← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وفيه في باب ذكر مسائل المهر، من كتاب النكاح: لو تزوج امرأة بألف درهم، ثم جدد النكاح بألفي درهم، اختلفوا فيه؛ ذكر الشَّيخ الإمام المعروف بخَواهَرُ زَادَه في كتاب النكاح: أن على قول أبي حنيفة ومحمَّد لا تلزمه الألف الثانية، ومهرها ألف درهم، وعلى قول أبي يوسف تلزمه الألف الثانية، وبعضهم ذكر الخلاف على عكس هذا؛ أنّ على قولهما تلزمه الألف الثانية، وعلى قول أبي يوسف لا تلزمه، ذكره عصام. [وفي الفصل السادس من كتاب العيب من "خلاصة الفتاوى": رجل باع من آخر عبدًا، وباعه المشتري من آخر، فمات العبد في يد المشتري الثاني، ثم اطلع المشتري الثاني على عيب؛ رجع على بائعه بالنقصان، وبائعه لا يرجع على بائعه عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، فلو صالح المشتري الأول مع بائعه لا يصح الصلح عند أبي حنيفة ﵀، هذا في "شرح عصام"] (١). وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة": ولو سجد الإمام للتلاوة تابعه المسبوق إن لم يقيد الركعة بالسجدة، وإن لم يتابعه لا تفسد صلاته في أصح الروايتين، وذكر في "مختصر عصام": أنه تفسد صلاته، وإن قيد الركعة بالسجدة لا يتابعه، وإن تابعه فسدت صلاته، والمسبوق إذا قام إلى قضاء ما سبق وقيد الركعة بالسجدة، ثم عاد الإمام إلى سجدة السهو لا يتابعه، وإن تابعه تفسد صلاته؛ لأنّه اقتدى بعد ما استحكم انفراده، ولو لم يقيد الركعة بالسجدة تابعه ولو لم يتابعه لا تفسد صلاته؛ لأنّه ترك المتابعة في الواجب. [وفيه في فصل التفويضات، من كتاب الطلاق: ولو قال لها: أمرك بيدك إلى عشرة أيام، فالأمر بيدها من هذا الوقت إلى مضي عشرة أيام، ويحفظ انقضاء العشرة

стр. 492

بالساعات، ولو أراد الزوج أن يكون الأمر بيدها بعد مضي عشرة أيام؛ دِيْنَ فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يَدِيْن في القضاء] (١). ذكر في "شرح مختصر عصام": إذا قال لامرأته: أنت طالق إلى سنة، فإنها تطلق بعد مضي السنة، إلا أن ينوي الوقوع للحال. والفرق: أنَّ الأمر باليد يتوقَّت فتوقِّت بالشهر لمكان التأقيت، والطلاق لا يتوقَّت، [ولو وقع قبل مضي الشهر بطل معنى التأقيت، فامتنع وقوعه قبل الشَّهر عملًا بالتأقيت. وفيه في كتاب الزكاة: رجل له مئة درهم في يده ومئة أخرى دين له على غيره، فحال الحول، ذكر عصام أنَّ عليه الزكاة. انتهى كذا ذكره الإمام فخر الدِّين قاضي خان في "فتاواه"، ثم قال: وهو محمول على ما إذا كان الدِّين بدل مال التجارة، ويكون المديون مليًّا مقرًّا بالدَّين] (٢). * * * [١٤٤ - إبراهيم بن يوسف (٣)] إبراهيم بن يوسف بن مَيمون بن قُدامة، الإمام الكبير المحل، وقيل: ابن رزين، أخو عصام. كان إمامًا كبير المحلِّ عند أصحاب أبي حنيفة، وكان شيخ زمانه، وعالم أوانه، لزم أبا يوسف حتى برع.

стр. 493

روى عن سفيان وغيره، وروى عن مالك حديثًا واحدًا: عن نافع عن ابن عُمَر: "كل مسكر حرام" (١)، وسبب تفرده به: أنه دخل على مالك ليسمع منه، وقتيبة بن سعيد حاضر، فقال لمالك: هذا يرى الإرجاء، فأمر أن يقام من المجلس، فقام ولم يسمع غير هذا الحديث، ووقع له بهذا مع قتيبة عداوة، فأخرجه من بَلْخ، فنزل بغلان، وكان بها إلى أن مات. وعن عبد الرَّحمن بن أبي حاتم في "كتاب الرد على الجهمية"، قال كان إبراهيم ابن يوسف شيخًا كبيرًا جليلًا فقيهًا، من أصحاب أبي حنيفة، طلب الحديث بعد أن تفقَّه في مذهبهم، فأدرك ابن عيينة ووكيع، وكان يقول: القرآن كلام الله، ومن قال: مخلوق (فهو كافر) (٢)، وبانت منه امرأته، ولا يصلَّى خلفه، ولا يصلِّي عليه إذا مات، ومن وقف فهو جهمي. وعن أحمد بن محمَّد بن الفضل، سمعت محمَّد بن داود الفوغي يقول (٣): حلفْتُ أن لا أكتب إلا عمن يقول: الإيمان قول وعمل. (فأتيت إبراهيم بن يوسف فقال: اكتب عني، فإني أقول: الإيمان قول وعمل) (٤). مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، ذكره في "الجواهر المضية". وفي "فتاوى القاضي ظهير الدِّين البخاري" في فصل التراويح، من كتاب الصلاة: والانتظار بين الترويحتين يستحب مقدار ترويحة واحدة عند أبي حنيفة،

стр. 494

وعليه عمل أهل الحرمين، غير أنّ أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعًا، وأهل المدينة يصلون بدل ذلك أربع ركعات، وأهل كل بلدة بالخيار يسبِّحون أو يهلِّلون أو ينتظرون سكوتًا، وهل يصلون؟ اختلف المشايخ منهم من كره، ومنهم من لم يكرهه، وكان إبراهيم بن يوسف يقول: إنه حسن جميل. * * * [١٤٥ - شداد بن حكيم (١)] شداد بن حكيم البَلْخِي القاضي. وكان من أصحاب زفر. في "الجواهر المضيّة": بعثَتْ إليه امرأته بسحور على يدي خادم، فأبطأ الخادم في الرجوع، فاتَّهمته المرأة، فقال شداد ولم يكن بيننا شيء، وطال (٢) الكلام بينهما، إلى أن قال لها شداد: أتعلمين الغيب؟ فقالت: نعم، فوقع في قلب شداد من هذا شيء، فكتب إلى محمَّد بن الحسن، فأجاب محمَّد بن الحسن أنْ جدِّد النِّكاح فإنها كفرت، قال الخاصِّي: وذكر هذه الواقعة في "الجامع الصغير" عن خلف بن أيُّوب، لا عن شداد، وهما معاصران. وذكر في "الذخيرة" قال: وحكي أنَّ امرأة شدَّاد أو (٣) خلف بن أيوب، هكذا على الشك.

стр. 495

وكان شدَّاد إذا اشترى أمة تزوَّجها، ويقول: لعلها حرة، أو جرى كلام على لسان أربابها. مات سنة عشرين ومئتين. في "فتاوى قاضي خان" في الفصل الأول من كتاب الطلاق: وروي شدَّاد بن حكيم أنه قال: اختلفت أنا وخلف بن أيُّوب في مسألة؛ لو قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، وهو لا يعرف معنى قوله: إن شاء الله؛ لا يقع الطلاق، لأنَّ الطلاق مع الاستثناء باطل، وعلم المرء وجهله فيه سواء. فقلت: الاستثناء صحيح، والطلاق باطل، وقال خلف: الاستثناء باطل، والطلاق واقع، قال خلف: فرأيت أبا يوسف في المنام، فقلت له: اختلفت أنا وشداد في المسألة، فقال لي أبو يوسف: سل (١)، فسألته، فقال: يصح الاستثناء. فقلت: لِمَ؟ قال: أرأيت لو قال: أنت طالق، فجرى على لسانه، أو غير طالق، كان يقع الطلاق؟ قلت: لا، قال: فهذه كذلك. وفي "روضة الزَّنْدَوِيْستي" في آخر الباب الثلاثين: قال سمعت ابن عيينة يقول: كان شداد بن حكيم البَلْخِي مرَّ يومًا على المسجد، ومؤذِّن يؤذِّن، وبحذاء المسجد حانوت رجل مُعدل، فلما فرغ المؤذن من الأذان اشتغل المعدل بجمع المتاع الذي بين يديه ولفَّها ليخرج إلى الصلاة، فلما كان من الغد جاء المعدل يشهد على رجل بحقٍّ، فردَّ شهادته، فقال: إنك مستخفٌ في أمر الصلاة، حيث كنت مستعدًا للصلاة حيث اشتغلت بعد الأذان. وقال: سمعت أبا الحسن المفسر النورجاني يذكر في عامته عن شداد بن حكيم: أنه كان لا يقبل شهادة من يصلي بغير رداء، يقول: إنه لو قصد باب ملك من ملوك

стр. 496

الدنيا لبس أحسن ثيابه ويتزين، (وإن صلى فهو يذهب إلى باب الله أفلا ينبغي أن يلبس أحسن ثيابه ويتزين) (١)، فلما ترك استخفَّ بأمر الصلاة فصار فاسقًا لا تقبل شهادته. * * * [١٤٦ - عيسي بن أَبَان (٢)] أبو موسى، الإمام الكبير، القاضي، عيسى بن أَبَان بن صَدقة. تفقَّه على محمَّد بن الحسن. عن الطَّحَاوِي: سمعت بكار بن قتيبة يقول (٣): (سمعت هلال بن يحيى يقول: ما في الإسلام أفقه منه؛ يعني: عيسى بن أَبَان في وقته) (٤). وعن الطَّحَاوِي أيضًا: سمعت بكار بن قتيبة يقول: كان لنا قاضيان لا مثل لهما: إسماعيل بن حماد، وعيسى بن أَبَان. وله "كتاب الحج". تفقَّه عليه أبو حازم القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز، أستاذ الطَّحاوي. وعن الطَّحَاوِي: سمعت أبا حازم القاضي يقول: ما رأيت أحدًا فتمنَّيْتُ أن أكون مثله إلا محمَّد بن سَماعة، وما رأيت قط فقيْهَين متواضعَيْن كلَّ واحد منهما يوجب

стр. 497

لصاحبه كإيجابه لنفسه غير محمَّد بن سماعة وعيسى بن أَبَان بن صدقة. قال ابن سَماعة: كان عيسى بن أَبَان حسن الوجه وحسن الحفظ للحديث، وكنت أدعوه لمجلس محمَّد بن الحسن (١) فيأبى، إلى أن لازمه، وقال: كان بيني وبين النور ستر، فارتفع عني، حتى ما ظننت في ملك الله تعالى مثل هذا الرجل. (وعن بكار بن قتيبة: سمعت هلالًا يقول: ما ولي البصرة منذ كان الإسلام إلى وقتنا هذا قاض أفقه من عيسى بن أَبَان، كذا في "الجواهر المضية") (٢). وفي "فتاوى القاضي ظهير الدِّين محمَّد بن أحمد البُخاري" في باب أحكام السفر، من كتاب الصلاة: كان سبب تفقَّه عيسى بن أَبَان هذه المسألة، فإنَّه كان مشغولًا بطلب الحديث، قال: فدخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي، وعزمت على الإقامة شهرًا، فجعلت أتم الصلاة، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀، فقال لي: إنك أخطأت، فإنك تخرج إلى منى وعرفات (٣)، فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج، فعزمت على أن أصاحبه، فجعلت أقصر الصلاة، فقال لي صاحب أبي حنيفة: إنك أخطأت فإنك مقيم بمكة، فما لم تخرج منها لا تكون مسافرًا، فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين، فلم ينفعني ما جمعت من الأخبار، فدخلت مجلس محمَّد واشتغلت بالفقه. وفي "فتاوى قاضي خان" في فصل ما يوجب الأجر على المستأجر: رجل دفع إلى خياط ثوبًا ليخيطه، فقطعه الخياط، ومات قبل الخياطة، قال عيسى بن أَبَان: لا

стр. 498

أجر له؛ لأنَّ المقصود هو الخياطة دون القطع، فكان الأجر مقابلًا بالخياطة، وقال أبو سليمان الجُوْزَجاني: له أجر القطع، وهو الصحيح. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل السابع من كتاب السِّير: الأخبار المروية عن النبي ﷺ على مراتب ثلاث: منها: ما هو متواتر، وهو أن يروي جماعة عن جماعة لا يتصوَّر تواطؤهم على الكذب، وإذا أنكره إنسان يكفر. (ومنها ما هو مشهور، وهو أن يرويه واحد عن واحد في العصر الأول، ثم يشتهر في العصر الثاني، حتى يرويه جماعة عن جماعة لا يتصوَّر تواطؤهم على الكذب، وإذا أنكره إنسان يكفر) (١) عند بعضهم، (وقال عيسى بن أَبَان ﵀: يُضلَّل ولا يكفر، وهو الصحيح) (٢). ومنها: ما هو خبر الواحد، وهو أن يرويه جماعة عن جماعة يتصوَّر تواطؤهم على الكذب، ولا يكفر جاحده ولا يضلَّل، غير أنه يأثم بترك القَبول. وفي "أصول فخر الإسلام البَزْدَوي": المشهور من الأخبار: ما كان من الآحاد في الأصل، ثم انتشر فصار (٣) ينقله قوم لا يتوهَّم تواطؤهم على الكذب، وهم القرن الثاني بعد الصحابة ﵃ فمن بعدهم، وأولئك هم قوم ثقات لا يُتَّهمون (٤)، فصار بشهادتهم وتصديقهم بمنزلة المتواتر حجَّة من حجج الله تعالى، حتى قال الجصَّاص: إنه أحد قِسْمي المتواتر.

стр. 499

وقال عيسى بن أَبَان: إنَّ المشهور من الأخبار يُضلَّل جاحده ولا يكفر، مثل حديث المسح على الخفَّين، وحديث الرَّجم، وهو الصحيح عندنا؛ لأنَّ المشهور بشهادة السَّلف صار حجة للعمل به كالمتواتر. * * * [١٤٧ - علي بن الجَعْد (١)] علي بن الجَعْد بن عبيد الجوهري أبو الحسن كان من أصحاب أبي يوسف. ولد في آخر خلافة علي بن عبد الله بن العبَّاس، سنة ست وثلاثين ومئة، روي أنه رأى الإمام، وحضر جنازته، ومات سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وهو ابن ست وتسعين سنة. روى عنه البخاري وأبو داود. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل التاسع من كتاب الأيمان: إذا أعطى كلَّ مسكين نصف ثوب، وأعطى ثوبًا عشرة مساكين عن كفَّارة يمينه؛ لم يجز عن الكسوة، وإذا لم يجز عن الكسوة هل يجزي عن الطعام؟ إذا كان يبلغ قيمته قيمة طعام عشرة مساكين، ذكر شيخ الإسلام خَواهَرْ زَادَه ﵀ أنَّ في ظاهر الرِّواية عن أصحابنا ﵏ أنه يجزيه، نوى أن يكون بدلًا عن الطعام أو لم ينوِ، وعن أبي يوسف أنه إن نوى أن يكون بدلًا عن الطعام يجزيه،

стр. 500

وإلا فلا، قال الحاكم الشهيد: وجدت رواية عن علي بن الجَعْد، عن أبي يوسف: أنه قال: لا يجزي الطعام عن الكسوة، ولا الكسوة عن الطعام من غير فصل، بينما إذا نوى أو لم ينوِ، فصار عن أبي يوسف في المسألة روايتان. وفي "أجناس النَّاطِفي" في كتاب الحدود: جنس (١) التَّعزير وضع في الشرع صيانة للإنسان؛ حتى لا يتكلَّم الإنسان بما يذهب بماء وجه غيره. وقال في كتاب حدود الأصل: لو قال لرجل صالح: يا فاجر، يا فاسق يا خبيث؛ عليه التعزير، ولو قال يا حمار، يا ثور، يا خنزير؛ لا يعزَّر. وفي "نوادر أبي يوسف" رواية عن ابن الجَعْد: قال أبو يوسف: لو قال: يا كلب، يا تيس، يا بقر، يا ذئب، يا حية؛ لا يجب في ذلك كله التعزير. وفي "نوادر أبي يوسف" رواية ابن سماعة: لو قال: يا خنزير يا حمار؛ عزَّرته، ولو قال الرجل صالح ذي مروءة: يا فاسق، يا لص، يا مشرك، يا كافر، يا زنديق؛ عزَّرته في ذلك كله (٢)، فإن كان الذي قيل له: يا فاسق، كان فاسقًا، أو الذي قيل له: يا فاجر، كان فاجرًا، أو الذي قيل له: يا لص، كان لصًا؛ لا شيء على القائل في ذلك، ذكره في "المجرد". وقال أبو حنيفة في "المجرد": ولو قال رجل لرجل من أهل الصلاح: يا لوطي، أو أنت تلعب بالصبيان عُزِّر فيه. وفي "حدود الأصل": لو قال لرجل: يا آكل الربا، أو يا شارب الخمر، ولم يكن فيه ما قاله عُزِّر، وفي رواية علي بن الجَعْد في "نوادر أبي يوسف": ولو قال: يا قرد،

стр. 501

أو يا ولد الحرام، أو يا عيار؛ لأنّه هو الذي يتردد بغير عمل، أو يا مقامر؛ لأنّ أبا يوسف قال: لا بأس باللعب بالشطرنج، أو قال يا ناكس، يا مسخرة، يا ضحكة؛ لا يعزر في شيء من ذلك، ولو قال: يا جيفة، يا ديُّوث، أو مخنَّث؛ عزِّر في ذلك، ولو قال: يا سفيه عُزِّر، إلى هنا من "أجناس النَّاطِفي". * * * [١٤٨ - محمَّد بن مقاتل الرَّازي (١)] محمَّد بن مقاتل الرَّازي، أبو بكر. قال في "الجواهر المضية" (٢): من أصحاب محمَّد بن الحسن، من طبقة سليمان بن شُعَيب وعلى بن مَعْبد. روى عن أبي مطيع، وروى عنه وأخذ ابنه أحمد بن محمَّد بن مقاتل الرَّازي أبو بكر. قال الذَّهبي: وحدث عن وكيع وطبقته (٣). قال محمَّد بن مقاتل: إذا قال الرجل لذمِّي: أسلم، فقال: أسلمت، فهو إسلام منه، في قول علمائنا، سمعته من الحسن بن زياد. وفي "محيط السَّرَخْسي" في باب معرفة الدماء الفاسدة من كتاب الحيض: ذكر محمَّد في نوادر الصلاة: العجوز الكبيرة لو رأت الدم مدَّة الحيض فهو حيض؛

стр. 502

لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي: حاضت، وهي كانت ابنة ثلاث وثمانين سنة؛ ولأنها لو رأته على الدوام كان حيضًا، فانقطاعه من قبل لا يمنع كونه حيضًا؛ لأنا تيقنَّا بكونها ممَّن تحيض، وفي إياسها شكٌّ وتوقُّف، فمتى عاودها الدَّم تبين أنها لم تكن آيسة. وقال محمَّد بن مقاتل الرَّازِي (١): هذا إذا لم يحكم بإياسها، فإن حكم بإياسها، ثم رأت الدم لا يكون حيضًا على الصحيح؛ لأنا قد حكمنا بإياسها بالاجتهاد، فلا ينقض هذا باجتهاد مثله، والدم المرئي يحتمل أن يكون حيضًا ويحتمل أن لا يكون، فلا ينقض الحكم بالإياس بالشك والاحتمال. وفي "أجناس النَّاطِفي": لو وقع قطرة من المطر حال نومه في حلقه أفطره، ذكره في إملاء محمَّد بن مقاتل. [وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في القسم السادس من باب التراويح: سئل نصير بن يحيى عن إمامة الصبيان في التراويح، قال تجوز إن كان ابن عشر سنين، وقال مشايخ العراق ومشايخ بَلْخ: لا تجوز، قال السَّرَخْسي: الصحيح أنه لا تجوز؛ لأنَّه غير مخاطب كالمجنون، وإذا أمَّ الصبيان يجوز؛ لأنهم على مثل حاله، وعن محمَّد بن مقاتل الرَّازي أنه قال: تجوز في التراويح خاصَّة؛ لأنَّ الحسن بن علي ﵄ كان يؤمُّ عائشة ﵂ في التَّراويح، وكان صبيًّا. وفي "فتاوى قاضي خان" في أواخر كتاب الحظر والإباحة: وقعت له ألف درهم في دار إنسان، وخاف أنه لو علم صاحب الدار يمنعه ولا يرد عليه، هل له أن (٢) يدخل داره بغير إذنه؟ قال ابن مقاتل: ينبغي أن يُعلم بذلك أهل الصلاح، وإن لم يكن

стр. 503

ثمَّة أهل الصلاح إن أمكنه أن يدخل ويأخذ ماله من غير أن يعلم به أحد فعل هذا إذا خاف من صاحب الدار، فإن لم يخف لا يحل له أن يدخل بغير إذنه، بل يُعلم صاحب الدار حتى يأذن له بالدخول، أو يخرج المال إليه. وفيه أيضًا: بعرة من بعر الفأرة وقعت في حنطة وطحنت، قال ابن مقاتل: لا يؤكل، وقال الخَصَّاف: لا أحفظ فيه قول أصحابنا، وعندي لا يفسد إلا أن يكون كثيرًا فاحشًا ينفر الطَّبع عنه (١)]. * * * ١٤٩ - داود بن رشيد الخُوَارِزْمِي (٢) من أصحاب محمَّد بن الحسن، ومن أصحاب حفص بن غياث. وله "النوادر" (٣). أصله خوارزمي، سكن ببغداد. وروى عنه مسلم وأبو داود وابن ماجه، وروى له البُخاري والنسائي. مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٤)، ذكره في "الجواهر المضية". وفي "فتاوى قاضي خان" في كتاب السير: كافر لم يقر بالإسلام إلا أنه صلى مع

стр. 504

المسلمين بجماعة يحكم بإسلامه، حتى لو أنكر يصير مرتدا، وإن صلى وحده لا يحكم بإسلامه، وروى داود بن رشيد عن محمَّد: يكون مسلمًا إذا صلى إلى قبلة المسلمين. وفي فتاوى حافظ الدِّين الكَرْدَري الشهيرة بـ"البَزَّازية" في آخر كتاب الزكاة: وتفسير طاقة الأرض أن لا يزاد على نصف الخارج، وروى داود بن رشيد الخُوَارِزْمِي عن محمَّد: أنّ للسلطان أن يترك له (١) ولعياله قدر ما يكفيه إلى إدراك الزرع الثاني مع البذر (٢) للزراعة. * * * [١٥٠ - محمَّد بن عبد الله الأنصاري (٣)] محمَّد بن عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس (بن مالك الأنصاري) (٤). من أصحاب زفر خاصَّة، ذكره الصَّيْمَري (٥). وعن الخطيب: أنه كان من أصحاب زفر وأبي يوسف، ولي القضاء بالبصرة في أيام الرَّشيد.

стр. 505

وعن الخطيب في "تاريخه" عن سليمان بن داود قال: وجَّه المأمون بن الرَّشيد إلى محمَّد بن عبد الله الأنصاري خمسين ألف درهم، وأمره أن يقسمها بين الفقهاء بالبصرة، وكان بها هلال يتكلم عن أصحابه، قال الأنصاري: وكنت أنا أتكلم عن أصحابي، فقال هلال: هي لي ولأصحابي، وقلت أنا: هي لي ولأصحابي، فاختلفنا، فقلت لهلال: كيف تتشهد؟ فقال هلال: أو مثلي يسأل عن التشهد! فتشهد (١) على حديث ابن مسعود، فقال له الأنصاري: من حدَّثك به؟ ومن أين ثبت عندك؟، فبُهت هلال ولم يجبه، فقال الأنصاري: تصلي كلَّ يوم وليلة خمس صلوات فيها هذا الكلام، وأنت لا تدري من رواه، ثم قسم الأنصاري بينه وبين أصحابه. ولد الأنصاري في سنة ثماني عشرة ومئة ومات سنة خمس عشرة ومئتين بالبصرة. [وفي "الخلاصة" في وقف المنقول في الفصل الثالث من كتاب الوقف: وعن الأنصاري -وكان من أصحاب زفر- فيمن وقف الدراهم أو الطعام أو ما يكال أو ما يوزن، أيجوز ذلك؟ قال: نعم، قيل: وكيف؟ قال: يدفع الدراهم مضاربة، ثم يتصدَّق بفضلها في الوجه الذي وقف عليه، وما (٢) يكال أو ما يوزن يباع، فيدفع ثمنه مضاربة أو بضاعة كالدراهم. وفي "فتاوى قاضي خان" في وقف الأنصاري: لو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة الله تعالى أبدًا يجري على غلتها أبدًا ما عشت ولم يزد على ذلك جاز، وإذا مات تكون للفقراء.

стр. 506

وفي أحكام السكوت في الفصل الثلاثين من "العمادية": الوقف على رجل معيَّن إذا سكت الموقوف عليه صح، ولو ردها ذكر هلال أنه يبطل، وذكر الأنصاري أنها لا تبطل] (١). وفي "المعارف" ذكر ابن قتيبة: محمَّد بن عبد الله الأنصاري هو من ولد أنس بن مالك، ولي قضاء البصرة بعد معاذ (٢) (بن معاذ (٣)) (٤)، ثم نقل إلى بغداد، فولي قضاء عسكر المهدي بعد العوفي (٥) في آخر خلافة هارون الرشيد، فلما ولي محمَّد عزله عن القضاء، وولى مكانه عون بن عبد الله المسعودي، ثم ولاه قضاء البصرة ثانية، ثم عزله، وولى مكانه يحيى بن أكثم (٦)، فلم يزل الأنصاري يحدث بالبصرة إلى أن مات سنة خمس عشرة ومئتين. والعوفي (٧) القاضي الحسن بن الحسن بن عطية أبو عبد الله، ولي قضاء الشرقية بعد حفص بن غياث في خلافة هارون، هكذا ذكره ابن قتيبة، (والله أعلم) (٨). * * *

стр. 507

[١٥١ - إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة (١)] الإمام ابن الإمام (ابن الإمام) (٢) إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. تفقَّه على أبيه حمَّاد والحسن بن زياد، ولم يدرك جدَّه أبا حنيفة الإمام، وسمع الحديث من أبيه وغيره، ولي القضاء بالجانب الشرقي ببغداد، وقضاء البصرة والرَّقة. وكان بصيرًا بالقضاء محمودًا فيه، عارفًا بالأحكام والوقائع والنوازل والحوادث، صالحًا ديِّنًا عابدًا زاهدًا. صنَّف من الكتب "الجامع في الفقه"، وله "كتاب الرَّد على القدريَّة"، و"كتاب الإرجاء". ذكر (٣) الخطيب بإسناده إلى العبَّاس بن ميمون: سمعت محمدًا أبا عبد الله الأنصاري يقول: ما ولي القضاء من لدن عُمَر بن الخطاب أعلم من إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة. وعن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني: إسماعيل بن حمَّاد نافلة أبي حنيفة، وكان يختلف إلى أبي يوسف يتفقَّه عليه، ثم صار بحال يَعترض عليه، ومات شابًّا، ولو عاش حتى صار شيخًا كان له شأن بين الناس. وفي "تراجم ابن قُطْلُوبُغا": تفقَّه عليه أبو سعيد البَرْدَعي.

стр. 508

قال ابن الشِّحنة في "شرح منظومة ابن وهبان": هو حفيد أبي حنيفة، وكان من أجلَّة الأئمَّة (١)، (أخذ عن أبي يوسف وزاحمه في العلم) (٢) ولو عمّر لفاق المتقدِّمين والمتأخرين، ولكنه مات شابًّا. وفي "شرح الهداية" في باب الحبس من كتاب أدب القاضي: قال الشَّيخ الأكمل: ولو قامت البيِّنة على إفلاسه قبل مضي المدَّة، بأن أخبر واحد ثقة أو اثنان أو شهد بذلك شاهدان أنه مفلس معدم لا نعلم له مالًا، سوى كسوته التي عليه وثياب ليله، فقد اختبرنا أمره (٣) سرَّه وعلانيته، ففيه روايتان؛ تقبل في رواية ولا تقبل في رواية الأصل، وعليها عامَّة المشايخ. وإن كان ذلك قبل الحبس؛ فعن محمَّد فيه روايتان، في رواية: لا يحبسه، وبه كان يفتي الشَّيخ الجليل أبو بكر محمَّد (بن الفضل، وهو قول إسمعيل) (٤) ابن حمَّاد بن أبي حنيفة ﵏، وفي أخرى وعليها عامَّة المشايخ (٥): أن يحبسه، ولا يلتفت إلى هذه البيِّنة؛ لأنها على النَّفي، فلا تقبل إلا إذا تأيَّدت بمؤيِّد. * * *

стр. 509

١٥٢ - أبو عبد الله محمَّد بن شجاع الثَّلْجي (١) كان (٢) تفقَّه على الحسن بن أبي مالك من رجال هذه الكتيبة، ثم توفِّي، وأخذ عن الحسن بن زياد، وكان من أصحابه، وبرع في العلم. وكان فقيه أهل العراق في وقته، والمقدَّم في الفقه والحديث وقراءة القرآن، مع ورع وعبادة. مات فجأة في سنة سبع وستين ومئتين ساجدًا في صلاة العصر. صاحب التَّصانيف، له "كتاب تصحيح الآثار" وهو كبير، و"كتاب النَّوادر"، و"كتاب المضاربة"، و"كتاب الرد على المشبهة"، وغيرها. وله ميل إلى مذهب المعتزلة. ولما طلب إلى القضاء قال: إنَّما يصلح القضاء لأحد ثلاثة: لمن يكتسب مالًا، أو جاهًا، أو ذكرًا، فأما أنا فما لي (رغبة في شيء من ذلك، فإن مالي) (٣) وافر وأنا غني، وإن الأمير ليوجِّه إليَّ بالمال لأفرِّقه فأرده، ولو احتجت إلى شيء منه لأخذته، وأما الذِّكر فقد سبق لي عند من يقصدنا من أهل العلم بما فيه من الفقه كفاية. قال الحكم (٤): رأيت عند (٥) محمَّد بن أحمد بن موسى القمي، عن أبيه، عن محمَّد بن شجاع "كتاب المناسك" في نيف وستين جزءًا كبارًا.

стр. 510

[وفي "واقعات الصَّدر الشَّهيد" (١) في باب الصلاة، بعلامة العين: أنّ المرأة إذا (صلَّت وشعرها) (٢) تحت الأذنين مكشوف قدر الرُّبع لا تجوز صلاتها؛ لأنَّ في (٣) كون المسترسل من شعرها عورة روايتين، ذكرناها في "شرح الجامع الصغير"، واختار الفقيه أبو الليث هذه الرواية أنه عورة احتياطًا؛ لأنَّ تلك الرواية اقتضت أن يجوز (٤) للأجنبي النظر إلى صدغ الأجنبية وطرف ناصيتها، كما ذهب إليه أبو عبد الله الثَّلْجي، وهذا أمر يؤدِّي إلى الفتنة، فكان الاحتياط في الأخذ بهذه الرواية أنَّ شعرها كلَّه عورة. وفي "أجناس النَّاطِفي" قال: وفي "تفسير (٥) المجرد" لابن شجاع: لو لحق الإمام في القنوت بعد رفع رأسه من الركوع، والإمام يرى القنوت في الوتر بعد الركوع، والمأموم يرى قبل الركوع يسكت، وعليه أن يقنت قبل الركوع فيما يقضي. وفي "فتاوى قاضي خان" في كتاب الوديعة: وعن نصير أنه كتب إلى ابن شجاع في مودع يقول: دفنت الوديعة ونسيت موضعها، فأجاب وقال: إنْ دفنَها في داره لا يضمن، وإن دفنها في غير داره يضمن] (٦). وفيه (٧) في فصل ما يوجب التعزير: حكي أنه كان ببغداد نصرانيَّان مرتدَّان، إذا أُخذا تابا، وإذا تُركا عادا إلى الردَّة، قال أبو عبد الله الثَّلْجي: يقتلان ولا تُقبل توبتهما.

стр. 511

(وفي "أجناس النَّاطِفي" قال أبو العبَّاس النَّاطِفي: رأيت بخط بعض مشايخنا في رجل جعل لأحد بنيه دارًا بنصيبه، على أن لا يكون له بعد موت الأب ميراث جاز، وأفتى به أبو جعفر محمَّد بن اليمان، أحد أصحاب محمَّد بن شجاع) (١) انتهى. * * * [١٥٣ - عَمْرو بن مهير (٢)] الإمام عَمْرو بن مُهَيْر، والد أبي بكر الإمام أحمد الخَصَّاف. تفقَّه على الحسن بن زياد. رأيت في "وقف الخَصَّاف" قال في قول أبي حنيفة ﵁ في الوقف: قال أبو بكر: أخبرني أبي، عن الحسن بن زياد قال: قال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز الوقف إلا ما كان منه على طريق الوصايا، واعتلَّ في إبطالها بما رُوي عن شريح، قال: جاء محمَّد ﷺ ببيع (٣) الحبيس (٤)، وللحديث: "لا حبس عن فرائض الله تعالى" (٥)، وتفسير قول أبي حنيفة: أنَّ الوقف جائز إذا (٦) كان على طريق الوصية، أنه قال في رجل وقف أرضًا في مرضه: وهي تخرج من ثلاثة، انتهى. وأخذ أيضًا عن محمد. وأخذ عنه ابنه (الإمام الكبير) (٧) أبو بكر أحمد بن عَمْرو الخَصَّاف.

стр. 512

[ورأيت أيضًا في "وقف الخَصَّاف" في باب إقرار الرجل بأرض في يده أنها وقف، قال أبو بكر: قال الحسن بن زياد: وأتوهَّم أنَّ أبي قد روى ذلك أيضًا عن محمَّد ابن الحسن: ولو أنَّ رجلًا مريضًا أقرَّ في مرضه أنَّ هذه الأرض التي في يديه وقفها رجل مالك لها على فلان وعلى المساكين وابن السبيل، ثم مات المقرُّ في مرضه ذلك: أنه إذا كان فيما وقف لأناس بأعيانهم فهي من جميع مال المُقِر، ويكون للذين وقف عليهم المسمين الثلثان من غلَّة ذلك، والثلث للمساكين وابن السبيل، انتهى] (١). وفي "الجواهر المضية": عَمْرو بن مُهَيْر الخَصَّاف، الإمام، والد الإمام أبي بكر أحمد، روى عن الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: إذا ارتشى القاضي فهو معزول، وإن لم يُعزَل، انتهى. * * * ١٥٤ - علي بن مَعْبَد بن شدَّاد (٢) كان من أصحاب محمَّد بن الحسن خاصَّة. وعن الشِّيْرَازِي: روى عن محمَّد "الجامع الكبير" و"الجامع الصغير". ذكره ابن يونس في الغرباء الذين قدموا مصر، فقال: قدم مصر مصر مع أبيه مَعبد، وكان يذهب في الفقه مذهب أبي حنيفة، وحدَّث بمصر. وذكره المزِّي (٣) في "الكمال"، وسرد من روى عنه، فذكر من جملتهم أنه روى عن ابن عيينة وجرير بن عبد الحميد.

стр. 513

مات في سنة ثماني عشرة ومئتين. [وعن الطَّحاوي: سمعت أبا محمَّد بن سلامة يقول: علي بن مَعْبد بن شدَّاد العبدي يقول: قدمت الرَّقة ومحمَّد بن الحسن قاضٍ عليها، فأتيت بابه، فاستأذنت عليه، فحجب عني، فانصرفت فأقمت بالرَّقة مدة لا آتيه، فبينما أنا في يوم من الأيام في بعض طرقاتها إذا بمحمَّد بن الحسن وهو مقبل على هيئة القضاة، فلما رآني أقبل عليَّ واستبطأني، ووكل بي من يصيرني إلى منزله، فلما دخلت عليه قال: ما الذي خلفك عني منذ (١) قدمت؟ وقد بلغني أنك ها هنا، فقلت: أتيت منزلك، فحجبت عنك، فانصرفت، وإنما آتيك كما كنت آتيك وأنت غير قاضٍ، فساءه ذلك وغمَّه، فقال لي: أي حاجب حجبك؟ فظننت أنه يريد عقوبته فلم أخبره، فقال لي: فإن لم تقل لي فأنا أجيبهم كلهم، فقلت: إذًا تظلم من لم يحجبني، فقال: ثم دعا بحجَّابه جميعًا، وقال لهم: لا آذن لكم في حجب أبي محمَّد عني، ثم التفت إليّ فقال: إذا جئت الينا فلا يكن بيني بينك إلا الستر الذي يستر النّاس عنا، فتنحنح حينئذ، فإن كنت على حال يتهيأ لك الدخول فيها أذنت لك بنفسي، وإن كنت على غير ذلك أسكت، فانصرف، فكنت بعد ذلك آتيه والناس على بابه، فأتخطَّاهم وأتخطا حجابه حتى أصل إلى (٢) السِّتر الذي يستر النَّاس عنَّا فأتنحنح وأسلِّم، فيقول: ادخل يا أبا محمد! فأدخل، أو يمسك فأنصرف] (٣). وأبوه أيضًا يُعدُّ من أصحاب محمَّد، انتهى. * * *

стр. 514

[١٥٥ - يحيى بن أَكْثَم (١)] يحيى بن أَكْثَم (٢) القاضي. في "الجواهر المضية": أحد الأعلام واسع الترجمة. مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٣) بعد منصرفه من الحاج. والده أكثم (٤) مات سنة ثمان وثمانين ومئة. روى عنه البخاري في غير "الجامع"، والترمذي في "سننه". قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ذُكِر يحيى بن أَكْثم (٥) عند أبي، فقال: ما عرفت فيه (٦) بدعة، فذكر له ما يرميه النّاس به، فقال سبحان الله! ومن يقول هذا؟ وأنكر ذلك إنكارًا شديدًا. أخذ العلم عن وكيع بن الجراح، وسمع وروى عن محمَّد بن الحسن، ومن أصحاب أبي (٧) العبَّاس البرقي أحمد بن محمَّد بن عيسى بن الأزهر (٨) قاضي واسط، تفقَّه عليه، وأخذ عنه.

стр. 515

ذكر الأَتْقاني في "غاية البيان شرح الهداية": قال الفقيه أبو اللَّيث في "الجامع الصغير": روي (١) عن يحيى بن أَكْثَم (٢) أنه قال: سألت محمَّد بن الحسن، فقلت: من أين قلتم: إنَّ المرأة إذا صلَّت وربع ساقها مكشوف لا تجوز صلاتها؟ قال: من مسح الرأس، وقيل أيضًا: إِنَّ الربع يقوم مقام الكل؛ لأنَّ الناظر إلى الربع يحكي عن الكل، لأنّ الشيء إذا كان له أربع جوانب إذا نظر الناظر إليه (فإنه يرى) (٣) ربعه، ويحكي عن الكل، إلى هنا كلام أبي الليث (رحمه الله تعالى، ورحمنا به في الدنيا والآخرة، آمين) (٤). رأيت في "ثمرات الأوراق" لابن حجة (٥): دخل أعرابي على يحيى بن أَكْثَم (٦) القاضي وفي يده قوس يمدها، فقال له يحيى: قل في قوسي بيتًا، فأنشد الأعرابي (٧): قوسُكَ قوسُ المجد والوتر النَّدى … وسَهمُكَ سَهم الجودِ فاقتلْ بها فَقري فقال يحيى: بكم يُقتل (٨) فقرك؟ قال: بخمسين ألف دينار، قال: كم تركت لنا منها؟ قال: تسعة وأربعين ألفًا، فأمر له يحيى بألف دينار، وقال: خذها بفضلك وجودك الذي جدْتَ علينا. روي أنَّه لما أراد المأمون أن يولي رجلًا القضاء بالبصرة، فوُصِف له يحيى بن

стр. 516

أَكْثم (١)، فاستحضره، فرآه ذميم الخَلْق، فاستحقره، فعلم يحيى ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، سلني إن كان القصد علمي لا خَلْقي، فسأله فأجابه، فقلَّده القضاء، لا (٢) يُعْلَم أحدٌ غلب على سلطان في زمانه إلا يحيى بن أَكْثَم (٣). قال ابن خَلِّكان في ترجمته: لما ولي (قضاء البصرة) (٤) كان سِنُّه نحو عشرين سنة، فاستصغره أهل البصرة، وقالوا له كم سن القاضي؟ فعلم أنهم استصغروه، فقال: أنا أكبر من عتَّاب بن أَسِيْد ﵁ حين وجهه النبي ﷺ قاضيًا إلى اليمن، ومن كَعب بن سُور الذي وجَّه به النبي ﷺ قاضيًا إلى البصرة، ومن معاذ بن جبل الذي وجَّه به النبي ﷺ قاضيًا على مكة يوم الفتح، فجعل جوابه احتجاجًا. وأبو طالب المكِّي ذكر هذه الحكاية في باب اللِّحية على غير هذا، وقال: إنَّ يحيى بن أكثم (٥) ولي القضاء وسنه إحدى وعشرون سنة، فقال له رجل ذات يوم -وهو في مجلسه يريد أن يحشمه (٦) بذلك-: كم سنُّ القاضي أيَّده الله تعالى؟ فقال: مثل سن عتَّاب بن أَسِيد حيث ولَّاه رسول الله ﷺ إمارة مكَّة. وكان كتب يحيى بن أكثم (٧) في الفقه أجلَّ كتب، فتركها الناس لطولها. وكان ليحيى يومٌ في الإسلام لم يكن مثله، وهو أنَّ المأمون كان في طريق الشام،

стр. 517

فأمر فنودي بتحليل المتعة، ولم يستطع أحد أن يحتجَّ عليه في تحريمها غير يحيى بن أَكْثَم (١)، فقرَّر عند المأمون تحريم المتعة، فقال المأمون: أستغفر الله، نادوا بتحريم نكاح المتعة. قيل: ولم يكن في يحيى ما يُعاب به سوى ما اتُّهم به مما هو شائع [عنه] من محبَّة الصبيان وحب العلوِّ، وكان إذا رأى فقيهًا سأله عن الحديث، ومحدثًا سأله عن النَّحو، ونحويًا سأله عن الكلام ليخجله ويقطعه، فدخل عليه يومًا رجل من أهل خراسان، فناظره، فرآه مفنِّنًا (٢) حافظًا، فقال له: نظرْتَ في الحديث؟ قال: نعم، قال: ما تحفظ؟ قال: أحفظ عن شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، قال: إنَّ عليًّا ﵁ رجم لوطيًّا. فأمسك ولم يكلِّمْه (٣). ذكر الدَّمِيْرِي أنه رؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي إلا أنه وبَّخني، وقال لي: يا يحيى خلطت في دار الدنيا، فقلت: يا رب، اتَّكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضَّرير، عن الأعمش، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّك قلْتَ: إنِّي لأستحي أن أعذِّب ذا شَيبة مسلم بالنَّار" (٤)، فقال جلَّ وعلا: قد عفونا عنك يا يحيى، وصدق نبيي، إلا أنك خلَّطت عليَّ في الدنيا.

стр. 518

وفي (١) "ثمرات الأوراق" عن البعض: سمعت يحيى بن أكثم (٢) القاضي يقول: إنما الدنيا طعام ومُدام وغُلام … فإذا فاتك هذا فعلى الدُّنيا السَّلام قال البعض: قال وأنا أقول: إنَّ الغلام أخفَّ مؤنة، وأكثر معونة، في الخلوة أهل، ومع النداما نديم، وفي الطريق صاحب. روي أنه لما عزل إسماعيل بن حمَّاد عن قضاء البصرة شيَّعوه، وقالوا: عففْتَ عن أموالنا ودمائنا، فقال إسماعيل: وعن أبنائكم، يعرِّض بيحيى بن أكثم في محبَّة الصِّبيان. والظن الغالب أنَّ ما يرميه النّاس به بعيد عنه كما عدَّله عبد الله بن أحمد بن حنبل، فقال: ما عرفت فيه بدعة، كما نقلته في أوَّل ذِكْره. * * * قلب هذه الكتيبة [١٥٦ - السَّري السَّقَطي (٣)] سري بن المُغَلِّس السَّقَطي، قدَّس الله تعالى سرَّه العزيز. كان يكنى بأبي الحسين. ربَّاه معروف الكَرْخي وأرشده، وهو أخذ التَّصوف والنِّسبة والتَّلقين عن معروف الكَرْخي. وهو من أصحاب الطبقة الثانية في التصوف، وأكثر أرباب التصوف يقتحمون طريقتهم بالنسبة إليه، إلى معروف الكَرْخي، إلى داود الطائي، إلى حبيب العجمي،

стр. 519

إلى الحسن البصري، إلى علي بن أبي طالب، إلى رسول الله ﷺ في تلقين الذِّكر. وكان سيِّد الطائفة الجنيد البغدادي من أجلِّ أصحابه، روي عنه أنه قال: ما رأيت أعبد من السَّري، أتت عليه سبعون سنة ما رُئي مضطجعًا إلا في علَّة الموت. وحين احتضر أوصى إلى الجنيد، وقال: إيَّاك وصحبة الأشرار، ولا تنقطع عن الله بصحبة الأخيار. مات رحمه الله تعالى سنة ثلاث وخمسين ومئتين. وعن الجنيد أنه قال: دخلت بيت السَّري يومًا، وكان قد كنس بيته ويقرأ هذا البيت (١) ويبكي: نه شب تهيم نه روز از ناله ووآه … خواهي شب من دراز خواهي كوتاه وعن السَّري أنه قال: بداية المعرفة تجريد النفس للتفريد (٢) للحقِّ. وعنه من تزَّين للنَّاس بما ليس فيه سقط من عين الله . وعن السَّري في "كفاية المعتقدين" لليافعي أنه قال: كنت أطلب رجلًا صديقًا من الأوقات، فمررت يومًا في بعض الجبال، فإذا أنا بجماعة زمناء وعميان ومرضى، فسألت عن حالهم، فقالوا: ها هنا رجل يخرج في السنة مرة، فيدعو لهم فيجدون الشفاء، فمكثت حتى خرج، فدعا لهم فوجدوا الشفاء، فقفوت أثره فأدركته، وتعلَّقْتُ به، وقلت له: بي علة باطنية فما دواءها، فقال: يا سيدي خلِّ عني، فإنَّه غيور، فإيَّاك أن يراك تأنس إلى غيره فتسقط من عينه، ثم تركني وذهب. وعن الجنيد في "كتاب التوحيد" للإمام محمَّد أبي بكر الرَّازي أنه قال: كنت أسمع السَّري يقول: يبلغ العبد من الهيبة والأنس إلى حدٍّ لو ضُرِب وجهه بالسيف

стр. 520

لم يشعر، قال: وكان في قلبي منه شيء حتى بان لي أنّ الأمر كذلك، انتهى. ثم قال الإمام الرَّازِي: قلت: وذلك لأنَّ الهيبة والأنس فوق القبض والبسط، والقبض والبسط فوق الخوف والرجاء، فالهيبة مقتضاها الغيبة والدهش، فكل هائب غائب حتى لو قطع قطعًا لم يحضر من غيبته إلا بزوال الهيبة عنه، والأنس مقتضاه الصحو والإفاقة. ثم إنهم يتفاوتون في الهيبة والأنس، فأدنى (١) مرتبة من الأنس أنه لو ألقي في لظى ما تكدَّر أنسه، لأنَّه لا يشهد إلا هو، ولا يعرف إلا هو، ألا ترى قول السري ﵀: يبلغ العبد من الهيبة والأنس إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر، وذلك لأنّ الأنس يتولَّد من السرور بالله تعالى، ومن صحَّ له الأنس بالله استوحش مما سواه، فهو باقٍ بالله، فإن عين السرى لم ترَ غيره، ولا تشهد لسواه فعلًا، فلم ترَ في الكونين إلا إياه، فلا يقع بصره إلا عليه، ولا معبر (٢) إلا على فعله وخلقه؛ (لأن العارف) (٣) عرف الصنعة بالصانع، ولم يعرف الصانع بالصنعة، ولذلك قال الصدِّيق الأكبر أبو بكر ﵁: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله، وهذا هو المقام الشريف من التوحيد. واعلم أنّ العبد لا يذوق حلاوة الأنس بالله تعالى إلا إذا قطع العلائق، ورفض الخلائق، وغاص في الدَّقائق، مطَّلعًا على الحقائق، وعن سري السَّقَطي: سمعت حاديًا يحدي في البادية ويقول: أبكي وما يدريْكِ ما يُبكيني … أبكي حذارَ أن تفارقيني وتَقطعي حبلي وتهجريني

стр. 521

الكتيبة الثالثة من الكتائب المرتبة في أصحابنا الحنفيَّة، وهم رجال أخذوا عن أصحاب تلامذة أبي حنيفة. * * * [١٥٧ - محمَّد بن سَلمة (١)] الشَّيخ الإمام محمَّد بن سَلَمة، أبو عبد الله، الفقيه، البَلْخِي. ولد سنة اثنتين وتسعين ومئة، مات في سنة ثمان وسبعين ومئتين وهو ابن سبع وثمانين سنة. تفقَّه في أول طلبه على شدَّاد بن حكيم، ثم تفقَّه على أبي سليمان الجُوْزَجاني، وأخذ عنه، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وتفقَّه عليه أبو بكر محمَّد بن أحمد الإسكاف. وفي باب الوكالة بعلامة العين من "واقعات الصَّدر الشَّهيد": رجل أراد أن يخرج إلى سفر، فخاصمته امرأته ووكَّل وكيلًا، وقال: إن لم أرجع إلى كذا فطلِّقها، فلما خرج كتب إلى الوكيل أني أخرجتك من الوكالة، اختلف المشايخ، قال نصير: يخرج، وقال محمَّد بن سلمة: لا يخرج. وفي كتاب المضاربة (من "فتاوي قاضي خان") (٢): مضارب نزل خانًا مع ثلاثة

стр. 522

نفر من رفقائه، فخرج المضارب مع اثنين منهم، وبقي الرابع في الحجرة، ثم خرج الرابع، وترك الباب غير مغلق، فهلَك مال المضاربة، قالوا: إن كان الرابع يُعتمد عليه في حفظ المتاع لا يضمن المضارب ويضمن الرابع، وإن كان لا يُعتمد عليه يضمن المضارب، وهو نظير ما قال محمَّد بن سلمة في أهل السوق: إذا قاموا واحدًا بعد واحد، وتركوا السوق، فضاع شيء من السوق، يضمن الأخير منهم؛ لأنَّهم ائتمنوه. وفيه في فصل براءة الغاصب من كتاب الغصب نقلًا عن "النوازل": رجل له على رجل دين، وهو لا يعلم بجميع ذلك، فقال له المديون: أبرئني مما (١) لك عليَّ، فقال الدائن: أبرأتك، قال نصير: لا يبرأ إلا مقدار (٢) ما يتوهم أنه له عليه، وقال محمَّد ابن سلمة: يبرأ عن الكل، قال أبو الليث: حكم القضاء ما قاله محمَّد بن سلمة، وحكم الآخرة ما قاله نصير؛ لأنّ القضاء بناء على الظاهر، فظاهر اللفظ عام، وحكم الآخرة بناء على الرضا، فلا يبرأ عما لا يقوم أنه له. وفي "تهذيب الإمام جمال الدِّين المطهَّر البَزْدَوي" في "شرح الجامع الصغير" للزعفراني: فأما إذا حلف أن لا يذهب إلى مكة، فإنَّه لم يثبت عن أصحابنا المتقدمين نص، واختلف المتأخرون في ذلك، فقال بعضهم -منهم نصير بن يحيى-: إنه بمنزلة الإتيان، وقال بعضهم: بمنزلة الخروج، وهو اختيار محمَّد بن سَلمة، وقد استعمل في الأمرين، قال الله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٤٣] وذلك بمعنى الإتيان، وقال تعالى: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا (٣) … ﴾ [الشعراء: ١٥ - ١٦]، وذلك بمعنى الإقبال عليه.

стр. 523

فإذا احتمل الأمران وجب أن يرجع إلى نيته، فإن لم يكن نية فالأشبه أن يحمل على معنى الخروج دون الخلوص؛ قال الله تعالى ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ (١)﴾ [الأحزاب: ٣٣] أي ليزيله عنكم، فثبت أنَّ الذهاب هو الزوال والانفصال، وهذا أصله في اللغة. إلى هنا من كلام جمال الدين، انتهى (٢). * * * [١٥٨ - نصير بن يحيى (٣)] الشَّيخ الإمام نصير بن يحيى البَلْخِي. أخذ الفقه عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. مات سنة ثمان وستين ومئتين. وفي الفصل الثاني والثلاثين من "فتاوى التاتارخانية" نقلًا عن "وديعة العيون": حكي عن نصير بن يحيى قال: سمعت أبا سليمان الجُوْزَجاني قال: مات غريب عند محمَّد بن الحسن، فباع محمَّد كتبه، قال نصير: قلت لأبي سليمان: أكان محمَّد قاضيًا يومئذ؟ قال: لا. وحكي عنه: مات رفيق وكيع الجراح (في سفر) (٤)، فباع وكيع متاعه وكتبه، وقرأ هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].

стр. 524

وكان من مشايخ بَلْخ يرحل إليه في زمانه. ورأى من أصحاب أبي حنيفة أبا مطيع البَلْخِي، وأخذ عنه في صباه. ذكر الأَتْقاني في "شرح الهداية" في فصل الغسل: روي عن نصير بن يحيى قال: سألت أبا مطيع وأبا معاذ البَلْخِيين عن الضفدع يموت في العصير، فقالا: يصب جميعًا، وسألت أبا عبد الله البَلْخِي (١) ومحمَّد بن مقاتل قالا: لا يصب. وفي "الخلاصة" نقلًا عن "النوازل": رجل قال لجاره: إنَّ امرأتي كانت عندك، فقال الجار: إن كانت امرأتك كانت عندي البارحة فامرأته طالق، ثم قال بعدما سكت: ولا غيرها، ثم تبيَّن أنه كانت عنده امرأة أخرى، قال نصير: يحنث، وقال محمَّد بن سلمة: لا يحنث، وهذا بناء على أنَّ الحالف متى ألحق الشرط باليمين المعقودة إن كان الشرط له لا يلحق باليمين بالإجماع، وإن كان عليه فعلى هذا الخلاف. وما قاله نصير أقرب إلى قول أبي حنيفة؛ فإنَّ عنده الشرط الفاسد يلتحق بالبياعات التامة، والمختار قول محمَّد بن سلمة إنه يلتحق الشرط بعد اليمين في الحالين بعد الفراغ، وبه كان يفتي الشَّيخ الإمام الأستاذ. ذكر صاحب "الخلاصة" قبل هذا المسألة: رجل حلف لا يشرب المسكر ثلاثة أشهر، فسألت امرأته أربعة أشهر، فقال الزوج: جهار ماه كير، في "المنتقى": شرط الوصل حتى تصير المدة أربعة أشهر، إلى هنا عبارة "الخلاصة"، لعله في الحالين ناظر إليهما.

стр. 525

وعن نصير: كتب إلى ابن شجاع في مودع يقول: دفنت الوديعة ونسيت موضعها، فأجاب وقال: إن دفنها في داره لا يضمن، وإن دفنها في غير داره يضمن. * * * [١٥٩ - أبو بكر الجُوْزَجاني (١)] الشَّيخ الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق الجُوْزَجاني. أخذ عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. كان عالما جامعًا بين العلوم من الأصول والفروع، وكان في أنواع العلوم في الذروة العالية. له "كتاب الفرق والتمييز"، و"كتاب التوبة" وغيرها. وأخذ عنه الشَّيخ الإمام علم الهدى أبو منصور محمَّد بن محمَّد بن محمود الماتريدي، والشَّيخ الإمام أبو نصر أحمد بن العبَّاس بن الحسين العياضي. * * *

стр. 526

[١٦٠ - غسان بن محمد (١)] أحد الفقهاء الكبار، أبو يحيى، غسان بن محمَّد بن عبد الله النَّيْسَابُوري. تفقَّه على أبي سليمان الجُوْزَجاني، وسمع "الموطأ" من عبد الله بن نافع. وفي "الجواهر المضية" قال في كتاب الملتقط من كتب أصحابنا: وعن غسان ابن محمَّد المَرْوَزِي قال: قدمت الكوفة قاضيًا عليها، فوجدت فيها مئة وعشرين عدلًا، فطلبت، أسرارهم، فرددتهم إلى ستة، ثم أسقطت أربعة، فلما رأيت ذلك استعفيت من القضاء، واعتزلت. * * * [١٦١ - زياد بن عبد الرَّحمن (٢)] الإمام الفقيه، زياد بن عبد الرَّحمن. كان يروي كتب محمَّد بن الحسن، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد بن الحسن. وكان يروي عنه كتب محمَّد بن الحسن حامد بن محمود بن معقل النَّيْسَابُوري، والد الشَّيخ الإمام محمَّد بن حامد، وجدّ الإمام أحمد بن محمَّد بن حامد بن محمود بن معقل.

стр. 527

[١٦٢ - زيد بن أسامة (١)] زيد بن أسامة الفقيه. كان يروي "الجامع" عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد بن الحسن، رواه عنه الإمام إسحاق بن إبراهيم الشَّاشي القاضي أبو إبراهيم السَّمَرْقندي الخطيبي. وكان شيخ أصحاب الحنفيَّة وعالمهم في زمانه، (والله أعلم) (٢). * * * [١٦٣ - ابن أبي عمران (٣)] الشَّيخ الإمام الفقيه أبو جعفر أحمد بن أبي عمران (٤) موسى بن عيسى البغدادي. قاضي الدِّيار المصرية، وكان من أكابر الحنفيَّة. تفقَّه على قاضي القضاة محمَّد بن سَماعة، وهو تفقَّه على أبي يوسف ومحمَّد الإمامين صاحبي أبي حنيفة. وكان مكينًا في العلم حسن الدراسة، وكان ضرير البصر، قدم مصر على قضائها، وذهب بصره، وكان أحد الموصوفين بالحفظ. صنَّف كتابًا يقال له: "الحج".

стр. 528

وهو أستاذ الإمام الكبير أحمد بن محمَّد أبو جعفر الطَّحاوي. مات سنة ثمانين ومئتين، ذكره السيوطي في "حسن المحاضرة". وفي "عناية الهداية" في كتاب السرقة: وإن أقرَّ العبد بمال (١) قام بعينه في يده، قال أبو حنيفة: تقطع (٢) يده ويردُّ المال إلى المسروق، وقال أبو يوسف: تقطع يده والمال للمولى، وقال محمَّد: لا تقطع والمال للمولى. حكي عن الطَّحَاوِي أنه قال: سمعت أستاذي ابن أبي عمران يقول: الأقاويل الثلاثة كلها عن أبي حنيفة، فقوله الأول أخذ به محمد، ثم رجع وقال كما قال أبو يوسف، ثم رجع إلى القول الثالث واستقرَّ عليه. وأصل ذلك أنَّ القطع أصل أو المال؟ قال أبو حنيفة: القطع أصل والمال تبع، بدليل أنه يبطل بالتقادم، وبدليل أنه لو قال أبغي المال ولا أبغي القطع لم يسقط القطع، وقال أبو يوسف كلٌّ منهما أصل، أما أصالة القطع فلما قالوا في الحُرِّ: إذا أقرَّ وقال: سرقت هذا المال من زيد، وهو في يد عَمْرو، وكذَّبه عَمْرو؛ يصح إقراره في حق القطع دون المال، وأما أصالة المال فلأنه إذا سرق ما دون العشرة لا يقطع، والخصومة شرط، ولولا أنَّ المال أصل لوجب القطع بدونها؛ لأنَّه محض حق الله تعالى، وهو يستوفى بلا طلب، وقال محمَّد: المال أصل والقطع تبع، ووجهه وجه أبي يوسف في أصالة المال. * * *

стр. 529

[١٦٤ - بكَّار بن قُتيبة (١)] الإمام الفقيه القاضي بكَّار بن قتيبة بن أسد البصري. كان مولده بالبصرة، في سنة اثنتين وثمانين ومئة. عن الطَّحَاوِي في "تاريخه": تفقَّه بالبصرة على هلال بن مسلم الرَّأي البَصْري، من أصحاب أبي يوسف وزفر، وأخذ عنه علم الشروط، وأحيى علم البصريين بمصر، وروى عنه الإمام الكبير أحمد بن محمَّد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي، وبه انتفع وتخرَّج، وأخذ عنه محمَّد بن شاذان القاضي البصري أبو بكر، وكان محمَّد بن شاذان أبو بكر القاضي البصري نائب القاضي بكَّار هذا، وخليفته على الدِّيار المصرية. روي أنه سار إلى الشام، ومات في سنة أربع ومئتين (٢). كان بكار من أفقه أهل زمانه في المذهب، وكان له اتساع في الفقه. صنف "الشروط"، و"كتاب المحاضر والسجلات"، و"كتاب الوثائق والعهود"، وصنف كتابًا جليلًا نقض (٣) فيه على الشَّافعي ردَّه على أبي حنيفة، وسبب تصنيفه ذلك ما ذكره أبو محمَّد أنَّه نظر في "مختصر المزني"، فوجد فيه ردًّا على أبي حنيفة، فقال لبعض شهوده: اذهبا واسمعا هذا الكتاب من

стр. 530

أبي (١) إبراهيم المُزَني، فإذا فرغ منه فقولا له: أنت سمعت الشَّافعي يقول ذلك؛ لتشهدا عليه به، فمضيا وسمعا من أبي (٢) إبراهيم المختصر، وسألاه: أنت سمعت الشَّافعي يقول ذلك؟ قال: نعم، فعادا إلى القاضي بكَّار، وشهدا عنده على المزني أنه سمع الشَّافعي، فقال بكَّار: الآن استقام لنا أن نقول: قال الشَّافعي، ثم ردَّ على الشَّافعي ما قاله (٣) في ذلك الكتاب، وقطع الحجَّة التي احتجَّ بها على أبي حنيفة. ولما ولي بكَّار بن قتيبة قضاء مصر من قبل المتوكل دخل يوم الجمعة، لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومئتين، ولقي (٤) محمَّد بن أبي الليث كان قبله قاضي مصر وهو خارج إلى العراق، فقال له بكَّار: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفت البلد، فدلَّني على من أشاوره وأشكي إليه، فقال عليك برجلين؛ أحدهما عاقل، وهو يونس بن عبد الأعلى، والآخر زاهد، وهو هارون بن موسى بن عبد الرَّحمن، فلما دخل مصر أتاه الناس فدخل (٥) عليه يونس وهارون، فأكرمهما وبجَّلهما. مات ﵀ سنة تسعين ومئتين بمصر، ودفن بالقَرَافة، وقبره مشهور يزار ويتبرك به. * * *
следующие страницы →