← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وفيه (١) في الفصل السادس عشر من كتاب الصلاة: وإذا أخر سجدة التلاوة عن موضعها أو السجدة الصلاتية كان عليه السهو، وذكر في "كتاب التحفة": أنه إذا أخَّر واجبًا أصليًّا أو تركه ساهيًا يجب عليه السهو، أما إذا أخر سجدة التلاوة أو سلم ساهيًا لا سهو عليه، ما ذكر في "التحفة" سهو (٢) لا اعتماد عليه، والأول أصح. رأيت في "الأصل" في رواية محمَّد وفي "مختصر الكافي" للحاكم الشهيد: ولو سلم وعليه سجدة التلاوة، وسجدتا السهو إن سلم وهو غير ذاكر لهما، أو ذاكر للسهو خاصة؛ فإنَّ سلامه لا يكون قطعًا للصلاة، (ويسجد للتلاوة أولًا، ثم يتشهد ويسلِّم، ثم يسجد للسهو، وإن سلم وهو ذاكر لهما أو ذاكر التلاوة خاصة فإنَّ سلامه يكون قطعًا) (٣)، وسقطت عنه التلاوة والسهو. وفيه في الفصل الثاني من كتاب ألفاظ الكفر: قال مشايخ بَلْخَ - منهم أبو جعفر وأبو القاسم الصفَّار -: ردتها لا تؤثر في إفساد النكاح، ولا يؤمر بتجديد النكاح حسمًا لهذا الباب عليهن، والقاضي يحبسها قدر ما يرى حتى ترجع وتسلم، وإليه كان يميل الحاكم الشهيد ﵀، ومن مشايخ سمرقند من أفتى هكذا، وإسماعيل الزَّاهد - من مشايخ بخاري ﵏ كان يفتي هكذا، وعامة علماء بخاري يقولون: كفرها يعمل في إفساد النكاح، لكنها تجبر على النكاح مع زوجها، وهذه فرقة بغير طلاق بالإجماع، وعليها العدة، ولا شيء لها عليه إن كان قبل الدخول. وفي "فتاوى قاضي خان" في كتاب الزكاة: وهل يأثم بتأخير الزكاة بعد التمكن؟ ذكر الكَرْخي أنه يأثم، وهكذا ذكر الحاكم الشهيد في "المنتقى"، وعن محمَّد

стр. 597

من أخَّر الزكاة من غير عذر لا تقبل شهادته، فرَّق محمَّد بين الحج وبين الزكاة، فقال: لا يأثم بتأخير الحج ويأثم بتأخير الزكاة؛ لأن الزكاة حق الفقراء فيأثم بتأخير حقِّهم، أما الحج خالص حق الله تعالى. روى هشام، عن أبي يوسف: أنه لا يأثم بتأخير الزكاة، ويأثم بتأخير الحج؛ لأن الزكاة غير موقتة، أما الحج فريضة متعلق أداؤها بالوقت بمنزلة الصلاة، وعسى لا يدرك الوقت في المستقبل. وله كتاب "المختلف". قال في "الهداية": ومن اشترى جارية للتجارة ونواها للخدمة بطلت عنها الزكاة؛ لاتصال النية بالعمل وهو ترك التجارة، وإن نواها للتجارة بعد ذلك لم تكن للتجارة حتى يبيعها فيكون في ثمنها زكاة؛ لأن النية لم تبطل بالعمل فلم يعتبر، ولهذا يصير المسافر مقيمًا بمجرد النية، ولا يصير المقيم مسافرًا إلا بالسفر. وإن اشترى شيئًا ونواه للتجارة كان للتجارة؛ لاتصال النية بالعمل، بخلاف ما إذا ورثه ونوى للتجارة؛ لأنّه لا عمل، ولو ملكه بالهبة أو بالوصية أو بالنكاح أو الخلع أو الصلح عن القود ونوى التجارة كان للتجارة عند أبي يوسف، وعليه الزكاة لاقترانها بالعمل، وعند محمَّد ﵀ لا يصير للتجارة؛ لأنها لم تقارن عمل (١) التجارة. وقيل: الاختلاف على عكسه، قال الأكمل: يعني ما نقل الإِسْبِيْجابي في "شرح الطَّحَاوِي" عن القاضي الشهيد أنه ذكر في مختلفه هذا الاختلاف على عكس ما ذكر في الكتاب، وهو أنه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يكون للتجارة، وفي قول محمَّد يكون لها.

стр. 598

[١٩٨ - الطواويسي (١)] الشَّيخ الإمام أحمد بن محمَّد بن حامد أبو بكر الطواويسي. في "الجواهر المضية": روى عن محمَّد بن نصر المَرْوَزِي، وعبد الله بن شيرويه (٢) النَّيْسَابُوري وغيرهما. روى عنه نصر بن محمَّد بن غريب الشَّاشي، وأحمد بن عبد الله بن إدريس الحافظ. مات في الحمام سنة أربع وأربعين وثلاثمئة بسمرقند، انتهى. وفي الفصل الخامس والعشرين من "فصول الأُسْتُرُوشَني" قال: المقبوض بالبيع الباطل في يد المشتري يكون أمانة عند بعض المشايخ؛ لأن العقد غير معتبر، فبقي القبض بإذن المالك، وعند البعض يكون مضمونًا، (كذا ذكر في "الهداية"، وذكر الطواويسي في "بيوع الجامع": أنَّ عند عند أبي حنيفة لا يكون مضمونًا) (٣)، وعند محمَّد يكون مضمونًا. ورأيت في "فوائد" صاحب "المحيط": أنَّ الثَّمن المقبوض في البيع الفاسد مضمون بالقيمة فيما لا مثل له، وبالمثل فيما (له مثل) (٤)؛ لأنَّه مضمون بالقبض كالمغصوب، كذا ذكر في "شرح الطحاوي"، انتهى (٥).

стр. 599

[١٩٩ - السُّرْخَكي (١)] أبو حامد الفقيه، النَّيْسَابُوري، السُّرْخَكي، أحمد بن عبد الرَّحمن. بضم السين وسكون الراء وفتح (٢) الخاء المعجمة والكاف في آخرها ياء: نسبة إلى سُرْخَك؛ قرية على نيسابور. فقيه حنفي، سمع أبا الأزهر العبدي، ومحمَّد بن [يزيد] السُّلمي. روى عنه أبو العبَّاس أحمد بن هارون وغيره. مات سنة ست وعشرين وثلاثمئة، هكذا ذكره في "الجواهر المضية" عبد القادر. * * * [٢٠٠ - أبو حامد أحمد بن سَهل البَلْخِي (٣)] أبو حامد الفقيه، البَلْخِي، أحمد بن سَهل. روى عن أبي سليم محمَّد بن الفضل البَلْخِي، وأبي عبد الله محمَّد بن أسلم قاضي سمرقند. روى عنه حفيده عبد الله بن محمَّد (بن أحمد) (٤) بن سهل، وعبد (٥) الله بن محمَّد شاه (٦) الفقيه السَّمَرْقندي.

стр. 600

كان فاضلًا من أصحاب الرَّأي، سكن سمرقند، وله بها مات سنة أربعين وثلاثمئة، كذا ذكره عبد القادر (١: ١٧٣). * * * قلب الكتيبة الرابعة [٢٠١ - أبو علي الرُّوْذُبَاري (١)] ملجأ السَّالكين (٢)، وقطب العارفين، أبو علي الرُّوْذُبَاري (٣) قدَّس الله سره. وكان من أبناء الرؤساء والوزراء، أسمعه أحمد بن محمَّد بن القاسم بن منصور شهريار. ورُوذْبَار: بضم الراء وسكون الواو والذال المعجمة وفتح الباء الموحدة وفي آخرها الراء (٤). وكان بغدادي الأصل، يتصل نسبه بكسرى، أنوشروان، صحب الجنيد ولزمه، وصار شيخ الصوفية مع أنه أوحد الفقهاء الشَّافعية، وأقام بمصر. وكان يفتخر ويقول: أستاذي في التصوف الجنيد، وفي الحديث إبراهيم الحربي، وفي الفقه ابن شريح، وفي النحو ثعلب.

стр. 601

قيل لأبي علي الرُّوْذُبَاري (١): من الصوفي؟ فقال: من لبس الصوف على الصفاء، وسلك طريقة المصطفى، وأطعم الهوى ذوق الجفاء، وكانت الدنيا منه على القفاء. ومن شعره: ولو مضى الكل منِّي لم يكنْ عَجَبًا … وإنما عجبي للبعض كيفَ بقي أدركْ بقيَة روحي فيك قدْ تلفَتْ … قبلَ المماتِ فهذا آخرُ الرَّمَقِ وذكر تقي الدِّين السُّبْكي في "طبقات الشَّافعية": قالت فاطمة امرأة (٢) أبي علي الرُّوْذُبَاري: لما كان أبو علي في النَّزْع فتح عينيه، وقال لي: فاطمة، هذه أبواب السماء قد فُتِحت، وهذا ملك يقول: يا أبا علي قد بلغنا بك مرتبة الأكابر، وأعطيناك الدرجة القصوى وإن لم تسألها، ثم أنشد يقول (٣): وحقِّك ما نظرتُ إلى سِواكا (٤) … بعينِ مودَّةٍ حتى أراكا (٥) مات رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمئة. في "نفحات الأنس": أبو علي الروذبارى أز طبقه رابعه است. نسب وي بكسري ميرسد، روزي جنيد در مسجد جامع سخن ميكفت، كذروي بر مجلس جنيد افتاد، وجنيد بامردي سخن ميكفت به آن مرد كفت: اسمع ياهذا! أبو علي بنداشت كه اورا ميكويد، بايستاد وكوش باوي داشت، كلام جنيد در دل وي جاي كرفت، واثر تمام كرد، هرجه در آن بود ترك كرد وبر طريقت قوم اقبال نمود وحافظ حديث بوده وعالم وفقيه واديب وامام وسيد قوم، انتهى.

стр. 602

أخذ التَّلقين عن سيِّد الطَّائفة الجنيد البغدادي، عن سري السَّقَطي، عن داود الطَّائي، عن حبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ . ورباه الجنيد أحسن تربية وأرشده، فكان من كُمَّل المشايخ العارفين. وأخذ عنه التلقين وعلم التصوف والأداب الشَّيخ العارف أبو علي الكاتب المصري، وكان أبو علي الكاتب يقول: ما رأيت أجمع لعلم الشَّريعة والحقيقة من الشَّيخ أبي (١) علي الرُّوْذُبَاري (٢). * * * [٢٠٢ - أبو بكر الشِّبْلي (٣)] الشَّيخ العارف بالله، تاج المشايخ، أبو بكر الشِّبْلي، جعفر بن يونس. وقيل: دُلَف بن جعفر. وروي: أنه كتب على قبره ببغداد: جعفر بن يونس. وفي "طبقات السُّلمي": إنه خراساني الأصل بغدادي المنشأ والمولد، وأصله من أَسْرُوْشَنة، فَرْغانة. روي أنه تاب في مجلس خير النَّسَّاج (٤)، وأخذ التصوف والتلقين والآداب

стр. 603

عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، وكان أبوه حاجبًا (١) كبيرًا للخليفة. وعن الجنيد أنه قال: لا تنظروا إلى أبي بكر الشِّبْلي بالعين التي ينظر بعضكم إلى بعض، فإنّه عين من عيون الله تعالى. وعن الجنيد أيضًا قال: لكل قوم تاج، وتاج هذا القوم الشِّبْلي. وكان الشِّبْلي فقيهًا على مذهب مالك، وكان "كتاب الموطأ" في حفظه. روي أنَّ رجلًا طلب دعاء من الشِّبْلي فقرأ هذا البيت (٢): مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي … فهل لي إلى ليلى الغَداة دليلُ قيل له: نراك سمينًا، ومقتضى دعوى المحبة الهزال، فقال: أحبَّ قَلبي وما دَرى بَدني … ولو درى ما أقام في السِّمَن وعن الشِّبْلي في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]: أبصار (٣) الرؤوس عن المحارم، وأبصار القلوب عما سوى الله تعالى. حكي أنَّ الشِّبْلي سمع رجلًا في السوق يقول: الخيار عشرة بدانق، فصاح صيحة، وقال يبكي: إذا كان الخيار عشرة بدائق، فكيف الشرار؟ مات ﵀ سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة، وهو ابن سبع وثمانين سنة. أخذ عنه التلقين وآداب الطريقة ودقائق هذا العلم أبو القاسم النَّصْرَآباذي (٤). سئل الشِّبْلي عن العافية، فقال: العافية قرار القلب مع الله لحظة.

стр. 604

[٢٠٣ - أبو محمَّد الجريري (١)] أبو محمَّد الجريري أحمد بن محمَّد بن الحسين. كان (٢) من أعزة أصحاب الجنيد ومن قدمائهم. صحب السَّهل عبد الله التُّسْتَري، وكان في التصوف على جانب عظيم، أخذ التلقين وآداب الطريقة عن الجنيد، وأخذ عنه محمَّد بن عبد الله الطبري. استشهد في وقعة القرامطة سنة أربع عشرة وثلاثمئة، وقيل: اثنتي عشرة. * * * [٢٠٤ - رويم (٣)] أبو محمَّد، رُوَيْم بن أحمد بن يزيد بن رويم، قدس الله سره. وكان من أجلة المشايخ وأعزة أصحاب الجنيد، (وكان شيخ أبي عبد الله محمَّد بن خفيف الشَّيْرَازِي) (٤). وكان رويم من الحفاظ والقراء والفقهاء، قرأ على رواية نافع أحد الشيوخ السبعة، وكان من الفقه على مذهب داود الأصفهاني.

стр. 605

وكان الجنيد يعظمه ويبجله، وكان يقول: رويم مشغول فارغ وكنا فارغين مشغولين. وعن شيخ الإسلام الأنصاري أنه قال: رويم كبير جليل، له مرتبة عالية في علم الباطن، ولكن أخذ في التلبيس، وصار وكيل القاضي. سُئل رويم عن التصوف، فقال: هو الذي لا يملك شيئًا ولا يملكه [شيء]. وقال أيضًا: التصوف ترك التفاضل بين الشيئين. وسئل عن الأُنس، فقال: أن تستوحش من غير الله حتى من نفسك. وسُئل عن المحبة، فقال: [ولو قُلتِ لي: مُتْ، مُتُّ سَمْعًا وطاعةً] … وقلْتُ لداعي الموتِ: أهلًا ومرحبًا وقال: الرِّضا استلذاذ البلوى، واليقين هو المشاهدة. وعن رويم أيضًا: أدب المسافر أن لا يجاوز همُّه قدَمه، وحيث ما وقف قلبُه يكون منزلُه. * * *

стр. 606

الكتيبة الخامسة [٢٠٥ - أبو بكر الدَّامَغاني (١)] الشَّيخ الإمام أبو بكر القاضي (٢)، الدَّامَغاني، أحمد بن محمَّد بن منصور الأنصاري. كان من مشايخ الفقهاء الكبار. درس على الطَّحَاوِي بمصر، وأخذ العلم عنه عن أحمد بن أبي عمران، عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف ومحمَّد، عن أبي حنيفة، وعن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن إسماعيل بن حمَّاد، عن حمَّاد، عن أبي حنيفة. قدم بعد ما درس على الطَّحَاوِي ببغداد، (ودرس بها على الكَرْخي، ولما فُلِج الكَرْخي جعل الفتوى إليه دون أصحابه، فأقام ببغداد) (٣) دهرًا طويلًا يحدث عن الطَّحَاوِي ويفتي. وأخذ عنه وحدث علي بن محمَّد الواسطي، صاحب أبي عبد الله بن علي البصري المتكلِّم الفقيه. وعن الصَّيْمَري (٤): كان أبو الحسن الكَرْخي جعل التدريس حين فلج (٥)

стр. 607

لأبي علي الشَّاشي، والفتوى (إلى أبي بكر) (١) الدَّامَغاني. وكان أبو بكر الدَّامَغاني أقام يدرِّس ويشتغل على الطَّحَاوِي سنين كثيرة، ثم أقام عند الكَرْخي وكان أملى في العلم والدين يشار إليه في الورع والزهادة، وولي القضاء بواسط؛ لأنَّه ركبه ديون، وخرج إليها. وعن الصَّيْمَري (٢) أنه قال: حدثني علي بن محمَّد الواسطي: أنه كان ينظر بين الخصوم على وجه التحكيم (٣)، وكان (٤) يقول للخصمَيْن: أنظر بينكما؟ فإذا قالا: نعم، نظر بينهما، وربما قال حكمتماني؟ فإذا قالا: نعم؛ نظر بينهما. * * * [٢٠٦ - أبو طالب سعيد بن محمَّد البَرْدَعي (٥)] سعيد بن محمَّد أبو طالب البَرْدَعي. كان من أصحاب الطَّحاوي، وحدث عنه ببغداد ودرس. وفي "الجواهر المضية": روى عنه الحافظ، أبو محمَّد، عبد الله بن محمَّد بن يعقوب الحارثي، وذكر أنه سمع منه (٦) في مسجد أبي الحسن الكَرْخي.

стр. 608

[٢٠٧ - أبو الحسن الطَّحاوي (١)] أبو الحسن علي بن أحمد بن محمَّد بن سلامة الطَّحاوي. روى عن أبيه وأخذ عنه، وكان فقيهًا، (عاملًا عالمًا) (٢)، زاهدًا متورعًا. وفي "الجواهر المضية": بنى عبد الله بن الحارث في الحرم سنة خمسين وثلاثمئة بالجيزة، بأمر الأمير علي بن الإخشيدي، وكان الناس قبل ذلك يصلون الجمعة بالجيزة بمسجد همدان، فتقدم كافور إلى الحارث بنيابته، وحمل له، وشارف بناء هذا الجامع مع ابن الحارث علي بن أبي جعفر الطَّحاوي، واحتاجوا إلى عمد الجامع، فمضى الحارث باللَّيل إلى كنيسة بأعمال الجيزة، فقلع عمدها ونصب بدلها أركانًا، وحمل العُمد إلى الجامع، فترك أبو الحسن (٣) علي الطَّحَاوِي الصلاة فيه من ذلك الوقت تورُّعًا. * * * [٢٠٨ - أبو سهل الزُّجاجي (٤)] الشَّيخ الإمام، أبو سَهل الزُّجاجي، صاحب "كتاب الرياض". درس على أبي الحسن الكَرْخي وأخذ العلم عنه، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن

стр. 609

أبي علي الدَّقَّاق، عن موسى بن نصر الرَّازي، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة، وعن أبي سعيد البَرْدَعي، عن إسماعيل بن حمَّاد، عن حمَّاد، عن أبي حنيفة. ثم رجع إلى نَيْسَابُور فأقام بها إلى أن مات. ودرس عليه أبو بكر الجصَّاص الرَّازي، وتفقَّه عليه فقهاء نيسابور. وعن الصَّيْمَري (١) أنه قال: سمعت الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عبَّاد يقول: كان أبو سهل الزُّجاجي إذا دخل مجالس النظر تتغير وجوه المخالفين؛ لقوة نفسه، وحسن جدله. وفي "تحفة علاء الدِّين محمَّد السَّمَرْقندي": واختلفت الرواية في الحج عن أصحابنا أنه يجب وجوبًا موسعًا أو مضيقًا، ذكر الكَرْخي أنه يجب على الفور، وكذلك في كلِّ فرض ثبت مطلقًا عن الوقت كالكفَّارات وقضاء رمضان ونحوها، وذكر محمَّد ابن شجاع أنه على التراخي، وذكر الزُّجاجي مسألة الحج على الاختلاف، فعلى قول أبي يوسف يجب على الفور، وعلى قول محمَّد يجب على التراخي، وروى محمَّد ابن (٢) شجاع الثَّلْجي قول أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف. وفائدة الاختلاف أنَّ من أخَّر عن أوَّل أحوال الإمكان، هل يأثم أم لا؟ أما لا خلاف أنه إذا أخَّر ثم أدى في سنة أخرى فإنَّه يكون مؤدِّيًا ولا يكون قاضيًا، بخلاف العبادات الموقَّتة إذا فأتت عن أوقاتها ثم أُدِّيت تكون قضاء بالإجماع. وفي "الجواهر المضية" قال سمعت بعض مشايخنا يقول: ما ذكره شمس الأئمة في "مبسوطه" أبو سهل الغزالي وأبو سهل الفرضي هو أبو سهل الزُّجاجي،

стр. 610

تارة يذكر بالغزالي وتارة يذكر بالزُّجاجي، [وَأمَّا نسبته إِلَى الزجاجي فَذكر السَّمْعَانِيُّ: الزُّجاجي بِضَم الزَّاي، والزَّجَّاجي] (١) بفتح الزاي، نسبة إلى عمل الزجاج، والفتح اشتهر (٢) بها أبو إسحاق النَّحوي، ولا أدري أبو سهل من أي النِّسبتين، غير أني رأيت في نسخة عتيقة من الطبقات لأبي إسحاق الشَّيْرَازِي مضبوطًا بضم الزَّاي (٣). * * * [٢٠٩ - أبو علي الشاشي (٤)] الشَّيخ الإمام أحمد بن محمَّد بن إسحاق، أبو علي الشَّاشي. تفقَّه على أبي الحسن الكَرْخي ودرس عليه، ثم جعل التَّدريس له حين فلج لكَرْخي، والفتوى إلى أبي بكر أحمد بن محمَّد الدَّامَغاني، وهو تفقَّه عليه وعلى أبي جعفر الطَّحاوي. وحكي الكَرْخي: أنه قال: ما جاءنا أحفظ من أبي علي الشَّاشي. وعن الصَّيْمَري (٥) أنه قال: حدثنا أبو محمَّد النُّعمان قال: حضرت أبا علي

стр. 611

الشَّاشي في مجلس إملائه، وقد جاءه أبو جعفر الهِنْدُوَاني، فسلَّم عليه، وأخذ يبحث معه في مسائل الأصول، وكان أبو علي الشَّاشي عارفًا بها، فلما فرغ امتحن أبو علي أبا جعفر بشيء من مسائل النَّوادر هو قلَّما يحضرها، وكان سبب حفظ الهِنْدُوَاني للنَّوادر ذلك، وقال لأبي علي: جئتك زائرًا لا متكلِّمًا. مات سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، (والله أعلم) (١). * * * [٢١٠ - أبو حامد المَرْوَزِي (٢)] أبو حامد الفقيه، ابن الطبري، أحمد بن الحسين بن علي المَرْوَزِي. عن الحاكم والخطيب: أنه كان فقيهًا عارفًا بالأصول والفروع. أخذ ببغداد عن أبي (٣) الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن إسماعيل، عن حمَّاد، عن أبي حنيفة، وعن الكَرْخي، عن أبي سعيد، عن موسى بن نصر، عن محمد، عن أبي حنيفة. وأخذ أبو حامد ببلخ عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمَّد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة. وكان أحد العبَّاد المجتهدين، والعلماء المتقين، حافظًا للحديث بصيرًا بالتفسير، ورعًا صالحًا، عارفًا بمذهب أبي حنيفة، أملى ببخارى.

стр. 612

وصنف الكثير (١)، وله تاريخ بديع. ورد بغداد وتفقَّه، ثم عاد إلى خراسان، فتولى قضاء القضاة، وصنف الكتب، وروى الحديث، ثم رحل إلى بغداد، فحدث بها، وكتب الناس عنه، انتهى (٢) * * * [٢١١ - أبو عبد الله الجُرْجَاني (٣)] أبو عبد الله يوسف بن محمَّد الجُرْجَاني. تفقه على أبي الحسن الكَرْخي، كان عالمًا تصدَّر على أصحاب الحنفيَّة في زمانه، وكان ترحل إليه الواقعات. وله "خزانة الأكمل" في ست مجلدات، و" كتاب خزانة الأكمل" كان ينسب إليه وإلى أبي اللَّيث الفقيه، وإلى [علي بن] أبي طالب الحسين بن محمَّد الزَّينبي (٤) المعروف بالأكمل، والصحيح أنَّ "كتاب خزانة الأكمل" المتداول بين أيدي الناس هو هذا. ذكر عبد القادر في "كتاب الجواهر المضية" في ترجمة أبي عبد الله بن أبي موسى

стр. 613

الضرير: ومن تصانيفه في الفقه "كتاب الزيادات"، و"الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، و"الكلام في حكم الدار" و"مختصر كتاب أبي الحسن الكَرْخي"، كذا قال أبو عبد الله الجُرْجَاني في "كتاب خزانة الأكمل" (١) و"شرح الجامع الكبير " لمحمَّد بن الحسن بالزيادات. * * * [٢١٢ - أبو القاسم التَّنُوخِي (٢)] أبو القاسم علي بن محمَّد التَّنُوخِي. من أصحاب أبي الحسن الكَرْخي. عن الصَّيْمَري (٣): أنه كان مقدمًا في العربية والشعر، وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة. وتولى الحكم، فهجره الكَرْخي على عادته، وقطع مكاتبته، وكان يدخل إلى بغداد فلا يمكنه الدخول عليه، فإذا سئل عنه يقول: كان معاشري على الفقر والفاقة، وبلغني الآن أنه ينفق على مائدته في كل يوم دينارين، وما علمته ورث ميراثًا، ولا اتَّجر فربح، وما أعرف لهذه النفقة وجهًا. مات سنة اثنتين وأربعين وثلاثمئة. * * *

стр. 614

[٢١٣ - أبو عبد الله البصري (١)] الإمام الكبير، أبو عبد الله الحسين بن علي البصري المعتزلي. كان في الكلام رأس المعتزلة، وكان أصوليَّا كلاميًّا. ذكره الصَّيْمَري (٢) في طبقة أبي محمَّد بن عبدك، قال: ولم يبلغ أحد مبلغه (٣) في هذين العِلْمَين؛ أعني: الكلام والفقه مع سعة النَّفس، وكثرة الإفضال، والتقدم عند السُّلطان، وإيثار الأصحاب. (أخذ عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن (موسى بن نصر) (٤)، عن محمَّد عن أبي حنيفة) (٥)، وأخذ عنه الإمام علي بن محمَّد الواسطي. مات سنة تسع وستين وثلاثمئة، ودفن في تربة الكَرْخي، وصلى عليه الحسن بن عبد الغفار النَّحوي. * * * [٢١٤ - أبو بكر الأعمش (٦)] الإمام الفقيه، محمَّد بن سعيد، أبو بكر الأعمش، البَلْخِي، ﵀. تفقَّه على أبي بكر محمَّد الإسكافي، وأخذ العلم عنه، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد بن الحسن.

стр. 615

وأخذ عنه ابنه عبيد الله بن محمَّد بن سعيد أبو القاسم، وأبو جعفر الفقيه الهِنْدُواني. وفي الفصل الثامن والثلاثين من "الفصول العمادية": ولو قال لامرأته يا كافرة، فقالت المرأة: لا بل أنت أو قالت لزوجها: يا كافر، فقال: لا بل أنت لا يقع بينهما فرقة، هكذا ذكر (١) الفقيه أبو اللَّيث في "فتاواه". وعلى قياس قول الفقيه أبي بكر الأعمش ومن تابعه من أئمة بخارى في المسألة التي تأتي بعد هذا ينبغي أن تقع الفرقة. ولو قال لمسلم أجنبي: يا كافر، أو لأجنبية: يا كافرة، ولم يقل المخاطب شيئًا، أو قال لامرأته: يا كافرة، ولم تقل المرأة (٢) شيئًا كان الفقيه أبو بكر الأعمش البَلْخِي يقول: كفر القائل، وقال غيره من مشايخ بَلْخ: لا يكفر، واتفقت هذه المسألة ببخارى، فأجاب بعض أئمة بخارى: أنه لا يكفر، ورجع الجواب إلى بَلْخ، فمن أفتى بخلاف الفقيه أبي بكر رجع إلى قوله. وعلى قياس المسألة التي تقدم ذكرها ينبغي أن لا يكفر هذا القائل على قول أبي اللَّيث وبعض أئمة بخارى، والمختار للفتوى في جنس هذه المسائل أنَّ القائل بمثل هذه المقالات إن كان أراد الشَّتم ولا يعتقده كافرًا (٣) لا يكفر، وإن كان يعتقده كافرًا فخطابه بهذا بناء على اعتقاده أنه كافر يكفر؛ لأنَّه لما اعتقد المسلمَ كافرًا، فقد اعتقد دين الإسلام كفرًا، (ومن اعتقد دين الإسلام كفرًا كفر.

стр. 616

وفي كتاب السرقة من "الفتاوى الظَّهِيرِيَّة":) (١) والمدعى عليه بالسرقة إذا أنكر السرقة، حكي عن أبي بكر الأعمش أنَّ القاضي يعمل بأكبر رأيه، فإن كان في رأيه أنه سارق وأن المال عنده عذبه، ويجوز له ذلك، ألا ترى أنَّ إراقة الدم بأكبر الرأي، تجوز حتى إنَّ من دخل على إنسان شاهرً ا (٢) سلاحه، وهجس في خاطره أنه أتاه ليقتله كان له أن يقتله، وعامة المشايخ ﵏ على أنه يعزره، انتهى. وما وقع في بعض المواضع مما كتب، وقال أبو بكر ابن سعيد - أظنه أبا بكر محمَّد بن سعيد الأعمش -: يشهد بذلك ما ذكره الشَّيخ الإمام علاء الدِّين محمَّد السَّمَرْقندي في "تحفته": اختلف المشايخ في تطهير الحوض الصَّغير إذا تنجس؛ قال أبو بكر الأعمش: إذا دخل الماء فيه وخرج منه مقدار ما كان فيه ثلاث مرات فإنّه يطهر، ويصير ذلك بمنزلة الغسل له ثلاثًا، وقال أبو جعفر الهِنْدُوَاني: إذا دخل فيه الماء الطاهر وخرج بعضه يحكم بطهارته؛ لأنّه صار ماءً جاريًا، ولم يستيقن بقاء النجاسة (٣)، وبه أخذ الفقيه أبو اللَّيث. وفي "فتاوى قاضي خان" في فصل الماء الراكد من كتاب الطهارة: حوض صغير تنجس ماءه، فدخل الماء من جانب وخرج من جانب، قال أبو جعفر: يصير طاهرًا؛ لأن الماء الجاري غلب على النجس، فكان بمنزلة الماء الجاري، وقال أبو بكر ابن سعيد: لا يطهر حتى يخرج منه ثلاث مرات مثل ما كان في الحوض من الماء النجس. وفي "فتاوى قاضي خان" أيضًا (٤) في فصل العيوب من كتاب البيع: لو اشترى

стр. 617

عبدًا فكان أبق أو سرق أو بال في الفراش عند البائع في كبره، ولم يبل عند المشتري؛ قال أبو بكر ابن سعيد البَلْخِي: له أن يردَّه، وقال أبو بكر الإِسْكاف: لا يرده ما لم يعد عند المشتري، وهو الصحيح، انتهى. مات أبو بكر ابن سعيد سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة. وكان أبو بكر الأعمش فاق على أقرانه في الفقه وزاحم أستاذه الإسكافي في الفتوى. وفي "شرح مختصر الطَّحَاوِي" قال: ولم يرد على أصحابنا في مسح العنق شيء، وروي عن الفقيه أبي بكر الأعمش: أنه كان يعيب القوم في مسحهم العنق، ويقول: ليس ذلك من وظائف الوضوء، وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهِنْدُوَاني: أنه كان يقول: هو عندي سنة؛ لأنَّه روي عن ابن عُمَر أنه كان يمسح عنقه، ويقول: اللهمَّ لا تغلَّ عنقي بالنَّار (١)، وقال في "التحفة" للسَّمرقندي: وأما مسح الرقبة قال أبو بكر الأعمش: إنه سنة، وقال أبو بكر الإِسْكاف: إنه أدب. ثم كان يتفقه عليه تلامذة أستاذه كأبي جعفر الفقيه الهِنْدُوَاني. مات قبل أن ينتهي إلى أقصى الشيخوخة، ﵀. * * * [٢١٥ - أبو بكر محمَّد بن الفضل البُخاري (٢)] الشَّيخ الإمام الكبير الفقيه الجليل أبو بكر، محمَّد بن الفضل، البُخاري، الكَمَاري.

стр. 618

تفقَّه على الأستاذ الكبير الفقيه، أبي محمَّد، عبد الله بن محمَّد بن يعقوب السُّبَذْمُوْنِي، وأخذ عنه عن أبي (١) حفص الصَّغير أبي عبد الله، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، بن الحسن، عن أبي حنيفة. وتفقَّه عليه جماعة كثيرة، منهم الإمام عبد الله بن الفضل الخَيْزَاخَزِي، والقاضي الإمام أبو علي الحسين بن الخضر النَّسَفِي، والحاكم عبد الرَّحمن بن محمَّد الكاتب، والشَّيخ الإمام أبو بكر بن أبي إسحاق الكُلَابَاذِي، والشَّيخ الإمام إسماعيل الزاهد، وأبو جعفر القاضي، وأبو عبد الله الأُسْتُرُوشَني. ذكر شيخ الإسلام الزُّرْنوجي (٢) في "تعليم المتعلم" في فصل الورع في التعليم: حكي [أنَّ] الإمام الشَّيخ الجليل محمَّد بن الفضل كان في حال تعلُّمه لا يأكل من طعام السوق، وكان أبوه يسكن في الرستاق، في قرية يقال لها: كُمَازَة - ضبطها هنا بضم الكاف وفتح الزاي المعجمة - هي قرية من قرى بخارى - ويهيئ (٣) طعامه ويدخل إليه يوم الجمعة. فرأى في بيت ابنه خبز السوق يومًا، فلم يكلِّمه ساخطًا عليه، فاعتذر ابنه، فقال: ما اشتريت أنا ولم أرضَ به، ولكن أحضره شريكي، فقال أبوه: لو كنت تحتاط وتتورع لم (٤) يجترئ (٥) شريكك بذلك، وهكذا كانوا

стр. 619

يتورعون، فلذلك وفِّقوا للعلم والنَّشر حتى بقي اسمهم إلى يوم القيامة (١). حكي أنَّ والده وعدَه بألف دينار عند تمام حفظه "المبسوط"، وكذلك لأخيه، فلما حفظه دفع المال لأخيه، وقال له: يكفيك حفظ "المبسوط"، فخرج مغاضبًا في بعض البلاد، فمرَّ بطبَّاخ، فاستطعمه، فلم يطعمه، فحثى ثلاث حثيات من الرَّماد في فيه، فرآه من كان حاضرًا فعرفه، وقال له هذا إمام الدُّنيا، ثم انتهى به السفر إلى أن دخل، بخاري وعقد (مجلسًا للإملاء) (٢). ومات ببخارى سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة. هذه الحكاية ذكرها عبد القادر في "الجواهر المضية"، ثم ذكر عقيب هذه حكاية لا تكاد تصح، وهي أنَّ أبا بكر محمَّد بن الفضل وجد قاضي خان ببخارى كان يتكلَّم فوق المنبر، وبين يديه العلماء يكتبون ما يملي عليهم، فذكر قاضي خان مسألة خلافية بين أبي يوسف وبين محمد، فعكس قول أبي يوسف جعله عن محمد، وقول محمَّد جعله عن أبي يوسف، فقال له أبو بكر: اعكس، فقال له قاضي خان: وإن لم أعكس، قال أبو بكر: إن لم تعكس يرد على قول أبي يوسف كذا وكذا، ويرد على قول محمَّد كذا وكذا، وذكر عدة مسائل فنون فنزل قاضي خان عن المنبر، واعتنقه، وقال له: يا سيدي لعلك تكون ابن الفضل الكَمَاري، قال: نعم، قال: أنت أحق بهذا المجلس منِّي. فأنى يصح هذا! فإنّ قاضي خان قام (٣) ينشر العلم فيما بين الخمسين وستمئة، وأبو بكر هذا مات في سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة.

стр. 620

روي أنه كتب ببخارى في سنة تسع وخمسين، وعقد مجلس (١) الإملاء، ذكر عبد القادر في "الجواهر المضية" أيضًا في ترجمة قاضي القضاة أحمد السَّرُوجي (٢): أخذ الفقه عن صدر الدِّين سليمان بن أبي العزِّ، عن الشَّيخ جمال الدِّين الحَصِيْري، عن الإمام فخر الدِّين قاضي خان، عن الإمام ظهير الدِّين الحسن ابن علي المَرْغِيْنَاني عن الإمام سراج الأئمَّة برهان الدِّين عبد العزيز بن مازه، عن شمس الأئمة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمة الحَلْوَاني، عن أبي الحسن علي النَّسَفِي، عن الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن أبي عبد الله (٣) أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة، انتهى. فذكر بينهما خمسة رجال، فأنى لهما الجمع في مجلس واحد! وكان أبو بكر محمَّد بن الفضل إمامًا كبيرًا، شيخًا جليلًا، معتمدًا في الرِّواية، مقلدًا في الدِّراية، ترحل إليه أئمة البلاد في الواقعات والفتاوى، مشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته وأخذه واختيراته، سيَّما فتاوى القاضي الإمام فخر الدِّين قاضي خان، لو تتبعت ما ذكره في فتاويه (٤) عن الشَّيخ الإمام الجليل أبي بكر محمَّد ابن الفضل لوجدته ينيف (٥) على ألف مسألة، وكذا الصَّدر الشَّهيد في "واقعاته"، جمع في كلِّ كتاب أبوابًا، فعلم بعلامة الباء في فتاوى الشَّيخ أبي بكر. وفي "الخلاصة" (٦) في آخر الفصل الأول من كتاب النكاح قال: المناكحة بين

стр. 621

أهل السنة وأهل الاعتزال لا تجوز، كذا أجاب الشَّيخ الإمام الرُّسْتُفَغْني (١)، المسألة في (٢) "مجموع النوازل". وفي "الفتاوى" عن الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل ﵀: أنَّ من قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر لا تجوز المناكحة معه، وقال الشَّيخ الإمام أبو حَفص السَّفْكَرْدَرِي في "فوائده": لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من شفعوي المذهب، وهكذا قال بعض مشايخنا، ولكن يتزوَّج منهم. وفيه في الفصل الثالث من كتاب البيع: وفي نسخة الشَّيخ الإمام السَّرَخْسي: إذا اشترى ثمار الكرم أو المبطخة وقد خرج بعضها دون البعض (٣)، قال الكَرْخي: لا يجوز، وهو ظاهر المذهب، وقال الشَّيخ الإمام الجليل أبو بكر محمَّد بن الفضل: وجدت رواية عن محمَّد ﵀ في الرجل إذا اشترى الورد جملة أنه يجوز، والورد لا يخرج جملة إلا بشرط أن يكون الخارج أكثر، وبه كان يفتي شمس الأئمة الحَلْوَاني، والإمام شمس الأئمَّة السَّرَخْسي يميل إلى قول الكَرْخي. وفي "فتاوى القاضي الإمام ظهير الدِّين البُخاري" في الفصل الرابع في القسم الرابع من كتاب الطلاق: رجل تزوج امرأة كانت منكوحة للغير قد طلقها، فقالت المرأة: تزوجتني وأنا معتدة عن الأول، قال الشَّيخ الإمام الجليل أبو بكر محمَّد بن الفضل: إن كان بين نكاح الثاني وطلاق الأول شهران لا يقبل قولها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ويكون إقدامها على النكاح إقرارًا بانقضاء العدة. وفي كتاب الكفالة من "فتاوي قاضي خان": رجل كفل بنفس رجل إلى ثلاثة

стр. 622

أيام، ذكره (١) في "الأصل" لا يصير كفيلًا بعد الأيام الثلاثة، وجعله بمنزلة ما لو قال (٢) لامرأته: أنت طالق إلى ثلاثة أيام، (فإن الطلاق) (٣) يقع بعد ثلاثة أيام، وكذا لو باع عبدًا بألف إلى ثلاثة أيام يصير مطالبًا بالثمن بعد الأيام الثلاثة. وعن أبي يوسف يصير كفيلًا في الحال، وقال في الطلاق: (يقع الطلاق) (٤) في الحال أيضًا. وقال الفقيه أبو جعفر: يصير كفيلًا في الحال، قال: وذكر الأيام الثلاثة لتأخير المطالبة إلى ثلاثة أيام لا لتأخير الكفالة، ألا ترى أنَّ هذا الكفيل لو سلم نفس (٥) المكفول به (٦) في الأيام الثلاثة يجبر الطالب على القَبول، كمن عليه دين مؤجل إذا عجل قبل حلول الأجل يجبر الطالب على القبول، وما ذكر في الأصل أنه يصير كفيلًا بعد الأيام الثلاثة، أراد به أن يكون كفيلًا مطالبًا بعد الأيام الثلاثة. وغيره من المشايخ أخذوا بظاهر الكتاب، وقالوا: لا يصير كفيلًا في الحال، فإذا مضت الأيام الثلاثة قبل تسليم النفس يصير كفيلًا أبدًا، لا يخرج عن الكفالة ما لم يسلم. وقال شمس الأئمَّة الحَلْوَاني: قول أبي يوسف أنه يطالب الكفيل بتسليم النفس في الأيام الثلاثة ولا يطالب بعدها؛ أشبه بعرف الناس، وعن أبي يوسف في رواية أخرى: إذا قال: أنا كفيل بنفس فلان عشرة أيام، أو قال: ثلاثة أيام؛ يصير كفيلًا في الحال، وإذا مضت الأيام لا يبقى (٧) كفيلًا، ولو قال: أنا كفيل

стр. 623

بنفس فلان إلى عشرة أيام؛ يصير كفيلًا بعد عشرة أيام، كما قال في "الأصل". قال شمس الأئمَّة الحَلْوَاني: كان القاضي الإمام الأستاذ أبو على النَّسَفِي يقول: كان الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل تعجبه (١) هذه الرواية، (وكان يقول لو) (٢) قال بالفارسية: بذبر فتم تمن فلان راده روز؛ يصير كفيلًا في الحال، وإذا مضت المدة لا يبقى كفيلًا، ولو قال: بذبر فتم تن فلان راتاده روز؛ يصير كفيلًا بعد عشرة أيام، وبعض المشايخ قالوا: إذا قال: بذبر فتم من فلا نراتا ده روز؛ ولم يسلم حتى مضت عشرة أيام يرفع الكفيل الأمر إلى القاضي حتى يخرجه القاضي عن (٣) الكفالة. قال ﵀: وبه كان يفتي الإمام ظهير الدِّين، ويحكي ذلك عن جدِّه (٤). قلت: الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني أستاذ الإمام فخر الدِّين قاضي خان، وجده شيخ الإسلام محمود الأُوْزْجَندي، أستاذ الإمام ظهير الدِّين المذكور، وتلميذ شمس الأئمَّة السَّرَخْسي هو تلميذ شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، هو تلميذ أبي علي النَّسفي، هو تلميذ الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل. وقد وقع نظير هذه المسألة بين أبي خازم القاضي وبين أبي بكر الإِسْكاف، نقلته في ذكر أبي بكر الإِسْكاف. * * *

стр. 624

[٢١٦ - عبد الكريم المِيْغِي (١)] الشَّيخ الإمام الزَّاهد عبد الكريم بن محمَّد بن موسى، أبو محمَّد المِيْغِي؛ نسبة إلى ميغ، هي (٢) قرية من قرى بخارى. عن السَّمْعَانِي: كان عبد الكريم أبو محمَّد الميغي إمامًا زاهدًا ورعًا مفتيًا، لم يكن في عصره بسمرقند مثله. أخذ الفقه عن عبد الله بن محمَّد السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي حفص الصَّغير، عن أبيه (٣) أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وعنه: أنه كان تلميذ منصور بن جعفر بن علي بن الحسين بن منصور بن خالد ابن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي، وكان منصور فقيهًا بسمرقند ومفتيها (٤)، لا يتقدم أحد عليه في الفتوى بها (٥). مات عبد الكريم ﵀ سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة. في "فتاوى القاضي ظهير الدِّين محمَّد البُخاري" في الفصل الثالث من القسم الثاني من كتاب الأيمان إذا حلف أن لا يتوضأ من الرُّعاف فرعف ثم بال، أو بال ثم رعف، ثم توضأ؛ فالوضوء منهما جميعًا ويحنث (٦).

стр. 625

قال أبو عبد الله الجُرْجَاني: إذا أجنبت المرأة ثم حاضت ثم اغتسلت كان الاغتسال من الأول دون الثاني، كذلك الرجل إذا رعف ثم بال فالوضوء يكون من الأول عند أبي عبد الله الجُرْجَاني. فالحاصل: أن على قول أبي عبد الله الجُرْجَاني إذا اجتمع الحدثان فالوضوء بعدهما يكون من الأول إن اتَّحد الجنس أو اختلف، بأن بال ثم رعف، أو رعف ثم بال؛ فالوضوء من الأول. وقال الفقيه أبو جعفر: إن اتحد الجنس فالوضوء من الأول، وإن اختلف الجنس (١) فالوضوء يكون منهما. وقال الإمام الزاهد عبد الكريم: كنا نظن أن الوضوء من الحدثين إذا استويا في الغلطة أو الخفة، ومتى كان أحدهما أغلظ فالوضوء من أغلظهما، وقد وجدنا الرواية عن أبي حنيفة: أنَّ الوضوء يكون منهما فرجعنا إلى قوله. وذكر (٢) أبو جعفر في "تأسيس النظائر": أنَّ المرأة إذا أجنبت ثم حاضت فاغتسلت؛ عند أبي يوسف يكون الغسل من الأول، وعند محمَّد يكون منهما. وفيه في الفصل الأول، من القسم الأول من الأيمان: سُئل عبد الكريم بن محمَّد عمَّن قال: أنا بريء من الشفاعة إن فعلت كذا، قال يكون يمينًا؛ لأن الشفاعة حق، فكأنه قال: أنا (٣) بريء من الحق، وقال غيره: لا يكون يمينًا، وهو الصحيح؛ لأن الشفاعة وإن كانت حقًّا عندنا، لكن من أنكرها صار مبتدعًا لا (٤) كافرًا، (والله أعلم) (٥).

стр. 626

[٢١٧ - أبو إسحاق المُهَلَّبى (١)] أبو إسحاق، الخطيب، إبراهيم بن محمَّد بن حمدان المُهَلَّبِي. أخذ عن الأستاذ الإمام عبد الله السُّبَذْمُونِي المقدم عنعناته. وكان في طبقة أبي بكر محمَّد بن الفضل. أخذ (٢) عنه الحسين بن خضر بن محمَّد، أبو علي، النَّسفي، وأخذ عنه الشَّيخ الإمام، المعروف بقاضي الحرمين، أبو الحسين أحمد بن محمَّد بن عبد الله النَّيْسَابُوري، نسبة إلى نيسابور، هي أحسن مدن خراسان وأعظمها، وأجمعها للخيرات وذوي الفضائل وأرباب المعارف، وقد بناها سابور (٣) ذو الأكتاف، أحد ملوك الفرس المتأخرة، والـ (نَي) (٤) بالعربية: المقصبة، وكانت مدينة نَيْسَابُور مقصَّبة، فقطعها سابور (٥) ذو الأكتاف، وبنى هناك مدينة، وكان هذه المقصبة تنسب إلى سابور (٦)، ويقال: نَيْ سابور (٧)، فبقي على ما كان. وكان قاضي الحرمين شيخ أصحاب أبي حنيفة في زمانه بلا مدافعة (٨).

стр. 627

أخذ عن الشَّيخ الإمام القاضي أبي طاهر الدبَّاس، عن أبي خازم القاضي، عن عيسى بن أَبَان، عن محمد، عن أبي حنيفة، وعن أبي خازم، عن بكر بن محمَّد العَمِّي عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف، وعن محمَّد، عن أبي حنيفة، وأخذ أيضًا عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، (عن موسى بن نصر) (١)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وتفقَّه عليه القاضي الإمام المشهور بكنيته أبو الهيثم وقاضي القضاة الشَّيخ الإمام أبو محمَّد عبد الله بن الحسين النَّاصِحي، صاحب الطريقة الحسنة في الفقه. روي أنّ قاضي الحرمين في أول حاله غاب عن نَيْسَابُور في سنة ست وثلاثين وثلاثمئة، ثم جاء وولي القضاء بها سنة خمس وأربعين وثلاثمئة، ومات بها سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة. وذكر في "العمادية" في الفصل الحادي والثلاثين، عن الفتاوى الظَّهِيْريَّة": إذا اشترى عنب كرم على أنه ألف منٍّ، فلم يخرج منه إلا تسعمئة منٍّ، فللمشتري أن يطالب البائع بحصة مئة منٍّ من الثمن، قالوا: وعلى قياس قول أبي حنيفة يفسد البيع في الباقي، وكان القاضي أبو الحسن قاضي الحرمين يروي عن أبي حنيفة أنَّ العقد فاسد في الكلِّ في جنس هذا، وبه كان يفتي شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، وكان شمس الأئمَّة السَّرَخْسي يقول: إن (٢) العقد فيما وجد صحيح، وإلى هذا مال الصَّدر الشَّهيد. * * *

стр. 628

[٢١٨ - أبو القاسم الحكيم (١)] الشَّيخ الإمام أبو القاسم الحكيم، السَّمَرْقندي، إسحاق بن محمَّد بن إسماعيل القاضي. أخذ الفقه والكلام عن الشَّيخ الإمام أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، (عن أبي سليمان الجُوْزَجاني) (٢)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. قدم بغداد حاجًّا، تولى قضاء سَمَرْقَند، وحمدت سيرته، ولقب بالحكيم لكثرة حكمته وموعظته، وصحب أبا بكر الوَرَّاق ومشايخ زمانه، وأخذ عنهم آداب طريقة التَّصوف. حكي أنَّ رجلًا من رجال الله جاءه (٣) يومًا، فرأه مشغولًا بالحكم بين الناس، فألقى مصلاه على وجه الماء في حوض بين يديه، فصلَّى عليه، فلمَّا فرغ قال له أبو القاسم: يا أخي هذا ليس بشيء، وإنما هو أمر يعمله الصِّبيان، وإنما الرجل من يعمل الأعمال الكثيرة مع الخلق وقلبه غير غافل عن ذكر الله. وفي "نفحات الأنس": قالوا في وصف أبي القاسم الحكيم إسحاق بن محمَّد السَّمَرْقندي ﵀: لم يكن نظره من العرش إلى الثَّرى إلا إلى الله ، وكان معاملته مع الخلق طلبًا لحظوظهم دون حظِّه (٤).

стр. 629

مات ﵀ في يوم عاشوراء سنة اثنتين وأربعين وثلاثمئة. رأيت في بعض تصانيف المولى عبد اللطيف السِّيرافي: سُئل أبو القاسم الحكيم، فقيل له: عاص يتوب من عصيانه أفضل أم كافر يرجع من كفره إلى الإيمان؟ قال: بل عاص يتوب من عصيانه؛ لأن الكافر في حال كفره أجنبي، والعاصي حال عصيانه عارف لربه، والكافر إذا أسلم ينقل من درجة الأجانب إلى درجة العارفين (١)، والعاصي إذا تاب ينقل عن درجة العارفين (٢) إلى درجة الأحبَّاء، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وفي "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في باب الكراهية بعلامة السين: الكافر إذا دعا (٣) الله تعالى هل يجوز (أن يقال بأنه) (٤) يستجاب دعاؤه؟ اختلف المشايخ فيه: منهم من قال - وفيهم أبو الحسن الرُّسْتُغْفَني -: لا يجوز؛ لأنّه لا يدعو الله تعالى، لأنّه لا يعرفه لأنّه وإن أقرَّ، به لكن لما وصفه بما لا يليق به فقد نقض (٥) إقراره وما روي في الحديث "إن دعوة المظلوم مستجابة وإن كان كافرًا" (٦)؛ معناه: (كفران النِّعمة لا كفران الدِّيانة.

стр. 630

ومنهم من قال) (١): إن صح كافر النِّعمة لا كافر الدِّيانة؛ لقوله ﷺ "من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر" (٢)؛ معناه: كفران النعمة (٣) لا كفران الدِّيانة. ومنهم من قال: يجوز أن يقال: يستجاب، فيهم أبو القاسم الحكيم وأبو نصر الدَّبُوسي؛ لقوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٧]، وهذا إجابة، وبه يُفتى. (وفي "الخلاصة" في الفصل الثالث، من كتاب الكراهية: وبقول أبي القاسم يُفتى) (٤). وفي "الخلاصة" أيضًا في الفصل الرابع من كتاب الكراهية: عزوا إلى "شرح حيل الخَصَّاف" لشمس الأئمَّة الحَلْوَاني: أنّ الشَّيخ الإمام أبا القاسم الحكيم كان ممن يأخذ جائزة السُّلطان، وكان (٥) يستقرض بجميع حوائجه، وما يأخذه من الجائزة كان يقضي دينه، والحيلة في مثل هذه المسائل (٦) أن يشتري شيئًا ثم ينقد ثمنه من أي مال أحب، قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة ﵀ عن الحيلة في مثل هذا، فأجابني بما ذكرنا.

стр. 631

[٢١٩ - الرُّسْتُغْفَني (١)] الشَّيخ الإمام الكبير، أبو الحسن علي بن سعيد الرُّسْتُغْفَني، ﵀. كان من أجلة (٢) أصحاب الماتريدي، ومن كبار مشايخ سمرقند، وله ذكر في الفقه والأصول. وله" كتاب إرشاد المهتدي"، و "كتاب الزوائد والفوائد في أنواع العلوم". وكتاب في الخلاف بينه وبين الماتريدي في مسألة المجتهد إذا أخطأ في إصابة الحق يكون مخطئًا في الاجتهاد على كل حال، وقد روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: كل مجتهد مصيب، والحق عند الله واحد، ومعناه أنه مصيب (في الطلب) (٣)، وإن أخطأ في المطلوب. ورأيت في "الخلاصة" في كتاب الطهارة قال: وفي "فوائد الرُّسْتُغْفَني": التوضؤ من الحوض أفضل من التوضؤ من النَّهر؛ لأن أهل الاعتزال لا يرون التوضؤ من الحوض جائزًا، فنحن نتوضأ رغمًا لهم، وأما الحوض الصَّغير فهو قياس الأواني والجباب لا يجوز التوضؤ فيه (٤)، ولو وقعت فيه قطرة خمر تنجس، انتهى. وهذا ما قاله حافظ الدِّين الكَرْدَري محمَّد بن محمَّد ابن البَزَّازي في فتاويه "الوجيز": التوضؤ من الحوض أفضل من التوضؤ بالجاري؛ رغمًا

стр. 632

للمعتزلة، بناء على مسألة الجزء الذي لا يتجزأ، انتهى (١). فإنّ بعض المعتزلة كالنظام لما رأى عدم تناهي الجزء الذي لا يتجزأ قال: أجزاء النجاسة الواقعة في الحوض غير متناهية كأجزاء الماء، فانقسم كل النجاسة إلى أجزاء الماء، فينجس الكل. وعلماؤنا لما رأوا (٢) تناهي الجزء الذي لا يتجزأ لزم أن يبقى بعض أجزاء الحوض طاهرًا، لكن لا يتميز الأجزاء الطاهرة من النجسة، فلضرورة عدم التمييز - وهي أنَّ الماء لا يحرز في البيوت - حكمنا بطهارة الكل، بخلاف العصير والخل فإنَّه يحرز في الأواني، وقياس الحوض الصَّغير قياس الأواني، ألا ترى أنَّ الأسواق لما لم تخل عن الحرام اعتبر الغلبة، كذلك بحكم الضرورة اعتبر عدم النجاسة. وفي كتاب أصول الدِّين من "جواهر الفتاوى" في الباب الرابع: قال الشَّيخ الإمام الرُّسْتُغْفَني لما سُئل عن الإيمان إعَطائيّ أم كسبي: لا يقال على الإطلاق: عطائي أم كسبي، لكن نقول: ما كان من الله إلى عبده وهو الهداية فهو عطائي؛ لأنَّه لم يسبق من العبد إلى الله تعالى ما يستحق به هذه النعمة، وما كان من العبد فهو كسبي؛ لأن العبد يستحق بالإيمان الثواب، ولو كان عطائيًّا على الإطلاق ما استحق الثواب؛ (لأن الإنسان لا يستحق الثواب) (٣) بفعل غيره، بل هو عطائي من جهة الهداية، كسبي من جهة العبد، وهو اعتقاده بالقلب وإقراره باللسان، وله على ذلك قدرة، وهي حقيقة الكسب. وفي "غنية الفتاوى": سئل الشَّيخ الإمام الأجَل علي بن سَعيد الرُّسْتُغْفَني عن قول بعض الناس: إنّ آدم ﵇ لما بدت منه تلك الذلة اسودَّ منه جميع بدنه، فلمَّا

стр. 633

أهبط إلى الأرض وأُمر بالصلاة والصيام فصام وصلى ابيضَّ وجهه، أيصح هذا القول؟ قال: لا يجوز في الجملة القول في الأنبياء ﵈ بشيء يؤدي إلى العيب والنقص فيهم، وقد أمرنا بحفظ اللسان عنهم؛ لأن مرتبة (١) الأنبياء ﵈ أرفع، وهم على الله تعالى أكرم من سائر الخلق، وقد قال النبي ﷺ : "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" (٢)، فلما أمرنا بأن لا نذكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بشيء يرجع ذلك إلى العيب والنقص فيهم، فَلَأن نمسك ونكف عن الأنبياء ﵈ أولى وأحق، انتهى قال مجد الدِّين محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوشَني في آخر الفصل الثالث: رأيت في غصب "فوائد الرُّسْتُغْفَني": رجل استهلك من ضيعة رجل شجرة، وهذه الشجرة لم تنقص من قيمة الضيعة شيئًا، فما يجب على المستهلك؟ قال علي بن سعيد: يجب قيمة الشجرة المقطوعة، وقال محمَّد بن الفضل: يجب قيمتها نابتة. * * * ٢٢٠ - أبو عصمة ابن أبي اللَّيث البُخاري (٣) صاحب أبي القاسم الحكيم، القاضي إسحاق بن محمَّد، ومن أقرانه. أخذ عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، (عن أبي سليمان الجُوْزجاني) (٤)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵀.

стр. 634

[٢٢١ - عبد الكريم بن موسى البَزْدَوي (١)] أبو محمَّد الفقيه، عبد الكريم بن موسى بن عيسى البَزْدَوي. وبَزْد: قلعة حصينة على ستة فراسخ من نَسف منها أبو اليسر محمَّد، وفخر الإسلام علي بن محمَّد البَزْدَوي، وهذان الإمامان الكبيران ابن ابن ابن عبد الكريم بن موسى، فالأول محمَّد بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم، والثاني علي بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم، وهو جدُّ هذين الإمامين. أخذ عن إمام الهدى أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وتفقَّه عليه وأخذ عنه وسمع إسماعيل بن عبد (٢) الصادق بن عبد الله الخطيب. مات سنة تسعين وثلاثمئة. [٢٢٢ - أبو أحمد العِياضِي (٣)] الشَّيخ الإمام أبو أحمد ابن أبي نصر العِياضِي، نصر بن أحمد بن العبَّاس. تفقَّه على والده أبي نصر أحمد بن العبَّاس، وأخذ عنه (٤)، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.

стр. 635

وكان فائق أقرانه، ووحيد زمانه، حتى برع في المذهب، ورحل إليه فقهاء البلاد في الواقعات والنَّوازل، حتى روي عن الشَّيخ الإمام أبي حفص البجلي - وكان حفيد الشَّيخ أبي حفص الكبير وصدر ما وراء النهر - أنه قال: الدليل على صحة مذهب أبي حنيفة أنَّ أبا أحمد العِياضِي كان على مذهبه، ولو لم يكن ذلك مذهبًا صحيحًا مختارًا لم يعتقده (١) أبو أحمد العِياضِي. وعن الحكيم أبي القاسم السَّمَرْقندي قال: ما خرج من خراسان وما وراء النهر منذ مئة سنة مثل الفقيه أبي أحمد العِياضِي علمًا وفقهًا ولسانًا وتدوينًا ونزاهة وتقًى (٢)، وكذا أخوه أبو بكر العِياضِي الآتي ذكره قيل له هكذا. وفي "فتاوى قاضي خان" في باب الأذان، من كتاب الصلاة: المصلي إذا نوى مقام إبراهيم ﵇ ولم ينوِ الكعبة تكلموا فيه؛ قال الفقيه أبو أحمد العِياضِي: إن لم يكن الرجل أتى (٣) مكة أجزاء؛ لأن عنده المقام والبيت واحد، وإن كان أتى مكة لا تجوز؛ لأنَّه عرف أنَّ المقام غير البيت، ولا تجوز صلاته إلا أن يريد به الجهة، فحينئذ تجوز صلاته. ولو نوى أنَّ قبلته محراب مسجده لا تجوز صلاته؛ لأن المحراب ليس بقبلة، بل هو علامة. * * *
следующие страницы →