← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بطلب حقوقه، ولي على موكلك مال، وأنكر الوكيل الوكالة، لا يمين عليه. وفيه في الفصل السابع في مسائل الاستحقاق والغرور قال: وفي جنايات "نظم الزَّنْدَوِيْستي": إذا اشترى دارًا، فأخذها الشفيع بالشفعة، وبنى فيها، ثم استحقت من يد الشفيع، رجع الشفيع على المشتري بالثمن، ولا يرجع بقيمة البنا؛ لأنَّه هو الذي أخذ برأيه. وكذلك أرض بين اثنين (١) اقتسماها وهي ميراث لهما، وبنى أحدهما في حصته بناء، ثم استحق نصيبه؛ لم يكن له الرجوع على شريكه بقيمة البناء. ورأيت في الباب الخامس من "روضة الزَّنْدَوِيْستي" قال: لو أن إنسانًا آجر نفسه في عمل يفترض عليه لم يجز، كالولد إذا آجر نفسه لوالده ليخدمه؛ لأنَّه يفترض عليه خدمة والده، وكذا المرأة إذا أجرت نفسها لزوجها لتخدمه؛ لأن خدمة الزوج وخدمة بيته فرض عليها لما روي عن النبي ﷺ أنه جعل على بنته خدمة بيت علي (بن أبي طالب) (٢) ﵁ فرضًا، فبان أن من آجر نفسه في شيء يفترض عليه لم تجز الإجارة، كما لو استأجر عالمًا ليعلِّم ولده القرآن والعلم لم يجز عندنا خلافًا للشافعي. وكان أستاذنا الإمام أبو محمَّد عبد الله بن الفضل يقول: كان هذا الجواب في الزمن الأول حيث كان الناس يرغبون في أعمال الخير بغير جعل، ويقاتلون على الإمامة والأذان والتعليم ليحصل لهم الثواب، وأما في زماننا هذا يجوز للمعلم والمؤذن والإمام أن يأخذ من ذلك أجرًا؛ لأنَّا لو لم (٣) نجوِّز لا يوجد أحد أن يفعل هذه مجانًا لأجل الله، فيختل الأمر فجوز.

стр. 702

وقد يجوز أن يتغير الجواب بتغير الأحوال في الناس، ألا ترى أن أبا حنيفة ﵁ قال: لبس السواد لا يجوز؛ لأنَّه كان لا يلبس ذلك في زمانه، وقالا (١) في زمانهما: لبس السواد جائز؛ لأن الناس لبسوه وافتخروا به، وكذا حدُّ الشرب كان في عهد أبي بكر الصديق ﵁ أربعين، فرأى عُمر ﵁ في خلافته ثمانين، وبقي على ذلك] (٢). وفي "الخلاصة" من كتاب الكراهية (٣): قال الزَّنْدَوِيْستي: سألت الإمام الخَيْزَاخَزِي عن حق العالم والجاهل والأستاذ والتلميذ، قال: كلاهما واحد، وهو أن لا يفتتح الكلام قبله، ولا يجلس مكانه إن غاب، ولا يرد عليه كلامه، ولا يتقدم عليه في مشيه. [ورأيت في "روضة الزَّنْدَوِيْستي" في الباب الثامن والتسعين قال (٤): فإذا سلَّم المصلي في آخر الصلاة كيف ينوي؟ قال على ثلاثة أوجه؛ إما أن يكون إمامًا أو مقتديًا أو منفردًا: فإن كان منفردًا فإنّه ينوي عند التسليمة الأولى المَلَك الذي على يمينه، وفي الثانية المَلَك الذي على يساره؛ لأنّه ليس معه إلا حفظتاه فينويهما. وأما إذا كان إمامًا قال في "كتاب الصلاة": ينوي في التسليمة الأولى أولًا للحفظة ثم الرجال ثم النساء، وقال في "الجامع الصغير": ينوي أوّلًا الرجال ثم النساء ثم الحفظة، قال بعض العلماء: اختلف الجواب؛ لأن محمَّد بن الحسن حين صنَّف "كتاب الصلاة" كان يرى تفضيل الملائكة على بني آدم، وحين صنَّف "كتاب

стр. 703

الجامع الصغير" كان يرى تفضيل أولاد آدم (١) على الملائكة، لا أن يكون في المسألة روايتان، وقال بعضهم: لا بل اختلفت الروايتان. وجه رواية "كتاب الصلاة": أنه مأمور أن ينوي أولًا من هو أقرب إليه، (بدليل أنه ينوي أولًا الرجال ثم النساء؛ لأن الرجال أقرب إليه، فبان أنه ينوي أولا من هو أقرب إليه، والحفظة أقرب إليه) (٢) بدليل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ (٣)﴾ [الواقعة: ٨٥] يعني: الحفظة أقرب إلى كل آدمي من الآدميين، فلما كانت الحفظة أقرب إلى المصلي والإمام وجب أن ينوي الحفظة أولًا ثم الرجال والنساء. وجه رواية "الجامع الصغير": أولاد آدم من جنس المصلِّي، فينوي من هو من جنسه، ثم النساء من جنس الرجال؛ لأنهن من أولاد آدم، ثم الحفظة، لأنَّهم بخلاف جنسه، وقال بعضهم: في "الجامع الصغير" قول أبي حنيفة، وما ذكر في "كتاب الصلاة" قول أبي يوسف ومحمَّد رحمهم الله تعالى] (٤). * * * [٢٥٥ - الصَّيْمَري (٥)] القاضي الإمام، أبو عبد الله، الحسين بن علي بن جعفر الصَّيْمَري. كان من كبار الفقهاء، ولي القضاء بربع الكرخ، وبقي فيه إلى حين وفاته.

стр. 704

أخذ عن أبي نصر محمَّد بن محمَّد بن سهل بن إبراهيم من رجال متفرقات الكتيبة السابقة، وأخذ بعده عن أبي بكر محمَّد الخُوَارِزْمِي عن أبي بكر الجصَّاص، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن موسى (١) الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵀. وأخذ عنه قاضي القضاة أبو عبد الله محمَّد بن علي بن محمَّد بن الحسين الدَّامَغاني الكبير، وأبو الحسن علي بن علي الصَّندلي النَّيْسَابُوري. وصَيْمَر بفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الميم في آخرها راء كحيدر، وقد تضم ميمه: مدينة بين بلاد الجبل وخوزستان (٢)، ونهر بالبصرة عليه قرى. قيل: هذا الإمام كان من الثانية، كان صدوقًا، وافر العقل، جميل المعاشرة، عارفًا بحقوق أهل العلم. وله كتاب مجلد ضخم في أخبار أبي حنيفة وأصحابه، نقلنا عنه كثيرًا فيما سبق من أخبار الأخيار في كتابنا هذا. مات سنة ست وثلاثين وأربعمئة، وهو ابن أربع وثمانين سنة، ولد في سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة. [وفي الفصل الرابع والثلاثين من "الفصول العمادية" نقلًا عن "الذخيرة": حكي (٣) عن بعض مشايخنا أن الدار مجاورة الدور، فأراد صاحب الدار أن يبني فيها

стр. 705

تنورًا للخبز الدائم، أو (١) رحى للطحن، أو مدقَّة للقصارين؛ يمنع عنه، لأنَّه يتضرر به جيرانه ضررًا فاحشًا، وعن أبي يوسف فيمن اتخذ داره حمامًا وتأذى الجيران من دخانها؛ فلهم منعه، إلا أن يكون دخان الحمام مثل دخان الجيران. وقيل: كان أبو عبد الله الصَّيْمَري إذا استفتى عمن أراد أن يبني في ملكه تنورًا للخبز في وسط البَزَّازين؛ تارة كان يفتي بأن له ذلك، وتارة كان يفتي بأن (٢) ليس له ذلك، كذا قال في "الفتاوى التَّاتارخانيَّة" نقلًا عن "المحيط". ثم قال: والحاصل من هذه المسائل وأجناسها أن القياس أن كل من تصرف في خالص ملكه لا يمنع في الحكم وإن كان يؤدي إلى إلحاق الضرر بالغير، لكن ترك القياس في موضع يتعدى ضرر تصرفه إلى غيره ضررًا بينًا، وقيل بالمنع مطلقًا، وبه أخذ كثير من مشايخنا، وعليه الفتوى. وفيه في هذا الفصل أيضًا بعد هذه المسألة بعشرين ورقة: ولو اشترى نصف حائط ذكر صاحب المحيط هذه المسألة وجعلها على وجهين: أحدهما: أن يشتري نصف الحائط بأرضه، وإنه جائز، ويصير المشتري شريكًا فيه. الثاني: إذا اشترى بغير أرضه، وذكر أن القاضي أبا عبد الله الصَّيْمَري كان يفتي بجوازه، وكان الشَّيخ أبو الحسين القُدُوري يفتي بفساده؛ لأن هذا الشراء يقع على هدمه، فيطالب المشتري البائع بالهدم، وفيه ضرر للبائع فيما لم يبعه وهو النصف الآخر، فصار كبيع الجذع في السقف، وكبيع نصف الزرع، قال في "المحيط" على

стр. 706

ما ذكره شيخ الإسلام والحاكم الشهيد في "المنتقى" في المسألة المتقدمة: ينبغي أن يجوز هذا الشراء، قال القاضي أبو عبد الله: لأن أرضه تدخل تحت البيع، فلا يقع هذا الشراء على الهدم، فلا يتضرر البائع، فيجوز البيع، ويصير المشتري شريكًا للبائع كما لو اشتراه بأرضه. وله ذِكر في أبي محمَّد الخوارزمي] (١). * * * المتفرقات [٢٥٦ - أبو النَّصر العراقي (٢)] القاضي الإمام أحمد بن عَمْرو بن محمَّد بن موسى بن عبد الله، القاضي، المعروف بأبي النَّصر العراقي. حدَّث عن أبي نعيم عبد الملك بن محمَّد بن عدي الإِسْتِراباذي ومحمَّد بن يوسف بن عاصم البُخاري. كان أحد أئمَّة أصحاب أبي حنيفة في الفقه، (وكان على) (٣) قضاء سَمَرقند، وانصرف منها إلى بُخارى، وعاش إلى سنة ست وتسعين (٤) وثلاثمئة، ومات ﵀ ببُخارى، هكذا ذكره في "الجواهر المضية".

стр. 707

[وفي باب العدة من "فتاوى قاضي خان": وأما المُقعَد والمفلوج قال في "الكتاب": إن لم يكن ذلك قديمًا فهو بمنزلة المريض فيكون فارًّا، وإن كان قديمًا فهو بمنزلة الصَّحيح؛ لأن هذه علَّة مزمنة، وليست بقاتلة، وتكلَّم المشايخ فيه: (قال محمَّد بن سلمة: إن كان يُرجى برؤه بالتداوي فهو بمنزلة المريض، وإن كان لا يُرجى برؤه فهو بمنزلة الصحيح) (١). وقال أبو جعفر الهِنْدُوَاني: إن كان يزداد كلَّ يوم فهو مريض، وإن كان يزداد مرَّة وينقص أخرى يُنظر؛ إن مات بعد ذلك لسنة فهو بمنزلة الصحيح، وإن مات قبل سنة فهو بمنزلة المريض، وروى أبو نصر العراقي عن أصحابنا أنه يُنظر؛ إن كان يصلي قاعدًا فهو بمنزلة المريض، وإن كان يصلي مضطجعًا فهو بمنزلة الصَّحيح] (٢). * * * [٢٥٧ - أبو عاصم العَامِري (٣)] القاضي الإمام، أبو عاصم العَامِري، محمَّد بن أحمد. في "الجواهر المضية": كان قاضيًا (٤) إمامًا بدمشق. ومن تصانيفه "المبسوط" نحوًا من ثلاثين مجلدًا. [في "الفتاوى التَّتارخانية" في الفصل الخامس والعشرين من كتاب أدب

стр. 708

القاضي (١): ولو أن امرأة ادَّعت على زوجها نفقة العدة، وأنكر الزوج، فالقاضي يحلِّف الزوج بالله ما عليك تسليم النفقة إليها من الوجه الذي تدعي، ولا يحلف على السبب بالله ما هي معتدة عنك من الوجه الذي تدعي، وحكي عن القاضي الإمام أبي على النَّسَفِي: خرجت حاجًّا، فدخلت على القاضي الإمام أبي عاصم العامري وهو يدرس والخليفة يحكم، فادَّعت امرأة على زوجها نفقة العدة، وأنكر الزَّوج، فحلَّف الخليفة الرَّجل بالله ما عليك تسليم النفقة من الوجه الذي تدعي، فتهيأ الرجل ليحلف، فنظرَتْ إلى القاضي، فعلم القاضي لماذا نظرت، فنادى الخليفة أن اسأل الرجل من أي المحلَّة هو؟ حتى إنه إن كان من أصحاب الحديث حلَّفه بالله ما هي معتدة منك] (٢). وفي باب الدعوى (من كتاب الدعاوى والبينات في "فتاوى قاضي خان") (٣): ادَّعى على رجل دينًا، فأقام البينة عليه بعد الجحود، فقال القاضي ثبت عندي أن لهذا الرجل على هذا الرجل (٤) كذا، اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: لا يكون هذا حكمًا من القاضي، وقال شمس الأئمة الحَلْوَاني (٥) وأبو عاصم يكون حكمًا، وعليه الفتوى، (والله أعلم) (٦).

стр. 709

[وله "الطريقة" و"المختلفات". وفي الفصل التاسع من "فصول محمَّد الأُسْتُرُوشَني": وذكر في طريقة القاضي الإمام أبي عاصم العامري: خيار الرؤية يبطل برؤية الوكيل بالقبض عند أبي حنيفة ﵀، وأجمعوا أن خيار الشرط والعيب لا يبطلان بالتوكيل بالقبض. وفي "الفصول العمادية" في الفصل الثالث والثلاثين في كتاب الوصية من أحكام المرض قال: وفي "مختلفات القاضي أبي عاصم": اعتقل لسان المريض، فقيل له: أوصيت بكذا وكذا، فأشار برأسه نعم، لم تصح (١) وصيته إلا أن يطول عليه الاعتقال فيصير كالأخرس، وعن أبي حنيفة أن تلك المدة كمدة السنة، وعند الشَّافعي تجوز وصيته. وفيه أيضًا بعد ثلاث ورقات: ولو أعتق المريض، ثم حابى، ثم أعتق، عنده (٢) النصف للمحاباة والنصف بين العتقين، وعندهما يبدأ بالعتق، له أن العتق الأول وقع في حال اليسار، فصار ذلك عقد ضمان، والمحاباة عقد ضمان، فقد اجتمع (٣) ضمان وضمان، فاستويا، فكان بينهما نصفين نصف للمحاباة ونصف للعتق؛ إلا أن العتق الأول والثاني جهة واحدة فاستويا، وإن كان أحدهما قبل الآخر كما لو أعتق ثم أعتق استويا في الثلث كذا هذا، ولو أنه حابي ثم أعتق ثم حابى، كانت المحاباة الأولى أولى لما بيَّنا، ثم إن المحاباة الأولى والثانية جهة واحدة فاستويا وكان الثلث بينهما نصفين، ثم ما أصاب الثانية كان ذلك بينهما وبين العتق نصفين؛ لأن العتق مقدم على الثانية، وعلى قولهما: يبدأ بالعتق، هكذا قرره القاضي أبو عاصم العامري في "مختلفه".

стр. 710

وفي الفصل التاسع والعشرين من "الفصول الأُسْتُرُوْشَنية" قال: وفي باب الوكالة بالبيع والشراء من وكالة شمس الأئمَّة السَّرَخْسي: رجل وكَّل رجلًا ببيع عبده وهو في المصر، فأخرجه من المصر وباعه؛ ضمن استحسانًا، ولم يجز بيعه على الآمر؛ لأن الوكالة تقيدت بالمصر، فصار الوكيل بالإخراج مخالفًا، وكان ضامنًا، ورأيت في "مختلفات أبي عاصم العامري": الوكيل بالبيع إذا سافر بما أمر ببيعه يضمن انتهي (١)] (٢). * * * [٢٥٨ - أبو نصر الدَّبُوسي (٣)] الشَّيخ الإمام أبو نصر الدَّبُوسي. نسبة إلى دَبُوسية، هي قرية بسُغْد (٤) سَمرقند. إمام كبير من أئمة الشروط. في "فتاوى قاضي خان" في كتاب الطلاق: (ولو قال: اين زن كه مراست سبه، قال أبو نصر الدَّبُوسي: لا يقع، وقال أبو بكر العِياضي: إن نوى الطلاق يكون طلاقًا.

стр. 711

وفيه في باب اليمين من كتاب الدعاوى والبينات:) (١) رجل له على رجل (٢) ألف درهم، فأقر بها، ثم أنكر إقراره بها، هل يحلف على إقراره بالله تعالى ما أقررت له بهذا المال؟ اختلف المشايخ؛ قال أبو نصر الدَّبُوسي: له أن يحلف بالله ما أقررت له بها، [وقال السَّرَخْسي في "شرح الحيل": قال اختلف المشايخ في هذه المسألة، وإنما اختلفوا لاختلافهم (٣) أن الإقرار هل هو سبب للملك؟ قال الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل: الإقرار ليس بسبب. وفي مقطعات كتاب الأيمان من "فتاوى القاضي الإمام ظهير الدِّين البُخاري": سئل أبو نصر الدَّبُوسي ﵀ عمن حلف ونسى حلفه بالله أو بالطلاق أو بالعتاق، قال: حلفه باطل إلا أن يذكره، وسُئل محمَّد بن شجاع ﵀ عن رجل يقول: كنت حلفت بالطلاق، ولا أدري أكنت مدركًا حالة اليمين أو غير مدرك، فقال: لا يحنث ما لم يعلم أنه مدرك إذ ذاك] (٤). * * * [٢٥٩ - أبو بكر محمَّد بن طَرخان (٥)] الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن جعفر بن طَرْخان الإِسْتِراباذي.

стр. 712

كان أبوه جعفر بن طَرْخان أبو محمَّد الإِسْتِراباذي من أجلاء فقهاء أصحاب الإمام (١) أبي حنيفة. روى عن أبي نعيم الفضل بن دُكَيْن، وروى عنه ابنه محمَّد بن جعفر بن طَرْخان، وعن أبي سعيد الإدريسي. كان تفقَّه (٢) في الحديث، وله تصانيف فيه. وكان أبو بكر ابن طرخان من فقهاء أهل الرأي ثقة في الرواية، حكي عنه أنه كان يقول (٣): القرآن كلام الله غير مخلوق. مات بعد الستين والثلاثمئة. [وفي "فتاوى قاضي خان" في فصل المسبوق من كتاب الصلاة: رجلان صليا في الصحراء، وائتم أحدهما بالآخر، وقام على يمين الإمام، فجاء ثالث، وجذب المؤتم إلى نفسه قبل أن يكبر للافتتاح؛ حكي عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن طرخان أنه لا تفسد صلاة المؤتم بجذبة الثالث إلى نفسه قبل التكبير أو بعده؛ لأن الثالث لما توجه للصلاة وقام مقام الصلاة صار ذلك الموضع مسجدًا لهم ويكون الثالث كالداخل في صلاتهم، وقال غيره من المشايخ: إذا جاء الثالث لا يجذب المؤتم إلى نفسه، بل يتقدم الإمام، ويقوم في موضع سجوده، فيصير الثالث مع من كان على يمين الإمام خلف الإمام؛ لأن الإمام ما لم يجاوز موضع سجوده لا تفسد صلاته. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل الحياض والأنهار من كتاب الطهارة: الماء

стр. 713

إذا كان له طول وليس له عرض، إن كان الماء بحال لو جمع يصير عشرًا في عشر، وصار عمقه بقدر شبر جاز التوضؤ فيه، وهو قول محمَّد بن إبراهيم المَيْداني، وبه أخذ الزَّنْدَوِيْستي، وقال أبو بكر ابن طرخان: لا يجوز وإن كان طوله من بخارى إلى سمرقند، وقد ذكرت هذه المسألة بتمامها في ذكر محمَّد المَيْداني] (١). * * * [٢٦٠ - أبو البديع أحمد بن محمَّد المَكْحُولي (٢)] الشَّيخ الإمام أبو البديع المَكْحُولي أحمد (٣) بن محمَّد بن مَكْحُول. عن السَّمْعَانِي كان بارعًا في الفقه. ينسب إليه "كتاب اللؤلؤيات" (٤)، وهو مجلد ضخم. ولد سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة، ومات ببخارى سنة تسع وسبعين وثلاثمئة. (أخذ عن أبيه أبي الفضل محمد، وهو عن أبيه مَكحول أبي معين النَّسفي) (٥)، له (٦) كتاب سمَّاه "الشعاع"، ذكر فيه عن أبي حنيفة أن من رفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس تفسد صلاته؛ لأنَّه عمل كثير، نقله عبد القادر في "الجواهر المضية" (٣: ٤٩٩).

стр. 714

(وعن (١) الإمام السِّغْنَاقِي في "النهاية شرح الهداية": ولأبي المعين "تبصرة الأدلة" (٢)) (٣). * * * [٢٦١ - أبو بكر محمَّد بن أحمد القُدُوري (٤)] أبو بكر محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن جعفر بن حمدان (٥) القُدُوري. والد الإمام أبي الحسين أحمد القُدُوري. روى عنه أبو تمام علي بن محمَّد بن الحسن (٦) الواسطي. وكان قد رأى الشِّبْلي (٧) وحكى عنه، قال: رأيت أبا بكر الشِّبْلي في جامع المدينة، وقد كثر الناس عليه في الرواق الوسطاني وهو يقول: رحم (٨) الله عبدًا دعا لرجل كانت له بضاعة وقد فقدها، وهو يسأل الله أن يردها عليه والناس صموت، قال القُدُوري: فخرق الحلقة غلام حدث، فقال: من هو صاحب البضاعة؟ قال: أنا، قال فأيش كانت بضاعتك؟ قال: الصبر، وقد فقدته، قال فبكى الناس بكاءً عظيمًا.

стр. 715

[٢٦٢ - الصَّفار إسحاق بن شيث (١)] إسحاق بن شيث (٢) المعروف بالصفار. قدم بغداد حاجًّا في سنة خمس وأربعمئة، وحدث بها عن نصر بن أحمد (٣) بن إسماعيل (٤) الكيساني (٥). وكان ثقة فاضلًا. أخذ عنه ابنه أبو نصر الفقيه الصَّفار أحمد بن إسحاق بن شيث (٦). (وعن الخطيب أنه قال: حدثني عنه علي بن محمَّد المذهب، وأثنى عليه خيرًا، كذا في "الجواهر المضية" (٧). * * *

стр. 716

قلب هذه الكتيبة [٢٦٣ - أبو عُثمان المغربي (١)] الشَّيخ الكامل المكمل سعيد بن سلام أبو عُثمان المغربي، قدس سره. أخذ عن أبي علي [بن] الكاتب، عن أبي علي الرُّوْذُبَاري (٢)، عن الجنيد البغدادي، عن السَّري السَّقَطي، عن داود الطَّائي، عن. العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ . (وأخذ عنه التَّلقين والنسبة الشَّيخ أبو القاسم الكُرْكاني، وصحب أبا الحسين الصَّائغ الدِّيْنَوَري) (٣). وكان سيِّد الوقت، وقدوة مشايخ زمانه، (وكان صاحب كرامات جليلة) (٤). كان مجاورًا بمكَّة شرَّفها الله تعالى مدة مديدة (٥)، ثم رحل (إلى (٦) نَيْسابور) (٧) لقضية اقتضته (٨).

стр. 717

فمات بنَيْسابور سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة، ودفن بقرب قبر أبي عُثمان (حِيْري وأبي عثمان) (١) نَصِيبي، وقبورهم في موضع واحد. [حكي أنه جاور بمكة ثلاثين سنة، فما بال في داخل حدود الحرم قط؛ رعاية لحرم بيت الله. روي أنه كان يقول: العاصي خير من المدَّعي؛ لأن العاصي أبدًا يطلب طريق توبته، والمدَّعي يخبَّط أبدًا في خيال دعواه. وعنه أنه قال: الاعتكاف حفظ الجوارح تحت الأوامر] (٢). * * * [٢٦٤ - أبو على الدَّقَّاق (٣)] الأستاذ أبو علي الدَّقَّاق، الحسن بن علي بن إسحاق. شيخ الأستاذ أبي القاسم القُشَيْري ﵀. هو (٤) لسان وقته وإمام عصره. كان نَيْسابوري الأصل. تعلم العربية، وحصل على الأصول الأشعريَّة، وخرج إلى مَرْو، وتفقَّه بها، وحصل الفروع الشَّافعية، ولما حصل ما يحتاج إليه في العلم سلك طريق

стр. 718

التَّصوف، وصحب الأستاذ أبا القاسم النَّصْرأباذي، وأخذ علم التَّصوف عنه، عن أبي بكر الشِّبْلي، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن السَّري السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطَّائي، عن حبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب. وعن أبي القاسم القُشَيْري أنه قال: سمعت الأستاذ أبا علي الدَّقَّاق يقول: من استهان بأدب من آداب الإسلام عوقب بحرمان السُّنَّة، ومن ترك سُنَّة عوقب بحرمان الفريضة، ومن استهان بالفرائض قيض الله مبتدعًا، يذكر (١) عنده باطلًا، فيوقع (٢) في قلبه شبهة. مات ﵀ سنة خمس وأربعمئة. [حكي أنه دخل بلدة الرَّي يومًا، فعرفه رجل، فقال لأهل البلد: قد حضر بلدتنا الأستاذ أبو علي الدَّقَّاق، فجمع المشايخ مجلسه واستدعوا منه الدرس والوعظ والنصح، وهيؤوا له منبرًا، وألحوه العروج، فلما عرج واستوى على المنبر مال إلى جانب يمينه فقال: الله أكبر، ثم توجه إلى جانب القبلة، فقال: ورضوان من الله أكبر، ثم مال إلى جانب يساره فقال: والله خير وأبقى. فأثر في قلوب المستمعين، فبكى أهل المجلس، وصاحوا (٣) وتواجدوا ورقصوا طربًا، حتى مات بعض أهل المجلس، فنزل أبو علي الدَّقَّاق عن المنبر في هذا البين وراح، وبعدما أفاق أهل المجلس طلبوه، فلم يجدوا،

стр. 719

ذكره المولى عبد الرَّحمن الجامي (١) في "نفحاته"، (والله أعلم) (٢)] (٣). * * * [٢٦٥ - أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي (٤)] الشَّيخ الكبير محمَّد بن الحسين بن موسى أبو عبد الرحمن السُّلَمي النَّيْسَابُوري الأَزْدي. كان شيخ الصوفية وعالمهم (٥) بخراسان له اليد الطولى في التَّصوف، والعلم الغزير، (والسير على سنن السالفين) (٦). أخذ عن الشَّيخ أبي القاسم النَّصْرآباذي، عن أبي بكر الشِّبْلي، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن سَري السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطائي (٧)، عن حبيب العَجَمِي (٨)، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵁. ولبس الخرقة من يده (٩) الشَّيخ أبو سعيد أبو الخير.

стр. 720

وكان سبط إسماعيل بن نجيد السُّلَمي. صنف "تاريخ الصوفية"، وكان صاحب "تفسير حقائق"، وله تصنيفات غريبة. وعن عبد الفاخر الفارسي: هو شيخ الطريقة (١) في وقته الموفق في جميع علوم الحقائق ومعرفة طريق التصوف، وصاحب التصانيف المشهورة العجيبة في علم القوم، [وقد ورث التصوف عن أبيه وجده، وجمع من الكتب ما لم يسبق إلى ترتيبه، حتى بلغ (٢) فهرست تصانيفه المئة فأكثر. وكان من فقهاء الشَّافعية. ولد سنة ثلاثين وثلاثمئة. روى عنه الحاكم في "تاريخه" والأستاذ أبو القاسم القُشَيْري والبيهقي وغيرهم. مات سنة اثنتي عشرة وأربعمئة. ذكر المولى عبد الرَّحمن الجامي في "نفحاته": شيخ أبو سعيد أبو الخير بعد أز وفات شيخ خود أبو الفضل بصحبت شيخ أبي عبد الرَّحمن السلمي رسيده وازدست وي خرقه بوشيده شيخ أبو سعيد كفت كه ترديك شيخ أبو عبد الرَّحمن السلمي در شديم أول كرت كه أوراد يدم كفت تر اتذكره نويسم بخط خويش كفتم بنويس بنوشت بخط خويش سمعت جدي أبا عَمْرو بن نجيد السلمي يقول: سمعت أبا القاسم الجنيد بن محمَّد البغدادي يقول: التَّصوف هو الخُلُق (٣)، من زاد عليك

стр. 721

بالخلق (١) زاد عليك بالتصوف، وأحسن ما قيل في تفسير الخُلُق ما قال الشَّيخ الإمام أبو سهل الصُّعْلُوكي: الخلق هو الإعراض عن الاعتراض. وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي: الذي لا بد للصوفي شيئان: الصدق في الأحوال، والأدب في المعاملات. وكان جده أبا عَمْرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد يوسف السُّلَمي شيخ عصره في التصوف والعبادة والمعاملة، ورث من آبائه أموالًا (٢) كثيرة، فأنفقها على العلماء ومشايخ الزهد، وكان شافعي المذهب، صحب أبا عُثمان الحيري بخراسان والجنيد بالعراق] (٣). * * * [٢٦٦ - أبو علي حسين بن محمَّد الأكار] الشَّيخ أبو علي حسين بن محمَّد الأكار الفَيْرُوزآبادي. وكان من أصحاب أبي عبد الله محمَّد بن خفيف الشِّيْرَازِي، وأخذ عنه هذا العلم وآداب الطريقة، وسمع منه الحديث، وكان مريد أبي عبد الله بن خفيف وشيخ الشَّيخ أبي إسحاق إبراهيم شهريار (٤) كَازُرُوني. وسافر مع أبي عبد الله بن خفيف بشيراز [(وعراق وحجاز، وبلغ المقامات العالية ببركة صحبته.

стр. 722

ومات ودفن بباب تربة شيخه ابن خفيف بشيراز) (١)، يزار ويتبرك بقبرهما. روي أن الشَّيخ أبا عبد الله محمَّد بن خفيف رحل بكَازْرُون، وكان مشايخ كَازْرُون جمع في حضرة الشَّيخ ابن خفيف، وكان الشَّيخ أبو علي حسين بن محمَّد الأكار معهم وهو طفل مقرئ حسن الأداء، فقرأ في هذا الجمع، فوجل قلب أبي عبد الله بن خفيف وتواجد، وبعدما فرغ من القراءة طلبه عن المشايخ، فذهب به إلى شيراز، وكان في سفره وحضره معه، وبلغ ما بلغ عنده، ونال ما نال] (٢). * * * [٢٦٧ - أبو الحسن الخَرَقَاني (٣)] قطب الوقت وغوث الزمان الشَّيخ أبو الحسن علي بن جعفر الخَرَقَاني. وكان نسبته في التصوف إلى سلطان العارفين الشَّيخ أبا يزيد البِسْطَامي قدس الله سرهما. وكان أويسي المشرب، أخذ التربية في سلوكه عن روحانية الشَّيخ أبي يزيد البِسْطَامي، (وكان هو أيضًا أويسي المشرب، أخذ النسبة والتربية عن روحانية الإمام جعفر الصادق) (٤)، ولد أبو يزيد بعد وفاة الإمام جعفر بمدة مديدة، وولد أيضًا أبو الحسن الخَرَقَاني بعد وفاة أبي يزيد بمدة.

стр. 723

[سُئل عنه من الصوفي: قال بمرقع وسجادة صوفي بنود وصوفي برسوم وعادات صوفي بنود صوفي آن بود كه نه بود، وقال: صوفي روزي بودكه بافتابش حاجت بنو] (١). وسُئل (عن الإخلاص ما هو؟) (٢)، قال: كل ما تفعله لله فهو الإخلاص، وكل ما تفعله للخلق فهو الرياء. وقال: وارث الرسول من يقتدي بفعل الرسول لا من يسوِّد وجوه القراطيس. [ذكر مولانا الحسين بن معين الدِّين المبيبذي (٣) في الفاتحة السادسة من فواتحه عن الشيخ أبي الحسن الخَرَقَاني أنه قال: صُعِدْتُ ظهيرة على العرش لأطوف، فطفت عليه ألف طوافة، ورأيت حواليه قومًا ساكنين، مطمئنين فتعجبوا من سرعة طوافي، وما أعجبني طوافهم، فقلت: من أنتم؟ وما هذه البرودة في الطواف؟ فقالوا: نحن ملائكة، ونحن أنوار، وهذا طبعنا لا نقدر أن نجاوزه، فقالوا: من أنت؟ وما هذه السرعة والطواف؟ فقلت: بل أنا آدمي، وفيَّ (نور ونار)، وهذه السرعة من نتائج نور الشوق. مركز شوق مكرر نشود … سري كه درهست مقرر نشود هواهي كه شوي به زملك عاشق شو … كين مرتبة بي عشق ميسر نشود أخذ عنه الشَّيخ أبو علي الفارمدي (٤)، والشَّيخ أبو القاسم الكُرْكاني.

стр. 724

وكان للشيخ أبي القاسم الكُرْكاني نسبتان: نسبة إلى أبي الحسن الخَرَقَاني، ونسبة إلى أبي عُثمان المغربي رحمه الله تعالى] (١). * * * [٢٦٨ - أبو القاسم القُشَيْري (٢)] الشَّيخ عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن، أبو القاسم، القُشَيْري، النَّيْسَابُوري، الشَّافعي مذهبًا، قدس الله تعالى سره. صاحب "الرسالة" التي سارت مشرقًا ومغربًا، أحد أئمة الدِّين علمًا وعملًا، وأخيار (٣) المسلمين فعلًا ومقالًا، قدوة أهل السنة ومبين طرق النار والجنة، (مقدم الطائفة، الجامع بين أشتات العلوم) (٤). سمع أبا عبد الرَّحمن السُّلَمي وابن فُورك وغيرهم. وعن الخطيب: حدَّث ببغداد وكتبنا عنه، (وكان ثقة) (٥)، وكان يعظ، (وكان حسن الموعظة) (٦)، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري، والفروع على مذهب

стр. 725

الشَّافعي، سألته عن مولده، فقال: في ربيع الأول من (١) سنة ست وسبعين وثلاثمئة. [وعن عبد الغافر بن إسماعيل أنه قال: هو الإمام مطلقًا الفقيه المتكلم الأصولي المفسر الأديب النحوي الكاتب الشاعر، لسان عصره، وسيد وقته، وسر الله بين خلقه، شيخ المشايخ، وأستاذ الجماعة، ومقدم الطائفة، ومقصود سالكي الطريقة، وبُنْدار الحقيقة، وعين السعادة، وحقيقة الجلادة، لم ير مثل نفسه، ولا رأى الراؤون مثله في كماله وبراعته، جمع بين علم الشَّريعة والحقيقة، وشرح أحسن الشروح في (٢) أصول الطريقة] (٣). أصله من ناحية أُسْتَواء، من العرب الذين وردوا خراسان وسكنوا النواحي، فهو قشيري الأب سُلمي الأم، توفي أبوه وهو طفل، وحضر البلد، واتفق حضوره مجلس (الأستاذ الشهيد) (٤) أبي علي الحسن بن علي الدَّقَّاق. [كان لسان وقته، واستحسن كلامه، وسلك طريق الإرادة، فقبله الأستاذ، وأشار عليه بتعلم العلم، فخرج إلى درس الإمام أبي بكر محمَّد بن بكر الطوسي، وشرع في الفقه حتى فرغ من التعليق، ثم اختلف بإشارته إلى الأستاذ الإمام أبي بكر ابن فُورك، وكان المقدم في الأصول، وقرأ عليه أصول الفقه وفرغ منه، ثم بعد وفاته اختلف إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، ومع ذلك يحضر بمجلس الأستاذ أبي علي، إلى أن اختاره لكريمته فزوجها منه، وبعد وفاة الأستاذ عاشر أبا عبد الرَّحمن البَلْخِي إلى أن صار

стр. 726

أستاذ خراسان] (١)، وأخذ في التَّصنيف، فصنَّف "التفسير الكبير" قبل العشر (٢) وأربعمئة. [ورتَّب المجالس، وخرج إلى الحج في رفقة فيها أبو محمَّد الجويني والشَّيخ أحمد البيهقي، فسمع منهم الحديث ببغداد والحجاز من مشايخ عصره، وكان في علم الفروسية واستعمال السلاح وما يتعلق به من أفراد العصر، أجمع أهل عصره على (٣) أنه عديم النظير في العلوم، غير مشارك في أساليب الكلام، والإشارات اللطيفة المستنبطة من الآيات والأخبار من كلام المشايخ والرموز الدقيقة. وتصانيفه مشهورة، إلى غير ذلك من نظم الأشعار اللطيفة على لسان الطريقة. عن السَّمْعَانِي: كل من أتى بعده مثله في علم التصوف فهو مسروق من كلامه، يوجد متفرقًا في أطراف كلامه] (٤). وله "فصل الخطاب في (فضل (٥) النطق) (٦) المستطاب" [ما هو في التكلم على مذهب الأشعري، خارج في إحاطته بالعلم عن الحدِّ البشري. وقد أخذ طريق التصوف من الأستاذ أبي علي الدَّقَّاق، وأخذ أبو علي عن أبي القاسم النَّصْرَآباذي، عن الشِّبْلي، عن الجنيد عن السَّري السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطَّائي، عن حبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 727

حج أبو القاسم القُشَيْري سنة من السنين، فاتفق أن حج تلك السنة أربعمئة نفس من قضاة المسلمين وأئمتهم من أقطار البلدان وأقاصي الأراضي، فأرادوا أن يتكلم واحد منهم في حرم الله تعالى، فاتفق الكل على الأستاذ الإمام أبي القاسم القُشَيْري، فتكلَّم هو باتفاق منهم] (١). مات سنة خمس وستين وأربعمئة، ودفن في المدرسة إلى جانب الأستاذ (٢) أبي علي الدَّقَّاق. [ومن أصحابه الشَّيخ أبو علي فضل بن محمَّد الفارمدي (٣)، وأبو الحسن علي بن عُثمان الغَزْنَوي، صاحب "كشف المحجوب" هو من الكتب المعتبرة في فن التصوف. ونقل عن أبي القاسم القُشَيْري في "كشف المحجوب" أنه قال: مثل الصوفي كمثل البَرسام، أوله هذيان وآخره سكوت، فإذا تمكنت خرست. وقال: التوحيد سقوط الرسم عند ظهور الاسم، وفناء الأغيار عند طلوع الأنوار، وتلاشي الخلائق عند ظهور الحقائق، (وفقد رؤية) (٤) الأغيار عند وجه قربة الجبار جل ذكره. ومما أنشده لنفسه: سقى الله وقتًا كنتُ أخلو بوجْهِكم … وثغرُ الهوى في روضةِ الأُنْسِ ضَاحِكُ أقمنا زمانًا والعيونُ قريرةٌ … وأصبحْتُ يومًا والجفونُ سوافكُ] (٥)

стр. 728

الكتيبة السابعة [٢٦٩ - شمس الأئمة الحَلْوَاني (١)] الشَّيخ الإمام، شمس الأئمَّة، عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحَلْوَاني البُخاري. ضبطه عبد القادر في "الجواهر المضية" بفتح الحاء وسكون اللام وبعدها واو وألف ساكنة، وفي آخرها نون، منسوب إلى عمل الحلوى. [وفي "القاموس": الحُلو ضد المرِّ، حَلِيَ كَرَضِيَ ودَعا [وسَرُو] (٢)، حلاوة وحَلْوًا وحُلوانًا بالضم، والحلواء تمد (٣) وتقصر معروف، والفاكهة الحلوة، والحُلوان بلدان وقريتان، ونسبة إلى الحلاوة شمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحَلْوَاني، ويقال بهمزة بدل النون، وأبو المعالي عبد الله بن أحمد الحَلْوَاني، إلى هنا من "القاموس". كان (٤) من أهل بخارى، إمام أصحاب أبي حنيفة بها] (٥). تفقه على القاضي الإمام أبي علي الحسين بن الخضر النَّسَفي، وأخذ عنه عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي حفص الصَّغير، عن أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة، [وحدث "شرح معاني الأثار" عن

стр. 729

أبي بكر محمَّد بن عُمَر بن حمدان، عن الإمام أبي إبراهيم محمَّد بن سعيد البَزْدَوي، عن الطَّحاوي. فسمعه منه تلميذه شمس الأئمة، الزَّرَنْجري بكر بن محمَّد بن علي الأنصاري، وأخذ عنه الفروع والأصول، وتفقَّه عليه أيضًا أبوه أبو بكر محمَّد (بن علي الزَّرَنْجري، وكان من قدماء أصحاب شمس الأئمة الحَلْوَاني، وابنه بكر بن محمَد آخر من تفقَّه عليه، وروى عنه وتفقَّه عليه وتخرج وبه انتفع شمس الأئمة السَّرَخْسي الشَّيخ الإمام أبو بكر محمد) (١) بن أحمد بن أبي سهل، ومن أصحابه وأحد رواة أماليه وأحد من كتب عنه محمَّد بن الحسن بن منصور أبو بكر النَّسَفي (٢)، وتفقَّه عليه أيضًا عبد الكريم ابن أبي حنيفة الأَنْدَقي] (٣). ومن تصانيفه "المبسوط". قال برهان الإسلام الزُّرْنوجي في كتابه المسمى بـ "تعليم المتعلم" في فصل بداية السبق: كان نصر بن صالح أبو الشَّيخ الإمام الأجَل شمس الأئمَّة الحَلْوَانِي ﵀ فقيرًا يبيع الحلوى، وكان يعطي الفقهاء من الحلوى، ويقول ادعوا لابني، فببركة (جدوده (٤) واعتقاده وشفقته وتضرعه بالله (٥) نال ابنه ما نال. [وفي الفصل الثالث والعشرين من فصول مجد الدِّين "محمَّد الأُسْتُرُوشَني":

стр. 730

ذكر في "الفتاوى الصُّغرى": بيع الوصي عقار اليتيم بمثل قيمته يجوز، ولم يشترط في الكتاب شيئًا آخر، قال شمس الأئمة الحَلْوَاني: هذا جواب السلف أيضًا، أما جواب المتأخرين أنه إنّما يجوز بإحدى شرائط ثلاث: إما أن يرغب فيه رجل بضعف قيمته، أو للصغير حاجة إلى ثمنه، أو على الميت دين ولا مال له إلا هذا، وبه نفتي (١)، وفي الأب أفتينا بظاهر الرواية أنه يملك أن يبيع ماله من ابنه أو يشتري مال الابن لنفسه بشرط أن لا يتضرر به الصغير، ولو باع بمثل القيمة أو اشترى بمثل القيمة يجوز، وفي الوصي يعتبر أن يكون خيرًا لليتيم، إلا (٢) في العقار إذا أراد بيعه على قول المتأخرين لا يجوز إلا بضعف قيمته. وفي الفصل الأول من الباب السادس من كتاب الصلاة من "فتاوى القاضي ظهير الدِّين": وكما يجوز أداء الجمعة في المصر يجوز أداؤها في فناء المصر، وفناء المصر هو الموضع الذي يعد لمصالح المصر وهو متصل بالمصر، وقدره بعضهم بالغَلْوَة، وبعض المشايخ بفرسَخَيْن، وبعضهم بثلاثة أميال، وبعضهم بمنتهى صوت المؤذن، وإلى القول الثاني مال الشَّيخ الإمام المعروف بخواهَرْ زَادَه وشمس الأئمَّة السَّرَخْسِي. ومن كان مقيمًا في عمران المصر وأطرافه ليس بينه وبين المصر فرجة فعليهم الجمعة، ولو كان بين المصر وبين ذلك الموضع فرجة من المزارع والمراعي نحو القلع ببخارى لا جمعة على أهل ذلك الموضع، وإن كان النداء يبلغهم، والغَلْوَة والميل والأميال ليس بشيء، وهو اختيار شمس الأئمَّة الحَلْوَاني. وفي فصل الشهادة على الشهادة من "فتاوى القاضي فخر الدِّين قاضي خان": فرعان شهدا على شهادة أصيلين: إن كان القاضي يعرف الأصول والفروع بالعدالة

стр. 731

قضى بشهادتهم، وإن عرف الأصول بالعدالة ولم يعلم الفروع يسأل عن الفروع، وإن عرف الفروع بالعدالة ولم يعرف الأصول ذكر الخَصَّاف: أنّ القاضي يسأل الفروع عن أصولهم، ولا يقضي قبل السؤال، فإن عدلا الأصول تثبت عدالة الأصول بشهادتهما في ظاهر الرواية، وعن محمَّد أنه لا تثبت عدالة الأصول بتعديل الفروع، والصحيح ما في ظاهر الرواية، وإن قال الفرعان للقاضي: لا نخبرك لا تقبل (١) شهادتهما، فإن قال المدعي: أنا آتيك بمن يعدلهما، أو يقول: سل أنت عنهما غيرهما؛ على قول محمَّد: لا يلتفت إليهما، ولا يقضي بشهادتهما. وعن أبي يوسف أنه إذا قال الفرعان: لا نخبرك؛ فإنَّ القاضي يسأل غير الفرعين عن الأصول، ولو قال الفرعان: لا نعرف الأصول أعدل أم لا؟ قال الشَّيخ الإمام القاضي أبو الحسن علي السُّغْدي (٢): هذا وقول الفروع (٣): لا نخبرك سواء، وقال شمس الأئمة الحَلْوَاني: إذا قالا: لا نعرفه (٤) أعدل أم لا؛ يرد القاضي شهادتهما، ويسأل عن الأصول غيرهما، وهو الصحيح؛ لأنَّ شاهد الأصل بقي مستورًا، ولو قال الفرع للقاضي: أنا أتهمه في الشهادة؛ لا يقبل القاضي شهادة الفرع على شهادته، إلى هنا من "فتاوي قاضي خان". وفي كتاب الحظر والإباحة في فصل التسبيح والصلاة وما يرجع إليها من الأمور الدينية: يجوز السباق في أربعة أشياء: في الخف يعني البعير، وفي الحافر يعني الفرس، وفي النَّصْل يعني الرمي، وفي المشي بالأقدام يعني العَدو، ويجوز إذا

стр. 732

كان البدل من جانب واحد بأن قال: إن سبقتك فلي كذا وكذا، وإن سبقتني فلا شيء لك، فإن كان البدل من الجانبين فهو حرام، لأنَّه قمار، إلا إذا جعلا محللًا بينهما، فقال كل واحد منهما: إن سبقتني فلك كذا، وإن سبقتك فلي كذا، وإن سبق الثالث فلا شيء له، فهو جائز وحلال، والمراد من الجواز الحل والطيب دون الاستحقاق، فإنّه لا يصير مستحقًّا. وما يفعله الأمراء فهو جائز أيضًا بأن يقول للاثنين: أيكما سبق فله كذا، وإنما جوَّزوا السباق في هذه الأشياء الأربعة لورود الآثار فيها، ولا أثر في غيرها، قال الشَّيخ الإمام شمس الدِّين الحَلْوَاني: يجوز أيضًا في الفقيهين إذا تكلَّما في مسألة، إن كان البدل على أحدهما جاز، وإن كان البدل من الجانبين لا يجوز، وإنما يجوز السباق في الدَّواب إذا كان فرسه قد سُبِق، وقد سَبَق. وفي "مختصر المحيط السَّرَخْسي": وتجوز المسابقة في أربعة أشياء: في النصل والخف والحافر والقدم، والمراد بالحافر الفرس، وبالخف الإبل، وبالنصل الرمي بالسهام وكل سلاح يمكن أن يرمى به، ثم المسابقة على أربعة أوجه، ثلاثة منها حلال والرابع حرام: أما الوجه الأول الحلال: أحدها لو قال السُّلطان لواحد من رؤساء الجماعة من الفرسان أو لاثنين: من سبق منكم فله كذا، فإن سُبِق فلا شيء عليه، وكذلك في الرمي، فلو قال: من أصاب منكم فله كذا. والثاني: لو قال لصاحبه: إن سبقتني في السهام أو الفرس أو المشي فلك كذا، وإن سبقْتُ فلا شيء عليك. والثالث: إذا كان الجعل من الجانبين وبينهما محلِّل وهو جائز، وتفسير المحلِّل:

стр. 733

أن يقول كل منهما: إن سبقتك فلي كذا، وإن سبق (١) الثالث فلا شيء له ولا لي، وهذا إذا كان المحلِّل على وجه يتوهم أن يسبق، وإن كان لا يتوهم يكون قمارًا. والرابع: أن يجعل الجُعْل من الجانبين فهو حرام وقمار. وإنما تجوز الرهان والمسابقة فيما يجوز أن يسبق كل واحد، فأما إذا علم غالبًا أن يسبق أحدهما ولا يسبق الآخر فإنّه لا يجوز، فعلى قياس هذا ما يجري بين طلبة العلم من الاختلاف في مسألة، وأرادوا الرجوع إلى الأستاذ، وشرط أحدهما لصاحبه إن كان الجواب كما قلت لأعطيك (٢) كذا، وإن كان كما قلت لا آخذ منك شيئًا فهذا جائز، وإن كان الشرط من الجانبين فهو قمار إلا إذا كان بينهما محلل، وعلله في "المحيط الكبير": لأنَّ في الأفراس إذا جوز ذلك لمعنى يرجع إلى الجهاد، فيجوز هذا أيضًا للحث على الجهد في التعلم. وفي الفصل التاسع من "فصول الأُسْتُرُوشَني" قال: فإن ادَّعى منقولًا قائمًا؛ فإن أمكن إحضاره مجلس الحكم فالقاضي لا يسمع دعوى المدعي ولا شهادة شهوده إلا بعد إحضار ما وقع فيه الدعوى مجلس الحكم، حتى يشير إليه المدعي والشهود؛ لينقطع الشركة بين المدعي وبين غيره، قال شمس الأئمة الحَلْوَاني: ومن المنقولات ما لا يمكن إحضاره عند القاضي كالصبرة من الطعام، والقطيع من الغنم، والقاضي فيه بالخيار؛ إن شاء حضر ذلك الموضع لو تيسر له ذلك، وإن كان لا يتهيأ له الحضور، وكان يأذن بالاستخلاف يبعث خليفته إلى ذلك الموضع، وهو نظير ما إذا كان القاضي في داره، ووقعت الدعوى في جمل، ولا يسع في باب داره، فإنّه يخرج إلى باب داره أو يأمر نائبه حتى يخرج ليشير إليه الشهود بحضرته.

стр. 734

وفي "الخلاصة" في الفصل الثالث من كتاب الطهارة في الأصل أيضًا: القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء والصلاة فرضًا كانت أو نفلًا، سواء كانت القهقهة عمدًا أو نسيانًا، والتبسم لا ينقض، والضحك في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة (لا ينقض الوضوء، ولكن ينقض صلاة الجنازة وسجدة التلاوة) (١) وإنما ينقض الوضوء إذا كان بحال يسمع صوته، سواء بدت أسنانه أو لم تبدُ. في "الأجناس": (وقال شمس الأئمة الحَلْوَاني: إِنَّ في نسخته -أي القاضي الإمام- يحكي عن الشَّيخ أنَّه إذا ضحك حتى بدت نواجذه ومنعه من القراءة والتسبيح فهو حدث. وفي "جامع أحكام الصفار" لمجد الدِّين محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوْشَني قال] (٢): وفي "جامع أحكام التجنيس": ولو تلا آية السجدة في نومه، فسمع رجل يلزمه السجدة كما لو سمع من اليقظان (٣)) (٤)، قال شيخ الإسلام برهان الدين: هكذا ذكر (٥) في فتاوى الإمام الحَلْوَاني ﵀، وقد قرأنا (على شيخنا) (٦) منهاج الشَّريعة: أنَّ من سمع القراءة من النائم أو المجنون لا يلزمه السجدة، لأنَّ السبب سماع تلاوة صحيحة، وصحة التلاوة بالتمييز. * * *

стр. 735

[٢٧٠ - أبو زيد الدَّبُوسي (١)] الشَّيخ القاضي (٢) الإمام، أبو زيد الدَّبُوسي، عبيد (٣) الله بن عمر (٤) بن عيسى ﵀. دَبُوسية قرية بسُغْد سمرقند، وقيل دَبُوس قرية بين بخاري وسمرقند. تفقَّه على الشَّيخ الإمام أبي جعفر الأُسْتُرُوشَني، وأخذ عنه عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ الإمام عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي حفص (٥) الصَّغير، عن أبيه الإمام الكبير أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وتفقَّه عليه الشَّيخ الإمام أبو النَّصر أحمد بن عبد الرَّحمن الرِّيْغْذَمُوني. وهو أول من وضع علم الخلاف وأبرزه. وله طريقة حسنة ومصنَّفات، وأجل تصانيفه "كتاب الأسرار"، وله "النظم في الفتاوى"، و"كتاب التقويم للأدلة"، (وغير ذلك) (٦). [وفي "فتاوى القاضي الإمام ظهير الدِّين البُخاري" في النوع الثاني من الفصل

стр. 736

الثاني من الباب الرابع من كتاب الطهارة: المسح على الجبيرة كالمسح لما تحتها، ولو لم يمسح على الجبيرة أجزاه عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز، وإذا كان المسح يضره جاز بالاتفاق، فأبو حنيفة فرَّق بين المسح على الجبيرة وبين المسح على الخفِّ، ووجه الفرق بينهما: أنَّ غسل ما تحت الخفِّ واجب، لولا الخف يجب غسله، أما ما تحت الجبيرة فغسله غير واجب، فلا حاجة إلى إقامة المسح مقامَه. والاستيعاب شرط ذكره القاضي الإمام أبو زيد الدَّبُوسي في "الأسرار"، وذكر الشَّيخ الإمام المعروف بخواهَرْ زَادَه: أَنَّه إذا مسح الأكثر جاز، ولو لم تكن الجراحة تحت جميع الجبائر يباح له المسح تبعًا لموضع الجراحة، وكذلك الفصد على هذا، والفرجة والمستور سواء في جواز المسح، وإذا شدَّ الجبائر على غير طهارة يجوز المسح على الجبائر، ولو سقطت الجبيرة فأبدل غيرها مكانها جاز. وفيه في آخر الفصل الأول من الباب الرابع من كتاب الصلاة قال: الأصل عند ابن شجاع أنَّ وجوب الصلاة معلَّق بأول الوقت وجوبًا موسَّعًا، ويتعيَّن بآخر الوقت، وعلى هذا القول: كل (١) عبادة مؤقتة بوقت والوقت ليس بمعيار لها، وعلى قول الحسن الوجوب معلَّق بآخر الوقت، وعلى هذا القول إذا صلَّى في أول الوقت؛ في قول يقع فرضًا ويتعيَّن ذلك الوقت للوجوب فيه، وفي قول يتوقف فيه، فإن بلغ آخر الوقت وهو أهل للوجوب يقع فرضًا، وإن لم يكن أهلًا يكن نفلًا، ولكنه يمنع لزوم الفرض قبل دخول الوقت، واختيار القاضي أبي زيد الدَّبُوسى أنَّ الوقت سبب لوجوب الأداء، وكل الوقت ليس بسبب، لكن السبب هو الجزء الذي يتصل به الأداء. واختلف أصحابنا ﵏ في حكم آخر الوقت، قال أكثرهم: الوجوب متعلِّق بمقدار التَّحريمة، وقال زفر ﵀: يتعلق إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدِّي فيه

стр. 737

الصلاة، وهذا القول مختار القُدُوري، والقول الأول اختيار القاضي، وثمرة الخلاف تظهر في الحائض إذا طهرت آخر الوقت، والصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق؛ عند أصحابنا ﵏ تجب إذا بقي من الوقت ما توجد فيه التحريمة، وعند زفر ومن تابعه من أصحابنا لا تجب (١) ولا يتعيَّن إلا إذا أدرك من الوقت مقدار ما يمكن الأداء فيه. وإذا اعترضت هذه العوارض في آخر الوقت سقط الفرض بالإجماع، ولو أنَّ غلامًا صلَّى العشاء ثم احتلم ولم ينتبه حتى طلع الفجر؛ قال بعضهم: ليس عليه قضاء العشاء، وقال بعضهم: عليه إعادة العشاء وهو المختار، وإن استيقظ قبل طلوع الفجر عليه العشاء إجماعًا، وهذه واقعة محمَّد ﵀ سألها أبا حنيفة ﵀، فأجابه بما قلنا آنفا] (٢). * * * [٢٧١ - أبو الحسين القُدُوري (٣)] الشَّيخ الإمام الفقيه، أبو الحسين (٤)، أحمد بن محمَّد بن أحمد بن جعفر بن حمدان القُدُوري. قيل: نسبة إلى قرية من قرى بغداد، ويقال لها: قُدُورَة بضم القاف والدال المهملة وسكون الواو وفتح الراء، وقيل: نسبة إلى بيع القدور وهي جمع قدر.

стр. 738

(وفي "القاموس": القِدْر معروف أنثى أو يؤنث) (١) والجمع قُدُوْر. (وهذه الأيام اشتهر (٢) بهذه النسبة) (٣). وهو صاحب المختصر المبارك المتداول بين أيدي الطلبة المشهور (٤) بـ "كتاب القُدُوري"، (نفع الله به خلقًا) (٥) لا يحصون، (جعله صاحب "الهداية" أصلًا لـ "البداية"، حيث جمع "كتاب البداية" من هذا "المختصر"، و"الجامع الصَّغير الحسامي") (٦). أخذ الفقه عن أبي عبد الله محمَّد بن يحيى الجُرْجَاني، عن أبي بكر الرَّازِي أحمد بن علي الجصَّاص، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن موسى بن نصر الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة، (وأبي سعيد البَرْدَعي، عن أبي علي الدَّقَّاق، عن موسى بن نصر الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة) (٧). وتفقَّه عليه أبو نصر أحمد بن محمَّد بن محمَّد المعروف بالأقطع، وعبد الواحد بن علي بن برهان أبو القاسم. كان ثقة صدوقًا، انتهت إليه رئاسة الحنفيَّة في زمانه بالعراق، وارتفع جاهه، وعظم قدره، (وكان حسن العبارة في النظر، جريء اللسان، [مديمًا] لتلاوة القرآن) (٨).

стр. 739

صنَّف "المختصر" و"شرح مختصر الكَرْخي"، وله "كتاب التَّجريد" في سبعة أسفار، يشتمل على الخلاف بين الشَّافعي وأبي حنيفة وأصحابه، أشار فيه أنه شرع في إملائه سنة خمس وأربعمئة. وله أيضًا "كتاب التقريب في مسائل الخلاف بين أبي حنيفة وأصحابه" مجردًا عن الدلائل، ثم "كتاب التقريب" الثاني، فذكر المسائل بأدلتها، وله مختصر جمعه لابنه محمَّد بن أحمد، مات وهو شاب، تفقَّه يسيرًا، وكان أبوه القُدُوري يتساهل في تعليمه، ويقول: دعوه يعيش لروحه، فمات سنة أربع وأربعمئة، ولم يبلغ أوان الرواية، ومات القُدُوري ﵀ سنة ثمان وعشرين وأربعمئة [ببغداد. وفي الفصل السابع من كتاب الإجارة من "خلاصة الفتاوى" قال في الأصل: لو قال المستأجر: أنا أريد السفر، وقال الآجر: إنه يتعلل، ولا يريد الخروج، حلَّف القاضي المستأجر بالله أنك عزمت على (١) السفر، وفسخ العقد بينهما، وإليه مال الكَرْخي والقُدُوري، فلو خرج المستأجر إلى السفر بعد الفسخ، ثم رجع، وقال: بدا لي في ذلك، وقال: خصمه إنه كاذب، يُحلَّف بالله أنك قاصد في خروجك إلى السفر، وإن لم يرد السفر لكن وجد بيتًا أرخص منه فهذا ليس بعذر، (وكذا لو اشترى المستأجر منزلًا فأراد التَّحول، فهذا ليس بعذر) (٢). وفي "فتاوى قاضي خان" في باب الإجارة الفاسدة: مسلم آجر نفسه من نصراني إن استأجره لعمل غير الخدمة جاز، فإن آجر نفسه للخدمة قال الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل: لا يجوز، وذكر القُدُوري: أنه يجوز، ويكره له خدمة الكافر، وذكر فيه ذمِّي استأجر مسلمًا ليحمل له خمرًا جاز في قول أبي حنيفة كما يجوز استئجار

стр. 740

الكنَّاس، وقال صاحباه: لا يجوز، وسنذكر هاتين المسألتين بتفاصيلهما إن شاء الله تعالى في ذكر الشَّيخ الإمام أبي المفاخر عبد الغفور بن لقمان تلميذ الشَّيخ الإمام أبي الفضل عبد الرَّحمن الكَرْماني] (١). * * * [٢٧٢ - النَّاطِفي (٢)] الشَّيخ الإمام الزَّاهد، أبو العبَّاس، أحمد بن محمَّد بن عمرو (٣) النَّاطِفي الطَّبري (٤) ﵀. نسبة إلى عمل النَّاطف (٥) وبيعه. وفي "شرح الهداية" قال أمير كاتب الأَتْقاني في فصل الغسل في "غاية البيان": أبو العبَّاس أحمد النَّاطِفي، هو من كبار علمائنا العراقيين. تلميذ أبي عبد الله الجُرْجَاني، وهو تلميذ أبي بكر الجصَّاص الرَّازِي، وهو تلميذ أبي الحسن الكَرْخي، وهو تلميذ أبي سعيد البرْدَعي، وهو تلميذ الشَّيخ أبي خازم القاضي، وهو تلميذ عيسى بن أَبَان، وهو تلميذ محمَّد بن الحسن، وهو تلميذ
следующие страницы →