← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بالإنفاق (١)، ويصير المأمور جاعلًا ثواب فعله للآمر، وهذا جائز عند أهل السنة والجماعة نصرهم الله تعالى. * * * [٢٩٧ - أبو بكر محمَّد الزَّرَنْجَرى (٢)] الشَّيخ الإمام القاضي، أبو بكر، محمَّد بن علي بن الفضل بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن عُثمان بن جعفر بن عبد الله الأنصاري، الزَّرَنْجَري. بفتح الزاي والراء الأولى معجمة والأخرى مهملة وسكون النون وفتح الجيم وفي آخرها راء، وقيل: زرنكر قرية من قرى بخاري. أخذ الفروع والأصول عن الشَّيخ الإمام عبد العزيز بن أحمد شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله بن محمَّد السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏. وقرأ عليه ابنه شمس الأئمَّة بكر بن محمَّد بن علي بن الفضل الأنصاري الزَّرَنْجري، آخر من بقي من تلامذة شمس الأئمَّة الحَلْوَاني. وكان إمامًا فاضلًا فقيهًا أصوليًّا، جامعًا للعلوم، كبير الشأن، وكان مُقرئًا بالسَّبع والرِّوايات الشَّاذة مجودًا، زاهدًا، حسن الأخذ للقرآن (٣)، شيخ جليل، عالي الإسناد.

стр. 807

قال القاضي الإمام فخر الدِّين قاضي خان في فصل (١) قراءة القرآن (٢) خطأً (٣) من "فتاواه" بعد ما ذكر بعض المسائل المتعلقة بهذا الفصل: ثم بعد هذا يذكر مسائل هذا الفصل على قول القاضي الإمام شمس الأئمة أبي بكر الزَّرَنْجري؛ لأنه كان مشهورًا بعلم القراءة، وقال (٤): ولو قرأ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٥) بكسر الألف، أو قرأ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ﴾ (٦) بنصب الألف؛ لم تفسد صلاته. قال برهان الإسلام الزُّرْنوجي في فصل رعاية الأستاذ في كتابه المسمى بـ "تعليم المتعلم": إِنَّ شمس الأئمَّة الحَلْوَاني ﵀ قد كان (٧) خرج من بخاري، وسكن في بعض القرى أيامًا لحادثة وقعت له، وقد زارته تلامذته غير الشَّيخ الإمام القاضي أبي بكر الزَّرَنْجري، فقال حين لقيه: لماذا لم تزرني؟ فقال: كنت مشغولًا بخدمة الوالدة، قال: ترزق العمر ولا ترزق رونق الدرس، وكان كذلك، فإنَّه كان في أكثر أوقاته في القرى، ولم ينتظم له الدَّرس، فمن تأذى منه أستاذه يُحرم بركة العلم ولا ينتفع به إلا قليلًا. وتفقَّه عليه الشَّيخ الإمام زين الأئمَّة أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر الوَبَري، المعروف بخُمَيْر الخُوَارِزْمِي.

стр. 808

قال أبو عبد الله الوَبَري في الفصل الثالث من "كتاب الأضاحي" التي رتبها على ثلاثين فصلًا: لا تجب الأضحية على المسافر في أي سفر كان، سواء كان سفرًا يباح فيه الإفطار وتقصر فيه الصلاة أو كان دونه، وسواء كان في مصر أو مفازة؛ لما روي عن علي وابن عُمر ﵃ أنهما قالا: ليس على المسافر أضحية. والمعنى فيه ما بينا أنَّ في إيجابها عليه حرجًا؛ لأنه ربما لا يجد ما يضحِّي به حيث هو، أو لا يجد مالًا (١) يشتري به الأضحية، ولئن كان في بلدة ووجد مالًا يمكنه الشراء يكون ذلك باعتبار حالة اتفقت، والأصل في المسافر عدم القدرة والإمكان من الأحوال، فلا تعتبر الأحوال، بل يعتبر الأصل. وكان أستاذي القاضي الإمام أبو بكر الزَّرَنْجري يقول بأن السنَّة في الأضحية أن يتصدق بثلثها على الفقراء والمساكين، ويتخذ ثلثها ضيافة لأقربائه وأصدقائه، ويدخر الثلث لنفسه وعياله، ولا يمكنه تحقيق هذه السنة في السفر، فلأجل تعذر مراعاة السنة سقطت عنه الأضحية، قال ويجوز أن يسقط الواجب لأجل فوات السُّنة (٢)، ألا ترى أنَّ السُّنة في الجزية أن تؤخذ على وجه الاستخفاف والإهانة والذُّل والصَّغار بحيث يضع المأخوذ منه حال الآخذ، فلو أنه أسلم بعد مضي السنة سقطت عنه لما أنه لا يمكن مراعاة هذه السُّنة. وفي الفصل السادس عشر في "التَّاتارخانيَّة" عزوًا إلى "المحيط": اشترى شيئًا مغبونًا فيه غبنًا فاحشًا أن له أن يرده على البائع بحكم الغبن، وإليه أشار محمد في كتاب الصلح عن العيوب (٣)، وكان القاضي الإمام أبو علي النَّسَفِي يحكي عن أستاذه

стр. 809

أنه كان يقول: في المسألة روايتان عن أصحابنا، وكان يفتى برواية الرد رفقًا بالنَّاس، وكان القاضي صدر الإسلام أبو اليسر والقاضي ركن الإسلام أبو بكر الزَّرَنْجري والقاضي جمال الدِّين يفتون أنَّ البائع إن كان يقول للمشتري: قيمة متاعي كذا، أو متاعي يساوي كذا، فاشترى بناءً على ذلك، ثم ظهر بخلافه؛ أنَّ له الرد بحكم التغرير، أما إذا لم يقل ذلك فليس له الرد، وغيرهم من مشايخنا كانوا لا يفتون بالرد على كل حال، والصحيح أن يفتي بالرد إذا وجد التغرير، وبدونه لا يفتى بالردِّ، انتهى. * * * [٢٩٨ - أبو بكر محمَّد بن الحسن النَّسفي (١)] القاضي الإمام أبو بكر محمد (٢) بن الحسن بن منصور النَّسفي. تفقَّه على شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، وهو أحد رواة "الأمالي"، وأخذ من كتب "الأمالي" عنه، روى عنه وسمع منه وأخذ الفروع عنه عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله (٣) أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد، عن أبي حنيفة. وأخذ عنه وروى الشَّيخ الزَّاهد الورع القاضي الإمام الأَيْشي أبي القاسم الحسين بن علي. * * *

стр. 810

[٢٩٩ - عبد الكريم ابن أبي حنيفة الأَنْدَقي (١)] الشَّيخ الإمام عبد الكريم بن أبي حنيفة بن العبَّاس بن المظفر الأَنْدَقي. بفتح الألف وسكون النون وفتح الدال: قرية بقرب بخاري (ثلث فرسخ) (٢)، وقرية قريب من مَرْو بفرسخين، وكان عبد الكريم هذا من الأولى. كان (٣) فقيهًا فاضلًا، تفقَّه على شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، وبرع في الفقه. وأخذ عنه الإمام أبو عُمر عُثمان بن علي البِيْكَنْدي ببخارى. وردَ بغداد حاجًّا مستترًا لا يعرفه أحد، ولما انصرف سأله الناس الإملاء، فأجاب وأملى ببغداد وببخارى. مات سنة إحدى وثمانين وأربعمئة، كذا في "الجواهر المضية". * * * [٣٠٠ - القاضي الجمال أحمد الرِّيغْذَمُوني (٤)] الشَّيخ الإمام، الملقَّب بالقاضي، الجمال أبو نصر أحمد بن عبد الرَّحمن بن إسحاق الرِّيْغْذَمُوني.

стр. 811

بكسر الراء المهملة وسكون الياء آخر الحروف والغين المعجمة وفتح الذال المعجمة وضم الميم وسكون الواو وفي آخرها النون: قرية من قرى بخارى. أخذ عن القاضي أبي زيد الدَّبُوسي، عن أبي جعفر الأُسْتُرُوشَني، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏. وأخذ عن الشَّيخ الإمام أبي نصر أحمد بن عبد الله الخَيْزَاخَزِي، عن أبيه عبد الله ابن الفضل الخَيْزَاخَزِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي. كان إمامًا فاضلًا ولي قضاء بخارى، وكان مرضي السيرة في قضائه، جميل الأفعال، حميد الخصال، وكان يعرف بالقاضي الجَمَال، وجمال الدين. تفقَّه عليه ابنه الشَّيخ الإمام الخطيب بالجامع ببخارى محمد بن أحمد بن عبد الرَّحمن الرّيْغْذَمُوني، وتفقَّه عليه أيضًا ابن ابنه أبو نصر الملقَّب بجمال الدِّين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرَّحمن بن إسحاق الرَّيْغْذَمُوني أستاذ الشِّبْلي، وتفقَّه أيضًا على أبيه الخطيب محمد بن أحمد بن عبد الرَّحمن. وروى عنه جماعة، منهم أبو بكر عبد الرَّحمن (١) النَّيْسَابُوري الخَرَقي، وأبو عبد الله الملقَّب بالزَّاهد العلامة محمَّد بن عبد الرَّحمن البُخاري من مشايخ صاحب "الهداية"، والسيِّد الإمام أبو الوضاح محمد بن السيِّد الإمام محمَّد بن أحمد بن حمزة. وكانت ولادة القاضي الجمال أحمد الرِّيْغْذَمُوني في شوال سنة أربع عشرة وأربعمئة، ووفاته في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وأربعمئة.

стр. 812

وجمال الدِّين الأول جد صاحب "المحيط" من جانب أمِّه، وجمال الدِّين الثاني خال صاحب "المحيط". قال صاحب "الخلاصة" في الفصل الرابع من كتاب الإجارة في "الخلاصة": رجل أمر رجلًا بأن يستأجر له دارًا من رجل، فاستأجرها له سنة، ثم إنَّ المأمور أبي أن يدفعها إلى الآمر، وسكنها هو بنفسه، قال أبو يوسف: لا أجر على الآمر، وهو على المأمور، ويرجع بالأجرة على الموكل. قال صاحب "المحيط": رأيت في تعليق جدِّي جمال الدين الرِّيْغْذَمُوني أنَّ الوكيل في هذه الصورة لا يرجع بالأجر على الآمر استحسانًا، قال ثمة: وهو الصحيح، فكأنه مال إلى أنَّ الوكيل بالحبس صار غاصبًا الدار من الآمر، والغصب من غير المالك متصور في الجملة، فصار هذا وما لو غصبها أجنبي سواء، وقال محمَّد: الوكيل يرجع بالأجر على الآمر، بالقياس أراد به، والله أعلم، انتهى (١) وفي الفصل الثامن والثلاثين من "العمادية": رجل قال لامرأته: يا كافرة، يا يهودية، أو يا مجوسية، فقالت: همجنينم أو (٢) قالت: جنين طلاق ده مرا؛ لا تكفر (٣)، وقيل: تكفر (٤)؛ لأنَّ هذا على المجازاة والتحقيق، والأول أصح؛ لأنَّ الغالب فيما بين الناس أنهم يريدون بهذا التعليق، وبه كان يفتي جدِّي القاضي الإمام جمال الدين، قاله صاحب "المحيط"، انتهى. وفي "العمادية" أيضًا في آخر الفصل السادس: ادعى على آخر خمسمئة درهم

стр. 813

بسبب أنه وكزه على وجهٍ خطأ، وانكسرت من شدة ضربه سنه، هذه في الأصل رد محضر (١) هذه الدعوى، لأنَّ الاختلاف ثابت في أنَّ موجب الخطأ على العاقلة ابتداءً، وعلى الجاني ابتداءً، والعاقلة يتحملون عنه. وكذا اختلفوا في أنَّ الجاني هل هو من جملة العاقلة أم لا؟ فلا يستقيم دعوي مطالبته بجميع الموجب، دلَّ عليه أن من ادَّعى على آخر قتلَ خطأ، فتحاكما رجلًا لا ينفذ حكمه عليهما؛ لأنَّ فيه الدية على العاقلة، ولم يوجد منهم التحكيم، ولو كان عمدًا نفذ حكمه عليهما، هكذا ذكر الجمال قاضي القضاة حامد بن محمَّد الرِّيْغْذَمُوني خال (٢) صاحب "المحيط" في المحاضر رحمهما الله تعالى، انتهى (٣). وفيه أيضًا في آخر الفصل الحادي والعشرين: وحكي عن القاضي الإمام جمال الدين الرِّيْغْذَمُوني -وهو كان خال صاحب "المحيط"-: أنه قال: ذكر الحاكم الشَّهيد في "المختصر" أنَّ حكم الجناية يسري من الأم إلى الولد، وأشار محمَّد في الباب الثاني من رهن الجامع أنَّ حق المجني عليه يسري إلى ولد الجانية، ذكره هكذا صاحب "المحيط" في "ذخيرته". وسنذكر هذه المسألة بتفصيلها في ذكر جمال الدِّين خال صاحب "المحيط" إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 814

[٣٠١ - أبو اليسر البَزْدَوي (١)] الإمام، الملقَّب بصدر الإسلام، أبو اليسر البَزْدَوي، محمَّد بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى البَزْدَوي. بَزْدَوة: قلعة حصينة على ستة فراسخ من نَسَف. أخذ عن إسماعيل بن عبد الصادق، عن عبد الكريم بن موسى (٢) البَزْدَوي جد أبي اليسر، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وأخذ أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن منصور السَّيَّاري النَّيْسَابُوري، عن أبي إسحاق الحاكم النَّوْقَدي، عن أبي جعفر (٣) الهِندُوَاني، عن أبي القاسم الصفار، عن نصير بن يحيى، عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة ﵏. وقرأ عليه "المختلف" تأليف الصفار، وهو قرأ على أبي إسحاق، وهو على أبي جعفر، وهو على مصنَّف "كتاب المختلف" أبي القاسم الصفار. برع في العلوم أصلًا وفرعًا، وجمع الفنون عقلًا وشرعًا، انتهت إليه رئاسة الحنفيَّة، وكان قاضي القضاة بسَمَرْقند، وكان شيخ أصحاب الحنفيَّة بما وراء النَّهر، وإمام الأئمَّة على الإطلاق، والموفود (٤) إليه من الآفاق، ملأ بتصانيفه بطون الأوراق.

стр. 815

تفقَّه عليه الشَّيخ الإمام مفتي الثَّقلَين نجم الدِّين أبو حفص عُمَر النَّسَفِي، والشَّيخ الإمام علاء الدِّين صاحب "التُّحفة" محمد بن أحمد السَّمَرْقندي، أستاذ صاحب "البدائع"، وعبد الكريم بن محمَّد بن أحمد صاحب "طلبة الطلبة"، وابنه القاضي أحمد بن محمد بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم، وابن فخر الإسلام علي البَزْدَوي، أخي أبي اليسر، أبو (١) ثابت الحسن بن علي بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَوي. نشر العلم إملاءً وتذكيرًا وتصنيفًا، ودرس الفقه ببخارى، وكان من فحول المناظرين. توفي ببخارى في رجب سنة ثلاث وتسعين وأربعمئة. في أحكام السكارى في الفصل الثالث والثلاثين من "العمادية": ذكر صدر الإسلام أبو اليسر في أشربة "المبسوط": إذا سكر من الأشربة المسكرة التي تتخذ من الحبوب والعسل والفانيد (٢) اختلفوا في وجوب حدِّه، قال: وقد وقعت هذه المسألة أيام الملك العادل شمس الملك بسمرقند، وكنت قاضيًا بالحضرة، فاستفتوا مني ومن أئمة سمرقند، فأفتيت أنا بوجوب الحد، وعامة أئمة سمرقند أفتوا بامتناع وجوب الحد. وقد حضر قاضي إِسْبِيْجاب بسمرقند في تلك الأيام، وأفتى (٣) بما أفتوا به،

стр. 816

والشَّيخ الإمام علي أخي أفتى بأن فيه روايتين، ورفع ذلك (إلى الملك) (١)، وكان يميل إلى ما أفتيت، وكنت أطلب منهم الفرق بين السكر من نبيذ الزبيب المطبوخ ونبيذ التمر المطبوخ وبين السكر من هذه الأشربة، وكانوا يتحيَّرون في الفرق، فإنَّ الفرق بينهما غير متصور، ثم وجدنا رواية عن أصحابنا جميعًا أنه يجب الحد، فإنَّ الحد إنّما يجب في سائر الأنبذة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وإن كان (حلالًا شربه) (٢) في الابتداء؛ لأنَّ شرب ما يقع به السكر حرام، والسكر سبب الفساد، فوجب الحد لينزجروا عن شربها فيرتفع الفساد، وهذا المعنى موجود في هذه الأشربة، انتهى. وفي الفصل الثاني والثلاثين من كتاب الكراهية (٣) والاستحسان من "الفتاوى التَّاتارخانيَّة" عزوًا إلى "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة": قال الشيخ الإمام أبو اليسر: نظرت في الكتب التي صنَّفها المتقدمون في علم التوحيد، فوجدت بعضها للفلاسفة مثل إسحاق الآمدي والإسفراييني وأمثالهما، فلذلك كله خارج عن الدين المستقيم، لا يجوز النظر في تلك الكتب، ولا يجوز إمساكها، فإنها مشحونة من الشرك والضلال. قال: ووجدت أيضًا تصانيف كثيرة في هذا الفن للمعتزلة، مثل عبد الجبار الدَّارمي والجُبَّائي والكعبي والنَّظَّام وغيرهم، لا يجوز إمساك تلك الكتب والنظر فيها، وكذلك المجسمة صنفوا كتبًا في هذا الفن مثل محمد بن هيصم وأمثالهم، لا يحل النظر في تلك الكتب ولا إمساكها، فإنهم من أهل البدع. وقد صنف أبو الحسن الأشعري كتبًا كثيرة لتصحيح مذهب المعتزلة، ثم إن الله تعالى لما تفضل عليه بالهدى صنَّف كتابًا ناقضًا لما صنف، إلا أنّ أصحابنا

стр. 817

من أهل السنة والجماعة خطؤوه (١) في بعض المسائل، فمن عرف المسائل التي أخطأ فيها أبو الحسن وعرف خطأه (٢) فلا بأس بالنظر في كتبه وإمساكها، وعامة أصحاب الشَّافعي أخذوا بما استقر عليه أبو الحسن بعدما أخطأ فيه، وكذلك لا بأس بإمساك تصانيف أبي محمَّد بن عبد الله بن القطان (٣)، وهو أقدم من أبي الحسن الأشعري، وأقاويله توافق أقاويل أهل السنة والجماعة، لكن إنّما يحل (٤) النظر بشرط الوقوف على ما أخطأ فيه. * * * ٣٠٢ - أبو منصور السَّمْعاني (٥) الشَّيخ الإمام، القاضي المَرْوَزِي، أبو منصور السَّمْعاني، محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمَّد بن جعفر التَّميمي. بفتح الميم وسكون الراء وكسر الزاي وياء النسبة، نسبة إلى مَرو الشَّاهجان (٦)، كذا ضبطه عبد القادر في نسبة الجواهر "المضية".

стр. 818

وفي "القاموس": المرو: مدينة بفارس، والنِّسبة مَرْوِي [ومَرَوِي] (١) ومَرْوَزي، انتهى. كان فاضلًا ورعًا متقنًا، أحكم اللغة والعربية، وصنَّف فيهما التصانيف. وسمع وأخذ الفقه عن الإمام المُسْتَغْفِري جعفر بن محمَّد بن المعتز، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله (٢) أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وتفقَّه عليه فخر القضاة محمد بن الحسين الأَرْسَابَنْدي. * * * [٣٠٣ - علاء الدين المَرْوَزِي (٣)] شيخ الإسلام علاء الدِّين القاضي علي المَرْوَزِي. صاحب أبي زيد الدَّبُوسي القاضي عبيد الله بن عَمْرو. أخذ (٤) الفقه عنه، عن أبي جعفر الأسْتُرُوشَني، عن أبي بكر محمد بن الفضل، عن عبد الله بن يعقوب السُّبَذْمُونِي، عن أبي (٥) عبد الله بن أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.

стр. 819

وفي "قنية الفتاوى" من كتاب الدعوى، في باب ما يبطل دعوى المدعي، نقلًا عن حمزة الوَبَري وعمر الحافظ: ادَّعى جارية في يده أنها أقرَّت (١) له بها أمة، فذهب ليأتي بالبينة، ثم جاء وادَّعى ملكًا مطلقًا لا يصير مناقضًا، ثم عزا إلى برهان التَّرْجُماني وعمر النَّسَفِي (تب عن) فقال: لا تسمع، ثم عزا إلى ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني (ظم) (٢)، وكتب: تسمع، ثم قال: قال أستاذنا: وهو الأصوب؛ لأنه يدعي الملك المطلق في الحالين. قال سمعت (٣) شيخ الإسلام القاضي علاء الدِّين المَرْوَزِي يقول: يقع عندنا كثيرًا أنَّ الرجل يقر على نفسه بمال في صك، ويشهد عليه، ثم يدَّعي أنَّ بعض هذا المال قرض وبعضه ربا عليه، ونحن نفتي إن أقام على ذلك بينة بأنه ربا تقبل بينته وإن كان متناقضًا؛ لأنا نعلم أنه مضطر إلى هذا الإقرار. وفي الفصل الثامن من كتاب الأيمان من "خلاصة الفتاوى": لو جعل على نفسه حجًّا أو صلاة أو صدقة مما هي طاعة إن فعل كذا، ففعل؛ لزمه ذلك الشيء الذي جعل على نفسه، ولم يجز كفارة اليمين فيه في ظاهر الرواية، وهكذا أفتى القاضي الإمام علي بن الحسين السُّغْدي، والشيخ القاضي (٤) الإمام علي المَرْوَزِي كان يقول: إن شاء (٥) صام أو صلى وإن شاء كفّر، هذا في "مجموع النوازل"، قال الشَّيخ الإمام السَّرَخْسي في أيمان الأصل: وهو اختياري؛ لكثرة البلوى به في هذا الزمان، قال: وهكذا اختيار الصَّدر الشَّهيد في "فتاواه الصغرى"، وبه يفتى، إلى هنا من "الخلاصة".

стр. 820

[٣٠٤ - أبو عبد الله الدَّامَغاني (١)] الشَّيخ الإمام العلامة، أبو عبد الله الدَّامَغاني الكبير، قاضي القضاة، محمَّد بن علي بن محمَّد بن الحسين بن عبد الملك بن عبد الوهاب. كان وافر الفضل، سديد الرأي. انتهت إليه رئاسة العراقيين، قيل: إنه كان مثل القاضي أبي يوسف حشمة وجاهًا وسؤددًا (٢) وعقلًا. ولي القضاء ببغداد بعد موت ابن مَاكولا، وذلك في سنة سبع وأربعين وأربعمئة. تفقَّه على الشَّيخ الإمام القاضي أبي عبد الله الحسين (٣) بن علي الصَّيْمَري (٤)، وهو أخذ عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمد الخُوَارِزْمي، عن أبي بكر الرَّازِي الجصَّاص، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن أبي علي الدَّقَّاق، عن (موسى ابن نصر) (٥) الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهما الله. وأخذ الصَّيْمَري (٦) أيضًا عن أبي نصر (ابن محمَّد) (٧) بن سهل بن إبراهيم،

стр. 821

عن أبيه محمَّد بن سهل التاجر، عن أحمد بن هارون الفقيه التيَّان، عن أبي القاسم عبد الرَّحمن البُزْدِيغَري (١)، عن أيوب بن الحسن النَّيْسَابُوري، عن محمد، عن أبي حنيفة ﵀. ولد سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة، ومات ببغداد. وتفقَّه عليه صاحب "روضة القضاة" الشَّيخ الإمام أبو القاسم علي بن محمَّد بن أحمد السِّمْناني، وكان أبو القاسم هذا تفقَّه على أبيه المذكور في الكتيبة السابعة أبي جعفر المتكلم الفقيه القاضي محمَّد بن أحمد السِّمناني العراقي (٢). قال الشَّيخ الإمام أبو القاسم في "روضة القضاة" في باب ما ترد (٣) به شهادة الشاهد، في فصل لا تقبل شهادة المغنّي (٤): وقد سمعنا شيخنا قاضي القضاة (أبا عبد الله الدَّامَغاني ﵀ في "فضائل أبي حنيفة ﵀" التي صنفها أستاذه القاضي) (٥) أبو عبد الله الصَّيْمَري: أنَّ أبا حنيفة كان في جواره رجل وكان يصعد السطح ويتغنى (٦) بهذا الشعر: أضاعوني وأيَّ (٧) فتًى أضاعوا … ليومِ كريهةٍ وسدادِ ثغرِ

стр. 822

كأني لم أكن فيهم وليدًا … ولم تكُ نسبتي (١) في آل عمرِو (٢) فأخذه الوالي، ولم يسمع أبو حنيفة كلامه وصوته كما جرت العادة (٣)، فسأل عنه، فأخبر بخبره، فقصد الوالي وخلصه وأخرجه (٤) من الحبس، وقال: ما أضعناك يا فتى. وقال فيه في باب من ولي القضاء وتولاه من العلماء وقضاة الخلفاء من لدن نبينا ﷺ إلى هذا الوقت: ثم ولي الأمر بعد أبي العبَّاس أحمد القادر بالله ابنه القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله، بويع له بالخلافة يوم موت والده، يوم الإثنين، الحادي عشر من ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وأربعمئة، وولد يوم الخميس، الثاني عشر من ذي القعدة، سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة، وتوفي يوم الخميس، الثاني عشر من رجب، سنة تسع وستين وأربعمئة. وقد ذكر في "كتاب المرشد إلى معرفة أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين بعدهم والخلفاء والخوارج" ما جرى في وقته وما انفتح على يديه وما يجده له، وكيف كان ظفره بأعدائه، فلتجده (٥) هناك مستوفيًا (إن شاء الله تعالى) (٦). وكان وزراؤه أبا الحسن ابن صاحب النعمان، ثم أبا طالب بن أيوب عُمَر الروساني أبي القاسم علي بن المدرس الروساني، ثم أبا الفتح محمَّد بن دارست الفارسي مجد

стр. 823

الوزراء، ثم فخر الدولة أبا نصر محمَّد بن عُمَر الموصلي، ثم عزله وخلف في الموضع قاضي القضاة أبا عبد الله محمد بن علي الدَّامَغاني أستاذنا وشيخنا ﵀. ثم عاد النظر إليه وبقي في الأمر إلى أن توفي القائم بأمر الله فضل ابن ماكولا وأبو عبد الله شيخنا، ثم ولي الأمر بعده الإمام المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن محمَّد إمام الوقت عند تأليف هذا الكتاب أعز الله أنصاره. ثم أتى "صاحب الروضة" بتفصيل بعض أحواله (١) والفتوحات الواقعة (٢) في يده، فقال عند التمام: فألفت هذا الكتاب بعد نظري في كتب الفقهاء، ولولا أن فضل الإسلام نظام الملك عاجله الخروج والمسير إلى الجبل لخشيت أن يفوتني (٣) اتصال هذا الكتاب إليه، فحذفت لذلك ذكر القضاة في كل عصر وما يحكى عن كل واحد من طريق الأحكام والحكايات، وذكرت البعض، وأسقطت البعض، وآخر من ولي الإمام المقتدى بأمر الله شيخنا أبو عبد الله محمَّد بن علي الدَّامَغاني، ثم أبو بكر بن المظفر السُّلمي قاضي القضاة، وهذا الوقت الذي وقع (فراغ هذا الكتاب) (٤). والله يرحم من مات، ويحرس من بقي، وقع (٥) الفراغ صبيحة يوم الجمعة، مستهل صفر الخير، سنة ثمان وسبعين وأربعمئة. وللشيخ أبي عبد الله الدَّامَغاني شرح لـ "مختصر (٦) الحاكم".

стр. 824

قال في باب ذكر المدعي والصفة التي يكون عليها من "روضة القضاة": قال شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله في شرح كتاب الدعوى من "مختصر الحاكم" مما علقناه عنه ودرسنا عليه: الدعوى عبارة عن قول يقصد به إثبات شيء عارية عن برهان، ومتى كان معها حجة أو برهان لم تكن (١) دعوى، ولهذا لا يقال للنبي ﷺ : إنه مدَّع بعد قيام المعجز. وفي الفصل الخامس والثلاثين من "العمادية" نقلًا عن "شروط الخَصَّاف": إذا اشترى الرجل حائطًا ولم يقل: بأرضه؛ يقع الشراء على البناء دون الأرض، ويقال للمشتري: اقلع بناك، وهذا مذهب أبي يوسف، ووجه ذلك أن الحائط اسم لما حوط به المكان، وهذا لا يتناول ما تحت البناء، كذا في "المحيط". ثم قال: وأما الأساس هل يدخل؟ قال القاضي الإمام أبو عبد الله الدَّاماغاني: الظاهر من مذهب أبي يوسف أنه يدخل؛ لأنه متصل بملكه، وكان من جملة الحائط، ولا كذلك الأرض. * * * [٣٠٥ - علي الصَّنْدَلي (٢)] الشَّيخ الإمام، أبو الحسن، علي بن الحسن بن علي الصَّنْدَلي النَّيْسَابُوري كان إمامًا عالمًا عاملًا ورعًا.

стр. 825

قرأ (١) بنَيسابور، وتفقَّه على أبي عبد الله القاضي الإمام الحسين بن علي بن محمد الصَّيْمَري. وهو أخذ عن الشَّيخ الإمام أبي بكر الخُوَارِزْمي، عن أبي بكر الجصَّاص الرَّازِي، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَردَعي، عن موسى بن نصر الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وتفقَّه عليه الفقيه إبراهيم بن إسحاق الدِّهقاني. وله نصف تفسير القرآن. وله يد طولى في الكلام على مذهب المعتزلة. وورد مع السُّلطان طغرل إلى بغداد، ولما رجع إلى نَيْسَابُور انقطع عن الناس وتزهد، فلم يدخل على السَّلاطين (٢)، وقال له السُّلطان ملك شاه في جامع نَيْسَابُور: لم لا تجيء إليَّ؟ فقال: أردت أن تكون من خير الملوك حيث تزور العلماء، ولا أكون من شرار العلماء حيث أزور الملوك. وذكر عبد الملك الهَمداني صاحب "طبقات الحنفيَّة والشَّافعية" قد حدثني محمَّد بن عبد الله السَّمَرقندي قال: كان الصَّنْدَلي يستعمل السُّنة في ملابسه، ويسعى ماشيًا إلى الجمعة، فيسلم على كلِّ من اجتاز به، وكانت بينه وبين أبي محمد الجويني إمام الشَّافعية وأبيه أبي المعالي بعده مخالفة (٣) في الأصول والفروع، ولكلٍّ منهما طائفة.

стр. 826

وكانوا إذا اجتمعوا بادر بعضهم على بعض فتناظرا فيما إذا قال لعبده -وهو أكبر سنًّا منه-: أنت ابني، واستدل أبو محمَّد الجويني، وقال: لا يثبت النَّسب فلا يثبت العتق، فاعترض عليه الصَّيدلي، وقال: يبطل هذا الكلام بمشهور النسب، فإنه يعتق عليه ولا يلحقه نسبه، فقال الجويني: لا أسلِّم، فإنّه يلحقه النسب أيضًا، فقال الصَّيْدلي: فأبو المعالي -وأشار إلى أبيه- ابني، فضحك من حضر، وتولَّد من قوله جفاء، ولما مات أبو المعالي الجويني أحرق أصحابه الكرسي الذي كان يدرِّس (١) عليه، فقال الصَّيدلي: (حقيق بكرسي يذكر عليه أربعين سنة أن يحرق) (٢)، فقال أصحاب أبي المعالي: لو علمنا أنَّ هذه الكلمة تسير وتصير نادرة بين العوام (٣) ما أحرقناه. وهذه المسألة مشهورة في الكتب، لو قال: هذا ابني، للأكبر منه سنًّا أو الأصغر ثابت النسب، فإنّه يعتق بلا نية، الأكبرية في الأول، وثبوت النسب في الثاني يمنعان إرادة المعنى الحقيقي وهو ثبوت البنوة، فيصار إلى المجاز، ويراد به الحرية اللازمة للبنوة، وفيه خلاف الإمامين والشَّافعي. وفي "فتاوى قاضي خان" في فصل العتق بدعوى النسب من كتاب العتاق: رجل قال لعبده: هذا ابني، أو قال لجاريته: هذه ابنتي؛ إن كان المملوك يصلح ولدًا له وهو مجهول النسب يثبت النسب ويعتق العبد؛ سواء كان العبد أعجميًّا جليبًا (٤) أو مولدًا، وإن كان العبد يصلح ولدًا له، لكنه معروف النسب؛ يعتق العبد في قولهم

стр. 827

جميعًا، ولا يثبت النسب، وإن كان العبد لا يصلح ولدًا له لا يثبت النسب ويعتق العبد في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: لا يعتق. وقال الشَّيخ الأكمل في "عناية الهداية": وهو قول أبي حنيفة أوَّلًا وهو قول الشَّافعي، وأصل هذه المسألة أن المجاز خلف عن الحقيقة في الحكم عندهما، وفي التَّكلم عند أبي حنيفة على ما عرف في الأصول، وقد قررناه في التقرير (١)، فقالا (٢): الحكم هاهنا محال، فلا يتصوَّر، بخلاف الأصغر سنًّا، فإنَّ الحقيقة فيه متصوَّرة؛ لإمكان أن يكون العلوق منه واشتهر نسبه من غيره، فصار كما لو قال: أعتقتك قبل أن تُخْلَق أو أُخْلق، فيرد ويلغو. ولأبي حنيفة أنَّه محال بحقيقته، لكنه صحيح بمجازه؛ لأنه إخبار عن حريَّته من حين يملكه؛ لأنَّ البنوَّة إذا ثبتت في المملوك كان حرًّا من حين العلوق، وذكر اللازم وإرادة الملزوم وهو المجاز، فصار كأنه قال: هذا حرٌّ من حين ملكته، وذلك يوجب العتق لا محالة، فيحمل على ذلك تصحيحًا لكلامه. مات الإمام الصَّيدلي رحمه الله تعالى سنة أربع وثمانين وأربعمئة. * * * [٣٠٦ - الأقطع (٣)] الشَّيخ الإمام الفقيه، المعروف بالأقطع، أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن نصر.

стр. 828

تفقَّه على الشَّيخ الإمام أبي الحسين القُدُوري، وأخذ عنه الفروع والأصول، عن أبي عبد الله محمَّد بن يحيى الجُرْجَاني، عن أبي بكر الجصَّاص الرَّازِي، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن موسى بن نصر الرَّازِي، عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة ﵏، حتى برع في الفقه، وقرأ الحساب حتى أتقنه. سكن بغداد بدرب أبي زيد بنهر الدَّجاج، ودرس الفقه على مذهب أبي حنيفة، وخرج من بغداد سنة ثلاثين وأربعمئة إلى الأهواز، وأقام بَرامَهُرْمُز. وشرح "مختصر القُدُوري"، وكان يدرِّس هناك إلى أن توفي. روي أنه مال إلى حدث، فظهرت على الحدث سرقة، فاتهم بأنه شاركه فيها، فقطعت يده اليسرى. وقيل: إنَّ يده قطعت في حرب كان بين المسلمين والتَّاتار. مات سنة أربع وسبعين وأربعمئة. * * * [٣٠٧ - أبو إبراهيم إسماعيل الصَّفَّار (١)] الشَّيخ الإمام، الزاهد الشهير، أبو إبراهيم، إسماعيل بن أحمد بن إسحاق بن شيث (٢) الصَّفَّار. الإمام ابن الإمام ابن الإمام، تفقَّه على أبيه الشيخ الإمام أحمد بن إسحاق بن شيث (٣) الصَّفَّار.

стр. 829

وهو الفاضل العالم العامل الكامل، كان قوَّالًا بالحقِّ، لا يخاف في الله لومة لائم، قتله الخاقان -قاتله الله- في سنة إحدى وستين وأربعمئة، كذا في "الجواهر المضية". وسيجيء ما فيه في ذكر ابنه إبراهيم إن شاء الله تعالى. وأخذ أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن منصور السَّيَّاري النَّيسَابُوري، وقرأ عليه "كتاب العالم والمتعلم" مع أبيه الإمام أحمد بن إسحاق، وكان يسمع عنه مع أبيه ويوسف بن منصور، أخذ عن أبي إسحاق محمَّد بن منصور النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُواني، عن أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الِإسكاف، عن محمد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد عن أبي حنيفة ﵏. وتفقَّه عليه ابنه الشَّيخ الإمام أبو إسحاق الصَّفَّار إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن إسحاق بن شيث (١)، أستاذ قاضي خان فخر الدِّين صاحب "الفتاوى". قيل: بقي صغيرًا بعد موت والده وهو (٢) ابن سنتين، إذ كانت ولادته في حدود سنة ستين وأربعمئة. * * * [٣٠٨ - أبو بكر محمد النَّاصِحي (٣)] الشَّيخ الإمام، قاضي القضاة، أبو بكر، محمَّد بن عبد الله بن الحسين النَّاصِحي، أبو العلاء.

стр. 830

إمام الحنفيَّة في وقته، ولي قضاء نيسابور، وكان فقيهًا مناظرًا جدليًّا، عالمًا بدقيق (١) علم الكلام، وله حظ وافر من الأدب، وكان يحفظ أشعارًا كثيرة، يذهب إلى الاعتزال. أخذ عن أبيه أبي محمَّد عبد الله النَّاصِحي، عن أبي الهيثم قاضي الحرمين، عن القاضي أبي طاهر الدَّباس، عن القاضي أبي خازم عن عيسى بن أَبَان، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏. وعن عبد القادر الفارسي أنه قال (٢): ناظر الفقهاء الكبار، شاهدت منه مسائل مع أبي المعالي الجويني، وكان أبو المعالي يثني عليه وعلى (٣) كلامه لحسن إيراده وقوَّة فهمه، وأبو المعالي الجويني من كبار الشَّافعية. بقي على قضاء نَيْسَابُور إلى أن شكي من مَديد أصحابه إلى الأموال، فصرف عن قضاء نَيْسَابُور إلى الرَّي، وولي قضاءها. قيل: مات (٤) على فراسخ من أصبهان قاصدًا إلى الرَّي، فحمل إلى أصبهان، فدفن بها يوم السبت، غرة رجب، سنة أربع وثمانين وأربعمئة. وعن السَّمْعانِي أنه قال: سمعت عبد الوهاب الأنماطي الحافظ (٥) يقول: أبو بكر القاضي قاضي القضاة كان يكتب له ألف عهد، وله شعر. قيل (٦): مات بطريق الرَّي، فحملت تابوته إلى نَيْسَابور.

стр. 831

[٣٠٩ - أبو صالح يحيى النَّاصحي (١)] القاضي الإمام، أبو صالح، يحيى بن عبد الله بن الحسين، قاضي القضاة، النَّاصِحي. فقيه فاضل، من أهل التَّدريس والفتوى، من بيت العلم والقضاء والتَّدريس (٢) والإمامة (٣). أخذ الفقه عن أبيه عبد الله، عن أبي الهيثم القاضي، عن قاضي الحرمين، كما ذكر قبيل هذا. تولّى القضاء مدَّة في أيام القاضي الخطيب أبو نصر محمد بن عدنان (٤) اللَّوْكَري، ثم تولَّاها القاضي الخطيب، عقد له مجلس الإملاء فأملى سنين. توفي سنة خمس وتسعين وأربعمئة. * * * [٣١٠ - أبو الحسن الخطيبي (٥)] الشيخ الإمام أبو الحسن، علي بن عبيد الله الخطيبي.

стр. 832

من أهل ما وراء النهر، وكان الناس يعدونه في طبقة قاضي القضاة أبي عبد الله الدَّامَغاني. أخذ الفقه عن شمس الأئمَّة عبد العزيز بن أحمد الحَلوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمد بن الفضل الكَمَاري البُخاري، عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله (١) أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد، عن أبي حنيفة ﵏. وأخذ عن قاضي القضاة الإمام (٢) أبي محمد عبد الله النَّاصِحي، عن أبي (٣) الهيثم القاضي، عن قاضي الحرمين، عن أبي خازم القاضي، عن بكر بن محمَّد العَمِّي، عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة ﵏. ورد أصبهان، فتولَّى القضاء بها للسُّلطان طغرل بيك. وفي "طبقات الهَمداني" حدثني صاحبه عبد الجبار بن علي الخُوَارِزْمِي مدرِّس مشهد ابن متَّى بالكوفة، قال: قرأت عليه، وكان زاهدًا متنسكًا، قليل الاختلاط بالسَّلاطين، معتكفا على تدريس العلم، إذا سمع قارئًا يقرأ فاضت عيناه بالدموع، وبقي سبع عشرة (٤) سنة يقوم الليل ولا يضع جنبه على الأرض، وحجَّ وهو شاب. تفقَّه عليه بأصبهان عبد الجبار بن عبد الكريم الخُوَارِزْمِي. وعن أبي منصور بن أحمد الصَّباغ: أنه ورد إلى بغداد في رسالة من السُّلطان

стр. 833

طغرل بيك سنة نيف وأربعين وأربعمئة، وناظر أبا نصر عبد الرَّشيد بن محمَّد، ولم يناظره غيره. حكي أنه لم يقصد بعد طغرل بيك سلطانًا، ولزم السكوت حتى (قالوا: ربما) (١) يفصل بين الخصوم بالإيماء في بعض الأوقات. وصلَّى الصبح في يوم السبت سنة ست وستين وأربعمئة في مجلسه بأصبهان، فأتته امرأة من جيرانه معروفة بالصَّلاح والدِّين، فقالت: بينما أنا نائمة وقت السَّحر، رأيت كأني في مدينة النبي ﷺ ، وقد تقدم رجل، فأذن في مسجده وأقام، واصطف الناس وراءه، فقيل له: أما تكبر تكبيرة الافتتاح؟ فقال: لا أكبِّر حتى يحضر أبو الحسن الخطيبي، فلما سمع ذلك نهض عن سجادته قائمًا، ومشى حافيًا من موضعه، (وخرج ماشيًا، وخرج خلفه جماعة من أصبهان وجماعة من وجوه الناس) (٢)، فلحقوه (٣)، وسألوه أن يلبس مداسًا، فلم يقبل حتى وصل القرية، وقد أثَّر الغضب فيه، وقد أحرم بالحج، وليس معه دينار واحد، وكانت معه زوجته فماتَت بالبصرة، وكان معه ولده إسماعيل، وصاحبه وهو تلميذه أبو العلاء القاضي البُخاري الأصفهاني صاعد بن محمَّد بن عبد الرَّحمن المعروف بابن الرَّاسمندي (٤)، فمات بالجحفة في (٥) سنة سبع وستين وأربعمئة، ومضى ولده إسماعيل وصاحبه أبو العلاء إلى مكَّة.

стр. 834

[٣١١ - أبو منصور أحمد الأُسْتَوَائي (١)] قاضي القضاة، وشيخ الإسلام، أحمد بن محمَّد بن صاعد بن محمَّد الأُسْتَوَائي (٢) أبو منصور. مولده سنة عشر وأربعمئة. أخذ العلم من جدِّه عماد الإسلام صاعد بن محمَّد، وأبيه محمَّد بن صاعد، وهو أيضًا عن أبيه صاعد، عن أبي نصر محمَّد بن محمَّد بن سهل، عن أبيه محمَّد بن سهل التاجر، عن أبي العبَّاس التيَّان أحمد بن هارون عن أبي القاسم عبد الرَّحمن البُرْدِيغَري (٣)، عن أيوب بن الحسن النَّيسَابُوري، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏. ولصاعد عنعنة أخرى ذُكِرت في ذِكْره (٤). وعن عبد الغافر في "السياق": كان من أوحد أحفاد الإمام القاضي صاعد، رُبِّي في حجر الإمام، وفاق أقرانه بوفور حشمته، وكان المقدِّم العزيز من وقت صباه في وقته، وصدر المحافل في عشيرته، وشيخ الإسلام بفقهه وفضيلته (٥). حكي عنه أنه قال: دخلت على أمير المؤمنين (٦) وهو يمدح الرِّفق فأكثر في

стр. 835

مدحه، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، أنشد الأصمعي فيه (١) بيتين، فقال: هاتهما، فقلتُ: لم أرَ مثل الرِّفقِ في لِينِهِ … قد أخرجَ العَذراءَ (٢) مِنْ خِدْرِها من يستعِنْ بالرِّفقِ في أمْرِهِ … يستخرِجِ الحيَّة مِنْ جُحْرِها قال: فكتبهما بيده. مات سنة اثنتين وثمانين وأربعمئة، ودفن في مقبرة أسلافه. * * * [٣١٢ - أبو القاسم العُكْبَري (٣)] عبد الواحد بن علي بن برهان، أبو القاسم العُكْبَري. الفقيه النَّحوي المتكلِّم. أخذ الفقه عن أبي الحسين أحمد بن محمَّد القُدُوري، عن أبي عبد الله محمَّد بن يحيى الجُرْجَاني، عن أبي بكر الجصَّاص الرّازي، عن أبي الحسن الكَرخي، عن أبي سعيد البَردَعي، عن (٤) موسى بن نصر الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.

стр. 836

وكان في الأول حنبليًّا. وأخذ النَّحو عن أبي الحسن علي السِّمْسِمي اللُّغوي، تلميذ أبي الفتح عُثمان بن جنِّي (١)، وهو تلميذ أبي علي الفارسي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار النَّحوي، وهو تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن سهل الزَّجَّاج، وأبي بكر محمَّد المعروف بابن السَّرَّاج، وهما تلميذان لأبي العبَّاس المبرِّد، وهو تلميذ المازني بكر بن محمَّد بقية من بني مازن، وهو تلميذ أبي حاتم السجستاني، والأول تلميذ الأصمعي، وأبو حاتم تلميذ أبي الحسن الأخفش، وهو تلميذ سيبويه، وهو تلميذ يونس بن حبيب، وهو تلميذ أبي عَمرو العلاء، وهو تلميذ نصر بن عاصم اللَّيثي، وهو تلميذ أبي الأسود الدُّؤَلي صاحب علي بن أبي طالب ﵁، أخذ النحو عنه، وحكايته مشهورة، فأما الأصمعي فهو تلميذ الخليل بن أحمد، وهو تلميذ أبي عَمْرو العلاء المذكور، وهو (٢) تلميذ نصر بن عاصم. وأخذ الكلام عن أبي الحسين البصري، وصار صاحب الكلام، فائقًا في النَّحو، إمامًا في الفقه، بارعًا ورعًا. وكان في أول زمانه منجِّمًا، ثم صار نحويًّا، وكان حنبليًّا فصار حنفيًّا عدليًّا، (فيحكى عنه أنه كان يقول: الحمد لله، لأني كنت منجمًا، فصرت نحويًّا، وكنت حنبليًّا، وصرت حنفيًّا عدليًّا) (٣). مات يوم الأربعاء، ودفن في مقبرة الشُّوْنيزيَّة ببغداد، يوم الخميس سنة خمسين وأربعمئة، وذلك في خلافة القائم بأمر الله، كذا ذكره الأنباري في "طبقات الأدباء". وعن ابن ماكولا: أنه ذهب بموته علم العربية ببغداد.

стр. 837

[٣١٣ - شمس الأئمَّة بكر الزَّرَنْجري (١)] نائل إرشاد الكتيبة، الشَّيخ الإمام، أبو الفضائل، شمس الأئمَّة، بكر بن محمَّد بن علي بن الفضل بن الحسن الزَّرَنْجري. شمس الأئمة لقب جماعة من الفقهاء الكبار، مثل الحَلْوَاني والسَّرَخْسي ومحمد بن عبد الستار الكَرْدَري ومحمود الأُوزجندي وبكر بن محمَّد هذا، وعند الإطلاق في كتب الأصحاب برواية شمس الأئمَّة السَّرَخسي أبو بكر محمَّد بن أحمد بن أبي سهل صاحب "المبسوط" المذكور في أول هذه الكتيبة، وفيما عداه يأتي مقيَّدًا مع الاسم أو النسبة أو بهما، كشمس الأئمة الحَلْوَاني، وشمس الأئمة الكَردَري، وشمس الأئمة بكر بن محمّد، وشمس الأئمة محمود الأُوزْجَندي، وغيرهم مما ذكر في الكتائب (٢). وزَرَنْجر صحح في ذكر أبيه أبي بكر محمد. وهو الإمام الفاضل، الحافظ المتقِن، الذي كان يضرب به المثل في حفظ مذهب أبي حنيفة، وكان مصيبًا في الفتاوى وجواب الوقائع، وكانت له معرفة بالأنساب والتواريخ، وكان أهل بلده يسمونه أبا حنيفة الأصغر. وكان مولده سنة سبع وعشرين وأربعمئة.

стр. 838

أخذ الفقه عن شمس الأئمة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله (١) أبي (٢) حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد، عن أبي حنيفة ﵏. وأخذ عن أبيه ركن الإسلام القاضي أبي بكر محمد بن علي الزَّرَنْجري الأنصاري وتفقَّه عليه. وهو آخر من روى عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني وتفقَّه عليه. وكان يحفظ الرواية بحيث إذا طلب منه المتفقه الدَّرس يلقي عليه ويذكر له من أي موضع أراد من غير مطالعة ومراجعة إلى كتاب، وكان الفقهاء إذا وقع لهم إشكال في الرواية يرجعون إليه ويحكمون بقوله. تفقَّه عليه ابنه عماد الدِّين عُمر بن بكر بن محمَّد الزَّرَنْجري، والشَّيخ الإمام، المعروف بإمام زاده، مؤلف "كتاب شرعة الإسلام"، المفتي الواعظ محمد بن أبي بكر البُخاري. روى عنه جماعة كثيرة ببخارى. روي أنه كانت (٣) عنده كتب عالية، فمن جملتها "الجامع الصحيح" للبخاري (٤) بروايته عن أبي سهل أحمد بن علي الأبيوردي سنة ست وأربعين وأربعمئة، (عن أبي علي إسماعيل بن أحمد الكسائي عن الوَبَري) (٥) عن البخاري.

стр. 839

و"كتاب اللؤلؤيات" لأبي مطيع مكحول بن الفضل النَّسَفِي، بروايته عن أبي القاسم ميمون بن علي بن ميمون الميموني، عن أبي بكر أحمد بن محمَّد بن إسماعيل البُخاري الإسماعيلي، عن المصنف. مات في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمئة، هكذا ذكره عبد القادر في "الجواهر المضية". وعن السَّمْعانِي أنه قال: ينسب "كتاب اللؤلؤيات" إلى أبي البديع أحمد بن محمَّد بن مكحول، وهو مجلد ضخم رأيته وملكته بحمد الله تعالى، ويأتي ذكر مكحول بن الفضل وذكر ابنه محمَّد بن مكحول، وهكذا ذكره عبد القادر في "الجواهر المضية" في ذكر أحمد. وفي الفصل الثالث من باب أحكام المريض من كتاب الصلاة من "فتاوى القاضي ظهير الدِّين البخاري": مريض صلَّى قاعدًا، فلما رفع رأسه من السجدة الأخيرة من الركعة الرابعة ظنّ أنها ثالثة، فقرأ وركع وسجد بالإيماء فسدت صلاته، وقيل: لا تفسد وهو قاعد حقيقة، وهو اختيار الإمام الزَّرَنْجري، انتهى (١). * * * [٣١٤ - أبو الوضَّاح محمَّد بن محمد (٢)] السَّيِّد الإمام أبو الوضَّاح ابن السَّيِّد الإمام أبي شجاع محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن حمزة بن الحسين.

стр. 840

أخذ العلم عن أبيه السيِّد الإمام أبي شجاع، وروى عن (١) القاضي الجمال أبي نصر أحمد الرَّيْغْذَمُوني، عن أبي زيد الدَّبُوسي، عن أبي جعفر الأُسْتُرُوشَني، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل. وبرع في الفقه، ودرس بمدرسة قُثَم (٢) بسمرقند. وكان قد خرج إلى الحجاز، وورد بغداد حاجًّا، وانصرف إلى بلده، وأقام على التدريس، ونشر العلم إلى أن مات، في شوال، سنة إحدى وتسعين وأربعمئة، وهو ابن أربع وخمسين سنة. وتفقَّه عليه ابنه السيِّد الإمام الأشرف ابن أبي الوضَّاح محمَّد بن أبي شجاع السيِّد الإمام محمَّد بن أحمد (٣). وفي الفصل الحادي عشر من "فصول محمد الأُسْتُرُوشَني": محضر عرض على نجم الدِّين النَّسَفِي في بيع سهم واحد شائعًا بحدود هذا السهم، قال: كان مشايخنا بسمرقند يقولون بأنه يوجب الفساد؛ لأنه يوهم الإفراز، والمفرز تكون (٤) له الحدود، وأما (٥) المشاع فلا، والصحيح عندي أنه لا يوجب الفساد، وقد ذكر أبو جعفر الطَّحَاوِي ﵀ في شروطه في مواضع: اشترى منه النصف من كذا بحدود هذا النصف، قال وسمعت السيِّد الإمام محمَّد بن أبي (٦) شجاع يقول: لا أحفظ من

стр. 841

والدي في هذه المسألة شيئًا، ولا رواية عن أصحابنا ﵏ فيها، فذكرت له ما ذكر الطَّحاوي، فاستحسنه وأخذ به، وهذا لأنه في ذكر الحدود (١) ليس ما يدل على الإفراز، ألا ترى أن السهم لا يدل على الإفراز، فذكر حدوده (٢) كذلك. * * * المتفرقات [٣١٥ - أبو الحسن فخر الإسلام البَزْدَوي (٣)] الشَّيخ الإمام، فخر الإسلام، أبو الحسن علي بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى البَزْدَوي. الإمام الكبير، الجامع (بين أشراف) (٤) العلوم، وأشتات الفنون، إمام الدنيا في الأصول والفروع، صاحب الطريقة، على مذهب أبي حنيفة ﵀. أخذ عنه الجم الغفير، وروى عنه الجمع الكثير، منهم أبو بكر العامري الخطيب بسمرقند محمَّد بن نصر منصور المَدِيني، وأبو المعالي ظهير الدِّين زياد بن إلياس. وله تصانيف كثيرة معتبرة، منها "المبسوط" أحد عشر مجلدًا، و"شرح الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، وله كتاب كبير في أصول الفقه مشهور بين الناس بـ "أصول فخر الإسلام البَزْدَوي"، معتمد معتبر تداولته أيدي العلماء،

стр. 842

وله كتاب في تفسير القرآن، يقال: إنه مئة وعشرون جزءًا، كل جزء في مصحف ضخم، كذا في "الجواهر المضية". وله "غنى الفقهاء" في الفقه، ذكره الزاهدي (١) في "القنية" في باب ما يقع البراءة من الديون من كتاب المداينات. ولد في حدود الأربعمئة، ومات في خامس رجب سنة اثنتين وثمانين وأربعمئة، وحمل تابوته إلى سَمَرْقند، ودفن على باب المسجد. وفي الفصل الرابع في القضاء على الغائب من "فصول (٢) محمد الْأَسْتُرُوشَني": ذكر في طريقة فخر الإسلام البَزْدَوي ﵀: لو أنَّ رجلًا أتى القاضي وقال: إنَّ هذه الدَّابة وديعة عندي، وقد غاب المالك ولم يترك النَّفقة، فمرني بالإنفاق لأرجع بالنفقة عليه، أو قال: التقطت هذه الدَّابة، أو رددت هذه الدَّابة من مسيرة (٣) سفر والمالك غائب، فطلب منه أن يقضي بالنفقة حتى يرجع على المالك؛ فإن القاضي يسأل منه (٤) البينة، فإن أقامها قضى بالنفقة على الغائب، فإذا حضر يرجع عليه. وكذا إذا جاءت امرأة إلى القاضي وقالت: إنَّ زوجي غائب، وطلبت منه أن يفرض لها النفقة، فإنَّ القاضي يكلّفها إقامة البيِّنة على النِّكاح، وعلى أنَّ للزوج مالًا وديعة عند حاضر، فإن أقامت فرض لها النفقة. وكذلك عبد في يد رجل، (جاء رجل) (٥) وادَّعى أنه ملكه اشتراه من فلان

стр. 843

الغائب، وأقام البينة، يقضي بالملك للحاضر وبالشراء على الغائب، حتى لو حضر الغائب وأنكر لا يلتفت إلى إنكاره. وقال الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو الحسن علي بن محمَّد البَزْدَوي في أول كتابه في الأصول: العلم نوعان: علم التوحيد والصفات، وعلم الفقه والشرائع والأحكام. والأصل في النوع الأول هو التمسك بالكتاب والسُّنَّة، ومجانبة الهوى والبدعة، ولزوم طريق السُّنَّة والجماعة الذي كان عليه الصحابة والتابعون ومضى عليه الصالحون، وهو الذي أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا، أعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏، وعامَّة أصحابهم رحمهم الله تعالى. وقد صنف أبو حنيفة في ذلك "كتاب الفقه الأكبر"، وذكر في ذلك إثبات الصفات، وإثبات تقدير الخير والشر من الله تعالى، وأن كل ذلك بمشيئته، وأثبت الاستطاعة مع الفعل، وأن أفعال العباد مخلوقة بخلق الله تعالى إياها كلها، ورد القول بالأصلح، وصنف "كتاب العالم والمتعلم" و"كتاب الرسالة"، وقال فيه: لا نكفِّر أحدًا بذنب، ولا يخرج به من الإيمان، ويترحَّم (١) له. وكان في علم الأصول إمامًا صادقًا، وقد صح عن أبي يوسف أنه قال: ناظرت أبا حنيفة في مسألة (٢) خلق القرآن ستة أشهر، فاتفق رأيي ورأيه أنَّ من قال بخلق القرآن فهو كافر، وصحَّ هذا القول عن محمد. ودلت المسائل المتفرقة عن أصحابنا في المبسوط وغير المبسوط على أنهم لم

стр. 844

يميلوا إلى شيء من مذاهب الاعتزال وإلى سائر الأهواء، وأنهم قالوا بحقيقة (١) رؤية الله تعالى بالأبصار في دار الآخرة وحقيقة (٢) عذاب القبر لمن شاءه، وحقيقة (٣) خلق الجنة والنار، حتى قال أبو حنيفة ﵀ لجهم: اخرج عني يا كافر. وقالوا بأحقية سائر أحكام الآخرة على ما نطق به الكتاب والسُّنَّة، وهذا فصل يطول تعداده. والنوع (٤) الثاني: علم الفروع وهو الفقه، وهو على ثلاثة أقسام: علم المشروع بنفسه، والثاني: إتقان المعرفة به، وهو معرفة النصوص بمعانيها وضبط الأصول بفروعها، والقسم الثالث: وهو العمل به حتى لا يصير نفس العلم مقصودًا، فإذا تمت هذه الأوجه كان فقيهًا. وذكر فخر الإسلام البَزْدَوي في "أصوله" هذا في العوارض (٥) السماوية من باب الأمور المعترضة على الأهلية: وأما النوم فعجزٌ عن استعمال قدرة الأحوال، فأوجب تأخير الخطاب للأداء، ولم يمنع (٦) الوجوب لاحتمال الأداء؛ لأنَّ النوم لا يمتد، فلا يكون في وجوب القضاء عليه حرج، وإذا كان كذلك لم يسقط الوجوب، قال ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّ ذلك وقتها" (٧).

стр. 845

وينافي الاختيار أصلًا حتى بطلت عباراته في الطلاق والعتاق والإسلام وغير ذلك، والمصلِّي إذا قرأ في صلاته وهو نائم في حال قيامه لم تصح قراءته، وإذا تكلم النائم في صلاته لم تفسد صلاته، وإذا قهقه النائم في صلاته فقد قيل: تفسد صلاته، والصحيح أنه لا يكون حدثًا؛ لأنَّ القهقهة جعلت حدثًا في موضع المناجاة لقبحها، ويسقط ذلك بالنوم، ولا تفسد الصلاة أيضًا؛ لأنَّ النوم يبطل حكم الكلام أيضًا. وفي السابع والعشرين من كتاب أدب القاضي (١) في "الفتاوى التاتارخانية" عزوًا إلى "المحيط" قال: وإن ادَّعى رجلان على امرأة نكاحًا، وقدماها إلى الحاكم، وأقرَّت بالنكاح لأحدهما، لا يستحلف الآخر، بل يستحلف الزوج المقَر له؛ ذكر الشَّيخ الإمام فخر الإسلام علي البَزْدَوي في "شرحه": أنَّ فيه اختلاف المشايخ، بعضهم قالوا: يستحلف حينئذ، فإن نكل قضى بالنكاح للثاني، وبطل نكاح الأول، وإن نكلت لأحدهما وحلفت للآخر (٢) يقضي بالنكاح للذي نكلته، وإن نكلت لهما لا يقضي بنكاح أحدهما. وفيه في الفصل الثاني من كتاب الكراهية والاستحسان: قال في "المحيط": ولا بأس بقراءة القرآن إذا وضع جنبه على الأرض، ولكن ينبغي أن يضم رجليه عند القراءة، وفي "اليتيمة" سئل القاضي فخر الإسلام عمن يقرأ القرآن مضطجعًا، هل له ذلك؟ فقال: لا بأس به إذا غطى نفسه باللحاف وأخرج رأسه، وسئل أبو الفضل عمَّن قرأ القرآن ماشيًا، هل يجوز؟ قال: نعم. * * *
следующие страницы →