← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أخرى زيد مطلقًا اسرار حرام ايسه عورتم اوج طلاق بوش اولسون ديسه عمرو حلال ايسه أوج طلاق عورتم بوش اولسون ديسه شرعا طلاق قنقي سنة واقع اولور؟ الجواب: ايكسنكده بوش، اولمز، كتبه أحمد. وأخرى بر كشي اسراري كيفيت ايجون ييوب حلالدر ديسه. شرعًا نه لازم اولور؟ الجواب: استغفار لازم اولور، كتبه أحمد] (١). * * * [١١٧ - نُوح بن أبي مريم (٢)] أبو عصمة المَرْوَزِي، نوح بن أبي مريم (٣)، الشهير (٤) بالجامع. لأنه كان جامعًا بين العلوم، كان له أربع مجالس: مجلس الأثر، ومجلس (لأقاويل أبي حنيفة) (٥)، ومجلس النَّحو، ومجلس الشِّعر والأدب. روى [عن] الزُّهري، وكان على قضاء مَرو في خلافة المنصور، وامتدت حياته، ولما استقضي على مَرو كتب إليه أبو حنيفة يعظه. أخذ الفقه عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، والحديث عن ابن أَرْطاة، ذكره في "الجواهر المضيّة".

стр. 422

وعن الكَلْبي أخذ التفسير، وعن أبي إسحاق أخذ المغازي. روى عنه نعيم بن حماد شيخ البُخاري. يحكى عن أبي عصمة نوح الجامع أنَّه قال: كنْتُ أسأل الإمام عن مسائل القضاء والحكومة، فقال لي يومًا: يا نوح تدق باب القضاء، فلما رجعت إلى مرو لم ألبث حتى ابتليت بالقضاء، وكتبت إليه وأعلمته بذلك، وكتب إليَّ الإمامُ وقال: إنّ أبواب القضاء لا يدركها إلا العالم النِّحرير، الذي وقف على أصول علم الكتاب والسنَّة وأقاويل الأصحاب، (وكان ذا رأي نافذ وبصر) (١)، فإذا أشكل عليك شيء من ذلك فادخل إلى الكتاب والسنة والإجماع، فإن وجدت ذلك ظاهرًا فاعمل به، وإلا فرده إلى النظير واستشهد عليه الأصول، ثم اعمل بما كان إلى الأصول أقرب، وشاور أهل البصيرة والمعرفة؛ فإنَّ فيهم إن شاء الله تعالى ما لا تدركه أنت، ذكره الكَرْدَري في "المناقب". وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" قال نوح بن مريم: يجوز تعجيل صدقة الفطر في النِّصف الأخير من رمضان، ولا يجوز فى النِّصف الأول، وقال الحسن بن زياد: لا يجوز تعجيلها، والصحيح أنَّه يجوز تعجيلها إذا دخل شهر رمضان، وهو اختيار أبي بكر محمَّد بن الفضل، وعليه الفتوى. وفي فصل الطلاق بالكنايات من "فتاوى قاضي خان": حكي عن امرأة جاءت إلى أبي عصمة المَرْوَزِي، وقالت: إنَّ زوجي كلَّ يوم يأمرني بالطَّبخ، فقلتُ له يومًا: يا كَشْحان إلى متى أطبخ. فقال لي: إنْ كُنْتُ كَشْحان فأنت طالق. قال أبو عصمة: إن كان زوجك إذا سمع رجلًا يمد يده إليك بسوء ولا يبالي فهو كَشْحان، وإنْ لم يرضَ بذلك وضربك على ذلك فهو ليس بكَشْحان.

стр. 423

[١١٨ - أبو مطيع البَلْخِي (١)] أبو مطيع البَلْخي، صاحب الإمام الحكم بن عبد الله بن سلمة بن عبد الرَّحمن القاضي الفقيه. روى "كتاب الفقه الأكبر" عن الإمام، وروى عن ابن عون، وهشام بن حسان، ومالك بن أنس وغيرهم. وروى عنه أحمد بن سبع، وخلَّاد بن أسلم الصفار، وجماعة. تفقَّه به أهل تلك الديار، وكان بصيرًا علّامة كبيرًا، وكان ابن المبارك يعظِّمه ويبجِّله لدينه وعلمه. [وعن محمَّد بن فضل البَلْخِي قال: سمعت عبد الله بن محمَّد بن العابد، جاء كتاب الخليفة، وفيه لولي العهد: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]؛ ليقرأ، فسمع أبو مطيع فدخل على الوالي وقال: بَلَغَ مِنْ خَطَر الدنيا (أنّا نَكْفُر) (٢) بسببها، وكرَّر ذلك مرارًا حتى بكى الأمير، وقال: إني معك، ولكن اجترئ بالكلام فتكلَّم وكن مني آمنًا، وكان قاضيًا يومئذ، فذهب يوم الجمعة وارتقى المنبر ثم قال: يا معشر المسلمين، وأخذ بلحيته وبكى وقال: بلغ من خطر الدُّنيا أن تجرَّأ (٣) الكفر إلى هذا القائل من قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ في حق غير يحيى ﵇ فهو كافر. قال: فضج أهل المسجد ورفعوا أصواتهم بالبكاء، وهرب اللذان قدما بالكتاب] (٤)

стр. 424

ومن تفرداته: أنَّه كان يقول بفرضية التسبيحات الثلاث في الركوع والسجود. وفي "الهداية": ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدناه؛ لقوله ﷺ : (إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدناه" (١)، أي: أدنى كمال الجمع. وفي "معراج الدراية شرح الهداية" للإمام قوام الدِّين الكاكي (٢) أستاذ أكمل الدين: قوله: "وذلك أدناه" في رواية ابن مسعود. روى عتبة: أنه ﷺ يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا (٣). وقوله: "وذلك أدناه" ليس بمثبت في روايته، وإنما قال: "أدناه" لأنَّ الزيادة مستحبة. [وفي بعض النُّسخ: أدنى كمال السنَّة، ولكن الأول أولى؛ لأنَّه موافق للفظ "المبسوطين"؛ فإنّه ذكر في "مبسوط السَّرَخْسي": لم يُرِدْ بهذا اللفظ أدنى الجواز، إنما المراد أدنى الكمال؛ لجواز الركوع والسجود بلا ذِكْر، إلا على قول أبي مطيع البَلْخِي، فإنَّ عنده الثلاث فرض، وفي "مبسوط شيخ الإسلام" يريد به: أدنى من حيث جمع العدد، فإن أقل العدد ثلاث، ثم المصنِّف جمع بين هذين اللفظين فقال: أدنى كمال الجمع. وفي "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في كتاب الصلاة بعلامة النون] (٤): رجل يصلِّي التطوع في المسجد الجامع، والمساكين يمرون بين يديه، فصلاته تامة لا إثم عليه؛

стр. 425

لأنّه لم يباشر، والإثم على الذين يمرون؛ لأنهم باشروا المنهيَّ، حتى قال أبو مطيع: لا يحل للرجل أن يعطي سؤَّال المسجد؛ لأنَّ فيه وعيدًا، روى الحسن البصري: أنّه ينادي منادٍ يوم القيامة: ليقمْ بغيظُ الله، فيقوم يمشي (١) سؤال المسجد (٢) (٣). والمختار أنَّه إذا كان السَّائل لا يتخطَّى رقاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلي، ولا يسأل إلحافًا، ولا يسأل إلا لأمر لابدَّ منه: فلا بأس بالسؤال والإعطاء؛ لأنّ السؤَّال كانوا يسألون على عهد النبيّ ﷺ في المسجد، حتى إنَّ عليًّا ﵁ تصدَّق بخاتمه وهو في الرُّكوع، فمدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] (٤). وإن كان يتخطى رقاب الناس، ويمر بين يدي المصلِّي، ولا يبالي، يكره هذا، والتَّصدق على مثل هذا مكروه؛ لما قلنا. إلى هنا من "الواقعات". [وفي "فتاوى قاضي خان" في كتاب الحظر والإباحة: امرأة تأكل القِنَّب وأشباه ذلك لأجل السمن، قال أبو مطيع: لا بأس به ما لم تأكل فوق الشبع، ويكره الأكل فوق الشبع، وكذا الرجل إذا أكل مقدار حاجته لإصلاح بدنه لا بأس به ما لم يأكل فوق الشبع.

стр. 426

وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل (١) مسائل اللبس من كتاب الأيمان، قال: وفي فتاوى أبي الليث: رجل قال لامرأته بالفارسية: اكَر رشته توبتن من مى آيد أو قال: بتن من برآيد. كذا فوضع يده على غزلها أو خاط ثوبًا منه لا يحنث، وحكي عن أبي مطيع ﵀ أنه سئل عن هذا في آخر عمره، فأومأ برأسه أن لا يقع الطلاق، قال أبو الليث هذا دليل على أنَّ المفتي إذا سئل عن مسألة فحرَّك رأسه بالجواب بلا أو بنعم يؤخذ بذلك، بخلاف الوصية] (٢). * * * ١١٩ - يوسف بن خالد السَّمْتي (٣) صاحب الإمام. وعن الصَّيْمَري: أنَّه كان قديم الصحبة لأبي حنيفة، كثيرَ الأخذ عنه. روى عنه هلال بن يحيى. وعن الطَّحَاوِي أنّه قال: سمعت المزني يقول: سمعت الشَّافعي يقول: كان يوسف بن خالد رجلًا من الخيار. مات سنة تسع وثمانين ومئة في رجب. في "فتاوى قاضي خان" في مسائل الشرطة من كتاب الوقف: رجل قال: أرضي هذه موقوفة صدقة لله تعالى أبدًا على أن أبيعها، فاشترى بثمنها أرضًا أخرى، فتكون وقفًا

стр. 427

على شرطه الأول، قال هلال: وهو قول أبي يوسف؛ الوقف (١) والشرط جائزان. وقال (٢) يوسف بن خالد السَّمْتي: الوقف صحيح والشَّرط باطل، وقال بعضهم: هما فاسدان. والصَّحيح قول هلال وأبي يوسف؛ لأنَّ هذا شرط لا يبطل حكم الوقف، لأنَّ الوقف مما يحتمل الانتقال من أرض إلى أرض أخرى، ويكون الثاني قائم مقام الأول، فإنَّ أرض الوقف إذا غصبها غاصب وأجرى عليها الماء حتى صار بحرًا لا يصلح للزراعة يضمن قيمتها، ويشتري بقيمتها أرضًا أخرى، فتكون الثانية وقفًا على الوجه الأول، انتهى. * * * [١٢٠ - حمَّاد بن أبي حنيفة (٣)] حمَّاد بن نعمان الإمام أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى. تفقَّه على أبيه أبي حنيفة، وأفتى في زمنه، وتفقَّه عليه ابنه إسماعيل بن حمَّاد. وهو من طبقة أبي يوسف ومحمَّد وزفر والحسن بن زياد. وكان الغالب عليه الورع والزهد، لَمَّا توفي أبوه أبو حنيفة كان عنده ودائع كثيرة من ذهب وفضة وغير ذلك، وكان أربابها غائبين، فحملها ابنه حمَّاد إلى القاضي ليتسلمها منه، فقال له القاضي: ما نقبلها منك، ولا نخرجها (٤) من يدك، فإنك أهلٌ لها وموضعها،

стр. 428

فقال له حمَّاد: زنها واقبضها حتى تبرأ ذمة أبي حنيفة، ثم افعل ما بدا لك، ففعل القاضي ذلك، وبقي في وزنها أيامًا، فلما كمل وزنها استتر حمَّاد، فلم يظهر حتى دفعها القاضي إلى أربابها، فلما بلغ ذلك حمَّادًا ظهر للناس. كذا في "الجواهر المضية". واستُقضي حماد على الكوفة بعد القاسم بن معن، ثم على بغداد كلها، ثم على البصرة، فلم يزل على ذلك حتى أصابه الفالج، فاستأذن بالانصراف، فأذن له. * * * [١٢١ - القاسم بن معن (١)] القاسم بن معن (٢) بن عبد الرحمن الهذلي الكوفي. ولي القضاء بالكوفة بعد شريك بن عبد الله، وهو أحد من قال لهم أبو حنيفة: أنتم مسار قلبي، وجلاء حزني. وكان إمامًا في العربية، وكان صاحب شعر، وكان رجلًا عاقلًا. وعن الصَّيْمَري أنه قال: هو مع تقدمه في الفقه وتبحره في الفقه إمام في العربية مقدَّم. مات سنة خمس وسبعين ومئة. روى له أصحاب السنن، وكان لا يأخذ على القضاء أجرة، وأخذ عنه العربية محمَّد بن الحسن.

стр. 429

وعن أبي عمران قيل له: أنت إمام في العربية، وإمام في الفقه، فأيهما أوسع؟ فقال: والله كتاب واحد لأبي حنيفة أكثر من العربية كلِّها. مات سنة خمس وسبعين ومئة رحمه الله تعالى. * * * قلب الكتيبة الأولى قال الإمام القُشَيْري ﵀: اعلموا أنَّ المسلمين بعد رسول الله ﷺ لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول ﷺ ؛ إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم: الصحابة، ولما أدركهم أهل (١) العصر الثاني سُمي من صحب الصحابة: التَّابعين، ورأوا ذلك أشرف اسمه، ثم قيل لمن بعدهم: أتباع التابعين. ثم اختلف الناس وتباينت المراتب؛ فقيل لخواص (٢) الناس ممن لهم نبذة عناية بأمر الدِّين: الزُّهاد والعبَّاد، ثم ظهرت البدعة وحصل التَّداعي بين الفِرق، فكل فريق ادعوا أنَّ فيهم زهَّادًا، فانفرد خواصُّ أهل السنة، المراعون أنفسهم مع الله، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة، باسم: التصوُّف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المئتين من الهجرة. * * *

стр. 430

[١٢٢ - أبو هاشم الكوفي (١)] وأول من تلقَّب بالصوفي أبو هاشم الصوفي الكوفي، وكان أبو هاشم يُشتهر بكنيته. وعن (٢) سفيان الثوري أنّه قال: لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرِّياء. [ورأيت في "نفحات الأنس" قال المولى الشَّيخ العارف بالله عبد الرَّحمن الجامي: بيش از ابو هاشم صوفي بزركَان بودند در زهد وورع ومعاملت نيكو در طريق توكل وطريق محبت. ليكن اول كسي كه وي را صوفي خواندند وي بود، و بيش از وي كسي را باين نام نخوانده بودند، وهمجنين اول خانقاهي كه براي صوفيان بنا كردند آنست كه برمله ثام كردند] (٣). وعن أبي هاشم الصوفي أنّه قال: لَقدح الجبال بالإبر أيسر من إخراج الكبر من القلوب. وذكر الشَّيخ العارف بالله خواجه محمَّد بارسا في "فصل الخطاب": أنَّ كبراء الدِّين والمقلِّدين لأهل اليقين مشايخ الطريقة (٤)، وهم المتيقظون العارفون النَّاجون، السالكون مسالك الشَّريعة والطريقة وإمام أئمة الدين، هادي دعاة المسلمين، الإمام رفيع المقام حجَّة الإسلام أبو حامد محمَّد بن محمَّد بن أحمد الغزالي قدَّس الله تعالى روحه، ونوَّر ضريحه.

стр. 431

ذكر في كتابه "المنقذ من الضلال" (١) بعد ذكر مبادئ أحواله: وانكشف لي في أثناء (٢) هذه الخلوات أمورٌ لا يمكن إحصاؤها ولا استقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به، أني علمت يقينًا أنّ الصوفية هم السَّالكون لطريق الله تعالى خاصَّة، وأن سيرتهم أحسن السِّير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئًا من سيرهم وأخلاقهم ويبدِّلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلًا، فإنّ جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من مشكاة النبوة، وليس وراء النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به. وبالجملة: فماذا يقول القائلون في طريقةٍ أول شرطيتها تطهير القلوب بالكليَّة عمَّا سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري فيها مجرى التَّحريم من الصلاة استغراق القلب بذكر الله تعالى، وآخرها الفناء بالكليَّة في الله ، وهم الذين لا يشقى جليسهم. وفي "نفحات الأنس": عن أبي عبد الله بن خفيف الصوفي: الصوفي من استصفاه الحق لنفسه توددًا، والفقير من استصفى نفسه في فقره تقربًا. وقيل: الصُّوفي: هو الخارج عن النُّعوت والرُّسوم. والفقير: هو الفاقد للأشياء. وعن أبي العبَّاس النهاوندي: الفقر بداية التصوف. قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب": كان الجنيد كثيرًا ما ينشد: علمُ التَّصوفِ علمُ ليسَ يعرِفُه … إلا أخو فِطنة بالحقِّ مَعروفُ وليسَ يعرفُه مَنْ ليسَ يشهدُهُ … وكيفَ يشهدُ ضوءَ الشَّمس مكفوفُ

стр. 432

[وقد أنشد بعض الحكماء في معنى ذلك العلمُ علمان فمصنوعٌ ومجموعٌ … ولا ينفعُ مجموعٌ إذا لم يكُ مصنوعُ] (١) وقد كان الحسن يقول: إنّ الله تعالى لا يعبأ بصاحب رواية -إنما يعبأ بصاحب فهم ودراية. فالعالم هو الذي يدعو الناس إلى مثل حاله، حتى يكونوا مثله كما كان ذو (٢) النون يقول: جالس من يكلِّمك عمله لا من يكلِّمك لسانه. وقال الحسن: عظ النَّاس بفعلك، ولا تعظهم بقولك. ومعنى ذلك روي عن رسول الله ﷺ ، وقيل له ﷺ : أيُّ جلسائنا خير؟ قال: ﷺ "من ذكَّركم بالله تعالى رؤيته، وزاد في عملكم منطقه، وذكَّركم بالآخرة عمله" (٣). [قال أبو علي الرُّوْذْبَاري: فضل المقال على الفعال منقصة، وفضل الفعال على المقال مكرمة. وفي نفحات الأنس للشيخ العارف بالله المولى عبد الرَّحمن الجامي مرتعش كَويد كه ابو عبد الله حضرمي را از تصوف سوال كردم و بيست سال بود كه سخن نكَفته بود، مرا از قرآن جواب كَفت كَفت ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] كَفتم: صفت ايشان جونست؟ كفت: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] كَفتم: محل ايشان از احوال كجاست؟ كَفت: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] كَفتم:

стр. 433

زيادت كن. كَفت: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وعن أبي الحسن الشِّيرواني: الصوفية مع الواردات لا مع الأوراد] (١). سأل فخر الدِّين الرَّازي الشَّيخَ نجم الدِّين الكُبْرَى: بم عرفت ربَّك؟ قال الشيخ: بواردات ترد على القلوب، فتعجز النفوس عن تكذيبها: (وثمَّ وراءَ النَّقلِ علمٌ يدقُّ عنْ … مداركِ غاياتِ العقولِ السَّليمة وعن أبي محمَّد الرَّاسبي (٢) البغدادي: لا يكون الصُّوفي صوفيًّا حتى لا تقله أرضٌ، ولا تظله سماء، ولا يكون له قَبول عند الخلق، ويكون مرجعه في كل الأحوال إلى الحق تعالى) (٣). وعن سيد الطائفة الجنيد البغدادي: التصوف هو الخُلُق، من زاد عليك بالخلق زاد عليك بالتصوف. وأحسن ما قيل في تفسير الخُلُق ما قال الشَّيخ الإمام أبو سهل الصُّعْلُوكي: فهو الإعراض عن الاعتراض. وعن أبي القاسم المقري: أوائل بركة الدُّخول في التصوف أن تصدِّق الصادقين في الإخبار عن أنفسهم وعن مشايخهم) (٤). وعن أبي نصر السرَّاج أنّه قال: الناس في حفظ الآداب على ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: أهل الدنيا، وأدبهم في البلاغة والفصاحة، وحفظ العلوم، وأسماء الملوك، وأشعار العرب.

стр. 434

والثانية: أهل الدِّين، وأدبهم في رياضة النفوس، وتأديب الجوارح، وحفظ الحدود، وترك الشهوات. والثالثة: أهل الخصوصيَّة، وأدبهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الأوقات، وقلة الالتفات بالخواطر، واستواء السر والعلانية، وحسن الأدب في مواقف الطلب، وأوقات الحضور، ومقامات القرب. (وعن الشَّيخ أبي الفضل حسن السَّرَخْسي يقول: الماضي لا يُذكر، والمستقبل لا يُنتظر، وما في الوقت يُعتبر، وحقيقة العبودية شيئان: الافتقار إلى الله تعالى، وهذا من أصل العبودية، وحسن القدوة برسول الله ﷺ ، وهو الذي ليس للنفس فيه نصيب) (١). وعن الشَّيخ أبي الحسن الخَرَقَاني: وارث الرسول ﷺ من اقتدى بفعله، لا مَنْ سوَّد وجه الورق. (ما بقي فيّ لغير الله شيء، ولا في صدري لغيره قرار منذ أربعين سنة. وعن أبي علي الجُوْزَجاني:) (٢) الصوفي هو الفاني من حاله، الباقي في مشاهدة الحق، لم يكن له عن نفسه أخبار، ولا مع غير الله قرار، وهو الموصوف بالولاية. والوليُّ: هو الذي يتولى عبادة الله وطاعته، فعبادته تجري عليه على التوالي من غير أن يتخلَّلها عصيان، فلا يكون صوفيًّا ووليًّا إلا بعد قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستيفاء، ودوام حفظ الله إيَّاه في السَّراء والضَّراء، فإنَّ الله يتولى الصالحين. والصوفيُّ لا بد أن لا يكون للشرع عليه اعتراض، ومن كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخادع، حكي أنَّ أبا يزيد البِسْطَامي قدَّس الله سرَّه قصد بعضَ من وُصف بالولاية، فلمَّا أتى مسجده قعد ينتظر خروجه، فخرج الرجل ورمى بيزاقه تجاه القِبْلة،

стр. 435

فانصرف أبو يزيد ولم يسلِّم عليه، وقال: هذا رجل غير مأمون على أدبٍ من آدبِ الشَّريعة، فكيف يكون أمينًا على أسرار الحقِّ؟! [وعن الإمام الغزالي أنَّه قال في "بيان تبديل أسامي (١) العلوم": الناس تصرَّفوا في اسم الفقه، فخصوه بعلم الفتاوى، والوقوف عليها وعلى دقائقها، واسم الفقه في العصر الأول كان مطلقًا على علم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، والاطلاع على الآخرة، وحقارة الدنيا. وفي "تفسير الكاشاني": كل عالم لم يعمل بعلمه فهو والحمار سواء. وفي "رسالة القُشَيْري" عن إبراهيم الخوَّاص أنَّه يقول: ليس العالم بكثرة الرواية، إنما العالم من اتبع العلم واستعمله، فاقتدى بالسُّنن وإن كان قليلًا. وفقنا الله لفقه الخطاب وجعلنا ممن سمع فأجاب. وفي "بستان أبي اللَّيث" في باب الحثِّ (٢) على طلب العلم: إذا أخذ الإنسان حظًّا وافرًا من الفقه فينبغي أن لا يقتصر على الفقه، لكن ينظر في علم الزهد، (وفي كلام الحكماء وشمائل الصالحين، فإنَّ الإنسان إذا تعلَّم الفقه ولم ينظر في علم الزهد والورع) (٣) والحكمة قَسا قلبُه، وساء خلقُه، والقلب القاسي بعيد من الله تعالى، انتهى] (٤). وفي متفرقات "الظَّهِيْرِيَّة": سأل سفيان الثوري عن عبد الله بن المبارك، وقال: من النَّاس؟ فقال: الفقهاء. فقال: من الملوك؟ فقال: الزُّهاد، فقال: من الأشراف؟ فقال: الأنبياء، فقال: من السَّفلة؟ فقال: الظلمة.

стр. 436

[وقد كان علماؤنا المتقدمون ﵏ منصفين عالمين، قد وجدوا حظًّا وافرًا من الزهد، ويطلبون المزيد من أهله، ويتبركون بأوقات المشايخ وأهل الزهد، وإذا أشكل عليهم جواب المسألة لاختلاف الأدلة سألوا أهل العلم العارفين بالله تعالى؛ لأنهم أقرب إلى التوفيق عندهم، وأبعد عن الهوى والمعصية. وكان الشَّافعي ﵀ إذا اشتبهت عليه المسألة لاختلاف العلماء فيها، وتكافؤ الاستدلال عليها، رجع إلى أهل المعرفة فسألهم، حتى روي أنَّه كان يجلس بين يدي شيبان الرَّاعي كما يقعد الصبي بين يدي المعلم، ويسأله: كيف يفعل في كذا؟ وكيف يصنع في كذا؟ فيقال له: مثلك يا أبا عبد الله في علمك وفقهك تسأل هذا البدوي، فيقول: إنَّ هذا وُفِّق لما علمناه. وقد كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف بن فيروز الكَرْخي ولم يكن يحسن من العلم ما يحسنانه، وكانا يسألانه. كذا في "قوت القلوب"] (١). وقال في "العوارف": إنَّ الله تعالى ألبس في قلوب أهل المعرفة من عباده ملابس العرفان، وخصَّهم من بين عباده بخصائص الفرقان، فصارت ضمائرهم من مواهب الأنس مملوءة، ومرأى (٢) قلوبهم بنور القدس مجلوَّة، فعَمُوا عن غير الله، ونطقوا بالله، وساروا إلى الله، وأعرضوا عما سوى الله، خرق الحجبَ أنوارُهم، وحالت (٣) حول العرش أسرارُهم، سكوتٌ نظَّارٌ غُيَّبٌ حضَّار، ملوكٌ تحت الأطمار. * * *

стр. 437

[١٢٣ - معروف الكَرْخي (١)] أبو محفوظ، معروف بن فيروز الكَرْخي، قُدِّس سره. ويقال: معروف بن علي، وهو من أجلة مشايخ بغداد، وكان مجابَ الدعوة، ومن الأبدال. وفي "الفتاوى الصوفية" عن أبي بكر الوَرَّاق، قال: لم يزل في الأمم أخيار وأبدال وأوتاد على المراتب، وهم الذين كانوا مرجوع إليهم عند الضّرورات والنَّائبات والمصائب، كما ذكر عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم، وسبعة على خلق موسى، وثلاثة على خلق عيسى، وواحد على خلق محمد" (٢)، صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم، فهم على مراتبهم سادات الخلق والدين، بهم ينظر ربهم، ويدفع بهم البلاء. وسمعت أبا عُثمان المقري ﵀ يقول: البدلاء أربعون، والأمناء سبعة، والخلفاء من الأئمة ثلاث، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعًا، ويتشرف عليهم، ولم يعرفه أحد ولا يتشرف عليه، وهو إمام الأولياء، والثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السَّبعة، ويعرفون الأربعين، وهم البدلاء، ولا يعرفهم البدلاء، والأربعون يعرفون سائر الأولياء من الأئمة، ولا يعرفهم من الأولياء أحد، فإذا نقص واحد من الأربعين أبدل مكانه من الأولياء، وكذا في السبع والثلاث والواحد، هكذا إلى أن تأتي الساعة.

стр. 438

وفي الباب السادس عشر من "الفتوحات المكية": اعلم أنَّ الأوتاد الذين يحفظ الله بهم العالم أربعة لا خامس لهم، وهم أخص من الأبدال. والأبدال في هذا الطريق لفظ مشترك، يطلقون الأبدال على من تبدَّلت أوصافه المذمومة بالمحمودة، ويطلقونه على عدد خاص، وهم أربعون عند بعضهم لصفة يجتمعون فيها. ومنهم من قال: عددهم سبعة، والذين قالوا: سبعة منهم (١) من جعل السبعة الأبدال خارجين عن الأوتاد متميزين، ومنهم من قال: إنَّ الأوتاد الأربعة من الأبدال، فالأبدال سبعة، ومن هذه السبعة أربعة هم الأوتاد، واثنان هما الإمامان، وواحد هو القطب، وهذه الجملة هم الأبدال. وقالوا: سموا أبدالًا لكونهم إذا مات واحد منهم كان الآخر بدله، ويؤخذ من الأربعين، ويكمل الأربعين بواحد من الثلاثة، ويكمل الثلاثة بواحد من صالح المؤمنين. (وكان معروف الكَرْخي من موالي علي بن موسى الرضا، وكان أبواه نصرانيَّان أسلما بين يدي موسى الرضا) (٢)، وكان صاحبًا للإمام علي بن موسى الرضا، فازدحم الشيعة يومًا على باب علي بن موسى الرضا فكسروا ضلع معروف، فمات سنة إحدى ومئتين ببغداد، وقبره فيها يزار ويتبرَّك بتراب قبره، وهو التِّرياق المجرَّب. وكَرخ محلَّة ببغداد. (استوصى رجل من معروف، فقال: احذر أن لا يراك الله إلا في زي مسكين.

стр. 439

وسئل عن المحبة، فقال: المحبة ليست من تعليم الخلق، إنما هو مواهب الحق، وفضله) (١). ولمعروف الكَرْخي في علم الباطن ومعرفة الحقِّ طريقان؛ فالطريق الأول بينه وبين النبيِّ ﷺ أربعة من رجال الله وأوليائه: * * * [١٢٤ - داود الطائي (٢)] الأول: أبو سُليمان داود بن نصر الطَّائي. وكان من مشايخ أهل التَّصوف وساداته، وأوَّلَ من انفرد من خواصِّ أهل السنة بالتصوف، واشتهر بهذا الاسم من بين هؤلاء الأكابر، وهو مرشد معروفٍ الكَرْخي ومريد الحبيب العَجَمِي الرَّاعي في الطريقة. وكان في الفقه من أقران أبي يوسف ومحمد، أخذ الفقه عن أبي حنيفة، وكان له معرفة تامة في الحديث والنحو وأيام الناس، ثم تعبَّد ولم يتكلم في شيء من ذلك، واختار العزلة عن الناس. أوصى إلى معروف الكَرْخي: يا بنيَّ، إن أردْتَ السلامة فسلِّم على الدنيا، وإن أردتَ الكرامة فكبِّر على الآخرة (٣).

стр. 440

[وقال: صم [عن] الدنيا، وأفطر على الموت؛ لتشريك الرضوان من الجنة فتخرج من الدنيا ريَّانًا. وكان في علم الشّريعة من المجتهدين، وفي علم الآخرة من علماء اليقين. قال ابن قتيبة: جلس في بيته عشرين سنة، ومات في سنة خمس وستين ومئة. قال الفضل بن دكين: حضرت في جنازته، فما رأيتها من كثرة الخلق] (١). * * * [١٢٥ - الحبيب العَجَمِي (٢)] والثاني: الحبيب العَجَمِي، ويكنى أبا محمَّد الفارسي. أخذ الطريقة عن الحسن البصري، وهو ثالث الوسائط بين معروفٍ والنبي ﷺ ، ورابعه علي بن أبي طالب، أخذ الحسن هذا العلم عن علي ﵁، وهو عن رسول الله ﷺ . [قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب": لما دخل علي ﵁ البصرة جعل يخرج القصَّاص من المسجد، ويقول: لا يُقَصُّ (٣) في مسجدنا، حتى انتهى إلى الحسن وهو يتكلَّم في هذا العلم، فاستمع إليه، ثم انصرف ولم يخرجه (٤).

стр. 441

وكانت مجالس الحسن مجالسَ الذِّكر، يخلو فيها مع إخوانه وأتباعه من النُّساك والعبَّاد في بيته، فيقول: هاتوا انشروا النور، فيتكلم عليهم في هذا العلم من علم اليقين والقدرة، وفي خواطر القلوب وفساد الأعمال ووسواس النفوس، فربما قنع أصحاب الحديث برأسه، فاختفى من ورائهم ليسمع ذلك، فإذا رآه الحسن قال له: يا لكع! وأنت ما تصنع هاهنا، إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر. والحسن ﵀ هو إمامنا في هذا العلم الذي نتكلَّم فيه، إثره نقفوا، وسبيلَه نتَّبع، ومن مشكاته يستضيء أحدنا بإذن الله تعالى، إمامًا عن إمام إلى أن ينتهي ذلك إليه. وكان من خيار التابعين بإحسان، لقي سبعين بدريًّا، ورأى ثلاثمئة صحابي. وكان قتادة العدوي يقول: عليكم بهذا الشيخ، فوالله ما رأينا أحدًا لم يصحب رسول الله ﷺ أشبه بأصحاب رسول الله ﷺ منه. وكان الحسن ﵀ أول من أنهج سبيل هذا العلم وفتق الألسنة بها، ونطق بمعانيه، وأظهر أنواره، وكشف قناعه، وكان يتكلَّم بكلام لم يسمعوه من أحد من إخوانه، ثم كان يتكلم بهذا العلم بعده الحبيب العَجَمِي. وله حكايات عجيبة (١) مشهورة، منها: أنّه تقدَّم يومًا لصلاة الفجر في الإمامة؛ لغيبة الحسن البصري، فجاء الحسن واقتدى به، فلمَّا تم صلاته أعاد الحسن صلاته؛ لأنّه لم يكن فصيحًا بمثابة الحسن، فنودي أنَّه قُبلَتْ صلاتك هذه بطفيل الحبيب في عمرك، وأنت رفضتها بنفسك. وفي "قوت القلوب" في باب شرح مقام الشوق في ذكر وصف بعض المحبوبين

стр. 442

من المكاشفين: إنَّ الحسن اختفى من الحجَّاج عند حبيب العَجَمِي، وكان يسعى به، فدخل عليه الشرط، ففزع الحسن فقال له حبيب الفارسي: اقعد ورائي فإنهم لا يرونك، فقال: ويحك وما يغني عني وراءك، فقال له: اقعد حتى تبصر، قال: فدخل الشرط، فقالوا: أين الحسن؟ قيل لنا: إنّه عندك، فقال: هل ترون شيئًا؟ ففتَّشوا الدار كلها وخرجوا وهم لا يرونه. فقال له الحسن: كيف لم ينظروا إليَّ؟ قال: إنك كنت عند الله تعالى، فلم يروك، ولو كنت عندي لأبصروك. قال له الحسن: إني قد رأيتك لما دخلوا همست بشيء فهل ذكرْتَ اسم الله الأعظم؟ قال: فأما الاسم الأعظم فلا أحسنه، ولكن قلت: اللهم أحيله عندك حتى لا يبصروه. وكان حبيب هذا أبو محمَّد من البُلَّه وأهل السلامة والغفلة، وله إجابات وإظهار كثير من الآيات والحسن إمام الأئمة من العلماء وهو فوقه درجات، وكانت توبته وزهده في الدنيا على يديه، حضر مجلسه يومًا في طلب غريم له يتقاضاه، فوقع كلام الحسن في قلبه فترك للغريم دينه، وفرق أمواله وأعتق غلمانه، وكان له ثلاثون غلامًا، كل غلام تجارة، فخرج من ذلك كله] (١). الطريق الثاني: فبيْن معروفٍ الكَرْخي وبيْنَ النبيِّ ﷺ ستة رجال: الأول: أبو الحسن الرضا علي بن موسى ﵀، وكان بوابًا له كما تقدم، مات في اثنين ومئتي سنة، وكان سنه تسعًا وأربعين سنة، وقبره بطوس. والثاني: موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق، مات ﵀ ببغداد مسمومًا في سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل: إنَّه توفي في حبس هارون. * * *

стр. 443

[١٢٦ - جعفر الصَّادق (١)] والثالث: أبو عبد الله الصَّادق، جعفر بن محمَّد البَاقر، وأمه [أم] فروة بنت القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصِّديق رضي الله تعالى عنهم. مات ﵀ في سنة ثمان وأربعين ومئة. وكان صاحب الطبقة العالية في الفقه والاجتهاد، وعلم اليقين، ومعرفة الحق، وله الأخلاق العالية، والفتوى الظاهرة، وكان له نسبتان في هذه الطريقة: نسبة إلى أبيه الإمام محمَّد الباقر، وهو أخذ عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين، وهو عن أبيه الحسين بن علي، وهو عن أبيه علي بن أبي طالب ﵃. والنسبة الثانية إلى أب أمه القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵄، وكان القاسم من الفقهاء السبعة، وإمامَ أهل اليقين، أخذ ذلك العلم والذِّكر الخفي والتَّلقين من سلمان الفارسي، وهو أخذ الذكر والتلقين وتعلم دقائق هذا العلم من أبي بكر ﵄، وكان لسلمان ﵁ شرف صحبة رسول الله ﷺ وبركة خدمته، وأبو بكر ﵁ أخذ عن رسول الله ﷺ (هذا العلم، وتشرف بتلقينه، وخصَّه به ﷺ ) (٢)، كما روي عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "ما صب الله في صدري شيئًا إلا صببْتُه في صدر أبي بكر" (٣). وروي أنّ علي بن أبي طالب ﵁ سأل رسول الله ﷺ ، فقال: دلني على

стр. 444

أقرب الطرق إلى الله تعالى، وأسهلها على عباده، وأفضلها عند الله؟ فقال: "يا علي، عليك بمداومة الذكر في الخلوات"، فقال علي: أهكذا فضيلة الذكر، وكل الناس ذاكرون الله تعالى، فقال ﷺ : "لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول: الله الله"، فقال علي: كيف أذكر يا رسول الله؟ فقال: "غمِّضْ عينيك واسمع مني ثلاث مرات، ثم قل ثلاث مرات وأنا أسمع" فقال رسول الله ﷺ : "لا إله إلا الله" ثلاث مرات مغمضًا عينيه رافعًا صوته، ثم قال علي ﵁ ثلاث مرات مغمضًا عينيه رافعًا صوته (١). ثم لَقَّن علي ﵁ الحسن البصري، ثم الحسن البصري لقن الحبيب العَجَمِي، ثم الحبيب لقن داود الطائي، ثم داود لقن معروف الكَرْخي، ثم لقن معروفٌ سريّ بن المغلس السَّقَطي، ثم سري لقن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، ثم الجنيد لقَّن كثيرًا من أجلتهم الشَّيخ علي الرُّوْذُبَاري (٢)، وهو لقن الشَّيخ أبا علي الكاتب، وهو لقن الشَّيخ أبا عُثمان المغربي، وهو لقن الشَّيخ أبا القاسم الكُرْكاني، وهو لقن الشَّيخ أبا بكر النَّسَّاج، وهو لقن الشَّيخ الإمام أحمد الغزالي، وهو لقن الشَّيخ ضياء الدِّين أبا النجيب السُّهْرُوَرْدِي، وهو لقن عمَّار بن ياسر، وهو لقن الشَّيخ نجم الدِّين الكُبْرَى، وهو لقن الشَّيخ مجد الدِّين البغدادي، وهو لقن الشَّيخ رضي الدِّين علي لَالَا، وهو لقن الشَّيخ جمال الدِّين الجوزَقاني، وهو لقن الشَّيخ عبد الرَّحمن إسفراييني كَسْرَفي (٣)، وهو لقن الشَّيخ علاء الدولة أحمد بن محمَّد البَيَابانكي (٤) السِّمْناني، وهو لقن الشَّيخ محمود نور الدِّين المردقاني، وهو لقن السيِّد علي بن شهاب الهَمَذاني صاحب

стр. 445

"الأوراد الفتحية" و"كتاب ذخيرة الملوك"، وهو لقن الشَّيخ إسحاق الختلاني، وهو لقن الشَّيخ السيِّد عبد الله برزش آبادي جد نقيب الأشراف في الممالك العثمانية السيِّد الشريف محترم، وهو لقن الشَّيخ محمَّد الرشيد البيدوازي، وهو لقن الشَّيخ شاه بيدوازي، وهو لقن الشَّيخ المخدومي الأعظم حاجي محمَّد خيوشاني، وهو لقن الشَّيخ المخدومي عبد اللطيف الجامي مرشد السُّلطان الغازي السُّلطان سليمان بن السُّلطان سليم خان، وهو لقن الشَّيخ العارف بالله محمَّد بن يوسف السَّمَرْقندي منتسبًا (١) والفركتي مولدًا، وأنا تشرفت بحمد الله تعالى بتلقينه، كما أخذه عن شيخه ماجدًا عن ماجد. وكان لشيخنا وسندنا (٢) محمَّد السَّمَرْقندي نسبة تلقين إلى الشَّيخ أبي بكر الكَفوي، وعنعنة من طريق السيِّد عبد القادر الكيلاني، وإلى سيد الطائفة الجنيد البغدادي، وللشيخ أبي القاسم الكُرْكاني نسبة تلقين، وأخذ طريقه إلى الشَّيخ أبي الحسن الخَرَقَاني علي بن جعفر، وهو قطب زمانه، وغوث أوانه، اقتبس أنوار الطريقة من روحانية سلطان العارفين الشَّيخ أبا يزيد البِسْطَامي، (وهو رباه في عالم المعنى) (٣). وكان أبو يزيد البِسْطَامي أخذ وتربى من روحانية الإمام جعفر الصادق، وكان أويسي المشرب، وجعفر الصادق أخذ من جده لأمه القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃، وهو أخذ عن سلمان الفارسي، عن أبي بكر ﵁. وفي "الفتاوى الصوفية" في الباب الثاني نقلًا عن "الإرشاد": ينبغي للمريد تحصيل

стр. 446

شيء من العلوم يصح به اعتقاده وعبادته، وليقلِّد أحدًا في الفقه كأبي حنيفة، والشَّافعي، ومالك، وابن حنبل من الأئمة، وليأخذ من أقاويل الأئمة ما هو أقرب من الفتوى، وليترك الرخص، وليقلد شيخًا في سلوك طريق الحق، فإنَّ من لا شيخ له فشيخه الشيطان، وليعرض على شيخه ما يجري في خاطره، وما يرى في نومه ليميِّز الشَّيخ الرحماني عن الشيطاني، وليتب أولًا من كل زلة صغيرها وكبيرها، وسرها وجهرها. ويجتهد في إرضاء الخصوم، (واستحلالهم من الغيبة والبهتان، والشتم ورد المظالم) (١)، ثم ليترك العلائق من المال والجاه وحب الدنيا، فإنَّ العلائق أشدّ حجابًا بين العبد وبين الله تعالى، ولينظر إلى نفسه بالحقارة، وليكن مجدًا إلى الطاعة من غير كسل ووقفة وفترة (٢)، (والفترة رجوع عن الإرادة، وخروج منها، والوقفة سكون عن السير باستيلاء حالات الكسل، وكل مريد وقف (٣) في ابتداء إرادته لا يجيء منه شيء) (٤). وإذا جرَّبه شيخه (فيجب أن) (٥) يلقنه ذكرًا من الأذكار، على ما يراه شيخه، فيأمره أن يذكر الاسم بلسانه، ثم يأمره أن يستوي قلبه مع لسانه، وأن يكون أبدًا على الطهارة، وأن لا يكون نومه إلا عليها، وليس من آداب المريد كثرة الأوراد بالظاهر، واستدامة الذكر بالقلب أتم للمريد، إلى هنا. * * *

стр. 447

الكتيبة الثانية في تلامذة أصحاب الإمام [١٢٧ - محمَّد بن سَماعة (١)] محمَّد بن سَماعة بن عبيد الله بن هِلال بن وكيع، أبو عبد الله، الإمام، التَّميمي. كان من بني تميم، أحد الثِّقات الأثبات. حدّث عن الليث بن سعد، وأبي يوسف الإمام القاضي، ومحمَّد بن الحسن الإمام، وأخذ الفقه عن أبي يوسف ومحمَّد والحسن بن زياد، وهم أخذوا عن أبي حنيفة ﵀. وكتب "النوادر" عن (٢) أبي يوسف ومحمَّد، وروى الكتب والأمالي عنهما. قال الصَّيْمَري: محمَّد بن سماعة من أصحاب أبي يوسف ومحمَّد، ولد سنة ثلاثين ومئة، ومات سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، وهو ابن مئة وثلاث سنين، بلغ هذا السن وهو يركب الخيل ويفتض الأبكار. وكان يصلي كلَّ يوم مئتي ركعة، ولي القضاء للمأمون ببغداد بعد موت يوسف ابن الإمام أبي يوسف، في سنة اثنتين وتسعين ومئة، فلما ضعف بصره استعفي فعزل، وضم عمله إلى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وتوفي بعده بمدة طويلة، ولما مات قال ابن معين: مات ريحانة العلم من أهل الرأي. له "كتاب أدب القاضي"، و"كتاب المحاضر والسجلات"، وله "النوادر".

стр. 448

أخذ عنه العلم وتفقه عليه الإمام الفقيه أبو جعفر أحمد بن أبي عمران البغدادي، والشَّيخ الإمام بكر بن محمَّد القمي، والإمام عبد الله بن جعفر أبو علي الرَّازِي. [وعن الصَّيْمَري أنه قال: سمعت الشَّيخ أبا بكر محمَّد بن موسى الخُوَارِزْمِي إمامنا وأستاذنا يقول: كان سبب كتب محمد بن سماعة النوادر عن محمَّد أنه رآه في النوم كأنه يثقب الإبر فاستعبر ذلك فقيل له: هذا رجل ينطق بالحكمة والمعرفة فاجهد أنْ لا يفوتك منه لفظ، فبدأ ذلك اليوم بكتب النوادر. قال محمَّد بن سماعة: أقمت عنده أربعين سنة لم تفتني التكبيرة إلا يومًا واحدًا مات فيه ابني كذا في الجواهر المضية] (١) وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الرابع (٢) من القسم الأول من كتاب الطلاق: وحكى (٣) ابن سَماعة عن محمَّد ﵀، قال: كنا عند محمَّد بن الحسن ﵀، فسئل عمن قال لامرأته: أنت طالق عدد الشَّعر الذي على فرجك، وقد كانت أَطْلَتْ، فبقي محمَّد بن الحسن متفكِّرًا فيه، وشبَّهه بظهر الكفِّ، ثم أجمع رأيه على أنه إنْ قال: أنت طالق بعدد الشعر الذي على ظهر كفي وقد أطلى أنه لا يقع عليه (٤) شيء، وإن قال: بعدد الشعر الذي في بطن كفي أنه يقع واحدة. قال أبو الليث: لأنَّه إذا قال: عدد الشعر الذي على ظهر كفي يقع على عدد الشعور النابتة، فإن لم يكن له شعر لم يوجد الشرط، وإذا قال: بعدد الشعر الذي في

стр. 449

بطن كفي فإنَّه لا يقع على عدد الشعر؛ لأنّه لا يكون فيه شعر أبدًا (١)، فصار كأنه قال: أنت طالق وسكت وقعَتْ واحدة. [وفي "فتاوى قاضي خان" في فصل معاملة المسلم المستأمن من كتاب السِّير: حربي دخل دارنا بأمان ومعه ابنه أو ابن غيره من أهل الحرب، فباع ابن نفسه لا يجوز باتفاق الروايات، ويجوز بيع ولد غيره، ولو أنَّ ملك أهل الحرب أهدى إلى الخليفة، ذكر في "المجرد" أنه يطيب للمهتدَى إليه إلا أن يكون من محارم المهدِي، أو أمَّ ولده فإنهم يعتقون. وروى هشام: أنَّ الحربي إذا أهدى بنته إلى الإمام فهي حرَّة، وكان لها أن ترجع إلى دار الحرب، وروى الحسن عن أبي حنيفة وابن سماعة عن محمَّد أنَّ الحربيّ إذا باع أباه أو ابنه في دار الحرب لا يجوز، فإن أخرجه المشتري إلى دار الإسلام يملكه ما لم يكن بيننا أمان. فالحاصل: أنَّ الحربيّ إذا باع أباه أو ابنه في دار الحرب من المسلم المستأمن يكون باطلًا، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ورواه هشام عن محمَّد سواء كان يرى البائع جواز البيع أو لا يرى، في قول عامة المشايخ، منهم الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل. وقال أبو الحسن الكَرْخي: إن كان البائع الحربي يرى جواز هذا البيع جاز وإلا فلا. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أنَّ الحربي إذا باع ولده في دار الحرب من حربي آخر أو من مسلم مستأمن جاز عند أبي حنيفة، ولا يجبر على الرد إذا خوصم في الرد، وعند أبي يوسف إذا خوصم في الرد يجبر على الرد عليهم.

стр. 450

وعن أبي نصر الدَّبُّوسي: أنه إن باع الحربي من مسلم مستأمن لا يجوز، وإن باعه في دار الحرب من حربي آخر وسلَّمه إليه مَلكه المشتري. الصَّحيح ما قلنا: إنه لا يجوز بيع الحربي ولده في دار الحرب، واتفقت الروايات على أنه لا يجوز بيعه في دار الإسلام، ومتى لم يجز البيع في دار الحرب على قول العامة، فإن أخرجه المشتري إلى دار الإسلام اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: يملكه لأنَّ البيع وإن بطل فمتى أخرجه جبرًا ملكه بالقهر المبتدأ، وقال بعضهم: يكون حرًا؛ لأنَّ البائع لا يملك التصرف فيه لا بيعًا ولا وطئًا، فلا يملك المشتري بالإخراج إلى دار الإسلام، وقال بعضهم: إن كان البائع يرى جواز هذا البيع لا يملكه المشتري بالإخراج إلى دار الإسلام، أخرجه طائعًا أو مكرهًا، وإن كان البائع لا يرى جواز هذا البيع إن أخرجه المشتري كرهًا يملكه، وإن أخرجه طوعًا لا يملكه. والصحيح: أنه إذا أخرجه كرهًا يملكه، وإن جاء به وهو طائع لا يملكه؛ سواء أكان البائع يرى جواز هذا البيع أو لا يرى. وإن تزوج المسلم المستأمن حربية في دار الحرب، ودفع الصداق إلى أبيها، وفي قلبه أن (١) يبيعها إذا أخرجها إلى دار الإسلام؛ ذكر في "السير الكبير": إن خرجت طائعة فهي حرة، وإن خرجت مكرهة كما يخرج الأسير فهي مرقوقة، وإن اختلفا؛ فقالت المرأة: خرجت طائعة وأنا حرة، وقال الرجل: أخرجتها مكرهة وهي رقيقة لي، فإنّه ينظر إليها إن جاء بها مربوطة كما (٢) يجاء بالأسير كان القول قول الرجل، وإن كان بخلاف ذلك كان القول قول المرأة، فتكون حرَّة. انتهى "قاضي خان"] (٣).

стр. 451

[١٢٨ - أبو حفص الكبير (١)] الشَّيخ الإمام، أبو حفص الكبير، أحمد بن حَفص البُخاري. أخذ الفقه عن محمد، وكتب "النوادر"، وروى عنه. وعن السِّمْناني: كان ببخارى جماعة من أصحابه لا يحصون، كلُّهم تفقَّهوا على أبي حفص الكبير وأخذوا عنه العلم. وعن شمس الأئمة: قدم محمَّد بن إسماعيل البُخاري ببخارى في زمن أبي حفص الكبير، وجعل يفتي، فنهاه أبو حفص وقال: لست بأهل له. فلم ينتهِ حتى سئل عن صبيين شربا من لبن شاة أو بقرة، فأفتى بثبوت الحرمة، فاجتمع النّاس عليه وأخرجوه من بُخارى. وفي باب الكراهية، المعلمة بعلامة العين، من "واقعات الصَّدر الشَّهيد"، وكذا في فصل حقوق (٢) الزوجين من "فتاوى قاضي خان": رجل له امرأة لا تصلي يطلقها حتى لا يصحب امرأة لا تصلي، فإن لم يكن له مال يعطي مهرها فالأولى أن يطلق، قال أبو حفص الكبير: لأنْ لقي الله ومهرها في عنقه أحبُّ من أن يطأ امرأة لا تصلي. وفي فصل الوتر من "الجواهر" للشيخ طاهر الشهير بسعد نمد بوش (٣)، من تلامذة السيِّد جلال الدِّين الكُرْلاني (٤) الخُوَارِزْمِي: هل يجهر الإمام بالقنوت؟ قال محمَّد بن

стр. 452

الفضل: يخافت، كذا جرت العادة في مسجد أبي حفص الكبير ﵀ ببخاري، وقال صاحب الذخيرة مولانا برهان الدين: استحسنوا الجهر في بلاد العجم ليتعلَّموا، وأما المقتدي فهو مخير إن شاء أمَّن وإن شاء سكت، كله مروي على "الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد". وفي الباب الثامن والعشرين من "روضة يحيى بن علي بن محمَّد الزَّنْدَوِيْستي"، قال: سمعت جدي أبا (١) جعفر محمَّد بن عبد الله الزَّاهد يقول: كنْتُ أواظب جماعة أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير، ففاتتني يومًا التكبيرة الأولى من صلاة الفجر، فلما سلم قمت إلى قضاء ما سبق وهي ركعة واحدة فرآني، فلما فرغت من صلاتي وقمت ناداني، فجئت إليه فجلست عنده فلم يتكلَّم بعد النداء حتى طلعت الشمس وحلت الصلاة، فقام وصلى ركعتين، ثم قعد وقال لي: السَّلام عليك يا أبا جعفر، فقلت: وعليك السلام، ما الأمر؟ فقال: لو فات عنك مالك لكان أحب إليَّ (مما فاتك من) (٢) فضل التكبيرة الأولى، فإني سمعت أبا حفص الكبير يقول: سمعت محمَّد بن الحسن يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: سمعت حمَّادًا يقول: سمعت إبراهيم النَّخَعي يقول: سمعت علقمة يقول: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: " (سمعت أنَّ الله تعالى يقول:) (٣) ما من أحد تفوته تكبيرة الافتتاح من صلاته في جماعة إلا ندم يوم القيامة ندامة تكون أشد عليه من الموت أربعين ألف مرة، ومن فزع يوم القيامة أربعين ألف مرة؛ لما يرى (٤) من الثواب لمن حافظ عليها وأدركها" (٥).

стр. 453

وفي "حقائق المنظومة" عزوًا إلى "المحيط": المحبوس في موضع لا يجد فيه ماء ولا ترابًا طاهرًا يؤخِّر الصلاة إلى أن يجد ما يطهره عنده، وقال أبو يوسف: يصلي بالإيماء تشبيهًا بالمصلِّين ثم يعيد. ومحمَّد مع أبي حنيفة في رواية أبي حفص، ومع أبي يوسف في رواية أبي سليمان، قال بعض المشايخ: على قول أبي يوسف إنّما يصلي بالإيماء إذا لم يكن الموضع يابسًا، أما إذا كان يابسًا يصلي بالركوع والسجود. وذكر حافظ الدِّين في "شرح المنظومة": والحاصل أنّ محمدًا مع أبي يوسف في رواية أبي سليمان في أنه يتشبَّه بالمصلين ثم يعيدها، ومع أبي حنيفة في رواية أبي حفص الكبير البُخاري، والأصل أنّ نصب الشرائع بالرأي متعذر والصلاة بغير طهارة غير مشروع أصلًا فلا تجوز. وفي "الحقائق" في باب محمَّد، في كتاب الأشربة: سئل أبو حفص الكبير عن شرب المثلث. فقال: لا يحل شربه. فقيل له: خالفت الشيخين، فقال: لا؛ لأنهما يُحلان لاستمراء (١) الطعام، والناس في زماننا يشربون للفجور والتلهي، وشربه للهو لا يحل إجماعًا، وعلى هذا الخلاف نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ أدنى طبخة ثم علا واشتد وقذف بالزبد. من "جامع المحبوبي" (٢)، و"فتاوى قاضي خان". وفي "خلاصة الفتاوى" في الفصل الثاني من كتاب الدعوى: لو ادعى على آخر حقَّ المرور أو رقبة الطريق في داره، القول قول صاحب الدار، ولو أقام المدعي البيِّنة أنه كان يمر في هذه الدار لم يستحق بهذا شيئًا، ولو شهدوا أنّ له طريقًا فيها وسموا حدوده وبيَّنوا (٣) طوله وعرضه بالذرعان يقضى له ذلك، وإن (٤) لم يبينوا طوله وعرضه

стр. 454

وحدوده لا تقبل، هذا في رواية الإمام أبي سليمان، وفي رواية الإمام أبي حفص الكبير إن لم يسمو (١) طوله وعرضه كان أجوز، وهو مقدر بعرض باب الدار الأعظم. [وفي الفصل السادس، من كتاب السير في الفتاوى": سئل أبو حفص الكبير عن رجل أتى عيد المشركين وقد ترك في ذلك صلاة أو صلاتين، قال: إن كان منه تعظيمًا له كفر، وليس عليه قضاء صلاة أو صلاتين، ولو أتى ذلك للفسق لم يكفر، وقضى ما ترك من الصلاة. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" أيضًا: ولو شهدا أنه سرق من فلان ثوبًا، فقال أحدهما: إنه هروي، والآخر: إنه مَروي، ذكر في نسخ أبي سليمان أنه على الخلاف اعتبارًا باختلاف الشاهدين في لون البقر، وذكر في نسخ أبي حفص أنه لا تقبل الشهادة إجماعًا] (٢). * * * [١٢٩ - أبو سليمان الجُوْزَجاني (٣)] الشَّيخ الإمام موسى بن سليمان أبو سليمان الجُوْزَجاني. نسبته إلى مدينة بخراسان مما يلي بَلْخ، يقال: جُوْزَجانة. أخذ الفقه (عن محمَّد وكتب مسائل الأصول والأمالي، وكان رفيقًا لمعلَّى بن منصور في أخذ الفقه) (٤)، ورواية (٥) الكتب عن محمد، وأشهر نسخ

стр. 455

"المبسوط" الذي هو الأصل في المذهب (نسخة أبي سليمان) (١). وأخذ عنه الفقه كثير، منهم أبو بكر أحمد بن إسحاق الجُوْزَجاني، ومحمَّد بن سلمة، ونصير بن يحيى، وزياد بن عبد الرَّحمن، وزيد بن أسامة، وغسان بن محمد. عرض عليه المأمون القضاء فلم يقبل، وقال: يا أمير المؤمنين، احفظ حقوق الله في القضاء ولا تولني (٢) على أمانتك، فإني والله غير مأمون الغضب، ولا أرضى لنفسي أن أحكم في عباده، قال: صدقت، وقد أعفيناك، فدعا له بخير، ثم عرضه بعد ذلك على رفيقه المعلَّى فأبى، واستعفى، فأعفاه. توفي بعد المئتين، وله "السير الصغير"، و"النوادر" و"كتاب الرهن"، وغير ذلك. في "محيط السَّرَخْسي" في باب النية: ولو نوى بعد التكبير لا يجوز؛ لأنّ أول جزء من القيام خلا عن النيَّة فلا يتعيَّن للعبادة، فلا يتعيَّن الباقي (٣) للعبادة أيضًا؛ لأنَّه بنى عليه، ويكون تكبيره للتطوع؛ لأنّه لا يحتاج إلى النيَّة المعينة. وروي عن الكَرْخي أنه يجوز إذا نوى وقت الثَّناء (٤)، ولو نوى بعد قوله: الله، قبل قوله: أكبر؛ لا يجزيه عند أبي حنيفة؛ لأنّه تصح التَّحريمة عنده بقوله: الله، وعند أبي سليمان الجُوْزَجاني: إن كان بحال لو سئل عنه أية صلاة تصلي؟ أمكنه أن يجيب عما يصلي من غير تفكر تجوز صلاته، ويكون ذلك نية. ونية الكعبة شرط عن بعضهم، وعند بعضهم ليس بشرط؛ لأنَّ القيام لما تعين للصلاة بالنيَّة تعين الاستقبال للصلاة ضرورة، وقيل: إن كان يصلي إلى

стр. 456

المحراب لا يشترط، وإن كان يصلي في الصحراء يشترط إلى هنا من "المحيط". وفي "فتاوى قاضي خان" في فضل أداء التراويح: وذكر أبو سليمان عن محمَّد: أنه سئل عن الرجل إذا أمَّ قاعدًا في شهر رمضان أيقوم القوم؟ قال: نعم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ذكر قولهما خاصة. قال بعض المشايخ: إنَّما ذكر قولهما؛ لأنَّ عنده لا يصح اقتداؤهم بالقاعد، وقال بعضهم: إنَّما ذكر قولهما لأنَّ عندهما المستحب للقوم أن يقعدوا، وفيه أيضًا في الفصل الرابع من كتاب الشهادات. قال الفقيه أبو الليث: إذا سمعوا صوت امرأة من وراء (١) الحجاب؛ إن رأوا شخصها وشهد عندهم رجلان عدلان أنها فلانة جاز لهم أن يشهدوا وإن لم يروا وجهها، وأما إذا لم يروا شخصها لا يحل لهم أن يشهدوا على إقرارها، وهو اختيار الفقيه أبو الليث. وذكر هو في "الفتاوى" عن نصير بن يحيى: أنّ ابنًا لمحمَّد بن الحسن دخل على أبي سليمان الجُوْزَجاني، فسأله أبو سليمان عن هذه المسألة، قال: كان أبو حنيفة يقول: لا يجوز له أن يشهد عليها حتى يشهد عندي جماعة أنها فلانة، وكان أبو يوسف وأبو بكر الإِسْكاف يقولان: يجوز إذا شهد عنده عدلان أنها فلانة وعليه الفتوى. وفيه أيضًا في فصل العيوب، من كتاب الأضحية: ولو كانت الأضحية صحيحة العينين عنده، فأعورت بعدما أوجبها على نفسه، أو كانت سمينة فصارت عجفاء أو عرجاء؛ ذكر في رواية أبي سليمان: إن كان الرَّجل موسرًا لا يجوز له أن يضحي بها، وإن كان معسرًا جاز له ذلك، وفي رواية أبي حفص: يجوز معسرًا كان أو موسرًا؛ لما جاء عن علي ﵁ أنه أجاز ذلك.

стр. 457

[١٣٠ - مُعَلَّى بن منصور (١)] أبو يحيى مُعَلَّى بن منصور الرَّازي. روى عن أبي يوسف ومحمَّد الكتب والأمالي، وله "النوادر"، وشاركه في ذلك أبو سليمان الجُوْزَجاني، وهما من الورع والدين وحفظ الحديث والفقه بالمنزلة الرفيعة. عرض عليهما المأمون القضاء فلم يتقلَّدا له، فأعفاهما المأمون، وسكن معلَّى بغداد، وأخذ الفقه عن أبي يوسف ومحمد، وأخذ عنه ابنه يحيى بن معلَّى. مات معلَّى سنة إحدى عشرة ومئتين، وقد عاش بعد أبي سليمان بضع سنين. قال الأَتْقاني في "شرح الهداية" في فصل البئر: وقد سكن معلَّى ببغداد، وسمع هشامًا وحماد بن زيد. روى عنه محمَّد بن عبد الرحيم، وعلي الهيثم، في تفسير الأحزاب، والبيوع في صحيح البُخاري، قال البُخاري: مات ببغداد في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة ومئتين، ودخلنا عليه سنة عشرة ومئتين ولم يحدِّث عنه في الجامع بشيء، وإنما حدَّث عن رجل عنه. إلى هنا كلام الأَتْقاني. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الثالث، من كتاب الصلاة: ثم في كل صلاة يخافت فيها بالقراءة عند أبي حنيفة ﵀ يأتي بالتسمية في الركعة الأولى عند قراءة الفاتحة، وروى عن ابن رجاء عن محمَّد: أنه يأتي بالتَّسمية على رأس الفاتحة

стр. 458

والسورة في كل ركعة، وروى المعلَّى عن أبي يوسف: أنه يأتي بالتسمية في كل ركعة عند الفاتحة دون السورة، والله سبحانه أعلم. * * * [١٣١ - بشر بن غياث المَرِيْسِي (١)] بِشْر بن غياث بن عبد الرَّحمن المَرِيْسِي المعتزلي. أدرك مجلس أبي حنيفة، وأخذ نبذًا من العلم منه، ثم لازم أبا يوسف، وأخذ الفقه عنه، وتفقَّه عليه، وبرع فيه، حتى صار من أخص أصحابه، وله تصانيف وروايات كثيرة عن أبي يوسف. وكان من أهل الورع والزهد، غير أنه رغب النَّاس عنه في ذلك الزَّمان؛ لاشتهاره بعلم الكلام والفلسفة، وخوضه في ذلك، وكان أبو يوسف يذمه ويعرض عنه، وأخذ حسين النجار عنه مذهبه، ذكره الصَّيْمَري. والمَرِيْسِي بفتح الميم وكسر الراء: قرية بأرض مصر، وإليها ينسب بشر المَرِيْسِي، وإليه تنسب الطائفة المَرِيْسِية، مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين. وله في المذهب أقوال غريبة، منها جواز أكل لحم الحمار. [وفي "روضة الزَّنْدَوِيْستي" في الباب الخامس والسبعين: ولو طبخ العصير أدنى طبخة ثم غلى واشتدَّ وقذف بالزَّبد حرم شربه عندنا، وحكمه حكم الخمر، غير أنه لا يكفر مستحلُّه؛ للاختلاف فيه، وذلك أنّ بشر بن غياث المَرِيْسِي يقول: إنَّ هذا

стр. 459

يحل شربه، وحكمه حكم العصير، وسمي هذا باذقًا، إلا أن بيع هذا الباذق جائز عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز] (١). * * * [١٣٢ - بِشْر بن الوليد (٢)] القاضي بِشْر بن الوليد بن خالد الكِنْدي. أحد أعلام المسلمين، وأحد المشاهير، وهو أحد أصحاب أبي يوسف خاصة، وعنه أخذ الفقه، وكان متقدمًا عند أبي يوسف، وروى عنه كتبه وأماليه. ولي القضاء ببغداد في الجانبين جميعًا في زمان المعتصم بالله، فسعى به رجل وقال: إنه لا يقول: القرآن مخلوق، فأمر به المعتصم أن يجلس في منزله، فجلس، ووكل ببابه، ونهى أن يفتي أحدًا بشيء، فلما ولي المتوكل جعفر بن أبي إسحاق الخلافة أمر بإطلاقه، وأن يفتي النَّاس، ويحدثهم، فبقي حتى كبر سنه. مات سنة ثمان وثلاثين ومئتين. [وفي الفصل السادس عشر، من فصول مجد الدِّين محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوْشَني: إذا سمع من النّاس أنَّ فلانًا مات، أو رآهم صنعوا به ما يُصنع بالموتى وسعه أن يشهد على موته وإن لم يعاين ذلك. وروى ابن سَماعة عن محمَّد: إذا أخبرك واحد عدل بالموت وسعك أن تشهد

стр. 460

به، وأما في النسب فلا يسعك أن تشهد به حتى يشهد عندك عدلان، وهذا قولهما، وعلى قول أبي حنيفة ما يقع في القلب. وهكذا روى بشر بن الوليد، عن أبي حنيفة: أنه لا يحل له أن يشهد بالنسب حتى يسمع من العامة، والجواب في النكاح والقضاء نظير الجواب في النسب فقط، فرقوا جميعًا بين الموت وبين الأشياء (١) الثلاثة] (٢). * * * ١٣٣ - بِشْر بن المعلَّى (٣) (في "الجواهر المضيّة": بِشْر بن المُعَلَّى، روى عن أبي يوسف: أنَّ الحج بعد اجتماع الشروط. يعني شروط الوجوب، يجب على الفور، حتى يأثم بالتَّأخير، ذكره شمس الأئمة في "المبسوط") (٤). * * * [١٣٤ - بِشْر النَّيْسَابُوري (٥)] (بِشْر بن أبي الأزهر، القاضي النَّيْسَابُوري) (٦). وأبو الأزهر اسمه يزيد النَّيْسَابُوري.
следующие страницы →