← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بأخرى، وهو يقول: حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر، ويضرب بيده على قبر النبي ﷺ . قال الشَّافعي: فلمَّا رأيتُه هِبْتُه (١) الهيبة العظيمة، وجلست حيث انتهى المجلس، فأخذت عودًا من الأرض، وجعلت كلما أمْلى مالكٌ حديثًا كتبته بريقي على يدي، والإمام مالك ينظر إليَّ وأنا لا أعلم حتى انفضَّ المجلس. وجلسَ مالكٌ ينتظرُ عشاء المغرب، ولم يرني انصرفْتُ، فأشار إليَّ، فدنوْتُ منه، فنظر إليّ ثم قال: أحرميٌّ أنت؟ قلْتُ: حرمي (٢)، فقال: أمكيٌّ أنت؟ قلتُ: مكِّيٌّ. قال: أقرشيٌّ أنت؟ (٣) قلت: قرشي. قال: كملَتْ صفاتك، لكن فيك إساءة أدب. قلت: وما الذي رأيْتَ من سوء أدبي؟ قال: رأيتك وأنا أملي أخبار رسول الله ﷺ وأنت تكتب بريقك على كفِّك، فقلْتُ له: عدمت البياض، فكنت أكتب ما تقول، فجذب مالك يدي وقال: لا أرى فيه شيئًا، قلت: إن الرِّيق لا يثبت على اليد، ولكن فهمت جميع ما حدَّثت به منذ جلست، وحفظته إلى حين قطعت. فعجب الإمام مالك من ذلك فقال: أعد عليَّ، ولو حديثًا واحدًا، قال الشَّافعي: فقلْتُ: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر، وأشرْتُ إليه كما أشار، حتى أعدت خمسة وعشرين حديثًا حدَّث بها من حين جلس إلى وقت قطع. فصلى مالك المغرب، وأقبل على عبده فقال: خذ بيد سيدك إليك، وسألني النهوض معه، فقمت غير ممتنع إلى ما دعا من كرمه، فأتيت الدار فما لبثت حتى أقبل مالك والغلام حامل طبقًا، فوضعه من يده، وسلَّم الإمام عليَّ، ثم قال للعبد: اغسل

стр. 352

علينا، فوثب الغلام إلى الإناء وأراد أن يغسل عليَّ، فصاح عليه مالك وقال: الغسل في الأول لربِّ المنزل، وفي آخر الطَّعام للضيف. قال الشَّافعي: فاستحسنْتُ ذلك منه، وسألته عن شرحه. فقال: إنه يدعو الناس إلى منزله وكرمه، فحكمه أن يبتدئ بالغسل، وفي آخر الطعام ينتظر من يدخل معه، قال: فكشف عن الطبق فكانت فيه صحفتان، في أحدهما لبن، وفي الأخرى تمر (١)، فسمَّى الله تعالى، فسمَّيْتُ، فأكلْتُ أنا ومالك جميع الطعام، وعلم مالك أني لم آخذ من الطعام الكفاية. فقال لي: يا أبا عبد الله! هذا جهد من مُقِلٍّ إلى فقير معدم. فقلت: لا عذر على من أحسن، إنما العذر على من أساء. قال الشَّافعي: ثم قام عني مالك، وقال: حكم المسافر أن يحلَّ تعبه بالانضجاع، فنمت ليلتي، فلما كان في (٢) الثلث الأخير من اللَّيل قرع مالك عليَّ الباب، فقال: الصلاة يرحمك الله، فرأيته حامل إناء فيه ماء، فشقَّ (٣) عليَّ ذلك، فقال: لا يردعك ذلك، فخدمة الضيف فرض، فتجهَّزْتُ للصلاة، وصلَّيْتُ الفجر مع الإمام مالك في مسجد رسول الله ﷺ ، والناس لا يعرف بعضهم بعضًا من الغَلَس. وجلس كلُّ واحد منا في مصلَّاه يسبِّح الله إلى أن طلعت الشمس على رؤوس الجبال، فجلس مالك مجلسه بالأمس، وناولني "الموطأ" أمليه وأقرأه على الناس وهم يكتبونه. قال الشَّافعي: (فأتيت) (٤) على حفظه من أوله إلى آخره، وأقمت ضيف

стр. 353

مالك ثمانية أشهر -فما علم أحد من الإنس الذي كان يحصل بيننا أينا الضيف. ثم قدم على مالك المصريون (١) بعد قضاء حجِّهم للزيارة واستماع "الموطأ". قال الشَّافعي: فأمليْتُ عليهم حفظًا، منهم: عبد الله بن عبد الحكم، وأشهب، وابن القاسم، قال الربيع: وأحسب أنه ذكر اللَّيث بن سعد. ثم قدم بعد ذلك أهل العراق لزيارة النبي ﷺ ، فرأيت بين الروضة والمنبر فتى جميل الوجه، حسن الصلاة، فتوهمت فيه خيرًا، فسألته عن اسمه وبلده، فأخبره وقال: العراق، فقلت: أيّ العراق، قال: الكوفة، قلت: من العالم [بها] والمتكلِّم في نص كتاب الله تعالى والمفتي بأخبار رسول الله ﷺ ، فقال: أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، فقدمْتُ إلى مالك، فقلت له: خرجت من مكة في طلب العلم. فقال لي: العلم مائدة، ترجع منها إلى عائدة. فلما عزمت على السفر زوَّدني الإمام مالك، (فلما كان في السَّحر سار) (٢) معي تشييعًا إلى البقيع، [ثم صاح بعلوِّ صوته: من معه كذا راحلة إلى الكوفة، فأقبلْتُ عليه وقلت: بم تكتري وليس معك شيء؟ فقال: انصرفْتُ البارحة بعد عشاء الآخرة، إذ قرع عليَّ قارع الباب، فخرجت إليه فأصبْتُ ابن القاسم، فسألني قَبول هدية، فقبلتها، فدفع إليَّ صرَّة فيها مئة مثقال، وقد أتيتك نصفها، وجعلت النِّصف لعيالي، فاكترى لي بأربعة دنانير، ودفع إليَّ باقي الخمسين، وودَّعني. ثم أتيْتُ الكوفة يوم رابع عشرين من المدينة، فدخلت المسجد بعد العصر، وصلَّيْتُ العصر، فبينما أنا كذلك إذ رأيت غلامًا قد دخل المسجد فصلَّى (٣) العصر،

стр. 354

فما أحسن الصَّلاة فقمْتُ إليه ناصحًا فقلت: أحسن صلاتك لئلّا يعذِّب الله هذا الوجه الجميل بالنار. فقال لي: أظنك من أهل الحجاز؛ لأن فيكم الغلظَّة والجفاء، وليس فيكم رقَّة أهل العراق، وأنا أصلي هذه الصلاة خمس عشرة سنة بين يدي أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن، فما عابا عليَّ صلاتي قط. وخرج متعجِّبًا ينفضُ رداءه في وجهي، فلقي على التوفيق محمَّد بن الحسن وأبا يوسف بباب المسجد، فقال: هل علمتما في صلاتي من عيب، فقالا: اللهم لا، قال: ففي مسجدنا هذا من عاب صلاتي، فقالا: اذهب إليه، فقل له: بم تدخل في الصلاة؟ فجاء إليّ فقال لي: يا من عاب عليَّ صلاتي بمَ تدخل في الصلاة؟ قال الشَّافعي فقلْتُ: بفرضين وسنة، فعاد إليهما وأعلمهما بالجواب، فعلما أنه جوابُ من نظر في العلم. فقالا: اذهب إليه، وقل له: ما الفرضان والسنَّة؟ فأتى إليَّ وسألني، فقلت: أما الفرض الأول فالنيَّة، والثاني تكبيرة الإحرام، والسنَّة رفع اليدين، فعاد إليهما بذلك، فدخلا المسجد فنظرا إليَّ فأظنُّهما ازدرياني. فجلسا ناحية وقالا له: اذهب إليه وقل له: أَجِب الشيخين، قال الشَّافعي: فلمَّا أتاني علمت أني مسؤول عن شيء من العلم، فقلت: مِن حكم العلم أن يُؤْتى، وما علمْتُ لي إليهما من حاجة، قال الشَّافعي: فقاما من مجلسهما إليَّ، فلما سلَّما عليَّ قمْتُ لهما قائمًا، وأظهرت البشاشة لهما، وجلست بين يديهما. فأقبل علي محمَّد بن الحسن وقال: أحَرَمِي أنت؟ قلت: نعم. قال: من أي العرب؟ قلت: من ولد المطَّلب. قال: مِنْ ولد مَن؟ قلتُ: من ولد شافع. قال: أرأيت مالكًا؟ قلت: من عنده أتيْتُ. قال: نظرت في "الموطأ"؟ قلت: أتيت بحفظه، فعظم ذلك عليه. ثم دعا بدواة وبياض، فكتب مسألة في الطهارة، ومسألة في الصلاة ومسألة في

стр. 355

الزكاة، ومسألة في البيوع، والفرائض، والحج، ومن كل باب في الفقه، وجعل بين كل مسألتين بياضًا ودفع إليَّ الدرج وقال: أجب عن هذه المسائل من "الموطأ". قال الشَّافعي: فأجبْتُ بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين كلها، ثم دفعت إليه الدرج، فتأمَّله وتفكَّر فيه، ثم قال لعبده: خذ بيد سيِّدك إليك، قال الشَّافعي: ثم أمرني بالنهوض مع العبد، فنهضت غير ممتنع، فصرت إلى داره، فما بتُّ حتى كساني خلعة بألف درهم، ثم دخل إلى خزانته وأتى بـ "الكتاب الأوسط" تأليف الإمام أبي حنيفة، فنظرت في أوَّله وفي آخره، وحفظته في ليلتي، فما أصبحت إلا وقد حفظته. ومحمَّد بن الحسن لا يحفظه، وكان المشهور في الكوفة بالفتوى والمجيب في النوازل، فأنا قاعد عن يمينه في بعض الأيام إذ سُئل عن مسألة، فأجاب فيها وقال: هكذا قال أبو حنيفة، فقلْتُ: جواب أبي حنيفة في هذه المسألة كذا وكذا في الباب الفلاني في الصفحة الفلانية من "الكتاب الأوسط"، فأمر محمَّد بن الحسن بالكتاب فتصفَّحه، ونظر فيه، فرجع عن جوابه إلى ما قلْتُ، ولم يخرج إليَّ كتابًا بعده، ثم استأذنته في الرَّحيل، فدفع لي ثلاثة آلاف درهم بعدما زوَّدني فودَّعني] (١)، وأقبلْتُ أطوف العراق وأرض فارس وبلاد الأعاجم حتى صرت ابن احدى وعشرين سنة. (ثم تلقَّاني الرِّجال وأصحاب الحديث، منهم أحمد بن حنبل، وسفيان بن عيينة، فأجزْتُ كلَّ إنسان منهم بما قسم الله له) (٢)، ثم قصدْتُ الحجاز فما زلْتُ من منهل إلى منهل، إلى أن قدمت مدينة النبي ﷺ بعد صلاة العصر، (فصلَّيت العصر) (٣)، ورأيت

стр. 356

كرسيًّا وحوله أربعمئة أو يزيدون دفتر، ورأيت مالكًا قد دخل من باب مسجد رسول الله ﷺ (وحوله أربعمئة أو يزيدون، تحمل ذيوله من أربع جهات، فلما وصل) (١) قام إليه كلُّ من كان قاعدًا، وجلس على الكرسي فألقى مسألة (في جرح العمد) (٢). فلما سمعْتُ ذلك لم يسعني الصبر فرأيت إنسانًا بقَّالًا فقلت له: قل: الجواب كذا وكذا، فبادر بالجواب قبل فراغ مالك من السؤال، فأضرب عنه مالك، وأقبل على أصحابه يسألهم عن الجواب، فخالفوه، فقال لهم: أخطأتم وأصاب الرجل، وهكذا في السؤال الثاني والثالث. ثم قال مالك للرجل: ادخل الحلقة (فليس هذا موضعك) (٣)، فدخل الرجل طاعة منه. فقال له مالك: قرأت "الموطأ"؟ قال: لا. (قال: فنظرت ابن جريج؟ قال: لا) (٤) قال: فهذا العلم من أين لك؟ فقال: إلى جانبي غلام شاب يقول لي: الجواب كذا وكذا. فقال مالك للجاهل: قم فأمُرْ صاحبك بالدخول إلينا. قال: فدخلت فتأملني ساعة، وقال: أنت الشَّافعي؟ قلت: نعم. فضمَّني إلى صدره، ونزل عن كرسيِّه، وقال: قم أتمَّ الباب الذي نحن فيه. قال: فألقيت أربعمئة مسألة في جراح العمد، فما أجابني أحد بجواب. ثم انتقلْتُ منه إلى مكة، فزودني مالك، فدفع لي نصف ما كان عنده، مع ما كان من المبلغ خمسة آلاف دينار، [فلما وصلت الحرم وهممْتُ بالدُّخول، قالت لي العجوز: إلى أين عزمت؟ قلت: إلى المنزل. فقالت: هيهات هيهات، تخرج من

стр. 357

مكة بالأمس فقيرًا، وتعود إليها مترفًا مفتخرًا على بني عمك بذلك. فقلت: ما أصنع؟ قالت نادِ بالأبطح بالعرب لشبع الجائع، وحمل المنقطع، وكسوة العاري، فتربح ثواب الدنيا والآخرة، ففعلت ما أمرت به، وبلغ ذلك الإمام فبعث] (١) يحثني على الفعل، ويعدني أنه يحمل إليّ في كل عام مثل ما كان دفع إليَّ، وأقام مالك يحمل إليَّ كل عام مثل ما كان دفع لي أولًا إحدى عشر سنة. فلمَّا مات مالك ﵀ ضاق (بي الحجاز) (٢)، وخرجْتُ إلى مصر (٣)، فعوضني (٤) الله تعالى عبد الله بن الحكم، فأقام بالكلفة، فهذا جميع ما لقيته يا ربيع في سفرنا وحضرنا. [قال الربيع: وسألني المزني إملاء ذلك بحضرته، فما وجدنا للمجلس فرغة، فما وقع كتاب السفر على أحد غيري. وفي "التقدمة شرح المقدمة": ليس للإمام الشَّافعي تعصُّب مع أصحابنا، حتى نقل عنه: من أراد الفقه فليلزم أصحاب أبي حنيفة؛ فإن المعاني تيسَّرت لهم (٥)، والله ما صرت فقيها إلا باطِّلاعي في كتب أبي حنيفة. قيل: إنه أنشد في حق الإمام: لقدْ زانَ البلادَ ومَنْ عَليها … إمامُ المسلمين أبو حنيفة

стр. 358

وتمام الأبيات مذكور في العنوان، وكان الشَّافعي يحسن النَّظم والنَّثر فصيحًا بليغًا، تنسب إليه هذه الأبيات: وما أحدٌ من أَلْسُنِ النَّاس سالمًا … ولو أنَّه ذاكَ النَّبيُّ المطهَّرُ فإنْ كانَ مِقدامًا يقولونُ أهوجُ … وإن كان مِفْضالًا يقولون مُبْذِرُ وإن كان سكيتًا يقولون أبكمُ … وإن كان مِنْطاقًا يقولون مِهْذَرُ وإنْ كان صوَّامًا وباللَّيل قائمًا … يقولون محتالًا يرائي (١) ويمكُرُ فلا تحتَفِلْ بالنَّاس في المدْحِ والثَّنا … ولا تخشَ إلا الله فالله أكبرُ (٢) وفي "جواهر الفتاوى" من كتاب الكراهية، في الباب السادس، نقلًا عن الإمام فخر الدِّين قال: الصَّلابة في المذهب واجبة (٣)، والتَّعصب لا يجوز، والصَّلابة أن يَعمل بما هو مذهبه ويراه حقًّا وصوابًا، والتَّعصب السَّفاهة والجفاء في صاحب المذهب الآخر، وما يرجع إلى بغضه فلا يجوز ذلك، فإن أئمة المسلمين كانوا في طلب الحقِّ وهم على الصواب. وذكر فيه أيضًا في الباب الأول، من كتاب أصول الدِّين، نقلًا عن الشَّيخ أبي عبد الرَّحمن بن اللَّيث، قال في بعض تصانيفه: ومن الواجب على طالب العلم أن لا يكون ذا وجهَيْن ولسانَيْن مذبذبَيْن بين ذلك، فلو أكل لحم نفسه خيرًا من أن يأكل بدينه، فاللازم التَّصلب في الدِّين، والتَّجنب عن التعصب. وفي "الفتاوى الصوفية" في الباب الثالث، نقلًا عن "كتاب الفوائد من تجنيس

стр. 359

المُلْتَقط": اشترى الشَّافعي الباقلاء من منادي السكك، فأكل وأكلوا، وصلوا بعدما حلق وعلى ثوبه شعر كثير، فقيل له في ذلك. فقال: حين (١) ابتلينا انحططنا إلى مذهب أهل العراق] (٢). * * * [١٠١ - أحمد بن حنبل (٣)] وأحد الأئمَّة الأربعة أحمد بن محمَّد بن حنبل بن هلال، أبو عبد الله الشَّيباني. قال المولى الشهير بابن طَاشْكُبْري في "مناقب الأخيار ونوادر الأخبار" عن أحمد بن حنبل أنه قال: ولدت سنة أربع وستين ومئة في ربيع الأول، وأول سماعي من هشام سنة تسع وسبعين ومئة. (وكان ابن المبارك قدم في هذه السنة -يعني بغداد- وهي آخر قدمة قدمها، وذهبت إلى مجلسه فقالوا: خرج إلى طرسوس، وتوفي سنة إحدى وثمانين ومئة) (٤). قال ابنه عبد الله بن أحمد بن حنبل: توفي أبي إلى رحمة الله (يوم الجمعة) (٥) ضحوة، ودفناه بعد العصر لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين ومئتين، وكانت له سبع وسبعون سنة.

стр. 360

(وعن داود السِّجِستاني: لقيت مئتين من مشايخ العلم فما رأيْتُ مثل أحمد بن حنبل، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلَّم. وقال أبو زرعة: ما رأت عيني مثل أحمد بن حنبل، فقلت له: في العلم؟ فقال: في العلم والزُّهد والفقه والمعرفة. وقال عبد الله (١): جميع ما حدَّث به الشَّافعي في كتابه فقال: حدثني الفقيه الثِّقة فهو أبي رحمه الله تعالى. وسمعت أبي يقول: استفاد منا الشَّافعي ما نستفيد منه. وكان أحمد أصغر منه بأربع عشرة سنة) (٢). وقال: حجَّ أبي خمس حجج؛ ثلاث ماشيًا، واثنين راكبًا، وكان مزق ثيابه، فبقي في بيته أيامًا (٣)، فعرض عليه الدنانير والثِّياب فأبى أن يأخذها، فعرض له رجل أن ينسخ له شيئًا، فنسخ له كتابًا بدينار، فاشترى له ثوبًا، فشقه نصفين فاتَّزر بنصفه، وارتدى بالنصف الآخر. [وعن المزني أنه قال: سمعت الشَّافعي يقول: ثلاثة من العلماء من عجائب الدنيا؛ عربي لا يعرب كلمة وهو أبو ثور، وعجمي لا يخطئ في كلمة وهو حسن بن محمَّد الزَّعْفَراني، وصغير كلما قال شيئًا صدَّقه الكبار وهو أحمد بن حنبل. ولما ظهر القول بخلق القرآن في أيام المأمون وحُمل الناس على القول بخلق القرآن، وكان يعاقب كلَّ من لم يقل بخلقه أشدَّ عقوبة، وكان الإمام أحمد بن حنبل من الممتنعين من القول بخلق القرآن حمل إلى المأمون مقيدًا، فمات المأمون قبل

стр. 361

وصوله، ولما ولي الخلافة محمد (١) المعتصم بن هارون طلبه، وكان في سجن المأمون، وكان المأمون لما توفي عهد إلى أخيه المعتصم بالخلافة، وأوصاه بأن يحمل الناس على القول بخلق القرآن، واستمر الإمام أحمد محبوسًا. روي أنه مكث في السجن ثمانية وعشرين شهرًا، ولم يزل مع ذلك يحضر الجماعات، فأحضره المعتصم، وعقد له مجلسًا للمناظرة، فيه عبد الرَّحمن بن إسحاق والقاضي أحمد بن أبي دؤاد وغيرهما، فناظروه ثلاثة أيام، ولم يزل معهم في جدال إلى اليوم الرابع، فأمر بضربه، فضُرِبَ بالسياط، ولم يزل على الصبر إلى أن أُغمي عليه، ثم حمل وصار إلى منزله. ثم ولي الخلافة الواثق، فأظهر ما أظهره المأمون والمعتصم، وكان أحمد بن حنبل يحضر الجماعات ويفتي إلى أن مات المعتصم، وفي زمان الواثق صار مختفيًا، لا يخرج إلى الصلاة ولا إلى غيرها، ولا يفتي؛ لما قاله الواثق ونبَّهه بأن لا تجمعنَّ إليك (٢) أحدًا، ولا تساكني في بلد أنا فيه. فأقام مختفيًا إلى أن مات الواثق وولي الخلافة المتوكِّل، فرفع المحنة، وأمر بإحضار الإمام أحمد بن حنبل، فأكرمه وأطلق له مالًا كثيرًا، فلم يقبله، وفرَّقه على الفقراء والمساكين، وأجرى المتوكل على أهله وولده في كلِّ شهر أربعة آلاف درهم، فلم يرضَ الإمام أحمد بذلك. ذكر الدَّمِيْرِي عن الحافظ أبو الأجري: بلغني عن المهتدي بن (٣) الواثق بالله أنه قال: ما قطع أبي -يعني الواثق- إلا شيخ جيء به من المِصِّيْصة مقيَّدًا فلما وقف بين

стр. 362

يديه سلَّم عليه، فلم يردَّ عليه¬ السَّلام، فقال الشيخ: ما استعملت معي لا أدب الله ، ولا أدب رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. وأمر النبي ﷺ برد السَّلام، فقال له أبي: وعليك السلام. ثم قال لابن دؤاد: سله، سله. فقال: يا أمير المؤمنين! أنا محبوس مقيد أصلِّي في الحبس بتيمم، مُنِعتُ الماءَ، فمُرْ بقيودي تُحَل، ومُرْ لي بماء أتطهَّر وأصلِّي، ثم سلني، فأمر به بحلِّ قيوده (١)، وأمر له بماءٍ فتوضَّأ وصلَّى. ثم قال لابن دؤاد: سله. قال الشيخ: المسألة لي مُرْهُ تجيبني، فقال: سل، فأقبل الشَّيخ على ابن أبي دؤاد، فقال: أخبرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أشيء دعا إليه رسول الله ﷺ ؟ قال: لا. قال: فشيء دعا إليه أبو بكر الصديق ﵁ بعده؟ قال: لا. قال: فشيء دعا إليه عمر ﵁؟ قال: لا. قال: فشيء دعا عُثمان ﵁ بعدهم؟ قال: لا. قال: فشيء دعا إليه علي ﵁ بعدهم؟ قال: لا. قال الشيخ: فشيء لم يدعُ إليه رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي ﵃ تدعو أنت إليه النَّاسَ، ليس يخلو أن تقول: علِموه، أو جهلوه؛ فإن قلت: علموه وسكتوا عنه، وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت: جهلوه وعلمتَه أنت فيا لكع بن لكع، يجهل النبي ﷺ والخلفاء الراشدون شيئًا وتعلمه أنت وأصحابك! قال المهتدي: وثب أبي قائمًا، ودخل إلى الحجرة، [وجعل] بأثوابه (٢) في فيه يضحك، ثم جعل يقول: صدق ليس يخلو من أن نقول: علموه، أو جهلوه، فإن قلنا: علموه وسكتوا عنه وسعنا من السكوت ما وسع القوم، وإن قلنا: جهلوه وعلمتَه

стр. 363

أنت، فيا لكع بن لكع يجهل النبي ﷺ شيئًا وأصحابه ﵃ وتعلمه أنت وأصحابك، ثم قال أبي: أعطِ هذا الشَّيخ نفقته، وأخرجه عن بلادنا. هذا الذي رواه الحافظ عن المهتدي عمَّا قاله الشَّيخ إلزامٌ صحيح وبحث لازم للمعتزلة] (١). * * * [١٠٢ - داود الظاهري (٢)] داود بن علي الأَصْفَهاني الظَّاهِري الفقيه أبو سليمان. نشأ ببغداد، وإنما قيل: له الأصْفهاني لأن أمه أصفهانية (٣)، فكان عراقيًّا أخذ العلم والحديث عن إسحاق، وأبي أيوب، وغيرهما. كان إمامًا ورعًا ناسكًا، وفي كتبه حديث كثير، لكن الرواية عنه عزيزة جدًّا، وصنَّف الكثير. قال ابن حزم: كتب ثمانية عشر ألف ورقة. وعن أبي إسحاق: كان في مجلسه أربعمئة صاحب طيلسان، انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد. ولما مات سنة سبعين ومئتين خلفه ابنه أبو بكر محمَّد الإمام المشهور (في حَلَقته، وكان فقيهًا أديبًا شاعرًا مُناظرًا لأبي العبَّاس بن شريح) (٤)، ولما جلس في

стр. 364

مكان أبيه استصغروه، فدسُّوا إليه من يسأله عن حدِّ السكر، فقال: إِذ عَزَبَتْ عنه الهموم، وباح بسره المكتوم. فاستحسن سائله منه ذلك، وعلم موضعه من العلم. كذا في "فوائد الجواهر المضية". (وقال: وله أصحاب ينتحلون مذهبه خلفًا عن سلف إلى يومنا هذا) (١). * * * [١٠٣ - ربيعة الرَّأي (٢)] ربيعة الرَّأي أبو عُثمان بن عبد الرَّحمن. عدَّه ابن قتيبة من أصحاب الرَّأي (٣). (وكان أقدر للقضاء، وكان كثير الكلام، فيقول: الساكت بين النائم والأخرس) (٤). مات سنة ست وثلاثين ومئة بالأنبار في مدينة أبي العبَّاس. * * * ١٠٤ - اللَّيث بن سعد (٥) إمام أهل مصر في الفقه والحديث.

стр. 365

وفي "حياة الحيوان" في الليث: به سُمِّي اللَّيث بن سعد بن عبد الرَّحمن بن الحارث، إمام أهل مصر في الفقه، ولد بقَلْقَشَنْدة، وهي قرية من أسفل مصر، سنة أربع وتسعين. قال الشَّافعي: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به (١). (قال عُثمان بن صالح: كان أهل مصر ينتقصون عُثمان بن عفان ﵁، حتى نشأ فيهم اللَّيث بن سعد رحمه الله تعالى، فحدَّثهم بفضائل عُثمان، فكفُّوا عن ذلك، وكان أهل حمص ينتقصون عليًّا ﵁ حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عيَّاش، فحدَّثهم بفضائل علي ﵁ فكفُّوا عن ذلك) (٢). حجَّ اللَّيث، فقدم المدينة، فبعث إليه الإمام مالك بن أنس ﵀ بطبق رطب، فجعل على الطبق ألف دينار وردَّه إليه، كان اللَّيث يستغِلُّ (٣) كلَّ سنة عشرين ألف دينار فينفقها، وما وجبت عليه زكاة قط. (قالت له امرأة يومًا: إن لي ابنًا عليلًا واشتهى عسلًا. فقال: يا غلام! أعطها مرطًا من عسل، المرط مئة وعشرون رطلًا. فقيل له في ذلك؟ فقال: سألتْ على قدر حاجتها ونحن نعطيها على قدر نعمتنا. اشترى قوم منه ثمرة فاستقالوه، فأقالهم وأعطاهم خمسين دينارًا. وقال: إنهم كانوا أملوا فيها أملًا، فأحببت أن أعوضهم عن أملهم) (٤). كان حنفي المذهب، وولي قضاء مصر، ومات بها في شعبان سنة خمس وستين

стр. 366

ومئة، وقبره في القَرَافة الصُّغرى (مشهور يُزار، كذا في "الجواهر المضيئة") (١). * * * [١٠٥ - الأعمش (٢)] سُليمان بن مَهران الأعمش (٣)، الإمام العَلَم، أبو محمَّد الأسدي الكاهلي. روي عن عبد الله بن أبي أوفى، وإبراهيم النَّخَعي، وسعيد بن جُبير، ومجاهد، وخلق كثير (٤). وقرأ القرآن على (يحيى بن وثَّاب، وعرض القرآن على أبي العالية الرِّياحي (٥)، وأقرأ الناس، ونشر العلم دهرًا طويلًا (٦)، وكان مولده سنة إحدى وستين. (قال ابن عيينة: كان الأعمش أقرأَهم لكتاب الله، وأحفظَهم للسنَّة، وأعلمهم بالفرائض. وقال يحيى بن القطان: إن الأعمش هو علَّامة الإسلام. وعن وكيع: بقي الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفُتْه التكبيرة الأولى، وكان الأعمش صاحب مُلَح ونوادر.

стр. 367

حكي أن حائكًا جاء وسأله: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ قال: لا بأسَ بها على غير وضوء. وقيل له: ما تقول في شهادة الحائك؟ قال: تُقبل مع العَدْلَيْن. وعن أحمد بن عبد الله العِجْلِي: كان الأعمش ثقة، يقال: إنه ظهر له أربعة آلاف حديث ولم يكن له كتاب، وكان فصيحًا، وكان أبوه من سَبْيِ الدَّيْلَم، وكان لا يَلحَن حرفًا، وفيه تَشييع يسير) (١). مات في ربيع الأول، سنة ثمان وأربعين ومئة، ذكره الذهبي. (وفي "معارف ابن قتيبة" (١: ٤٨٩ - ٤٩٠): الأعمش هو سُليمان بن مهران يكنى أبا محمد، مولى لبني كاهل من بني أسد، ذكروا أن أباه شهد مقتل الحسين بن علي ﵄، وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وكان أبوه حميلًا. وللأعمش مع أبي حنيفة مشاجرات ذكرها الكَرْدَري في "مناقب أبي حنيفة" (ص. ٢٨٦ - ٢٩٠).) (٢). * * * [١٠٦ - ابن شُبْرُمة (٣)] عبد الله بن شُبْرُمة الضَّبِّي كان قاضيًا لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة، (وكان شاعرًا حسن الخلق جوادًا) (٤)، وله أخبار وحكايات.

стр. 368

(وعن عبد الله بن المبارك: سألت أبا حنيفة عن رجل له درهمان، ورجل له درهم اختلطا، ثم ضاع منه درهمان، قال: يكون الدرهم الباقي أثلاثًا، فلقيت ابن شُبْرُمة وعرضت عليه الجواب. فقال: أخطأ بل الباقي بينهما أنصافًا؛ لأنا نعلم قطعًا أن الواحد من الضائعين لذي درهمين، فاستحسنت جوابه، وكان عقل الإمام أبي حنيفة لو وزن بنصف عقول أهل الأرض لرجحهم، فلما عرضتُ عليه قال: لما اختلطا وجبت الشركة أثلاثًا، فالضائع والباقي على الشركة) (١). * * * ١٠٧ - شريك بن عبد الله بن أبي شريك (٢) كان من النَّخَع، ويكنى أبا عبد الله. ولد ببُخاري من أرض خراسان، وكان جده قد شهد القادسية، وكان قاضيًا توفي بالكوفة سنة سبع وسبعين ومئة. وكان قاضيًا على الكوفة، قلَّده المنصور بها حين هرب الثَّوري، وتعلَّل أبو حنيفة، وتجنن مِسعر، كما تقدم. * * *

стр. 369

كتائب أعلام الأئمة الحنفيَّة وكواكب أخيار الملة الحنيفية من ذوي الفُتيا والقضاة على حسب الأعصار والطبقات بالأسانيد والعنعنات واعلم أيَّدك الله تعالى بالتوفيق، (ويسَّر لك الاهتداء إلى أعدل طريق، ونوَّر قلبك، وشرح صدرك، ووضع وزرك، ورفع ذِكْرك، انظر) (١) إلى إمامنا الأعظم أبي حنيفة، حيث جعل الله توفيقه رفيقه، (بموهبة لطيفة، وأيَّده بعونه الشامل، وقوَّاه بلطفه الكامل، وصان فهمه من أن يضل، وحفظ قدمه من أن تزل) (٢)، حيث جمع له من التلامذة والأصحاب الذين يعم في الفهم والعلم لب الألباب، ولم يجمع لإمام قبله ولا بعده عديل واحد من الذين جُمعوا عنده: كأبي يوسف عظيم القدر والشان، صاحب الفهم والبيان، في علم الحديث واللِّسان. ومحمَّد بن الحسن الفقيه الماهر، والباهر في العلم الظاهر، (قدوة الأخيار، في الآثار والأخبار) (٣). وزفر الهذيل، جريء اللسان، قوي الجنان، (في البحث والبيان، صاحب الرأي الرصين، في الحكم والإتقان) (٤). وحسن بن زياد، الفهيم الفقيه، واليقظ النبيه، (والورع النزيه) (٥).

стр. 370

ووكيع بن الجرَّاح، الزَّاهد النصَّاح (والفقيه البصير، المقري بعلم التفسير) (١). وعبد الله بن المبارك، الزَّاهد السالك، (العارف المعرض عن الدنيا والمجاهد في المعارك) (٢). وبشر بن غياث، الفقيه المقدام، (في علم الشرائع والأحكام) (٣). وحفص بن غياث، صاحب اليد الطولي (في الفروع، ومعرفة أحكام القضاء) (٤). ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، فريد التَّتبع، وضبط المسائل (وكتب الروايات، وحفظ الدليل) (٥). وأسد بن عَمْرو القاضي، (ثقة رواية السلف). ونوح بن أبي مريم، (جامع العلوم، صاحب المجالس، المبرز في المعقول والمفهوم) (٦). وأبي مطيع البَلْخِي، (الفطن الزكي) (٧). وحماد بن الإمام، الورع الفقيه العلَّامة، (والفطِن النبيه الفهَّامة) (٨). وغيرهم من قرعاء الدَّهر، ووحداء العصر.

стр. 371

عن إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة أنه قال: قال جدِّي يومًا لأصحابه: هؤلاء ستة وثلاثون رجلًا، منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، وستة يصلحون للفتوى، واثنان أبو يوسف وزفر يصلحان لتأديب القضاة وأرباب الفتوى، وأي إمام وفقيه مجتهد له كواحد من هؤلاء الأصحاب الفائقين في علم الفقه والتفسير، (وما يتعلق بالحديث والكتاب، ولطائف الأخبار، وغوامض النحو، ودقائق الحساب) (١). فوضع الإمام مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادًا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، [وكان يطرح مسألة لهم ويسأل ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم في كلِّ مسألة أسبوعًا أو شهرًا أو أكثر، ويأتي بالدليل الأنور، من السراج الأزهر، ثم يثبتها الإمام أبو يوسف في الأصول، بعد تلقِّيه الفحول بالقبول. فمذهبنا الذي وضع شورى بين الأئمة أصوب وأقوى، وإلى القَبول أقرب وأولى، وإلى الاستقامة والسَّداد أليق وأحرى، مِنْ مذهب مَن انفرد بوضع مذهبه، ولم يضع شورى، وقطع الجواب بعد ما تحرَّى بنفسه واستقصى، فهيهات بين الثُّريا والثَّرى. واعلم أن علم أبي حنيفة ﵀ قد انتشر من أبي يوسف ومحمَّد رحمهما الله تعالى، واشتهر في مشارق الأرض ومغاربها، ووصل إلى مشايخنا وأستاذينا، ومنهم إلينا وإلى إخواننا] (٢). قال حافظ الدِّين النَّسَفِي في "المصفى شرح المنظومة": إن أصحابنا قالوا: الفقه زرعه عبد الله بن مسعود ﵁، وسقاه علقمة، وحصده إبراهيم النَّخَعي،

стр. 372

وداسه حماد، وطحنه أبو حنيفة، وعجنه أبو يوسف، وخبزه محمد، والناس يأكلون من خبزه، انتهى. [فإنا أكلنا من هذا الخبز بحمد الله تعالى من سماط أستاذنا المولى الفاضل، والسيِّد السند الصَّدر الكامل، السيِّد محمَّد بن عبد القادر، ومن سماط أستاذنا صدر الموالي عبد الرَّحمن بن علي القاضي، ومن سماط أستاذنا صدر الأهالي محمَّد بن عبد الوهاب، أحسن الله إليهم حسن الخطاب يوم الجواب. ثم إن لهم أساتذة كثيرة لو فصِّل لأوجب الإملال، لكن نذكر واحدًا منهم بعد واحد، إلى أن تنتهي الأسانيد إلى هذين الإمامين أبي يوسف ومحمَّد رحمهما الله تعالى. فأستأذنا الأول في الذِّكر محمَّد بن عبد القادر، تلميذ المولى نور الدِّين القراصُوي، وهو تلميذ سنان باشا يوسف بن خضر بك، وهو تلميذ أبيه خضر بك بن جلال الدين. وأستاذنا الثالث في الذِّكر محمَّد بن عبد الوهاب تلميذ شيخ الإسلام، صدر الأعلام، المولى العلامة أحمد بن سليمان بن كمال باشا، وهو تلميذ المولى الفاضل مصلح الدِّين القسطلاني، وهو تلميذ خضر بك تلميذ المولى محمَّد بن جلال الدِّين المذكور، والمولى الفاضل خضر بك تلميذ المولى محمَّد بن أرمغان الشهير بالمولى يكان، وهو تلميذ جامع العلوم المولى العلامة شمس الدِّين محمَّد بن حمزة الفَنَاري، وهو تلميذ الشَّيخ أكمل الدِّين محمَّد بن محمَّد بن محمود البَابَرْتي، وهو تلميذ الإمام قوام الدِّين محمَّد الكاكي صاحب "الدراية"، وهو تلميذ الإمام الحسين بن علي السِّغْنَاقِي (١) صاحب "النهاية"، وهو تلميذ حافظ الدِّين محمَّد بن نصر البُخاري، عن

стр. 373

شمس الأئمة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري تلميذ شيخ الإسلام برهان الدين صاحب "الهداية" علي بن أبي بكر المَرْغِيْنَاني، عن الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، عن أبيه برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر، وهو تلميذ شمس الأئمة أبي بكر محمَّد بن أحمد بن أبي السهل السَّرَخْسي، تلميذ شمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحَلْوَاني، تلميذ القاضي الحسين أبي علي النَّسفي، تلميذ الشَّيخ الإمام محمَّد بن الفضل البُخاري، تلميذ عبد الله بن محمَّد السُّبَذْمُوْنِي، تلميذ أبي حفص الصَّغير أبي عبد الله، تلميذ أبيه أبي حفص الكبير البُخاري، تلميذ الإمام محمَّد، ومحمَّد تلميذ الإمام، فكان ما ذكره اثني وعشرين أستاذًا (١) إلى أبي حنيفة. وأما أستاذنا صدر الموالي عبد الرَّحمن، فأخذ عن شيخ الإسلام سعد الله بن عيسى بن أمير خان، وهو عن المولى الفاضل محمَّد بن حسن السَّامْسُوني، وهو عن أبيه حسن بن عبد الصمد السَّامْسُوني، وهو عن القاضي المفتي إلياس بن يحيى بن حمزة الرومي، كان يفتي بمَرْزِيفون في دولة الجندار، وهو الشَّيخ الكبير سالك مسالك أهل الحقيقة العارف بالله محمَّد بن محمَّد بن محمود الحافظي البُخاري، الشهير بخواجه محمَّد بارسا، صاحب "كتاب فصل الخطاب"، وهو عن الشَّيخ الإمام حافظ الحق والدين أبي طاهر محمَّد بن محمَّد بن الحسن الطاهري (٢)، وهو عن الشَّيخ العلامة صدر الشَّريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج الشَّريعة محمود بن أحمد، وهو عن جدِّه تاج الشَّريعة محمود بن أحمد بن عبيد الله، وهو عن أبيه شمس الدِّين أحمد بن جمال الدِّين عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي (٣)، وهو عن أبيه عبيد الله بن

стр. 374

إبراهيم بن عبد الملك جمال الدِّين المحبوبي، المعروف بأبي حنيفة، وهو عن الشَّيخ الإمام عماد الدِّين عمر بن بكر الزَّرَنْجري، وهو عن أبيه شمس الأئمة بكر بن محمَّد الزَّرَنْجري، عن شمس الأمة عبد العزيز أحمد الحَلْوَاني عن القاضي الإمام أبي علي النسفي، عن الشَّيخ الإمام محمَّد بن الفضل، عن أبي الحارث عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي حفص الصغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وعلى هذا يكون عشرين عنعنات. ولهؤلاء المذكورين شيوخ متعددة، وعنعنات متعددة متنوعة، بعضها يزيد على الأولين، وبعضها ينقص من عشرين، يزداد عليك في عنعنات الأصحاب إذا ما زدت نظرك في هذا الكتاب] (١). وهذه الكتائب مرتبة على اثنين وعشرين كتيبة. * * *

стр. 375

الكتيبة الأولى في تلامذة أبي حنيفة [١٠٨ - أبو يوسف (١)] الإمام المجتهد المتقدِّم، أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد (٢) الأنصاري. قال ابن قتيبة (٣): كان سعد (٤) استصغر يوم أحد، ونزل آخر عمره الكوفة، ومات بها، وصلى عليه زيد بن أرقم، وكبَّر عليه خمسًا. وكان أبو يوسف يروي عن الأعمش وهشام بن عروة وغيرهما (٥)، وكان صاحب حديث حافظًا (٦)، ثم لزم أبا حنيفة، وغلب عليه الرَّأي، وولي قضاء بغداد، فلم يزل بها حتى مات سنة اثنتين وثمانين ومئة في خلافة هارون الرشيد. وابنه يوسف ولي قضاء الجانب الغربي في حياة أبيه، ثم توفي سنة اثنتين وتسعين ومئة، انتهى. وكان أبو يوسف هو المقدَّم من أصحاب الإمام أبي حنيفة، وهو أوَّل من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، (وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض) (٧)، وله "الأمالي"، و"النوادر".

стр. 376

قيل: لولا أبو يوسف ما ذُكِر أبو حنيفة، ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء العبَّاسية: المهدي، والهادي، وهارون الرشيد. وكان القاضي ببغداد قبل أبي يوسف أبو بكر بن عبد الله بن محمَّد بن أبي ميسرة، فلما مات في خلافة المهدي ببغداد سنة اثنتين وستين ومئة، استقضي أبو يوسف (مكانه، وكان أبو بكر قبل قضائه ببغداد يفتي بالمدينة، كتب إليه المهدي، فقدم بغداد وتولى قضاءها) (١). وكان أبو يوسف أول من خُوطب بقاضي القضاة، وأول من غيَّر لباس العلماء بهذا الزِّي، وكان إليه تولية القضاء في المشرق والمغرب، وذلك (٢) كله (٣) في خلافة هارون الرشيد. [حكي أنَّ أبا يوسف حجَّ مع الرَّشيد، فصلَّى الرَّشيد بمكة ركعتين، فلمَّا سلَّم قام أبو يوسف فقال: أتموا يا أهل مكة، فإنا قوم سفر، فقال له رجل من مكة: نحن أفقه منك وأعلم بهذا منك. فقال أبو يوسف: لو كنْتَ فقيهًا ما تكلَّمْتَ في الصلاة. ورأيت في الباب التاسع من "كتاب الجواهر في الفقه" للشيخ الإمام طاهر، الشهير بسعد نمدبوش (٤) الخُوَارِزْمِي، من تلامذة السيِّد جلال الدِّين الكُرْلاني الخُوَارِزْمِي صاحب "كفاية الهداية"، نقلًا عن "منية المفتي" للإمام الفاضل يوسف بن أبي سعيد السِّجستاني: عن أبي يوسف أنَّه قال: اختلفتُ إلى أبي حنيفة تسعًا وعشرين سنة، ما فاتني صلاة الغداة. وقال في الباب السادس نقلًا عن "النهاية" أيضًا: إِنَّ أبا يوسف كان مع هارون

стр. 377

الرشيد، فجاءه الإمام مالك فسأله أبو يوسف عن سجود السهو، فقال مالك: إن كان لنقصان يسجد قبل السلام، وإن كان للزيادة يسجد بعد السلام. فقال له أبو يوسف: ما قولك لو وقع السهو في الزيادة والنقصان جميعًا؟ فسكت مالك، فقال له أبو يوسف: الشَّيخ تارة يخطئ وتارة لا يصيب، فقال مالك: على هذا أدركنا مشايخنا، فظن أنَّ أبا يوسف قال له: الشَّيخ تارة يخطئ وتارة يصيب. كذا في "مبسوط شيخ الإسلام". وقال سعد نمدبوش (١) أيضًا في آخر الفصل الخامس: روي عن شقيق بن إبراهيم البَلْخِي الزاهد أنّه قال: قرأت "كتاب الصلاة" على (٢) أبي يوسف في مدرسة بسوق القلانسين في مدينة بغداد، وعلى رأسي قَلَنْسُوَة قد بدت القطنة منها، حتى مضى عليَّ ثلاث سنين لم ألبس قَلَنْسُوة جديدة، ولا جُبَّة ولا قميصًا؛ لاشتغالي بقراءة "كتاب الصلاة". وعن أبي يوسف أنّه قال: كنت أطلب الفقه وأنا مُقِلُّ الحال، فجاء إليَّ أبي وأنا عند الإمام، وأبصرني معه، فقال: يا بني لا تمدد رجلك معه، فإنَّ خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش، فقعدت عن كثير من الطلب، واخترت طاعة والدي. فسألني الإمام وتفقدني وقال: ما خلَّفك عنا؟ قلت: طلب المعاش، فلما رجع الناس، وأردت الانصراف دفع إليَّ صرة فيها مئة درهم فقال: أنفق هذا، فإذا تم أعلمني والزم الحلقة، فلما مضت هذه دفع إليّ مئة (٣) أخرى، وكلما ينفد يعطي بلا إعلامي، كأنه يُخْبَر بنفاده، حتى بلغت حاجتي من العلم، أحسن الله مكافأته وغفر له] (٤). وروي أنّ أبا حنيفة أوصى إليه حين بلغ غاية العلم، فقال له: يا يعقوب، وقِّر السُّلطان، وعظِّم منزلته، وإياك والكذب بين يديه، والدخول عليه في كلِّ وقت، ما لم تدعك حاجة

стр. 378

علمية، فإنك إذا أكثرت إليه الاختلاف تهاون بك وصغرت منزلتك عنده، فكن كما أنت في النَّار، تنتفع وتتباعد، ولا تدنُ منها، فإنّ السُّلطان لا يرى لأحد ما يرى لنفسه. وإياك وكثرة الكلام بين يدي السُّلطان، فإنَّه يأخذ عليك ما قلته، ليرى من نفسه بين يدي (١) حاشيته أنّه أعلم منك، وأنه يخطئك، وتصغر في أعين قومه (٢)، ولكن إذا دخلت عليه تعرف قدرك وقدر غيرك، ولا تدخل عليه وعنده من أهل العلم من لا تعرفه، فإنك إن كنت أَدْوَن منه حالًا لعلك ترتفع عليه فيضرك، وإن كنت أعلم منه لعلك (٣) تنحط عنه، فتسقط بذلك من عين السُّلطان. (وإذا عَرَض عليك شيء من أعماله فلا تقبل منه إلا بعد أن تعلم منه أنَّه يرضاك ويرضي مذهبك في العلم والقضاء، كي لا تحتاج إلى مذهب غيره في الحكومات) (٤)، ولا تواصل أولياء السُّلطان وحاشيته، بل تقرب إليه فقط (٥)، وتباعد عن حاشيته؛ ليكون مجدك وجاهك باقيًا. ولا تتكلم بين يدي العامة إلا بما (تسأل عنه) (٦)، وإياك والكلام في المسألة والتجارة إلا بما يرجع إلى العلم، كي لا يوقف على حبك ورغبتك في المال، فإنهم يسيئون الظن بك، ويعتقدون ميلك إلى أخذ الرشوة. ولا تضحك ولا تبتسم بين يدي العامة، ولا تكثر الخروج إلى الأسواق، ولا

стр. 379

تكلم المراهقين فإنهم فتنة، ولا تمش في قارعة الطريق مع المشايخ والعامة، فإنك إن قدمتهم ازدرى ذلك بعلمك، وإن أخرتهم ازدرى بك (١) من حيث (إنه أسن منك) (٢)؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: "من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا فليس منا" (٣). (ولا تقعد على قوارع الطريق) (٤)، واقعد في المساجد، ولا تأكل في الأسواق والمساجد، ولا تشرب من السقايات ولا من أيدي السقائين، (ولا تقعد على الحوانيت) (٥)، ولا تلبس أنواع الديباج والحلي (والإبريسم، فإنّ ذلك يفضي إلى الرعونة) (٦). ولا تكثر الكلام (في بيتك) (٧) مع امرأتك في الفراش إلا بقدر الحاجة، (ولا تكثر مسها ولمسها) (٨)، ولا تذكر الرجال الأجانب عندها. واطلب العلم أولًا، ثم اطلب المال الحلال، فإنك إن طلبت المال في وقت التعلم عجزت عن طلب العلم، (ولا تقصد إكثار المال، فإنَّه يدعوك إلى شراء الجواري والغِلْمان) (٩)، (وتشتغل بالدنيا والنساء) (١٠) قبل تحصيل العلم،

стр. 380

فإنَّه تضييع لوقتك، [ويجتمع عليك الولد ويكثر عيالك. وفي "الهداية" في فصل تكبيرات التشريق: قال يعقوب ﵀: صليت بهم المغرب يوم عرفة، فسهوت أن أكبِّر، فكبَّر أبو حنيفة ﵀. دلَّ على أنَّ الإمام وإن ترك التكبير لا يدعه المقتدي، وهذا لأنّه لا يؤدي في حرمة الصلاة، فلم يكن الإمام فيه حتمًا وإنما هو يستحب. وفي "عناية الهداية": بخلاف سجود السهو، فإنَّه إذا تركه الإمام لا يسجد المقتدي؛ لأنّه يؤتي في حرمة الصلاة، بخلاف التكبير. وفي ذكر هذه الحكاية فوائد: منها: بيان منزلة أبي يوسف عند أستاذه (١)، حيث قدَّمه واقتدى به. ومنها: بيان حشمة أستاذه في قلبه، فإنَّه لما علم أنَّ المقتدي به أستاذه سهى عمَّا لا يسهو المرء عنه عادة وهو التكبير. ومنها: مبادرة أستاذه إلى السَّتر عليه، حيث كبَّر ليتذكر هو فيكبر، وهكذا فينبغي أن تكون المقابلة بين كل أستاذ وتلميذه، يعني أنّ التلميذ يعظم الأستاذ، والأستاذ يستر عليه عيوبه. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الثاني في العيدين: روي عن أبي يوسف أنّه قدم بغداد وصلّى بالناس صلاة العيد، وصلَّى خلفه هارون الرشيد، فكبر تكبير ابن عباس ﵄، وكذا روي عن محمَّد ﵀ أنّه فعل ذلك. وتأويله: أنّ هارون الرشيد أخذ عليهما، وأمرهما أن يكبرا تكبير جدِّه، وفعلا ذلك امتثالًا لأمره، لا مذهبًا واعتقادًا.

стр. 381

وفي "الهداية": يصلي الإمام بالناس ركعتين؛ يكبر في الأولى للافتتاح وثلاثًا بعدها، ثم يقرأ الفاتحة وسورة ويكبر تكبيرة يركع بها، وهذا قول ابن مسعود وهو قولنا. وقال ابن عباس: يكبر في الأولى تكبيرة الافتتاح وخمسًا بعدها، وفي الثانية يكبر خمسًا ثم يقرأ، وفي رواية يكبر أربعًا. وظهر عمل العامة بقول ابن عباس ﵄ لأمر بنيه الخلفاء، وأما المذهب فالقول الأول؛ لأنَّ التكبير ورفع الأيدي خلاف المعهود، فكان الأخذ بالأقل أولى. وفي "غاية البيان" قال الأَتْقاني: إنما كانوا يميلون بقول ابن عباس لأنَّ الخلافة انتقلت إلى أولاد ابن عباس، فأمر أولاد (١) الخلفاء بذلك، وطاعة الإمام في المجتهدات واجبة، وإن كان خلاف المذهب. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الثالث من كتاب النكاح: روي عن أبي يوسف أنَّه صلَّى بالناس يوم الجمعة، ثم أخبر بوجود الفأرة في بئر الحمام، وكان اغتسل فيه، وكان ذلك بعد تفرُّق الناس، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ الماء قلَّتين لم يحمل خبثًا، ولم يكن ذلك مذهبه. وفي "الحاوي": إنَّ أبا يوسف كان على هذا المذهب ستَّة أشهر، ثم رجع إلى مذهب أبي حنيفة، ذكره في "جواهر الفتاوى" والقلتان خمسمئة رطل بالبغدادي عندهم. وقال في "وجيز القراشي": الأشبه (٢) ثلاثمئة منٍّ تقريبًا لا تحديدًا. ذكره الأَتْقاني في "شرح الهداية".

стр. 382

وفي "جواهر الفتاوى" في باب فتاوى ركن الدِّين أبي الفضل الكَرْمَاني من كتاب أصول الفقه: إذا أخطأ مجتهد في مسألة ثم أدَّى اجتهاده إلى خلاف ما رآه أوَّلًا كان عليه أن يرجع إلى هذا القول الثاني، ولو كان أفتى أو حكم بالقول الأول فإنّه لا ينقض ذلك. وهو كما قال عمر ﵁ في المسألة الحمارية أن لا شيء لأخ من الأب والأم، ثم قال في السنة الثانية: إنّه يشارك الإخوة من الأم، فجاء الأوَّلون وطلبوا منه أن يشركهم، فقال عمر ﵁: تلك ما قضينا، وهذه على ما نقضي. فرجوعه عن الأول دليل على أنَّ الحق هو الثاني دون الأول، وإمضاؤه الأول دليل على أنّه في حال قضائه واجتهاده كان حقًّا، فيكون الاجتهاد في الوقتين كالنَّصين، فإنَّه يجب العمل بالنَّصِّ المنزَّل، فإذا جاء نصٌّ آخر أوجب (١) نسخ الأول، ويبقى الأول على الصحَّة، إلا أنّه لا يجوز العمل به بعد هذا النصِّ النَّاسخ، كذلك في حق الاجتهادين، ولهذا يجوز أن يروي عن صاحب مذهب أو عن مجتهد في مسألة واحدة روايتان، ولا يجوز أن يقول فيه قولان، أو يقول فيه وجهان. إلى هنا من "جواهر الفتاوى". قالوا: لا يجوز للمجتهد تقليد غيره من المجتهدين، والواجب عليه أن يعمل برأي نفسه؛ لأنَّ اجتهاد كلِّ مجتهد حقٌّ في نفسه لا في حقِّ غيره، حتى لم يجز العمل باجتهاده لغيره من المجتهدين، كأكل الميتة في حقِّ المضطرِّ دون غيره، إلا رواية عن محمَّد ﵀، فإنَّه قال: يجوز له تقليد من هو أفقه وأعلم منه. هكذا ذكر في "منتخب أصول الفقه" أيضًا: أنَّ محمَّد بن الحسن قال: يجوز تقليد العالم الأعلم.

стр. 383

وفي "كشف الأسرار": وإنما التقليد للعوام، ومن كان مثل حالهم من الفقهاء الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد. وفي "تحرير ابن الهمام" نقلًا عن "برهان الإمام" قال: أجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة، بل من بعدهم الذين سبروا، ووضعوا، ودوَّنوا. قال ابن أمير حاج في "شرح التحرير": أي بل عليهم أن يتَّبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ووضعوا ودوَّنوا؛ لأنهم أوضحوا طرق النظر، وهذَّبوا المسائل، وبيَّنوها، وجمعوها، بخلاف مجتهدي الصحابة ﵃؛ فإنهم لم يعتنوا بتهذيب مسائل الاجتهاد، ولم يقرروا لأنفسهم أصولًا تفي بأحكام الحوادث كلها، والأفهم أعظم وأجل قدرًا. وفي "تحرير ابن الهمام" أيضًا: وعلى هذا ما ذكر بعض المتأخرين، وهو ابن الصلاح منع تقليد غير الأربعة؛ لانضباط مذاهبهم، وتقييد مسائلهم، وتخصيص عمومها، ولم يدر مثله في غيرهم من المجتهدين الآن؛ لانقراض أتباعهم. وقال فيه قبل هذا المبحث: يجوز إفتاء غير المجتهد بمذهب المجتهد مطلقًا. وفي "التقرير": فإنَّ المتبحرين من مقلدي أصحاب المذاهب مازالوا على ممر الأعصار يفتون بمذاهب أصحاب الاجتهاد، مع عدم بلوغهم رتبة الاجتهاد المطلق، ولم يُنكر إفتاؤهم، ويُنكر الإفتاء من غير المتبحر بمذهب المجتهد، فكان إجماعًا على جواز فتيا المتبحِّر، وعدم جواز فتيا غير المتبحر. وقال ابن الهمام في "فتح القدير شرح الهداية" بعد أن حكى أنَّه ذكر أنَّه لا يفتي إلا المجتهد: قد استقر رأي الأصوليين أنَّ المفتي هو المجتهد، فأمّا غير المجتهد ممَّن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمجتهد، والواجب عليه إذا سُئِلَ أن يذكر قول المجتهد كأبي حنيفة على وجه الحكاية.

стр. 384

فعرف أنَّ ما يكون في زماننا ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتي ليأخذه المستفتي، وطريق نقله كذلك عن المجتهد أحد أمرين: إما أن يكون له سند فيه إليه، أو يأخذه من كتاب تداولته الأيدي، نحو كتب محمَّد بن الحسن ونحوها من التَّصانيف المشهورة للمجتهدين؛ لأنّه بمنزلة الخبر المتواتر عنهم والمشهور. فعلى هذا لو وجد في بعض نسخ النوادر في زماننا لا يحلُّ عَزْو ما فيها إلى محمَّد ولا إلى أبي يوسف؛ لأنها لم تشتهر في ديارنا ولم تتداول. نعم إذا وجد النَّقل عن النوادر مثلًا في كتاب مشهور كـ "الهداية" و"المبسوط" كان ذلك تعويلًا على ذلك الكتاب، فلو كان حافظًا للأقاويل المختلفة للمجتهدين، ولا يعرف الحجَّة ولا قدرة له على الاجتهاد للترجيح لا يقطع بقولٍ منها مفتٍ، بل يحكيها للمستفتي، فيختار المستفتي ما يقع في قلبه أنَّه الأصوب، ذكره في بعض الجوامع، وعندي أنَّه لا يجب عليه حكاية كلِّها، بل يكفيه أن يحكي قولًا منها، فإنَّ المقلد له أن يقلِّد أيِّ مجتهد شاء، فإذا ذكر أحدها فقلَّده حصل المقصود. نعم لو حكى الكل فالأخذ بما يقع في قلبه أنَّه الأصوب أولى، وإلا فالعامي لا عبرة بما في قلبه من صواب الحكم وخطئه. إلى هنا من "فتح القدير". وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة": قال محمَّد بن شجاع حكاية عن إبراهيم الجرَّاح، وهو من كبار أصحاب عطاء بن أبي رباح، وهو مخصوص بعلم المناسك، تلميذ عبد الله ابن عباس قال: دخلت على أبي يوسف فوجدته مغمًى عليه، ففتح عينيه فرآني، فقال: يا إبراهيم، أيّما أفضل للحاج أن يرمي راجلًا أم راكبًا؟ فقلت: راجلًا فخطَّأني، فقلْتُ: راكبًا فخطَّأني، ثم قال لي: ما كان يوقف عندها فالأفضل أن يرميها راجلًا، وما لا يوقف عندها فالأفضل أن يرميها راكبًا، فخرجت من عنده فما بلغت الباب حتى سمعت صراخ النساء عليه أنّه قد توفي إلى رحمة الله تعالى، فلو كان شيء أفضل من

стр. 385

مذاكرة العلم لاشتغل به في هذه الحالة؛ لأنَّ هذه الحالة حالة النَّدامة والحسرة] (١). وعن مَكْحول النَّسَفِي: أوصى أبو يوسف ﵀ حين مات لأهل مكة بمئة ألف، ولأهل المدينة بمئة ألف، ولأهل بغداد بمئة ألف. وإنه مات في شهر ربيع الأول، لخمس خلون، سنة اثنتين وثمانين ومئة، في خلافة هارون الرشيد، وإن الرشيد مشي أمام جنازته، وصلَّى عليه بنفسه، ودفنه في قبره، وقال حين دفن: ينبغي لأهل الإسلام أن يعزِّي بعضهم بعضًا، ودفن في مقابر قريش بكرخ بغداد. [وفي "حقائق المنظومة النَّسفية": قال: إنما أخَّر باب محمَّد عن باب أبي يوسف رحمهما الله لأنّه تفقَّه على أبي يوسف بعدما حضر مجلس أبي حنيفة ﵀ سنين، فمن هذا الوجه كان له عليه فضل. ومصداقه ما حكي أنَّ إسماعيل بن أبي رجاء قال: رأيت محمَّد بن الحسن في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، ثم قال لي: لو أردت أن أعذبك ما جعلت هذا العلم في جوفك. قلت: أين أبو يوسف؟ قال: بيني وبينه كما بين السماء والأرض، قلت: أين أبو حنيفة؟ فقال: هيهات هيهات، هو أعلى عليين. حكي أنَّ الشَّيخ معروف الكرخي بعث رجلًا من أصحابه إلى دار الإمام أبي يوسف حين كان عليلًا، وقال: أظنه قد مات، فإذا خرجت جنازته فأخبرني أصلِّي عليه، فأخبر أنَّه دفن، فأظهر معروف الغم بفوت صلاته عليه، قالوا: لم تتأسَّف على فوت صلاة على رجل من عمَّال السُّلطان ولي القضاء؟ فقال: إني رأيت البارحة كأني دخلْتُ الجنة، فرأيت قصرًا فُرشت مجالسه، وأرخيت ستوره، وقام ولدانه، فقلت:

стр. 386

لمن هذا؟ قالوا: لأبي يوسف. قلت: سبحان الله! بم استحق هذا؟ قالوا: بتعليم العلم وصبره على آذاهم، العلم كنز وذخر لا نفاد له. والمراد من العلم: علم الشرائع، وهو علم الأصول والفروع، وعلم التفسير والحديث، وأما غير علم الشرائع فلا عبرة به أصلًا. روي أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ برجل والناس مجتمعون عليه، فقال ﷺ : ما هذا؟ قالوا: رجل علَّامة. فقال: بماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب. فقال ﷺ : "علم لا ينفع، وجهل لا يضر، إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة" (١). حكي أنّ عَمْرو بن العاص لما فتح الإسكندرية، وكان فيها من حكماء الفلاسفة يحيى، المسمَّى بقرماطيقوس، من النَّصارى القائل في التَّثليث، فرجع من التَّثليث، ونازعه النصارى بمصر، وأسقطوا حرمته، وكان مقيمًا بالإسكندرية، قال لعمرو بن العاص ختمْتُ على كلِّ الأصناف الموجودة فما يكون لكم به نفع، فلا يعارضنك أحد، وما لا انتفاع به لكم فنحن أولى به. فقال له عمرو: ما الذي تحتاج إليه؟ قال يحيى: كتب الحكمة التي في الخزينة، قال: عَمْرو، لا يمكن إلا بإذن أمير المؤمنين، فأرسل مكتوبًا، فأجاب عمر ﵁ وكتب مكتوبًا، وقال: الكتب التي ذكرتها؛ إن كان توافق كتاب الله ففيه غنًى عنها، وإن كان غير ذلك فلا حاجة فيها، فتقدم بإعدامها، ففرَّقها (٢) عَمْرو إلى حمامات الإسكندرية وأحرقوها في مواقدها، فنفد في ستة أشهر. ذكر في فتوحات الشام أنَّ الإسكندرية حين فتحت كان فيها ألف حمام، واثني عشر ألف بقَّال يبيعون البقل الأخضر.

стр. 387

وفي "الدرر والغرر" في آخر كتاب الكراهية: رجل تعلم علم الصلاة أو نحوه ليعلِّم الناس، وآخر ليعمل به، فالأول أفضل لأنَّ منفعة تعليم الخلق أكثر، جاء في الأثر: أنَّ مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة (١)، كذا في "فتاوى قاضي خان". وفيها: رجل خرج في طلب العلم بغير إذن والديه فلا بأس به، ولم يكن عقوقًا، قيل: هذا إذا كان ملتحيًا، وإن كان أمرد فلا بدَّ أن يمنع من الخروج. مراده بالعلم: العلم الشرعي، وما ينتفع به، دون علم الكلام وأمثاله؛ لما روي عن الإمام الشَّافعي ﵀ أنّه قال: لأن يلقى اللهَ عبدٌ بأكبر الكبائر خير من أن يلقاه بعلم الكلام (٢). فإذا كان هذا حال علم الكلام المتداول في زمانهم، فما ظنُّك بالكلام المخلوط بهذيانات الفلاسفة، المغمور بين أباطيلهم المزخرفة. إلى هنا من "الدرر والغرر". وعن أبي يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق (٣). وعن أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة (٤). وعن مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء (٥).

стр. 388

قال بعض أصحابه في تأويل ذلك: إنَّه أراد بأهل الأهواء: أهل الكلام على أيِّ مذهب كانوا. وعن الشَّافعي أيضًا أنّه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم هو المسمَّى أو غير المسمَّى، فاشهد أنّه من أهل الكلام ولا دين له (١). وفي كتاب الكراهية من "كتاب الخلاصة": تعلّم علم الكلام والنظر فيه، والمناظرة وراء قدر الحاجة منهيٌّ، وتعلّم علم النجوم قدر ما يعلم مواقيت الصلاة والقِبْلة لا بأس به. والزيادة حرام، انتهى. وفي "الفتاوى التَّتارْخَانيَّة" في فصل متفرقات الكراهية نقلًا عن "النوازل": قال أبو نصير: بلغني أنَّ حمَّاد بن أبي حنيفة كان يتكلَّم في علم الكلام، فنهاه عن ذلك أبو حنيفة، فقال له ابنه: قد رأيتك وأنت تتكلم في علم الكلام، فما بالك تنهاني عنه؟! قال: يا بني كنَّا نتكلم كلُّ واحد منَّا كأن الطير على رأسنا مخافة أَنْ نَزِلَّ، وأنتم تتكلمون وكلُّ واحد يريد أن يغلب صاحبه وأن يكفِّر صاحبه، ومن أراد أن يكفِّر صاحبه فقد كفر قبل أن يكفر مثله صاحبه. وعن أبي الليث الحافظ قال: من اشتغل بالكلام مُحي اسمه عن العلماء، انتهى] (٢). ومن تلامذة أبي يوسف: محمَّد بن سماعة، وأبو سليمان الجُوْزَجاني، ومعلى (٣)

стр. 389

ابن منصور، وبِشْر بن المعلى، وبِشْر بن الوليد الكِنْدي، وبشر بن غيّاث المَرِيْسِي، وخلف بن أيوب، وعصام بن يوسف، وإبراهيم بن يوسف، وهشام بن عبيد الله، والحسن بن أبي مالك، وأبو علي الرَّازِي، وهلال الرأي، وعلي بن الجَعْد، ورجال كثير (١) لا يحصون. (ومن يحصي أصحاب "الأمالي" الذين رووها عن أبي يوسف، ووظيفتنا في كتابنا هذا ذكر من وجدناهم في مشاهير الكتب، آخذين دواوين عن أئمتنا أو متفقهين وناقلين عن شيوخنا رحمهم الله تعالى) (٢). * * * [١٠٩ - محمَّد بن الحسن الشَّيباني (٣)] الإمام الورع البارع، المجتهد الثاني، محمَّد بن الحسن بن فَرْقَد، أبو عبد الله الشَّيباني. كان أصله من الشام، من قرية يقال لها: حرستا (٤)، قدم أبوه من العراق، فولد محمَّد بواسط، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، وسمع من مسعر، ومالك بن مِغْوَل، وعمر بن ذر، والأوزاعي، والثَّوري، وأشباههم.

стр. 390

وصحب أبا حنيفة وأخذ عنه الفقه، ثم بعد أبي حنيفة أخذ علمه (١) عن أبي يوسف. وأخذ عنه أبو حفص الكبير البُخاري، وأبو سليمان الجُوْزَجاني، وموسى بن نصر الرَّازِي، ومحمَّد بن سماعة، ويعلى بن منصور، وإبراهيم بن رستم، وهشام بن عبد الله، وعيسى بن أَبَان، ومحمَّد بن مقاتل، والفقيه أيوب بن الحسن، وشداد بن حكيم، وداود بن رشيد. وكان محمَّد عالمًا (٢) بكتاب الله تعالى، ماهرًا في علم العربية والنحو والحساب. وعن أبي عبيد: ما رأيت أعلم بكتاب الله تعالى من محمَّد بن الحسن. وعن الشَّافعي أنّه قال: أخذت من محمَّد بن الحسن وِقْرَ بَعِيرٍ من العلم، وما رأيت رجلًا سمينًا أخف روحًا منه. قال: وكان يملأ القلب والعين، [وما رأيت رجلًا سمينًا أفهم منه، وإذا كان يتكلم خُيِّلَ لك أنَّ القرآن أنزل بلغته (٣). وهو الذي نشر علم أبي حنيفة فيمن نشره، وصنَّف كتبًا عديدة، وإنما ظهرت علوم أبي حنيفة بتصانيفه المشهورة كالجامِعَيْن، و"الزيادات"، و"المبسوط"، وغيرها. وفي "التقدمة شرح المقدمة": إنما ظهرت علوم أبي حنيفة بتصانيف محمد، حتى قيل: إنّه صنَّف تسعمئة وتسعة وتسعين كتابًا كلها في العلوم الدينيَّة. وقيل: رؤي الإمام محمَّد في المنام بعد وفاته، فقيل له: كيف كنت في حال النزع؟ فقال: كنت متأملًا في مسألة من مسائل المُكاتب، فلم أشعر بخروج روحي.
следующие страницы →