من عليا الطبقات) (٧)، ودرَّس في آخر القرن الثاني وصدرًا من القرن الثالث، وكان مزاحمًا لأهل القَرْنَيْنِ في الفتوى، والاقتداء به أولى، ومذهبه بالتَّقديم على غيره أحرى.
стр. 326
وأما كونه تابعيًّا على تقدُّمه مزيَّة أخرى، وأنكره جماعة من المحدثين، وأصحابه أثبتوه بالأسانيد الصِّحاح، وهم أعرف بأحواله منهم، والمثبِت العدل العالم أولى من النَّافي، فإن أصحاب الإمام قد جمعوا مسنداته فبلغ خمسين حديثًا يرويه الإمام عن الصحابة ﵃، فإمامنا ولد سنة ثمانين على أصح الرِّواية.
وأنس بن مالك ﵁ آخر من مات من الصحابة بالبصرة في سنة ثلاث وتسعين قبل موت الحَجَّاج بسنتين، والإمام دخل البصرة أكثر من عشرين مرة في أول أمره، وروي الإمام عن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله خالصًا دخل الجنة" (١)، و "لو توكَّلتم على الله حقَّ التَّوكُّل لرزقكم كما يرزق الطَّير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (٢)، ذكره حافظ الدِّين الكَرْدَري في "مناقبه".
وكان عبد الله بن أبي أوفى ﵁ آخر من مات بالكوفة من الصَّحابة، وكان قد كفَّ بصره، مات سنة ست أو سبع وثمانين، والإمام في ذلك الوقت ابن ست أو سبع على قول الأكثر، تجوز رواية ابن خمس سنين أو أربع سنين كمحمود بن الربيع، هو راوٍ عند البُخاري (٣)، قال ابن حجر في "المختصر" في باب بيان السماع وكتابة الحديث: وأما السَّماع فأقل سنه عند أئمة المحدثين
стр. 327
خمس سنين، وعليه (١) عملهم يكتبون لابن خمس سنين (٢)، ومنهم من لم يعتبر السنَّ، بل قال: مَنْ يفهم الخطاب ويردُّ الجواب صحَّ سماعه ولو كان له (٣) دون خمس ومن لا (٤) فلا ولو بلغ خمسين.
وأبو الطُّفيل عامر بن واثلة آخر من مات بمكة، سنة اثنين ومئة، وهو آخر من مات من الصَّحابة في جميع الأرض، ولم يبقَ بعده صحابي على وجه الأرض، وأول حجٍّ حجَّه الإمام الأعظم عام ست وتسعين، وهو في هذا الوقت ابن ست عشرة سنة (٥).
وفي "الفتاوى الصُّوفيَّة" في الباب الثالث، نقلًا عن "أصول شمس الأئمة السَّرَخْسي" في باب الإجماع (١: ٣١٣ - ٣١٤): أنه كان أبو حنيفة من جملة التابعين؛ فإنه روى عن أربعة من الصحابة ﵃: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو الطفيل، وعبد الله بن حارثة، وقد كان ممن يجتهد في عهد التابعين، ويعلِّم الناس، حتى ناظر الشعبي في مسألة النذر بالمعصية، (وما كان انعقاد إجماعهم بدون قوله) (٦).
إذا تقرَّر هذا فنقول: إن طبقة إمامنا إمام المسلمين أبي حنيفة أعلى وأرجح من طبقة الأئمة الثلاثة المعروف مذهبهم، ومذهبه صواب وخير ومختار؛ لأنَّه تابعي
стр. 328
داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
ومعارضة مالك بملاقات الصحابة أو الرواية ممنوع، وسيجيء في ذكره أن مالكًا ولد سنة ثلاث أو أربع أو سبع وتسعين، ولم يثبت أنه صار في سن الطفولية إلى مكة حتى يدَّعي ملاقاة أبي الطفيل، على أن ابن الصلاح صرَّح أن مالكًا من تبَّع التابعين، أدرك التابعين لا الصحابة، مع أن مالكًا معتَرِفٌ بوفور فضل الإمام كما تقدَّم (في العنوان) (١).
وروي أن المشايخ العظام والفقهاء الأعلام الذين أخذوا الفقه عن أبي حنيفة وحضروا درسه وتفقَّهوا عليه سبعمئة وثلاثون رجلًا، فأي إمام له كواحد من أصحابه الذين هم قرعاء العصر، ووحداء الدهر؟!
[وعن الإمام الخطيب الخُوَارِزْمِي: أن قيصر الروم أرسل (إلى الخليفة) (٢) مالًا جزيلًا على يد رسوله، وأمره أن يسأل العلماء عن ثلاث مسائل، فإن أجابوا بذلك لهم المال، وإن لم يجيبوا طلب من المسلمين الخراج، فسأل، فلم يأتِ أحد بما (٣) فيه مقنع.
وكان الإمام إذ ذاك صبيًّا حاضرًا مع أبيه، فاستأذنه في جواب الذِّمي فلم يأذن له، فقام فاستأذن من الخليفة فأذن له، وكان الرومي على المنبر فقال له: السائل أنت؟ قال: نعم، قال: إذن مكانك الأرض ومكاني المنبر.
стр. 329
وصعد الإمام فقال: سل. قال: أي شيء كان قبل الله. قال: تعرف العدد؟ قال: نعم. قال: ما قبل الواحد؟ قال: هو الأول، ليس من قبله شيءٌ. فقال: إذا لم يكن قبل الواحد المجازي اللفظي شيء فكيف يكون قبل الواحد الحقيقي؟ قال الرومي: في أي جهة وجه الواجب؟ قال: وإذا أوقدت السِّراج فإلى أي وجه نوره؟ قال: ذلك نور يستوي فيه الجهات الأربع. فقال: إذا كان النور المجازي المستفاد الزائل لا وجه له إلى جهة فنور السماوات والأرض الباقي الدائم المفيض كيف يكون له جهة؟ قال الرومي: بمَ يشتغل الله الآن؟ قال: إذا كان على المنبر مشبِّه مثلك أنزله، وإذا كان على الأرض موحِّد مثلي رفعه، كل يوم هو في شأن. فترك الرومي المال، وعاد إلى الروم.
وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في القسم السابع، من الفصل السابع، من كتاب النكاح: وقعت لبعض الأشراف وليمة بالكوفة، وقد كان جميع (١) العلماء فيها، وفيهم أبو حنيفة، وكان في عداد الشبان يومئذ، وكان ممَّن تغار عليه المشايخ لفرط ذكائه وحسن تهديه إلى المعاني الغامضة، وكانوا جالسين على المائدة إذ سمعوا ولولة النساء، فقيل: ماذا أصابهن؟ فذكروا أنهم غلطوا فأدخلوا (امرأة كلِّ واحد) (٢) منهما على صاحبه، ودخل كلُّ واحد منهما بالتي أدخلت (٣) عليه. فقالوا: إن العلماء على مائدتكم، فاسألوهم عن ذلك، فسألوهم.
فقال سفيان الثوري: فيها قضى عليٌّ كرم الله وجهه؛ على كلِّ واحدٍ من الزوجين المهر، وعلى كلِّ واحدة منهن العدة، فإذا انقضت عدتها دخل بها زوجها.
وأبو حنيفة ﵀ كان ينكث بأصبعه على طرف المائدة كالمتفكِّر في الشَّيء،
стр. 330
فقال مَن إلى جنبه: أَبْرِز ما عندك، هل شيء آخر؟ فغضب سفيان الثَّوري وقال: ماذا يكون عنده بعد قضاء عليٍّ ﵁؟ يعني في الوطء بالشُّبهة.
فقال أبو حنيفة: يؤتى بالزَّوجين، فأُتِيَ بهما، فسأل كلُّ واحدٍ منهما: هل تعجبُك المرأة التي دخلت. قالا: نعم. ثم قال لكلِّ واحدٍ منهما: طلِّق امرأتك تطليقة فطلَّقها، ثم زوَّج كلَّ واحد منهما المرأة التي دخل بها، ثم قال: قوما إلى أهليكما على بركة الله تعالى.
وقال سفيان ما هذا الذي صنعْتَ؟ قال: أحسنُ الوجوه وأقربها إلى الألفة، وأبعدها عن العداوة، أرأيت لو صبر كلُّ واحد منهما إلى أن تنقضي العدة، أما كان يبقى في قلب كلِّ واحد منهما شيء لدخول أخيه بزوجته، ولكن أمرت كلَّ واحد منهما حتى طلَّق زوجته، ولم يكن بينه وبين زوجته دخول ولا خلوة ولا عدة عليها من الطلاق، ثم زوَّجت كلَّ واحد منهما ممَّن وطئها، وهي معتدة منه، وعدته لا تمنع نكاحه، وأقام كلُّ واحد منهما مع زوجته، وليس في قلب كلِّ واحد منهما شيء.
فتعجَّبوا من فطنة أبي حنيفة وحسن تأمله، وفي هذه الحكاية بيان فقه هذه المسألة. إلى هنا كلام القاضي ظهير الدِّين.
وعن نصير بن يحيى تلميذ أبي سليمان الجُوْزَجاني -هو تلميذ الإمام محمَّد- عن أبي يوسف أنَّه قال: أول ما وضع الإمامُ كتابَ الصلاة وسمَّاه "كتاب العروس"، ثم ترك المجلس، فلامه أصحابه، وقالوا: دعوتنا إلى هذا العلم ثم تركته! فقال: تركته لرؤيا هائلة، وروي هذه الرُّؤيا عن الإمام جماعة كثيرة] (١)؛ منهم (٢) محمَّد بن أبي
стр. 331
نعيم: (أن الإمام أبا حنيفة رأى) (١) كأنه ينبش قبر النبي ﷺ ويجمع عظامه، ويضع (٢) على صدره.
(وفي رواية رآه غيره، فقالوا له: هذا ابن سيرين عالم بالرُّؤيا، فذهب إلى ابن سيرين وقصَّها، فقال: إن كان ما تقول حقًّا لتعملُنَّ في سنة النبي ﷺ عملًا لم يُسْبَق إليه، فاجتهد الإمام بعد ذلك في العلم والتعليم.
وفي رواية محمَّد بن أبي نعيم: أن الإمام رأى كأنه ينبش قبر النبي ﷺ ويجمع عظامه على صدره) (٣)، فراح إلى ابن سيرين فسأله عنه، قال: صاحب هذه الرؤيا أبو حنيفة. فقال الإمام: أنا هو. فقال: اكشف ظهرك، فكشف ورأى خالًا بين كتفيه، فقال: أنت الذي قال ﷺ : "يخرج من أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة بين كتفيه خال يحيى الله دينه على يديه" (٤).
ثم إن الإمام اجتهد وألَّف ودوَّن لما رأى العلم منتشرًا أراد ضبطه وحفظه؛ صونًا عن الضياع بموت العلماء، كما قال ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ولكن (يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا مات العلماء اتخذ الناس رؤوسًا جهَّالًا فضلُّوا وأضلُّوا) (٥) " (٦)، فجعله أبوابًا مبوبة، وكتبها مرتبة، فبدأ بالطَّهارة؛ لأنها شرط الصلاة
стр. 332
التي هي عماد الدِّين، ثم ثنَّاها بالصلاة التي هي من شكر البدن، وثلَّث بالزكاة لأنها شكر المال، (ومن المعلوم أن شكرَ نعمة خلقه الوجود مقدم على شكر نعمة ما به الوجود؛ يعني: عبادة البدن (١) مقدم على عبادة المال (٢)) (٣)، ثم وثم. . . حتى ختم بكتاب الوصايا؛ لأنَّه آخر الأحوال، وأول تعلق الوارث بالمال، ثم بباب الميراث، وهذا ترتيب حسن، فما أحسن المبدأ والمختم، ومن جاء بعده فقد اقتبس منه واستفاد واقتدى به.
فكان الإمام سابقًا في زمانه على الأئمَّة كلهم، (أحيى دين الله وسنَّة رسوله) ﷺ (٤)، وهو سراج أمَّته إلى يوم القيامة، على ما قال حافظ الدِّين الكَرْدَري في مناقب الإمام (ص. ٢٦ - ٢٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة. . ." وفي رواية: ". . . النعمان سراج أمتي يوم القيمة"، (٥) [وفي رواية عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون في أمتي رجل يقال له: النعمان بن ثابت ويكنى بأبي حنيفة يحيى دين الله وسنتي"، وفي رواية: ". . . يحيى به الله دينه وسنتي". ومثل هذا الإسناد ويسمى في اصطلاح المحدثين وجادة وأنَّه مقبول عندهم، نصَّ عليه ابن الصلاح وغيره، وفي رواية عن أبي لهيعة قال: قال رسول الله ﷺ : "في كل قرن من أمتي سابقون وأبو حنيفة سابق في زمانه".
ورأيت في شرح المنظومة المسمى بـ "المصفَّى" لأبي البركات حافظ الدِّين
стр. 333
النَّسَفِي في بيت أولها مقالة النُّعمان، ثم مقالات الإمام الثاني، قال: النُّعمان عَلَم لأبي حنيفة] (١)، وطوبى لمن سمَّاه وكنَّاه قبل وجوده أفضل الخلائق، حيث قال ﷺ "إن في أمتي رجلًا اسمه نعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي هو سراج أمني هو سراج أمتي"، قال أبو يوسف:
حسبي من الخيرات ما أعددته … يوم القيامة في رضى الرَّحمن
دين النَّبي محمَّد خير الورى … ثم اعتقادي مذهب النُّعمان (٢)
وقال مسعر:
كفى النُّعمان فخرًا ما رواه … من الأخبار عن غُرر الصَّحابة
(وكان أبو حنيفة ممن يزاحم التابعين في الفتوى) (٣)، روي عنه أنه قال: ما جاءنا عن الله ورسوله والصحابة فعلى الرأس والعين، وما جاءنا من التابعين فهم رجال ونحن رجال (٤)، اللهم إذا كان التابعي يزاحم الصحابة في الفُتيا، فإنه يقلد ذلك التابعي كما يقلد الصحابي.
[في "شرح الخَصَّاف" (٥): قال الصَّدر الشَّهيد: ذكر في "النوادر" عن أبي حنيفة: من كان من أئمة التابعين وأفتى في زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى وسوغوا له الاجتهاد فأنا أقلده مثل شريح، والحسن، وعلقمة، ومسروق.
стр. 334
روي عن صدر الأئمة أنه قال: بلغت مسائل الإمام خمسمئة ألف مسألة مع ما أودع في كتبه من المسائل الغامضة الصِّعاب المبنيَّة على خفيَّات النَّحو وأسرار العربية ودقائق الحساب.
روي أنه دعاه المنصور ليجعله قاضي القضاة فأبى فحبسه، ثم دعاه فقال: ما لَك لا تدخل في عملنا؟ قال: لا أصلح لذلك، قال: كذبت، فقال: سبحان الله! حكم الخليفة بأني كاذب، والكاذب لا يصلح، وإن كنت صادقًا فالعذر ظاهر.
روي أن الرَّبيع صاحب المنصور كان يعادي أبا حنيفة، فحضر يومًا عند أمير المؤمنين فقال الربيع: يا أمير المؤمنين! إن أبا حنيفة يخالف جدَّك ابن عباس، وكان جدُّك يقول: إذا حلف الرجل على يمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين كان ذلك جائزًا، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلًا باليمين، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين! إن الربيع يزعم أن ليس لك في رقاب جندك بيعة، قال: وكيف؟ قال: يحلفون لك، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون، فتبطل أيمانهم. وقال المنصور: يا ربيع لا تتعرض لأبي حنيفة.
وروي أن المنصور دعاه، والثوري، وشريكًا، ومسعرًا، ليقلدهم، فقال الإمام: أما أنا فأحتال، والثوري يهرب، ومسعر يتجنَّن، وأما شريك فلا آمن عليه أن يقع فيه. وكان الجندي يذهب بهم فقال سفيان الثوري: أريد البراز، فتوارى بالحائط، فإذا سفينة مملوءة بالشَّوك، فقال سفيان للملَّاح: خلف هذا الحائط رجل يريد أن يذبحني، أشار إلى قوله ﷺ : "من قُلِّد القضاء فكأنما ذبح بغير سكين" (١)، فستره تحت الشوك فلم يجده الجندي.
стр. 335
وأما مسعر (١) لما دخل عليه قال: كيف دوابك؟ كيف غلامك؟ فتركوه، وقالوا: إنه مجنون.
وأما الإمام قال: إني رجل بزَّاز وأهل الكوفة يرمونني بالأجر إذا قلدتني؛ لأنهم أشراف لا يرضون أن يكون القاضي بزَّازًا فتركه الخليفة.
وأما شريك قال: غالب حالي النسيان. قال: نطعمك اللُّبان حتى يذهب عنك النِّسيان، قال: لي خِفَّة، قال: أطعمك كل يوم فالوذج السكر (بدهن اللوز) (٢) حتى تذهب عنك الخِفَّة، قال: لا أبالي في الحكم على قريب أو بعيد، فقال الخليفة: أحكم عليَّ وعلى ولدي، فقلَّده القضاء] (٣).
وفي وفاة الإمام روايات كثيرةٌ، وأصحُّها ما روي عن ابن المبارك: أشخص (٤) المنصور الإمام إلى بغداد وطلب منه أن يتولى القضاء، ويخرج القضاة من تحت يده، فأبى واعتلَّ بعللٍ، فحلف المنصور إن لم يقبله يحبسه، فأصر على الإباء، وكان يرسل إليه يهدده (٥) في الحبس إن لم يقبله يضربه، فأبى فأمرَ به يضرب كلَّ يوم عشرة أسواط، فلما تتابع عليه الضرب في تلك الأيام بكى فأكثر البكاء، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى انتقل إلى جوار الله في الحبس محبوسًا (٦) مبطونًا، فأخرجت جنازته، وكثر بكاء الناس عليه، ودفن في مقابر الخيزران.
стр. 336
مات ﵁ سنة خمسين ومئة، وكان ابن سبع وستين، ولم يكن له من الأولاد إلا حمَّاد.
وقيل: إن الإمام مات مسمومًا، وسببه أن إبراهيم بن عبد الله الحسيني العلوي خرج بالبصرة يدَّعي الخلافة، فبلغ المنصور أن أبا حنيفة والأعمش كتبا إليه مكتوبًا، فكتب المنصور عن لسان إبراهيم إليه، وأرسل إليه، فأخذ الكتاب وقبله، فاتهمه المنصور في ذلك وسقاه السم، فاخضرَّ وجهه ومات، ولم يجدوا في بيته كتابًا إلا المصحف، ولما أحسَّ بالموت سجد، فخرجت نفسه وهو ساجد.
[وروي عن زفر بن هزيل تلميذ الإمام، قال: كان أبو حنيفة يجهر بالكلام أيام إبراهيم الحسيني جهارًا شديدًا، فقلت له: ما أنت بمنْتَهٍ حتى توضع الحبال في أعناقنا، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى جاء كتاب المنصور إلى عيسى بن موسى أمير الكوفة أن أحمله إلينا، فحُمل إلى بغداد خمسة عشر يومًا، ثم سقاه السم.
قال حافظ الدِّين الكَرْدَري: الصَّحيح من الرُّوايات: أنه لم يقبل القضاء حتى انتقل إلى جوار الله تعالى في رجب، وقيل: في شعبان، وفي رواية بشر بن الوليد عن أبي يوسف في النصف من شوال سنة خمسين ومئة] (١).
وله "كتاب الفقه الأكبر" رواه عنه أبو مطيع البَلْخِي، وكان من تلامذته، [وعن محمَّد بن مقاتل قال: سمعت أبا مطيع يقول: رأيت على الإمام قميصًا ورداءً قوَّمتها بأربعمئة درهم، وبعض المتقشفة اختاروا البذاذة في اللباس، وإنه مخالف للنَّص، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة": وتكره الصلاة في الثِّياب البِذْلَة. وهكذا نقله الكَرْدَري
стр. 337
عن "مبسوط خَواهَرْ زَادَه"، ذكر القاضي أبو العلاء صاعد بن محمَّد في "كتاب العقيدة" عن أبي سليمان الجُوْزَجاني: أن رجلًا جاء إلى أبي حنيفة فقال: أرى مقالات الناس مختلفة، وقد بقيت فيما بينهم متحيرًا، لست أفقه على صواب القول منهم، أُحِب يا أبا حنيفة أن تبيِّن لي طريقًا أكون عليه فأنجو غدًا من النار، وترضى لي بما ترضاه لنفسك، وإذا تابعتك لا أُلام عليه، فقال أبو حنيفة: أدركت الناس وهم يقولون: من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقد أخلص الملك لله، وتبرأ ممن عبد من دونه، وخلع الأنداد والأشباه.
ثم الواجب عليهم بعد الشهادة بوحدانيته وبإثبات رسوله وإقراره بالمفروضات من الصلاة والزكاة والحج لمن استطاع والصوم والبراءة من الكفر والشرك: العملُ بما افترض عليه من ذلك، فمن استقام على ذلك ومات عليه فهو من أولياء الله، ومن استقام على الشهادتين وقصر في هذه المفروضات فأمره إلى الله؛ إن شاء عذبه على تضييعه، وإن شاء عفا عنه.
وإيَّاك أن تشتم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ ، ودع سرائرهم إلى الله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وتؤمن بالقدر كله، ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وارضَ للناس ما ترضي لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ولا تقل في دين الله برأيك، ولا تتأوَّل على الله، ولا تعترض عليه، فإن الله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
وعن أبي عصمة نوح بن أبي مريم الجامع لقبُه، قال: سألت أبا حنيفة: مَنْ أهل السنَّة والجماعة؟ قال: من فضَّل أبا بكر وعمرَ وأحبَّ عُثمان وعليًّا ﵃، ورأى المسح على الخفين، ولم يكفِّر أحدًا بذنب، وآمن بالقدر خيره وشره من الله
стр. 338
تعالى، ولم ينطق في الله بشيء، يعني في ذاته ورأيه. إلى هنا من "كتاب العقيدة"] (١).
وذكر الإمام الأَرْزَنْجاني في "شرح البَزْدَوي": أن الإمام أبا حنيفة صنَّف "كتاب العالم والمتعلِّم"، و "كتاب الرسالة"، وهو كتاب بعثه إلى عُثمان البتي من أصحابه، و "كتاب الفقه الأكبر"، و "كتاب المقصود" في الصرف، وما قيل ليس للإمام مصنَّف فهو كلام المعتزلة.
* * *
[٩٦ - ابن أبي ليلى (٢)]
محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى الأنصاري الفقيه المقرئ قاضي الكوفة وأحد المجتهدين
واسم أبي ليلى يسار، وهو من ولد أُحَيْحَة بن الجُلاح، وكان ابن شُبْرُمة وغيره يرفعونه عن هذا النسب، (قال ابن شُبْرُمة:
وكيف تُرجى لفصل القضاء … ولم تُصِبِ الحُكم في نفسِكا
وتزعمُ أنَّك لابن الجُلاح … وهيهاتَ دَعواكَ من أصلكا) (٣)
وكان عبد الرَّحمن بن أبي ليلى يروي عن عمر ﵁ وعلي (وعبد الله) (٤) وأُبي ﵃.
стр. 339
وكان مع ابن الأشعث، فقُتل بدجيل (١)، وكان (محمَّد هذا) (٢) ولي القضاء لبني أمية، ثم وليه لبني العبَّاس، وكان فقيهًا مفتيًا بالرأي.
ومات سنة ثمان وأربعين ومئة، وهو على القضاء، وجعل أبو جعفر المنصور ابن أخيه مكانَه، ذكره ابن قتيبة (٣).
وذكر الذَّهبي في "طبقات القراء": محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة، وأحد المجتهدين، قرأ على أخيه عيسى وغيره، وقرأ عليه حمزة الزيَّات، وهو حسن الحديث، كبير القدر، من نظراء أبي حنيفة في الفقه، يكنى أبا عبد الرَّحمن، روى عن الشعبي، وعطاء، والحكم، وقرأ أيضًا القرآن على الشَّعبي، عن قراءته على علقمة، وقرأ أيضًا على المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير.
[ذكر حافظ الدَّين الكَرْدَري: عن عبد الله بن المبارك قال: سأل أبا حنيفة رجلٌ أن ينقب في حائطه كوَّة، فأفتاه بالجواز، فمنعه ابن أبي ليلى عن ذلك، وأتاه ثانيًا فقال: افتح فيه بابًا، فمنعه ابن أبي ليلى، فقال أبو حنيفة: للرجل كم قيمة حائطك؟ قال: ثلاثة دنانير، قال: عليَّ قيمتها اذهب فاهدمها، فلما رأى الهدم خاصمه إلى ابن أبي ليلى، فقال: كيف أحوله عن هدم حائطه؟ قال: تمنعني عن أيسر من ذلك، فقال القاضي ابن أبي ليلى: ما أصنع؟ تذهب إلى رجل يدلني على خطئي، أفلا أرجع عنه؟!
ورأيت في "التبيين شرح الكنز" (٤): أن الزَّيْلَعِي قال: حكى ابن أبي ليلى: كان قاضيًا بالكوفة، فسمع يومًا رجلًا يقول عند باب مسجده لرجل: يا ابن الزَّانيَيْن، فأمر
стр. 340
بأخذه، فأُخِذ، فأدخل المسجد، فضربه حدَّيْن؛ ثمانين، ثمانين، لقذفه الوالدَيْن.
فأخبر أبو حنيفة بذلك، فقال: يا للَعجب من قاضي بلدنا؟! قد أخطأ في مسألة واحدة من خمسة أوجه: حده من غير خصومة المقذوف، وضربه حدَّيْن ولا يجب عليه إلا حدٌّ واحدٌ ولو قذف ألفًا، ووالى بين الحدَّيْن، والواجب أن يفصل بينهما بيوم أو أكثر، وحدَّه في المسجد، وقد قال ﷺ : "جنبوا صبيانكم مساجدكم ومجانينكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم" (١)، والخامس: ينبغي أن يكشف أن المقذوفَيْن حيَّين أو ميِّتين لتكون الخصومة إليهما أو إلى ولدهما، وإن اجتمعت على واحد أجناس مختلفة بأن قذف، وزني، وسرق، وشرب، يقام عليه الكلُّ ولا يُوالي بينها؛ خيفة الهلاك، بل ينتظر حتى يبرأ من الأول.
ورأيت أيضًا في "التبيين" في باب خيار العيب: ولو برأ إليه من كل عيب صح، وإن لم يسمِّ الكل، ولا يرد بعيب، وكان ابن أبي ليلى يقول: لا تصح البراءة من العيب مع التَّسمية ما لم يره المشتري، وقد جرت بينه وبين أبي حنيفة في مجلس أبي جعفر الدَّوَانِقي، فقال له أبو حنيفة: أرأيت لو باع جارية في موضع المأتي منها عيب، أو غلامًا في ذكره عيب، أكان يجب على البائع أن يُرِي المشتري ذلك الموضع منها أو منه، ولم يزل يعمل به هكذا حتى أفحمه وضحك الخليفة، انتهى] (٢).
* * *
стр. 341
[٩٧ - سُفيان الثَّوري (١)]
سُفْيان بن سَعيد بن مَسْروق الثَّوري. واحد المجتهدين، أوحد (٢) العارفين (٣).
وكان كوفيًّا، فطلبه المنصور، فهرب في الطريق من أيدي الجندي وتوارى (٤).
سئل الثوري عن عُثمان وعلي ﵄، فقال: أهل البصرة يقولون بتفضيل عُثمان، وأهل الكوفة يقولون بتفضيل عليٍّ، قيل له: فأنت؟ قال: أنا رجل كوفي.
ذكر الدَّمِيْرِي [في الخيل عن ابن السَّمْعانِي وغيره: أن المنصور كان يبلغه عن سفيان الإنكار عليه في عدم إقامة الحقِّ، فتطلَّبه المنصور، فهرب إلى مكَّة، فلما حج المنصور بعث بالخشَّابين أمامه وقال: حيث ما وجدتم سفيان فاصلبوه، فأتى الخبرَ بذلك وسفيان نائم ورأسه في حجر فضيل بن عياض، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة، فقالا خوفًا عليه وشفقة: لا تشمت بنا الأعداء، فقام ومشى على الكعبة، فالتزم أستارها عند الملتزم، ثم قال: وربِّ هذه البِنْيَة لا يدخلها. يعني: المنصور، فزلقت راحلته في الحَجُون فوقع من ظهرها ومات، فخرج سفيان ﵀ وصلى عليه.
وذكر الدَّمِيْرِي أيضًا في الحمار] (٥): دخل سفيان على المهدي يومًا، فسلَّم عليه
стр. 342
تسليم العامة، ولم يسلِّم بالخلافة، فأقبل عليه المهدي بوجه طلق وقال: يا سفيان تفرُّ منا هاهنا وهاهنا، وتظن أنَّا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك، وقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك الآن بهَوَان؟ فقال سفيان: إن تحكم فيَّ يحكم فيك ملك قادر مفرِّق بين الحق والباطل، فقال الرَّبيع: (يا أمير المؤمنين) (١) ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقه. فقال له المهدي: اسكت، ويلك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بهم، اكتبوا (عهده على) (٢) قضاء الكوفة، (بحيث أن لا يتعرض عليه في حكم، فكتب عهده ودفع إليه) (٣) فأخذه وخرج، فرمى به في دجلة وهرب، فطُلِب في كلِّ بلد فلم يوجد.
وتوفي بالبصرة متواريًا سنة إحدى وستين ومئة، وهو أحد الأئمة المجتهدين، اجتمع الناس على دينه وورعه.
وروي أن أبا القاسم الجنيد البغدادي كان على مذهبه، وعده السُّبْكي شافعيًّا.
حكي أن سفيان أكل ليلة زائدًا على عادته فقال: إن الحمار إذا زِيْد في علفه زِيْد في عمله، ثم قام حتى أصبح.
[وفي "تحفة علاء الدِّين السَّمَرْقندي": إن الكفاءة معتبرة في النّكاح، وقال مالك وسفيان الثوري: لا تعتبر الكفاءة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وهو اختيار الكَرْخي.
وفي "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في باب الكراهة بعلامة السِّين من "واقعاته": تقبيل يد العالم أو السُّلطان (جائز؛ لما روي عن سفيان أنه قال: تقبيل يد العالم أو
стр. 343
السُّلطان) (١) [العادل] (٢) سنَّة، فقام عبد الله بن المبارك وقبَّل رأسه، وقال: من يحسن هذا غيرك، وأما تقبيل يد غيرهم تكلموا فيه؛ منهم من قال: إن كان الرجل يأمن نفسه وينوي حسبة وهو تعظيم المسلم وإكرامه لا بأس، والمختار فيه أنه لا رخصة فيه من المتقدِّمين إلا فيما ذكرنا.
وفي "روضة علي بن يحيى الزَّنْدَوِيْستي" في الباب العاشر في ترك الذَّنب مخافة الله تعالى: عن عبد الصَّمد المَرْوَالرُوْذي أنه قال: كنْتُ عند سفيان الثوري أسمع منه الأحاديث، وما كان يجلس للعامة فقلت: رحمك الله، لو انبسطت وجلست فيأتيك الشريف والوضيع، فيستفيدون منك ويحملون عنك؟ فقال سفيان: هل تعقل منصورًا، وإبراهيم، وعلقمة؟ فقلت: أما منصور فإمام ثقة، وإبراهيم النَّخَعي إمام من أئمة المسلمين، وعلقمة بن قيس من أفاضل أصحاب عبد الله بن مسعود.
ثم قال سفيان: حدثني منصور بن يَعْمَر، عن إبراهيم النَّخَعي، عن علقمة عن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى لما خلق جنات عدن دعا جبرائيل وقال: انطلق فانظر ماذا خلقت لعبادي وأوليائي؟ فذهب جبرائيل وجعل يطوف في تلك الجنان، فأشرفت إليه جارية من الحور العين في بعض تلك القصور، فتبسمت إلى جبرائيل فأضاءت جنات عدن من ثناياها، ولم يرها جبرائيل فخرّ لله ساجدًا، وظن أن النُّور من رب العالمين، فنادته الجارية: يا أمين الله! ارفع رأسك، فرفع رأسه، فنظر إليها فقال: سبحان الذي خلقك، فقالت الجارية: يا أمين الله! أتدري لمن خُلقت؟ قال: لمن خُلقت؟ قالت: إن الله تعالى خلقني لمن آثر رضي الله على هوى
стр. 344
نفسه؛ خوفًا من عقابه، وطلبًا لمرضاته" (١)، ثم قال: أو يخدع اللَّبيب عن مثل هذا يا مَرْوَالرُوْذي؟] (٢).
* * *
[٩٨ - مالك بن أنس (٣)]
إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن أبي عامر الأَصْبَحي، صاحب المذهب.
قال الخطيب أبو العبَّاس القاضي أحمد الغَّساني (٤) المالكي في "شرح الرِّسالة" من كتب المالكيَّة: كان إمامنا الإمام مالك إمامَ دار الهجرة والنُّبوة ومهبط الوحي، وكان اعتماده في مذهبه على الكتاب والسنَّة وعمل أهل المدينة، وهو أعلم الناس بالناسخ والمنسوخ؛ (إذ كانت الأحكام تتجدد إلى وفاة رسول الله ﷺ .
وكان موصوفًا) (٥) بكمال الإدراك والفهم، معروفًا بالعلم والدِّيانة والاتِّباع، متَّصفًا بالعقل والفضل، والإصابة وتجنب الابتداع، وكان عارفًا بطريق الأخبار، وعلل الآثار، صحيح النقل والرواية، مكين المعرفة والدراية، فقيه عصره، وعالم دهره و مِصْره، لازم ابن هرمز خمس عشرة سنة، من الغد إلى الزَّوال، مع ملازمته لغيره وفضائله شهيرة.
стр. 345
قال النَّووي: اجتمعت العلماء على أمانة مالك وجلالته وعظيم سيادته.
قال البُخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ .
وقال أبو منصور السَّمْعانِي: أصحها الشَّافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ .
ورأيت في "ثمرات الأوراق" (لابن حِجَّة الحَمَوي) (١): أن الشَّافعي أقام بمدينة النبي ﷺ ثمانية أشهر، وحفظ "الموطَّأ" من مالك من أوَّله إلى آخره، وأملاه وأقرأه على الناس، وهم يكتبونه في مسجد رسول الله ﷺ . وسيجيء مفصلًا.
وقال أبو مصعب: كانوا يزدحمون على باب مالك فيقتتلون من الزِّحام، وأخذ عن أشياخ كثيرة.
وعن الإمام الزَّرَنْجري عن أبي حَفْص الكبير: أنه وقع بين أصحاب مالك وبين أصحاب أبي حنيفة في التَّفضيل، فقلْتُ: عدّوا مشايخه، فبلغ مشايخ مالك ثمانين، وبلغ مشايخ إمامنا النُّعمان أربعة آلاف، فقلْتُ: هذا من أدنى فضائله.
ولقد بالغ أبو القاسم الزَّروقي المالكي في "رسالته" المصنَّفة في سبيل السنة المشرفة: أخذ مالك عن تسعمئة شيخ، ثلاثمئة من التابعين، وستمئة من تابعيهم ممَّن اختارهم وارتضاهم في الدِّين والعلم (بحقِّ الرواية) (٢).
وذكر أبو العبَّاس القِلْشَاني أيضًا: وُلد الإمام مالك ﵀ سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، وقيل: إحدى، وقيل: أربع، وقيل: سبع. وتوفي صبيحة
стр. 346
أربعة عشر من ربيع الأول سنة تسعة وسبعين (١) ومئة، وكانت وفاته يوم الأحد.
وروي عن عمر بن يحيى بن سعيد الأنصاري في اللَّيلة التي مات فيها مالك: سمعت قائلًا يقول:
لقد أصبحَ الإسلامُ زُعْزعَ رُكْنُهُ … غداةَ ثَوَى الهادي لَدَا مَلْحَدِ القَفْرِ (٢)
إمامُ الهُدَى ما زالَ للعلمِ صَائنًا … عليه سَلامُ اللهِ في آخرِ الدَّهرِ
قال: فانتبهت فكتبت البيتين في السراج، وإذا الصَّارخ (٣) على مالك أنه مات ﵀.
قيل: خلف مالك خمسمئة زوج نعل، وثلاثمئة جارية، وكان في أول حاله على فقر، ثم صار ذا ثروة، ومع ذلك كان من الزهد والورع بمكان، ولو كان يأكل الطيب من الطعام، ويلبس الحسن من الثياب فليس بقادح في زهده ولا في ورعه. (ولكل شيء وجهة) (٤).
وكان القائم بمذهبه بعد وفاته جماعة من أصحابه، [أبرزهم] (٥) عبد الرَّحمن بن أبي القاسم العُتَقي المصري، ومات هو سنة إحدى وتسعين ومئة، وكان عمره ستين سنة، وأخذ عن أبي القاسم جماعة، منهم مدوِّن "كتاب المدونة" عبد السَّلام بن حبيب أبو سعيد، وهو تَنُوخي النَّسب، وسَحْنون لقبه، مات سنة أربعين ومئتين.
стр. 347
[ذكر جمال الدِّين البَزْدَوي في "تهذيب الجامع الصغير": أن الأكل والشرب والجماع ناسيًا لا يفطره استحسانًا؛ سواء كان في فرض أو تطوع، والقياس أن يفطره، وبه قال مالك في الفرض خاصة دون النَّفل.
دليلنا ما روي أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إني كنت صائمًا فأكلت وشربت وأنا ناسٍ، فقال له ﷺ : "أطعمك الله وسقاك فتم على صومك" (١)، فبيَّن أنه صائم مع أكله وشربه ناسيًا، وأمره بإتمامه، ولو كان مفطرًا لما سمَّاه صائمًا، ولما أمره بالإتمام مع البطلان.
احتج مالك بأن الأكل ينافي الصَّوم، فاستوى فيه العامد والنَّاسي كالأكل في الصلاة، قلنا: وهذا القياس موجود في نفل الصوم كوجوده في فرضه، فلا بالقياس أخذْتَ ولا بالأثر عملْتَ.
وذكر أبو حنيفة بعد هذا: لولا قول الناس لقلْتُ: إن صومه قد بطل، أراد: لولا رواية الناس عن النَّبي ﷺ لقلْتُ بالقياس] (٢).
* * *
[٩٩ - عبد الرَّحمن الأوزاعي (٣)]
إمام أهل الشَّام عبد الرَّحمن بن عَمْرو بن محمَّد أبو عَمْرو الأَوْزاعِي.
الأوزاع بطن من همدان، وعن الواقدي كان الأوزاعي يسكن ببيروت،
стр. 348
ومكسبه (١) باليمامة، فلذلك سمع من يحيى بن كثير، ومات ببيروت سنة سبع وخمسين ومئة، وهو يومئذ ابن اثنتين وسبعين سنة.
وذكر الدَّمِيْرِي في البعير: أن الأوزاعي اسمه عبد الرَّحمن (إمام الشام، قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، وكان يسكن بيروت) (٢).
والأوزاعي من تابع التابعين، وقال الأوزاعي: رأيت ربَّ العزَّة في المنام فقال لي: يا عبد الرَّحمن! أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قلت: بفضلك يا رب، فقلت: يا رب أمتني على الكتاب، فقال : وعلى السُّنَّة.
وتوفي في شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين ومئة رحمة الله عليه، وكان سبب موته أنه دخل حمامَ بيروت، وكان لصاحب الحمام شُغل فأغلق الباب عليه، وذهب، ثم جاء وفتح الباب فوجده ميتًا، قد وضع يده اليمنى تحت خدِّه مستقبل القبلة. [وقيل: إن امرأته فعلت ذلك، ولم تكن عامدة لذلك.
والأوزاع: قرية بدمشق، ولم يكن عبد الرَّحمن منهم. قال النَّووي: إنه ولد ببَعْلَبَك سنة ثمان وثمانين، وهو مدفون في قبلة مسجد قرية حنتوس، وهو على باب بيروت، فأهل القرية لا يعرفون، بل يقولون: هاهنا قبر رجل صالح، ينزل عليه النور، ولا يعرفه إلا الخواص.
وفي "تهذيب الجامع الصغير": وأما سؤر البغل والحمار مشكوك، لم يقطعوا بطهارته ولا بنجاسته، واختلفوا في جهة إشكاله؛ قال بعضهم: لاختلاف الصحابة ﵃ في طهارة سؤر الحمار وبنجاسته، قال ابن عباس ﵄: إنه
стр. 349
طاهر (١)، وقال ابن عمر ﵄: إنه نجس (٢)، فجعل مشكلًا. وقال بعضهم: إنما كان مشكلًا لاختلاف العلماء في إباحته، قال علماؤنا: لا يحل. وقال الأوزاعي ومالك: يحل، فلأجل هذا جعل مشكلًا، وقال بعضهم غير هذا، وإذا ثبت أنه مشكل يجب الجمع بينه وبين التَّيمم إذا لم يجد غيره] (٣).
* * *
[١٠٠ - الشَّافعي (٤)]
إمام الحرمَيْن محمَّد بن إدريس الشَّافعي، صاحب المذهب.
كان مشهورًا بالنِّسبة إلى جده الثَّالث محمَّد بن إدريس بن العبَّاس بن الشَّافع بن السَّائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هشام بن عبد المطلب.
ولد في سنة خمسين ومئة. قيل: في اليوم الذي مات أبو حنيفة وُلِد الشَّافعي، بعسقلان، وقيل: باليمن. قالوا: الأول أصح.
ونشأ بمكة، فتعلَّم اللِّسان وأتقن فيه، ثم تخرَّج بالمدينة على إمام دار الهجرة مالك، ثم رحل [إلى] العراق، فلازم الإمام محمَّد بن الحسن حتى نُقل عنه: من أراد الفِقْه فليلزم أصحاب أبي حنيفة، فإن المعاني تيسَّرت لهم، والله ما صرت فقيهًا إلا
стр. 350
باطلاعي في كتب أبي حنيفة، لو لحقته لازمت مجلسه، (وقال: أخذت وِقْر بعير من العلم من محمَّد بن الحسن) (١).
قيل: كان محمَّد بن الحسن تزوج أم الشَّافعي، وفوَّض إليه كتبه وماله، فمن سببه صار فقيهًا.
ثم رحل إلى مصر سنة تسع وتسعين، وأقام بها إلى أن مات سنة أربع ومئتين، وقبره بقرافة مصر مشهور، يُزار ويتبرَّك به، وعاش أربعًا وخمسين سنة.
[وفي "كتاب الفواتح" شرح ديوان علي، لمولانا حسين بن معين الدِّين، ميبدي إمامنا شافعي محمَّد بن إدريس، بن عباس، بن شافع، بن سائب، بن عبيد، بن عبد، بن هاشم، بن عبد المطلب، سائب درر وزيدر مسلمان شد، وشافع، در طفوليت نبي را ﷺ ، ديده بود، وولادة شافعي با عسقلان، يايمن بود در سنة خمس ومائه، وفات يافت، ودر سنة، أربع ومائتين بمصر، وفات يافت، وشيخ علاء الدولة سمناني در عرفه ميفر ما يدكه رجال غيب، أكنون نماز بر مذهب إمام شافعي ميكذا رند، وشيخ مخي الدِّين عربي درباب صدوسي وينجم از فتوحات نقل ميكندكه شافعي أزاوتاد أربعة بود] (٢).
وفي "ثمرات الأوراق" (لابن حجَّة) (٣): حكى الربيع بن سليمان صاحب
الشَّافعي عنه، قال: سمعت الإمام الشَّافعي يقول: فارقْتُ مكَّة وأنا ابن أربع عشرة
سنة، ودخلت المدينة بعد صلاة العصر، فصلَّيْتُ في مسجد رسول الله ﷺ ، ودنوْتُ من القبر، فسلَّمْتُ على النبي ﷺ ، فرأيْتُ مالك بن أنس متأزِّرًا ببردة، متوشِّحًا
стр. 351
بأخرى، وهو يقول: حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر، ويضرب بيده على قبر النبي ﷺ .
قال الشَّافعي: فلمَّا رأيتُه هِبْتُه (١) الهيبة العظيمة، وجلست حيث انتهى المجلس، فأخذت عودًا من الأرض، وجعلت كلما أمْلى مالكٌ حديثًا كتبته بريقي على يدي، والإمام مالك ينظر إليَّ وأنا لا أعلم حتى انفضَّ المجلس.
وجلسَ مالكٌ ينتظرُ عشاء المغرب، ولم يرني انصرفْتُ، فأشار إليَّ، فدنوْتُ منه، فنظر إليّ ثم قال: أحرميٌّ أنت؟ قلْتُ: حرمي (٢)، فقال: أمكيٌّ أنت؟ قلتُ: مكِّيٌّ. قال: أقرشيٌّ أنت؟ (٣) قلت: قرشي. قال: كملَتْ صفاتك، لكن فيك إساءة أدب. قلت: وما الذي رأيْتَ من سوء أدبي؟ قال: رأيتك وأنا أملي أخبار رسول الله ﷺ وأنت تكتب بريقك على كفِّك، فقلْتُ له: عدمت البياض، فكنت أكتب ما تقول، فجذب مالك يدي وقال: لا أرى فيه شيئًا، قلت: إن الرِّيق لا يثبت على اليد، ولكن فهمت جميع ما حدَّثت به منذ جلست، وحفظته إلى حين قطعت.
فعجب الإمام مالك من ذلك فقال: أعد عليَّ، ولو حديثًا واحدًا، قال الشَّافعي: فقلْتُ: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر، وأشرْتُ إليه كما أشار، حتى أعدت خمسة وعشرين حديثًا حدَّث بها من حين جلس إلى وقت قطع.
فصلى مالك المغرب، وأقبل على عبده فقال: خذ بيد سيدك إليك، وسألني النهوض معه، فقمت غير ممتنع إلى ما دعا من كرمه، فأتيت الدار فما لبثت حتى أقبل مالك والغلام حامل طبقًا، فوضعه من يده، وسلَّم الإمام عليَّ، ثم قال للعبد: اغسل
стр. 352
علينا، فوثب الغلام إلى الإناء وأراد أن يغسل عليَّ، فصاح عليه مالك وقال: الغسل في الأول لربِّ المنزل، وفي آخر الطَّعام للضيف.
قال الشَّافعي: فاستحسنْتُ ذلك منه، وسألته عن شرحه. فقال: إنه يدعو الناس إلى منزله وكرمه، فحكمه أن يبتدئ بالغسل، وفي آخر الطعام ينتظر من يدخل معه، قال: فكشف عن الطبق فكانت فيه صحفتان، في أحدهما لبن، وفي الأخرى تمر (١)، فسمَّى الله تعالى، فسمَّيْتُ، فأكلْتُ أنا ومالك جميع الطعام، وعلم مالك أني لم آخذ من الطعام الكفاية. فقال لي: يا أبا عبد الله! هذا جهد من مُقِلٍّ إلى فقير معدم. فقلت: لا عذر على من أحسن، إنما العذر على من أساء.
قال الشَّافعي: ثم قام عني مالك، وقال: حكم المسافر أن يحلَّ تعبه بالانضجاع، فنمت ليلتي، فلما كان في (٢) الثلث الأخير من اللَّيل قرع مالك عليَّ الباب، فقال: الصلاة يرحمك الله، فرأيته حامل إناء فيه ماء، فشقَّ (٣) عليَّ ذلك، فقال: لا يردعك ذلك، فخدمة الضيف فرض، فتجهَّزْتُ للصلاة، وصلَّيْتُ الفجر مع الإمام مالك في مسجد رسول الله ﷺ ، والناس لا يعرف بعضهم بعضًا من الغَلَس.
وجلس كلُّ واحد منا في مصلَّاه يسبِّح الله إلى أن طلعت الشمس على رؤوس الجبال، فجلس مالك مجلسه بالأمس، وناولني "الموطأ" أمليه وأقرأه على الناس وهم يكتبونه.
قال الشَّافعي: (فأتيت) (٤) على حفظه من أوله إلى آخره، وأقمت ضيف
стр. 353
مالك ثمانية أشهر -فما علم أحد من الإنس الذي كان يحصل بيننا أينا الضيف.
ثم قدم على مالك المصريون (١) بعد قضاء حجِّهم للزيارة واستماع "الموطأ".
قال الشَّافعي: فأمليْتُ عليهم حفظًا، منهم: عبد الله بن عبد الحكم، وأشهب، وابن القاسم، قال الربيع: وأحسب أنه ذكر اللَّيث بن سعد.
ثم قدم بعد ذلك أهل العراق لزيارة النبي ﷺ ، فرأيت بين الروضة والمنبر فتى جميل الوجه، حسن الصلاة، فتوهمت فيه خيرًا، فسألته عن اسمه وبلده، فأخبره وقال: العراق، فقلت: أيّ العراق، قال: الكوفة، قلت: من العالم [بها] والمتكلِّم في نص كتاب الله تعالى والمفتي بأخبار رسول الله ﷺ ، فقال: أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، فقدمْتُ إلى مالك، فقلت له: خرجت من مكة في طلب العلم. فقال لي: العلم مائدة، ترجع منها إلى عائدة.
فلما عزمت على السفر زوَّدني الإمام مالك، (فلما كان في السَّحر سار) (٢) معي تشييعًا إلى البقيع، [ثم صاح بعلوِّ صوته: من معه كذا راحلة إلى الكوفة، فأقبلْتُ عليه وقلت: بم تكتري وليس معك شيء؟ فقال: انصرفْتُ البارحة بعد عشاء الآخرة، إذ قرع عليَّ قارع الباب، فخرجت إليه فأصبْتُ ابن القاسم، فسألني قَبول هدية، فقبلتها، فدفع إليَّ صرَّة فيها مئة مثقال، وقد أتيتك نصفها، وجعلت النِّصف لعيالي، فاكترى لي بأربعة دنانير، ودفع إليَّ باقي الخمسين، وودَّعني.
ثم أتيْتُ الكوفة يوم رابع عشرين من المدينة، فدخلت المسجد بعد العصر، وصلَّيْتُ العصر، فبينما أنا كذلك إذ رأيت غلامًا قد دخل المسجد فصلَّى (٣) العصر،
стр. 354
فما أحسن الصَّلاة فقمْتُ إليه ناصحًا فقلت: أحسن صلاتك لئلّا يعذِّب الله هذا الوجه الجميل بالنار. فقال لي: أظنك من أهل الحجاز؛ لأن فيكم الغلظَّة والجفاء، وليس فيكم رقَّة أهل العراق، وأنا أصلي هذه الصلاة خمس عشرة سنة بين يدي أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن، فما عابا عليَّ صلاتي قط.
وخرج متعجِّبًا ينفضُ رداءه في وجهي، فلقي على التوفيق محمَّد بن الحسن وأبا يوسف بباب المسجد، فقال: هل علمتما في صلاتي من عيب، فقالا: اللهم لا، قال: ففي مسجدنا هذا من عاب صلاتي، فقالا: اذهب إليه، فقل له: بم تدخل في الصلاة؟ فجاء إليّ فقال لي: يا من عاب عليَّ صلاتي بمَ تدخل في الصلاة؟ قال الشَّافعي فقلْتُ: بفرضين وسنة، فعاد إليهما وأعلمهما بالجواب، فعلما أنه جوابُ من نظر في العلم. فقالا: اذهب إليه، وقل له: ما الفرضان والسنَّة؟ فأتى إليَّ وسألني، فقلت: أما الفرض الأول فالنيَّة، والثاني تكبيرة الإحرام، والسنَّة رفع اليدين، فعاد إليهما بذلك، فدخلا المسجد فنظرا إليَّ فأظنُّهما ازدرياني.
فجلسا ناحية وقالا له: اذهب إليه وقل له: أَجِب الشيخين، قال الشَّافعي: فلمَّا أتاني علمت أني مسؤول عن شيء من العلم، فقلت: مِن حكم العلم أن يُؤْتى، وما علمْتُ لي إليهما من حاجة، قال الشَّافعي: فقاما من مجلسهما إليَّ، فلما سلَّما عليَّ قمْتُ لهما قائمًا، وأظهرت البشاشة لهما، وجلست بين يديهما.
فأقبل علي محمَّد بن الحسن وقال: أحَرَمِي أنت؟ قلت: نعم. قال: من أي العرب؟ قلت: من ولد المطَّلب. قال: مِنْ ولد مَن؟ قلتُ: من ولد شافع. قال: أرأيت مالكًا؟ قلت: من عنده أتيْتُ. قال: نظرت في "الموطأ"؟ قلت: أتيت بحفظه، فعظم ذلك عليه.
ثم دعا بدواة وبياض، فكتب مسألة في الطهارة، ومسألة في الصلاة ومسألة في
стр. 355
الزكاة، ومسألة في البيوع، والفرائض، والحج، ومن كل باب في الفقه، وجعل بين كل مسألتين بياضًا ودفع إليَّ الدرج وقال: أجب عن هذه المسائل من "الموطأ".
قال الشَّافعي: فأجبْتُ بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين كلها، ثم دفعت إليه الدرج، فتأمَّله وتفكَّر فيه، ثم قال لعبده: خذ بيد سيِّدك إليك، قال الشَّافعي: ثم أمرني بالنهوض مع العبد، فنهضت غير ممتنع، فصرت إلى داره، فما بتُّ حتى كساني خلعة بألف درهم، ثم دخل إلى خزانته وأتى بـ "الكتاب الأوسط" تأليف الإمام أبي حنيفة، فنظرت في أوَّله وفي آخره، وحفظته في ليلتي، فما أصبحت إلا وقد حفظته.
ومحمَّد بن الحسن لا يحفظه، وكان المشهور في الكوفة بالفتوى والمجيب في النوازل، فأنا قاعد عن يمينه في بعض الأيام إذ سُئل عن مسألة، فأجاب فيها وقال: هكذا قال أبو حنيفة، فقلْتُ: جواب أبي حنيفة في هذه المسألة كذا وكذا في الباب الفلاني في الصفحة الفلانية من "الكتاب الأوسط"، فأمر محمَّد بن الحسن بالكتاب فتصفَّحه، ونظر فيه، فرجع عن جوابه إلى ما قلْتُ، ولم يخرج إليَّ كتابًا بعده، ثم استأذنته في الرَّحيل، فدفع لي ثلاثة آلاف درهم بعدما زوَّدني فودَّعني] (١)، وأقبلْتُ أطوف العراق وأرض فارس وبلاد الأعاجم حتى صرت ابن احدى وعشرين سنة.
(ثم تلقَّاني الرِّجال وأصحاب الحديث، منهم أحمد بن حنبل، وسفيان بن عيينة، فأجزْتُ كلَّ إنسان منهم بما قسم الله له) (٢)، ثم قصدْتُ الحجاز فما زلْتُ من منهل إلى منهل، إلى أن قدمت مدينة النبي ﷺ بعد صلاة العصر، (فصلَّيت العصر) (٣)، ورأيت