← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الثاني من الباب الرابع من كتاب الطهارة: المسح على الجبيرة كالمسح لما تحتها، ولو لم يمسح على الجبيرة أجزاه عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز، وإذا كان المسح يضره جاز بالاتفاق، فأبو حنيفة فرَّق بين المسح على الجبيرة وبين المسح على الخفِّ، ووجه الفرق بينهما: أنَّ غسل ما تحت الخفِّ واجب، لولا الخف يجب غسله، أما ما تحت الجبيرة فغسله غير واجب، فلا حاجة إلى إقامة المسح مقامَه. والاستيعاب شرط ذكره القاضي الإمام أبو زيد الدَّبُوسي في "الأسرار"، وذكر الشَّيخ الإمام المعروف بخواهَرْ زَادَه: أَنَّه إذا مسح الأكثر جاز، ولو لم تكن الجراحة تحت جميع الجبائر يباح له المسح تبعًا لموضع الجراحة، وكذلك الفصد على هذا، والفرجة والمستور سواء في جواز المسح، وإذا شدَّ الجبائر على غير طهارة يجوز المسح على الجبائر، ولو سقطت الجبيرة فأبدل غيرها مكانها جاز. وفيه في آخر الفصل الأول من الباب الرابع من كتاب الصلاة قال: الأصل عند ابن شجاع أنَّ وجوب الصلاة معلَّق بأول الوقت وجوبًا موسَّعًا، ويتعيَّن بآخر الوقت، وعلى هذا القول: كل (١) عبادة مؤقتة بوقت والوقت ليس بمعيار لها، وعلى قول الحسن الوجوب معلَّق بآخر الوقت، وعلى هذا القول إذا صلَّى في أول الوقت؛ في قول يقع فرضًا ويتعيَّن ذلك الوقت للوجوب فيه، وفي قول يتوقف فيه، فإن بلغ آخر الوقت وهو أهل للوجوب يقع فرضًا، وإن لم يكن أهلًا يكن نفلًا، ولكنه يمنع لزوم الفرض قبل دخول الوقت، واختيار القاضي أبي زيد الدَّبُوسى أنَّ الوقت سبب لوجوب الأداء، وكل الوقت ليس بسبب، لكن السبب هو الجزء الذي يتصل به الأداء. واختلف أصحابنا ﵏ في حكم آخر الوقت، قال أكثرهم: الوجوب متعلِّق بمقدار التَّحريمة، وقال زفر ﵀: يتعلق إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدِّي فيه

стр. 737

الصلاة، وهذا القول مختار القُدُوري، والقول الأول اختيار القاضي، وثمرة الخلاف تظهر في الحائض إذا طهرت آخر الوقت، والصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق؛ عند أصحابنا ﵏ تجب إذا بقي من الوقت ما توجد فيه التحريمة، وعند زفر ومن تابعه من أصحابنا لا تجب (١) ولا يتعيَّن إلا إذا أدرك من الوقت مقدار ما يمكن الأداء فيه. وإذا اعترضت هذه العوارض في آخر الوقت سقط الفرض بالإجماع، ولو أنَّ غلامًا صلَّى العشاء ثم احتلم ولم ينتبه حتى طلع الفجر؛ قال بعضهم: ليس عليه قضاء العشاء، وقال بعضهم: عليه إعادة العشاء وهو المختار، وإن استيقظ قبل طلوع الفجر عليه العشاء إجماعًا، وهذه واقعة محمَّد ﵀ سألها أبا حنيفة ﵀، فأجابه بما قلنا آنفا] (٢). * * * [٢٧١ - أبو الحسين القُدُوري (٣)] الشَّيخ الإمام الفقيه، أبو الحسين (٤)، أحمد بن محمَّد بن أحمد بن جعفر بن حمدان القُدُوري. قيل: نسبة إلى قرية من قرى بغداد، ويقال لها: قُدُورَة بضم القاف والدال المهملة وسكون الواو وفتح الراء، وقيل: نسبة إلى بيع القدور وهي جمع قدر.

стр. 738

(وفي "القاموس": القِدْر معروف أنثى أو يؤنث) (١) والجمع قُدُوْر. (وهذه الأيام اشتهر (٢) بهذه النسبة) (٣). وهو صاحب المختصر المبارك المتداول بين أيدي الطلبة المشهور (٤) بـ "كتاب القُدُوري"، (نفع الله به خلقًا) (٥) لا يحصون، (جعله صاحب "الهداية" أصلًا لـ "البداية"، حيث جمع "كتاب البداية" من هذا "المختصر"، و"الجامع الصَّغير الحسامي") (٦). أخذ الفقه عن أبي عبد الله محمَّد بن يحيى الجُرْجَاني، عن أبي بكر الرَّازِي أحمد بن علي الجصَّاص، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن موسى بن نصر الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة، (وأبي سعيد البَرْدَعي، عن أبي علي الدَّقَّاق، عن موسى بن نصر الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة) (٧). وتفقَّه عليه أبو نصر أحمد بن محمَّد بن محمَّد المعروف بالأقطع، وعبد الواحد بن علي بن برهان أبو القاسم. كان ثقة صدوقًا، انتهت إليه رئاسة الحنفيَّة في زمانه بالعراق، وارتفع جاهه، وعظم قدره، (وكان حسن العبارة في النظر، جريء اللسان، [مديمًا] لتلاوة القرآن) (٨).

стр. 739

صنَّف "المختصر" و"شرح مختصر الكَرْخي"، وله "كتاب التَّجريد" في سبعة أسفار، يشتمل على الخلاف بين الشَّافعي وأبي حنيفة وأصحابه، أشار فيه أنه شرع في إملائه سنة خمس وأربعمئة. وله أيضًا "كتاب التقريب في مسائل الخلاف بين أبي حنيفة وأصحابه" مجردًا عن الدلائل، ثم "كتاب التقريب" الثاني، فذكر المسائل بأدلتها، وله مختصر جمعه لابنه محمَّد بن أحمد، مات وهو شاب، تفقَّه يسيرًا، وكان أبوه القُدُوري يتساهل في تعليمه، ويقول: دعوه يعيش لروحه، فمات سنة أربع وأربعمئة، ولم يبلغ أوان الرواية، ومات القُدُوري ﵀ سنة ثمان وعشرين وأربعمئة [ببغداد. وفي الفصل السابع من كتاب الإجارة من "خلاصة الفتاوى" قال في الأصل: لو قال المستأجر: أنا أريد السفر، وقال الآجر: إنه يتعلل، ولا يريد الخروج، حلَّف القاضي المستأجر بالله أنك عزمت على (١) السفر، وفسخ العقد بينهما، وإليه مال الكَرْخي والقُدُوري، فلو خرج المستأجر إلى السفر بعد الفسخ، ثم رجع، وقال: بدا لي في ذلك، وقال: خصمه إنه كاذب، يُحلَّف بالله أنك قاصد في خروجك إلى السفر، وإن لم يرد السفر لكن وجد بيتًا أرخص منه فهذا ليس بعذر، (وكذا لو اشترى المستأجر منزلًا فأراد التَّحول، فهذا ليس بعذر) (٢). وفي "فتاوى قاضي خان" في باب الإجارة الفاسدة: مسلم آجر نفسه من نصراني إن استأجره لعمل غير الخدمة جاز، فإن آجر نفسه للخدمة قال الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل: لا يجوز، وذكر القُدُوري: أنه يجوز، ويكره له خدمة الكافر، وذكر فيه ذمِّي استأجر مسلمًا ليحمل له خمرًا جاز في قول أبي حنيفة كما يجوز استئجار

стр. 740

الكنَّاس، وقال صاحباه: لا يجوز، وسنذكر هاتين المسألتين بتفاصيلهما إن شاء الله تعالى في ذكر الشَّيخ الإمام أبي المفاخر عبد الغفور بن لقمان تلميذ الشَّيخ الإمام أبي الفضل عبد الرَّحمن الكَرْماني] (١). * * * [٢٧٢ - النَّاطِفي (٢)] الشَّيخ الإمام الزَّاهد، أبو العبَّاس، أحمد بن محمَّد بن عمرو (٣) النَّاطِفي الطَّبري (٤) ﵀. نسبة إلى عمل النَّاطف (٥) وبيعه. وفي "شرح الهداية" قال أمير كاتب الأَتْقاني في فصل الغسل في "غاية البيان": أبو العبَّاس أحمد النَّاطِفي، هو من كبار علمائنا العراقيين. تلميذ أبي عبد الله الجُرْجَاني، وهو تلميذ أبي بكر الجصَّاص الرَّازِي، وهو تلميذ أبي الحسن الكَرْخي، وهو تلميذ أبي سعيد البرْدَعي، وهو تلميذ الشَّيخ أبي خازم القاضي، وهو تلميذ عيسى بن أَبَان، وهو تلميذ محمَّد بن الحسن، وهو تلميذ

стр. 741

أبي حنيفة؛ [وأبو سعيد البَرْدَعي أيضًا تلميذ (موسى بن نصر) (١) الرَّازِي، وهو تلميذ محمَّد. وأما أستاذ النَّاطِفي فقد اشتهر بأبي عبد الله الجُرْجَاني، وهو محمَّد بن يحيى بن مهدي تلميذ الكَرْخي وأستاذ القُدُوري] (٢). رأيت في "أجناس النَّاطِفي" في جنس: القعدةُ الأخيرة مقدَّرة بقدر التشهد؛ لأنَّه ذكر في "المجرد": وقال (٣) أبو حنيفة: وإن لم يجلس الإمام ومن خلفه مقدار التشهد حتى انصرفوا كانت صلاتهم فاسدة، وحكى شيخنا أبو عبد الله الجُرْجَاني، عن أبي سعيد البَرْدَعي: أنّ الواجب أدنى ما يتناوله الاسم كالركوع والسجود، وهذا اختياره، وليس بمذهب علمائنا، إلى هنا من "أجناسه". [ورأيت (٤) فيه أيضًا في كتاب المناسك في جنس الحلال: إذا قتل صيدًا في الحرم عليه قيمته، وله أن يهدي لها ويشتري بقيمته هديًا فيذبحه ويتصدق باللحم على الفقراء، وقد فسَّره الحسن (٥) بن زياد في "مناسكه" فقال: ينظر، إن كان في لحمه وفاء بقيمة الهدي حيًّا جاز، وإن لم يكن بقيمته وفاء لو كان حيًّا عليه أنه (٦) يتصدَّق بتمام القيمة ويجزيه (٧)، وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله الجُرْجَاني في مسائل أصحابنا:

стр. 742

روي عن أبي حنيفة كما فسَّره الحسن، وكان يقول في الدَّرس: إن كان قيمة الهدي عند الذبح حيًّا قدر قيمة الصيد، ثم نقص بالذبح قيمته عن قيمة الصيد جاز، ولا شيء عليه للنقصان على ظاهر رواية الأصل. وفيه في كتاب النكاح أيضًا: كان أبو الحسن يقول: ينعقد بلفظ الإجارة النكاح، وكان شيخنا أبو عبد الله الجُرْجَاني يحكي عن أبي بكر الرَّازِي: أنه لا ينعقد به النكاح، وهو اختيار شيخنا، وهو الصحيح، ولا أعرفه منصوصًا. وذكر في "أجناسه" أيضًا: كان شيخنا أبو عبد الله الجُرْجَاني يقول في الدرس: لا ينعقد بلفظة الإقالة النكاح؛ لأنها موضوعة لفسخ عقد سابق، وعلى هذا لفظ الخلع لا ينعقد به النكاح؛ لأنّه موضوع لرفع عقد سابق، وعلى هذا لفظ الصلح؛ لأنّه موضوع للحطيطة وإسقاط الحق. واعلم أني رأيت في "الجواهر" في نسختي: أحمد بن محمد بن عَمْرو أبو العبَّاس النَّاطِفي، ذكره صاحب "الهداية" في الطهارة بلفظ: النَّاطِفي أحد الفقهاء الكبار وأحد أصحاب الواقعات والنوازل. من تصانيفه "الأجناس"، و"الفروق"، و"الواقعات" في مجلد، انتهى. ذكر في "الهداية" في الفصل الخامس من كتاب القضاء من "الفتاوى التَّتارخانية" قال: وفي "الذخيرة" وفي "هداية النَّاطِفي": إذا مات القاضي أو عزل ينعزل خلفاؤه من القضاء، وكذلك إذا انعزل أمير الناحية انعزل قضاته بخلاف ما إذا مات الخليفة انتهى. والأصل أن لا ينعزل، وعليه كثير من المشايخ، قال أبو عبد الله الجُرْجَاني في "خزانة الأكمل": قال أبو العبَّاس النَّاطِفي رأيت بخط بعض مشايخنا في رجل

стр. 743

جعل (١) لأحد بنيه دارًا بنصيبه على أن لا يكون له بعد موت الأب ميراثًا جاز، وأفتى به الفقيه أبو جعفر ابن اليمان أحد أصحاب محمَّد بن شجاع، وحكى ذلك أصحاب أحمد بن الحارث، وأبو عَمْرو الطبري. مات بالرَّي سنة ست وأربعين وأربعمئة، وهذا صورة ما قاله عبد القادر في "الجواهر المضية". وقد نصَّ عبد القادر في كتابه هذا في باب الياء (٢) حيث قال فيه: يوسف بن محمَّد أبو عبد الله الجُرْجَاني، تفقَّه على أبي الحسن الكَرْخي، ومن تصانيفه "خزانة الأكمل" في ست مجلدات، كذا قال ابن قُطْلُوبُغا في تراجمه: يوسف بن علي بن محمَّد الجُرْجَاني، أبو عبد الله صاحب "خزانة الأكمل" في ست مجلدات، تفقَّه على أبي الحسن الكَرْخي. فوقع بين الكلامين اضطراب، فإنّ النَّاطِفي تلميذ أبي عبد الله محمَّد بن يحيى الجُرْجَاني، وهو تلميذ الجصَّاص أبي بكر الرَّازِي، وهو تلميذ أبي الحسن الكَرْخي مات في سنة أربعين وثلاثمئة، والنَّاطِفي مات في سنة أربعين وأربعمئة، فأنى يتيسر (٣) نقل أبي عبد الله الجُرْجَاني يوسف تلميذ الشَّيخ أبي الحسن الكَرْخي عن أبي عباس النَّاطِفي تلميذ تلميذ أبي الحسن الكَرْخي الذي مات بعد الكَرْخي بمئة سنة، وهذا في غاية البعد وإن ساعده السن، وعلى تقدير صحة هذا النقل ووقوعه في "خزانة الأكمل" يلزم أن لا يصح تلمُّذه عن الكَرْخي، والله المرشد للصواب] (٤).

стр. 744

[٢٧٣ - المُسْتَغْفِري (١)] الشَّيخ الإمام الخطيب الحافظ أبو العبَّاس جعفر بن محمَّد (بن المعتز بن محمَّد) (٢) بن المستغفر بن الفتح المُسْتَغْفِرِي النَّسَفِي ﵀. كان ﵀ فقيهًا فاضلًا ومحدِّثًا صدوقًا، يرجع إلى فهم ومعرفة وإتقان، جمع الجموع، وصنف التصانيف وأحسن فيها، لم يكن بما وراء النَّهر في عصره من يجري مجراه في الجمع والتصنيف وفهم الحديث والتفسير. أخذ الفقه عن الشَّيخ الإمام القاضي أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل عن عبد الله (٣) السُّبَذْمُونِي، عن أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. (وأخذ عنه محمَّد بن عبد الجبار أبو منصور السَّمْعَانِي المَرْوَزِي، والإمام الخطيب أبو محمَّد النُّوحي النَّسَفِي إسماعيل بن إبراهيم محمَّد بن محمَّد بن نوح) (٤). ولد سنة خمسين وثلاثمئة، ومات سنة اثنتين وثلاثين وأربعمئة، وقبره بنَسَف على طرف الوادي، كذا نقل عن "أنساب السَّمْعاني". [وفي "نفحات الأنس" للمولى العارف بالله عبد الرَّحمن الجامي في تمهيد القول في إثبات الكرامة للأولياء قريبًا من أول "النفحات": قال في "كتاب دلائل

стр. 745

النبوة" للإمام المُسْتَغْفِري ﵀: كرامات الأولياء حق بكتاب الله تعالى والآثار الصحيحة المروية وإجماع أهل السنة والجماعة. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، قال أهل التفسير في ذلك: كان يرى عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، ومريم رضي الله تعالى عنها لم تكن نبية بالإجماع، فهذه الآية حجة على منكر الكرامات للأولياء. وقال: ثم قال الإمام المُسْتَغْفِري: والحجة عليهم من طريق الآثار كثيرة] (١). وروى بإسناده: أنه لما فتحت مصر أتى أهلها إلى عَمْرو بن العاص ﵁، فقالوا: أيها الأمير، إنَّ لِنِيلنا هذا سُنةً لا يجري إلا بها، (قال لهم: وما ذاك؟ قالوا:) (٢) إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلون من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر، فأرضينا أبويها، فجعلنا عليها من الحلي (٣) والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النِّيل، فقال عَمْرو: إنَّ هذا الأمر لا يكون أبدًا في الإسلام، (وإن الإسلام يهدم ما كان قبله) (٤). فأقاموا ثلاثة أشهر لا يجري قليلًا ولا كثيرًا حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عَمْرو كتب إلى عُمَر بن الخطاب ﵄ بذلك، فكتب عُمر ﵁ إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، وبعث بطاقة في داخل كتابه، وكتب إليه: إني قد (٥) بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي، فألقها في النِّيل.

стр. 746

فلما قدم الكتابُ إلى عَمْرو بن العاص ﵁ أخذ البطاقة وفتحها (١) فإذا فيها: من عبد الله عُمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد؛ فإنك إن كنت تجري من قِبلك فلا تجرِ، وإن كان الله (٢) الواحد القهار سبحانه [هو الذي] يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن (٣) يجريك. فألقى البطاقة في النِّيل، (وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها؛ لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل) (٤)، فأصبحوا وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة، وقطع الله (٥) تعالى تلك السُّنَّة السوء عن أهل مصر إلى اليوم (٦). وفي "كتاب إعلام الهدى وعقيدة أرباب التقى" تصنيف الشَّيخ (الإمام (٧) قطب الأنام) (٨) شهاب الدِّين أبي حفص عُمَر بن محمَّد السُّهْرُوَرْدِي قدس الله روحه: ونعتقد أنَّ للأولياء من أمَّته -يعني أمة محمدَّ ﷺ - كرامات وإجابات، وهكذا كان في زمن كل رسول، كان لهم أتباع ظهرت لهم كرامات ومخرقات للعادات، وكرامات الأولياء من تتمة معجزات الأنبياء، ومن ظهر له وعلى يده من المخرقات وهو على (٩)

стр. 747

غير الالتزام بأحكام الشَّريعة نعتقد أنه زنديق، وأن الذي ظهر له مكر واستدراج. [ورأيت في "جواهر الفتاوى" في الباب الثالث من كتاب أصول الدِّين: ذكر الصَّدر السَّعيد (١) أبو بكر محمَّد بن عبد الرَّشيد الكَرْماني، نقلًا عن الشَّيخ الإمام عطاء ابن حمزة السُّغْدي (٢): سألته أني رأيت في كتب مشايخ العراق أنَّ المشي من العراق إلى مكة في ليلة واحدة ليس من الكرامات في حق الولي، بل هو من المعجزات، ومن اعتقد ذلك فقد كفر، ورأيت في كتب مشايخ خراسان وما وراء النهر أنهم جعلوا ذلك من باب الكرامات، فأي القولين أصح؟ وهل فيه عن المتقدمين نصٌّ؟ قال: ما رأيت نصًّا صريحًا يدل على أحد القولَيْن، غير أن محمَّدًا ﵀ ذكر أنَّا نؤمن بكرامات الأولياء ولم يفسِّر ذلك. وفي الفصل الثامن والثلاثين من "العمادية": سُئل أبو عبد الله الزَّعْفَراني عمَّا روي عن إبراهيم بن أدهم: أنهم رأوه بالبصرة يوم التَّروية، ورُئي في ذلك اليوم بمكة، فقال: ابن مقاتل يذهب إلى أنّ من اعتقد جواز ذلك يكفر، وكان يقول: ليس ذلك من الكرامات، وإنما هو من المعجزات، وأما أنا فأستجهله ولا أطلق عليه الكفر، وقال محمَّد بن يوسف المعروف بأبي حنيفة: يكفر. وفي" فتاوى البَزَّازي ": وعلى هذا ما يحكيه جهلة خُوَارِزْم أنَّ فلانًا كان يصلي سُنة الفجر بخوارزم وفرضه بمكة. وقد ذكر علماؤنا أنَّ ما هو من المعجزات الكبار، كإحياء الموتى، وقلب العصا حيَّة، وانشقاق القمر، وإشباع الجمع من الطعام القليل، وخروج الماء من بين

стр. 748

الأصابع؛ لا يمكن إجراؤها بطريق الكرامة للولي، وطي المسافة من قبيل المعجزات لقوله ﷺ : "زويت لي الأرض" (١)، فلو أجاز لغيره لم تبق فائدة التخصيص، أو لأنَّه كالإسراء بالجسم، وذلك خاصة النبي ﷺ ، لكن في كلام القاضي أبي زيد ما يدل على أنه ليس بكفر، إلى هنا من "الفتاوى البَزَّازية". وقال صاحب "جامع الفصولين" الشَّيخ بدر الدِّين بن قاضي سِمَاوْنَه (٢) في كتابه هذا: أقول: ينبغي أن لا يستجهل ولا يكفَّر؛ لأنّه من الكرامات لا من المعجزات، إذ المعجزة لابد فيها من التحدي، ولا تحدي هنا فلا معجزة، وعند أهل السنة تجوز الكرامة. وأقول: قول علمائنا فيما إذا تزوج امرأة وبينهما مسافة بعيدة لا يصل إليها في مدة ستة أشهر، فأتت بولد لستة أشهر، وفيمن كان بالمشرق وتزوج امرأة بالمغرب، فأتت بولد، فإنَّ الولد يلحقه ويثبت نسبه منه يؤيد جواز هذه الكرامة. وقد نقل الإمام عالم بن العلاء صاحب "الفتاوى التَّتارخانية" في "فتاواه"، عن "التحبير" عن القاضي الإمام صدر الإسلام أبي اليسر البَزْدَوي في" أصول التوحيد": أنّ المشي من بخارى إلى مكة في ليلة واحدة من جملة الكرامات، انتهى. وأهل ما وراء النهر قالوا: يجوز أن يكون مثل هذا من الكرامات ومن قوانين المعجزة حجة الأنبياء على صحة دعواهم، فيكون إظهارها حين احتاجوا إليها، والكرامات تحصل من غير اختيارهم بدون سبق دعوي (٣) منهم، حتى إنهم ما جوَّزوا إظهار ذلك في يد من يدعي النبوة؛ لأنَّه يؤدي إلى التلبيس، فالكرامة أمر خارق للعادة

стр. 749

يظهر على يد المؤمن التقي العارف بالله تعالى وصفاته المتوجه بكليته إلى جناب قدسه غير مقرون بدعوى النبوة، وبذلك تمتاز (١) عن المعجزة، وبالصفات المذكورة للمؤمن عن الاستدراج كما يصحُّ لبعض الفسَّاق والظلمة بل للكفرة أحيانًا؛ استدراجًا لهم وزيادة في غيِّهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم غافلون، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. وعن رسول الله ﷺ : أنَّه قال: "إذا رأيت يعطى العبد ما يحب وهو مقيم على معصية فإنّما ذلك استدراج" (٢)، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (٣)؛ من البأساء والضراء ولم يتعظوا به ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أنواع النِّعم مرادة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، وامتحناهم بالشدة والرخاء وإلزامًا للحجة وإرادة للعلة أو مكر بهم، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أعجبوا ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ من النعم ولم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا تصدي لتوبة واعتذار ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥] إيذان لوجوب الحمد لله (٤) عند هلاك الظلمة؛ فإنّ هلاكهم من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شوم عقائدهم وأعمالهم نعمةٌ جليلة يحق أن يحمد عليها. * * *

стр. 750

[٢٧٤ - أبو محمَّد عبد الله النَّاصِحي (١)] الشَّيخ القاضي (٢) الإمام، أبو محمَّد، النَّاصِحي، عبد الله بن الحسين. ناصح اسم رجل من آبائه ينسب إليه، (وينسب إليه) (٣) ابنه محمَّد وابن ابنه أحمد بن محمَّد بن عبد الله النَّاصِحي، وهما الإمامان الكبيران، يأتيان إن شاء الله تعالى في ذكر فقهاء عصرهما. كان إمامًا عالما فقيها، له مجلس التدريس والنظر والفتوى والتصنيف، وله الطريقة الحسنة في الفروع المرضية عند فقهاء عصره، ولي قضاء القضاء للسلطان محمود بن سَبُكْتَكِين (٤) ببخارى، وكان قاضي القضاة، وإمام الإسلام، وشيخ الحنفيَّة في عصره، والمقدَّم على الأكابر والأئمة والقضاة في دهره. أخذ الفقه عن أبي (٥) الهيثم القاضي قاضي الحرمين أحمد بن محمَّد النَّيْسَابُوري، عن القاضي أبي طاهر الدَّبَاس (٦)، عن القاضي أبي خازم، عن عيسى بن أَبَان القاضي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏. وتفقَّه عليه ابنه قاضي القضاة محمَّد بن عبد الله بن الحسين النَّاصِحي، والشَّيخ الإمام علي بن عبد الله الخطيبي.

стр. 751

قدم بغداد حاجًّا سنة اثنتي عشرة وأربعمئة] (١). ومات سنة سبع وأربعين وأربعمئة. وله "تهذيب أدب القضاء للخصاف". [رأيت في "شرح الدقائق" للمولى القاضي أبي محمَّد محمود العيني، في مسألة يجوز تقلد القضاء من السُّلطان العادل والجائر في كتاب القضاء أنه قال فيه: قال الإمام أبو محمَّد النَّاصِحي في "تهذيب أدب القضاء للخصاف": قاضي أهل البغي والخوارج إذا كان منهم، ثم قضى بشيء، ثم رفع الأمر إلى قاضٍ آخر من أهل العدل؛ لم يجزه وأبطله؛ لأنَّ الخوارج إذا خرجوا على أهل العدل بالسلاح، فإنهم يستحلون أموالهم، فلا تجوز شهادتهم، وإذا لم تجز شهادتهم لم يجز (٢) قضاؤهم فينقض، وهذا قول إبراهيم النَّخَعي، ولا يعمل على كتابه أيضًا، (لأنه لا يجوز قضاؤه فلا يعمل عمل كتابه) (٣)] (٤). وله مختصر في الوقف، اختصره من "وقف الخَصَّاف" ومن" وقف هلال بن يحيى الرَّأي" (٥). * * *

стр. 752

[٢٧٥ - صاعد الأُسْتَوَائي (١)] الشَّيخ الإمام، عماد الإسلام، القاضي، أبو العلاء، صاعد بن محمَّد بن أحمد بن عبد الله الأُسْتَوَائي (٢) ﵀. ضبطوها بضم الألف وسكون السين وفتح التاء أو بضمها وبعدها (٣) الواو والألف ثم الياء آخر الحروف: نسبة إلى أُسْتَوَاي، هي قرية من ناحية نَيْسابور. ولد أبو العلاء صاعد بن محمَّد بهذه القرية في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة. روي أنه اختلف في أوائل طلبه إلى أبي بكر محمد الخُوَارِزْمِي في الأدب، ودرس في الفقه على شيخ الإسلام أبي نصر بن سهل القاضي جده من جهة الأم، ثم جاء إلى القاضي أبي الهيثم، وتفقَّه عليه وأخذ عنه عن قاضي الحرمين أبي الحسين النَّيْسَابُوري، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن (موسى بن نصر) (٤) الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وكان عالما صدوقًا، انتهت إليه رئاسة أصحاب الحنفيَّة بخراسان في زمانه. ويعرف بالأُسْتَوَائي، كذا نسبة أبي إسحاق الشِّيْرَازِي. ولي القضاء بنَيْسابور، ودام القضاء بها في أولاده.

стр. 753

(تفقَّه عليه ابنه القاضي الإمام أبو سعيد محمد بن صاعد بن محمَّد، وابن ابنه شيخ الإسلام أبو منصور أحمد بن صاعد الأُسْتَوَائي (١)) (٢)، وكان أولاده وأحفاده كلهم فقهاء وقضاة (٣) وأهل فتوى. روي عن عبد الملك أبي الشَّوارب أنه أشار إلى قصرهم العتيق بالبصرة، وقال: قد خرج من هذه الدار سبعون قاضيًا من أولاد صاعد الأُسْتَوَائي (٤) على مذهب أبي حنيفة، كلهم كانوا يرون إثبات القدر، (وأن الله) (٥) تعالى خالق الشر والخير، ويروون ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمَّد وزفر وأصحابهم. روي أنه عزل عن قضاء نَيْسابور، وولي مكانه أستاذه أبو الهيثم. وعن الخطيب أنه قال: بلغنا أنه مات سنة اثنتين وثلاثين وأربعمئة. وله كتاب [في] العقيدة (٦) سمَّاه "الاعتقاد"، انتفعت بمطالعته، ولله (٧) الحمد والمنة. [رأيت فيه أنه قال: روي عن أبي سليمان: أنَّ رجلًا جاء إلى أبي حنيفة، فقال: أرى مقالات الناس مختلفة، وقد بقيتُ فيما بينهم متحيرًا، لستُ أقف على صواب القول منهم، أحب يا أبا حنيفة أن تبين طريقًا أكون عليه فأنجو غدًا من النار وترضى لي بما ترضاه لنفسك، وإذا تابعتك لا أُلام عليه.

стр. 754

فقال أبو حنيفة ﵁: أدركت الناس وهم يقولون (١): من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله فقد أخلص الملك الله، وتبرأ ممن (٢) عُبد من دونه، وخلع الأنداد والأشباه، ثم الواجب عليهم بعد الشهادة بوحدانيته وبإثبات رسالة (٣) رسوله وإقراره بالمفروضات من الصلاة والزكاة والحج لمن استطاع والصوم والبراءة من الكفر والشرك؛ العملُ بما افترض عليه من ذلك. فمن استقام على ذلك ومات عليه فهو من أولياء الله، ومن مات على الشهادتين وقصر في هذه المفروضات فأمره إلى الله، إن شاء عذبه على تضييعه وإن شاء عفا عنه. وإياك أن تشتم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ ، ودع سرائرهم إلى الله تعالى، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وتؤمن بالقدر كله، ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وارضَ للناس ما ترضى لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ولا تقل في دين الله برأيك، ولا تتأوَّل على الله، ولا تعترض عليه، فإن الله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وقد ذكرناه مع زيادة في ذكر أبي حنيفة ﵀ فلينظر فيه. وفي الفصل التاسع والعشرين من "فصول مجد الدِّين محمَّد الأُسْتُرُوْشَنى": ذكر في الأصل: لو استأجر حمَّالًا ليحمل له دَن خلٍّ فعثر وانكسر أو سقط من رأسه فانكسر يضمن؛ لأنَّه تولد من عمله وهو العثار والزلق، وهذا إذا انكسر في وسط

стр. 755

الطريق، فأما إذا سقط من رأسه أو زلق رجله بعد ما انتهى إلى المكان المشروط وانكسر الدَّن فله الأجر ولا ضمان عليه، هكذا حكي عن القاضي الإمام صاعد النَّيْسَابُوري؛ لأنَّه حين انتهى إلى المكان المشروط لم يبقَ الحمل مضمونًا عليه، فإنَّه استوجب جميع الأجر، فصار الحمل مسلمًا إلى صاحب الحمل حتى لا يستحق الحبس به، والمتولد من عمل غير مضمون لا يكون مضمونًا. وهذا بخلاف القصار إذا قصر الثَّوب وهلك عنده لا يضمن الثوب، ولا يكون له الأجر؛ لأنَّ عمل القصار إنما يقع لصاحب الثوب إذا سلَّم الثوب إليه ولم يوجد، ولا كذلك الحمَّال إذا أهلك الدَّن في يده بعد الحمل؛ لأنَّ الحمل وقع مسلمًا إلى صاحب الدَّن، ولهذا لا يملك حبسه بالأجر. ولو انكسر في وسط الطريق من غير عمله؛ بأن أصابه حجر من مكان مرتفع، أو وقع عليه حائط، أو كسره رَجل وهو على رأسه: فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة، وعندهما يضمن إذا هلك بأمر يمكن الاحتراز عنه. وذكر في "الذخيرة": أنَّ ما حكي عن القاضي صاعد يوافق قول محمَّد آخرًا، فأما على قول أبي يوسف وهو قول محمَّد أوَّلًا يجب أن يكون ضامنًا، وإن انتهى إلى المكان فقد ذكر بعد هذا عن ابن سَماعة في رجل استأجر حمالًا ليحمل له زِقًّا من سمن إلى بيته، فحمل الحامل إلى (١) بيته، فأنزله (٢) الحمَّال مع صاحب الزق من رأس الحمَّال فوقع من أيديهما فهلك، فالحمَّال ضامن عند أبي يوسف، وهو قول محمَّد الأول، فأبو يوسف ما اعتبر الوصول إلى بيت صاحب الزِّق؛ إذ لو اعتبره (٣)

стр. 756

لما قال بوجوب الضمان، وإنما اعتبر معنى آخر أنَّ يد الحمَّال قد ثبتت، وصار الزِّق في ضمانه، فلا يبرأ عن الضمان إلا إذا أزال يد الحمَّال من كل وجه، وفي مسألتنا لم تزل (١) يد الحمَّال فأولى أن لا يبرأ عن الضمان، ويأتي من بعد. وذكر في "الذخيرة": لو حمل متاعًا على حمَّال وصاحب المتاع يمشي معه، فعثر الحمَّال وسقط المتاع وفسد، فهو ضامن؛ لأنَّه من جناية يده، كذا ذكره في المنتقى. ولو استأجر حمَّالًا ليحمل له زِقًّا من سمن، فحمله صاحبه والحمَّال ليضعاه (٢) على رأس الحمَّال، فوقع وتخرق الزِّق، لا يضمن الحمَّال؛ لأنه لم يسلم إليه السمن، فإنَّ السمن في يد صاحبه بعد، فلا ضمان على الحمَّال بدون التسليم، كذا روي عن أبي يوسف، وهكذا روى ابن سَماعة في "نوادره" عن محمَّد ﵏. وذكر في "نوادر ابن سماعة" لو حمله ثم وضعه في بعض الطريق، ثم أراد رفعه فاستعان بربِّ الزِّق فرفعاه يضعانه فوقع وتخرق، فالحمَّال ضامن؛ لأنَّه صار في ضمانه حين حمله، ولم يبرأ منه بعد، لأنَّه لم يسلمه إلى صاحبه، وإن حمله إلى بيت صاحبه، ثم أنزله الحمَّال مع صاحب الزِّق من رأس الحمال فوقع من أيديهما فالحمال ضامن عند أبي يوسف، وهو قول محمد أولا، ثم رجع وقال: لا يضمن؛ لأنَّ الزِّق وصل إلى يد صاحبه، قال الفقيه أبو اللَّيث: القياس أن يضمن الحمَّال النصف؛ لأنَّ الزِّق وقع من فعلهما، وكثير من مشايخنا أفتوا به] (٣).

стр. 757

[٢٧٦ - أبو يعقوب يوسف السَّيَّاري (١)] أبو يعقوب يوسف بن منصور بن إبراهيم بن الفضل بن سَيَّار السَّيَّاري (٢) النَّيْسَابُوري ﵀ أخذ عن الشَّيخ الإمام الحاكم أبي إسحاق محمد بن منصور النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان، عن محمَّد، عن أبي حنيفة، (وأبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵀ (٣). وكان أبو يعقوب (٤) السَّيَّاري يروي "كتاب المختلف" لأبي القاسم الصفار، تلميذ نصير بن يحيي، تلميذ محمَّد بن سَماعة، من أصحاب أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وقرأ عليه "المختلف". وروى عنه صدر الإسلام الشَّيخ الإمام أبو اليسر محمَّد بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى البَزْدَوي، وقرأ عليه "كتاب العالم والمتعلم" الشَّيخ الإمام أبو إبراهيم الشهيد إسماعيل بن أحمد بن إسحاق بن شيث (٥) الصفار، وكان يسمع

стр. 758

(عنه (١) معه) (٢) ابنه الإمام الزاهد أبو إسحاق الصفار إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد، وكان صغيرًا، يجيء ويذهب مع أبيه إلى مجلس أبي يعقوب السَّيَّاري، وأبو إسحاق الصفار هذا أستاذ الشيخ (٣) الإمام فخر (٤) الدِّين قاضي خان، يأتيان إن شاء الله تعالى في ذكر أبناء عصرهما. * * * [٢٧٧ - أبو نصر أحمد الخَيْزَاخَزِي (٥)] الشَّيخ الإمام، أبو نصر، أحمد بن عبد الله بن الفضل الخَيْزَاخَزِي، ﵀. قد سبق تصحيح الخَيْزَاخَرِي في ذكر أبيه عبد الله. أخذ عن والده عبد الله بن الفضل، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. قُلِّد الإمامة في جامع، بخاري، وعقد مجلس الإملاء بها. وأخذ عنه القاضي الجمال أبو نصر أحمد بن عبد الرحمن (٦) بن إسحاق ابن أحمد الرِّيْغْذَمُوني.

стр. 759

روي عنه أنه كان يقول: كنت (١) في حال الصبا في عزامة شديدة، وكان من يتصل إلى شيخي يغريه (٢) عليَّ، فيغضب الشَّيخ منه، ويقول: سلمته إلى الله تعالى، فهو خير له مني، (إن أراد الله به خيرًا يكن، وإن أراد به (٣) غير ذلك) (٤) (فليس في الدنيا شيء غير الدعاء) (٥)، فتوفي شيخي، ولم يصل إليَّ من ميراثه كثير شيء ولا قليله، فأقبلت على العلم، وأصلحت فيما بيني وبين الله تعالى، فببركة تسليم الشَّيخ إيَّاي إلى الله تعالى أصلح الله شأني، وصُبَّت (٦) عليَّ الدُّنيا، وصرت وجيه البلد، ومدرِّس الفقه، ومملي الكتب، (وإمام العامة) (٧). * * * [٢٧٨ - أبو القاسم مسعود الخُوَارِزْمِي (٨)] أبو القاسم، مسعود بن محمَّد بن موسى بن محمَّد الخُوَارِزْمِي، ﵀. الفقيه ابن الفقيه أبي بكر الإمام الخُوَارِزْمِي. تفقه على أبيه تلميذ أبي بكر الجصاص الرَّازِي أحمد بن علي.

стр. 760

وكان ببغداد، وكان أبوه أبو بكر محمَّد الخُوَارِزْمِي قد استقرَّ له التدريس ورئاسة الفقه الحنفيَّة بعد أستاذه أبي بكر الرَّازِي، تلميذ الكَرْخي (قد استقر له التدريس بعد الكَرْخي ببغداد) (١). مات سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة. * * * ٢٧٩ - أبو القاسم علي بن بُنْدار اليَزْدِي (٢) الشَّيخ الإمام، قاضي القضاة، أبو القاسم علي بن بُنْدار اليَزْدِي. بفتح الياء آخر الحروف وسكون الزاي وبعدها دال مهملة: نسبة إلى يَزْد من أعمال إِصْطَخْر فارس بين إصفهان وكرمان. أخذ عن أبي جعفر القاضي النَّسَفِي، عن الجصَّاص (٣) أبي بكر الرَّازِي، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، وهو أخذ عن أبي علي الدَّقَّاق [وأبي خازم القاضي (وموسى بن نصر) (٤) الرَّازِي، وأبو علي الدَّقَّاق] (٥) عن (موسى بن نصر) (٦)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وله "شرح الجامع الصغير" الذي رتَّبه أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن مالك

стр. 761

الزَّعْفَراني، وأبو القاسم هذا جد والد جمال الدِّين اليَزْدِي صاحب "كتاب التهذيب في شرح الجامع الصغير" المذكور. [ذكر الشَّيخ الإمام جمال الدِّين أبو سعد المطهَّر بن الحسين بن سعد بن علي ابن بُنْدار اليَزْدِي في "التهذيب" المذكور في باب النجاسة تقع في الماء أو تصيب الثوب: قال أبو حنيفة: بول الفرس إذا أصاب الثوب لم يفسد حتى يفحش، وهو قول أبي يوسف، وقال محمَّد: لا يفسد وإن فحش، وأما تحصيل المذهب في المقدار الفاحش فإنَّ أبا يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن الكثير الفاحش، فكره أن يحدَّه، وقال: إن كان الناس يستكثرونه ويستفحشونه فهو كثير فاحش وإلا فلا، وروى الحسن عن أبي يوسف: شبرًا في شبر، وروي عنه: ذارع في ذراع، وروي عن أبي حنيفة ومحمد أنه قال: ربع الثوب، قال الشَّيخ أبو بكر: يعتبر ربع أقصر الثوب. وقد ذكر جدُّ والدي قاضي القضاة أبو القاسم علي بن بُنْدار ﵀ في شرح هذا الكتاب الذي صنَّفه: أني قد رأيت فيما علق عن الشَّيخ أبي بكر أنه ربع ثوب يجزي في الكفارة. ورأيت في باب المسجد في "التهذيب" أيضًا: ذكر جمال الدِّين: لا بأس بنقش المسجد بالجص والساج وماء الذهب، وكره بعض الناس، أما وجه الإباحة، فلأن في ذلك تعظيم المسجد، وبنى عُثمان بن عفان ﵁ مسجد رسول الله ﷺ وحسَّنه بحضرة الصحابة، ولم ينكر عليه أحد؛ ولأنَّ المسلمين توارثوا زينة الكعبة وتحسينها ولم ينكر عليهم ذلك منكر. وأما من كره فاحتج بما روي عن النبي ﷺ أنه ذكر: "إن من أشراط الساعة أن

стр. 762

يزخرف المساجد" (١)، ومر علي ﵁ بمسجد مروان في الكوفة، فقال: لمن هذه البِيَعَة (٢)؟ والجواب: قلنا: ليس كل ما كان من أشراط الساعة أن يكون باطلًا، فإنَّ النبي ﷺ كان من أشراط الساعة، وكذلك نزول عيسى ﵇، وأما خبر عليٍّ فلعله كان نقش بالتصاوير، وذكر جد والدي أبو القاسم علي بن بُندار أنه إذا فعله تعظيمًا للمسجد كما فعله عُثمان يجوز، وإذا فعله كما فعله هشام بن الوليد بمسجد دمشق كره؛ لأنَّه فعله للمباهاة للروم ورياء دون قصد تعظيم المسجد، وأما الزينة فلا تكره (٣) كما يزين المساجد بالقناديل وكالستور المعلقة على الكعبة تعظيمًا وزينة. وقال بعض أصحابنا تكره (٤) الزينة على المحراب؛ لأنَّه يشغل قلب المصلي، وأما التجصيص فحسن؛ لأنَّه يحكم البناء (٥) وتوسعة في المنظر، والأسود يضيق في المنظر، وأما إذا جعل البياض فوق السواد فلا بأس إذا فعله الإنسان من مال نفسه،

стр. 763

فأما من مال الوقف فلا يستحسن؛ لما فيه من التضييع، ولا يشك أنَّ عمارة بيت الله حسن لكن إلى المسلمين أولى. ورأيت أيضًا في "التهذيب" في باب الظهار: وأما إذا قال: أنتِ عليّ حرام كأمي، أو حرام مثل أمي، ونوى به طلاقًا أو ظهارًا أو إيلاء فهو كما نوى، فإن لم يكن له نية أو نوي به تحريمًا ولم ينوِ طلاقًا ولا غيره فهو يمين ويكون به موليا في قول أبي يوسف، وفي قول محمَّد يكون ظهارًا. وذكر جد والدي قاضي القضاة العالم أبو القاسم علي بن بُنْدار ﵀ في شرح هذا الكتاب: قال القاضي أبو جعفر النَّسَفِي ﵀: ورأيت دفترًا فيما علق عن الشَّيخ أبي بكر أنَّ قول أبي حنيفة في هذا كقول محمَّد إلا أني رأيت عن بشر قال: سمعت أبا يوسف يقول (١) في رجل قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرام مثل أمي؛ إنَّ أبا حنيفة قال في ذلك: إن نوى طلاقًا أو ظهارًا أو يميناً فهو كما نوى، وإن لم يكن له نية فهو يمين ويكون موليًا. وهذا يدل على أنَّ قوله في هذه المسألة كقول أبي يوسف، فوجهه أنه لو اقتصر على قوله: أنت عليَّ حرام، ولم ينوِ شيئًا؛ كان يمينًا باتفاق، وإن اقتصر على قوله: أنت عليَّ كأمي، ولم يكن له نية؛ كان يمينًا عنده أيضًا، فإذا جمع بينهما وجب أن يكون على أصله أعني أبا يوسف، ولمحمَّد أنه ذكر لفظ التحريم وأضاف إليها بحرف التشبيه، فصار كقوله: أنت عليَّ حرام كظهر أمي. ورأيت في "التهذيب" أيضًا في كتاب العتاق: جارية بين رجلين، زعم أحدهما أنها أم ولد لصاحبه، فهي موقوفة يومًا ويومًا تخدمه للمولى المنكر. وقال أبو يوسف ومحمَّد: إن شاء المنكر استسعاها في نصف قيمتها ثم تكون حرَّة.

стр. 764

وذكر جد والدي قاضي القضاة أبو القاسم علي بن بُندار: أني سمعت أبا جعفر النَّسَفِي يقول: قول أبي يوسف الأخير مثل قول أبي حنيفة في نفي السعاية، إنَّما قلنا: إنها تخدم المولى المنكر يومًا؛ لأنَّ إقرار شريكه بالاستيلاد لا يبطل حق المنكر من الاستخدام؛ لأنَّ الاستيلاد لو صح عليه لكان له استخدامها، فمع الجحود أولى، ويرفع عنها الخدمة يومًا؛ لأنها لم تصر أم ولد للشريك بقول المقر؛ لأنَّ المقر ليس له أن ينقل نصيبه (إلى المنكر إلا برضاه، فإذا لم ينتقل نصيب المقر إليه لم يكن له أن يستخدمها إلا بقدر نصيبه، ولا تخدم المقر أيضًا لاعترافه بأن نصيبه انتقل) (١) إلى شريكه، ووجب عليه الضمان؛ لأنَّ من حكم الجارية بين اثنين إذا استولدها أحدهما أن ينتقل نصيب الآخر إليه، ويضمن نصف قيمتها له، وإذا ثبت ذلك صح أنها تخدم المنكر منهما بقدر حصته، وترفع عنها الخدمة يومًا. ويحتاج (٢) إلى زيادة في الجواب نذكرها هنا، وهو أنه (٣) إذا مات المنكر عتقت الجارية بشهادة الآخر، ولا سعاية عليها للمقر، وتسعى لورثة المنكر في نصف قيمتها. وفيه أسئلة (٤) وأجوبة مكتوبة في محلِّها، فتطلب منها] (٥). * * *

стр. 765

[٢٨٠ - أبو سعيد الهيثم النَّيْسَابُوري (١)] أبو سعيد، الهيثم ابن القاضي أبي الهيثم عتبة النَّيْسَابُوري. كان والده عتبة القاضي أبو الهيثم ثقة مشهورًا (٢)، من بيت العلم والقضاء والأمانة (٣) والحديث، أستاذ القضاة والفقهاء، عديم النظير في الفقه (٤) والتدريس والفتوى. وكان الهيثم ثقة في العلوم. سمع من أبيه، وأخذ عنه عن قاضي الحرمين أبي الحسين النَّيْسَابُوري، عن أبي طاهر (٥) الدَّباس (٦)، عن أبي خازم القاضي، عن عيسى بن أَبَان القاضي (٧)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. مات سنة إحدى وثلاثين وأربعمئة. * * *

стр. 766

[٢٨١ - ميمون بن إسماعيل البِيَاري (١)] (ميمون بن) (٢) إسماعيل بن عبد الصادق (٣) بن (٤) عبد الله الخطيب البِيَاري. أخذ عن أبيه إسماعيل بن عبد الصادق، وروى عنه، عن عبد الكريم بن موسى (عن أبي) (٥) منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، (عن أبي سليمان الجُوْزَجاني) (٦)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. [٢٨٢ - إسماعيل بن محمَّد الكَمَاري (٧)] أبو سعيد، إسماعيل بن محمَّد بن أحمد بن الطَّيب بن جعفر، الفقيه، الحَجَّاجي، الواسطي، الكَمَاري، القاضي بواسط. بفتح الكاف والميم وبعد الألف راء: اسم لجد بعض العلماء، وهو الطِّيب بن جعفر الواسطي، والعلماء من أولاده يعرفون بالكَمَارية، بيت علم فضلاء.

стр. 767

وعن السَّمْعانِي قال: الحَجَّاجي نسبة إلى (١) الحجاج، وهو اسم رجل أو مكان (٢). وعن أبي الفضل المقدسي (٣) قال: لا أعلم حنفيًّا أحسن طريق من إسماعيل بن محمَّد الكَمَاري، ثقة، فقيه على مذهب أبي حنيفة. [وعن أبي الحسن قال فيه: شيخ معروف من فقهاء أصحاب أبي حنيفة، كثير الحديث مشهور به، ولي قضاء واسط، وكان حسن الطريقة في قضائه، أخذ عن أبيه عن أبي بكر الجصَّاص الرَّازِي، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن (موسى بن نصر) (٤) الرَّازِي (٥)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة] (٦). ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمئة، مات سنة تسع وسبعين وأربعمئة. * * *

стр. 768

متفرقات الكتيبة السابعة [٢٨٣ - أبو الحسن علي السُّغْدي (١)] الشَّيخ الإمام ركن الإسلام أبو الحسن القاضي علي السُّغْدي. بضم السين المهملة وسكون (الغين المعجمة) (٢) وفي آخرها دال مهملة: ناحية من نواحي سمرقند، كثيرة المياه والأشجار، (لطيفة الهواء) (٣)، عدّها (٤) أهل السياحة من جنان الأرض حيث قالوا: جنان الأرض أربعة: سغد سمرقند، وغوطة (٥) الشام (٦). كان إمامًا فاضلًا (٧) فقيهًا مناظرًا (٨). سكن (٩) بخاري، و تصدى للإفتاء والتدريس، وولي القضاء، وكان حسن السيرة، مرضي الطريقة.

стр. 769

سمع الحديث، وروى عنه وأخذ عنه (١) الفقيه (٢) شمس الأئمة السَّرَخْسي، وروى عنه "السير الكبير". وله "شرح السير الكبير" لمحمَّد بن الحسن (٣) ﵀، كذا في "الجواهر المضية" (٢: ٥٦٧). انتهت إليه رئاسة أصحاب الحنفيَّة، (وكان يرحل) (٤) إليه في النوازل والواقعات، وترد عليه الفتاوى (٥) من أقطار الأرض، (وترد عليه بعض على بعض) (٦)، وله التوسع في الكلام، والقدرة الكاملة على قطع (٧) ما شجر بين الأنام، تكرر ذلك في "فتاوى قاضي خان" وسائر مشاهير كتب الفتاوى. [وفي فصل العيوب من كتاب البيع من "فتاوى قاضي خان": رجل اشترى عبدًا فقبضه فحُمَّ عنده، وقد كان يحمُّ عند البائع، ولم يعلم به المشتري، قال الشَّيخ الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل: المسألة محفوظة عن أصحابنا، إنه إن حُمَّ عند المشتري في الوقت الذي كان يُحَمُّ عند البائع كان له أن يرده، وإن حُمَّ عند المشتري في غير ذلك الوقت لا يرد، فقيل له: لو اشترى أرضًا فنزَّت عند المشتري وقد كانت تنزُّ عند البائع؟ قال: له أن يرد؛ لأنَّ سبب النَّزِّ واحد، وهو تشغل الأرض وقرب الماء،

стр. 770

فكان الثاني عين الأول، إلا أن يجيء ماء غالب، أو كان المشتري رفع التراب عن وجه الأرض فيعلم أنها نُزَّت لرفع التراب أو للماء الغالب الذي جاء في موضع آخر، فيكون النَّزُّ عند المشتري غير الذي كان عند البائع، أو يشتبه فلا يدري أنه عين الأول أو غيره، فلا يكون له أن يرد. وقال القاضي الإمام أبو الحسن علي السُّغْدي: الجواب في مسألة الحمَّى والنَّزِّ ما قال الشَّيخ الإمام، إلا أنه يُشْكِل بما ذكر في "الزيادات" في رجل اشترى جارية بيضاء إحدى العينين وهو لا يعلم ذلك، فانجلى البياض عند المشتري ثم عاد، ليس له أن يرد، وجعل الثاني عين الأول، ولو اشترى جارية بيضاء إحدى العينين وهو يعلم بذلك، فلم يقبضها حتى انجلى البياض، ثم عاد بياضها عند البائع، لا يكون للمشتري أن يرد، وجعل الثاني عين الأول الذي رضي به إذا كان الثاني عند البائع، ولم يجعل الثاني عين الأول إذا عاد البياض عند المشتري، وقال: لا يرد. وقال القاضي الإمام بُنْدار ﵀: كنت أشاور شمس الأئمة الحَلْوَاني وهو يشاور معي فيما كان مشكلًا إذا اجتمعنا، فشاورته في هذه المسألة فما استفدت فرقًا. وفي "فصول مجد الدِّين محمد الأُسْتُرُوْشَني" قال: وفي "الذخيرة": إذا شهدوا بملكية أرض وبيَّنوا حدودها، وقالوا: هي بمقدار خمس مكاييل بذر، والمدعي يدعي ذلك، وأصابوا في بيان الحدود وأخطؤوا في بيان المقدار، فظهر أنه يسع ثلاث مكاييل بذر؛ حكي عن شيخ الإسلام أبي الحسن السُّغدي أنه قال: لا تبطل الدعوى والشهادة؛ لأنَّ بيان مقدار البذر بعد ذكر الحدود غير محتاج إليه، فصار ذكره وعدم ذكره سواء، وأجاب بعض مشايخ زمانه أنه يبطل الدعوى والشهادة، ونصَّ في" السير الكبير": أنَّ ذكر الشاهد في شهادته ما لا يحتاج إليه للقضاء بالمشهودية وعدم ذكره سواء.

стр. 771

وقد قيل: يجب أن تكون المسألة على التفصيل؛ إن شهدوا بحضرة الأرض المدعاة، وأشاروا إليها تُقبل، ويلغو ذكر الوصف، وهو بيان مقدار البذر، وإن شهدوا بغيبة الأرض لا تثبت بهذه الشهادة ملكية أرض يسع فيها خمس مكاييل بذر، وذكر هذا التفصيل في شهادات "المحيط"، ثم ذكر: وقيل: لا تقبل البينة على كلِّ حال، وهو الأظهر والأشبه بالفقه. وفي "الخلاصة" في الفصل الخامس من كتاب الصلاة قال: وفي" الفتاوى": رجل صلَّى إلى غير القِبْلة متعمدًا، فوافق ذلك الكعبة، قال أبو حنيفة ﵀: هو كافر بالله، وكذا الصلاة بغير طهارة، وكذا الصلاة في الثوب النَّجس، والمختار أنه يكفر في الصلاة بغير طهارة، أما لا يكفر بالصلاة في الثوب النجس وإلى غير القبلة، هذا اختيار القاضي الإمام علي السُّغْدي ﵀، قال: لأنَّ الصلاة في الثوب النجس وإلى غير القبلة جائزة حالة العذر، أما الصلاة بغير وضوء فلا يؤتى بها بحال فيكفر، قال الصَّدر الشَّهيد: وبه نأخذ. وفيه في كتاب الأيمان قال: وفي "فتاوى النَّسَفِي" لو قال: إن كلمْتُ فلانًا خدا برابر من يك ساله روزه مع الهاء؛ لا يلزمه شيء إن كلَّمه، ولو قال: يك سال بدون الهاء؛ يلزمه، وأصل هذا في الفتاوى: لو جعل على نفسه حجًّا أو صلاة أو صدقة مما هي طاعة إن فعل كذا ففعل؛ لزمه ذلك الشيء الذي جعل على نفسه، ولم تجز (١) كفارة اليمين فيه في ظاهر الرواية. وهكذا أفتى القاضي الإمام علي بن الحسين السُّغْدي، والشَّيخ القاضي الإمام علي المَرْوَزِي كان يقول: إن شاء صام أو صلَّى وإن شاء كفَّر، هذا في "مجموع

стр. 772

النوازل"، وعن أبي حنيفة ﵀ أنه رجع عن هذا قبل موته بسبعة أيام، وقال تجب (١) فيه الكفارة، قال الشَّيخ الإمام السَّرَخْسي ﵀ في أيمان الأصل: وهو اختياري لكثرة البلوى به في هذا الزَّمان، قال ﵀: وهذا اختيار الصَّدر الشَّهيد في "فتاواه الصغرى" وبه يفتى. وفيه في الفصل الثالث من كتاب الوقف قال: وفي "وقف الخَصَّاف": الوقف على الصوفيَّة لا يجوز، وفي فوائد شمس الإسلام الأُوْزْجَندي: الوقف على صوفي خانقه (٢) لا يجوز، وعن شمس الأئمة الحَلْوَاني أنه يفتي بأنه يجوز الوقف، وأخرج الإمام القاضي علي السُّغْدي الرواية من "وقف الخَصَّاف": أنه لا يجوز على العميان والصوفية فرجعوا إلى جوازه (٣). وفي "الفصول العمادية" في الفصل الحادي عشر: المدعى عليه إذا كان غائبًا لا بدَّ من ذكر الجد، وكذلك في ذكر الحدود، ولا بد من ذكر جد صاحب الحد، وكذلك في تعريف المتخاصمين لا بد من ذكر الجد، وكان ركن الإسلام علي بن الحسن السُّغْدي في الابتداء لا يشترط ذكر الجد، وفي آخر عمره كان يشترطه، وهو الصحيح، وعليه الفتوى، وكذا في "الفصول الأُسْتُرُوْشَنية"]. وفي "جواهر الفتاوى" لركن الدِّين أبي المفاخر أبي بكر محمد الكَرْمَاني قال: حكي أنه وقع لبعض المتَّصلين بالخاقان إبراهيم دعوى في مال عظيم، وكتب السجل (فأفتى القاضي) (٤) الإمام علي السُّغْدي برده بعد ما صححه غيره، فسألهم

стр. 773

الخاقان بعدما جمعهم في داره، فقالوا للقاضي الإمام (١): لم رددته؟ فقال: إنَّ في آخره وقضيت لكل بادام (٢) من غير تعريف، فقال شمس الأئمة الحَلْوَاني: قد كتب لكل بادام هذه (٣)، فقال القاضي الإمام: أرأيت إن حضر مجلس الحكم (٤) امرأتان تسمَّى كل واحدة منهما بادام؛ أحدهما مدعية، والأخرى غير مدعية، فما الذي يرفع الاشتباه إذا لم يقل لكل بادام هذه المدعية، فقال شمس الأئمة: نعم، قلت الصواب، فاتفقوا بأجمعهم على ذلك، قال ركن الدين: فلهذا أقول بوجوب مراعاة الإشارات في مواضعها كلها. * * * [٢٨٤ - السيِّد الإمام أبو شجاع (٥)] السيِّد الإمام، شيخ الإسلام، أبو شجاع السيِّد محمَّد بن أحمد بن حمزة بن الحسين بن علي بن عبد الله بن الحسن (٦) بن علي بن عبيد (٧) الله بن الحسن بن العبَّاس بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم.

стр. 774

كان في عصر ركن الإسلام علي بن الحسن السُّغْدي بسمر قند، وكان الإمام الحسن القاضي الماتريدي معاصرًا لهما، وكان المعتبر في زمنهم في الفتاوى أن يجمع خطُّهم عليها، واتفاقهم حجَّة قاطعة في عصرهم (١)، لا ينظرون إلى من خالفهم انتهت إليهم رئاسة أصحاب الحنفيَّة. وفي الفصل الثامن والعشرين من "فصول محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوْشَني" قال: ذكر الشَّيخ الإمام نجم الدِّين النَّسَفِي في "فتاواه": أنَّ البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا وسموه بيع الوفاء، وهو في الحقيقة رهن، وهذا المبيع في يد المشتري كالرهن في يد المرتهن، لا يملكه، ولا يطلق له الانتفاع إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره واستهلك من عينه، والدين ساقط بهلاكه في يده إذا كان به وفاء بالدين، ولا ضمان عليه في الزيادة إذا هلك من غير صنعه، وللبائع استرداده (٢) إذا قضى دينه. لا فرق عندنا بين الرهن وبينه في حكم من الأحكام؛ لأن المتعاقِدَين وإن سمَّياه البيع لكن (٣) غرضهما الرَّهن والاستيثاق بالدين، لأنَّ البائع يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي مع فلان، والمشتري يقول: ارتهنت ملك (٤) فلان، والعبرة في التصرفات المقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني، فإنّ أصحابنا رحمهم الله تعالى قالوا: الكفالة بشرط (٥) براءة الأصيل (حوالة، والحوالة بشرط أن لا يبرأ كفالة، وهبة

стр. 775

الحرة بحضرة الشهود مع تسمية (١) المهر نكاح، والاستصناع (٢) الفاسد إذا ضرب فيه الأجل سلم، ونظائره كثيرة. قال: وكان السيِّد الإمام أبو شجاع على هذا، وحين قدم القاضي الإمام السُّغْدي من بخارى بسمرقند واستفتى في هذه المسألة، فكتب أنه رهن وليس ببيع، ففرح السيِّد الإمام بموافقة فتواه) (٣) وحكي أنّ السيِّد الإمام قال: قلت للقاضي الإمام الحسن الماتريدي: قد فشت هذه البياعات بين الناس، وفيه مفسدة عظيمة، وفتواك أنه رهن، وأنا أيضًا على ذلك، فالصواب أن نجمع (٤) الأئمة والمشايخ ونتفق على هذا (٥)، ونظهر ذلك بين الناس، فقال: المعتبر فتوانا وقد ظهر ذلك بين الناس، فمن خالفنا فليبرز وليقم دليله. [وأوصى السيِّد الإمام عند وفاته ولده السيِّد الإمام محمدًا أن لا يخالف فتواه في ذلك، ومضى ولده على ذلك، وأنا اليوم على هذا، قال: وكان الإمام الزاهد علي الراميتني (٦) يفتي بأنه بيع جائز، ويوفى بالوعد، ويتبع في ذلك القاضي الإمام الِإسْبِيْجابي (٧)، قال نجم الدين: وكلمته في ذلك مرارًا، فقال: من رأيي (٨) أن أرجع عن هذا إلا أنَّ القاضي الإمام الأمير لا يدعني أن أرجع، قال: وقد رأيت عدة من
следующие страницы →