← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

[١٦٠ - غسان بن محمد (١)] أحد الفقهاء الكبار، أبو يحيى، غسان بن محمَّد بن عبد الله النَّيْسَابُوري. تفقَّه على أبي سليمان الجُوْزَجاني، وسمع "الموطأ" من عبد الله بن نافع. وفي "الجواهر المضية" قال في كتاب الملتقط من كتب أصحابنا: وعن غسان ابن محمَّد المَرْوَزِي قال: قدمت الكوفة قاضيًا عليها، فوجدت فيها مئة وعشرين عدلًا، فطلبت، أسرارهم، فرددتهم إلى ستة، ثم أسقطت أربعة، فلما رأيت ذلك استعفيت من القضاء، واعتزلت. * * * [١٦١ - زياد بن عبد الرَّحمن (٢)] الإمام الفقيه، زياد بن عبد الرَّحمن. كان يروي كتب محمَّد بن الحسن، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد بن الحسن. وكان يروي عنه كتب محمَّد بن الحسن حامد بن محمود بن معقل النَّيْسَابُوري، والد الشَّيخ الإمام محمَّد بن حامد، وجدّ الإمام أحمد بن محمَّد بن حامد بن محمود بن معقل.

стр. 527

[١٦٢ - زيد بن أسامة (١)] زيد بن أسامة الفقيه. كان يروي "الجامع" عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد بن الحسن، رواه عنه الإمام إسحاق بن إبراهيم الشَّاشي القاضي أبو إبراهيم السَّمَرْقندي الخطيبي. وكان شيخ أصحاب الحنفيَّة وعالمهم في زمانه، (والله أعلم) (٢). * * * [١٦٣ - ابن أبي عمران (٣)] الشَّيخ الإمام الفقيه أبو جعفر أحمد بن أبي عمران (٤) موسى بن عيسى البغدادي. قاضي الدِّيار المصرية، وكان من أكابر الحنفيَّة. تفقَّه على قاضي القضاة محمَّد بن سَماعة، وهو تفقَّه على أبي يوسف ومحمَّد الإمامين صاحبي أبي حنيفة. وكان مكينًا في العلم حسن الدراسة، وكان ضرير البصر، قدم مصر على قضائها، وذهب بصره، وكان أحد الموصوفين بالحفظ. صنَّف كتابًا يقال له: "الحج".

стр. 528

وهو أستاذ الإمام الكبير أحمد بن محمَّد أبو جعفر الطَّحاوي. مات سنة ثمانين ومئتين، ذكره السيوطي في "حسن المحاضرة". وفي "عناية الهداية" في كتاب السرقة: وإن أقرَّ العبد بمال (١) قام بعينه في يده، قال أبو حنيفة: تقطع (٢) يده ويردُّ المال إلى المسروق، وقال أبو يوسف: تقطع يده والمال للمولى، وقال محمَّد: لا تقطع والمال للمولى. حكي عن الطَّحَاوِي أنه قال: سمعت أستاذي ابن أبي عمران يقول: الأقاويل الثلاثة كلها عن أبي حنيفة، فقوله الأول أخذ به محمد، ثم رجع وقال كما قال أبو يوسف، ثم رجع إلى القول الثالث واستقرَّ عليه. وأصل ذلك أنَّ القطع أصل أو المال؟ قال أبو حنيفة: القطع أصل والمال تبع، بدليل أنه يبطل بالتقادم، وبدليل أنه لو قال أبغي المال ولا أبغي القطع لم يسقط القطع، وقال أبو يوسف كلٌّ منهما أصل، أما أصالة القطع فلما قالوا في الحُرِّ: إذا أقرَّ وقال: سرقت هذا المال من زيد، وهو في يد عَمْرو، وكذَّبه عَمْرو؛ يصح إقراره في حق القطع دون المال، وأما أصالة المال فلأنه إذا سرق ما دون العشرة لا يقطع، والخصومة شرط، ولولا أنَّ المال أصل لوجب القطع بدونها؛ لأنَّه محض حق الله تعالى، وهو يستوفى بلا طلب، وقال محمَّد: المال أصل والقطع تبع، ووجهه وجه أبي يوسف في أصالة المال. * * *

стр. 529

[١٦٤ - بكَّار بن قُتيبة (١)] الإمام الفقيه القاضي بكَّار بن قتيبة بن أسد البصري. كان مولده بالبصرة، في سنة اثنتين وثمانين ومئة. عن الطَّحَاوِي في "تاريخه": تفقَّه بالبصرة على هلال بن مسلم الرَّأي البَصْري، من أصحاب أبي يوسف وزفر، وأخذ عنه علم الشروط، وأحيى علم البصريين بمصر، وروى عنه الإمام الكبير أحمد بن محمَّد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي، وبه انتفع وتخرَّج، وأخذ عنه محمَّد بن شاذان القاضي البصري أبو بكر، وكان محمَّد بن شاذان أبو بكر القاضي البصري نائب القاضي بكَّار هذا، وخليفته على الدِّيار المصرية. روي أنه سار إلى الشام، ومات في سنة أربع ومئتين (٢). كان بكار من أفقه أهل زمانه في المذهب، وكان له اتساع في الفقه. صنف "الشروط"، و"كتاب المحاضر والسجلات"، و"كتاب الوثائق والعهود"، وصنف كتابًا جليلًا نقض (٣) فيه على الشَّافعي ردَّه على أبي حنيفة، وسبب تصنيفه ذلك ما ذكره أبو محمَّد أنَّه نظر في "مختصر المزني"، فوجد فيه ردًّا على أبي حنيفة، فقال لبعض شهوده: اذهبا واسمعا هذا الكتاب من

стр. 530

أبي (١) إبراهيم المُزَني، فإذا فرغ منه فقولا له: أنت سمعت الشَّافعي يقول ذلك؛ لتشهدا عليه به، فمضيا وسمعا من أبي (٢) إبراهيم المختصر، وسألاه: أنت سمعت الشَّافعي يقول ذلك؟ قال: نعم، فعادا إلى القاضي بكَّار، وشهدا عنده على المزني أنه سمع الشَّافعي، فقال بكَّار: الآن استقام لنا أن نقول: قال الشَّافعي، ثم ردَّ على الشَّافعي ما قاله (٣) في ذلك الكتاب، وقطع الحجَّة التي احتجَّ بها على أبي حنيفة. ولما ولي بكَّار بن قتيبة قضاء مصر من قبل المتوكل دخل يوم الجمعة، لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومئتين، ولقي (٤) محمَّد بن أبي الليث كان قبله قاضي مصر وهو خارج إلى العراق، فقال له بكَّار: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفت البلد، فدلَّني على من أشاوره وأشكي إليه، فقال عليك برجلين؛ أحدهما عاقل، وهو يونس بن عبد الأعلى، والآخر زاهد، وهو هارون بن موسى بن عبد الرَّحمن، فلما دخل مصر أتاه الناس فدخل (٥) عليه يونس وهارون، فأكرمهما وبجَّلهما. مات ﵀ سنة تسعين ومئتين بمصر، ودفن بالقَرَافة، وقبره مشهور يزار ويتبرك به. * * *

стр. 531

[١٦٥ - أبو علي الدَّقَّاق (١)] الشَّيخ الإمام أبو علي الدَّقَّاق الرَّازي. قرأ على موسى بن نصر الرَّازي (وأخذ عنه. في "الجواهر المضية": أبو علي الدَّقَّاق الرَّازي صاحب "كتاب الحيض"، قرأ على موسى بن نصير الرَّازي) (٢)، وأبو علي هذا أستاذ أبي سعيد البَرْدَعي، انتهى. ورأيت رواية غريبة في "روضة الزَّنْدَوِيْستي": أنَّ أبا عليٍّ الدَّقَّاق قال: "دخلت على أبي حنيفة وأنا حاج … "؛ فإن صح ما في "الجواهر المضية" و"روضة الزَّنْدَوِيْستي" فأبو علي الدَّقَّاق يلزم أن يعيش مئة وخمسين عامًا. قال الشَّيخ الإمام يحيى بن علي الزَّنْدَوِيْستي في "روضته" في الباب الخامس والأربعين: لو قال: إن دخلت دار فلان فَلِلهِ عليَّ صوم سنة أو الحج ماشيًا، ذكر في "ظاهر الأصول": أنه إذا دخل تلك الدَّار فعليه ما أوجب على نفسه بنذره لا غير عندنا، وفي باب الحج: يركب ويذبح شاة، وقال شيخنا الإمام محمَّد الضَّرير المَيْداني ﵀: عليه أن يمشي من موضع الإحرام؛ لأنَّ الحج من ذلك الوقت، إلا أن يقول: أحج من داري ماشيًا. وعن أبي علي الدَّقَّاق ﵀ أنه قال: دخلت على أبي حنيفة (وأنا حاج) (٣)، فإذا يُقرَأ عليه هذه المسألة، فقال: لا يخرج عنها إلا بما أوجب على

стр. 532

نفسه، ومن رأى (١) أن أرجع عن هذا الجواب. قال: فذهبت فحججت ثم رجعت، فإذا هو قد فارق الدنيا، فسألت أصحابه عن ذلك، فقالوا: رجع قبل موته بسبعة أيام، وقال: يخرج عنها بالكفارة. وعن المعلَّى، عن أبي يوسف أنه قال: إن نوى اليمين جاز له (أن يخرج) (٢) عنها بالكفارة، وإلا فلا، (وعن محمَّد أنه قال: إن أخرج الكلام مخرج اليمين جاز الخروج عنها بالكفارة، وإلا فلا) (٣)، وقال الشَّافعي (٤) بالخيار، إن شاء فعل ما أوجب، وإن شاء خرج (٥) عنها بالكفارة، وعن زفر مثل قوله ولنا ظاهر الأصول، والفتوى عليه، إلى هنا من كلام الزَّنْدَوِيْستي. وفي "محيط السَّرَخْسي" في باب الإضلال بالعدد والمكان من كتاب الحيض: امرأة استحيضت ونسيت عدد أيامها ومكانها، فإنها تتحرَّى خلافًا للشافعي؛ لأنَّ غلبة الرَّأي حجَّة عند فقد سائر الأدلة، لأنَّ غلبة الرأي تفيد الظاهر، والعمل بالعلم الثابت بغالب الرأي واجب كما في أمر القِبْلة، وكالقياس حجَّة عند عدم النص، فإن لم يكن لها رأي في ذلك اغتسلت لكل صلاة، ولا تمسك عن الصلاة والصوم في شهر رمضان. وقال أبو علي الدَّقَّاق: الاستحسان أنها تغتسل لوقت كل صلاة؛ دفعًا للحرج عنها كما في المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وزعم أنَّ هذا قول محمد، والصحيح ما ذكر

стр. 533

محمَّد؛ لما روي أنَّ أم حبيبة بنت جحش ﵂ لما استحيضت سبع سنين، أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل لكل صلاة (١)، ولأن العبادات مبناها على الاحتياط، فما دار بين السقوط والوجوب يجب احتياطًا، وما دار بين الحظر والإباحة يحرم احتياطًا تجنبًا عن الحرام، وها هنا يحتمل خروجها من الحيض في كلِّ ساعة، فدار الاغتسال بين الوجوب وعدمه، فلزمها الاغتسال لكل صلاة، فاتبعنا الأثر فيهما. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الأجير: لا يذهب إلى الجمعة والجماعة إلا بإذن المستأجر، قال الشَّيخ أبو حفص الكبير: للمستأجر أن يمنع الأجير عن حضور الجمعة، وقال أبو علي الدَّقَّاق: ليس له أن يمنع الأجير في المِصْر عن حضور الجمعة، لكن يسقط عنه الأجر بمقدار اشتغاله بذلك إن كان بعيدًا. قال الشَّيخ الإمام علاء الدِّين محمَّد السَّمَرْقندي في "تحفته": القيء إذا كان ملء الفم ينقض الوضوء، وإن لم يكن ملء الفم لا ينقض، ولم يذكر ملء الفم في ظاهر الرواية، وروي (٢) الحسن بن زياد أنه قال: إن عجز عن إمساكه يكون ملء الفم، وإلا فلا، وروي عن أبي علي الدَّقَّاق أنه قال: إن منعه عن الكلام يكون ملء الفم، وإلا فلا. * * * [١٦٦ - القاضي العَمِّي (٣)] بكر بن محمَّد العَمِّي القاضي.

стр. 534

في "الهداية" في باب اليمين في الأكل والشرب: ومن قال: إن لبست أو أكلت أو شربت فعبدي حرٌّ، وقال عنيت شيئًا دون شيء لم يدين في القضاء؛ لأنَّ النيَّة إِنَّما تصح في الملفوظ، والثَّوب وما يضاهيه غير مذكور تنصيصًا، والمقتضى لا عموم له، فلغت نية التَّخصيص فيه. وفي "غاية الهداية" قال الشَّيخ أكمل الدين: فإن قيل: ما الفرق بين هذا، وبين ما إذا قال: إن خرجت فعبدي حرٌّ، ونوى السفر، فإنَّه يصدَّق ديانة، مع أنَّ السفر غير مذكور لفظًا، وبين ما إذا حلف لا يساكن فلانًا، ونوى أن لا يساكنه في بيت واحد، فإنَّ النية صحيحة مع أنَّ المسكن غير مذكور لفظًا، حتى لو سكن معه في الدَّار لا يحنث؟ أجيب بأن الأولى ممنوعة منعها القضاة الأربعة: إبراهيم وأبو حازم وأبو طاهر الدَّباس والقاضي العَمِّي، انتهى. القاضي العَمِّي أخذ عن محمَّد بن سَماعة، عن الَّليث، وأبي يوسف، ومحمد، وهم أخذوا عن أبي حنيفة. وأخذ عن القاضي العَمِّي أبو حازم القاضي، أستاذ أبي طاهر الدَّباس القاضي، وأبو طاهر أستاذ قاضي الحرمين أبي الحسين أحمد النَّيْسَابُوري، وهو أستاذ القاضي أبي هيثم أستاذ الفقهاء والقضاة، حتى لم يبقَ بخراسان قاضٍ على مذهب الكوفيين إلا وهو ينتمي إليه، وهو أستاذ أبي محمَّد النَّاصِحي وعماد الإسلام صاعد الأُسْتَوَائي، وهما الإمامان الكبيران والقاضيان الجليلان. في "القاموس": العم أخو الأب، والجماعة الكثيرة، وموضع، وقرية بين حلب وأنطاكِيَة، منها عكاشة العَمِّي، ولقب مالك بن حَنْظَلَة أبو قبيلة، وهم العَمِّيون. وقُمْ -بالقاف-: بلدة بين أصفهان وساوة، نسبة علي بن موسى، ذكره عبد القادر

стр. 535

في نسبة "الجواهر المضية"، وقال قبيل هذا العَمِّي -بفتح العين وتشديد الميم-: نسبة إلى العم، بطن من بني تميم، نسبة علي بن محمَّد تقدَّم، انتهى. وقال في "كنى الجواهر المضية": أبو بكر العَمِّي تفقَّه عليه أبو حازم القاضي، وهو متأخر عن أبي الحسن العَمِّي. وقال في آخر باب الباء: بكر بن محمَّد العَمِّي، تفقَّه على (١) محمَّد بن سَماعة وتفقَّه عليه القاضي أبو خازم، والعَمِّي: بطن من بني تميم، والعم أخو الأب، انتهى. ثم قال في باب العين من "الجواهر المضية": علي بن محمَّد العَمِّي الإمام، أبو (٢) الحسن، فقيه أصحاب أبي حنيفة في عصره ومفتيهم، سمع الحديث الكثير، وأفاد الناس طول عمره، وتخرج به الخلق الكثير. وقال في باب العين أيضًا: عبد الحميد بن عبد العزيز، القاضي، أبو خازم، أخذ العلم (٣) عن بكر العَمِّي. (فكان بين طبقات عبد القادر تخليط، لم يميِّز بكر بن محمَّد العَمِّي عن أبي بكر العَمِّي) (٤)، قلت: نعم، في طبقاته شيء كثير، من ذلك محمَّد المكي. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل من يجوز نكاحه من كتاب النكاح: قال: وحد الشَّهوة (ذكره العَمِّي) (٥) عن أصحابنا ﵏: أن تنتشر (٦) آلته بالنظر واللمس،

стр. 536

وإن كانت آلته منتشرة فتزداد (١) قوة وشهوة، فإن كان عنينًا أو مجبوبًا بأن يتحرك قلبه بالاشتهاء إذا لم يكن متحركًا قلبه، فإن (٢) كان متحركًا يزداد بالاشتهاء. قلت: وله "النوادر". وفي كتاب الغصب والضمان من "كتاب جواهر الفتاوى": بقور تناطحت بحضرة الراعي ولم يمنعها من التناطح حتى هلكت يجب عليه الضمان، ذكره في "نوادر علي العَمِّي"؛ لأنَّ الراعي إذا كان عليه المنع لأنّه من الحفظ، وإن لم يكن بحضرته لا يجب عليه الضمان انتهى (٣). * * * [١٦٧ - الخَصَّاف (٤)] الإمام الكبير أحمد بن عمرو (٥) بن مُهَير الخَصَّاف. أخذَ عن أبيه الإمام عمْرو بن مُهَير، عن الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة ﵀، وحدَّث عن أبي عاصم الضَّحاك النَّبيل (٦) من أصحاب زفر، وروى عن جماعة كثيرة.

стр. 537

كان فرضيًّا حاسبًا عارفًا بمذهب أصحابنا الحنفيَّة، وكان مقدَّمًا عند الخليفة المهتدي بالله، وصنف للمهتدي كتابًا في الخراج، فلما قتل المهتدي نُهِبَ الخَصَّاف، وذهب بعض كتبه، من جملتها كتاب عمله في مناسك الحج لم يكن أخرجه للناس. وله "كتاب الحيل" في مجلدين، و"كتاب الوصايا"، و"كتاب الشروط الكبير"، و"كتاب الشروط الصغير"، و"كتاب الرضاع"، و"كتاب المحاضر والسجلات"، و"كتاب أدب القاضي"، و"كتاب النفقات على الأقارب"، و"كتاب العصير وأحكامه"، و"كتاب ذرع الكعبة والمسجد الحرام"، و"كتاب أحكام الوقف". رأيت في "كتاب أحكام الوقف" للخصَّاف في باب صدقات رسول الله ﷺ : قال أبو بكر -يعني الخَصَّاف-: قد اختلف في أول صدقة كانت في الإسلام؛ فقال بعضهم: أول صدقة كانت في الإسلام صدقات رسول الله ﷺ السبعة حوائط، ثم بعد ذلك صدقة عُمَر بن الخطاب ﵁ بثَمْعَ عند مرجع رسول الله ﷺ السنة السابعة من الهجرة. وحدثنا محمَّد بن عُمَر الواقدي قال: حدثنا عتبة بن جبيرة، عن الحصين بن عبد الرَّحمن بن عَمرو بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن الحبس أول من حبس في الإسلام، فقال قائل: صدقة رسول الله ﷺ هي أول حبس في الإسلام، وهو قول الأنصار (١). قال: وحدثني صالح بن جعفر، عن المِسْوَر بن رِفاعة، عن (٢) ابن كعب قال: أول صدقة في الإسلام وقف رسول الله ﷺ أمواله، فقلت لابن كعب: إنَّ الناس يقولون: صدقة عُمَر بن الخطاب أوَّل، فقال: قتل مُخَيْرِيق بأُحُد على رأس اثنين وثلاثين شهرًا

стр. 538

من مهاجر رسول الله ﷺ ، وأوصى إن أُصبت (١) فأموالي لرسول الله ﷺ ، فقبضها وتصدَّق بها، [وهذا] قبل ما تصدق عُمَر ﵁، وإنما تصدَّق عُمَر ﵁ بثَمْغَ حين رجع رسول الله ﷺ من خيبر سنة سبع من الهجرة (٢). [وحدثنا محمَّد بن عُمَر الواقدي قال: حدثنا عتبة بن جبيرة، عن الحصين بن عبد الرَّحمن بن عَمرو بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن الحبس الأول من حبس في الإسلام] (٣). فقال المهاجرون: صدقة عُمَر بن الخطاب أول من حبس من الأموال، وذلك أنّ رسول الله ﷺ لما قدم وجد أرضًا واسعة الزهرة، وأهل برابح (٤) كانوا جلوا عن المدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، وبعد مقدمه، وتركوا أرضًا واسعة (٥)، منها برابح، ومنها نابتة وادٍ يقال له: الخَشاشَيْن (٦). وكان رسول الله ﷺ قد أعطى عُمَر بن الخطاب ﵁ منها ثَمْغًا، واشترى عُمَر بن الخطاب مالًا فضمَّه إلى ما أعطاه رسول الله ﷺ من قوم يهود، وكان مالًا معجبًا، فسأل عُمَر رسول الله ﷺ ، فقال يا رسول الله: إنَّ لي مالًا وأنا أحبُّه، فقال رسول الله ﷺ (٧): "احبس أصله، وسبِّل ثمرته"، ففعل (٨).

стр. 539

قال وحدثنا محمَّد [بن عبد الله] بن عُمَر عن نافع عن ابن عُمَر ﵄ قال: ثمغ أول صدقة تصدق بها في الإسلام (١). وقال أبو بكر الخَصَّاف في باب ما روي في صدقة عُمَر بن الخطاب ﵁: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا عبد (٢) الله بن عون (٣)، عن نافع، عن ابن عُمَر ﵄ قال: أصاب عُمَر مرة أرضًا بخيبر، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا، بخيبر، لم أصب [مالًا] قط أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بثمرها"، فجعل عُمَر صدقته؛ لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، تصدَّق بها على الفقراء والمساكين وابن السبيل وفي الرقاب والغزاة (٤) وفي سبيل الله والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، وأن يطعم صديقًا غير متموِّل منه. وأوصى به إلى حفصة أم المؤمنين ﵂، ثم إلى الأكابر من آل عمر (٥). وكانت لعمر أرض تدعى ثمغ، (وكان نخلًا نفيسًا. وقال: حدثنا محمَّد بن عُمَر الواقدي قال: حدثنا) (٦) قدامة بن موسى الجمحي، عن بشير مولى المازنيين (٧)، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لما

стр. 540

كتب عُمَر بن الخطاب صدقته في خلافته دعا نفرًا من المهاجرين والأنصار، فأحضرهم ذلك، وأشهدهم عليه، فانتشر خبرها، قال جابر: فما أعلم أحدًا كان من المهاجرين والأنصار إلا وحبس مالًا من ماله صدقة مؤبدة؛ لا تشترى أبدًا، ولا توهب، ولا تورث (١). وقال أبو بكر الخَصَّاف: حدثنا الواقدي قال: قال أبو يوسف لي: ما عندك في وقف عُمَر بن الخطاب؟ فقلت: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: شهدت كتاب عُمَر حين وقف وقفه أنه في يده إلى أن توفي، فهو إلى حفصة بنت عُمَر بن الخطاب، فلم يزل عُمَر يلي وقفه إلى أن توفي، ولقد رأيته هو بنفسه يقسم ثمرة ثَمْغ في السنة التي توفي فيها، ثم صار إلى حفصة ﵂ (٢). فقال أبو يوسف: هذا الذي أخذنا به (٣) إذا اشترط الذي وقف الوقف أنه في يده في حياته، ثم إذا توفي فهو إلى فلان (ابن فلان) (٤) فهو جائز، وهذا فعل عُمَر ﵁ كما ترى. قال الشَّيخ الإمام فخر الدِّين قاضي خان في الفصل الأول من كتاب النكاح: ذكر الخَصَّاف في "الحيل": رجل طلب من امرأة (٥) أن تجعل أمرها في النكاح في يده ليتزوَّجها من نفسه على صداق كذا، ففعلت، فقال الوكيل بمحضر من الشُّهود:

стр. 541

زوجت من نفسي امرأة، جعلت أمرها في النكاح بيدي على كذا من الصَّداق (١) وهو كفؤ للمرأة، فإنّه يجوز هذا (٢) النكاح، وقال شمس الأئمة الحَلْوَاني: هذا قول الخَصَّاف، أما على قول مشايخ بَلْخ: ما لم يذكر اسمها ونسبها. ثم قال شمس الأئمة إنّ خصّافًا كان كبيرًا في العلم يجوز الاقتداء به، قال (٣) الحاكم الشهيد في "المنتقى" كما قال الخَصَّاف. وفي "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في باب الطلاق بعلامة النون: رجل قال لامرأته بالفارسية: اكر كسي رااز دقيق من بدهى فأنت طالق، فنوى أمها (٤) خاصة صحت نيته بينه وبين الله، ولو قال هيج كسي را دهى لم يصح، لأنّ في الوجه الأول ذكر كسى. وإنه لفظ عام يتناول كل واحد بإطلاقه، وإذا نوى الأم صحَّت نيته. وفي الوجه الثاني: هيج كسي لفظ عام، فإذا نوى الخاص لم تصح، وعلى قياس قول الخَصَّاف ينبغي أن يصح، فإنّ عنده تصح (٥) نية (٦) الخاص في العام. ومن حلف فقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، ثم قال: نويت من بلدة كذا أو كان اليمين على الإماء فقال: نويت الروميات؛ لا تصح نيته في ظاهر المذهب (٧)، وقال الخَصَّاف: يصح ذلك؛ أي: نية الخاص في العام.

стр. 542

وكذلك من غصب دراهم إنسان وقت ما يحلفه الخصم: كه ترا بوي جيزي دادني نيست، نوى أن ليس له عليه دنانير أو حنطة، لا تصح نيته في ظاهر المذهب، وقال الخَصَّاف: تصح، وهكذا ذكر مطلقًا في الكتاب، لكن هذا في القضاء، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فتخصيص العام (١) صحيح بالإجماع، وما قاله الخَصَّاف: خاص لم (٢) يحلفه ظالم، والفتوى على ظاهر المذهب (٣)، فمن وقع في يد الظلمة وأخذ بقول الخَصَّاف لا بأس به. * * * [١٦٨ - أبو حفص الصغير (٤)] الشَّيخ الإمام، أبو عبد الله ابن أبي حفص الكبير، الإمام ابن الإمام الكبير، أبو حفص الصغير له "كتاب الرد على أهل الأهواء". أخذ عن أبيه، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وتفقَّه عليه الشَّيخ الإمام الأستاذ عبد الله بن محمَّد بن يعقوب بن الحارث السُّبَذْمُونِي -بضم السين وفتح الباء الموحدة وسكون الذال المعجمة وضم الميم وفي آخرها نون- نسبة إلى قرية من قرى بخارى.

стр. 543

ذكر (١) القاضي الإمام ظهير الدِّين البُخاري في "فتاواه" في كتاب السير، في الفصل السابع، في النوع السابع، فيمن يجب إكفاره من أهل البدع: قال الإمام الزَّاهد الصَّفار: لا ينبغي للرجل أن يستثني في إيمانه، ولا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى (٢)؟ لأنَّه مأمور بتحقيق الإيمان، والاستثناء يضاده (٣)، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أمر الله بذلك من غير استثناء، وقال إبراهيم (صلوات الله على نبينا وعليه) (٤) حين قال له ربه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] من غير استثناء. وقد ذكر الإمام عبد الله السُّبَذْمُوْنِي في "كتاب الكشف في مناقب أبي حنيفة" بإسناده عن موسى بن أبي بكر، عن ابن عُمَر ﵄: أنه أخرج شاة لتذبح، فمرَّ به رجل، فقال له: أمؤمن أنت؟ فقال: نعم إن شاء الله تعالى (٥)، فقال: لا يذبح نسكي من يشكُّ في إيمانه، ثم مرَّ به (٦) رجل آخر، فقال له: أمؤمن أنت؟ فقال: نعم، فأمره بذبح شاته (٧). فلم يجعل من يستثني في إيمانه مؤمنًا. وقال: يجب إكفار القدرية في نفيهم كون الشر بتقدير الله ، وفي دعواهم أنَّ كلَّ فاعل خالق فعل نفسه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].

стр. 544

وقد ذكر الإمام أبو عبد الله ابن أبي حفص الكبير ﵀ في "كتاب الرد على أهل الأهواء" بإسناده عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مناظرة بين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ في مسألة القدر" أنّ أبا بكر ﵁ (١) كان يقول: الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا، وكان عُمَر يضيف الكل إلى الله تعالى، وذكر القصة بطولها إلى أن قال: فذكرا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: ﷺ : "إن (٢) أول من تكلم بالقدر من جميع الخلق كلهم (٣) جبرائيل وميكائيل ﵉، فكان جبرائيل يقول مثل مقالتك يا عمر، وكان ميكائيل يقول مثل مقالتك يا أبا بكر، فتحاكما إلى إسرافيل، فقضى بينهما أنّ القدر (٤) خيره وشره من الله تعالى"، ثم قال: "وهذا قضائي بينكما"، ثم قال: "يا أبا بكر، لو أراد الله تعالى أن لا يُعصى ما خلق إبليس (٥) " (٦). ويجب إكفار الروافض بقولهم (٧) برجعة الأموات إلى الدنيا، ويتناسخ الأرواح، وانتقال روح الإله إلى الأئمة، وإن الأئمة آلهة وبقولهم في خروج إمام باطن، وبتعطيلهم الأمر والنهي إلى أن يخرج الإمام الباطن، وبقولهم: إنَّ جبريل ﵇

стр. 545

غلط في الوحي إلى محمَّد ﷺ دون علي بن أبي طالب ﵁، وهؤلاء القوم خارجون عن ملَّة الإسلام، وأحكامهم أحكام المرتدين. وفي "فتاوى قاضي خان" للإمام فخر الدِّين، في باب ما يكون كفرًا من المسلم، من كتاب السير: مسلم وضع على رأسه قلنسوة المجوس، قال الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل: لا يكفر بذلك، قال قاضي خان: وهذا الجواب إنّما يصح إذا فعل ذلك لضرورة، ولا يعتقد أنه يصير كافرًا، فإن فعل ذلك يعتقد أنه يصير به كافرًا أو يقصد به الاستخفاف في الدِّين فإنّه يصير كافرًا، وعن أبي عبد الله ابن أبي (١) حفص الكبير أنه قال: إن فعل ذلك يريد به تقبيح ما لهم لا يكون كافرا، (والله أعلم) (٢). * * * [١٦٩ - أبو علي الرَّازي (٣)] الشَّيخ الإمام عبد الله بن جعفر، أبو علي الرَّازي. من أصحاب محمَّد بن سَماعة. روى عنه عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة يقول: حججت مع أبي سنة ثلاث وتسعين ولي ثلاث عشرة سنة، فإذا شيخ قد اجتمع عليه الناس، فقلت لأبي: من هذا الشيخ؟ قال: هذا رجل قد يصحب النبي ﷺ يقال له: عبد الله بن الحارث بن

стр. 546

جَزء (١)، قلت لأبي فأي شيء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من رسول الله ﷺ ، فقلت لأبي: قدمني إليه حتى أسمع منه، فتقدمت بين يديه وجعل يفرج الناس حتى دنوت منه فسمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : "من تفقَّه في دين الله كفاه الله همه، ورزقه من حيث لا يحتسب" (٢)، ذكره عبد القادر في "الجواهر المضية" (٣)، وذكره الكَرْدَري في "مناقب أبي حنيفة" (٤). * * * [١٧٠ - محمَّد بن الحسين اليماني (٥)] الإمام محمَّد بن الحسين اليماني، أبو جعفر. عن محمَّد بن شجاع، عن الحسن بن أبي مالك، ثم عن الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة.

стр. 547

رأيت في "أجناس النَّاطِفي" قال أبو العبَّاس النَّاطِفي: رأيت بخط بعض مشايخنا في رجل جعل لأحد بنيه دارًا بنصيبه على أن لا يكون له بعد موت الأب ميراث جاز، وأفتى محمَّد بن الحسين اليماني أبو جعفر أحد أصحاب محمَّد بن شجاع. وفي أحكام المرضى في الفصل الثالث والثلاثين من فصول زين الدِّين بن عماد الدِّين قال: ومحمَّد ذكر في "السير الكبير" قبيل باب من التفريق بين السبي: أنَّ المريض إذا أعطى من (١) أعيان ماله بعض ورثته ليكون ذلك له بحصته من الميراث كان ذلك باطلًا، وذكر في "وصايا الجامع في الفتاوى". قال النَّاطِفي: ورأيت بخط بعض مشايخنا فيمن جعل لأحد بنيه دارًا بنصيبه على أن لا يكون له بعد موت الأب ميراث جاز، أفتى به محمَّد بن الحسين اليماني، وكان من أصحاب محمَّد بن شجاع، وحكي عن أحمد بن أبي الحارث، وأبي عَمْرو الطَّبري (٢) أنهما قالا: لا يجوز، إلى هنا من "الفصول العمادية". * * * [١٧١ - أبو العبَّاس البِرْتي (٣)] القاضي الفقيه الحافظ أحمد بن محمَّد بن عيسى بن الأزهر، أبو العبَّاس البِرْتي.

стр. 548

بكسر الباء الموحدة وسكون الراء وفي آخرها التاء المثناة من فوق، نسبة إلى بِرْت؛ قرية بنواحي بغداد كذا ضبطه في "الجواهر المضية". تفقَّه على أبي سليمان موسى الجُوْزَجاني، وروى كتب محمَّد بن الحسن، عن أبي سليمان، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وحدث بالكثير، وصنَّف اليسير. وأخذ عن يحيى بن أكثم (١) القاضي، عن وكيع بن الجراح، عن أبي حنيفة، وكان من أصحاب يحيى بن أكثم (٢). وعن الخطيب: كان أبو العبَّاس ثقة حجَّة، يُذكر بالصلاح والعبادة، فقلِّد قضاء واسط وقطعة من أعمال السواد، ثم استعفى في أيام المعتضد، ولزم بيته، واشتغل بالعبادة. مات ﵀ سنة ثمانين ومئتين. وعن الصَّيْمَري (٣): أنه كان في طبقة الخَصَّاف، وأحمد بن أبي عمران وفي "الجواهر المضية": أبو العبَّاس البِرْتي الفقيه، الحافظ، من طبقة أحمد ابن أبي، عمران أستاذ الطحاوي، مات سنة ثمانين ومئتين، أخذ عنه ابنه العبَّاس بن أحمد، ويحيى بن صاعد. * * *

стр. 549

[١٧٢ - أحمد بن محمَّد الرَّازي (١)] أبو بكر (٢) أحمد بن محمَّد بن مقاتل الرَّازي. روى عن أبيه، عن أبي مطيع البَلْخِي، عن أبي حنيفة. (وأخذ عنه) (٣) وروى أبو الحسين الحافظ (عبد الباقي بن قانع) (٤)، أخو أحمد بن قانع بن مرزوق القاضي أبو عبد الله الفقيه. * * * [١٧٣ - أبو سعيد البَرْدَعي (٥)] صاحب الكتيبتين، وقدوة أرباب، الطبقتين، الشَّيخ الإمام القاضي، أبو سعيد البَرْدَعي أحمد بن الحسن. أخذ عن إسماعيل بن حمَّاد، عن حمَّاد (بن أبي حنيفة) (٦)، (عن أبي حنيفة) (٧)،

стр. 550

وأخذ عن أبي علي الدَّقَّاق، عن موسى بن نصر الرَّازي، وموسى آخر من أخذ عن محمَّد بن الحسن. وأخذ عنه العلم وتفقَّه عليه الشَّيخ الإمام أبو الحسن الكرخي، والشَّيخ الإمام أبو طاهر الدبَّاس، والشَّيخ الإمام الفقيه أبو عَمْرو الطَّبري. بَرْدَع -بالباء الموحدة وسكون الراء وفتح الدال المهملة وفي آخرها العين المهملة-: بلدة من أقصى بلاد أَذْرَبيجان، كذا ضبطه عبد القادر. وفي "القاموس": البردعة: مدينة بأذربيجان، وقد تنقَّط داله، وإهمال داله أكثر. حكي أنَّ أبا سعيد البَرْدَعي دخل بغداد حاجًّا، فوقف على داود بن علي صاحب الظاهر، وكان يكلِّم رجلًا من أصحاب أبي حنيفة، وقد ضعف في جوابه الحنفي، فجلس أبو سعيد البَرْدَعي، فسأله أبو سعيد البَرْدَعي عن بيع أمهات الأولاد، فقال: يجوز؛ لأنا أجمعنا على جواز بيعهن قبل العلوق، فلا يزول الإجماع إلا بإجماع مثله، فقال له: وأجمعنا أن بعد العلوق قبل وضع الحمل لا يجوز بيعهن، فيجب أن نتمسك بهذا الإجماع، ولا نزول عنه إلا بإجماع مثله، قال (١): فانقطع داود، وقال: ننظر في هذا. وقام أبو سعيد، فعزم على القعود ببغداد والتَّدريس؛ لما رأى من غلبة أصحاب الظاهر، فلما كان بعد ذلك رأى في المنام كأن قائلًا يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧]، فانتبه بدقِّ الباب، فإذا قائل يقول: قد مات داود بن علي صاحب المذهب الظاهري، فإن أردت أن تصلِّي فاحضر. وأقام أبو سعيد البَرْدَعي ببغداد سنين كثيرة يدرِّس بها، ثم خرج إلى الحج، (فقتل في وقعة القرامطة مع الحج) (٢) سنة سبع عشرة وثلاثمئة.

стр. 551

وذكر (١) الشَّيخ الزَّيْلَعِي في "شرح الكنز" هذه الحكاية حيث قال (في باب) (٢) الاستيلاد: وقال بشر وداود الظاهري: يجوز بيعها ولا تعتق بموت المولى، وروي عن علي ﵁: أنه كان يجوز بيع أمهات الأولاد، ثم رجع إلى قول الجماعة، حكي عن أبي سعيد البَرْدَعي شيخ الكَرْخي أنه خرج حاجًّا من بردعة، فوصل يوم الجمعة بغداد، فرأى بعد صلاة الجمعة قومًا جلسوا للنظر وفيهم داود، فسأله حنفي عن بيع أم الولد، فقال: يجوز؛ لأنّ بيعها كان جائزًا قبل العلوق بالإجماع، فنحن على هذا الإجماع حتى ينعقد إجماع آخر؛ لأنَّ ما ثبت باليقين لا يزول إلا بيقين مثله، فتحيَّر الحنفي؛ لأنَّه لا يقبل القياس وحيَّره (٣)، قال أبو سعيد البَرْدَعي (٤): أجمعنا على عدم جواز بيعها بعد العلوق؛ لأنَّ في بطنها ولد حرٌّ، فنحن على هذا الإجماع حتى ينعقد إجماع آخر فتحيَّر داود و انقطع. فلما رأى وهنه ووهن أصحابه في الفقه ترك الخروج إلى الحج، وجلس للتدريس، فاجتمع أصحاب داود عند أبي سعيد، وكان على ذلك حتى سمع ليلة (٥) مناديًا يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧]، فما لبث ساعة إذ قرع إنسانٌ بابه وأخبره بموت داود، فاستقر أمره بعد ذلك، انتهى ما ذكره الزَّيْلَعِي. * * *

стр. 552

[١٧٤ - أبو خازم (١)] الشَّيخ الفاضل الإمام أبو خازم (٢)، عبد الحميد بن عبد العزيز. أخذ عن عيسى بن أَبَان، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة، وعن بكر بن محمَّد العَمِّي، عن محمَّد بن سَماعة، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. تفقَّه عليه الشَّيخ الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد الطَّحَاوِي، والشَّيخ الإمام أبو طاهر الدَّباس (٣) محمَّد بن محمَّد بن سفيان، وكان جليل القدر. قال الشَّيخ أكمل الدِّين في "عناية الهداية" قبيل باب التصرف في الرهن والجناية: أبو خازم بالخاء المعجمة، هو عبد الحميد بن عبد العزيز، القاضي، الحنفي، ببغداد. وفي "الفصول العمادية" في الفصل الخامس، نقلًا عن القاضي الإمام ظهير الدِّين في "فتاواه": رجل باع جارية وقبضها المشتري، ثم ادعى المشتري أنّ لها زوجًا غائبًا معروفًا، وجحد البائع، فأقام المدِّعي بيِّنة (٤) على ما ادَّعى من النِّكاح، وأراد ردَّها بالعيب؛ لا تقبل بيئته، وقد مرَّت المسألة، وفيها طعن، وهي مسألة الجامع.

стр. 553

وقد طعن أبو خازم القاضي العراقي على ما قال محمَّد ﵀، وقال: يجب أن تقبل هذه البيِّنة، وإن قامت على الغائب للقضاء بها؛ لأنَّ عن الغائب خصمًا حاضرًا، لأنَّ المشتري ادَّعى على الغائب ما هو سبب لثبوت ما يدعيه على الحاضر، فوجب أن تقبل هذه البينة قياسًا على عدة مسائل، ثم ذكر المسائل فيها، فليراجع فيها. ورأيت في أواخر (١) الفصل التاسع، من "فصول مجد الدِّين محمَّد الأسْتُرُوشَني": عين في يد رجل، فأقرَّ به لرجل، ولم يكن بينهما بيع ولا سبب من أسباب الملك، قال محمَّد بن الفضل: يصح إقراره حكمًا، ولا يحلُّ للمُقَرِّ له، وإن أراد المِقرُّ بهذا الإقرار تملكيًا مبتدأ: قال لا يملكه؛ لأنَّ الإقرار إخبار وليس بتمليك. ورأيْتُ في طريقة بعض المشايخ: أنَّ الإقرار ما هو؟ ذكر القاضي أبو خازم ﵀ أنَّ الإقرار إخبار عن أمر سابق، وذكر أبو عبد الله الجُرْجَاني أنه تمليك بالمال. استدل أبو عبد الله بمسائل: منها: إذا أقرّ لرجل فردَّ إقراره ثم قبل لم يصح، ولو كان إخبارًا صح. ومنها: أنَّ الملك الثابت بسبب الإقرار لا يظهر في حقِّ الزوائد المستهلكة، حتى لا يملك المقر له مطالبتها من المقر، ولو كان إخبارًا كانت مضمونة عليه إذا استهلكها. واستدل أبو خازم بمسائل: منها: إذا أقر بنصف داره مشاعًا صح، ولو كان تمليكًا لم يصح عند أبي حنيفة ﵀.

стр. 554

ومنها: إذا أقرت المرأة بالزوجية صح، ولو كان تمليكًا لم يصح إلا بمحضر من الشهود. ومنها: إذا أقر المريض بدين مستغرق جميع ماله يصح، ولو كان تمليكًا لم يصح. وكما لا تصح دعوى المال بسبب الإقرار لا تصح دعوى النكاح أيضًا بسبب الإقرار، إلى هنا من فصول الأُسْتُرُوشَني". وفي "تهذيب الجامع الصغير" (١): قال الإمام جمال الدِّين اليَزْدِي (٢): إذا اشترى الذمي أرض عشر من مسلم، فقال أبو حنيفة وزفر: يجب فيها الخراج، وقال أبو يوسف: عشران، وقال محمَّد: عشر واحد كما ثبت أولًا، وقال مالك: لا يجوز البيع، وهو اختيار أبي خازم، وقال بعضهم البيع فاسد، وهو أحد قولي الشَّافعي. وكان القاضي أبو خازم تولَّى القضاء للمعتضد بالله ابن الموفق، ثم لابن المعتضد علي بن أحمد أبي أحمد (٣) المكتفي بالله ابن المعتضد بالله ابن الموفق. مات ﵀ سنة اثنتين وتسعين ومئتين. وله من الكتب "كتاب المحاضر والسجلات"، و"كتاب أدب القاضي"، و"كتاب الفرائض". وكان ورعًا عالمًا بمذهب أبي حنيفة، وبالفرائض، والحساب، وكثير من العلوم، وله طبقة عالية.

стр. 555

المتفرقات [١٧٥ - أبو بكر ابن حامد (١)] الإمام الزاهد. قيل: إنه من أقران أبي حفص الكبير البُخاري وكان ممَّن جمعوا عنده في إخراج البُخاري من بخارى. قال القاضي ظهير الدِّين محمد البُخاري في "فتاواه" في فصل استقبال القبلة: ومن كان بمكة يفترض عليه التوجه إلى عين الكعبة، فأما من كان خارجًا من مكة فقد كان أبو عبد الله الجُرْجَاني يقول: الواجب عليه التوجه إلى عين الكعبة، وغيره من مشايخنا يقول: الواجب عليه التوجه إلى الجهة، ويشترط نية استقبال القبلة مع هذا هكذا اختاره الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل البُخاري. وقال الشَّيخ أبو بكر بن حامد ﵀: لا يشترط، وقال القاضي الإمام صدر الدِّين: إذا كان يصلي إلى المحاريب المنصوبة لا يشترط؛ لأنَّ ذلك يغنيه عن النية، وإن كان في الصحراء يشترط، والمختار أنه لا يشترط، وهل يشترط في النية أن يتكلم بلسانه؟ قالوا: يستحب، وهو المختار، إلى هنا من "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة". وله "كتاب الزيادات". وفي الفصل الثالث عشر من "فصول مجد الدِّين الأُسْتُرُوشَني"، وفي باب وصية

стр. 556

المسلم من زيادات (١) أبي بكر بن حامد: أجمع العلماء على جواز (بيع أنقاض) (٢) المسجد وحصيره إذا استغنى الناس عنه، انتهى. ولا أجد فيما تتبعته من الكتب أنَّ هذا الإمام ممَّن أخذ وسمع وروى، ولهذا أدرجته في المتفرقات. * * * [١٧٦ - محمَّد بن الأزهر (٣)] محمَّد بن الأزهر، أبو عبد الله. من أئمة أصحابنا الخراسانيين، صاحب الطبقة العالية، له اختيار. مات سنة إحدى وخمسين ومئتين. وفي "فتاوى قاضي خان" في آخر الفصل الأول من باب البيع الفاسد: إذا باع الرجل شيئًا وامتنع من الإشهاد على البيع، قال محمَّد بن سلمة: له ذلك، وقال محمَّد بن الأزهر: يشهد اثنين، ثم الشاهدان يشهدان على شهادتهما، فإن رجع الأمر إلى القاضي، ورأى القاضي أن يأمره بالإشهاد كان له ذلك. ولو امتنع البائع عن كتب الصَّك لا يجبر عليه، وإن كتب المشتري صكًّا، وجاء بالعدول إلى البائع، وكلَّفه أن يقر بالبيع؛ ليس للبائع أن يمتنع، فإن أبى أن يقر وحضره إلى مجلس القاضي؛ فإن أقرَّ بالبيع عند القاضي كتب القاضي له

стр. 557

سجلًا ويشهد عليه، إلى هنا من "قاضي خان"، (والله أعلم) (١). * * * [١٧٧ - أبو جعفر البُخاري البَرْكَدي (٢)] أبو جعفر القاضي (٣) البُخاري البَرْكَدي محمَّد بن أحمد بن موسى بن سلام. بَرْكَد -بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الكاف في آخرها الدال المهملة -: قرية من قرى بخاري. مات سنة ست وسبعين ومئتين، كذا في "الجواهر المضية". وفي باب التعليق من كتاب الطلاق من "فتاوى قاضي خان": رجل قال لامرأته: إن لم أشبعك من الجماع فأنت طالق، حكي عن الفقيه أبي جعفر البُخاري أنه قال: إن جامعها حتى أنزلت فقد أشبعها، انتهى (٤). * * * [١٧٨ - الحافظ أبو اللَّيث السَّمَرْقندي (٥)] أبو اللَّيث الحافظ، نصر السَّمَرْقندي.

стр. 558

وأبو اللَّيث هذا متقدم على أبي اللَّيث المعروف بإمام الهدى بثمانين سنة، كانت وفاة الأول سنة أربع وتسعين ومئتين، ووفاة الثاني سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة، وأبو اللَّيث الثاني يلقب بالفقيه، وهذا بالحافظ. في كتاب الحظر والإباحة من "فتاوى فخر الدِّين قاضي خان": حكي عن أبي الليث الحافظ أنه قال: كنت أفتي (بثلاثة أشياء فرجعت عنها: كنت أفتي) (١) أن لا يحل للمعلم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وكنت أفتي أن لا ينبغي للعالم أن يدخل على السُّلطان، وكنت أفتي (أن لا ينبغي) (٢) لصاحب العلم أن يخرج إلى القرى فيذكِّرهم ليجمعوا له شيئًا، فرجعت عن ذلك كله، وإنما رجع تحرزًا عن ضياع العلم والقرآن والحقوق، كذا ذكره الصَّدر الشَّهيد في آخر كتاب الكراهية في "واقعاته" بعين هذا، غير أنه قال في "الواقعات": كنت أفتي أن لا يحل (٣) للمعلم أخذ الأجرة. وفي "فتاوى قاضي خان" أيضًا في فصل إجارة الدَّواب من كتاب الإجارة: وإن آجرها ليحمل عليها عشرة أقفزة من شعير، فحمل عليها عشرة أقفزة من حنطة مثل كيل الشعير؛ قال الفقيه أبو اللَّيث الحافظ ﵀: يضمن قيمة الدَّابة؛ لأنَّ الحنطة أشد من الشعير وأثقل فيضمن، كما لو حمل عليها مكان الحنطة حديدًا. وفي "الجواهر المضية": ذكر عنه -يعني أبو الليث الحافظ- في مال الفتاوى أنه قال: من اشتغل بالكلام محي اسمه اسمه من العلماء. * * *

стр. 559

[١٧٩ - أبو نصر محمَّد بن سلام (١)] الشَّيخ الإمام أبو نصر محمَّد بن محمَّد بن سلام البَلْخِي. في كتب الفتاوى تارة يذكر باسمه محمَّد بن سلام، وتارة بكنيته أبو نصر بن سلام، وتارة بهما، والجميع لهذا الإمام الكبير، صاحب الطبقة العالية، حتى روي أنَّ أصحابنا عدُّوه من أقران أبي حفص الكبير البُخاري، وما وقع في بعض المحل نصر بن سلام فقط من النَّاسخ أسقط لفظ "أبو"، والمراد به: أبو نصر محمَّد بن سلام لا غير. فإن أصحابنا ذكروا الخلاف في مسألة إذا قال لزوجته: "أنت طالق لا قليل ولا كثير" يقع الثلاث، وحكى بعضهم عن نصر بن سلام، (وبعضهم عن محمَّد بن سلام) (٢)، وبعضهم عن أبي نصر بن سلام، وبعضهم عن أبي نصر محمَّد بن سلام أنها تطلق ثلاثًا، وهذه الحكايات تدل على أنّ نصر بن سلام: أبو نصر بن سلام، سقط منه "أبو". وفي "كتاب الجواهر" (٣) للشيخ طاهر، الشهير بسعد نمدبوش الخُوَارِزْمِي في الباب التاسع من كتاب الصلاة، نقلًا عن "خلاصة الحقائق" لمحمود بن أحمد الفارابي: قال أبو نصر محمَّد بن سلام البَلْخِي: العلم ميت وحياته الطلب، فإذا حيي فهو ضعيف، وقوَّته الدرس، فإذا قوي فهو محتجب، فكشفه المناظرة مع الموافق والمخالف، فإذا انكشف فهو عقيم، فنتاجه العمل.

стр. 560

وفي "واقعات (١) "الصَّدر الشَّهيد" في باب الكراهة رجل قال: إذا تناول فلان من مالي فهو له حلال، فتناول فلان من غير أن يعلم بإباحته جاز، فلا (٢) ضمان عليه، وإن قال: كل إنسان تناول من مالي فهو له حلال، قال محمَّد بن سلمة: لا يجوز، وإن تناوله ضمن (٣)، وقال أبو نصر محمَّد بن سلام هو جائز، وأبو نصر يجعل هذا إباحة، والإباحة لمجهول تجوز، وبقول أبي نصر يُفتى (٤). وفي "خلاصة الفتاوى": الماء الطاهر إذا اختلط به التراب النجس وصار طينًا أو كان الماء نجسًا والتراب طاهرًا فالعبرة للنجس أيهما كان نجسًا، فالطين نجس، وبه أخذ الفقيه أبو اللَّيث، وهكذا روي عن أبي يوسف، وقال أبو نصر محمَّد بن سلام: أيهما كان طاهرًا فالطين طاهر، وهذا قول محمَّد؛ حيث صار شيئًا آخر. وفي "فتاوى قاضي خان" قبيل كتاب الصلاة: مسجد كبير مرَّ رجل بين يدي المصلي في أي مقدار، يكره المرور ولا يكره؟ حكي عن أبي نصر بن سلام: إن قدره بخمسين ذراعًا وفيما دون ذلك يكره، وقال غيره: في مقدار ما يكون بين الصف الأول والحائط الذي عليه المحراب يكره، وفيما وراء ذلك لا يكره. مات رحمه الله تعالى سنة خمس وثلاثمئة، (والله أعلم) (٥).

стр. 561

[١٨٠ - علي بن يونس البَلْخِي (١)] علي بن يونس، الزاهد، الفقيه. كان فقيهًا ورعًا زاهدًا، وكانت إليه الفتوى في وقته ببَلْخ. ذكره الإمام فخر الدِّين قاضي خان في عداد أبي مطيع وأبي معاذ ومسلم بن سالم حيث قال في "فتاواه": وجهة الكعبة تعرف بالدليل والدليل في الأمصار والقرى المحاريب التي نصبها الصحابة والتابعون رضي الله تعالى عنهم، فحين فتحوا العراق جعلوا قبلة أهلها ما بين المشرق والمغرب، ولذلك قال أبو حنيفة: إن كان بالعراق جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، وهكذا قال، وإنما قال ذلك لقول عُمَر ﵁: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل العراق، وحين فتحوا خراسان جعلوا قبلة أهلها ما بين مغرب الصيف ومغرب الشتاء، فعلينا اتباعهم، واتبعاهم في استقبال القبلة المحاريب المنصوبة، فإن لم يكن فالسؤال من الأهل. أما في المفاوز والبحار فدليل القبلة النجوم؛ لما روي عن عُمَر ﵁ أنه قال: تعلَّموا من النجوم ما تهتدون به إلى (٢) القِبلة (٣).

стр. 562

وعن أبي يوسف أنه قال يوسف أنه قال في قبلة أهل الرَّي: اجعل الجدي (على (١) منكبك الأيمن) (٢). واختلف المشايخ فيما سوى ذلك من الأمثال، قال بعضهم: إذا جعلت بنات نعش الصغرى على أذنك اليمنى وانحرفت قليلًا (إلى شمالك) (٣) فتلك القِبلة. وقال بعضهم: إذا جعلت الجدي خلف أذنك اليمنى فتلك القبلة. وعن عبد الله بن المبارك وأبي مطيع وأبي معاذ ومسلم بن سالم وعلي بن يونس ﵏: أنهم قالوا: قبلتنا العقرب إلى غير ذلك من الفتاوى (٤) والأقاويل التي ذكرها الإمام فخر الدِّين قاضي خان. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" والقيء إذا كان ملء الفم نقض الوضوء، وإن كان دونه لا ينقض، ثم عند أبي يوسف: إن قاء قليلًا قليلًا بحيث يبلغ ملء الفم لو جمع إن اتحد المجلس ينقض وإلا فلا، وعند محمَّد: إن اتحد السبب ينقض وإلا فلا. قال ﵀: في المسألة حكاية، وهي ما روي أنّ علي بن يوسف كان من زهاد بَلْخ، سألته ابنته عن القيء وجدته في حلقها، هل تعيد الوضوء؟ فقال لها: أعيدي الوضوء، قال: فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: لا يا علي، حتى يكون ملء الفم، فعلمت أنَّ ما نفتي به يُعرض على النبي ﷺ ، فجعلت على نفسي أن لا أفتي أبدًا.

стр. 563

وذكر الإمام جمال الدِّين المطهَّر البَزْدَوي في "التهذيب شرح الجامع الصَّغير للزعفراني" هذه الحكاية، فقال: فسألته ابنته عن هذا، فقال: إن كان نصف الفم ينقض الوضوء، فرأى النبي ﷺ (في المنام) (١)، فقال: يا فلان، لا حتى يكون أكثر من نصف الفم، فلما استيقظ عهد أن لا يفتي إلا ما كان فيه نصٌّ أو سنَّة صحيحة أو إجماع الأمة، انتهى (٢). * * * [١٨١ - القَلاسي (٣)] الإمام البَلْخِي، محمَّد بن خزيمة، أبو عبد الله، القَلاسي. بالقاف: نسبة إلى القَلْس، وهو الحبل الذي تربُط به السفينة. وهو الإمام البَلْخِي، أحد مشايخ بَلْخ. له اختيارات في المذهب، منها (٤): كل دم لا يكون حدثًا لا يكون نجسًا، وتابعه محمَّد بن سلمة وأبو نصر وأبو القاسم، وهو قول أبي يوسف. توفي سنة أربع عشرة وثلاثمئة، كذا ذكره في "الجواهر المضية". وقال في كفاه ذكره في "النوازل": من أقران محمَّد بن سَلمة. وعن السَّمْعَانِي: روى عنه جماعة.

стр. 564

وفي أوائل "فصول (١) الأسْتُرُوشَني" و "الفصول العمادية": وذكر القلاسي في "تهذيبه": قال بعض المشايخ لولا علي ﵁ ما درينا القتال مع أهل القبلة، وكان علي ﵁ ومن تبعه من أهل العدل، وخصمه ومن تبعه من أهل البغي، وفي زماننا الحكم للغلبة، ولا ندري العادلة والباغية، كلهم يطلبون الدنيا. * * * ١٨٢ - شاذان بن إبراهيم البصري (٢) هو أبو محمَّد بن شاذان، نائب بكار بن قتيبة القاضي، وخليفتِه في الديار المصرية. وكان شاذان هو الذي اختار أنّ الغسل يجب بخروج المني كيف ما كان، ولم يعتبر الدَّفق والشهوة. وشاذان ذكره الخاصِّي (٣) في "فتاواه"، وذكر عنه أنَّ المرأة إذا ارتدت لم تبن من زوجها. * * *

стр. 565

قلب الكتيبة الثالثة [١٨٣ - الجنيد البغدادي (١)] سيد الطائفة، الجنيد البغدادي منشأً، النَّهاوندي مولدًا. ويكنى أبا القاسم، ويلقب بالقواريري والزُّجاجي؛ لأنَّ أباه كان يبيع الزجاج، ويلقب أيضًا بالخزَّاز -بالخاء المعجمة والزاي المشددة المكررة-؛ لأنّه كان يعمل الخز. ولد بنهاوند، ونشأ ببغداد. وفي "نفحات الأنس": مرَّ السَّري يومًا على الجنيد وهو صبي يلعب مع الصبيان، فقال: السَّري: ما تقول في الشكر يا غلام؟ قال الجنيد: ألا تستعين بنعمِهِ على معاصيه (٢). صحب وأخذ التلقين وعلم التصوف عن السَّري، عن معروف، عن داود، عن حبيب، عن الحسن، عن علي، عن رسول الله ﷺ . قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب": حدثونا عن الجنيد قال: (كنت إذا قمت من عند سري السَّقَطي قال: إذا فارقتني من تجالس؟ فقلت: الحارث المحاسبي، فقال:) (٣) نعم خذ من علمه وأدبه، ودع عنك تشقيقه الكلام، ورده على
следующие страницы →