لمن هذا؟ قالوا: لأبي يوسف. قلت: سبحان الله! بم استحق هذا؟ قالوا: بتعليم العلم وصبره على آذاهم، العلم كنز وذخر لا نفاد له.
والمراد من العلم: علم الشرائع، وهو علم الأصول والفروع، وعلم التفسير والحديث، وأما غير علم الشرائع فلا عبرة به أصلًا.
روي أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ برجل والناس مجتمعون عليه، فقال ﷺ : ما هذا؟ قالوا: رجل علَّامة. فقال: بماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب. فقال ﷺ : "علم لا ينفع، وجهل لا يضر، إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة" (١).
حكي أنّ عَمْرو بن العاص لما فتح الإسكندرية، وكان فيها من حكماء الفلاسفة يحيى، المسمَّى بقرماطيقوس، من النَّصارى القائل في التَّثليث، فرجع من التَّثليث، ونازعه النصارى بمصر، وأسقطوا حرمته، وكان مقيمًا بالإسكندرية، قال لعمرو بن العاص ختمْتُ على كلِّ الأصناف الموجودة فما يكون لكم به نفع، فلا يعارضنك أحد، وما لا انتفاع به لكم فنحن أولى به.
فقال له عمرو: ما الذي تحتاج إليه؟ قال يحيى: كتب الحكمة التي في الخزينة، قال: عَمْرو، لا يمكن إلا بإذن أمير المؤمنين، فأرسل مكتوبًا، فأجاب عمر ﵁ وكتب مكتوبًا، وقال: الكتب التي ذكرتها؛ إن كان توافق كتاب الله ففيه غنًى عنها، وإن كان غير ذلك فلا حاجة فيها، فتقدم بإعدامها، ففرَّقها (٢) عَمْرو إلى حمامات الإسكندرية وأحرقوها في مواقدها، فنفد في ستة أشهر.
ذكر في فتوحات الشام أنَّ الإسكندرية حين فتحت كان فيها ألف حمام، واثني عشر ألف بقَّال يبيعون البقل الأخضر.
стр. 387
وفي "الدرر والغرر" في آخر كتاب الكراهية: رجل تعلم علم الصلاة أو نحوه ليعلِّم الناس، وآخر ليعمل به، فالأول أفضل لأنَّ منفعة تعليم الخلق أكثر، جاء في الأثر: أنَّ مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة (١)، كذا في "فتاوى قاضي خان".
وفيها: رجل خرج في طلب العلم بغير إذن والديه فلا بأس به، ولم يكن عقوقًا، قيل: هذا إذا كان ملتحيًا، وإن كان أمرد فلا بدَّ أن يمنع من الخروج.
مراده بالعلم: العلم الشرعي، وما ينتفع به، دون علم الكلام وأمثاله؛ لما روي عن الإمام الشَّافعي ﵀ أنّه قال: لأن يلقى اللهَ عبدٌ بأكبر الكبائر خير من أن يلقاه بعلم الكلام (٢).
فإذا كان هذا حال علم الكلام المتداول في زمانهم، فما ظنُّك بالكلام المخلوط بهذيانات الفلاسفة، المغمور بين أباطيلهم المزخرفة. إلى هنا من "الدرر والغرر".
وعن أبي يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق (٣).
وعن أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة (٤).
وعن مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء (٥).
стр. 388
قال بعض أصحابه في تأويل ذلك: إنَّه أراد بأهل الأهواء: أهل الكلام على أيِّ مذهب كانوا.
وعن الشَّافعي أيضًا أنّه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم هو المسمَّى أو غير المسمَّى، فاشهد أنّه من أهل الكلام ولا دين له (١).
وفي كتاب الكراهية من "كتاب الخلاصة": تعلّم علم الكلام والنظر فيه، والمناظرة وراء قدر الحاجة منهيٌّ، وتعلّم علم النجوم قدر ما يعلم مواقيت الصلاة والقِبْلة لا بأس به. والزيادة حرام، انتهى.
وفي "الفتاوى التَّتارْخَانيَّة" في فصل متفرقات الكراهية نقلًا عن "النوازل": قال أبو نصير: بلغني أنَّ حمَّاد بن أبي حنيفة كان يتكلَّم في علم الكلام، فنهاه عن ذلك أبو حنيفة، فقال له ابنه: قد رأيتك وأنت تتكلم في علم الكلام، فما بالك تنهاني عنه؟!
قال: يا بني كنَّا نتكلم كلُّ واحد منَّا كأن الطير على رأسنا مخافة أَنْ نَزِلَّ، وأنتم تتكلمون وكلُّ واحد يريد أن يغلب صاحبه وأن يكفِّر صاحبه، ومن أراد أن يكفِّر صاحبه فقد كفر قبل أن يكفر مثله صاحبه.
وعن أبي الليث الحافظ قال: من اشتغل بالكلام مُحي اسمه عن العلماء، انتهى] (٢).
ومن تلامذة أبي يوسف: محمَّد بن سماعة، وأبو سليمان الجُوْزَجاني، ومعلى (٣)
стр. 389
ابن منصور، وبِشْر بن المعلى، وبِشْر بن الوليد الكِنْدي، وبشر بن غيّاث المَرِيْسِي، وخلف بن أيوب، وعصام بن يوسف، وإبراهيم بن يوسف، وهشام بن عبيد الله، والحسن بن أبي مالك، وأبو علي الرَّازِي، وهلال الرأي، وعلي بن الجَعْد، ورجال كثير (١) لا يحصون.
(ومن يحصي أصحاب "الأمالي" الذين رووها عن أبي يوسف، ووظيفتنا في كتابنا هذا ذكر من وجدناهم في مشاهير الكتب، آخذين دواوين عن أئمتنا أو متفقهين وناقلين عن شيوخنا رحمهم الله تعالى) (٢).
* * *
[١٠٩ - محمَّد بن الحسن الشَّيباني (٣)]
الإمام الورع البارع، المجتهد الثاني، محمَّد بن الحسن بن فَرْقَد، أبو عبد الله الشَّيباني.
كان أصله من الشام، من قرية يقال لها: حرستا (٤)، قدم أبوه من العراق، فولد محمَّد بواسط، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، وسمع من مسعر، ومالك بن مِغْوَل، وعمر بن ذر، والأوزاعي، والثَّوري، وأشباههم.
стр. 390
وصحب أبا حنيفة وأخذ عنه الفقه، ثم بعد أبي حنيفة أخذ علمه (١) عن أبي يوسف.
وأخذ عنه أبو حفص الكبير البُخاري، وأبو سليمان الجُوْزَجاني، وموسى بن نصر الرَّازِي، ومحمَّد بن سماعة، ويعلى بن منصور، وإبراهيم بن رستم، وهشام بن عبد الله، وعيسى بن أَبَان، ومحمَّد بن مقاتل، والفقيه أيوب بن الحسن، وشداد بن حكيم، وداود بن رشيد.
وكان محمَّد عالمًا (٢) بكتاب الله تعالى، ماهرًا في علم العربية والنحو والحساب.
وعن أبي عبيد: ما رأيت أعلم بكتاب الله تعالى من محمَّد بن الحسن.
وعن الشَّافعي أنّه قال: أخذت من محمَّد بن الحسن وِقْرَ بَعِيرٍ من العلم، وما رأيت رجلًا سمينًا أخف روحًا منه. قال: وكان يملأ القلب والعين، [وما رأيت رجلًا سمينًا أفهم منه، وإذا كان يتكلم خُيِّلَ لك أنَّ القرآن أنزل بلغته (٣).
وهو الذي نشر علم أبي حنيفة فيمن نشره، وصنَّف كتبًا عديدة، وإنما ظهرت علوم أبي حنيفة بتصانيفه المشهورة كالجامِعَيْن، و"الزيادات"، و"المبسوط"، وغيرها.
وفي "التقدمة شرح المقدمة": إنما ظهرت علوم أبي حنيفة بتصانيف محمد، حتى قيل: إنّه صنَّف تسعمئة وتسعة وتسعين كتابًا كلها في العلوم الدينيَّة.
وقيل: رؤي الإمام محمَّد في المنام بعد وفاته، فقيل له: كيف كنت في حال النزع؟ فقال: كنت متأملًا في مسألة من مسائل المُكاتب، فلم أشعر بخروج روحي.
стр. 391
قيل لأحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟ قال: من كتب محمَّد بن الحسن (١).
وعن السِّمْناني: أنّ أباه قدم على الإمام، فقال لوالده: احلق رأسه وألبسه الخلقان، ففعل فزاد عند الخلق جمالًا، وقال وكيع: كنا نكره أن نمشي معه في طلب الحديث؛ لأنّه كان غلامًا جميلًا.
روي أنّه دخل على مالك وهو حديث السنِّ، فقال: ما تقول في جُنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟ قال مالك: الجنب لا يدخل في المسجد. قال: وكيف يفعل وقد حضرت الصلاة وهو يرى الماء في المسجد؟ فجعل يكرر ويقول: لا يدخل الجنب في المسجد، فلمَّا أكثر عليه محمد، قال مالك: ما تقول أنت؟ قال: يتيمَّم ويدخل ويأخذ الماء ويغتسل. فقال: من أين أنت؟ قال: من أهل هذه، وأشار إلى الأرض. فقال: ما من أهل المدينة أحدٌ إلا أعرفه، ما أكثر من لا نعرفه، فلمَّا نهض قيل: هذا محمَّد بن الحسن. قال كيف يكذب محمَّد، وقال: أنا من أهل المدينة؟ قالوا: إنما أشار إلى الأرض، قال هذا أشدُّ من ذلك] (٢).
وفي "الجواهر المضيّة" عن ابن عبد الحكم: سمعت الشَّافعي يقول: قال محمَّد بن الحسن: أقمت على باب مالك ثلاث سنين، وسمعت منه سبعمئة حديث ونيّفًا لفظًا (٣).
[وفي "كتاب مناقب أبي حنيفة" للكَرْدَري: روي أنّ الشَّافعي بات عند محمَّد، وقام إلى الصباح واضطجع محمَّد، فاستكثر الشَّافعي ذلك منه، فلما طلع الفجر قام
стр. 392
وصلَّى بلا تجديد وضوء، فدخل الشَّافعي لمحمد، فقال: إنك عملت لنفسك حتى الصباح، وأنا عملت للأمَّة، استخرجت من كتاب الله تعالى نيّفًا وألف مسألة، قال: فما تعجبت من سهري الليلة قائمًا، وإنما أتعجب (١) من سهره مضطجعًا. قيل لعيسى بن أَبَان: أبو يوسف أفقه أم محمد؟ قال فاعتبروا بكتبهما، يعني: محمَّد أفقه] (٢).
ومن كتبه "الأصل" أملاه على أصحابه، رواه عنه أبو سليمان الجُوْزَجاني وغيره، قال الأَتْقاني (في "شرح الهداية" (٣): إنما سمَّاه أصلًا لأنّه صنَّفه أولًا، وهو "المبسوط"، ثم صنَّف "كتاب الجامع الصغير"، ثم "كتاب الجامع الكبير"، ثم "كتاب الزيادات".
قال أبو سليمان الجُوْزَجاني في "المبسوط": قلت لمحمد: فهل قبل العصر تطوع؟ قال: إن فعلت فحسن. قلت: فكم التطوع قبلها؟ قال: أربع ركعات، انتهى كلام الأَتْقاني) (٤).
وله "السِّير الكبير"، وروي عنه "النوادر" جماعة، (منهم ابن سماعة وابن رستم وهشام) (٥)، وله "الهارونيَّات"، و"الرُّقيَّات"، و"الكَيْسانيَّات"، وله (٦) "الآثار"، و"الموطأ".
(وفي أول كتاب الكسب من "المحيط" للسرخسي: قد حكي أنَّه قيل لمحمد:
стр. 393
ألا تصنِّف في الزهد؟ فقال: نعم، وقد كان فرغ من تصنيف الأحكام، وخفَّ دماغه وأراد أن يصنِّف في الزُّهد مئة تصنيف، فلم يتفرغ إلا لهذا الكتاب، وأنه كان في الزهد والورع) (١)، وقيل: إنّه طلب من محمَّد أن يفهرس تصانيفه، فبلغ ألف تصنيف لو عاش لأتمَّها، [وأتعب المقتبسين.
وقيل: موته رحمة وحياته رحمة. إلى هنا من "المحيط".
قال الأَتْقاني في "شرح الهداية" أيضًا: قال محمَّد في "موطَّأه": أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثوبان، عن أمِّه، عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ أمر أن يُسْتَمتع بجلودِ الميتةِ إذا دُبِغَت (٢).
قال فخر الإسلام البَزْدَوي في أول "شرح الجامع الصغير": كان أبو يوسف يتوقع من محمَّد أن يروي كتابًا عنه، فصنف محمَّد هذا الكتاب، وأسنده عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، فلما عرض على أبي يوسف استحسنه، وقال: نعم ما حفظ أبو عبد الله، إلا مسائل أخطأ في روايتها، فلمَّا بلغ ذلك محمدًا، قال: بل حفظتُها ونَسِيَ.
وهي ست مسائل مذكورة في "شرح الجامع الصغير"، منها رجل صلَّى التطوع أربعًا، وقرأ في إحدى الأَوْلَيين وإحدى الأُخْرَيين لا غير، روي محمَّد أنّه يقضي أربعًا. وقال أبو يوسف: إنما رويت له ركعتين. وقال فخر الإسلام: واعتمد مشايخنا رواية محمد.
وقال الشَّيخ الإمام فخر الدِّين قاضي خان في "شرح الجامع الصغير": اختلفوا في تصنيف هذا الكتاب؛ قال بعضهم: من تصنيف أبي يوسف ومحمد، وقال بعضهم:
стр. 394
من تصنيف محمد، فإنّه حين فرغ من تصنيف "المبسوط" أمره أبو يوسف أن يصنف كتابًا، ويرويه عنه، فصنَّف هذا الكتاب وعرضه على أبي يوسف. فقال أبو يوسف: نعم ما حفظ عنِّي أبو عبد الله إلا أنّه أخطأ في ثلاث مسائل. فقال محمد: ما أخطأْتُ، ولكنك نسيْتَ الرواية، انتهى.
ففي "شرح صدر الإسلام": أخطأ في ست مسائل، وفي "شرح قاضي خان": أخطأ في ثلاث مسائل.
وقال خَواهَرْ زَادَه في "مبسوطه": لما عرض محمَّد "الجامع الصغير" على أبي يوسف قال أبو يوسف: كل ذلك رويت عني عن أبي حنيفة إلا ثلاث مسائل، منها هذه، فقد غلطت فيها، فإني رويت ذلك عن أبي حنيفة أنّه يقضي ركعتين، فلماذا رويت أنّه يقضي أربعًا؟ قال محمد: رويت كما ذكرْتَ إلا أنك نسيْتَ وحفظْتُ. فقال أبو يوسف: لم أنسَ، فتجادَلا.
ويحتمل أنَّ أبا يوسف ذكر له القياس والاستحسان، فحفظ محمَّد جواب الاستحسان وهو قضاء الأربع دون القياس.
ثم إنَّ محمَّدًا ذكر في رواية المسائل: محمَّد عن يعقوب عن أبي حنيفة باسم أبي يوسف حتى لا يكون وهم التَّسوية في التعظيم بين الشيخين؛ لأنّ الكنية للتعظيم، وكان محمَّد مأمورًا من جهة أبي يوسف بأن يذكره باسمه حيث كان يذكر أبا حنيفة.
فعن هذا قال مشايخنا: ومن الأدب أن لا يدعو بعض الطلبة بعضهم بلفظ مولانا عند أستاذهم؛ احترازًا عن التَّسوية في التعظيم بين الأستاذ والتلميذ، كذا ذكره الأَتْقاني في "شرح الهداية" في باب الأذان.
وفي "الخلاصة" نقلًا عن "شرح الشافي": لا يباح طلب القضاء بحال عند
стр. 395
أكثر العلماء، وإذا أعطي من غير طلب لم يحل له الشروع ما لم يُجبر عليه، وهذا قول الكَرْخي والخَصَّاف وعلماء العراق، وهو اختيار أبي حنيفة، فقد امتنع عنه حتى ضُرب أسواطًا، ومحمَّد أباه حتى قُيِّد نيّفًا وخمسين يومًا، انتهى] (١).
ولي قضاء الرَّقة لهارون الرشيد، فأقام بها مدَّة، ثم عزله عنها، ثم سار معه إلى الريِّ، فولي القضاء بها، فمات بها سنة تسع وثمانين ومئة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، في اليوم الذي مات فيه الكسائي. فقال الرشيد: دفن الفقه والعربية بالريِّ.
وقال: إنها بلدة شؤمة دخلتها ومعي الفقه والأدب، وخرجت وليس معي شيء.
[حكي أنَّه اجتمع الكسائي ومحمَّد بن الحسن يومًا في مجلس، فقال الكسائي: من تبحَّر في علم اهتدى إلى جميع العلوم. فقال له محمد: ما تقول فيمن سهى في سجود السَّهو، هل يسجد مرَّة أخرى؟ قال: لا يصحّ. قال: لماذا؟ قال: لأنَّ النُّحاة يقولون: التَّصغير لا يصغَّر. قال محمَّد: فما تقول في تعليق العتق بالملك، قال: لا يصح، قال: لماذا؟ قال: لأنَّ السيل لا يسبق المطر.
واعلم أنّ مسائل مذهبنا على ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: مسائل الأصول، وهي مسائل ظاهر الرِّواية، وهي مسائل "المبسوط" لمحمد، ولها نسخ، أشهرها وأظهرها (٢) نسخة أبي سليمان الجُوْزَجاني، ويقال له: الأصل.
ومسائل "الجامع الصغير"، ومسائل "الجامع الكبير"، و"السير" (٣)، و"الزيادات"، كلها تأليف محمَّد بن الحسن.
стр. 396
ولـ "المبسوط" نسخ أخرى، منها نسخة شيخ الإسلام أبي بكر المعروف بخواهَرْ زَادَه، وهو المراد إذا قيل: نسخة خَواهَرْ زَادَه. ويقال لها: "مبسوط شيخ الإسلام"، و"المبسوط البكري"، ومنها نسخة شمس الأئمة السَّرَخْسي، ونسخة شمس الأئمة الحَلْوَاني.
ومن مسائل ظاهر الرواية: مسائل "كتاب المنتقى" للحاكم الجليل الشهيد، وهو للمذهب أصل أيضًا بعد كتب محمَّد بن الحسن ولا يوجد في هذه الأعصار وفي هذه الأمصار.
و"كتاب الكافي" للحاكم الجليل أيضًا أصلٌ من أصول المذهب بعد كتب محمد، وقد شرحه المشايخ، منها شرح شمس الأئمة السَّرَخْسي، وشرح شيخ الإسلام علي القاضي الإِسْبِيْجابي.
والطبقة الثانية من مسائل المذاهب: هي مسائل غير ظاهر الرِّواية، وهي المسائل التي رويت عن الأئمَّة، لكن في غير الكتب المذكورة؛ إمَّا في كتب أخرى لمحمَّد كـ "الكيسانيَّات"، و"الرُّقيَّات"، و"الجُرْجَانيات"، و"الهارونيات"، وإنما سمِّيَتْ غير ظاهر الرِّواية؛ لأنها لم تشتهر عن محمَّد، ولم تروَ عنه بطرق كطرق الكتب الأولى. وإِمَّا في كتب غير محمَّد كـ"المجرد" للحسن بن زياد.
ومنها: كتب الأمالي، والإملاء: أن يقعد العالم وحوله جماعة التلامذة بالمحابر والقراطيس، فيتكلَّم العالم بما فتح الله تعالى عليه من العلم، وتكتب التلامذة (بما يتكلَّم مجلسًا مجلسًا) (١)، ثم يجمعون ما كتبوا، فيصير كتابًا ويسمَّى: الأمالي، وكان هذا عادة في أصحابنا المتقدِّمين.
стр. 397
ومنها: الروايات المتفرقة، كرواية ابن سماعة وغيره من أصحاب محمَّد وغيره من مسائل مخالفة للأصول، فإنها غير ظاهر الرواية، وتعد من النوادر، كما يقال: نوادر ابن سماعة، نوادر هشام، نوادر رستم وغيره.
الطبقة الثالثة: الفتاوى، وتسمى الواقعات: وهي مسائل استنبطها المتأخرون من أصحاب محمَّد وأصحاب أصحاب محمَّد ونحوهم، فمن بعدهم إلى انقراض عصر الاجتهاد في الواقعات التي لم توجد فيها رواية الأئمة الثلاثة.
وأول كتاب جمع فيه بما علم "النَّوازل"، فإنّه كتاب ألَّفه الفقيه أبو اللَّيث نصر بن محمَّد بن إبراهيم السَّمَرْقندي، المعروف بإمام الهدى، وجمع فيه فتاوى المتأخرين من مشايخه كمحمَّد بن مقاتل الرّازِي، ومحمَّد بن سلمة، ونصير بن يحيى، وذكر فيه اختياراته أيضًا، وهو أصل في الواقعات غير الأصول.
ثم جمع المشايخ فيه كتابًا كـ "مجموع النوازل"، و"الواقعات" للناطفي، والصَّدر الشَّهيد وغيره.
ثم جمع من بعدهم مِنَ المشايخ هذه الطبقات في فتاويهم مختلطة غير ممتازة، كما في "فتاوى قاضي خان"، و"كتاب الخلاصة"، وغيرها من كتب الفتاوى، وقد ميّز بعضهم كما في "كتاب المحيط" للشيخ الهمام رضي الدِّين السَّرَخْسي، فإنّه بدأ في كتابه "المحيط" هذا بمسائل الأصول أولًا، ثم النوادر، ثم الفتاوى، ولله دره، ونعم ما فعل.
قال القاضي ظهير الدِّين محمَّد بن أحمد البُخاري في "فتاواه"، في أوائل (١) كتاب العتاق: لو قال: عبيد أهل بَلْخ أحرار، ولم ينوِ عبده، أو قال: كل عبد في الأرض حرٌّ، أو قال: كل عبيد أهل الدنيا حرٌّ، أو كان مكان العتاق طلاق: اختلف المتقدِّمون والمتأخِّرون، أما المتقدمون: قال أبو يوسف في "نوادره": لا يعتق. وقال محمَّد في
стр. 398
"نوادر ابن سماعة": يعتق، (وأما المتأخرون: قال عصام بن يوسف: لا يعتق. وقال شداد: يعتق) (١) قال الصَّدر الشَّهيد: المختار للفتوى قول عصام.
وذكر القاضي ظهير الدِّين أيضًا في مقطعات (٢) الأيمان من "فتاواه": ذكر محمَّد في كثير من المواضع إن كانت الحقيقة مهجورة والمجاز متعارفًا فالعبرة للمجاز، ولم يذكر ماذا يريد من المتعارف، وقد اختلف المشايخ فيه، قال مشايخ بَلْخ: يريد به المتعارف بالتعامل، وقال مشايخ العراق: يريد به المتعارف بالتفاهم والأقوال، وقال مشايخ ما وراء النهر: ذكر محمَّد في "الجامع الصغير" مسألة تدل على ما قاله مشايخ العراق قول أبي حنيفة، وما قاله مشايخ بَلْخ قول أبي يوسف ومحمَّد.
وصورة تلك المسألة: إذا حلف لا يأكل لحمًا فأكل لحم آدمي أو خنزير حنث عند أبي حنيفة؛ لأنّه متعارف بالتفاهم والأقوال، وعندهما لا يحنث؛ لأنَّ التَّعامل لا يقع عليه] (٣).
* * *
[١١٠ - زفر (٤)]
زُفَرُ بن الهُذيل بن قَيْس البَصري، الإمام الجليل.
كان أبو حنيفة يبجِّله (٥) ويجلّه ويفضِّله (٦)، ويقول: هو أقيس أصحابي.
стр. 399
قال الحسن بن زياد: إنَّ المقدم في مجلس الإمام كان زفر، وقلوب الأصحاب أميل إليه.
وعن سليمان العطار: كنت أجالس الإمام، فتزوَّج زُفَرُ، ودعا الإمام إلى عرسه، فالتمس منه أن يخطب، فقال في خطبته: هذا زُفَرُ بن الهُذَيل إمامٌ من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامهم، في شرفه وحسبه وعلمه.
قال أبو نعيم: كان ثقة مأمونًا، دخل البصرة (في ميراث أخيه، فتشبث به أهل البصرة، فمنعوه الخروج منها.
تولى قضاء البصرة) (١) ومات بالبصرة سنة ثمان وخمسين ومئة، وكان مولده سنة عشرة ومئة، ومات وهو ابن ثمان وأربعين سنة.
وعن مليح بن وكيع: أنه (٢) لما احتضر دخل عليه أبو يوسف فقال له: أوصِ. فقال: هذا المتاع لزوجتي، وهذه ثلاثة آلاف درهم لولد أخي، وليس لي على أحد، ولا لأحد عليّ شيءٌ.
وكان هذيل أبوه واليًا على البصرة، ومات وهو والٍ عليها.
(وعن داود الطائي قال: كان أبو يوسف وزفر رحمهما الله يتناظران في الفقه، وكان زفر جيد اللسان، وكان أبو يوسف مضطربًا في مناظرته، فربما سمعْتَ زفر يقول لأبي يوسف: أين تفرُّ؟ هذه أبواب كثيرة مفتتحة، خذ في أيها شئت.
وعن أبي عاصم الضحَّاك يقول: سمعت زفر يقول: ما خالفت أبا حنيفة في قول إلا وقد كان أبو حنيفة يقول به، ثم رجع) (٣).
стр. 400
واعلم أنَّ مشايخنا قالوا: إذا كان أبو حنيفة في جانب، وأبو يوسف ومحمَّد في جانب، فالمفتي بالخيار إن شاء أخذ بقوله، وإن شاء أخذ بقولهما.
وفي "الخلاصة" نقلًا عن الأقضية، عن عبد الله بن المبارك: ينبغي أن يأخذ بقول أبي حنيفة، وإن كان أحدهما مع أبي حنيفة يأخذ بقولهما البتَّة، إلا إذا اصطلح المشايخ على الأخذ بقول ذلك الواحد فيتبع اصطلاحهم.
[كما اختار الفقيه أبو اللَّيث قولَ زفر في قعود المريض للصلاة أنه يقعد كما يقعد المصلي في التشهد؛ لأنّه أيسر على المريض، وإن كان قول أصحابنا أنّه يقعد المريض في حال القيام متربعًا أو محتبيًا؛ ليكون فرقًا بين القعدة والقعود.
كما أفتى الصَّدر الشَّهيد بقول زفر حيث قال في "واقعاته": الوكيل بالتقاضي أو بالخصومة ليس له أن يقبض الدِّين في زماننا؛ لأنّ الخيانة ظهرت فيما بين الناس، وعند الأئمة الثلاثة الوكيل بالخصومة وكيل بالقبض، والفتوى اليوم على قول زفر؛ لظهور الخيانة في الوكلاء، كما في "الهداية" وغيرها.
وكما أفتى علماء الأمصار في صحة وقف النُّقود بقول زفر على رواية الأنصاري عنه، وعمل عليها الولاةُ والحكَّام؛ لإتمام وجوه الخيرات الحسان، وانتظام مصالح المحتاجين من أبناء الزمان.
وذكر في الباب الأول من كتاب الحوالة من "جواهر الفتاوى": رجل باع من آخر شيئًا، فأحال بالثمن على آخر، ثم تقايلا البيع، أو رد المبيع بعيب، فإنّه لا تبطل الحوالة، ولو استحق المبيع تبطل عند علمائنا الثلاثة، وعند زفر تبطل الحوالة في جميع الوجوه.
حكى أنّ الصَّدر الشَّهيد ركن الدِّين أبا الفضل عبد الرَّحمن بن محمَّد الكَرْماني،
стр. 401
لما دخل بخارى سئل عنه فيما إذا ردَّ المبيع، فقال: تبطل الحوالة، وكتب الفتوى على ذلك، ثم رجع المستفتي فقبل أن يتكلَّم المستفتي بشيء عرف أنَّه رجع ليتكلَّم بشيء، قال: أنا مجتهد، واختياري في هذه المسألة قول زفر.
وذكر العلَّامة المولى الشهير بابن كمال باشا في كتاب الكفالة في "الإصلاح والإيضاح" وإن شرط تسليمه في مجلس القاضي وسلَّم في السوق أو في مصر آخر برئ. وقال زفر: إذا سلَّمه في السوق سواء كان ذلك في المصر أو في مصر آخر لا يبرأ، وبه يفتى في زماننا؛ لتهاون الناس في إقامة الحق (١).
روي أنّ المولى الفاضل محمَّد بن أرمغان -الشهير بيَكَان، وكان انتهت إليه رياسة الفتوى وصدارة العلماء بعد المولى شمس الدِّين الفَنَاري (٢) في دولة السُّلطان مراد بن محمَّد خان- حكم بقضية وهو قاض ببروسا المحروسة، فأنكر ذلك الحكم أولاد الفَنَاري، وهم كانوا يبغضونه بأمر -سنذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته-. وقالوا: حكمك هذا مخالف لأقوال الأئمة الثلاثة. فقال المولى يَكَان: إني حكمْتُ في هذه القضية بمذهب زفر لمصلحة اقتضته، فسكتوا فلم يقدروا على إلزامه، حكاه صاحب "الشقائق"، ولكن لم يبين المسألة ما هي.
وأفتى شيخ الإسلام أبو السعود العمادي في القسامة بقول أبي يوسف، واختار في مسألة النذر لفقراء مكة بقول زفر، ورأيت صورتها، ونقلْتُ عنه ما زبرته أنامله الشريفة، وهي هذه:
طائفه كفره اجاره ايله تصرف ايتدكلري ميخانه لرده قتل واقع اولوب قاتل بولنمايجق وسنجاق صوباشيلري زنجير ومحبوسلري ايله بر قريه يه كلوب جبر ايله
стр. 402
بر اوه قنوب صاحبني جقاروب كيجه محبوسلرك بعض اول اوده مصلوب ياخود مقتول بولنوب ايدن معلوم اولمايجق ديت كيمه دوشر ديو جوق إستفسار اولنوب بونك كبيلرده إمام أعظم قاتنده اول موضع ملك ايسه ديت مالكنه دوشر، وقف ايسه وقف جانبنه دوشر؛ إمام أبو يوسف قتنده تصرف ايدنه دوشر حتى قونق قوندغي أوده مقتول بولنوب قاتل بلنمسه أو مستقلًا قونق اتنده اولوب صاحب بيله ساكن اولما يجق صاحبنه ديت و قسامه لازم اولمزن بو مقوله لرده ملك صاحبنك ووقف جانبنك علاقاسي اولميوب آخر يرده ايكن ديت انلره تحميل اولنوب إمام أعظم قولي ايله عمل اولنمق متصرف اولنلرك حفظنده تقصير لرينه ومساهله لرينه مؤدى اولوب إمام أبو يوسف قولنه عمل أولنوب ديت متصرف اولنلره تحميل اولنجق انلرك حفظ وحراستلرنده زياده اهتماملرينه باعث أولما غله دفع فساد أنسب كوريلوب عتبه عليايه عرض اولندي بوخصوصده حضرت إمام أبو يوسف ﵀ قولي ايله عمل اولنه ديو أمر اولندي. في تاسع ربيع الأول سنة سبع وخمسين وتسعمئة واليوم عمل القضاة على هذا.
وصورة الفتوى الثانية:
بعد الموت تركه سندن قدر معيني فقراء مكه يه وصيت ايدن هنده بو مسألة اعلام اولونسه كه رجل نذر لفقراء مكة جاز التصرف إلى فقراء غيرها. لأنّ المقصود التقرب إلى الله تعالى بدفع حاجة الفقير. فلا يدخل فيه بخصوص المكان، قال الفقيه أبو الليث وهو قول علمائنا الثلاثة، وقال زفر لا يجوز التصدق إلا بمكة، انتهى. زيد ويا هند مسألة مذكورة معلوم ايدو كده ديسه كه بوندن أقدم بندن نذر واقع اولوب أئمة ثلاثة قولن التزام ايتمدم كه غير فقرايه جائز اولا مسألة نذر هنوز واقع اولدي مبتلا مخيردر. بوخصوص نذرده إمام زفر قولنه تقليد ايدرين خصوصًا كه
стр. 403
حسن بصري دن امام نووي روايت ايدركه قال ﷺ في حديث طويل. "كل حسنة فعلها العبد في الحرم بمئة ألف حسنة بغيرها وكل أعمال البر فيها كل واحد بمئة ألف. . ." (١) الحديث، بس ذكر اولنان فضائل محصل اولمز إلّا مكة ده بوحديث شريفه بناءً قول زفري اختيار ايتدم ديسه بو تقديرجه البتة مكة ده شرفها الله شرطي منوالنجه تصدق إيجاب ايدردي؟ الجواب: الله أعلم بو بابده إمام زفرك رأى حقيق ورزين وفكري فكر دقيق و رصين در هند اصابت ايلمش در تقبل الله حسناتها وضاعف أجور مبراتها (٢). بوعبد منيب وعاقل أريبك مرضي ومختاري بودر ولاة إسلامية نك جميعنه لائق بودركه بو بابده إمام زفر قوله ايله عملي نفسلرينك اوزرينه إيجاب ايدوب حرمين شريفني سائر بلاد وأمصار كبي كورميه لر؛ والله المستعان كتبه أبو السعود الحقير.
وفي "جواهر الفتاوى" نقلًا عن أبي محمد بن نصر المَرْوَزِي قال: والمبتلى بالمسألة الحادثة إذا أخبره عالم زمانه بأقاويل الصحابة لم يسع للجاهل أن يختار قول واحد منهم؛ لأنَّ أقاويل الصحابة أخبار، وأقاويل أهل زمانه ثابتة، وليس إلى الجهَّال قبول الأخبار (٣)، واختيارها إنما يلزمهم ما يختار عالم زمانهم.
فإن قيل: أليس الاختلاف رحمة؟ قلنا: لا على الإطلاق؛ إذ لو كان على الإطلاق لأدَّى إلى أنَّ الشيء الواحد في ساعة واحدة على شخص واحد حلال وحرام وجائز
стр. 404
وفاسد ومكروه ومباح، وفي هذا تناقض، وإن التناقض منفي عن أحكام الله تعالى، فثبت أنَّ إجراء هذا اللفظ لو ثبت في أصله إنما كان في الفروع ممن هو (١) أهل الاجتهاد، وأما في حقِّ من ليس من أهل الاجتهاد فإنما يتابع من هو أعلم منه.
قال الصَّدر السَّعيد أبو المفاخر الكَرْماني صاحب "جواهر الفتاوى" بعد نقل مسألة المبتلى: قلْتُ: وتمام الكلام في "فتاوى الكرخي" فليراجع إليه، وفي "التقرير" لابن أمير حاج في شرح "التحرير" لابن الهمام: قالوا: المفتى على مذهب إذا أفتى بكون الشيء واجبًا أو مباحًا أو حرامًا ليس له أن يقلِّد ويفتي بخلافه، لأنّه محضُ تشهي.
ونقل (٢) الصَّدر السَّعيد الكَرْماني في "جواهر الفتاوى" من كتاب فتاوى الحاوي: حكي أنَّ رجلًا من أصحاب الجماعة خطب إلى رجل من أصحاب الحديث ابنته في عهد الشَّيخ أبي بكر الجَوْزَجاني -وهو تلميذ أبي سليمان الجُوْزَجاني، صاحب "المبسوط" تلميذ الإمام محمَّد، أستاذ إمام الهدى أبي منصور الماتريدي- فأبى الرجل أن يزوِّجه إلا أن يترك مذهبه بمذهب أصحاب الحديث؛ فيقرأ خلف الإمام، ويرفع يديه عند الانحطاط، ونحو ذلك، فأجابه إلى ذلك، فزوَّجه.
فقال الشَّيخ في مجلس العامة بعد ما سئل عن هذه الحادثة وبعد ما أطرق رأسه وسكت: النكاح جائز، ولكن أخاف على هذا الرجل أن يذهب إيمانه وقت النَّزع. قيل له: ولماذا؟ قال: لأنَّه استخفَّ بمذهبه الذي هو حقٌّ عنده وتركه لأجل تزوج امرأة، وأخذ مذهبًا هو عنده ليس بحقٍّ، أفلا أخاف على دينه لاستخفاف مذهبه؟!
ولو أن رجلًا من أهل الاجتهاد برئ من مذهبه في مسألة أو أكثر منها لما وضح له في ذلك من الكتاب أو السنة أو غيرهما من الحجج لم يكن ملومًا أو
стр. 405
مذمومًا، بل كان مأجورًا أو محمودًا، وهو في سَعة منه، وهكذا كان أفعال الأئمة.
فأما الذي لم يكن من أهل الاجتهاد فانتقل من قول إلى قول من غير دليل، لكن بما يرغب في عرض الدنيا وشهوتها فهو مذموم آثم مستوجب للتأديب والتعزير؛ لارتكابه المنكر في الدين، واستخفافه بدينه ومذهبه، حتى حكي أنّ رجلًا عند الشَّيخ أبي حفص الكبير ترك مذهبه، وكان يقرأ خلف إمامه ويرفع يديه عند الركوع ونحوه، فأخبر الشَّيخ بذلك فغضب به وعنَّفه، وأمر السُّلطان حتى أمر الجلاد بأن يضربه بالسياط، حتى دخل ناس كثير على الشَّيخ وتشفَّعوا إليه وتاب، وأدخلوه عليه، فعرض عليه ما يجب عرضه من باب الدِّين، ثم خلى سبيله.
قال الشَّيخ أبو (١) عبد الرَّحمن ابن أبي الليث في بعض تصانيفه: ومن الواجب على طالب العلم أن لا يكون ذا وجهين ولسانين: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] فلو أكل لحم نفسه خيرٌ له من أن يأكل بدينه.
وفي "خلاصة الفتاوى" في الفصل الرابع من كتاب الوقف: وعن الأنصاري -وكان من أصحاب زفر ﵀ فيمن وقف الدراهم أو الطعام، أو ما يكال، أو ما يوزن، أيجوز ذلك؟ قال: نعم. قيل: كيف؟ قال: يدفع الدراهم مضاربة، ثم يتصدَّق بفضلها في الوجه الذي وقف عليه، وما يكال ويوزن يباع (٢) فيدفع ثمنه مضاربة أو بضاعة كالدَّارهم، انتهى] (٣).
ومن تلامذة زفر رحمه الله تعالى: محمَّد بن عبد الله الأنصاري، وخلف بن أيوب، وعصام بن يوسف، وأخذ الفقه عنه هلال الرأي، وهو أخذ عن أبي يوسف
стр. 406
بعد زفر، (وخلف كان بعد زفر) (١) من أصحاب محمد، وتفقه على أبي يوسف أيضًا.
* * *
[١١١ - الحسن بن زياد (٢)]
الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي الأنصاري، رحمه الله تعالى، صاحب الإمام.
وكان يقظًا فطنًا فقيهًا نبيهًا ورعًا نزيهًا. وعن يحيى بن آدم: ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد.
ولي القضاء بالكوفة بعد حفص بن غياث في سنة أربع وتسعين ومئة، ثم استعفى.
وكان محبًّا للسنة واتباعها، يحكى أنَّه كان يكسوا مماليكه كما يكسو لنفسه اتباعًا لقول رسول الله ﷺ : "ألبسوهم مما تلبسون" (٣).
وكان يختلف إلى زفر وأبي يوسف، يروى عنه أنّه قال: أبو يوسف أوسع صدرًا للتعليم من زفر.
قيل: جمع الحسن اثني عشر ألف حديث يحتاج إليه الفقهاء، وروى عنه وأخذ محمَّد ابن سماعة، وكان محمَّد بن سماعة من أصحاب محمد، وأبي يوسف قد أخذ عنهما، ومحمَّد بن شجاع البَلْخِي، (وعلي الرَّازي، وعمرو بن مهير والد أبي بكر الخَصَّاف) (٤).
стр. 407
وله "كتاب المجرد"، و"الأمالي"، وفي "المبسوط": صنف الحسن "المعاملات"، وله "كتاب الحج".
[وعن محمَّد بن عثمان: قدم الحسن بغداد، فجاءه أبو يوسف، فقال الحسن له: هل أحدثت تلميذًا؟ قال: نعم، بِشْرًا، فسأل الحسن (من بشر عن مسألة) (٥) فأخطأ، ثم عن ثانية فأخطأ، ثم عن ثالثة فأخطأ، فقال لأبي يوسف: نعمت الخليفة أفسدت، ارجع إلى الكوفة، ودم على الطعام الذي كنت عليه بالكوفة] (٦).
وعن علي بن صالح قال: كنا عند أبي يوسف وجاء الحسن، قال أبو يوسف لأصحابه: سلوه قبل أن يَسأل، وإلا لم تقدروا عليه، فلما قال الحسن: السَّلام عليكم، قال متصلًا: ما تقول في كذا؟ فرأيت أبا يوسف يلوي وجهه يمينًا وشمالًا من كثرة إدخالات الحسن عليه ورجوعه من جواب إلى جواب.
وعن الطَّحَاوِي: أنّ الحسن بن زياد والحسن بن أبي مالك ماتا في سنة أربع ومئتين، وفي هذه السنة مات الشَّافعي بمصر ﵀.
[قال العبَّاس النَّاطِفي في "أجناسه" في أمالي الحسن بن زياد: إن خرج ريح منتنة أو غير منتنة من قُبل المرأة لا وضوء عليها إلا أن تكون مفضاة، ففي الريح المنتنة وضوء، وفي غير المنتنة لا وضوء عليها، فإن خرج من ذكر الرجل لا وضوء عليه في الأحوال كلها، فإن كان في بطنه جائفة فخرج منها ريح لا وضوء عليه، ذكره في نوادر هشام.
وقال فيه أيضًا، وفي كتاب صلاة الحسن: إذا جهر المصلِّي وحده فيما يخافت
стр. 408
ساهيًا عليه السهو، ولو خافت فيما يجهر وهو يصلي وحده لا سهو عليه، فإن جهر بحرف فيما لا يجهر بالقراءة ساهيًا وهو يصلي بالقوم عليه سجدتا السهو في قول أبي حنيفة من غير خلاف، ذكره عن غيره. وقال هشام: صليت العصر خلف أبي يوسف فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ جهر بقدر هذا، فلما سلَّم سجد بنا سجدتي السهو، ذكره في صلاة الأثر.
قال الصَّدر الكبير محمود بن أحمد بن برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عمر في "المحيط البرهاني": وذكر الحسن في "المجرد" عن أبي حنيفة: أنَّه لا يفترض إيصال الماء إلى ما يوازي الذقن والخدين لكن يسن، وبعض مشايخنا قالوا: وكذلك إمرار الماء على ظاهر الشارب على الروايتين.
وذكر شمس الأئمة الحَلْوَاني: اتفقوا أنّ عليه أن يمس الماء شعر حاجبيه فيبلَّه بالماء، حتى إذا لم يصبه الماء لا يجوز، وإن لم يكن إيصال الماء إلى أصل المنابت على وجه الغسل شرطًا.
قال الصَّدر الكبير: وكذلك في الشارب عليه إيصال الماء إلى شاربه.
وقال رضي الدِّين محمَّد بن محمَّد السَّرَخْسي: ذكر الحسن عن أبي حنيفة أنَّه لا يجب غسل الشعر الذي يواري الذقن والخدين، وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأنّ الوجه اسم لما يواجه الناظر بكل حال، وهذا الشعر عارض يواجه الناظر إليه في حال دون حال، فلم يتناوله اسم الوجه كالنقاب.
وذكر في اختلاف زفر ويعقوب: عن أبي حنيفة أنَّه يجب غسل ثلثه أو ربعه، وأشار محمَّد ﵀ في "الأصل" إلى أنه يجب غسل كله، فإنّه قال: مواضع الوضوء ما ظهر منه، وهذا الشعر ظاهر منه، وهو الأصح؛ لأنّه قام مقام البشرة، فتحول فرض البشرة إليه كما في شعر الحاجبين.
стр. 409
وفي الفصل الثلاثين من فصول محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوشَني في أحكام الصبي، قال: ورأيت في حج غريب الرواية: روى الحسن عن زفر رحمهما الله في ابن عشر سنين إذا ارتدَّ ثم رمى صيدًا أو ذبح أنّه يؤكل ولا تصح ردته، وعند أبي يوسف لا يحل. قال الحسن: رجع أبو يوسف إلى قول زفر، كذا روى الحسن عن أبي يوسف. وعن أبي حنيفة أنّ إسلامه إسلام، وردته لا تكون ردة، قال: وهذا خلاف الظاهر.
وذكر فخر الإسلام علي البَزْدَوي في باب أهلية الأداء من أصول الفقه: ارتداد الصبي العاقل يصح عند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما الله تعالى، ولكن لا يُقتل؛ لأنّ القتل يجب بالمحاربة لا بعين الردَّة، ولم توجد، فأشبه ردَّة المرأة] (١).
* * *
[١١٢ - عبد الله بن المبارك (٢)]
أبو عبد الرَّحمن، عبد الله بن المبارك المَرْوَزِي، ﵀.
ولد سنة ثمانية عشر ومئة، وهو مولى رجل من بني حنظلة، وكانت أمه خُوَارزمية، وأبوه تركيًّا.
صاحَب الإمام، وأخذ عنه علمه، نظر إليه أبو حنيفة رحمهما الله، وسأل عن بدء أموره وطلبه في الفقه والزهد، قال: كنت جالسًا مع إخواني في بستان لنا، فأكلت وشربت إلى الليل، وكنت مولَعًا بضرب العود والطنبور، ونمت سحرًا، ورأيت في منامي طائرًا فوق رأسي على شجرة يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ
стр. 410
وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، قلت: بلى والله، وتركْتُ، وكسرْتُ العود والطنبور، وحرقْتُ ما كان عندي، فكان هذا أولَ زهدي.
[روى عنه عصام بن يوسف، وأبو سليمان.
في "الجواهر المضيّة": عصام بن يوسف بن ميمون بن قدامة، أبو عصمة البَلْخِي، يروي عن ابن المبارك، كان صاحب حديث.
وفي "الجواهر المضيّة" أيضًا: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك مثل الفضل بن موسى، ومحمَّد بن الحسن، ومحمَّد بن النضر، فقالوا: تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والشعر، والزهد، والفصاحة، والورع، والإنصاف، وقيام الليل، والعبادة، والسداد في الرواية، وقلة الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه، وكان كثيرًا ما يتمثل:
وإذا صاحبْتَ فاصحبْ ماجدا … ذا حياءٍ وعفافٍ وكرمْ
قائلًا للشيء لا إن قلْتَ لا … وإذا قلْتَ نعم قالَ نعم
روى له جماعة، وكان حجَّة ثقة مأمونًا] (١).
مات بهيت منصرفه من الغزو، سنة إحدى وثمانين ومئة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، صنف الكتب الكثيرة.
[قال الطحاوي: أنبأنا أحمد بن علي النَّيْسَابُوري، سمعت علي بن الحسن الرَّازي، حدثنا أبو سليمان، سمعت ابن المبارك يقول: سألت أبا حنيفة عن الرجل يبعث بزكاة ماله من بلد إلى بلد، فقال: لا بأس أن يبعثها من بلد إلى آخر لذي قرابة
стр. 411
منه. قال أبو سليمان: فحدثت (١) بها محمَّد بن الحسن، فكتب محمَّد بن الحسن عني، عن ابن المبارك، عن أبي حنيفة.
وفي "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في كتاب الهبة بعلامة النون: رجل قال لآخر على وجه المزاح: هب لي هذا الشيء، قال: وهبت، فقال الآخر: قبلت وسلم إليه جاز، لأنها هبة مستجمعة الشرائط، والدليل:] (٢) ما (٣) روي (عن عبد الله بن المبارك) (٤) أَنَّه مر بقوم يضربون الطنبور (فوقف عليهم) (٥) فقال: هبوا منِّي هذا حتى تروا كيف أضرب، فدفعوه إليه، فضرب به إلى الأرض وكسره. فقال: أرأيتم كيف أضرب، فقالوا: أيها الشَّيخ خدعتنا، قاله الإمام فخر الدِّين في "فتاواه"، وإنما قال لهم: هبوا احترازًا عن قول أبي حنيفة، فإنّ عنده كسر الملاهي يوجب الضمان، وهذا دليل على أن هبة المازح جائزة.
وقال في كتاب العارية في فصل المستعير فيه أيضًا: قال الفقيه أبو بكر البَلْخِي: رأيت عبدان المَرْوَزِي (٦)، قال: رأيت عبد الله بن المبارك يستمد من محبرة (٧) غيره ولا يستأذنه، وعن ابن المبارك أنّ رجلًا استأذنه أن يستمد من محبرته فقال: ما هذا الورع البارد؟!
стр. 412
وعن سفيان الثوري سئل عن هذا؟ فقال: هو مال غيره فليستأذنه، قال الفقيه أبو الليث: إن استأذنه فحسن، وإن لم يستأذنه ولكنه يعلم أنّه يريد أن يستمد من محبرته، فإن لم يأذن له ولم ينهه فلا بأس، ولو أنّه استمد منه من غير أن يتكلَّم ولا أشار إليه بشيء فلا أحبُّ له ذلك، إلا أن يكون بينهما انبساط فلا بأس به. إلى هنا من "قاضي خان".
وفي الباب الثالث والسبعين من "روضة الزَّنْدَوِيْستي": سمعت الفقيه الزاهد إبراهيم بن إسحاق يقول: إنّ مالك بن دينار نزل عند عبد الله بن المبارك، فأضافه ضيافة حسنة، فلما رأى الذهاب قال له عبد الله بن المبارك: يا شيخ هل رأيت فيَّ عيبًا؟ قال: نعم، ثلاثة؛ أولها: أنك تجلس على بساط من (١) ديباج، الثاني: رأيت كوة دارك منقشة، والثالث: قدمت إلينا مائدة فيها ألوان الأطعمة مثل طعام الملوك والجبابرة، وكان يكفينا القليل.
فقال عبد الله: إنّ هذه الدار ورثتها من أبي، وما نظرت إلى كوَّتها قط، فلا أعلم ما في الكوَّة، وأما الفراش فهي لأختي لا أريد أن أوذيها بترك الجلوس عليها، وأما الأطعمة فوالله لو كان لي الدنيا كلها وجعلتها لقمة وأدخلتها في فم الضيف الذي نزل بي من غير دعوة لكان أحبَّ إليّ من ألف رقبة أعتقها في سبيل الله تعالى، فأحسن كلامه مالك بن دينار، ودعا له بالبركة.
* * *
стр. 413
[١١٣ - وكيع بن الجراح (١)]
أبو سفيان (٢)، وَكِيعُ بن الجرَّاح بن مَلِيْح بن عَدِي الكوفي.
قيل: أصله من قرية نيسابور، وقيل من السُّغْد (٣).
أخذ العلم عن أبي حنيفة، وسمع من أبي يوسف وزفر، روى عنه ابن المبارك، ويحيى بن أكثم، وابن سعيد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي المدائني، وسمع منه وأخذ عنه يحيى بن أكثم.
ولد سنة سبع وعشرين ومئة، وقدم بغداد.
وقال يحيى بن أكثم: صحبته في السفر والحضر، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كلَّ ليلة، وكان لا ينام حتى يقرأ في كلِّ ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصَّل، ثم يجلس فيأخذ الاستغفار حتى يطلع الفجر، ثم يصلي ركعتين.
وعن محمَّد بن جرير قال: مكث وكيع بعَبَّادان (٤) أربعين ليلة، وختم القرآن أربعين مرة، وتصدَّق بأربعين ألف درهم، وقال: ما خطوت للدنيا منذ أربعين سنة، تصاحب وكيع مع حفص بن غياث، وحفص لما كان قاضيًا ما كلمه وكيع حتى مات سنة ثمان وستين ومئة، ذكره الكَرْدَري، (وكان يفتي بقول أبي حنيفة) (٥).
стр. 414
وعن يحيى بن معين قال: ما رأيت أفضل من وكيع. (قيل: ولا ابن المبارك؟) (١) قال: قد كان لابن المبارك فضلٌ، ولكن ما رأيتُ أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة، وكان يحيى بن سعيد القطان يفتي بقوله، أي: بقول أبي حنيفة، وكان يحيى سمع مالكًا، وابن عيينة، وشعبة، وكان أحمد بن حنبل يسأله عن الحديث وهو قائم على رجله، وكان لا يقول يحيى لأحد من السائلين عنه الحديث: اجلس، ولا هم يجلسون هيبة له وإعظامًا، وكان ثقة مأمونًا.
مات سنة ثمان وتسعين ومئة.
قال ابن قتيبة: كان وكيع بن الجراح من بني فارس بن كلاب، ويكنى أبا الجراح، وكان على بيت المال للمهدي شريكًا لمحمَّد بن علي بن مقدَّم، وتوفي في طريق مكة بعيد سنة سبع وتسعين ومئة.
* * *
[١١٤ - حفص بن غياث (٢)]
حَفْصُ بن غِياث بن طَلْقٍ، أبي عمر النَّخَعي الكُوفي.
أخذ الفقه عن الإمام، وسمع أبا يوسف والثوري.
وعنه أحمد بن حنبل، وابن معين، وعلي بن المَدِيْني، (٣) وعامَّة الكوفيين. وأخذ الفقه عنه داود بن رشيد.
стр. 415
ولَّاه الرشيد قضاء بغداد بالشرقية، فعدل في حكمه، جاء إليه المرزبان، وكان وكيل زبيدة لِدَيْن توجَّه لواحد من المسلمين وجلس، فأقامه حفص، وسوَّى مع الخصمين فشكى إلى زبيدة فألحَّت زبيدة على الرشيد حتى عزله، وولّى أبا يوسف مكانه، فجمع لأبي يوسف قضاء الجانب الغربي والجانب الشرقي ببغداد.
ثم ولّاه الكوفة، فمكث بها ثلاث عشرة سنة، ولما حضرته الوفاة أغمي عليه، قال ابنه: فبكيت على رأسه فأفاق وقال: ما يبكيك؟ فقلت لفراقك، وعلى ما كنت عليه من هذا الأمر، يعني القضاء، فقال: لا تبك، فإني ما حللت تكَّة (١) سروالي (٢) على حرامٍ قط، ولا تقدَّم إليَّ خصمان فباليت على من توجَّه عليه الحكم منهما.
وعن محمَّد بن حميد، قال: أُتى بعبد الله بن إدريس، ووكيع، وحفص إلى الرشيد ليوليهم القضاء، فلما دخل ابن إدريس قال: السَّلام عليكم، وطرح نفسه كأنه مفلوج، قال الرشيد: لا فضل في هذا، وأما وكيع (فرفع إصبعه ووضع) (٣) على عينيه وقال: ما أبصرت منذ سنة بهذا، وأراد إصبعه، فأعفاه؟ وأما حفص فقال: لولا دين وعيال ما وليت، قال: ما وليت القضاء حتى حلَّت لي الميتة.
ويوم مات لم يخلِّف درهمًا (وترك تسعمئة درهم دينًا) (٤)، وكان يقال: ختم به القضاء، وتوفي سنة أربع وتسعين ومئة، وجعل مكانه الحسن بن زياد اللؤلؤي.
وعن بشر بن الوليد: ولي حفص القضاء من غير مشورة أبي يوسف، قال: فاشتد عليه فقال لي وللحسن بن زياد: تتبَّعا قضاياه، فلما نظرا فيها وأخبرا أبا يوسف قال:
стр. 416
هذا من قضاء ابن أبي ليلى، ثم قال: تتبعا الشروط والسجلَّات، ففعلنا، فلما نظر قال: حفص ونظراؤه معاونون (١) بقيام الليل، وفي رواية: إنّ الله وفَّقه بصلاة الليل.
وعن ابن أبي شيبة: ولي القضاء بالكوفة ثلاث عشرة سنة، وببغداد سنتين.
* * *
١١٥ - يحيى بن زكريا بن أبي زائدة (٢)
وعن الطَّحاوي: كان من أصحاب أبي حنيفة الذين دوَّنوا الكتب أربعون رجلًا، فكان في العشرة المتقدمين أبو يوسف، وزفر، وداود الطائي، وأسد بن عمرو، ويوسف بن خالد التيمي، ويحيى بن زكريا، وابن أبي زائدة، وهو الذي كان يكتبها لهم ثلاثين سنة.
وروى عن يحيى بن زكريا: أسد بن الفرات، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وقتيبة، وأبو بكر بن أبي شيبة، والحسن بن عرفة.
وعن ابن معين أنَّه قال: انتهى العلم إلى ابن عباس في زمانه، ثم إلى الشعبي في زمانه، ثم إلى الثوري في زمانه، ثم إلى يحيى بن زكريا في زمانه، كذا في "الجواهر المضيّة".
ولّاه الرَّشيد قضاءَ المدينة، وقدم بغداد وحدَّث بها، وهو ممَّن جمع الفقه والحديث، وكان على قضاء المدائن ويعد من حفاظ الحديث وصاحب سنة. وعن عبد الرَّحمن الرَّازِي أنّه أول من صنف الكتب بالكوفة، وأنَّه في الحديث مثل العروس المعطَّرة.
стр. 417
وعن زياد بن أيوب: أنَّه كان على قضاء المدائن أربعة أشهر.
وأنه مات بالمدائن سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومئة، وهو قاض لهارون الرشيد، وهو ابن ثلاث وستين سنة، كذا في "مناقب حافظ الدِّين الكَرْدَري".
* * *
[١١٦ - أسد بن عمرو (١)]
أسد بن عَمْرو القاضي البَجلي الكوفي، صاحب الإمام أبي حنيفة.
سمع أبا حنيفة، وتفقَّه عليه، ووثقه يحيى، ولا يلتفت إلى من ضعفه.
وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل، وهو كافٍ في كونه ثقة.
وعن الإمام الصَّيْمَري بإسناده إلى أبي نعيم أنَّه قال: أول من (٢) كَتب كُتُب (٣) أبي حنيفة أسد بن عمرو، وتقدَّم النقل عن الطَّحَاوِي في حقه في يحيى بن زكريا قبيل هذا.
وعن الطَّحَاوِي أيضًا أنه قال: سمعت بكار بن قتيبة يقول: سمعت هلال بن يحيى الرائي يقول: كنت أطوف بالبيت، فرأيت هارون الرشيد يطوف مع الناس، ثم قصد الكعبة فدخل معه بنو عمه، فرأيت جميعًا قيامًا وهو قاعد، قال: ورأيت شيخًا قاعدًا أيضًا أمامه، فقلت لبعض من كان معي: من هذا الشيخ، فقال لي: أسد بن عَمْرو قاضيه، فعلمت أنَّه لا مرتبة بعد الخلافة أجلُّ من القضاء.
стр. 418
وروي أنَّ أسدًا تزوَّج بابنة هارون الرشيد وحجَّ معه مُعادِلًا له.
مات سنة ثمان وثمانين ومئة، وعن محمد بن سعد سنة تسعين ومئة كذا في "الجواهر المضيّة".
قال محمَّد بن محمَّد بن الشحنة في "شرح منظومة ابن وهبان" في آخر كتاب الكراهية:
وأفتوا بتحريمِ الحَشيشِ وحرقِهِ … وتطليق مُحْتَش لزجرٍ وقرَّروا
لبائِعه التَّأديب والفسق أثبتوا … وزندقة للمستحلِّ وحرَّروا
وكان لم يذكر الحشيش ابن وهبان في "منظومته"، وقال ابن الشحنة عجبت من المصنف لكونه لم يتعرض لحكم الحشيش، وهو غريب غير منقول (عن علمائنا المتقدمين ولا في كل كتبها، في النادر من تعرض لحكم الحشيش وهو غريب غير منقول) (١).
ذكره في "المبتغى" -بالغين المعجمة- في مسائل شتى، فقال: ويحرم أكل الحشيش، وهو ورَق القِنَّب، وقد اتَّفق مشايخنا ومشايخ الشَّافعي ﵏ على تحريم تناوله، وأفتوا بإحراقه، مع خطر قيمته، وأمروا بتأديب بائعه، والتَّشديد على أكله، فالآن فتوى المذهَبَيْن على تحريمه (٢)، حتى قال علماؤنا: من قال بحلِّه فهو زنديق مبتدع، وحكموا بإيقاع طلاق المحشش زجرًا كما في السكران، انتهى.
ثم إني رأيت بخط مجهول على ظهر كتاب، فذكر مسألة الحشيش، كما قال، ثم رأيت بخط ابن الصائغ، ولفظه: سئل شمس الأئمة الكَرْدَري عن الحشيش التي هي ورق القِنَّب، قال: لم ينقل عن أبي حنيفة ﵀ وأصحابه فيها شيء؛ لأنَّ أكلها
стр. 419
لم يظهر في زمانهم، فبقيَتْ على أصل الإباحة، كما في سائر النَّباتات، ولم يُؤْثَر عن السلف بعدهم شيء في حلِّها ولا في حرمتها، إلى زمن المُزَني حتى فشا أكلها وشاع تناولها، فأفتى المُزَنى بحرمتها على مذهب الشَّافعي.
وكان أوَّل ظهورها في عراق العرب والمُزَني ببغداد، فبلغ فتواه إلى القاضي أسد بن عَمْرو صاحب أبي حنيفة، وكان بعراق العجم، فقال: إنّه يباح؛ يعني: إذا لم يسكر، فلما عمَّت (١) بليتُه، وشملت الأماكن فتنتُه، اختار أئمة ما وراء النهر واتفقوا على ما أفتى به المُزني في حرمة أكله وحرمة تناوله، وأفتوا بإحراقها، وكان ثمنها خطيرًا، وجعلوا قيمتها هدرًا، وأمروا بتأديب بائعها.
وقال علماؤنا: من قال بحلِّها فهو زنديق مبتدع فاسق، وحكموا بوقوع طلاق آكل الحشيش إذا سكر منه زجرًا له، هكذا نقله الإمام حافظ الدِّين النَّسَفِي عن شمس الأئمة الكَرْدَري في "شرح التُّمُرْتاشي"، انتهى.
أقول: المزني وهو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، صحب الشَّافعي، وأخذ العلم عنه، وكان ناصر مذهبه، وله تصنيفات في مذهب الشَّافعي، نحو: "المبسوط"، و"المختصر"، و"المنثور" و"الترغيب"، و"كتاب الوثائق"، و"العقارب"، وغير ذلك.
وكان المزني والربيع رضيعين، ولد المزني سنة خمس وسبعين ومئة، ومات سنة أربع وستين ومئتين، ومات الشَّافعي سنة أربع ومئتين، وأخذ المزني والربيع عن الشَّافعي بمصر بعد موت مالك؛ لأنَّ الشَّافعي ارتحل إلى مصر بعد وفاة مالك كما تقدم ذكره، ومالك مات سنة ثلاث وتسعين ومئة، وأسد بن عَمْرو مات سنة ثمان
стр. 420
وثمانين، أو سنة تسعين ومئة، فكيف يمكن أن تبلغ فتوى المُزني بحرمة ورق القُنَّب إلى القاضي أسد بن عمرو؟!
ورأيت بعض واقعات الفتوى لشيخ الإسلام العلَّامة المولى الفاضل شمس الدِّين أحمد بن سليمان بن كمال باشا، فأردْتُ إيرادها في هذا المحل بعينها، وهي هذه:
اسرار حلال، ميدر، حرام ميدر؟ الجواب: حد سكره وارماينجه حرام اولماز كتبه أحمد.
وأخرى اسرارده حد سكر نه مرتبه در؟ الجواب تغيير وضع ايدوب هذيان سويلمكدر، كتبه أحمد.
[وأخرى اسراري كيفيت ايجون ييمك قليل وكثير شرعًا حلال اولورمي؟ الجواب حرام اولور كتبه أحمد.
وأخرى اسرارك أئمة حنفية قتنده شرح نقاية ده متأخرين قليلنك وكثيرنك حرمتنه فتوي ويرمشلردر حلنه فتوى ويرمك ابتداع وزندقه در ديو واقع اولان نقلك أصل وتوجيهي نه در ديو نقل ايله عمل اولنورمي؟ على التفصيل بيان بيوريله. الجواب: مزخرف كلماتدر أهل علم سوزي دكلدر إمام تيمورتاشيه افترا اتمش جهلا، وتعصبن إظهار اتمش در حشيش بنج در ديو اعتراف ايتدكدن صكره، اول هذيان سويليه بنجك إباحتنه تصريح جميع كتب أصولده وفروعده واردر أسد بن عمرو كه إمام أعظمك تلامذه سنده وأئمة حنيفة نك كبارندندر، حشيشك حلنه فتوى وير مشدر أهل إسلامدن اولان اكا زنديق ديمز، مكر كه عوامدن اولا زنديق نه ايدكن بلميه (١) كتبه أحمد.
стр. 421
أخرى زيد مطلقًا اسرار حرام ايسه عورتم اوج طلاق بوش اولسون ديسه عمرو حلال ايسه أوج طلاق عورتم بوش اولسون ديسه شرعا طلاق قنقي سنة واقع اولور؟ الجواب: ايكسنكده بوش، اولمز، كتبه أحمد.
وأخرى بر كشي اسراري كيفيت ايجون ييوب حلالدر ديسه. شرعًا نه لازم اولور؟ الجواب: استغفار لازم اولور، كتبه أحمد] (١).
* * *
[١١٧ - نُوح بن أبي مريم (٢)]
أبو عصمة المَرْوَزِي، نوح بن أبي مريم (٣)، الشهير (٤) بالجامع.
لأنه كان جامعًا بين العلوم، كان له أربع مجالس: مجلس الأثر، ومجلس (لأقاويل أبي حنيفة) (٥)، ومجلس النَّحو، ومجلس الشِّعر والأدب.
روى [عن] الزُّهري، وكان على قضاء مَرو في خلافة المنصور، وامتدت حياته، ولما استقضي على مَرو كتب إليه أبو حنيفة يعظه.
أخذ الفقه عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، والحديث عن ابن أَرْطاة، ذكره في "الجواهر المضيّة".
стр. 422
وعن الكَلْبي أخذ التفسير، وعن أبي إسحاق أخذ المغازي.
روى عنه نعيم بن حماد شيخ البُخاري.
يحكى عن أبي عصمة نوح الجامع أنَّه قال: كنْتُ أسأل الإمام عن مسائل القضاء والحكومة، فقال لي يومًا: يا نوح تدق باب القضاء، فلما رجعت إلى مرو لم ألبث حتى ابتليت بالقضاء، وكتبت إليه وأعلمته بذلك، وكتب إليَّ الإمامُ وقال: إنّ أبواب القضاء لا يدركها إلا العالم النِّحرير، الذي وقف على أصول علم الكتاب والسنَّة وأقاويل الأصحاب، (وكان ذا رأي نافذ وبصر) (١)، فإذا أشكل عليك شيء من ذلك فادخل إلى الكتاب والسنة والإجماع، فإن وجدت ذلك ظاهرًا فاعمل به، وإلا فرده إلى النظير واستشهد عليه الأصول، ثم اعمل بما كان إلى الأصول أقرب، وشاور أهل البصيرة والمعرفة؛ فإنَّ فيهم إن شاء الله تعالى ما لا تدركه أنت، ذكره الكَرْدَري في "المناقب".
وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" قال نوح بن مريم: يجوز تعجيل صدقة الفطر في النِّصف الأخير من رمضان، ولا يجوز فى النِّصف الأول، وقال الحسن بن زياد: لا يجوز تعجيلها، والصحيح أنَّه يجوز تعجيلها إذا دخل شهر رمضان، وهو اختيار أبي بكر محمَّد بن الفضل، وعليه الفتوى.
وفي فصل الطلاق بالكنايات من "فتاوى قاضي خان": حكي عن امرأة جاءت إلى أبي عصمة المَرْوَزِي، وقالت: إنَّ زوجي كلَّ يوم يأمرني بالطَّبخ، فقلتُ له يومًا: يا كَشْحان إلى متى أطبخ. فقال لي: إنْ كُنْتُ كَشْحان فأنت طالق. قال أبو عصمة: إن كان زوجك إذا سمع رجلًا يمد يده إليك بسوء ولا يبالي فهو كَشْحان، وإنْ لم يرضَ بذلك وضربك على ذلك فهو ليس بكَشْحان.
стр. 423
[١١٨ - أبو مطيع البَلْخِي (١)]
أبو مطيع البَلْخي، صاحب الإمام الحكم بن عبد الله بن سلمة بن عبد الرَّحمن القاضي الفقيه.
روى "كتاب الفقه الأكبر" عن الإمام، وروى عن ابن عون، وهشام بن حسان، ومالك بن أنس وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن سبع، وخلَّاد بن أسلم الصفار، وجماعة.
تفقَّه به أهل تلك الديار، وكان بصيرًا علّامة كبيرًا، وكان ابن المبارك يعظِّمه ويبجِّله لدينه وعلمه.
[وعن محمَّد بن فضل البَلْخِي قال: سمعت عبد الله بن محمَّد بن العابد، جاء كتاب الخليفة، وفيه لولي العهد: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]؛ ليقرأ، فسمع أبو مطيع فدخل على الوالي وقال: بَلَغَ مِنْ خَطَر الدنيا (أنّا نَكْفُر) (٢) بسببها، وكرَّر ذلك مرارًا حتى بكى الأمير، وقال: إني معك، ولكن اجترئ بالكلام فتكلَّم وكن مني آمنًا، وكان قاضيًا يومئذ، فذهب يوم الجمعة وارتقى المنبر ثم قال: يا معشر المسلمين، وأخذ بلحيته وبكى وقال: بلغ من خطر الدُّنيا أن تجرَّأ (٣) الكفر إلى هذا القائل من قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ في حق غير يحيى ﵇ فهو كافر. قال: فضج أهل المسجد ورفعوا أصواتهم بالبكاء، وهرب اللذان قدما بالكتاب] (٤)
стр. 424
ومن تفرداته: أنَّه كان يقول بفرضية التسبيحات الثلاث في الركوع والسجود.
وفي "الهداية": ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدناه؛ لقوله ﷺ : (إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدناه" (١)، أي: أدنى كمال الجمع.
وفي "معراج الدراية شرح الهداية" للإمام قوام الدِّين الكاكي (٢) أستاذ أكمل الدين: قوله: "وذلك أدناه" في رواية ابن مسعود. روى عتبة: أنه ﷺ يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا (٣). وقوله: "وذلك أدناه" ليس بمثبت في روايته، وإنما قال: "أدناه" لأنَّ الزيادة مستحبة.
[وفي بعض النُّسخ: أدنى كمال السنَّة، ولكن الأول أولى؛ لأنَّه موافق للفظ "المبسوطين"؛ فإنّه ذكر في "مبسوط السَّرَخْسي": لم يُرِدْ بهذا اللفظ أدنى الجواز، إنما المراد أدنى الكمال؛ لجواز الركوع والسجود بلا ذِكْر، إلا على قول أبي مطيع البَلْخِي، فإنَّ عنده الثلاث فرض، وفي "مبسوط شيخ الإسلام" يريد به: أدنى من حيث جمع العدد، فإن أقل العدد ثلاث، ثم المصنِّف جمع بين هذين اللفظين فقال: أدنى كمال الجمع.
وفي "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في كتاب الصلاة بعلامة النون] (٤): رجل يصلِّي التطوع في المسجد الجامع، والمساكين يمرون بين يديه، فصلاته تامة لا إثم عليه؛
стр. 425
لأنّه لم يباشر، والإثم على الذين يمرون؛ لأنهم باشروا المنهيَّ، حتى قال أبو مطيع: لا يحل للرجل أن يعطي سؤَّال المسجد؛ لأنَّ فيه وعيدًا، روى الحسن البصري: أنّه ينادي منادٍ يوم القيامة: ليقمْ بغيظُ الله، فيقوم يمشي (١) سؤال المسجد (٢)(٣).
والمختار أنَّه إذا كان السَّائل لا يتخطَّى رقاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلي، ولا يسأل إلحافًا، ولا يسأل إلا لأمر لابدَّ منه: فلا بأس بالسؤال والإعطاء؛ لأنّ السؤَّال كانوا يسألون على عهد النبيّ ﷺ في المسجد، حتى إنَّ عليًّا ﵁ تصدَّق بخاتمه وهو في الرُّكوع، فمدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] (٤).
وإن كان يتخطى رقاب الناس، ويمر بين يدي المصلِّي، ولا يبالي، يكره هذا، والتَّصدق على مثل هذا مكروه؛ لما قلنا. إلى هنا من "الواقعات".
[وفي "فتاوى قاضي خان" في كتاب الحظر والإباحة: امرأة تأكل القِنَّب وأشباه ذلك لأجل السمن، قال أبو مطيع: لا بأس به ما لم تأكل فوق الشبع، ويكره الأكل فوق الشبع، وكذا الرجل إذا أكل مقدار حاجته لإصلاح بدنه لا بأس به ما لم يأكل فوق الشبع.