← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

[٢١٩ - الرُّسْتُغْفَني (١)] الشَّيخ الإمام الكبير، أبو الحسن علي بن سعيد الرُّسْتُغْفَني، ﵀. كان من أجلة (٢) أصحاب الماتريدي، ومن كبار مشايخ سمرقند، وله ذكر في الفقه والأصول. وله" كتاب إرشاد المهتدي"، و "كتاب الزوائد والفوائد في أنواع العلوم". وكتاب في الخلاف بينه وبين الماتريدي في مسألة المجتهد إذا أخطأ في إصابة الحق يكون مخطئًا في الاجتهاد على كل حال، وقد روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: كل مجتهد مصيب، والحق عند الله واحد، ومعناه أنه مصيب (في الطلب) (٣)، وإن أخطأ في المطلوب. ورأيت في "الخلاصة" في كتاب الطهارة قال: وفي "فوائد الرُّسْتُغْفَني": التوضؤ من الحوض أفضل من التوضؤ من النَّهر؛ لأن أهل الاعتزال لا يرون التوضؤ من الحوض جائزًا، فنحن نتوضأ رغمًا لهم، وأما الحوض الصَّغير فهو قياس الأواني والجباب لا يجوز التوضؤ فيه (٤)، ولو وقعت فيه قطرة خمر تنجس، انتهى. وهذا ما قاله حافظ الدِّين الكَرْدَري محمَّد بن محمَّد ابن البَزَّازي في فتاويه "الوجيز": التوضؤ من الحوض أفضل من التوضؤ بالجاري؛ رغمًا

стр. 632

للمعتزلة، بناء على مسألة الجزء الذي لا يتجزأ، انتهى (١). فإنّ بعض المعتزلة كالنظام لما رأى عدم تناهي الجزء الذي لا يتجزأ قال: أجزاء النجاسة الواقعة في الحوض غير متناهية كأجزاء الماء، فانقسم كل النجاسة إلى أجزاء الماء، فينجس الكل. وعلماؤنا لما رأوا (٢) تناهي الجزء الذي لا يتجزأ لزم أن يبقى بعض أجزاء الحوض طاهرًا، لكن لا يتميز الأجزاء الطاهرة من النجسة، فلضرورة عدم التمييز - وهي أنَّ الماء لا يحرز في البيوت - حكمنا بطهارة الكل، بخلاف العصير والخل فإنَّه يحرز في الأواني، وقياس الحوض الصَّغير قياس الأواني، ألا ترى أنَّ الأسواق لما لم تخل عن الحرام اعتبر الغلبة، كذلك بحكم الضرورة اعتبر عدم النجاسة. وفي كتاب أصول الدِّين من "جواهر الفتاوى" في الباب الرابع: قال الشَّيخ الإمام الرُّسْتُغْفَني لما سُئل عن الإيمان إعَطائيّ أم كسبي: لا يقال على الإطلاق: عطائي أم كسبي، لكن نقول: ما كان من الله إلى عبده وهو الهداية فهو عطائي؛ لأنَّه لم يسبق من العبد إلى الله تعالى ما يستحق به هذه النعمة، وما كان من العبد فهو كسبي؛ لأن العبد يستحق بالإيمان الثواب، ولو كان عطائيًّا على الإطلاق ما استحق الثواب؛ (لأن الإنسان لا يستحق الثواب) (٣) بفعل غيره، بل هو عطائي من جهة الهداية، كسبي من جهة العبد، وهو اعتقاده بالقلب وإقراره باللسان، وله على ذلك قدرة، وهي حقيقة الكسب. وفي "غنية الفتاوى": سئل الشَّيخ الإمام الأجَل علي بن سَعيد الرُّسْتُغْفَني عن قول بعض الناس: إنّ آدم ﵇ لما بدت منه تلك الذلة اسودَّ منه جميع بدنه، فلمَّا

стр. 633

أهبط إلى الأرض وأُمر بالصلاة والصيام فصام وصلى ابيضَّ وجهه، أيصح هذا القول؟ قال: لا يجوز في الجملة القول في الأنبياء ﵈ بشيء يؤدي إلى العيب والنقص فيهم، وقد أمرنا بحفظ اللسان عنهم؛ لأن مرتبة (١) الأنبياء ﵈ أرفع، وهم على الله تعالى أكرم من سائر الخلق، وقد قال النبي ﷺ : "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" (٢)، فلما أمرنا بأن لا نذكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بشيء يرجع ذلك إلى العيب والنقص فيهم، فَلَأن نمسك ونكف عن الأنبياء ﵈ أولى وأحق، انتهى قال مجد الدِّين محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوشَني في آخر الفصل الثالث: رأيت في غصب "فوائد الرُّسْتُغْفَني": رجل استهلك من ضيعة رجل شجرة، وهذه الشجرة لم تنقص من قيمة الضيعة شيئًا، فما يجب على المستهلك؟ قال علي بن سعيد: يجب قيمة الشجرة المقطوعة، وقال محمَّد بن الفضل: يجب قيمتها نابتة. * * * ٢٢٠ - أبو عصمة ابن أبي اللَّيث البُخاري (٣) صاحب أبي القاسم الحكيم، القاضي إسحاق بن محمَّد، ومن أقرانه. أخذ عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، (عن أبي سليمان الجُوْزجاني) (٤)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵀.

стр. 634

[٢٢١ - عبد الكريم بن موسى البَزْدَوي (١)] أبو محمَّد الفقيه، عبد الكريم بن موسى بن عيسى البَزْدَوي. وبَزْد: قلعة حصينة على ستة فراسخ من نَسف منها أبو اليسر محمَّد، وفخر الإسلام علي بن محمَّد البَزْدَوي، وهذان الإمامان الكبيران ابن ابن ابن عبد الكريم بن موسى، فالأول محمَّد بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم، والثاني علي بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم، وهو جدُّ هذين الإمامين. أخذ عن إمام الهدى أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وتفقَّه عليه وأخذ عنه وسمع إسماعيل بن عبد (٢) الصادق بن عبد الله الخطيب. مات سنة تسعين وثلاثمئة. [٢٢٢ - أبو أحمد العِياضِي (٣)] الشَّيخ الإمام أبو أحمد ابن أبي نصر العِياضِي، نصر بن أحمد بن العبَّاس. تفقَّه على والده أبي نصر أحمد بن العبَّاس، وأخذ عنه (٤)، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.

стр. 635

وكان فائق أقرانه، ووحيد زمانه، حتى برع في المذهب، ورحل إليه فقهاء البلاد في الواقعات والنَّوازل، حتى روي عن الشَّيخ الإمام أبي حفص البجلي - وكان حفيد الشَّيخ أبي حفص الكبير وصدر ما وراء النهر - أنه قال: الدليل على صحة مذهب أبي حنيفة أنَّ أبا أحمد العِياضِي كان على مذهبه، ولو لم يكن ذلك مذهبًا صحيحًا مختارًا لم يعتقده (١) أبو أحمد العِياضِي. وعن الحكيم أبي القاسم السَّمَرْقندي قال: ما خرج من خراسان وما وراء النهر منذ مئة سنة مثل الفقيه أبي أحمد العِياضِي علمًا وفقهًا ولسانًا وتدوينًا ونزاهة وتقًى (٢)، وكذا أخوه أبو بكر العِياضِي الآتي ذكره قيل له هكذا. وفي "فتاوى قاضي خان" في باب الأذان، من كتاب الصلاة: المصلي إذا نوى مقام إبراهيم ﵇ ولم ينوِ الكعبة تكلموا فيه؛ قال الفقيه أبو أحمد العِياضِي: إن لم يكن الرجل أتى (٣) مكة أجزاء؛ لأن عنده المقام والبيت واحد، وإن كان أتى مكة لا تجوز؛ لأنَّه عرف أنَّ المقام غير البيت، ولا تجوز صلاته إلا أن يريد به الجهة، فحينئذ تجوز صلاته. ولو نوى أنَّ قبلته محراب مسجده لا تجوز صلاته؛ لأن المحراب ليس بقبلة، بل هو علامة. * * *

стр. 636

[٢٢٣ - أبو بكر العِياضِي (١)] الشَّيخ الإمام أبو بكر ابن أبي نصر العِياضي، محمَّد بن أحمد بن العبَّاس. وعن الصَّيْمَري (٢) أنه قال: وإليه انتهى علم الحساب وحل الزيج (٣) وعمل الأشكال من كتاب أقليدس مع حفظه للمذهب وعلمه بالكتاب. وكان عضد الدولة أخرجه مع جماعة من الفقهاء إلى بخارى في رسالة، فحدثني إسماعيل الزاهد قال: رأيت أبا بكر محمَّد بن الفضل وقد حمل إليه جزء فيه مشكلات الكتب، فأملى أبو بكر من ساعته، فقيل له: إنَّ الفضل من الله، وقال: ما ظننت أنّ على وجه الأرض مثلك. مات سنة إحدى وستين وثلاثمئة ذكره أبو الفضل عُمَر النَّسَفِي في "التيسير"، في تفسير (٤) قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. سئل أبو بكر العِياضِي في رباط المربع عن مسألة، فقال: لا أدري، فقال السائل: ليس هذا موضع الجهال، فقال: إنَّما علوت بقدر علمي، ولو علوت بقدر جهلي لبلغت السماء. وحكي أنَّ عالِمًا سُئل عن مسألة، فقال: لا أدري، فقال السائل: ليس هذا مكان الجهال، فقال العالم: المكان لمن يعلم شيئًا ولا يعلم شيئًا، فأما الذي يعلم كل شيء فلا مكان له.

стр. 637

وسئل أبو يوسف القاضي عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: أترتزق من بيت المال كذا ثم تقول: لا أدري! فقال: إنَّما أرتزق بقدر علمي، ولو أعطيت بقدر جهلي لم يسعني مال (كل الدنيا) (٥). وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري، فقالوا: ألا تستحي وأنت إمام العارفين! قال: إنَّ الملائكة كانوا في الحضرة وقالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾، فمن أنا؟ وقال: لا أدري نصف العلم. وفي "فتاوى قاضي خان " في باب ما يكون كفرًا من المسلم: رجلان بينهما خصومة، فقال أحدهما للآخر: بياتا بعلم (٦) رويم، فقال الآخر: من علم جه دانم، قال أبو بكر العِياضِي يكفر المجيب؛ لأنّه استخف بالعلم. * * * [٢٢٤ - أبو جعفر الهِنْدُوَاني (٧)] قدوة الكتيبتين، وأسوة، الطبقتين، الشَّيخ الإمام الفقيه البَلْخِي، أبو جعفر الهِنْدُوَاني، محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عمر. شيخ كبير، وإمام جليل القدر، من أهل بَلْخ، كان على جانب عظيم من الفقه والذكاء، والعلم والرأي والزهد والورع، يقال له: أبو حنيفة الصَّغير لفقهه. وهِنْدُوَان - بكسر الهاء وسكون النون وضم الدال وفتح الواو وبعد الألف نون -: محلة ببَلْخ.

стр. 638

وفي "حقائق المنظومة" لأبي المحامد محمود بن محمَّد الأَفْشَنجي (١): الهِنْدُوَاني بكسر الهاء حصار بَلْخ، وهذه النسبة إليه، أو إلى محلة ببَلْخ يقال له: باب الهِنْدُوَاني ينزل فيها الغلمان والجواري التي تجلب من الهند، فلعل أبا جعفر ولد هناك فنسب إليه، نقله من "الأنساب". حدث ببلخ وما وراء النهر، وأفتى بالمشكلات، وأوضح المعضلات، وكشف الغوامض. تفقَّه على أبي بكر الأعمش، وأخذ عنه، عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان، عن محمَّد، عن أبي حنيفة، وعن أبي بكر الإِسْكاف أيضًا، وعن أبي القاسم الصفار، عن نصير بن يحيى، عن محمَّد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة. وقرأ "كتاب المختلف" مؤلف الصفار عليه. وروى عنه الحاكم النَّوْقَدي محمَّد بن المنصور بن مخلص "كتاب المختلف" عن أستاذه أبي القاسم الصفار، وتفقَّه عليه إمام الهدى نصر بن محمَّد أبو الليث الفقيه السَّمَرْقندي وجماعة كثيرة. يقال: إنه أبو كمال (٢) في الفقه. عاش اثنتين وستين سنة، وتوفي ببخارى سنة اثنتين وستين وثلاثمئة. وفي "الجواهر المضية" حكاية عن الشَّيخ جمال الدِّين الحَصِيْري أنّ أبا جعفر الهِنْدُوَاني رحل من بَلْخ إلى بخارى، فاجتمعوا في بيت محمَّد بن

стр. 639

الفضل في يوم جمعة، وكان يومًا مطيرًا، فقال أبو جعفر: أنا مسافر ولا جمعة على المسافر، فقال المَيْداني: أنا أعمى ولا جمعة على الأعمى، فقال محمَّد بن الفضل البُخاري: قد ورد: "إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال"، وهذا شامل الكل، وكان غرضهم عدم التفرق، قال: فلما عاد أبو جعفر إلى بَلْخ سُئل عن أهل بخارى، فقال: رأيت فقيها ونصف فقيه، فقيل له من الفقيه؟ فقال المَيْداني، ونصف الفقيه محمَّد بن الفضل، فقيل له: ولَم؟ فقال لأن محمَّد بن الفضل لا يعرف الحسابيات، وأما الميداني فإنّه أتقن هذا الفن، فقيل إن محمَّد بن الفضل اشتغل بعد ذلك بالحسابيات حتى صار قدوة فيه. وفي "الفتاوى الظَّهِيرِيَّة" في فصل أحكام المسجد: ولا يستحب ترك المساجد في الأمطار وغيرها، قال (١) محمَّد (بن الفضل) (٢) ﵀ في "الموطأ": وإنما الحديث رخصة، وهو قول النبي ﷺ : "إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال" (٣)، والنعل: الأرض الغليظة تبرق حصاها لا تنبت شيئًا.

стр. 640

وذكر الشَّيخ الإمام يحيى بن علي الزَّنْدَوِيْستي في الباب الحادي والثلاثين (١) من "روضته": وإذا سلم الإمام لا يقوم المسبوق إلى قضائه حتى يعلم بفراغ الإمام من الصلاة بتوجه القوم أو بقيامه إلى النافلة، حتى حكي أنّ أبا جعفر الهِنْدُوَاني بعث تلميذًا إلى قرية ليجلس للعامة، فسئل متى يقوم المسبوق إلى قضائه؟ فقال إذا سلم الإمام، قيل: أخطأت، قال: إذا سلم إحدى الجانبين (٢)، قيل: أخطأت، فقال: قبل السلام، قيل: أخطأت، فنزل من سريره، ورجع إلى أبي جعفر، فجعل يعاتبه لِمَ لَمْ تعلمني هذه المسألة، قال أبو جعفر: علمتك حيث قلت: إذا علمت بفراغ الإمام من الصلاة، غير أنك لم تشعر به. * * * [٢٢٥ - أبو بكر الجصَّاص الرَّازي (٣)] الشَّيخ الإمام أبو بكر الرَّازي، المعروف بالجصَّاص، أحمد بن علي. مشاهير كتب أصحابنا الحنفيَّة مشحونة بذكره ورواياته ومسائل مصنَّفاته. تارة يذكر (بلفظ: الجصَّاص، وتارة) (٤) بلفظ: الرَّازي الجصَّاص، وتارة بلفظ: أبي (٥) بكر الرَّازي بلا ذكر الجصَّاص، وأما ما وقع في بعض الكتب: "وهو قول أبي بكر

стр. 641

الرَّازي والجصَّاص" بالواو، فقد قيل: سهو من قلم الناسخ، والصواب أنهما واحد. وكان إمام أصحاب أبي حنيفة في عصره، وكان مشهورًا بالزُّهد. أخذ عن أبي سهل الزجاجي، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن موسى بن نصر الرَّازي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وتفقَّه على أبي الحسن الكَرْخي، وبه انتفع وعليه تخرج، واستقر التدريس ببغداد لأبي بكر الرَّازي، وانتهت الرحلة إليه، وكان على طريقة من تقدمه في الزهد والورع والصيانة. دخل بغداد سنة خمس وعشرين وثلاثمئة، ودرس على الكَرْخي، ثم خرج إلى نيسابور، ثم عاد إلى بغداد سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، وانتهت إليه رئاسة الحنفيَّة، وسئل القضاء فامتنع، وكان على طريق الكَرْخي في الزهد والورع. تفقَّه عليه أبو بكر أحمد بن موسى بن محمَّد الخُوَارِزْمِي، وأبو عبد الله محمَّد بن يحيى الجُرْجَاني، وأبو الحسن محمَّد بن أحمد الزَّعْفَراني، وأبو الحسين محمَّد بن أحمد بن الطيب الكَمَاري، وأبو جعفر النَّسَفِي محمَّد بن أحمد بن محمود. وله تصانيف، منها "أحكام القرآن" و"شرح مختصر الكَرْخي"، و"شرح مختصر الطحاوي"، و"شرح الجامع لمحمَّد بن الحسن"، وكتاب في أصول الفقه، و"شرح الأسماء الحسنى"، وكتاب أجوبة المسائل التي وردت عليه، وله "آدب القضاء". مات ﵀ سابع ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمئة وهو ابن خمس وستين سنة. وكان مولده ببغداد سنة خمس وثلاثمئة، وصلَّى عليه صاحبه أبو بكر الخُوَارِزْمي، كذا في "الجواهر المضية".

стр. 642

وفي "المحيط" للسَّرخسي في كتاب الزكاة: ذكر في "المنتقى": أنه إذا لم يزك حتى حال عليه حولان فقد أساء وأثم، وعن محمَّد إن (١) لم يؤد الزكاة لا تقبل شهادته، وإن التأخير لا يجوز؛ لأنها وجبت لدفع حاجة الفقراء لسد (٢) خلتهم وردّ جوعتهم، وحاجة الفقير متعجلة، وجوعته للحال متحققة، فيكون الوجوب متنجزًا، وذكر ابن شجاع من أصحابنا أنها (٣) على التراخي، وهكذا قال أبو بكر الجصَّاص؛ لأن النصوص وردت مطلقة، والمصالح في الوجوب مختلفة، منها قد يكون على الفور، ومنها قد يكون على التراخي، فلا يجوز حمل النصوص المطلقة على الفور بدلالة محتملة كنص القضاء والكفارة، فصار جميع العمر وقتًا لأدائها، ولهذا لو ملك المال بعد التفريط في الأداء لا يجب عليه الضمان. وفي "الحاوي الزاهدي" (٤) و" قنية الفتاوى" أيضًا في باب خيار المغبون نقلًا عن "المحيط": ومن اشترى شيئًا وغبن فيه غبنًا فاحشًا فله أن يرده على البائع بحكم الغبن، وأشار فيه إلى نجم الدِّين عمر النَّسَفِي، بأنه حكى عن أستاذه أنّ في المسألة روايتين، وكان يفتي بالرد رفقًا بالناس، ثم أشار إلى أبي بكر خواهَرْ زَادَه، وقال: وقع البيع بغبن فاحش؛ ذكر الجصَّاص وهو أبو بكر الرَّازي في "واقعاته": أن للمشتري أن يرد وللبائع أن يسترد، وهو اختيار أبي بكر الزَّرَنْجري والقاضي الجلالي. ثم أشار إلى برهان الدِّين صاحب "المحيط"، وقال (أكثر روايات) (٥) كتاب (٦)

стр. 643

المضاربة أن يرد بغبن فاحش، وبه يفتى، ثم (١) أشار إلى قاضي خان، وقال: ليس له الرد والاسترداد، وهو جواب ظاهر الرواية، ثم أشار إلى قاضي بديع، وقال: وبه يفتى، ثم نقل عن نجم الدِّين وقال: إن غر المشتري البائع فله أن يسترد بيعه، وكذا إن غر البائع المشتري فله أن يرد. ثم نقل من "المحيط" و"برهان المحيط" وقال: قال البائع للمشتري: قيمته كذا فاشتراه، ثم ظهر أنها أقل فله الرد، وإن لم يقل ذلك فلا، وبه أفتى صدر الإسلام والزَّرَنْجري والرِّيْغْذَمُوني، ولو لم يغره البائع لكن غره الدلال فله الرد. وسمع الجصَّاص الحديث، وروى عن عبد الباقي بن قانع. * * * المتفرقات [٢٢٦ - محمَّد بن إبراهيم المَيْداني (٢)] الشَّيخ الإمام محمَّد بن إبراهيم الضرير المَيْداني نسبة إلى مَيدان - وقد تكسر ميمه - معروف، ومحلة بنَيْسابور، منها أبو الفضل محمَّد بن أحمد، ومحلة بأصفهان، منها أبو الفضل المطهَّر بن أحمد، ومحلة ببغداد، منها عبد الرَّحمن بن جامع (٣) وصدقة بن أبي الحسين وجماعة، ومحلة بخُوارزم، وشارع الميدان محلة ببغداد خربت، ذكره في "القاموس".

стр. 644

ووقع في بعض المواضع أحمد بن إبراهيم المَيْداني، والأصح محمَّد بن إبراهيم. شيخ كبير عارف بالمذهب، قلَّ ما يوجد مثله في الأعصار والأمصار. قال المولى العلامة ابن كمال باشا في "إيضاح الإصلاح" في باب الحيض: لا حد لأكثر الطهر إلا إذا استمر بها الدم فاحتيج إلى نَصْب (١) العادة، فيقدَّر طهرُها عند عامة المشايخ، ثم اختلفوا في مقداره؛ فقال محمَّد بن إبراهيم المَيْداني: يقدر بستة أشهر إلا ساعة؛ لأن الطهر بين الدمين أقل من مدة الحمل عادة، فنقصنا من ذلك ساعة. وله تصانيف، منها "نظم الفقه" (٢). وله مناظرات مع الشَّيخ الإمام أبي أحمد العِياضِي المتقدم ذكره في هذه الكتيبة، وهي حكاية مشهورة مزبورة في كتب الفتاوى، والفضولي في موضع ذكر مسألة؛ رجل قال: إن تزوجت امرأة فهي طالق ثلاثًا، فالحيلة في ذلك أن يعقد فضولي عقد النكاح (٣) بينهما، فيجيز بالفعل لا يحنث، ولو أجاز بالقول يحنث، والاعتماد على هذا. وفي فتاوى القاضي ظهير الدِّين محمَّد بن أحمد بن عُمَر البُخاري في ذيل هذه المسألة: يحكى أنَّ أئمة أَسْرُوْشَنة كتبوا إلى أئمة سمرقند وبخارى، وسألوا عن هذه المسألة، (وقالوا: إنَّ علماء عصرنا كانوا يختلفون في هذه المسألة) (٤)؛ فمنهم من يقول (٥): يحنث بالقول ولا يحنث بالفعل، ومنهم من يقول: لا يحنث بهما جميعًا، فاتفقوا على شيء نجري عليه ولا نختلف.

стр. 645

وكان ذلك في زمن الشَّيخ الإمام أبي أحمد العِياضِي بسمرقند، والشَّيخ الإمام محمَّد بن إبراهيم الضرير المَيْداني ببخارى، وكانت الحضرة ببخاري، وقعت (١) حادثة اقتضت خروج أئمة سمرقند إلى بخارى، فذكر الشَّيخ الإمام أبو أحمد العِياضِي ذلك لأئمة بخارى، فاجتمعوا وتكلموا في هذه المسألة، وجرى الكلام (٢) فيها باتفاق الكلِّ بين العِياضِي والمَيْداني، وطال الكلام بينهما، والله من أول النهار إلى بعد (٣) العصر، فلم (٤) يتفقوا على شيء، ولم يترجح كلام أحدهما على كلامه (٥) الآخر، وكان كلما اتضح كلام أحدهما من جانب اعترض الآخر بما يقوي كلامه، فانصرفوا غير متفقين على شيء، ثم عادوا إلى ذلك في الغد، وتكلموا إلى آخر النهار في ذلك حتى اتفقوا على أنه لا يحنث بالفعل ويحنث بالقول، وكتبوا على ذلك فتوى ليكتبوا جوابه. وكان الشَّيخ الإمام أبو حامد العِياضِي يقول للشيخ محمَّد بن إبراهيم: ابدأ أنت بكتابة جوابه حتى أكتب أنا بعدك، وكان الآخر يقول مثل ذلك، وطالت المنازعة بينهما على وجه التبجيل والاحترام، فلم يكتب واحد منهما تقديمًا لصاحبه، وافترقوا على ذلك مع اتفاقهما على الجواب أنه لا يحنث بالفعل ويحنث بالقول، واستفاض هذا القول بينهم واشتهر. قال الشَّيخ الإمام نجم الدِّين النَّسفي، وكذلك الحيلة في حقِّ من حلف: كل

стр. 646

امرأة تدخل في نكاحي فهي طالق ثلاثًا، أنَّ الفضولي يزوجه امرأة ثم هو يجيز بالفعل، فلا يحنث وإن دخلت في نكاحه؛ لأن دخولها في نكاحه لا يكون إلا بالتزوج، فيكون ذكر الحكم ذكر سببه المختص به، فيصير في التقدير كأنه قال: إن تزوجتها، وبتزويج الفضولي لا يصير متزوجًا كما بينا. بخلاف ما لو قال: كل عبد دخل في (١) ملكي؛ فإنَّه يحنث بعقد الفضولي هاهنا؛ لأن ملك اليمين لا يختص بالشراء بل له أسباب سواه، وقال شمس الأئمة السَّرَخْسي والشَّيخ الإمام البَزْدَوي رحمهما الله: يحنث في هذه الصورة، إلى هنا من "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة". وفي الفصل الثامن عشر، من فصول مجد الدِّين محمَّد الأُسْتُرُوْشَني: ذكر نجم الدِّين النَّسَفِي في "الفتاوى" (٢): المختار في نكاح الفضولي وفي الطلاق المضاف أنه إذا أجاز الحالف في الفعل لا يحنث، وبالقول يحنث، حتى لو قال: إن تزوجت امرأة فهي طالق ثلاثًا، فالحيلة في ذلك أن يعقد فضولي عقد النكاح بينهما فيجيز بالفعل لا يحنث، ولو أجاز بالقول يحنث، والاعتماد على هذا. وهو اختيار الشَّيخ الإمام أبي أحمد العِياضِي بسمرقند والشَّيخ الإمام محمَّد ابن إبراهيم الضرير المَيْداني ببخارى، وهكذا أجابا فتوى (٣) أئمة أَسْرُوْشَنة فيما كتبوا إليهما وهو معروف. وكذا الحيلة في حقِّ من قال: كل امرأة تدخل في نكاحي فهي طالق ثلاثًا، أنَّ الفضولي يزوِّجه امرأة ثم يجيز هو بالفعل ولا يحنث وإن دخلت في نكاحه؛ لأن

стр. 647

دخولها في نكاحه لا يكون إلا بالتزوج، فيكون ذكر الحكم ذكر سببه المختص به، فيصير التقدير كأنه قال: إن تزوجتها، وبتزويج الفضولي لا يصير متزوجًا، بخلاف ما لو قال: كل عبد دخل في ملكي، فإنّه يحنث بعقد الفضولي؛ لأن ملك اليمين لا يختص بالشراء، بل له أسباب سواه، وقال شمس الأئمة السَّرَخْسي والشَّيخ الإمام البَزْدَوي يحنث بنكاح الفضولي في هذه الصورة، كذا ذكر في "المحيط". وفي "فتاوى ظهير الدِّين البُخاري" في فصل ما يتوضأ من كتاب الطهارة: الماء إذا كان له طول وليس له عرض إن كان الماء بحال لو جمع يصير عشرًا في عشر وصار عمقه بقدر شبر جاز التوضؤ فيه، وهو قول محمَّد بن إبراهيم المَيْداني، وبه أخذ الزَّنْدَوِيْستي، وقال أبو بكر ابن طرخان: لا يجوز وإن كان طوله من بخارى إلى سمرقند، فقيل له: كيف الحيلة فيه؟ قال: تحفر حفيرة، ثم تحفر نهيرة إلى الحفيرة (١) حتى يسيل الماء، ثم يتوضأ فيما بين ذلك، وكان أبو نصر يتوضأ بأنهار المدينة، وكان يحرِّك بيديه، ويقول (٢): لا فرق بين إجراء شيء وجريانه بنفسه. ذكر الإمام السِّغْنَاقِي في "النهاية شرح الهداية": سئل الإمام الفقيه أحمد بن إبراهيم المَيْداني، عن الماء الذي يتغيَّر لونه لكثرة الأوراق الواقعة فيه، حتى يظهر لون الأوراق في الكفِّ إذا وضع الماء فيه، هل يجوز التوضؤ به؟ قال: لا، ولكن يجوز شربه وغسل الأشياء به، أما جواز شربه وغسل الأشياء به فلأنه طاهر، وأما عدم جواز التوضؤ به فلأنه لما غلب عليه لون الأوراق صار الماء مقيدًا كماء الباقلاء، انتهى. ذكر الشَّيخ طاهر الشَّهير بسعد نمدبوش في "جواهر الفقه"، عازيًا إلى أستاذه السيِّد جلال الدِّين الكَرْماني "شارح الهداية"، وهو ناقل عن صاحب "الهداية": أنه

стр. 648

تجوز (١) الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه، كماء المَدِّ، والماء الذي اختلط به الزعفران أو الصابون أو الأشنان. ثم ذكر نقلًا عن "النهاية": إذا غير الاثنين أو الثلاثة من الأوصاف لا يجوز التوضؤ به، وإن كان المغير شيئًا طاهرًا، لكن المنقول عن الأساتذة: أنه يجوز حتى إنَّ أوراق الأشجار وقت (٢) الخريف تقع في الحياض فتغير ماؤها من حيث اللون والطعم والرائحة، ثم إنهم يتوضؤون منها من غير نكير. ولكن في أول "تتمة الفتاوى" ما يوافق المذكور في "كتاب الهداية"، فإنَّه قال: سئل الإمام أحمد بن إبراهيم المَيْداني عن الماء الذي يتغير لونه بكثرة الأوراق الواقعة فيه حتى يظهر لون الأوراق في الكفِّ إذا وقع الماء فيه هل يجوز التوضؤ به؟ قال: لا، ولكن يجوز شربه، وغسل الأشياء به، أما جواز شربه وغسل الأشياء به فلأنه طاهر، وأما عدم جواز التوضؤ به فلأنه لما غلب عليه لون الأوراق صار ماءً مقيدًا كماء الباقلاء. قلت -يعني صاحب النهاية-: لما تغير لون الماء هاهنا بوقوع الأوراق الكثيرة لا بد أن يتغير طعمه أيضًا، فحينئذ كان الوصفان من الماء زائلين، فصار موافقًا لما أشار إليه في "الهداية"، ولا يلزم المخالفة بينهما وبين رواية "الظَّهِيْرِيَّة"، ورواية قاضي خان يفيد (٣) هذا، انتهى ما في "جواهر الفقيه". * * *

стр. 649

[٢٢٧ - أبو بكر محمَّد بن اليمان السَّمَرْقندي (١)] الشَّيخ الإمام محمَّد بن اليمان، أبو بكر السَّمَرْقندي. إمام كبير قدوة من طبقة الماتريدي. له "كتاب معالم الدين"، و"كتاب الاعتصام" و"كتاب الرد على الكرامية". * * * [٢٢٨ - أبو نصر محمَّد بن محمَّد النَّيْسَابُوري (٢)] الشَّيخ الإمام قاضي القضاة، أبو نصر (٣) محمَّد بن محمَّد بن سهل بن إبراهيم بن سهل النَّيْسَابُوري. كان إمام أصحاب أبي حنيفة في عصره بخراسان، وأحسنهم سيرة. أخذ عن أبيه، وكان يدرس الفقه، ويفتي بنيسابور. وكان أبو عبد الله، محمَّد بن سهل، المعروف بالتاجر، من أئمة المسلمين من أصحاب الحنفيَّة الملازمين لمجالس أبي العبَّاس، أحمد بن هارون الفقيه الحنفي الحاكم المزني المعروف بالتيَّان، ملازم شيخ أصحاب الحنفيَّة ومفتيهم أبي القاسم عبد الرَّحمن بن رجاء البُزْدِيْغَري، صاحب أيوب بن الحسن الفقيه الزاهد أبي الحسن النَّيْسَابُوري، من تلامذة الإمام محمَّد بن الحسن الشَّيباني صاحب أبي حنيفة.

стр. 650

مات أيوب بن الحسن سنة إحدى وخمسين ومئتين، ومات عبد الرَّحمن بن رجاء البُزْدِيْغَري النَّيْسَابُوري سنة تسع وتسعين ومائتين، ومات أحمد بن هارون التَّيَّان سنة تسع وأربعين وثلاثمئة، تيَّان نسبة إلى بيع التِّين، وكان يسكن بنيسابور ويبيع التِّين، ويلازم أبا القاسم عبد الرَّحمن البُزْدِيْغَري، ومات التاجر أبو عبد الله محمَّد بن سهل (سنة ستين وثلاثمئة، (١) ومات أبو نصر محمَّد بن محمَّد بن سهل) (٢) سنة ثمان وثمانين وثلاثمئة، وكان يفتي بنيسابور في شبيبته (٣) إلى حين وفاته، ولم يزل ينسب إلى الزهد والورع، وعقد له قاضي الحرمين مجلس التدريس في سنة خمس وأربعين وثلاثمئة، واستمر على التدريس ثلاثًا وأربعين سنة إلى أن مات ﵀ بنَيْسابور. ودرس عليه (٤) الفقه وأخذ عنه عماد الإسلام أبو العلاء صاعد بن محمَّد الأُسْتَوَائي (٥)، والقاضي الإمام أبو عبد الله الحسين بن علي الصَّيْمَري (٦). وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الثالث من كتاب الطلاق: فلو قال لامرأته: بهشتمت، أو قال: بله كردمت، أو قال ياكشاده كردمت، أو قال: دست باز داشتمت؛ تكلم المشايخ في الوجه الأول، قال المَيْداني: هو بمنزلة قوله: طلقت، وقال أبو نصر محمَّد بن سهل: هو بمنزلة قوله: خليتك حتى لا يقع بدون النية، فالوجه الثاني بمنزلة

стр. 651

الأول، والوجه الثالث بمنزلة قوله: طلقت بالإجماع، وفي الرابع اختلاف بين ذلك الشيخين (على العكس) (١). * * * [٢٢٩ - محمَّد بن حامد النَّيْسَابُوري (٢)] محمَّد بن حامد بن محمود بن معقل النَّيْسَابُوري. أخذ من أبيه حامد تقدم، قيل: إنه من أقران أبي بكر محمَّد بن الفضل. كان يقول: إذا اقتدى الأمِّي بالقارئ، فيسمع منه آية في الصلاة فتعلَّم تفسد صلاته. مات سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة، كذا في الجواهر "المضية". * * * [٢٣٠ - أبو عبد الله الزَّعْفَراني (٣)] أبو عبد الله الفقيه الحسن بن أحمد بن مالك الزَّعْفَراني. كان شيخًا إمامًا في الفقه ثقة. رتب "الجامع الصغير" الذي صنَّفه الإمام محمَّد بن الحسن الشَّيباني ترتيبًا حسنًا، وميَّز خواص مسائل محمَّد عما رواه عن أبي يوسف، وجمعها على أحسن ترتيب وألطف نظام، وجعله مبوَّبًا، ولم يكن "الجامع الصغير" قبل مبوبًا بترتيب المسائل.

стр. 652

قال الشَّيخ الإمام القاضي فخر الدِّين قاضي خان في أول شرحه لهذا "الجامع الصغير": اختلفوا في تصنيف هذا الكتاب، قال بعضهم: هو من تصنيف أبي يوسف ومحمد، وقال بعضهم: هو من تصنيف محمد، فإنّه حين فرغ من تصنيف "المبسوط" أمره أبو يوسف أن يصنِّف كتابًا ويروي عنه، فصنف هذا الكتاب، وعرضه على أبي يوسف، فقال أبو يوسف: نِعْمَ ما حفظ عني أبو عبد الله، إلا أنه أخطأ في ثلاث مسائل، فقال: ما أخطأت ولكنك نسيت الرواية. ومصنف هذا الكتاب لم يرتب مسائله، وإنما رتَّبه الفقيه أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزَّعْفَراني على هذا الترتيب؛ ترغيبًا للمفتيين وتيسيرًا للطالبين، وهذا الكتاب أصل جليل في الفقه، يشتمل على أمَّات مسائل أصحابنا، حتى كان علي الرَّازي يقول: من حفظ مسائل هذا الكتاب فهو من أحفظ أصحابنا، ومن فهمه فهو من أفهم أصحابنا، انتهى. وله "كتاب الأضاحي"، رأيت في "كتاب الأضاحي" لأبي عبد الله محمَّد الوَبَري المعروف بالحُمَير الخُوَارِزْمِي: وعلى الذَّابح أن يقطع العروق الأربعة: الوَدَجَيْن والمريء والحُلْقوم، ولو قطع واحدًا منها لا تؤكل (١) بالاتفاق، وإن قطع اثنين فالظاهر من المذهب أنها لا تحل، وهكذا ذكر أبو عبد الله الزَّعْفَراني عن أبي حنيفة ومحمد، فإنّه قال في "الأضاحي": إذا ترك عرقين أو ثلاثة لم يقطع ذلك أصلًا، تصير ميتة في مذهب أبي حنيفة. وفي كتاب الأضحية في "الخلاصة": ولو كان له عقار اختلف المتأخرون؛ في "أضاحي الزَّعْفَراني" يعتبر قيمته لا دخله، حتى لو كانت قيمته مئتي درهم فعليه

стр. 653

الأضحية، وقال أبو علي الدَّقَّاق: يُعتبر دخله لا قيمته، تفسيره إن كان يدخل من ذلك بقوت سنته فعليه الأضحية والفطر (١). * * * [٢٣١ - أبو بكر الوَرَّاق (٢)] الشَّيخ الإمام الزاهد العارف بالله أبو بكر الوَرَّاق أحمد بن علي التِّرمذي (٣). له "شرح مختصر الطحاوي". وفي "فتاوى قاضي خان" في فصل الاعتكاف: قال بعض الناس: ليلة القدر أول ليلة من رمضان، وقال الحسن: ليلة سبع عشرة، وقيل: هي ليلة تسع عشرة، وقال زيد بن ثابت: ليلة أربع وعشرين، وقال عِكْرِمة: ليلة خمس وعشرين، وأكثر الأقاويل على أنها ليلة سبع وعشرين، حكي عن أبي بكر الوَرَّاق أنه قال: إنَّ الله تعالى قسم كلمات هذه السورة على ليالي شهر رمضان، فلما انتهى إلى السابع والعشرين أشار إليها، فقال: ﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]. وفي "الحاوي الزاهدي (٤) " من كتاب الحج: عن أبي بكر الوَرَّاق أنه خرج حاجًّا إلى بيت الله تعالى، فلما سار (٥) مرحلة قال لأصحابه: رُدُّوني

стр. 654

ارتكبت سبعمئة كبيرة في مرحلة واحدة، فرَدُّوه (١). وعن أبي سليمان الدَّاراني (٢) أنه قال: حججت أربعين حجة، وما أدري أني قضيت فريضة الله عن نفسي. ورأيت في "مجاميع ابن حِجَّة الحَمَوي الحنفي": حكي أنَّ أبا بكر الوَرَّاق جلس يومًا في داره، وأغلق الباب عليه، وأخذ يبكي، ثم فتح الباب من ساعته، وأقبل يضحك، فقيل له: ما هذا الفعل المتناقض، تبكي ثم تضحك؟ فقال: خطر ببالي كيف نهاية أمري وكيف عاقبته، فجلست أبكي، ثم أحسست جوابًا يُضحك منه، قيل: ما هو؟ قال: قالت لي: إن كنت ما تدري عاقبة أمرك فقس آخره على أوله، رزقك الله الإيمان ابتداءً بلا سؤال، والتوحيد بلا شفيع، والقرآن بلا تضرع، فمن أحسن في الابتداء إلا يحسن في الانتهاء (٣)، بل يحسن بأضعاف ما ترجوه بفضله وجوده وكرمه. * * * [٢٣٢ - أبو حفص السَّفْكَرْدَرِي (٤)] الشَّيخ الإمام أبو حَفص السَّفْكَرْدَرِي. كان شيخًا كبيرًا (٥)، زاهدًا متورعًا معتمدًا.

стр. 655

سمع منه الشَّيخ الإمام يحيى بن علي الزَّنْدَوِيْستي. قال الزَّنْدَوِيْستي في الباب الثامن والثلاثين من "روضته": سمعت الفقيه أبا حَفْص السَّفْكَرْدَرِي يحكي في عامته عن ثابت البُنَاني، قال: كانت له ابنة وكان ثابت ينفق عليها، فقالت له يومًا: اتقِ الله يا أبتِ! انظر حتى لا تنفق علىَّ من حرام أو شبهة، وكان ثابت يومئذ شابًّا لا يبالي (١) من أين ينفق، فقال لها: يا ابنتاه، إذا لم نجد الحلال فمن أين أنفق عليك؟ فقالت: يا أبت، الصبر من الجوع خير من الصبر في النار، فأثَّر عليه قولها، فتاب ثابت، وبلغ حاله إلى ما بلغ من الزهد والورع، فورع الصغيرة أفاد الغير، فكيف أن لا يفيد صاحبه. وفي "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في باب الوقف بعلامة النون: ولو رفع إنسان من حشيش المسجد فجعله قطعًا قطعًا، قالوا (٢): عليه الضمان؛ لأن له قيمة، حتى حكي أنّ الشَّيخ أبا حفص السَّفْكَرْدَرِي أوصى في آخر عمره خمسين درهمًا لحشيش مسجده. وفي "الفتاوى التَّاتارخانيَّة" في الفصل الثلاثين من كتاب الإجارة، في الإجارة الطويلة الموسومة ببخارى نقلًا عن "المحيط": قال محمَّد ﵀ في كتاب الشروط: في رجلين آجرا من رجل دارًا عشر سنين، فخاف المستأجر أن يخرجاه منها، فأراد أن يستوثق من ذلك، فالحيلة أن يستأجر كل شهر من الشهور بدرهم، والشهر الأخير ببقية (٣) الأجر، فإنَّ معظم الأجر إذا كان للشهر الآخر فيها لا يخرجانه من الدار.

стр. 656

وعن هذه المسألة استخرجوا الإجارة الطويلة الموسومة ببخارى، وجعلوا أجر السنين المتقدمة شيئًا فشيئًا، وجعلوا معظم الأجر للسنة الأخيرة. وحكي أنّ في الابتداء كانوا يكتبون بيع المعاملة، فلما كان في زمن الفقيه محمَّد بن إبراهيم المَيْداني كره ذلك لمكان شبهة الربا، وأحدث هذا النوع من هذه الإجارة ليصل الناس إلى الاسترباح (١) بأموالهم، فيحصل لهم منفعة الدار والأرض مع الأمن عن ذهاب شيء مقصود من المال، فجعل المال بمقابلة السنين المتقدمة شيئًا قليلًا من الأجر (٢)، وجعل بقية المال بمقابلة السنة الأخيرة، واستثنى ثلاثة أيام من آخر كل سنة، وشرط الخيار لكل واحد منهما في هذه الأيام الثلاثة. وقد أخبرني من أثق به أني وجدت الإجارة الطويلة الموسومة في فتاوى قديمة مروية عن محمَّد، برواية الشَّيخ الإمام أبي حفص الكبير، وإنما شرطا الخيار لكل واحد منهما ليتمكن كل واحد منهما من الفسخ، فيصل إلى أصل ماله بواسطة الفسخ، وإنما استثنى ثلاثة أيام من آخر كل سنة حتى يشترط الخيار في هذه الأيام المستثناة، فيكون شرط الخيار في غير الأيام الداخلة في العقد، ولو كان شرط الخيار في الأيام الداخلة يزيد (٣) الخيار على ثلاثة أيام في العقد، وإنه يفسد العقد عند أبي حنيفة ﵀. وكان الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل البُخاري يفتي بجواز هذه الإجارة، وكذا من بعده من أئمة بخارى إلى يومنا هذا، وكان الزُّهاد من مشايخنا كالشَّيخ الإمام أبي بكر ابن حامد والشَّيخ أبي حفص السَّفْكَرْدَرِي وأمثالهما ﵏ لا يفتون بجواز هذه الإجارة.

стр. 657

وفي "البَزَّازية" في كتاب النكاح: المناكحة بين أهل السنة والاعتزال لا تصح، وكذلك بين من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقال الإمام السَّفْكَرْدَرِي: لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته لشافعي المذهب، ولكن يتزوج منهم، وسمعت عن بعض أئمة خُوَارِزْم: أنه يتزوج من المعتزلة ولا يزوج منهم، كما يتزوج (١) من الكتابي ولا يزوج منهم، ولعله أخذ هذا التفصيل من كلام أبي حفص السَّفْكَرْدَرِي، إلى هنا من كلام حافظ الدِّين ابن البَزَّازي، وقد ذكرنا هذه المسألة في ذكر الشَّيخ أبي بكر محمَّد بن الفضل. * * * قلب الكتيبة الخامسة [٢٣٣ - أبو علي الكاتب (٢)] الشَّيخ الكامل، أبو علي الكاتب المصري، قدس الله تعالى سره. أخذ التلقين وعلم التصوف وآداب الطريقة عن أبي علي الرُّوذْبَاري، عن الجنيد البغدادي، عن سَري السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطَّائي، عن حبيب العَجَمِي، عن حسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵁. كان صاحب الكرامات. وأخذ منه الشَّيخ أبو عُثمان المغربي سعيد بن سلام. سُئِل: أي الشيئين أحب إليك؛ الفقر أو الغنى؟ فأنشد:

стр. 658

ولسْتُ بنظَّار إلى جانِب الغِنى … إذا كانَتِ العُلياءُ (١) في جانب الفقر وإني لصبَّار على ما ينوبني … وحسبك أنَّ الله أثنى على الصَّبر * * * [٢٣٤ - إبراهيم بن محمَّد النَّصْرآباذي (٢)] والشَّيخ الكامل إبراهيم بن محمَّد بن محمويه أبو القاسم النَّصْرآباذي قدس الله سره كان صاحب الأحوال الفاخرة، والكرامات الباهرة، وكان أهل إشارات وحقائق لسان التصوف في عصره، وكان جامع العلوم. صحب أكابر المشايخ مثل المُرْتَعِش، وأبي علي الرُّوْذْبَاري، والواسطي، وأبي بكر الظَّاهري، وأخذ التَّلقين والنِّسبة وآداب التَّصوف عن أبي بكر الشِّبْلي، عن الجنيد، عن سَري السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطَّائي، عن حبيب العَجَمِي (٣)، عن الحسن البصري (٤)، عن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه. مات بمكة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمئة. وأخذ عنه الشَّيخ أبو عبد الرَّحمن السُّلمي (وأبو علي الدَّقَّاق) (٥).

стр. 659

ومن مقالاته الشريفة: إذا بدالك شيء من بوادي الحقِّ فلا تلتفت بها إلى الجنة ولا إلى النار (١)، ولا تخطر (٢) ببالك، وإذا رجعت عن ذلك الحال فعظِّم ما عظم الله تعالى. ومن مقالاته أيضًا: الراغب في العطاء لا مقدار له، والراغب في المعطي عزيز. * * * [٢٣٥ - أبو عبد الله ابن خفيف (٣)] شيخ المشايخ، ذو القدم، الرَّاسخ، الشَّيخ أبو عبد الله محمَّد بن خَفِيْف إسفكشار (الضبي الشِّيْرَازِي) (٤). هو السيِّد الذي ترجى بركاته، ويستمطر الغيث بدعواته، ويرجع المُصِرُّ (٥) عن عثراته بكلماته. صحب المشايخ الكبار، مثل العبَّاس بن عطاء والكتَّاني، ويوسف الرَّازي، أخذ عن رويم وأبي طالب خزرج، وهما عن الجنيد، عن السَّري، عن معروف، عن الطَّائي، عن الحبيب العَجَمِي (٦)، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب ﵃. وأخذ عنه الشَّيخ أبو علي حسين بن محمَّد الأكَّار.

стр. 660

وكان من أعلم المشايخ بعلوم الظاهر، وله التمسك العظيم بالكتاب والسنة، وكان شافعي المذهب، ذكره تقي الدِّين السُّبْكي في "طبقات الشَّافعية" (١). ونقل عن الحافظ أبي نعيم: كان شيخ الوقت حالًا وعلمًا، بلغ ما لم يبلغه أحد من الخلق في العلم والجاه عند الخاص والعام، وصنَّف من الكتب ما لم يصنفه أحد، وعمر حتى عم نفعه، سافر مشرقًا ومغربًا، وصحب كبارًا من أصحاب (٢) أحوال الأقوال، ولقي الشيوخ والنساك والسادة والسلاك. روي عن أبي عبد الله بن (٣) خفيف أنه قال: سألنا يومًا القاضي أبو العبَّاس ابن شريح: وكنا نحضر مجلسه لدرس الفقه، فقال: محبَّة الله فرض أو غير فرض؟ قلنا: فرض، قال: ما الدلالة على ذلك؟ فقرأت قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]، فتوعدهم الله تعالى على تفضيل محبتهم لغيره على محبَّته ومحبَّة رسوله، والتَّوعد لا يقع إلا عن فرض، قلْتُ: ومثل هذا الدَّليل في الدلالة على محبة النَّبي ﷺ قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله وولده والناس أجمعين" (٤). وكان أبو عبد الله ابن خفيف يحكي: أنَّ شيخي أبا طالب خزرج مرض بعلَّة البطن، فامتد أسبوعين، وكان يختلف في ليلة إلى المتوضأ سبع عشرة مرة وأكثر،

стр. 661

وكنت أقيم في خدمته، ما يختلف إلا وأحضر ما يحتاج إليه، فاتفق في ليلة أخذني النوم، فناداني مرة، فما سمعته، فناداني ثانيًا، فتنبَّهت، فاستعجلت بإحضار ما يحتاج إليه، فقال لي (١): يا بني، أنت ما تحسن في خدمة (٢) المخلوق، فكيف تقدر على خدمة الخالق؟ والشَّيخ أبو طالب خزرج من أصحاب الجُنيد. مات (٣) محمَّد بن خفيف سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة. سئل (٤): ما التصوف؟ قال: وجود الله في حين (٥) الغفلة. * * * [٢٣٦ - أبو سهل الصُّعْلُوكي (٦)] الشَّيخ أبو سهل الصُّعْلُوكي محمَّد بن سليمان. كان إمام وقته في علوم الشَّريعة، وواحد زمانه، وإمام الدنيا في التفسير والأدب واللغة والنحو والشعر والعروض والكلام والتصوف. ذكره تقي الدِّين السُّبْكي في "طبقات (٧) الشَّافعية": من أجلة أئمة الشَّافعية، قال:

стр. 662

أجمع أهل زمانه على أنه البحر، لا ترى الأعين مثله، ولا قرع (١) الأسماع نظيره، ضربت الأمثال باسمه، وأعجلت العجلات في الرحلة إلى علمه. ولد سنة ست وسبعين ومئتين، ناظر في مجلس أبي الفضل البلغمي الوزير سنة تسع عشرة وثلاثمئة، وتقدم في المجلس إذ ذاك، وحكاياته كثيرة، وله أحوال عجيبة، صحب الشِّبْلي والمرتعش وأبا علي الثَّقفي. حكي عن أبي عبد الرَّحمن السُّلمي: سئل أبو سهل الصُّعْلُوكي عن السماع، فقال: يستحب لأهل الحقائق، ويباح لأهل العلم، ويكره لأهل الفسق والفجور. وعن الشَّيخ الإمام الأستاذ أبي القاسم القُشَيْري قال: سمعت أبا بكر ابن فُوْرك يقول: سُئل أبو سهل عن جواز رؤية الله تعالى من طريق العقل، فقال: الدليل عليه شوق المؤمنين إلى لقاءه، والشوق راحة مفرطة، والإرادة لا تتعلق بالمحال، فقال السائل: ومن ذا الذي يشتاق إلى لقاءه، فقال الأستاذ أبو سهل: يشتاق (٢) إليه كلُّ حر مؤمن، وأما من كان مثلك فلا يشتاق. وعن أبي عبد الرَّحمن السُّلمي قال: قلت يومًا للأستاذ أبي سهل في كلام يجري بيننا: لِمَ؟ فقال: أما علمت أنَّ من قال لأستاذه: لِمَ؛ لا يفلح (٣) أبدًا. وبه قال: سمعت الشَّيخ أبا سهل يقول: عقوق الوالدين يمحوها الاستغفار، وعقوق الأستاذ لا يمحوها شيء. مات سنة تسع وستين وثلاثمئة، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. وعنه أنه قال: من يعتدي قبل أوانه، فقد تصدَّر لهوانه. ومن تلامذته أبو عبد الرَّحمن السُّلمي.

стр. 663

الكتيبة السادسة [٢٣٧ - أبو علي النَّسَفي (١)] الشَّيخ الإمام أبو علي، النَّسَفِي القاضي، الحسين بن خضر (بن دنيف) (٢). كان إمام عصره، تفقَّه على الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، أخذ عنه، عن أبي محمَّد عبد الله الأستاذ السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وهو أستاذ الشَّيخ الإمام شمس الأئمَّة عبد العزيز بن أحمد الحَلْوَاني، وأخذ عنه الإمام المُسْتَغْفِري جعفر بن محمَّد بن المعتز النَّسفي. وله "الفوائد" و"الفتاوى". وله أصحاب وتلامذة. مات سنة أربع وعشرين وأربعمئة، وقد قارب الثمانين. وفي "فتاوى قاضي خان" في باب التيمم: المسافر إذا مر في الفلاة بماء موضوع في جب للشرب أو نحوه لا ينتقض تيممه، وليس له أن يتوضأ منه؛ لأنَّه وضع للشرب لا للوضوء، والمباح في نوع آخر لا يجوز استعماله في نوع آخر إلا أن يكون الماء كثيرًا، فيستدل بكثرة الماء على أنه وضع للشرب والوضوء جميعًا، فحينئذ يتوضأ ولا يتيمم.

стр. 664

وذكر (١) القاضي الإمام أبو علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل: أن الماء الموضوع للشرب يجوز منه التوضؤ، والموضوع للوضوء لا يباح الشرب منه. وفيه في فصل الأكل من كتاب الأيمان: رجل حلف أن لا يأكل شيئًا من أشياء والده، فتناول في بيت والده كسرة خبز ملقاة، قال الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل: لا يحنث في يمينه، وقال القاضي الإمام أبو علي النَّسَفِي: يكون حانثًا في يمينه، وقال الفقيه أبو بكر البَلْخِي: إن كانت الكسرة بحال يعطى مثلها للفقير كان حانثًا وإلا فلا. وفيه في فصل البيع الفاسد من كتاب البيع: رجل استباع قوسًا، فقال له البائع: مُد القوس، فمَده فانكسر، قال الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل: يضمن قيمته وإن مده بإذن البائع، ولو قال له البائع: مد القوس، وإن انكسر فلا ضمان عليك، فمده فانكسر قال: يضمن أيضًا، قال القاضي الإمام أبو علي النَّسَفِي: هذا إذا اتفقا على الثمن، فإن الرجل لو أخذ شيئًا على سوم الشراء، ثم قال له البائع: إن هلك فلا ضمان عليك، بعدما اتفقا على الثمن، فهلك يضمن، فكذلك هنا. وفي آخر كتاب الطهارة من "خلاصة الفتاوى" في فصل الحظر والإباحة قال: وفي فوائد القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي ﵀: الذمِّية إذا كان لها زوج مسلم فجامعها؛ لا تؤمر بالاغتسال إن كانوا لا يغتسلون، أما لو شربت الخمر؛ لزوجها أن يمنعها عن ذلك، كالمسألة إذا أكلت الثوم أو البصل وكان زوجها

стр. 665

يكره ذلك؛ له أن يمنعها، (وله أن يمنعها عن الخروج إلى البيعة كما يمنعها من الخروج إلى المساجد) (١). وفي الفصل التاسع من (٢) "فصول محمَّد الأُسْتُرُوْشَني": رجل باع عقارًا وامرأته أو ولده أو بعض أقاربه حاضر ولم يقل شيئًا، ثم ادعى على المشتري من كان حاضرًا وقت البيع أن العقار له، قال نجم الدِّين النَّسَفِي ﵀: اتفق مشايخنا ﵏ أن هذه الدعوى لا تسمع، وهي تلبيس محض، وحضوره وتركه (٣) منازعته فيما يصنع إقرارٌ منه أنه ملك البائع، وجعل سكوته في هذه الحالة كالإفصاح للإقرار دلالة قطعًا للأطماع الفاسدة، هكذا ذكر في "فتاوى النَّسفي"، انتهى. أراد نجم الدِّين النَّسَفِي أبا علي النَّسفي، انتهى (٤). * * * [٢٣٨ - عبد الله الخَيْزَاخَزِي (٥)] الشَّيخ الإمام أبو محمَّد عبد الله بن الفضل الخَيْزَاخَزِي ﵀. بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الزاي (٦) وسكون الألف

стр. 666

وفتح الخاء الثانية وكسر الزاي الثانية: نسبة إلى قرية خَيْزَاخَز، من قرى بخارى، كذا ضبطه ابن الشِّحنة في "شرح المنظومة الوهبانيَّة". إمام كبير، فقيه، زاهد متورع. تفقَّه على الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، وأخذ عنه، عن عبد الله بن محمَّد السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي حفص الصَّغير، عن أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وأخذ عنه ابنه أبو نصر أحمد بن عبد الله بن الفضل، والشَّيخ الإمام يحيى ابن علي الزَّنْدَوِيْستي. وفي "الهداية": والأصل أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه، وما لا فلا، وهو الصحيح، فيعتمد في حالة القنوت وصلاة الجنازة، ويرسل في القومة وبين تكبيرات الأعياد، ورأيت في "شرح الهداية غاية البيان" للإتقاني: قوله: "وهو الصحيح" احترازٌ عن قول (أصحاب محمَّد بن الفضل) (١) كأبي علي النَّسَفِي والإمام عبد الله الخَيْزَاخَزِي حيث قالوا: إنه يعتمد في كل قيام؛ سواء كان فيه ذكر مسنون أو لا تحقيقًا (لخلاف الروافض) (٢)، فإن مذهبهم إرسال اليد من أول الصلاة، فنحن نخالفهم من أول الصلاة. وفي "فتاوى قاضي خان" في كتاب الصيد: ولو أن المرسل أدرك صيد الكلب أو البازي أو الرمية حيًّا ولم يذبحه حتى مات ذكر في "الكتاب": أنه لا يحل، وقال الشَّيخ الإمام عبد الله الخَيْزَاخَزِي: هذا على ثلاثة أوجه: إما إن وصل إليه مع موته،

стр. 667

أو يموت قبل وصوله إليه، أو يصل إليه وهو يموت من ساعته ولم يجد زمانًا يذبحه. فإن مات قبل وصوله حلَّ أكله؛ لأنَّه لم يقدر على الذكاة الاختيارية، وإن مات بعد وصوله بلا فصل ولم يجد زمانًا يذبحه؛ قال في "الكتاب": لا يحل أكله، وقال الحسن بن زياد ومحمَّد بن مقاتل: حل أكله، قالوا: ما في "الكتاب" قياس، وما قالاه استحسان، وبه نأخذ. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الأول من الباب الثاني من كتاب الصلاة: رجل اشتبهت عليه القِبْلة بمكَّة بأن كان محبوسًا ولم يكن بحضرته من يسأله، فصلَّى بالتَّحري، ثم تبيَّن أنَّه (١) أخطأ، هل تلزمه الإعادة؟ روي عن محمَّد: أنه لا إعادة عليه، وقال أبو بكر الرَّازي ﵀: تلزمه (٢) الإعادة؛ لأنَّه تيقّن بالخطأ إذا كان بمكَّة، قال: وكذلك إذا كان بالمدينة؛ لأن القبلة بالمدينة مقطوعة، فإنَّه إنما نصبها رسول الله ﷺ بالوحي بخلاف سائر البقاع، والأول أقيس، قال: ومحاريب الدُّنيا كلها نصبت بالتحري حتى منى، ولم يزد عليه شيئًا. وهذا خلاف ما نقل عن أبي بكر الرَّازي في محراب المدينة، قال الشَّيخ الإمام الزَّنْدَوِيْستي ﵀: فسألت (٣) بعد سماع هذا القول الشَّيخ الإمام عبد الله بن الفضل، قال: كنت بمنى، فسألت شيخًا من أهلها، فقال: سمعت آبائي يقولون على وجه التَّوارث: أردنا أن ننصب محراب منى بيقين، فشددنا من سطح الكعبة حبلًا ومددناه إلى منى، فلما وصل الحبل إلى الجبل انحرف الحبل، فنصبناه بالتحري والعلامات، وهو أقرب المواضع إلى مكة، إلى هنا من "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة".

стр. 668

وقد سبق ما يتعلق بالقِبْلة والتَّحري واستقبال الكعبة في ذكر الإمام الزَّاهد علي بن يونس (١). * * * [٢٣٩ - إسماعيل بن الحسن الزَّاهد (٢)] الشَّيخ الإمام الورع، أبو محمَّد، إسماعيل بن الحسن بن علي، الفقيه الزاهد. كان إمام وقته في الفروع والأصول. أخذ عن الشَّيخ الإمام أبي بكر ابن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي حفص الصَّغير، عن أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. مات في شعبان سنة اثنتين وأربعمئة. في "فتاوى قاضي خان" [في آخر المعاملة من كتاب المزارعة: رجل دفع كرمًا إلى رجل، فالعريش على من يكون؟ حكى الشَّيخ الإمام إسماعيل الزَّاهد، عن أستاذه الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل قال: إنا نقيس هذه المسألة بمسألة أخرى، وهي أن الرجل إذا دفع نخلة معاملة، فأراد العامل أن يضع الوصل على الأشجار، على من يكون ذلك؟ ذكر في "الكتاب": أن أصل القضيب (الذي يوضع في الشجرة يكون على صاحب الشجرة، والعمل في الوصل من إصلاح القضيب) (٣) وشق الشجرة وإدخال

стр. 669

القضيب في الشجرة يكون على العامل، كذلك في هذه المسألة، القضيب الذي منه العريش على صاحب الكرم، والفتل يكون على العامل، وكذا الدَّعائم على صاحب الكرم، ووضع الدَّعائم في الكرم يكون على العامل. وفيه في فصول إجارة الوقف وفروعها: رجل جعل أرضه أو منزله على كلِّ من يؤذِّن أو يؤم في مسجد بعينه، قال الشَّيخ الإمام إسماعيل الزَّاهد: لا يجوز هذا الوقف؛ لأن هذه قربة وقعت لغير المعيَّن، وذلك المؤذن والإمام قد يكون غنيًّا وقد يكون فقيرًا فلا يجوز، وإن كان المؤذن فقيرًا تجوز القربة والصدقة للفقير، لكن الوقف على هذا الوجه لا يجوز وإن كان فقيرًا. فالحيلة في ذلك: أن يكتب في صكِّ الوقف: وقفت هذا المنزل على كلِّ مؤذِّن فقير يكون في هذا المسجد والمحلة، فإذا خرب المسجد أو المحلة بعد ذلك تصرف الغلة إلى فقراء المسلمين، وأما إذا قال: وقفت على كل مؤذن فقير فهو مجهول؛ فلا يجوز، كما لو قال: أوصيت بثلث مالي لواحد من عرض الناس؛ لا يجوز. وفيه] (١) في باب ما يكون كفرًا من المسلم من كتاب السير: رجل ذبح لوجه إنسان في وقت الحاجة والتهاني (في الخوازت (٢)) (٣) وما أشبه ذلك، قال الشَّيخ الإمام (أبو بكر محمَّد بن الفضل: هو كفر، والمذبوح ميتة لا تؤكل، وقال الشَّيخ الإمام) (٤) إسماعيل الزاهد: إذا ذبح البقرة أو الإبل في الخوازات لقدوم الحاج أو الغزاة، قال جماعة من العلماء: يكون كفرًا، وأما أنا أقول: يكره ذلك أشد الكراهية، ولا يكون كفرًا.

стр. 670

[في "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في باب الصلاة بعلامة النُّون: القراءة في الحمام على وجهين؛ إما أن يرفع صوته، أو لا يرفع ويقرأ خفيًّا، ففي الوجه الأول: يكره، وفي الوجه الثاني: لا، وهو المختار، وأما التسبيح والتهليل لا بأس به ولو رفع صوته. فأما الصلاة إن كان في الحمام صور تماثيل تكره، وإن لم تكن وكان الموضع طاهرًا (١) لا بأس به، لأنَّه صلَّى في موضع طاهر، وكثير من الأئمة ببخارى كانوا يفعلون ذلك، حتى حكي أن الإمام إسماعيل الزَّاهد كان يصلي الفريضة في الحمام بجماعة مع الخادم وغيره؛ فرارًا من غلبة العامة] (٢). * * * [٢٤٠ - الحاكم عبد الرَّحمن الكاتب (٣)] الشَّيخ الإمام عبد الرَّحمن بن محمَّد الكاتب الحاكم (٤). كان إمامًا فقيهًا، جامعًا للعلوم أصلًا وفرعًا. أخذ عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، (عن أبي حفص الصَّغير، عن أبي حفص الكبير، عن محمَّد) (٥)، عن أبي حنيفة ﵏. وكان يرحل إليه في الواقعات والنوازل.
следующие страницы →