[١٨٠ - علي بن يونس البَلْخِي (١)]
علي بن يونس، الزاهد، الفقيه.
كان فقيهًا ورعًا زاهدًا، وكانت إليه الفتوى في وقته ببَلْخ.
ذكره الإمام فخر الدِّين قاضي خان في عداد أبي مطيع وأبي معاذ ومسلم بن سالم حيث قال في "فتاواه": وجهة الكعبة تعرف بالدليل والدليل في الأمصار والقرى المحاريب التي نصبها الصحابة والتابعون رضي الله تعالى عنهم، فحين فتحوا العراق جعلوا قبلة أهلها ما بين المشرق والمغرب، ولذلك قال أبو حنيفة: إن كان بالعراق جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، وهكذا قال، وإنما قال ذلك لقول عُمَر ﵁: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل العراق، وحين فتحوا خراسان جعلوا قبلة أهلها ما بين مغرب الصيف ومغرب الشتاء، فعلينا اتباعهم، واتبعاهم في استقبال القبلة المحاريب المنصوبة، فإن لم يكن فالسؤال من الأهل.
أما في المفاوز والبحار فدليل القبلة النجوم؛ لما روي عن عُمَر ﵁ أنه قال: تعلَّموا من النجوم ما تهتدون به إلى (٢) القِبلة (٣).
стр. 562
وعن أبي يوسف أنه قال يوسف أنه قال في قبلة أهل الرَّي: اجعل الجدي (على (١) منكبك الأيمن) (٢).
واختلف المشايخ فيما سوى ذلك من الأمثال، قال بعضهم: إذا جعلت بنات نعش الصغرى على أذنك اليمنى وانحرفت قليلًا (إلى شمالك) (٣) فتلك القِبلة.
وقال بعضهم: إذا جعلت الجدي خلف أذنك اليمنى فتلك القبلة.
وعن عبد الله بن المبارك وأبي مطيع وأبي معاذ ومسلم بن سالم وعلي بن يونس ﵏: أنهم قالوا: قبلتنا العقرب إلى غير ذلك من الفتاوى (٤) والأقاويل التي ذكرها الإمام فخر الدِّين قاضي خان.
وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" والقيء إذا كان ملء الفم نقض الوضوء، وإن كان دونه لا ينقض، ثم عند أبي يوسف: إن قاء قليلًا قليلًا بحيث يبلغ ملء الفم لو جمع إن اتحد المجلس ينقض وإلا فلا، وعند محمَّد: إن اتحد السبب ينقض وإلا فلا.
قال ﵀: في المسألة حكاية، وهي ما روي أنّ علي بن يوسف كان من زهاد بَلْخ، سألته ابنته عن القيء وجدته في حلقها، هل تعيد الوضوء؟ فقال لها: أعيدي الوضوء، قال: فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: لا يا علي، حتى يكون ملء الفم، فعلمت أنَّ ما نفتي به يُعرض على النبي ﷺ ، فجعلت على نفسي أن لا أفتي أبدًا.
стр. 563
وذكر الإمام جمال الدِّين المطهَّر البَزْدَوي في "التهذيب شرح الجامع الصَّغير للزعفراني" هذه الحكاية، فقال: فسألته ابنته عن هذا، فقال: إن كان نصف الفم ينقض الوضوء، فرأى النبي ﷺ (في المنام) (١)، فقال: يا فلان، لا حتى يكون أكثر من نصف الفم، فلما استيقظ عهد أن لا يفتي إلا ما كان فيه نصٌّ أو سنَّة صحيحة أو إجماع الأمة، انتهى (٢).
* * *
[١٨١ - القَلاسي (٣)]
الإمام البَلْخِي، محمَّد بن خزيمة، أبو عبد الله، القَلاسي.
بالقاف: نسبة إلى القَلْس، وهو الحبل الذي تربُط به السفينة.
وهو الإمام البَلْخِي، أحد مشايخ بَلْخ.
له اختيارات في المذهب، منها (٤): كل دم لا يكون حدثًا لا يكون نجسًا، وتابعه محمَّد بن سلمة وأبو نصر وأبو القاسم، وهو قول أبي يوسف.
توفي سنة أربع عشرة وثلاثمئة، كذا ذكره في "الجواهر المضية".
وقال في كفاه ذكره في "النوازل": من أقران محمَّد بن سَلمة.
وعن السَّمْعَانِي: روى عنه جماعة.
стр. 564
وفي أوائل "فصول (١) الأسْتُرُوشَني" و "الفصول العمادية": وذكر القلاسي في "تهذيبه": قال بعض المشايخ لولا علي ﵁ ما درينا القتال مع أهل القبلة، وكان علي ﵁ ومن تبعه من أهل العدل، وخصمه ومن تبعه من أهل البغي، وفي زماننا الحكم للغلبة، ولا ندري العادلة والباغية، كلهم يطلبون الدنيا.
* * *
١٨٢ - شاذان بن إبراهيم البصري (٢)
هو أبو محمَّد بن شاذان، نائب بكار بن قتيبة القاضي، وخليفتِه في الديار المصرية.
وكان شاذان هو الذي اختار أنّ الغسل يجب بخروج المني كيف ما كان، ولم يعتبر الدَّفق والشهوة.
وشاذان ذكره الخاصِّي (٣) في "فتاواه"، وذكر عنه أنَّ المرأة إذا ارتدت لم تبن من زوجها.
* * *
стр. 565
قلب الكتيبة الثالثة
[١٨٣ - الجنيد البغدادي (١)]
سيد الطائفة، الجنيد البغدادي منشأً، النَّهاوندي مولدًا.
ويكنى أبا القاسم، ويلقب بالقواريري والزُّجاجي؛ لأنَّ أباه كان يبيع الزجاج، ويلقب أيضًا بالخزَّاز -بالخاء المعجمة والزاي المشددة المكررة-؛ لأنّه كان يعمل الخز.
ولد بنهاوند، ونشأ ببغداد.
وفي "نفحات الأنس": مرَّ السَّري يومًا على الجنيد وهو صبي يلعب مع الصبيان، فقال: السَّري: ما تقول في الشكر يا غلام؟ قال الجنيد: ألا تستعين بنعمِهِ على معاصيه (٢).
صحب وأخذ التلقين وعلم التصوف عن السَّري، عن معروف، عن داود، عن حبيب، عن الحسن، عن علي، عن رسول الله ﷺ .
قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب": حدثونا عن الجنيد قال: (كنت إذا قمت من عند سري السَّقَطي قال: إذا فارقتني من تجالس؟ فقلت: الحارث المحاسبي، فقال:) (٣) نعم خذ من علمه وأدبه، ودع عنك تشقيقه الكلام، ورده على
стр. 566
المتكلمين، فلما وليت سمعته يقول: جعلك الله تعالى صاحب حديث صوفيًّا، ولا جعلك صوفيًّا صاحب حديث. يعني: أنك إذا ابتدأت بعلم الحديث والأثر ومعرفة الأصول والسنن ثم تزهدت وتعبدت نفذت في علم الصوفية وكنت صوفيًّا عارفًا، وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى والحال شغلت به عن العلم والسُّنن، فخرجت إما (١) شاطًا (٢) أو غالطًا لجهلك بالأصول والسنن، انتهى.
وكان الجنيد شافعي المذهب، قال تقي الدِّين السُّبْكي في "طبقات الشَّافعية": الجنيد بن محمَّد بن الجنيد، أبو القاسم الخزاز، النهاوندي، القواريري، سيِّد الطائفة، ومقدم الجماعة، وإمام أهل الخرقة، وشيخ طريقة التصوف، الجامع بين العلم والعمل المشغول بما خلق له.
تفقَّه على أبي ثور، وكان يفتي بحلقة أبي ثور الكَلْبي البغدادي الشَّافعي.
واختصَّ بصحبة السَّري السَّقَطي.
وعن جعفر الخلدي: لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير الجنيد، إذا رأيت علمه رجَّحته على حاله، وإذا رأيت حاله رجَّحته على علمه.
وعن العبَّاس بن سريج: أنه تكلَّم يومًا فأعجب به بعض الحاضرين، فقال ابن سريح: هذا من بركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد.
ونقل السُّبْكي عن أبي عبد الرَّحمن السلمي دخل أبو العبَّاس بن عطاء على الجنيد وهو في النزاع، فسلم عليه فلم يردَّ عليه، ثم ردَّ عليه بعد ساعة، وقال: اعذرني فإني كنت في وردي، ثم حوَّل وجهه إلى القبلة، وكبَّر، ومات.
стр. 567
وعن أبي محمَّد الجريري (١): كنت واقفًا على رأس الجنيد في وقت وفاته، وكان يوم الجمعة، وهو يقرأ القرآن، فقلت: يا أبا القاسم، ارفق بنفسك، فقال: يا أبا محمَّد، ما رأيت أحدًا أحوج إليه مني في هذا الوقت، وهو ذا تطوي صحيفتي.
توفي الجنيد ﵀ يوم السبت، في شوال، سنة ثمان وتسعين ومئتين، ودفن بالشُّوْنِيزيّة ببغداد، عند أبي الحسن سري السَّقَطي، وهو أستاذه ومرشده، وكان هو خال الجنيد.
وذكر السُّبْكي عن الخلدي: ومن أعزة أصحاب الجنيد البغدادي: الشَّيخ العارف بالله علي الرُّوْذْبَاري (٢)، والشَّيخ العارف بالله أبو بكر الشِّبْلي، والشَّيخ العارف بالله أبو محمَّد بن السَّري أحمد بن محمد، والشَّيخ العارف بالله أبو محمَّد بن أحمد.
[وعنه] أنه قال: رأيته في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك الإشارات، وغابت تلك العبارات، وفنيت تلك العلوم، ونفدت تلك الرسوم، وما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها في السَّحر.
* * *
[١٨٤ - أبو يزيد البِسْطَامي (٣)]
سلطان العارفين أبو يزيد البِسْطَامي، طيفور بن عيسى بن آدم.
стр. 568
في "نفحات الأنس": كان من أقران أحمد بن خَضْرَويه وأبي حفص الحداد (١) ويحيى بن معاذ وشقيق البَلْخِي.
وكان رفيق أحمد وأبي حفص.
مات ﵀ في سنة إحدى وستين ومئتين، وقيل: سنة أربع وستين.
وعن المومل الجصاص الشِّيْرَازِي ﵀ قال: أعطي الجنيد الحكمة، وأعطي شاه الكرماني الوجد، وأعطي أبو حفص الأخلاق، وأعطي أبو يزيد البسطامي الهيمان.
قيل: إنه أويسي المشرب، أخذ العلم اللدني من روحانية الإمام جعفر الصادق، وتربى بتربيته بحسب الباطن.
وقال الدَّمِيْرِي في "حياة الحيوان" في الذباب: سئل أبو يزيد البِسْطَامي عن العارف، فقال: هو أين يكون وحداني التدبير، فرداني، المعنى، صمداني الرؤية، رباني القوة، وجداني العيش، نوراني (٢) العلم، خلداني (٣) العجائب، سماوي الحديث، وحشي الطلب ملكوتي السير، عنده مفاتيح الغيب، وخزائن الحكم، وجواهر القدس، وسرادقات الأبرار، فإذا جاوز الحد وارتفع إلى أعلى علاء، فهو غير مدرك، وحاله غير موصوف.
وفي "قوت القلوب" في الفصل الخامس والثلاثين في ذكر حقِّ المسلم: قال أبو يزيد البِسْطَامي وغيره: بغية العقلاء السلامة من الله تعالى، (ومن أراد السلامة من الله فليسلم الناس منه]، ومن أراد أن يسلم الناس منه فليبعد عنهم، وأنشد في معناه:
الناس بحر عميق … البعد منهم سلامة
стр. 569
فقد نصحتك فانظر … لا تدركنَّك النَّدامة (١)
ذكر السيِّد علي الهَمَذاني في الباب الثاني في "ذخيرة (٢) الملوك": أنّ للطهارة أربع مراتب:
أولها: طهارة البدن واللباس والمكان عن الحدث والنجس، وهي طهارة العوام.
وثانيها: مع هذه الطهارة طهارة الأعضاء والجوارح عن أدناس الجرائم والمعاصي، وهي طهارة الأبرار.
والثالثة: بعد هاتين الطهارتين طهارة النفس من كدورات الصفات الذميمة، وهي طهارة السالكين.
والرابعة: بعد هذه الطهارات طهارة القلب عن غير الحق، وهي طهارة الصديقين.
ومن هذا قال الشَّيخ أبو يزيد قدس الله سره: لو خطر ببالي الدنيا لتوضأت، ولو خطر ببالي الآخرة لاغتسلت.
وفي "نفحات الأنس": بايزيد راقدس سره بس از مرك بخواب ديدند كفتند حال توجه بود؟ كفت مرا كفتندي اي بير! جه آوردي؟ كفتم درويشي بدركاه ملك شود، ويرانه كويند: جه آوردي؟ كويند: جه خواهي؟ و كويند در نَيْسَابور عجوزه بود عراقية نام از درها سوال كردي از دنيا برفت بخوابش، ديدند كفتند: حال توجه بود؟ كفت: كفتند: جه آوردي؟ كفت: راست ميكويد از و باز شويد. ابو موسي كويد: كفتم: آه همه عمر مرا باين در حوالت ميكردند كه خداي دهاد و اكنون ميكويند: جه آوردي؟ كفت: راست ميكويد، ازو باز شويد، ابو موسي كويد: شاكرد وي كه بايزيد كفت: الله تعالي رابخواب ديدم، كفتم: راه به تو جونست؟ كفت از خود كذشي رسيدي.
стр. 570
الكتيبة الرابعة
[١٨٥ - أبو جعفر الطَّحَاوي (١)]
الشَّيخ الإمام الكبير الفقيه أبو جعفر الطَّحَاوِي أحمد بن محمَّد بن سلامة المصري.
إمام جليل القدر، مشهور في الآفاق، ذكره الجميل مملوء في بطون الأوراق.
ولد سنة تسع وعشرين، وقيل: سنة تسع وثلاثين ومئتين، ومات سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة.
والطَّحَاوي -بفتح الطاء والحاء المهملتين وبعده الألف والواو-: نسبة إلى طحينة؛ قرية بصعيد مصر، ينسب إليها جماعة.
وعن أبي (٢) الحسين القُدُوري أنه قال: كان أبو جعفر الطَّحَاوِي يقرأ على المزني، وكان المزني خاله، وكان الطَّحَاوِي يكثر النظر في كتب أبي حنيفة، فقال له خاله المزني يومًا: والله لا يجيء منك شيء، أو قال: والله لا أفلحت، فغضب وانتقل من عنده، وتفقَّه في (٣) مذهب أبي حنيفة، وصار إمامًا، فكان
стр. 571
إذا درس أو أجاب في شيء من المشكلات يقول: رحم الله خالي، لو كان رآني لكفَّر عن يمينه.
أخذ الفقه عن أبي جعفر أحمد بن عمران، عن محمَّد بن سماعة، عن أبي يوسف ومحمَّد، عن أبي حنيفة.
وكان القاضي (١) بكَّار بن قتيبة قاضي مصر، وأخذ عنه، عن هلال بن يحيى الرَّأي (٢)، عن زفر وأبي يوسف، عن أبي حنيفة.
ثم خرج إلى الشام، فلقي بها أبا خازم عبد الحميد قاضي القضاة بالشام، وأخذ عن أبي خازم، عن عيسى بن أَبَان عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة، وعن أبي خازم، عن بكر بن محمَّد العَمِّي، عن محمَّد بن سَماعة، عن محمَّد، عن أبي حنيفة.
وكان إمامًا في الأحاديث والأخبار، وسمع الحديث من خلق كثير من المصريين والغرباء القادمين إلى مصر، منهم سليمان بن سعيد الكسائي، وأبو يونس عبد الأعلى الصوفي.
قال الشَّيخ الأكمل في "عناية الهداية "في باب صلاة العيدين: ولا يكبِّر عند أبي حنيفة في طريق المصلَّى -يعني جهرًا- في الطريق الذي يخرج منه إلى عيد الفطر، وهذه رواية المعلَّى عنه، وروى الطَّحَاوِي عن أستاذه ابن أبي عمران البغدادي عن أبي حنيفة أنه يكبِّر في طريق المصلَّى في عيد الفطر جهرًا، وبه أخذ أبو يوسف ومحمَّد؛ اعتبارًا بالأضحى.
стр. 572
وفي "القُنية" في كتاب الطلاق نقلًا عن عين الأئمَّة الكَرْمَاني: لو قال لها عند مذاكرة الطلاق: أنت طالق خمسين طلقة، فقالت ثلاث تكفيني، فقال: البواقي لصاحباتك، تطلق كل واحدة من البواقي ثلاثًا ثلاثًا، وقال الطَّحَاوِي ومحمَّد بن شجاع وأبو علي الرَّازي والشَّافعي: لا يقع على صاحباتها شيء، وقال فيه: عزوا إلى "المحيط" مثله؛ لأن ما وراء الثلاث غير عامل فيه أصلًا، وفيه حكاية عن أحمد بن أبي عمران أستاذ الطَّحاوي، إلى هنا من القنية".
تفقَّه عليه الشَّيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمَّد بن منصور الدَّامَغاني، والشَّيخ الإمام أبو طالب سعيد بن محمَّد البَرْدَعي، وابنه أبو الحسن علي بن أحمد الطَّحَاوي.
وكان الطَّحَاوِي عالمًا بجميع مذاهب الفقهاء، وكتب أصحابنا مشحونة (١) بأخذه ورواياته، وكان أعلم الناس بسير الكوفيين وأخبارهم.
وله "الرد على أبي عبيد فيما أخطأ في اختلاف النسب، وآثاره مشهورة لا يحتاج إلى تفصيلها، وله تصانيف جليلة معتبرة لم يُسبق إلى مثلها، فمنها: "أحكام القرآن" يزيد (٢) على عشرين جزءًا، و"كتاب معاني الآثار"، و"كتاب مشكل الآثار"، و "المختصر"، و"شرح الجامع الكبير"، و"شرح الجامع الصغير"، وكتاب الشروط الكبير"، و"الشروط الصغير"، و"الأوسط" (٣) و"المحاضر والسجلات"، و"الوصايا"، و"الفرائض"، وتاريخ كبير، و"كتاب مناقب أبي حنيفة"، و"النوادر الفقهية" و"النوادر والمكاتبات"، وله "اختلاف الروايات على
стр. 573
مذهب الكوفيين"، و"حكم أراضي (١) مكة"، و"قسم الفيء والغنائم"، و"الرد على عيسى بن أَبَان"، وغير ذلك.
* * *
[١٨٦ - أبو الحسن الكَرْخي (٢)]
الشَّيخ الإمام الكبير المجتهد الورع البارع، أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكَرْخي.
انتهت إليه رئاسة الحنفيَّة بعد أبي خازم القاضي والقاضي أبي سعيد البَرْدَعي.
وأخذ الفقه عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن إسماعيل بن حمَّاد، عن حمَّاد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، وعن أبي سعيد، عن أبي علي الدَّقَّاق، عن موسى بن نصر الرَّازي، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة.
وكان الكَرْخي ﵀ واسعَ العلم والرواية، كثير الصوم والصلاة، صبورًا على الفقر والحاجة.
وانتشر أصحابه.
تفقَّه عليه أبو بكر الرَّازي أحمد بن علي المعروف بالجصَّاص، وأبو علي أحمد بن محمَّد الشَّاشي الفقيه، وأبو حامد أحمد الطبري، وأبو القاسم علي القاضي التَّنُوخِي، وأبو عبد الله يوسف بن محمد الجُرْجَاني، وأبو زكريا يحيى بن محمَّد الضَّرير البصري، وأبو عبد الله الحسين بن علي البصري المعتزلي.
стр. 574
وكان للكرخي طبقة عالية بين أصحابنا، عدُّوه من المجتهدين في المسائل، القادرين على استنباط الأحكام في المسائل التي لا نصَّ فيها عن صاحب المذهب، على حسب أصول مقتضى (١) قواعده.
وله "المختصر"، و"الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، قرأها عليه تلامذته المذكورون، وسمعها عنه أصحابه المزبورون وغيرهم.
وكان زاهدًا ورعًا، لم (٢) يقبل العمل والقضاء، وكان من يتولى القضاء من أصحابه يهجره (٣).
كان مولده سنة ستين ومئتين.
أصابه الفالج في آخر عمره، فكتب أصحابه إلى سيف الدولة بما ينفق عليه، فلما علم بذلك بكي، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني، فمات قبل أن تصل إليه صلة سيف الدولة في ليلة النصف من شعبان سنة أربعين وثلاثمئة.
وفي "أصول فخر الإسلام علي البَزْدوي" في باب العام إذا لحقه الخصوص قال: فإن لحق هذا العام خصوص فقد اختلف فيه؛ فقال أبو الحسن الكَرْخي ﵀: لا يبقى حجَّة أصلًا؛ سواء كان المخصوص معلومًا أو مجهولًا، وقال غيره من مشايخنا: إن كان المخصوص معلومًا يبقى (٤) العام فيما وراء المخصوص على ما كان، وأما إذا كان المخصوص مجهولًا سقط حكم العموم، وقال: يفهم إن كان المخصوص معلومًا بقي العام فيما وراءه على ما كان، وإن كان مجهولًا فإنَّ دليل الخصوص يسقط، فعلى
стр. 575
قول الكَرْخي يبطل الاستدلال بعامة العمومات لما دخلها من الخصوص.
وذكر فخر الإسلام فيه أيضًا، في باب أفعال النبي ﷺ : وهي أربعة أقسام: مباح ومستحب وواجب وفرض، وفيها قسم آخر وهو الزَّلَّة، لكنه ليس من هذا الباب في شيء مما يقتدى به؛ لأنّه لا يصلح للاقتداء، ولا يخلو عن بيان مقرون به من جهة الفاعل أو من الله تعالى، كما قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقال حكاية عن موسى ﵇ في قتل القبطي: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥].
والزَّلَّة: اسم لعمل غير مقصود عينه، لكنه اتصل الفاعل به عن فعل مباح هو أفضل قصده، فزلَّ بشغله (١) عنه إلى ما هو حرام لم يقصده أصلًا، بخلاف المعصية؛ فإنها اسم لفعل الحرام مقصود بعينه.
واختلفوا في سائر أفعال النبي ﷺ ما ليس بسهو ولا طبع؛ لأن البشر لا يخلو عما جُبل عليه، فقال بعضهم: يجب التوقف فيها، وقال بعضهم: بل يلزمنا اتباعه (٢) فيه، وقال الكَرْخي ﵀: نعتقد فيها الإباحة، فلا يثبت الفضل، ولا يثبت المتابعة منا إياه فيها إلا بدليل، وقال الجصاص ﵀ مثل قول الكَرْخي، إلا أنه قال: علينا اتباعه، لا نترك ذلك إلا بدليل، وهو أصح عندنا.
وفيه أيضًا، في متابعة أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم: قال أبو سعيد البَرْدَعي ﵀: تقليد الصحابي واجب، يترك به القياس، قال: وعلى هذا أدركنا مشايخنا ﵏، وقال الكَرْخي ﵀: لا يجب تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس، وقال الشَّافعي: لا يقلد أحد منهم، ومنهم من فصَّل التقليد؛ فقلَّد الخلفاء الراشدين وأمثالهم.
стр. 576
ثم قال: فأما فيما لا يدرك بالقياس فلابد من العمل؛ حملًا لذلك على التوقيف من رسول الله ﷺ ، لا وجه له غير هذا إلا التكذيب، وذلك باطل، فوجب العمل به لا محالة، فأما فيما يفعل بالقياس فوجه قول الكَرْخي: أنَّ القول بالرأي من أصحاب النبي ﷺ مشهور، واحتمال الخطأ في اجتهادهم كائن لا محالة، فقد كان يخالف بعضهم بعضًا، وكانوا لا يدعون النَّاس إلى أقوالهم.
وكان ابن مسعود ﵁ يقول: إنّ اخطأت فمن الشيطان، وإذا كان كذلك لم يجز تقليد مثله، بل وجب الاقتداء بهم في العمل بالرأي مثل ما عملوا، وذلك معنى قول النبي ﷺ : " أصحابي كالنجوم" (١)، ومن ادعى الخصوص في حق الخلفاء الراشدين احتج بقوله ﷺ : "اقتدوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر" (٢).
ووجه قول أبي سعيد أنَّ العمل برأيهم أولى لوجهين: احتمال السَّماع والتوفيق؛ لأنَّهم موفقون ما (٣) لا يوفق غيرهم، كما هو مشهور من أحوالهم، وذلك أصل فيهم مقدَّم على الرأي.
ومشاهير كتب أصحاب الحنفيَّة مشحونة بأقوال الكَرْخي وأخذه رواياته.
إمام مجتهد، وشيخ مرجع معتمد، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 577
[١٨٧ - أبو بكر الإِسْكاف (١)]
الشَّيخ الإمام الجليل، محمَّد بن أحمد، أبو بكر الإِسْكاف، البَلْخِي.
إمام كبير، جليل القدر.
أخذ الفقه عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمد.
وتفقَّه عليه أبو بكر الأعمش محمَّد بن سعيد، وأبو جعفر الفقيه الهِنْدُوَاني محمَّد ابن عبد الله، وكان (٢) أبو جعفر هذا يتفقه على الأعمش هذا.
في "الجواهر المضية": محمَّد بن عبد الله الهِنْدُوَاني تفقَّه على أستاذ أبي بكر محمَّد بن أبي سعيد المعروف بالأعمش تلميذ أبي بكر الإِسْكاف، والإسكاف تلميذ محمَّد بن سلمة، وابن سلمة تلميذ أبي سليمان الجُوْزَجاني، والجُوْزَجاني تلميذ محمَّد بن الحسن، ومحمَّد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة، انتهى.
وقال في "كتاب الجواهر المضية": أبو بكر الإِسْكاف اسمه محمَّد بن أحمد، كان إمامًا كبيرًا، قال: كنت عند الحاكم (٣) عبد الحميد -يعني أبا خازم- فأراد أن يطالب رجلًا بكفالة نفس قد كفل إلى ثلاثة أيام فقلت له: لا يلزم المطالبة إلى ثلاثة أيام، فإذا مضت ثلاثة أيام فله المطالبة بنفسه أبدًا ما لم يسلَّم إليه، وقلت له: لو باع عبدًا إلى ثلاثة أيام بالثمن لا يلزمه إلا بعد ثلاثة أيام، وكذلك هذا، فقال عبد الحميد: كنت لا أعلم ذلك.
стр. 578
مات سنة ست وثلاثين وثلاثمئة، في السنة التي مات فيها أبو القاسم الصفَّار.
وفي كتاب الحج من "فتاوى قاضي خان": ومن الشرائط أمن الطريق، حتى قال أبو القاسم الصفَّار: لا أرى الحج فرضًا منذ عشرين سنة حين خرجت القرامطة، وهكذا قال أبو بكر الإشكاف في سنة ست وعشرين وثلاثمئة.
قيل: إنَّما قالوا ذلك لأن الحاج لا يتوصل إلى الحج إلا بالرَّشوة للقرامطة وغيرهم، فيكون سببًا للمعصية، والطاعة إذا كانت سببًا للمعصية ترتفع الطاعة.
وقال الفقيه أبو الليث: إن كان الغالب في الطريق السلامة يفترض الحج، وإن كان الغالب هو القطع والخوف لا يفترض، ولو (١) كان بينه وبين مكة بحر كخوف الطريق.
وفي الفصل التاسع عشر من "فصول الأُسْتُرُوشَني": وتجوز الشهادة بالتسامع في أشياء، منها النسب، حتى لو سمع واحد من النّاس أنَّ هذا فلان بن فلان الفلاني وسعه أن يشهد بذلك، وإن لم يعاين الولادة على فراشه وطريق معرفة النسب أن يسمع أنّ فلانًا ابن فلان من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب عند أبي حنيفة، وعندهما إذا أخبره عدلان أنه ابن فلان تحل الشهادة على النسب، والفقيه أبو بكر الإِسْكاف كان يفتي بقولهما، وهو اختيار نجم الدِّين النَّسَفي.
وقال فيه بعد صفحات: إنَّ عند أبي يوسف ومحمَّد إذا أخبره عدلان أنها فلانة بنت فلان فذاك يكفي للشهادة على الاسم والنسب، وهو اختيار الفقيه أبي بكر الإِسْكاف، وعليه الفتوى، وهو اختيار نجم الدِّين أيضًا، ألا ترى أنهما لو شهدا عند القاضي يقضي بشهادتهما، والقضاء فوق الشهادة، فتجوز الشهادة بإخبارهما بالطريق الأولى.
стр. 579
ذكر بدر الدِّين العيني في "شرح الكنز" في باب خيار العيب من "الجامع الصغير" قال فيه: إذا جُنَّتْ وهي صغيرة فهذا عيب أبدًا، وقال صاحب "التحفة": الجنون إذا ثبت وجوده عند البائع هل يشترط أن يوجد ثانيًا عند المشتري؟ ليس فيه رواية، ثم قال: اختلف المشايخ؛ قال بعضهم: قالوا: لا يشترط؛ لأن محمدًا قال: الجنون عيب لازم أبدًا، فلا يشترط وجوده ثانيًا عند المشتري، بخلاف السرقة والإباق والبول في الفراش.
قال الشَّيخ أبو معين النَّسَفِي في "شرح الجامع الكبير": حكي عن الشَّيخ أبي بكر الإِسْكاف البَلْخِي أنَّ الجنون أيضًا بمنزلة البول في الفراش والإباق والسرقة، فلا يمكن للمشتري أن يرد بالجنون إذا جُنَّ عنده حالة الكبر إذا كان الجنون عند البائع في حالة الصغر، وإنما يثبت له حقُّ الردِّ إذا كان الجنون عند البائع في حالة الكبر أيضًا، قلت: والفتوى (على ذلك) (١)، انتهى (٢).
* * *
[١٨٨ - أبو القاسم الصفَّار (٣)]
الشَّيخ الكبير، أبو القاسم الصفَّار، أحمد بن عِصْمَة، الملقَّب بحَم، بفتح الحاء المعجمة.
أخذ عن نصير بن يحيى، عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة.
كان إمامًا كبيرًا، إليه الرحلة (٤) ببلخ.
стр. 580
تفقه عليه أبو حامد أحمد بن الحسين بن علي المَرْوَزِي، المعروف بابن الطبري، وأبو جعفر الفقيه الهِنْدُوَاني وجماعة كثيرة.
مات سنة ست وثلاثين وثلاثمئة في السنة التي توفي فيها أبو بكر الإِسْكاف.
في "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في باب الكراهية بعلامة السين: إذا كان في المسجد تراب مجتمع أو حصير مخترق أو حشيش مجتمع لا بأس بمسح الرِّجل به؛ لأنّه لا حرمة له، إنَّما الحرمة للمسجد، فإن كان التراب منبسطًا اختلف المشايخ، والمختار ما قاله أبو القاسم الصفَّار لا يحل؛ لأنَّه في حكم المسجد.
وفي "الفصول العمادية" في الفصل الرابع والثلاثين: قال محمَّد في "الأصل": وإذا أصاب الرجل بالقسمة ساحة لا بناء فيها، وأصاب الآخر البناء، فأراد صاحب الساحة أن يبني ساحته ويرفع بناءه، وقال صاحب البناء: إنك تسد عليَّ الريح والشمس، فلا أدعك ترفع بناءك، فلصاحب الساحة أن يرفع بناءه ما بدا له، وليس لصاحب البناء أن يمنعه من ذلك، وقال نصير بن يحيى وأبو القاسم الصفَّار: لصاحب البناء أن يمنعه من ذلك، والوجه لظاهر (١) الرواية أنَّ صاحب البناء كان ينتفع بهواء ملك صاحب الساحة قبل البناء، وصاحب الساحة إذا سد الهواء بالبناء فإنَّما منعه عن الانتفاع بملكه، ولم يتلف عليه ملكه ولا منفعته، فلا يمنع من ذلك، وصار كما لو كان لرجل شجرة يستظل بها جاره أراد قلعها لا يُمنع من ذلك وإن كان فيه ضرر للجار؛ لأن صاحب الشجرة بالقلع يمنعه عن الانتفاع بملكه، انتهى (٢).
* * *
стр. 581
[١٨٩ - الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُونِي (١)]
الشَّيخ الإمام الأستاذ عبد الله بن محمَّد بن يعقوب بن الحارث السُّبَذْمُونِي الحارثي.
وعن السَّمْعانِي: أنه كان كثير الحديث، وكان معروفًا بالأستاذ.
ولد في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومئتين، ومات في شوال سنة أربعين وثلاثمئة.
أخذ عن أبي (٢) عبد الله بن أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة.
وأخذ عنه الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل البُخاري، وأبو إسحاق الخطيب إبراهيم بن محمَّد بن حمدان (٣) المُهَلَّبي.
وله "كتاب كشف الآثار الشريفة (في مناقب أبي حنيفة") (٤)، وروي أنه لما أملى "مناقب أبي حنيفة" كان يستملي عليه أربعمئة مستمل.
وذكر في "كشف الآثار" بإسناده عن موسى بن أبي بكر، عن ابن عُمَر ﵄: أنه أخرج شاة لتذبح، فمر به، رجل، فقال له: أمؤمن أنت؟ فقال: نعم إن شاء الله فقال: لا يذبح نسكي من يشك في إيمانه، ثم مر به رجل آخر، فقال له: أمؤمن أنت؟ فقال: نعم، فأمره بذبح شاته (٥)، فلم يجعل من يستثني في إيمانه مؤمنًا.
وتصحيح لفظ سُبَذْمُون مرَّ في ذكر أستاذه أبي عبد الله.
стр. 582
[١٩٠ - أبو عَمْرو الطبري (١)]
الشَّيخ الإمام أبو عَمْرو، أحمد بن محمَّد بن عبد الرَّحمن الطبري (٢).
تفقَّه على أبي سعيد البَرْدَعي، وأخذ العلم عنه، عن إسماعيل، عن حمَّاد، عن أبي حنيفة، وعنه عن أبي علي الدَّقَّاق، عن موسى بن نصر، عن محمَّد، عن أبي حنيفة.
وكان أبو عَمْرو الطبري فقيهًا ببغداد.
روي أنه كان يدرس في حياة أبي الحسن الكَرْخي.
وكانت وفاته سنة أربعين وثلاثمئة.
وله "شرح الجامعين".
* * *
[١٩١ - أبو طاهر الدبَّاس (٣)]
الشَّيخ الإمام الفقيه أبو طاهر الدبّاس (٤) القاضي محمَّد بن محمَّد بن سفيان.
عن ابن البُخاري كان أبو طاهر الدبَّاس الفقيه إمام أهل الرَّأي بالعراق، وكان من أهل السنة والجماعة، صحيح العقيدة.
стр. 583
تخرج به جماعة من الأئمَّة، درس الفقه على القاضي أبي خازم.
وأخذ عنه عن عيسى بن أَبَان، عن محمد، عن أبي حنيفة، وعنه عن بكر العَمِّي، عن محمَّد بن سماعة، عن محمَّد، عن أبي حنيفة.
وعن الصَّيْمَري (١): أنه كان من أقران أبي الحسن الكَرْخي، وكان يوصف بالحفظ ومعرفة الروايات.
ولي القضاء بالشام، وخرج منها إلى مكة، فمات بها.
روي أنه ترك التدريس في آخر عمره، وسافر إلى الحجاز، وجاور بمكة، وفرغ نفسه للعبادة إلى أن أتاه أجله.
تفقَّه عليه قاضي الحرمين أبو الحسين أحمد بن محمَّد النَّيْسَابُوري.
وفي الفصل الثاني عشر من "فصول الأُسْتُرُوشَني": لو ادعى عبدًا في يدي رجل أنه اشتراه من ذي اليد بألف درهم ونقده الثمن، وأقام البيِّنة، وأقام ذو اليد بيِّنة أنه وديعة عنده من جهة فلان، لا تندفع الخصومة عن ذي اليد؛ لأنّه ادعي عليه فعلًا وهو الشراء، وهو باقٍ حكمًا لبقاء حكمه وهو وجوب تسليم المبيع.
وهذا إذا ادعي الشراء بدون القبض، فإن ادعي الشراء مع القبض منه، وشهد الشهود كذلك، والمسألة بحالها، هل تندفع الخصومة؟ ذكر القاضي أبو الهيثم عن القضاة الثلاثة: أبي خازم وأبي سعيد البَرْدَعي وأبي طاهر الدبَّاس أن الخصومة تندفع عن ذي اليد؛ لأن دعوى الشراء مع القبض دعوى الملك المطلق، ألا ترى أنَّ إعلامه لم يكن شرطًا لصحة البينة، حتى لو قال لغيره: بعت منك عبدًا وسلَّمته إليك قُبِلت بينته وإن كان العبد مجهولًا.
стр. 584
وقال غيرهم من مشايخنا: لا تندفع؛ لأن الفعل المذكور -وهو الشراء- بقي معتبرًا، ولم يصر كدعوى مطلق الملك، ولهذا لا يقضي القاضي للمدعي بالزوائد المنفصلة، ولا يرجع الباعة بعضهم على بعض، ولو جعل بمنزلة دعوى مطلق الملك لكان الأمر بخلافه، وقد وضع محمَّد ﵀ هذه المسألة في الدار، وقال: تندفع، والرواية في الدار تصير رواية في العبد، والرواية في العبد تصير رواية في الدار.
* * *
[١٩٢ - أبو منصور الماتريدي (١)]
إمام الهدى، قدوة أهل السنة والاهتداء رافع أعلام السنة والجماعة، قامع أضاليل الفتنة والبدعة، الشَّيخ الإمام، أبو منصور محمَّد بن محمَّد بن محمود الماتريدي.
إمام المتكلِّمين، ومصحح عقائد المسلمين، بصَّرَه الله بالصراط المستقيم في نصرة الدِّين القويم.
صنَّف التَّصانيف الجليلة، وردَّ أقوال أصحاب العقائد الباطلة.
له (٢) "كتاب التوحيد"، و"كتاب المقالات"، و"كتاب رد أوائل الأدلة للكعبي"، و"كتاب بيان وهم المعتزلة"، ورد الأصول الخمسة لأبي محمَّد الباهلي"، و"كتاب رد الإمامة لبعض الروافض"، و"كتاب الرد على القرامطة"، و"كتاب مأخذ الشرائع في أصول الدين"، و"كتاب الجدل في أصول الفقه"، وله كتب شتى غير ذلك.
стр. 585
تخرَّج بأبي نصر العياضي، وتفقها (١) على أبي بكر أحمد الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة.
وتفقَّه عليه الحكيم القاضي السَّمَرْقندي أبو القاسم إسحاق بن محمَّد، والشَّيخ الإمام علي بن سعيد الرُّسْتُغْفَني، وأبو محمد عبد الكريم بن موسى البَزْدَوي؛ (جد الإمامين الجليلين فخر الإسلام علي البَزْدَوي) (٢) وصدر الإسلام أبي اليسر محمَّد البَزْدَوي.
مات ﵀ سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة.
في "فتاوى القاضي ظهير الدِّين محمَّد البُخاري": وجواب المؤذن أن يقول مثل ما يقول إلا في (على الصلاة) و (على الفلاح)، فإنَّه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ما شاء الله كان، وقيل: يقول مثل قول المؤذن.
وحكي عن الإمام الرُّسْتُغْفَني أنه قال: رأيت إمام الهدى أبا منصور في المنام، فقال: يا أبا الحسن ألم تر أنَّ الله ﵎ غفر لامرأة لم تصلِّ قط، فقلت: بماذا؟ قال باستماع الأذان وإجابة المؤذِّن.
وفيه في فصل التعليقات من كتاب العتاق رجل قال لعبده: إن بعتك فأنت حرٌّ فباعه بطريق التَّعاطي لا يحنث، كذا اختاره أبو منصور الماتريدي.
وفي "الحاوي" عزوًا إلى"أسرار نجم الدِّين العلامة": قال الشَّيخ الإمام أبو منصور الماتريدي: لزم على المسلمين كفاية طالب العلم إذا خرج للطلب (٣)، حتى
стр. 586
إذا امتنعوا عن كفايته يُجبرون كما يجبرون (١) في دَيْن الزكاة إذا امتنعوا عن أدائها، ذكره في كتاب الزكاة.
* * *
[١٩٣ - أبو نصر العِياضِي (٢)]
الشَّيخ الإمام الكبير، أبو نصر العِياضِي، أحمد بن العبَّاس بن الحسين بن عِياض، من نسل سعد بن عبادة الأنصاري الخَزْرجي، الفقيه، السَّمَرْقندي.
أخذ الفقه مع الإمام أبي (٣) منصور الماتريدي عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الجُوْزجاني، عن أبي سليمان موسى الجُوْزجاني، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، وتخرَّج بأبي منصور.
وأخذ عنه ولداه الإمامان الكبيران أبو أحمد العيِاضِي نصر بن أحمد بن العبَّاس، وأبو بكر العياضي محمَّد بن أحمد بن العبَّاس، وجماعة كثيرة (٤).
حكي لما استشهد أبو نصر خلَّف أربعين رجلًا من أصحابه كانوا من أقران أبي منصور الماتريدي، وكان من أهل العلم والجهاد.
له ورع وصلاح وجلادة، روي أنه كان يرمي ألف سهم في مقام واحد، ولا يخطئ في واحد.
стр. 587
أسره الكفرة فقتلوه، وحكايته أنَّ حد الإسلام كان يومئذ إِسْبِيْجاب، وذهب أبو نصر إلى الغزو مع ابنه أبي أحمد (وهو غلام مراهق، وكان أبو نصر ترك لابنه أبي أحمد) (١) ناصيته كنواصي (٢) المماليك، وكانوا يعيبونه، ولا يقفون على غرضه، فاتفق تلك السنة هزيمة حتى أسروا أبا نصر مع ابنه أحمد وجماعة، وحملوا الأسرى إلى ملكهم بَيْغُو (٣)، فاخرج بيغو (٤) إليهم قوسا، فقال: هل فيكم من ينزع هذا القوس؟ فقال أبو نصر: نعم، أنا أنزعها، لكن لا ينزع إلا مع السهم، فأعطي سهما، فقال لابنه بالعربية: إِنَّ سهمي لا يخطئ، ولا عذر لي في هذا الكافر، فأقصد رميه، فقل: أنا غلامه، ولو قلت: أنا ابنه قتلوك، فرمى الكافر في صدره فقتله مكانه، فأخذوه وجعلوه في مرجل دهن مغلي، فكان يقول لابنه: لا تحزن، ولا ضرر عليّ، ومات سعيدًا شهيدًا ﵀.
وعن أبي بكر محمَّد بن حامد الفقيه يقول: سمعت أبا نصر العِياضِي يقول: ترك النصيحة يوجب الفضيحة.
* * *
١٩٤ - أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الشَّاشي السَّمَرْقندي الخطيبي (٥)
القاضي الإمام، أبو إبراهيم، إسحاق بن إبراهيم، الشَّاشي السَّمَرْقندي الخطيبي.
شيخ أصحاب أبي حنيفة - وعالمهم في زمانه.
стр. 588
وكان يروي "الجامع الكبير" عن زيد بن أسامة، عن أبي سليمان الحُوْزَجاني، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة. وكان ثقة.
مات بمصر سنة خمس وعشرين وثلاثمئة.
* * *
١٩٥ - حامد بن محمود النَّيْسَابُوري (١)
حامد بن محمود بن معقل النَّيْسَابُوري.
والد الشَّيخ الإمام محمَّد بن حامد بن محمود بن معقل، وجد الإمام أحمد بن محمَّد بن حامد بن محمود بن معقل النَّيْسَابُوري.
وكان حامد هذا يروي كتب محمَّد بن الحسن، عن الإمام الفقيه زياد بن عبد الرَّحمن، عن أبي (٢) سليمان، عن محمَّد بن الحسن، رحمهم الله تعالى، ورحمنا إذا عدنا إليهم.
* * *
стр. 589
متفرقات الكتيبة الرابعة
[١٩٦ - أبو الحسن الأشعري (١)]
الإمام الكبير، الشَّيخ العالم النِّحرير، صاحب الأصول، والمبرز في المعقول والمنقول، إمام أهل السنَّة والجماعة، حجة الله على أهل الضلال والطائفة المبتدعة، علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، شيخ الطائفة الأشعرية، أبو الحسن الأشعري.
قال محمَّد الشَّهْرَسْتاني في "الملل والنحل": وسمعت من عجيب الاتفاقات: أنَّ أبا موسى الأشعري ﵁ كان يقرِّر ما يقرِّره أبو الحسن علي (٢) الأشعري في مذهبه، وقد جرت مناظرة بين عَمْرو بن العاص وبينه، فقال عمرو (٣): إن أجد أحدًا أخاصم إليه ربي، فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه، قال عَمْرو: يقدِّر عليَّ بشيء (٤) ثم يُعذِّبني عليه، قال: نعم، قال عَمْرو: ولِمَ؟ قال: لأنه لا يظلمك، فسكت عَمْرو، ولم يحر جوابًا، انتهى (٥).
стр. 590
وكان أبو الحسن الأشعري ربيب أبي علي الجُبَّائي المعتزلي، وهو الذي ربَّاه وعلمه علم الكلام، وكان حنفي المذهب معتزلي الكلام، ثم هداه الله تعالى، فأعرض عنه، وصار إمام السنة والجماعة، ونصر مذهبهم، ومهد الأصول، وشيدها بالمنقول والمعقول.
ولد سنة سبعين ومئتين بالبصرة ومات سنة نيف وثلاثين وثلاثمئة ببغداد، ودفن بين الكرخ وباب البصرة، ذكره أصحاب الطبقات من أصحاب الحنفيَّة، وذكره عبد القادر أيضًا في "الجواهر المضية".
وقال تاج الدِّين السُّبْكي في "طبقات الشَّافعية" بعد ذكره فيها: وقد زعم بعض المالكيَّة أنّ الشَّيخ أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري إمام المتكلمين وناصر سنة سيد المرسلين كان مالكيًّا، وهو وهم، إنّما كان شافعيًّا، تفقَّه على أبي إسحاق المَرْوَزِي، وقد ذكر الشَّيخ أبو محمد الجويني وغيره أنه كان شافعيًّا.
واعلم أنّ الاختلافات في الأصول الكلامية والعقائد الدينية حدث في آخر أيام الصحابة، أبدع معبد الجهني (١) وغيلان الدِّمشقي (٢) ويونس الأسواري القول بالقدر، قال ابن قتيبة في "المعارف": كان غيلان الدِّمشقي قِبطيًّا قدريًّا، لم يتكلم أحد في القدر قبله ويدعو إليه إلا معبد الجهني، وكان غيلان يكنى أبا مروان، فأخذه هشام ابن عبد الملك فصلبه بباب دمشق، وكانوا يرون أنّ ذلك بدعوة عُمَر بن عبد العزيز عليه، انتهى.
وعن الأوزاعي: أول من تكلم في القدر معبد ثم غيلان بعده، انتهى.
стр. 591
ثم نسج على منوالهما واصل بن عطاء، وكان تلميذ الحسن البصري، وتلميذه عَمْرو بن عبيد، وزاد عليه في مسائل، القدر، وكان عَمْرو [من دعاة] يزيد الناقص أيام بني أمية.
والوعيدية من الخوارج والمرجئة من الجبرية.
والقدرية ابتدعوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه بالقول بالمنزلة (١) بين المنزلتين، فسُمِّي (٢) هو وأصحابه معتزلة. (وقد تلمذ له زيد بن علي، وأخذ الأصول عنه، فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة) (٣).
ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين فُسِّرَت أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمنهاج الكلام، وأفردتها فنًّا من فنون العلم، وسمتها بالكلام.
وكان أبو الهذيل العلاف شيخهم الأكبر وافق الفلاسفة في أنَّ الباري عالم بعلم، وعلمه ذاته، وكذلك قادر بقدرة وقدرته ذاته (٤)، وأبدع بدعًا في الكلام والإرادة وأفعال العباد، والقول بالقدر والأجل والأرزاق، وجرت بينه وبين هشام بن الحكم مناظرات.
ثم إبراهيم بن سيَّار النَّظَّام، كان في أيام المعتصم غلا في تقرير مذاهب الفلاسفة، وانفرد عن السلف ببدع في القدر، ومن أصحابه محمَّد بن شبيب (٥) وأبو شمر،
стр. 592
وموسى بن عمران، والفضل الحدثي (١) وأحمد بن خابط (٢)، ووافقه الأسواري في جميع (٣) ما ذهب إليه من البدع، وكذلك الإسكافية أصحاب أبي جعفر الإسكافي، والجعفرية أصحاب جعفر بن المبشر وجعفر بن حرب.
ثم ظهرت بدع بشر بن المعتمر من القول بالتولد والإفراط فيه والميل إلى الطبيعيين (٤) من الفلاسفة، والقول بأن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، وإذا فعل ذلك فهو ظلم، إلى غير ذلك مما انفرد به عن أصحابه.
وتلمذ له أبو موسى المردار راهب المعتزلة، وانفرد عنه بإبطال إعجاز القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة، وفي أيامه جرت أكثر التشديدات على السلف بقولهم بقدم القرآن.
وتلمذ له الجعفران، وأبو زيد ومحمَّد بن سويد صاحب المردار، وأبو جعفر الإسكافي وعيسى بن هشام صاحب (٥) جعفر بن الحرب الأشج.
وممن بالغ في القول بالقدر هشام بن عَمْرو الفوطي، والأصم من أصحابه، وقدحا (٦) في إمامة علي ﵁ بقولهم: إنَّ الإمامة لا تنعقد إلا بالإجماع من
стр. 593
الأمة، والفوطي والأصم اتفقا على أنَّ الله تعالى يستحيل أن يكون عالمًا بالأشياء قبل كونها، ومنعا كون المعدوم شيئًا، والمتأخرون منهم أبو علي الجُبَّائي وابنه أبو هاشم والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري -قد لخصوا طريق أصحابهم وانفردوا عنهم بمسائل شتى.
ورونق علم الكلام ابتداؤه من الخلفاء العبَّاسية هارون والمأمون والمعتصم والمتوكل والواثق، وانتهاؤه بالصاحب بن عباد وجماعة من الديالمة.
وظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين بمثل صراد بن عمرو وحفص الفرد (١) والحسين النجار.
ومن المتأخرين خالف الشيوخ في مسائل، وبدع جهم بن صفوان في أيام نصر ابن سيار، وأظهر بدعته في الجبر بترمذ (٢)، وقتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية بمرو.
وكانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان اختلافات في الصِّفات، وكان السلف يناظرونهم عليها، لا على قانون كلامي بل عن قول إقناعي، ويسمون الصفاتية مشبِّهة، فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته، ومن مشبه صفاته بصفات الخلق، وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة، ويناظرون المعتزلة في قدم الكلام على قول ظاهر.
وكان عبد الله بن سعيد الكلابي وأبو العبَّاس القلانسي والحارث المحاسبي أثبتهم إيقانًا وامتنهم كلامًا، وجرت مناظرة بين أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري
стр. 594
وبين أستاذه أبي علي الجُبَّائي في بعض مسائل التحسين والتقبيح، فألزم الأشعري أستاذه أمورًا لم يخرج عنها بجواب، فأعرض عنه، وانحاز إلى طائفة السلف، ونصر مذهبهم على قاعدة كلامية، فصار ذلك مذهبًا مقررًا، وقرر طريقته جماعة من المحقِّقين، مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والأستاذ أبي بكر بن فورك، وليس بينهم كثير اختلاف، (والله أعلم) (١).
* * *
[١٩٧ - الحاكم الشهيد المَرْوَزِي (٢)]
الإمام العالم الحاكم الشهيد الوزير الكبير المَرْوَزِي، أبو الفضل، محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المجيد بن إسماعيل بن الحاكم، البَلْخِي.
ولي القضاء ببخارى، ثم قلَّده الأمير الحميدي صاحب خراسان من السامانية وزارته، ثم قتل شهيدًا، روي أنه لما رأى تقصد (٣) المهتمين بقتله وفتنتهم اغتسل وتحنط ولبس أكفانه وأقبل على الصلاة، والصلاة صلاة الصبح، فقتل كذلك في ربيع الآخرة، سنة أربع وأربعين وثلاثمئة ﵀.
سمع الحديث بمرو عن أبي رجاء محمَّد بن حَمْدَويه، وهو يروي عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن ساسويه الذُّهلي وغيرهما، وبنيسابور (٤) من (٥) عبد الله بن شِيْرَويه،
стр. 595
وبالريِّ من إبراهيم بن يوسف الهِسِنْجاني، وببغداد من الهيثم بن خلف الدُّوري (١)، وبمكة من المفضل بن محمَّد الجَنَدي، وبمصر من علي بن أحمد بن سليمان، وببخارى من حماد بن أحمد بن حماد والحسن بن سفيان (٢) النَّسَوي وغيرهما.
سمع منه (٣) أئمة خراسان وحفاظها قاطبة.
وصنف الكثير: "المختصر"، و"المنتقى"، و"الكافي"، و"الإشارات"، وغيرها، وجمع فأحسن.
و"كتاب المنتقى" و"كتاب الكافي" للحاكم أصلان (٤) من أصول المذهب بعد كتب محمد، ولا يوجد "المنتقى" في بلادنا في أعصارنا، وأما "الكافي" فقد شرحه المشايخ، منهم شمس الأئمة السَّرَخْسي، وهو المشهور بـ "المبسوط".
وشيخ الإسلام علي الإِسْبِيْجابي في "الخلاصة" في الفصل السابع من كتاب الزكاة: سئل الحاكم الجليل ببخارى عمَّن اشترى جارية للتجارة بمئة درهم، فحال عليها الحول وقيمتها ثلاثمئة درهم (٥) من وقت شراء الجارية إلى آخر الحول، ثم استحق نصفها، قال: لا تجب عليه الزكاة، فألحَّ السائل عليه فقال: قلبي مشغول، يجب فيها خمسة دراهم؛ لأنّه يعود نصف الثمن خمسون إلى ملكه (٦).
стр. 596
وفيه (١) في الفصل السادس عشر من كتاب الصلاة: وإذا أخر سجدة التلاوة عن موضعها أو السجدة الصلاتية كان عليه السهو، وذكر في "كتاب التحفة": أنه إذا أخَّر واجبًا أصليًّا أو تركه ساهيًا يجب عليه السهو، أما إذا أخر سجدة التلاوة أو سلم ساهيًا لا سهو عليه، ما ذكر في "التحفة" سهو (٢) لا اعتماد عليه، والأول أصح.
رأيت في "الأصل" في رواية محمَّد وفي "مختصر الكافي" للحاكم الشهيد: ولو سلم وعليه سجدة التلاوة، وسجدتا السهو إن سلم وهو غير ذاكر لهما، أو ذاكر للسهو خاصة؛ فإنَّ سلامه لا يكون قطعًا للصلاة، (ويسجد للتلاوة أولًا، ثم يتشهد ويسلِّم، ثم يسجد للسهو، وإن سلم وهو ذاكر لهما أو ذاكر التلاوة خاصة فإنَّ سلامه يكون قطعًا) (٣)، وسقطت عنه التلاوة والسهو.
وفيه في الفصل الثاني من كتاب ألفاظ الكفر: قال مشايخ بَلْخَ - منهم أبو جعفر وأبو القاسم الصفَّار -: ردتها لا تؤثر في إفساد النكاح، ولا يؤمر بتجديد النكاح حسمًا لهذا الباب عليهن، والقاضي يحبسها قدر ما يرى حتى ترجع وتسلم، وإليه كان يميل الحاكم الشهيد ﵀، ومن مشايخ سمرقند من أفتى هكذا، وإسماعيل الزَّاهد - من مشايخ بخاري ﵏ كان يفتي هكذا، وعامة علماء بخاري يقولون: كفرها يعمل في إفساد النكاح، لكنها تجبر على النكاح مع زوجها، وهذه فرقة بغير طلاق بالإجماع، وعليها العدة، ولا شيء لها عليه إن كان قبل الدخول.
وفي "فتاوى قاضي خان" في كتاب الزكاة: وهل يأثم بتأخير الزكاة بعد التمكن؟
ذكر الكَرْخي أنه يأثم، وهكذا ذكر الحاكم الشهيد في "المنتقى"، وعن محمَّد
стр. 597
من أخَّر الزكاة من غير عذر لا تقبل شهادته، فرَّق محمَّد بين الحج وبين الزكاة، فقال: لا يأثم بتأخير الحج ويأثم بتأخير الزكاة؛ لأن الزكاة حق الفقراء فيأثم بتأخير حقِّهم، أما الحج خالص حق الله تعالى.
روى هشام، عن أبي يوسف: أنه لا يأثم بتأخير الزكاة، ويأثم بتأخير الحج؛ لأن الزكاة غير موقتة، أما الحج فريضة متعلق أداؤها بالوقت بمنزلة الصلاة، وعسى لا يدرك الوقت في المستقبل.
وله كتاب "المختلف".
قال في "الهداية": ومن اشترى جارية للتجارة ونواها للخدمة بطلت عنها الزكاة؛ لاتصال النية بالعمل وهو ترك التجارة، وإن نواها للتجارة بعد ذلك لم تكن للتجارة حتى يبيعها فيكون في ثمنها زكاة؛ لأن النية لم تبطل بالعمل فلم يعتبر، ولهذا يصير المسافر مقيمًا بمجرد النية، ولا يصير المقيم مسافرًا إلا بالسفر.
وإن اشترى شيئًا ونواه للتجارة كان للتجارة؛ لاتصال النية بالعمل، بخلاف ما إذا ورثه ونوى للتجارة؛ لأنّه لا عمل، ولو ملكه بالهبة أو بالوصية أو بالنكاح أو الخلع أو الصلح عن القود ونوى التجارة كان للتجارة عند أبي يوسف، وعليه الزكاة لاقترانها بالعمل، وعند محمَّد ﵀ لا يصير للتجارة؛ لأنها لم تقارن عمل (١) التجارة.
وقيل: الاختلاف على عكسه، قال الأكمل: يعني ما نقل الإِسْبِيْجابي في "شرح الطَّحَاوِي" عن القاضي الشهيد أنه ذكر في مختلفه هذا الاختلاف على عكس ما ذكر في الكتاب، وهو أنه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يكون للتجارة، وفي قول محمَّد يكون لها.
стр. 598
[١٩٨ - الطواويسي (١)]
الشَّيخ الإمام أحمد بن محمَّد بن حامد أبو بكر الطواويسي.
في "الجواهر المضية": روى عن محمَّد بن نصر المَرْوَزِي، وعبد الله بن شيرويه (٢) النَّيْسَابُوري وغيرهما.
روى عنه نصر بن محمَّد بن غريب الشَّاشي، وأحمد بن عبد الله بن إدريس الحافظ.
مات في الحمام سنة أربع وأربعين وثلاثمئة بسمرقند، انتهى.
وفي الفصل الخامس والعشرين من "فصول الأُسْتُرُوشَني" قال: المقبوض بالبيع الباطل في يد المشتري يكون أمانة عند بعض المشايخ؛ لأن العقد غير معتبر، فبقي القبض بإذن المالك، وعند البعض يكون مضمونًا، (كذا ذكر في "الهداية"، وذكر الطواويسي في "بيوع الجامع": أنَّ عند عند أبي حنيفة لا يكون مضمونًا) (٣)، وعند محمَّد يكون مضمونًا.
ورأيت في "فوائد" صاحب "المحيط": أنَّ الثَّمن المقبوض في البيع الفاسد مضمون بالقيمة فيما لا مثل له، وبالمثل فيما (له مثل) (٤)؛ لأنَّه مضمون بالقبض كالمغصوب، كذا ذكر في "شرح الطحاوي"، انتهى (٥).
стр. 599
[١٩٩ - السُّرْخَكي (١)]
أبو حامد الفقيه، النَّيْسَابُوري، السُّرْخَكي، أحمد بن عبد الرَّحمن.
بضم السين وسكون الراء وفتح (٢) الخاء المعجمة والكاف في آخرها ياء: نسبة إلى سُرْخَك؛ قرية على نيسابور.
فقيه حنفي، سمع أبا الأزهر العبدي، ومحمَّد بن [يزيد] السُّلمي.
روى عنه أبو العبَّاس أحمد بن هارون وغيره.
مات سنة ست وعشرين وثلاثمئة، هكذا ذكره في "الجواهر المضية" عبد القادر.
* * *
[٢٠٠ - أبو حامد أحمد بن سَهل البَلْخِي (٣)]
أبو حامد الفقيه، البَلْخِي، أحمد بن سَهل.
روى عن أبي سليم محمَّد بن الفضل البَلْخِي، وأبي عبد الله محمَّد بن أسلم قاضي سمرقند.
روى عنه حفيده عبد الله بن محمَّد (بن أحمد) (٤) بن سهل، وعبد (٥) الله بن محمَّد شاه (٦) الفقيه السَّمَرْقندي.
стр. 600
كان فاضلًا من أصحاب الرَّأي، سكن سمرقند، وله بها
مات سنة أربعين وثلاثمئة، كذا ذكره عبد القادر (١: ١٧٣).
* * *
قلب الكتيبة الرابعة
[٢٠١ - أبو علي الرُّوْذُبَاري (١)]
ملجأ السَّالكين (٢)، وقطب العارفين، أبو علي الرُّوْذُبَاري (٣) قدَّس الله سره.
وكان من أبناء الرؤساء والوزراء، أسمعه أحمد بن محمَّد بن القاسم بن منصور شهريار.
ورُوذْبَار: بضم الراء وسكون الواو والذال المعجمة وفتح الباء الموحدة وفي آخرها الراء (٤).
وكان بغدادي الأصل، يتصل نسبه بكسرى، أنوشروان، صحب الجنيد ولزمه، وصار شيخ الصوفية مع أنه أوحد الفقهاء الشَّافعية، وأقام بمصر.
وكان يفتخر ويقول: أستاذي في التصوف الجنيد، وفي الحديث إبراهيم الحربي، وفي الفقه ابن شريح، وفي النحو ثعلب.