← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

والدي في هذه المسألة شيئًا، ولا رواية عن أصحابنا ﵏ فيها، فذكرت له ما ذكر الطَّحاوي، فاستحسنه وأخذ به، وهذا لأنه في ذكر الحدود (١) ليس ما يدل على الإفراز، ألا ترى أن السهم لا يدل على الإفراز، فذكر حدوده (٢) كذلك. * * * المتفرقات [٣١٥ - أبو الحسن فخر الإسلام البَزْدَوي (٣)] الشَّيخ الإمام، فخر الإسلام، أبو الحسن علي بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى البَزْدَوي. الإمام الكبير، الجامع (بين أشراف) (٤) العلوم، وأشتات الفنون، إمام الدنيا في الأصول والفروع، صاحب الطريقة، على مذهب أبي حنيفة ﵀. أخذ عنه الجم الغفير، وروى عنه الجمع الكثير، منهم أبو بكر العامري الخطيب بسمرقند محمَّد بن نصر منصور المَدِيني، وأبو المعالي ظهير الدِّين زياد بن إلياس. وله تصانيف كثيرة معتبرة، منها "المبسوط" أحد عشر مجلدًا، و"شرح الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، وله كتاب كبير في أصول الفقه مشهور بين الناس بـ "أصول فخر الإسلام البَزْدَوي"، معتمد معتبر تداولته أيدي العلماء،

стр. 842

وله كتاب في تفسير القرآن، يقال: إنه مئة وعشرون جزءًا، كل جزء في مصحف ضخم، كذا في "الجواهر المضية". وله "غنى الفقهاء" في الفقه، ذكره الزاهدي (١) في "القنية" في باب ما يقع البراءة من الديون من كتاب المداينات. ولد في حدود الأربعمئة، ومات في خامس رجب سنة اثنتين وثمانين وأربعمئة، وحمل تابوته إلى سَمَرْقند، ودفن على باب المسجد. وفي الفصل الرابع في القضاء على الغائب من "فصول (٢) محمد الْأَسْتُرُوشَني": ذكر في طريقة فخر الإسلام البَزْدَوي ﵀: لو أنَّ رجلًا أتى القاضي وقال: إنَّ هذه الدَّابة وديعة عندي، وقد غاب المالك ولم يترك النَّفقة، فمرني بالإنفاق لأرجع بالنفقة عليه، أو قال: التقطت هذه الدَّابة، أو رددت هذه الدَّابة من مسيرة (٣) سفر والمالك غائب، فطلب منه أن يقضي بالنفقة حتى يرجع على المالك؛ فإن القاضي يسأل منه (٤) البينة، فإن أقامها قضى بالنفقة على الغائب، فإذا حضر يرجع عليه. وكذا إذا جاءت امرأة إلى القاضي وقالت: إنَّ زوجي غائب، وطلبت منه أن يفرض لها النفقة، فإنَّ القاضي يكلّفها إقامة البيِّنة على النِّكاح، وعلى أنَّ للزوج مالًا وديعة عند حاضر، فإن أقامت فرض لها النفقة. وكذلك عبد في يد رجل، (جاء رجل) (٥) وادَّعى أنه ملكه اشتراه من فلان

стр. 843

الغائب، وأقام البينة، يقضي بالملك للحاضر وبالشراء على الغائب، حتى لو حضر الغائب وأنكر لا يلتفت إلى إنكاره. وقال الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو الحسن علي بن محمَّد البَزْدَوي في أول كتابه في الأصول: العلم نوعان: علم التوحيد والصفات، وعلم الفقه والشرائع والأحكام. والأصل في النوع الأول هو التمسك بالكتاب والسُّنَّة، ومجانبة الهوى والبدعة، ولزوم طريق السُّنَّة والجماعة الذي كان عليه الصحابة والتابعون ومضى عليه الصالحون، وهو الذي أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا، أعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏، وعامَّة أصحابهم رحمهم الله تعالى. وقد صنف أبو حنيفة في ذلك "كتاب الفقه الأكبر"، وذكر في ذلك إثبات الصفات، وإثبات تقدير الخير والشر من الله تعالى، وأن كل ذلك بمشيئته، وأثبت الاستطاعة مع الفعل، وأن أفعال العباد مخلوقة بخلق الله تعالى إياها كلها، ورد القول بالأصلح، وصنف "كتاب العالم والمتعلم" و"كتاب الرسالة"، وقال فيه: لا نكفِّر أحدًا بذنب، ولا يخرج به من الإيمان، ويترحَّم (١) له. وكان في علم الأصول إمامًا صادقًا، وقد صح عن أبي يوسف أنه قال: ناظرت أبا حنيفة في مسألة (٢) خلق القرآن ستة أشهر، فاتفق رأيي ورأيه أنَّ من قال بخلق القرآن فهو كافر، وصحَّ هذا القول عن محمد. ودلت المسائل المتفرقة عن أصحابنا في المبسوط وغير المبسوط على أنهم لم

стр. 844

يميلوا إلى شيء من مذاهب الاعتزال وإلى سائر الأهواء، وأنهم قالوا بحقيقة (١) رؤية الله تعالى بالأبصار في دار الآخرة وحقيقة (٢) عذاب القبر لمن شاءه، وحقيقة (٣) خلق الجنة والنار، حتى قال أبو حنيفة ﵀ لجهم: اخرج عني يا كافر. وقالوا بأحقية سائر أحكام الآخرة على ما نطق به الكتاب والسُّنَّة، وهذا فصل يطول تعداده. والنوع (٤) الثاني: علم الفروع وهو الفقه، وهو على ثلاثة أقسام: علم المشروع بنفسه، والثاني: إتقان المعرفة به، وهو معرفة النصوص بمعانيها وضبط الأصول بفروعها، والقسم الثالث: وهو العمل به حتى لا يصير نفس العلم مقصودًا، فإذا تمت هذه الأوجه كان فقيهًا. وذكر فخر الإسلام البَزْدَوي في "أصوله" هذا في العوارض (٥) السماوية من باب الأمور المعترضة على الأهلية: وأما النوم فعجزٌ عن استعمال قدرة الأحوال، فأوجب تأخير الخطاب للأداء، ولم يمنع (٦) الوجوب لاحتمال الأداء؛ لأنَّ النوم لا يمتد، فلا يكون في وجوب القضاء عليه حرج، وإذا كان كذلك لم يسقط الوجوب، قال ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّ ذلك وقتها" (٧).

стр. 845

وينافي الاختيار أصلًا حتى بطلت عباراته في الطلاق والعتاق والإسلام وغير ذلك، والمصلِّي إذا قرأ في صلاته وهو نائم في حال قيامه لم تصح قراءته، وإذا تكلم النائم في صلاته لم تفسد صلاته، وإذا قهقه النائم في صلاته فقد قيل: تفسد صلاته، والصحيح أنه لا يكون حدثًا؛ لأنَّ القهقهة جعلت حدثًا في موضع المناجاة لقبحها، ويسقط ذلك بالنوم، ولا تفسد الصلاة أيضًا؛ لأنَّ النوم يبطل حكم الكلام أيضًا. وفي السابع والعشرين من كتاب أدب القاضي (١) في "الفتاوى التاتارخانية" عزوًا إلى "المحيط" قال: وإن ادَّعى رجلان على امرأة نكاحًا، وقدماها إلى الحاكم، وأقرَّت بالنكاح لأحدهما، لا يستحلف الآخر، بل يستحلف الزوج المقَر له؛ ذكر الشَّيخ الإمام فخر الإسلام علي البَزْدَوي في "شرحه": أنَّ فيه اختلاف المشايخ، بعضهم قالوا: يستحلف حينئذ، فإن نكل قضى بالنكاح للثاني، وبطل نكاح الأول، وإن نكلت لأحدهما وحلفت للآخر (٢) يقضي بالنكاح للذي نكلته، وإن نكلت لهما لا يقضي بنكاح أحدهما. وفيه في الفصل الثاني من كتاب الكراهية والاستحسان: قال في "المحيط": ولا بأس بقراءة القرآن إذا وضع جنبه على الأرض، ولكن ينبغي أن يضم رجليه عند القراءة، وفي "اليتيمة" سئل القاضي فخر الإسلام عمن يقرأ القرآن مضطجعًا، هل له ذلك؟ فقال: لا بأس به إذا غطى نفسه باللحاف وأخرج رأسه، وسئل أبو الفضل عمَّن قرأ القرآن ماشيًا، هل يجوز؟ قال: نعم. * * *

стр. 846

[٣١٦ - بكر خَواهَرْ زَادَه (١)] الفاضل العلامة، شيخ الإسلام محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن الحسين البُخاري، المعروف ببكر خَواهَرْ زَادَه. المشهور بخَواهَرْ زَادَه عند الإطلاق اثنان: أحدهما هذا، وهو ابن أخت القاضي أبي ثابت محمَّد بن أحمد البُخاري، وهو متقدِّم، مات (في جمادى الأولى) (٢) سنة ثلاث وثمانين وأربعمئة. والثاني متأخر بالزَّمن، وهو (٣) الإمام بدر الدِّين محمَّد بن محمود الكَرْدَري (٤)، ابن أخت الشَّيخ الإمام شمس الأئمَّة الكَرْدَري، مات في سلخ ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وستمئة، كذا في "الجواهر المضية". وقال في تصحيح خواهر زاده نقلًا عن السَّمْعانِي: بضم الخاء المعجمة وفتح الواو والهاء بينهما ألف وبعد الهاء راء ساكنة وزاي مفتوحة وبعدها ألف وذال معجمة وهاء، قد علمنا من هذا التصحيح أنهما لا يحسنان في الفارسية؛ فإنَّ في واو خواهر وجهين: الأول رسمي والألف ثابت والخاء مفتوحة (والثاني لفظي والألف دليل الإمالة، والواو على كلا الوجهين غير مفتوحة) (٥).

стр. 847

ولفظ زاده: بالزاي المعجمة والدال المهملة مشتقة من زاييدَنْ بالدال المهملة بمعنى التوليد، ومعنى خَواهَرْ زَادَه مولود للأخت، وخواهر مثل خواجه، فإنَّ في واوه وجهين، واستشهد في لغة الحليمي ببيت اللطيفي من شعر الفرس: منم جون ديك وتوهمجون دجاجة … يوم شد راست برتو خفته خواجه وهي عِفْرِيَة (١) الدِّيك، وقد تطلق على أعزة الناس لقصد التعظيم مثل خواجه يوسف الهَمَذاني وخواجه عبد الخالق الغُجْدُوَاني، وطائفة النَّقشبندية يقولون لمشايخهم: خواجكان يريدون بذلك (٢) تعظيمهم، وتقطيع البيت يتقضي (٣) أن تكون الواو رسميًّا والألف ثابتًا في خواجه. وكان خَواهَرْ زَادَه إمامًا فاضلًا، له طريقة حسنة معتدة معتبرة جمع فيها من كل فن، وكان من عظماء ما وراء النهر. وله "المختصر" و"التجنيس" وله "المبسوط" المعروف بـ "مبسوط بكر خَواهَرْ زَادَه". ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بذكره. وفي "الهداية" في باب البغاة: وإذا تغلب قوم من المسلمين على بلد، ثم خرجوا من طاعة الإمام دعاهم إلى العود إلى الجماعة وكشف عن شبهتهم؛ لأنَّ عليًّا ﵁ فعل ذلك بأهل حروراء قبل قتالهم، ولأنَّه أهون الأمرين، ولعل الشر يندفع به، فيبدأ به، ولا يبدأ بقتال حتى يبدؤوا، فإن بدؤوه قاتلهم حتى يفرق جمعهم، قال هكذا ذكر

стр. 848

القُدُوري في "مختصره"، وذكر الشَّيخ الإمام الأجَل المعروف بخَواهَرْ زَادَه أنّ عندنا يجوز أن يبدأ بقتالهم إذا تعسكروا واجتمعوا. وفي "فتاوى قاضي خان" في كتاب الهبة: ولو وضع سكرًا (١) بين قوم وقال: خذوه، فمن أخذ فهو له، ولو نثره فوقع في حجر رجل أو كفه، فأخذه آخر منه فهو جائز، وهذا إذا لم يبسط كفه أو ثوبه لذلك، أما إذا بسط (كفَّه أو ثوبه) (٢) لذلك (٣)، فما وقع فيه فهو له، قال الشَّيخ الإمام الزاهد المعروف بخَواهَرْ زَادَه: الدراهم المنثورة في هذا بمنزله السكر، ولو وقع السكر أو (٤) الدراهم على رأس رجل ثم سقط عن رأسه فأخذه آخر كان للثاني، ولو أخذ رجل بيده ثم سقط فأخذه آخر فهو للأول. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل التدبير والاستيلاد: اختلف العلماء في قيمة المدبر؛ قال بعضهم: قيمة المدبر قيمته لو كان قِنًّا، وقال بعضهم: قيمة المدبر ثلثا قيمة القِنِّ، وقال بعضهم: ينظر بكم يستخدم مدة عمره من حيث الحزر (٥) والظن يجعل قيمته ذلك. وقال أبو اللَّيث: قيمة المدبر نصف (٦) قيمته لو كان قِنًّا، وهكذا ذكر شيخ الإسلام خَواهَرْ زَادَه، وإلى هذا مال الصَّدر الشَّهيد الأجَل؛ لأنّ القِنَّ له نوعان من المنافع: البيع وما يشاكله من التمليكات، والثاني: منفعة الإجارة والاستخدام،

стр. 849

وبالتدبير يفوت الأول، ويبقى الثاني، فكان قيمته نصف قيمته لو كان قِنَّا، ولو كان التدبير مقيدًا (١) بما لا يدرى وجوده فإنَّه يقوم قِنًّا بلا خلاف. ولو قال لعبده: إن مت فأنت حر، أو قال: متى مت، أو متى ما مت أو قال: إذا حدث لي حدث (٢) الموت فأنت حر، فهو مدبر مطلق لا يجوز بيعه، ولو قال لعبده: إن مت إلى مئتي سنة فأنت حر؛ قال أبو يوسف: هو مدبر مقيد حتى يملك بيعه، وقال الحسن بن زياد: هو تدبير مطلق لا يملك بيعه؛ لأنَّ المذهب عندنا أن يعتبر ذكر الوقت لامتناع التدبير، ولا يعتبر أنه يعيش إلى تلك المدة أو لا يعيش، وعند الحسن متى ذكر المولى وقتًا لا يعيش إليه يكون ذكر الوقت للتأبيد والعمر. وفي الفصل الخامس عشر من كتاب البيع من "التَّاتارخانية" نقلًا عن السِّغْنَاقِي شارح "الهداية" فيما (٣) قال: قال القُدُوري: كل ما يوجب نقصانًا في العين - وفي السِّغْنَاقِي: أو القيمة - في عادة التجار (فهو عيب) (٤)، وذكر شيخ الإسلام خَواهَرْ زَادَه: أنَّ ما يوجب نقصانًا في العين من حيث المشاهدة والعيان فهو عيب، وذلك كالشَّلل في أطراف الجواري والحيوان، والهشم في الأواني، (وما لا يوجب نقصانًا بالعين من حيث المشاهدة والعيان ولكن يوجب نقصانًا في منافع العين فهو عيب) (٥)، وما لا يوجب نقصانًا في العين ولا في منافع العين إلا أن يعتبر فيه عرف الناس فهو عيب إن عدُّوه عيبًا، وما لا فلا.

стр. 850

وفي الفصل الرابع من كتاب المزارعة من "التَّاتارخانيَّة" أيضًا قال: وفي "مختصر خَواهَرْ زَادَه": رجل دفع نخلًا إلى رجلين معاملة، على أنَّ لأحدهما السدس وللآخر النصف ولرب النخيل الثلث فهو جائز. وفي الفصل الثاني من كتاب الغصب في "التَّاتارخانيَّة" أيضًا نقلًا عن "المحيط": ولو غصب (١) عبدًا محترفًا فنسي ذلك عند الغاصب كان ضامنًا للنقصان، وقال في "الذخيرة" (٢): وكذلك (٣) لو كان قارئًا فنسي القرآن، (وفي "تجنيس خَواهَرْ زَادَه": والخبر (٤)) (٥). * * * ٣١٧ - شيخ الإسلام عطاء بن حمزة السُّغْدي (٦) كان فاضلًا، عارفًا بالمذهب، بحرًا متبحرًا، (عالم المعقول) (٧) والمنقول، إمام الفروع والأصول، ترد (٨) الفتاوى إليه من أقطار الأرض، (وترد إليه الوقائع بعضًا على بعض) (٩)، انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، وكان رحلة الفقهاء (إلى بين يديه) (١٠) في أوانه.

стр. 851

أخذ العلوم عنه جماعة، وتفقَّهوا عليه (١)، منهم (٢) الشَّيخ الإمام نجم الدِّين أبو حفص عُمَر النَّسَفي. رأيت في الفصل العاشر من "فصول مجد الدِّين محمَّد الأُسْتُرُوْشَني": قال نجم الدِّين كنْتُ كتبت الفتوى في جرِّ (٣) الميراث، وبالغت في شرائط صحَّته، غير أني تركت الهاء عند قوله: "وتركه ميراثًا" (٤)، فلم يفتِ عطاء بن حمزة بصحته، وقال لي: ألحق به الهاء واجعله "وتركه ميراثًا"، حتى أفتي بالصحة. قال الأُسْتُرُوشَني: قال السيِّد أبو القاسم: هذه مضايقات فلو بالغ كان أولى، وإن ترك وحصل التعريف كفى، قال صاحب "الذخيرة" (٥): وعندي هذا الخلل ليس بشيء، وقوله: "ورثه من أبيه" كاف لإثبات الملك بسبب الميراث، كقولهم "اشتراه من فلان" وهو معنى الجر، فكانت الشهادة على السبب صحيحة. وقد كان "كتاب جواهر الفتاوى" من مشاهير كتب الفتاوى الذي رتبه الصَّدر الشَّهيد السَّعيد ركن الدِّين أبو بكر محمَّد بن عبد الرشيد الكَرْماني، وجعل كل كتابه على ستة أبواب جامعًا لبعض فتاوى الإمام عطاء بن حمزة السُّغْدي حيث قال: فاستخرت الله تعالى، وشرعت فيه، وجعلت كل كتاب على ستة أبواب: الباب الأول: في فتاوى ركن الدِّين أبي الفضل الكَرْماني. الباب الثاني: في فتاوى جمال الدِّين أستاذ العصر البَزْدَوي.

стр. 852

الباب الثالث: من فتاوى الإمام عطاء بن حمزة السُّغْدي. الباب الرابع: من فتاوى نجم الدِّين أبي (١) حفص بن أحمد النَّسَفي. الباب الخامس: من فتاوى قاضي القضاة مجد الشَّريعة أبي سليمان الكَرْماني. الباب السادس: من فتاوى أئمتنا المعتبرين وعلمائنا المتأخرين وذكر أنسابهم، وسميته "جواهر الفتاوى". وفي الباب الثالث من كتاب الصلاة من "الجواهر": قال الشَّيخ عطاء بن حمزة السُّغْدي: رجل تفكر في صلاته فتذكَّر حديثًا أو شعرًا أو أنشأ كلامًا مرتبًا من خطبة ولم يتكلم بلسانه لا تفسد صلاته، لأنه عمل القلب ويكره؛ لأنَّ فيه ترك الخضوع والخشوع. وقال الإمام عطاء السُّغْدي: المصلي إذا تحرك (٢) من الشمس إلى الظل، ومشى خطوة أو خطوتين إن كان في زمان الصَّيف لا يكره، وإن كان في زمان الشتاء يكره؛ لأنَّ في الأول دفع الأذى، وفي الثاني جلب الراحة، وقال ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني: يكره في الوجهين؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة. وفيه في الباب (٣) الثالث من كتاب الصلح من فتاوى عطاء بن حمزة السُّغْدي: الصلح على الإنكار بعد دعوى فاسدة لا يصح، ولا بد أن يكون دعوى صحيحة حتى يكون الصلح على الإنكار بعده صحيحًا، لأنّ المدعي يأخذ ما يأخذ في حقِّ نفسه بدلًا عن ما يدعي له، أو عين ما يدعي، أو بعض ما يدعي، فلا بد من صحة الدعوى حتى يكون ثابتًا في حق نفسه.

стр. 853

وفيه في كتاب الوكالة في باب فتاوى شيخ الإسلام عطاء بن حمزة السُّغْدي: رجل أراد أن يغيب عن بلده، فطلبت منه امرأته أن يوكل رجلًا يطلقها إن لم يحضر إلى كذا، ففعل، ثم عزل الوكيل فإنّه ينعزل، وهذا بخلاف التوكيل بالخصومة بطلب الخصم وتسليط المرتهن على بيع الرهن حيث لا يملك عزله؛ لأنَّ جواب الخصم يستحق عليه، وقضاء الدِّين كذلك، فإذا (أثبت الإنسان) (١) حقًّا مستحقًا يطلبه لم يملك إبطاله، وأما الطلاق فغير مستحق عليه، فلم تستحق المرأة طلب التوكيل. قال: وهذا الجواب أحفظه عن السيِّد الإمام أبي شجاع، هكذا ذكر، وهو أصح الأقاويل، وإن ذكر في (٢) بعض المواضع كـ "شرح الطَّحَاوِي"، و"فتاوى الفضلي" اختلاف المشايخ. وفيه في كتاب المزارعة في باب فتاوى شيخ الإسلام عطاء بن حمزة السُّغْدي: رجل زرع أرض رجل بغير أمره ببذر نفسه فله أن يطالبه بحصة الأرض، فإن كان العرف جرى في تلك القرية بالنصف أو الثلث أو شيء مقدر شائع فيه يجب ذلك القدر الذي جرى به العرف والرواية في كتاب المزارعة (والله أعلم) (٣). * * * [٣١٨ - مجد الأئمة السُّرْخَكَتِي (٤)] الشَّيخ الإمام أبو بكر، مجد الأئمَّة، السُّرْخَكَتِي، محمَّد بن عبد الله بن فاغَك.

стр. 854

ضبطه عبد القادر في "الجواهر المضية" في باب محمَّد بعد ذكر محمَّد بن عبد الله بن فاغَك الإمام (١): بضم السين وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة والكاف وفي آخرها (٢) تاء ثالث الحروف؛ نسبة إلى سُرْخَكَت من بلاد سمرقند. وذكر في باب الكنى في "الجواهر المضية": السُّرْخَكَتِي: بضم السين وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة والكاف (٣) وفي آخرها (٤) التاء ثالث الحروف (٥)؛ نسبة إلى سُرْخَكَت، قرية على باب نيسابور، ينسب إليها أحمد بن عبد الرَّحمن (٦). وظني أنها سُرْخَك (٧) بغير التاء، فإنَّه قال في باب الألف: أحمد بن عبد الرَّحمن أبو حامد السُّرْخَكي (٨)، بضم السين وسكون الراء وفتح الخاء المعجمة والكاف في آخرها، نسبة إلى سُرْخَك (٩) قرية على باب نيسابور. كان إمامًا فاضلًا مرجع العلماء. توفي بسمرقند سنة ثماني عشرة وخمسمئة. تفقَّه عليه ضياء الدِّين محمود بن الحسين البَنْدَنِيْجي، وعبد العزيز بن عُثمان الفضلي

стр. 855

وله طريقة حسنة. وفي "حقائق المنظومة" في باب جوابات زفر: الأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله عندنا خلافًا لزفر والشَّافعي، قال في "المحيط": إنّما يضمن ما جنت يده عندنا إذا كان محل العمل مسلمًا إليه تسليمًا يكفي لنفي ضمان العقد لو كان مشتريًا، وفي وسع الأجير دفعه حتى لو حصل الغرق بعمل الملاح من مده أو خرقه يضمن إذا لم يكن صاحب المتاع في السفينة، وإن كان هو أو وكيله فيها لا يضمن؛ لأنه لم يسلم المتاع إلى الملاح، وكذا لو كان صاحب المتاع راكبًا على الدابة يسوقها، فسقطت الدابة، وفسد شيء من المتاع، فلا ضمان على صاحب الدابة بالاتفاق، ذكره في (١) "المنشور"، والحمال لو سقط بأن زاحمه الناس لا يضمن إجماعًا، ذكره في "شرح الطحاوي"، قال في طريقة مجد الأئمَّة السُّرْخَكَتِي ﵀: أنّ الحجَّام والختان (٢) والبزاغ لا يضمنون ما تلف بصنعتهم. وفي "فتاوى قاضي خان" في فصل مال التجارة من كتاب الزكاة: وفي الإجارة الموسومة ببخارى إذا عجل الأجر وبقي المال في يد الآجر سنين، حكي عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل أنه قال: إذا كانت الأجرة من الدراهم أو الدنانير كان زكاتها على الآجر؛ لأنه ملكها بالقبض، وعند انفساخ الإجارة لا يلزم رد عين المقبوض، وإنما يلزمه رد غيرها، فكان بمنزلة دين لحقه بعد الحول. وقال الإمام علي بن محمَّد البَزْدَوي ومجد الأئمة السُّرْخَكَتِي: إن زكاتها تجب على المستأجر أيضًا، لأنَّ الناس يعدون مال الإجارة دينًا على الآجر، وفي بيع الوفاء المعهود بسمرقند تجب زكاة الثمن على البائع، وعلى قول الإمام الزاهد البَزْدَوي

стр. 856

ومجد الأئمَّة السُّرْخَكَتِي تجب على المشتري أيضًا، وفيه نوع إشكال، وهو أنه لو اعتبر دينًا عند الناس ينبغي أن لا تجب الزكاة على الآجر والبائع؛ لأنه مشغول بالدين، ولا تجب على المشتري والمستأجر أيضًا؛ لأنه وإن اعتبر دينًا للمستأجر فليس يمتنع في حقه لا يمكنه المطالبة قبل فسخ الإجارة، ولا يمكنه حقيقة، فكان هذا بمنزلة الدِّين على الجاحد أو فوقه (١)، وثمة لا تجب الزكاة ما لم يحل الحول بعض القبض، وإن كانت الأجرة عينًا وبقي العين في يد الآجر إلى وقت انفساخ الإجارة تسقط الزكاة عن الآجر، لأنه استحق عليه عين مال الزكاة. وفي الفصل السادس من كتاب الزكاة من "خلاصة الفتاوى": فزكاة الأجرة المعجلة في هذه الإجارة الطويلة تجب على الآجر، وأما على المستأجر فتجب أيضًا، ذكره الشَّيخ الإمام مجد الأئمة السُّرْخَكَتِي ﵀ في "الجامع الكبير"، وعلى هذا في البيع الذي اعتاده أهل هذه الديار، وهو البيع الذي وعد فيه الوفاء أنَّ زكاة ذلك على البائع إن بقي في يده، ويجب أن تلزم (٢) المشتري أيضًا، وفي "الجامع" للسيِّد لإمام أبي شجاع: لا زكاة على المستأجر، والاحتياط أن يزكي كلُّ واحد منهما. وفي "جواهر الفتاوى" في كتاب البيع في الباب الخامس: الأب إذا باع عقار الابن الصَّغير بالغبن الفاحش لا يجوز، فإن باع وسلم ثم خاصم هو بنفسه قال الشَّيخ الإمام مجد الأئمَّة محمد بن عبد الله السُّرْخَكَتِي وغيره من مشايخ بخارى: إنَّ للأب دعوى ذلك. قال الإمام أبو حفص عُمَر النَّسَفِي: إن سبق منه الإقرار (بثمن المثل) (٣) وكتب

стр. 857

ذلك في الصكِّ، وأشهد على ذلك، لم تستقم (١) دعواه للتناقض، وجواب مجد الأئمَّة السُّرْخَكَتِي محمول على أنه أطلق البيع ولم يقر بذلك الإقرار، ووقف عند (٢) الدعوى بأني بعت ولم أعلم بالغبن، أو علمت بالغبن ولم أعلم أنه لا يجوز. * * * [٣١٩ - رضي الدِّين النَّيْسابُوري (٣)] الشَّيخ الإمام منشئ النظر رضي الدِّين النَّيْسَابُوري. صاحب "الطريقة الرضوية" المعروفة بـ "الرضية" (٤) في ثلاث مجلدات. أخذ عنه الخلاف ركن الدِّين المفتي إمام زاده محمَّد بن أبي بكر، والفضل ركن الدِّين الطاويسي، والركن الإمام الحزامي في "الجواهر المضية": الأركان الأربعة أئمة الدِّين الذين اشتغلوا على الإمام رضي الدِّين النَّيْسَابُوري: ركن الدِّين الطَّاويسي (٥)، وركن الدِّين العَمِيْدي، وركن الدِّين إمام زاده، كذا ذكره ابن خَلِّكان، قال: وشذ عني الرابع، انتهى (٦). وفي الفصل الثاني عشر من "فصول الأُسْتُرُوْشَني" نقلًا عن "المحيط": لو قال

стр. 858

كل امرأة أتزوجها أو يزوجها غيري لأجلي وأجيزه فهي طالق ثلاثًا؛ قال: لا وجه لجوازه؛ لأنه شدد على نفسه، وذكر شيخ الإسلام رضي الدِّين النَّيْسَابُوري في مسألة تعليق الطلاق من طريقة الخلاف: لو قال لامرأة إن صرتِ زوجة لي إما بعقد لي أو بعقد فضولي وإجازتي فأنت طالق، ففعل الفضولي لا يوقع الطلاق. وله "كتاب مكارم الأخلاق"، قال برهان الإسلام الزُّرْنوجي في "كتاب تعليم المتعلم" في فصل الجد والمواظبة: ذكر الشَّيخ الإمام الأجَل الأستاذ رضي الدِّين النَّيْسَابُوري في "كتاب مكارم الأخلاق": أنَّ ذا القرنين لما أراد أن يسافر ليستولي مشارق الأرض ومغاربها شاور الحكماء، وقال (١): كيف أسافر لهذا القدر من الملك؟ فإنّ الدنيا قليلة فانية، وملك الدنيا أمر حقير، فليس هذا (من علو الهمة) (٢)، فقال الحكماء: سافر ليحصل لك ملك الدنيا والآخرة، فقال: هذا حسن. رأيت في "الطريقة الرضية" في كتاب الطلاق في مسألة الكنايات (٣): بوائن الأقولة: اعتدِّي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة، وقال الشَّافعي: كلها رواجع، إذا قال: أنت واحدة إن أعرب الواحدة بالرفع لا يقع الطلاق (٤)، كذا ذكره الإمام أبو المعين؛ لأنَّ الواحدة تكون نعتًا للمرأة، وإن أعرب بالنصب، أو كانت موقوفة مضمرًا أعرب النصب يقع لكونها نعتًا للطلقة، فجرى مجرى قوله: أنت طالق (٥) طلقة واحدة، وذلك لا يزيل الزوجية؛ لما مر في الطلاق الرجعي، ومن مشايخنا

стр. 859

من قال: يقع وإن أعرب بالرفع؛ لأنّ العوام لا يفصلون بين إعراب وإعراب، فكان في معنى ما (١) ذكرنا من التقدير. * * * [٣٢٠ - عبد الواحد الشَّيباني (٢)] الشَّيخ الإمام الزاهد القاضي عبد الواحد الشَّيباني. كان من كبار فقهاء ما وراء النهر، وكان يرجع إليه في أكثر الوقائع والنوازل والفتاوى. في "فتاوى قاضي خان" في فصل ما يجتهد يقضي في المجتهدات قال: وإن لم يكن للقاضي رأي في المسألة فاستفتى فقيهًا فأفتاه، فقضى (٣) بفتواه، ثم حدث له رأي لا يرد قضاءه، ويعمل برأيه الحادث في المستقبل، حكي عن الشَّيخ الإمام عبد الواحد الشَّيباني أنه قال: ما يفعله القضاة من التفويض إلى (٤) شفعوي المذهب في فسخ اليمين المضافة وبيع المدبر وغير ذلك، إنّما يجوز إذا كان المفوض يرى ذلك بأن قال: لاح اجتهادي إلى ذلك، أما إذا كان لا يرى ذلك لا يصح تفويضه، وقال غيره: هذا (احتياط، ويصح التفويض) (٥) وإن كان لا يرى

стр. 860

ذلك؛ لأنَّ على قول أبي حنيفة لو قضى بخلاف رأيه ينفذ (١) قضاؤه في أصح الروايتين، فلأن يصح تفويضه كان أولى. وهكذا في "الأُسْتُرُوْشَنية" و"العمادية"، قال (٢) في الفصل الثاني من "فصوليهما": ذكر القاضي الإمام ظهير الدِّين عبد الواحد الشَّيباني أنه قال: ما يفعله القضاة … إلى قوله: وإن كان لا يرى ذلك. وفي الفصل الثاني من كتاب الشفعة من "التَّاتارخانية": قال محمَّد ﵀ في الأصل: الشركاء في النَّهر الصَّغير كل من كان له شرب أحقُّ من الجار الملازق (٣)، وإن كان نهرًا كبيرًا تجري فيه السفن فالشفعة للجار الملازق، قال الشَّيخ الإمام عبد الواحد الشَّيباني: أراد بالسفن هنا: المسماريات (٤) التي هي أصغر السفن. وذكر الشَّيخ شمس الأئمة السَّرَخْسي: أنّ المذهب عند أبي حنيفة أنّ النهر الكبير الذي تجري فيه السفن من الأنهار كدجلة والفرات وكل ما تجري (٥) فيه السفن من الأنهار يكون بمعنى دجلة والفرات، وما لا تجري فيه السفن يكون في حكم النهر الصغير وذكر شيخ الإسلام المعروف بخَواهَرْ زَادَه: أنَّ المشايخ اختلفوا في حدِّ

стр. 861

النَّهر الكبير والصَّغير؛ بعضهم قالوا: النهر الكبير ما يتفرق (١) ماءه بين الشركاء، (وله منفذ إلى المفاوز التي هي لجماعة المسلمين، والنهر الصَّغير ما يتفرق ماءه بين الشركاء) (٢)، ولا يبقى إذا انتهى إلى آخر الأراضي، ولا يكون له منفذ (٣)، وعامَّتهم على أنّ الشركاء إذا كانوا على النهر لا يحصون فهذا نهر كبير، وإن كانوا يحصون فهو نهر صغير، لكن اختلفوا بعد هذا (٤) في حد ما يحصى وما لا يحصى، بعضهم قدر ما لا (٥) يحصى بخمسمئة، وبعضهم قدره بأربعين، وبعضهم بعشرة، وبعض مشايخنا قالوا: أصح ما قيل أنَّه مفوض إلى رأي كل مجتهد في زمانه، إن رآهم كثيرًا كانوا كثيرًا، وإن رآهم قليلًا كانوا قليلًا. [وفيه في الفصل الثالث من كتاب المزارعة: وإن شرط السرقين على رب الأرض، فإن كان البذر من قبل المزارع، فالمزارعة فاسدة، ويكون الخارج للمزارع، وعليه أجر مثل الأرض وقيمة السرقين، وإن كان البذر من قبل الأرض، فالمزارعة جائزة، وإن شرط أحدهما على الآخر إلقاء السرقين في الأرض من سرقين رب الأرض كما هو المعروف في بلادنا لم يذكر محمَّد هذا الفصل في الكتاب] (٦). وحكي عن الشَّيخ الإمام الزاهد (٧) عبد الواحد أنه كان يقول: وإن شرط

стр. 862

ذلك على المزارع فالمزارعة جائزة (١) من أيهما كان البذر، وإن شرط على رب الأرض إن كان البذر من جهة العامل فإنّه لا يجوز، وإن كان من جهة رب الأرض يجوز. [وفي "الخلاصة": وإن شرط إلقاء السرقين لرب الأرض لم يذكر محمد (٢) في الكتاب، وحكي عن القاضي الإمام عبد الواحد ﵀ أنه قال: إن شرط على المزارع جاز من أيهما كان البذر، وإن شرط على رب الأرض إن كان البذر من العامل لا يجوز، كما لو شرط الكراء على رب الأرض والبذر من المزارع، وإن كان البذر من رب الأرض يجوز] (٣). وفيه في الفصل السادس من كتاب الكفالة: ولو قال: كفلت بنفس فلان شهرًا، أو قال: ثلاثة أيام لم يذكر محمَّد هذا الفصل (في الكتاب) (٤)، وقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: هذا وما لو قال إلى شهر أو إلى ثلاثة أيام سواء، ومنهم من قال بأن في هذه المسألة (٥) يطالب الكفيل في المدة ويبرأ بمضي المدة، وإليه مال الشَّيخ الإمام الزاهد عبد الواحد الشَّيباني. * * *

стр. 863

[٣٢١ - أبو علي محمَّد بن الوليد السَّمَرْقندي (١)] الشَّيخ الإمام الزاهد أبو علي محمَّد بن الوليد السَّمَرْقندي (٢). وفي "روضة القضاة" لأبي القاسم علي بن محمَّد السِّمْناني: وقال بعض أهل العلم في عصرنا - وهو شيخنا أبو علي محمَّد بن الوليد -: إن اعتبار العلم بالأصول والفروع وأهلية الاجتهاد يؤدي أن لا يصح لإمام إمامة في العصر، بل يجب أن يكون له تمييز وعقل ورأي، ويقوي كل فريق في الأصول والفروع، ويتولون ذلك عنه كما يتولاه لنفسه، ولو كلفناه العلم بذلك مع ضيق الزمان وكثرة الاشتغال (٣) لأدى إلى أن لا يصح لأحد إمامة في العصر؛ لأنَّ العلم كثير، والمسائل صعبة، ولا يكاد يجتمع (٤) جميع العلوم كلها (٥) في (الشخص الواحد) (٦) إلا نادرًا شاذًّا. وفي "شرح المنظومة الوهبانية" للشيخ العلامة محمَّد ابن الشحنة: سئل الشَّيخ الإمام أبو القاسم، عن امرأة سمعت من زوجها أنه طلَّقها ثلاثًا، ولا تقدر أن (تمنعه عن) (٧) نفسها، هل يسعها أن تقتله في الوقت الذي يريد أن يقربها فيه (٨)؟ قال: لها أن

стр. 864

تقتله، هكذا كان فتوى شيخ الإسلام عطاء بن حمزة والإمام أبي شجاع. وكان (١) القاضي الإِسْبِيْجابي يقول: ليس لها أن تقتله، وفي "الملتقط": وعليه الفتوى، وفي فتاوى الشَّيخ الإمام محمَّد بن الوليد السَّمَرْقندي في "مناقب أبي حنيفة ﵀": عن عبد الله بن المبارك، عن أبي حنيفة: أنَّ لها أن تقتله، وفي "المحيط": لكن ينبغي لها أن تفتدي (٢) بمالها وتهرب منه، وإن لم تقدر قتلته علمت أنه يقربها، ولكن ينبغي لها أن تقتله بالدواء، وليس لها أن تقتل نفسها. وكان محمَّد بن الوليد معاصرًا لأبي عبد الله الدَّامَغاني. ومات أبو عبد الله سنة ثمان وتسعين وأربعمئة. وله "الفتاوى" و"الجامع الأصغر". وكان فقيهًا فاضلًا، يرجع إليه في كثير من الوقائع والنوازل، وذكر (٣) الشَّيخ الإمام افتخار الملَّة طاهر بن أحمد بن عبد الرَّشيد، في الفصل الثاني من كتاب الأيمان في "خلاصة الفتاوى" نقلًا عن "المبسوط": الأيمان ثلاثة: يمين تكفَّر، ويمين لا تكفَّر، ويمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها. أما التي تكفَّر (٤) فهي اليمين على فعل المستقبل، وإذا حنث تجب الكفارة. وأما التي لا تكفَّر فهي (٥) الحلف على إثبات شيء أو نفيه في الماضي متعمدًا الكذب، ولا تجب الكفَّارة وإنما تجب التوبة.

стр. 865

وأما التي نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها بأن (١) يحلف على أمر في الماضي أو في الحال ويظن أنه محق، نحو أن يقول: والله هذا (٢) الطير غراب، فإذا هو حمام. وفي فتاوى محمَّد بن الوليد: لو قال: إن لم يكن هذا فلانًا فعليَّ حجة ولم يكن، وكان لا يشك أنه فلان؛ لزمه ذلك، واللغو لا يؤاخذ به صاحبه إلا في الطلاق والعتاق والنذر [وفيه في الفصل الثاني وفي "فتاوى النَّسَفي": ولو قال (٣) بالفارسية: سوكندمي خورم كه آن كار نكنم أو بكنم، فهذا تفسير قوله: أحلف، وكذا قوله: سوكند خردمي أو خوردم، ولو قال: خورم؛ ليس بيمين. وفي "فتاوى محمَّد بن الوليد": سوكند بخدا يمين، وإن قال: خورده أم فهذا إخبار، فإن كان صادقًا حنث إذا فعله، وإن كان كاذبًا فلا شيء عليه. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة": سئل شيخ الإسلام عطاء بن حمزة عمن قال: برمن سوكندكه اين كار نكنم، قال: هذا يمين، قيل له: فإن قال: سوكند بخورم كه اين كار نكنم، قال هذا وعد وليس بإيجاب، لأنه استقبال محض، قيل له: فإن قال: سوكند خورمي، أو قال: سوكند مي خورم كه اين كار نكنم، قال: هذا يمين؛ لأنه للحال، قيل له: فإن قال: سوكند خوردم كه اين كار نكنم، قال: هذا يمين، وهو إنشاء وتحقيق، ولو قال: سوكند خورده أم، فهو إخبار] (٤). * * *

стр. 866

[٣٢٢ - أبو المعين النَّسَفي (١)] الشَّيخ الإمام الزاهد، أبو المعين، النَّسَفِي، ميمون بن محمَّد (بن محمد) (٢) بن معتمد بن محمَّد بن محمَّد بن مكحول بن أبي الفضل المَكْحُولي. صاحب "كتاب تبصرة الأدلة"، مصنف "تمهيد قواعد التوحيد". إمام فاضل جامع الأصول والفروع. وله "المناهج"، وله "شرح الجامع الكبير". تفقَّه عليه الشَّيخ الإمام علاء الدِّين أبو بكر محمَّد بن أحمد السَّمَرْقندي. وفي الفصل الثامن والثلاثين من "العمادية": مسلم قال: أنا ملحد؛ يكفر، لأنَّ الملحد كافر، ذكره الإمام أبو المعين في "أصول التوحيد"، ولو قال: ما علمت (٣) أنه كفر؛ لا يعذر بهذا، لأنَّ هذا أمر ظاهر. وذكر أبو المحامد الأَفْشَنْجي في "الحقائق شرح المنظومة": الفقه معرفة الشيء بمعناه الدال (٤) على نظيره، قال الشَّيخ أبو منصور ﵀: ومعناه أن (٥) من عرف حكم شيء وعلته الموجبة دلته العلة على وجود مثل ذلك الحكم في محل وجد فيه مثل تلك العلة، وهذا يشتمل على الأحكام والكلام، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة

стр. 867

﵀ تصنيفه في الكلام "الفقه الأكبر"، إلا أنَّ هذا الاسم عند الإطلاق ينصرف إلى علم الفروع، (وتمامه في "مناهج أبي المعين" رحمه الله تعالى) (١). قال شيخ الإسلام المعروف بالمولى خُسْرَو في "درر (٢) الحكام شرح غرر الأحكام" في باب الجمعة من كتاب الصلاة: الاستخلاف للخطبة لا يجوز أصلًا ولا الصلاة ابتداء، بل يجوز بعد ما أحدث الإمام، وهذا معنى ما قال (٣) في "الهداية" في كتاب أدب القاضي: بخلاف المأمور بإقامة (٤) الجمعة حيث يستخلف، لأنه على شرف الفوات لتوقُّته، وكان الأمر (٥) به (٦) إذنًا بالاستخلاف. (وقد قال "شراحه": يجوز له أن يستخلف؛ لأنَّ أداء الجمعة على شرف الفوات لتوقته بوقت يفوت الأداء بانقضائه، فكان الأمر به من الخليفة إذنًا بالاستخلاف) (٧) دلالةً، لكن إنّما يجوز إذا كان ذلك الغير يسمع الخطبة، لأنها من شرائط افتتاح الجمعة. ووجهه أنَّ الخطبة والإمامة بعدها من أفعال السُّلطان كالقضاء، فلم يجز لغيره إلا بإذنه، فإذا لم يوجد لم يجز، وتحقيقه ما قال الشَّيخ أبو المعين في "شرح الجامع الكبير": لا يجوز استخلاف القاضي إلا إذا فوض السُّلطان ذلك إليه؛ لأنه استفاد

стр. 868

القضاء بالإذن، ففي حق ما لم يؤذن بقي على ما كان قبل الإذن، ويجوز استخلافه بعدما فوض إليه؛ لأنه ملك ذلك بإذن السُّلطان كما ملك القضاء بنفسه بين الناس، واعتبر هذا بالوكيل بالبيع إذا وكل غيره، بخلاف المستعير حيث كان له أن يعير؛ لأنَّ المنافع تحدث على ملكه، فيملك تمليك ذلك من غيره، فيكون متصرف بحكم الإذن فيملك بقدر ما أذن له. ثم قال: وعبر مشايخنا عن هذا، وقالوا: من أقام غيره لغيره لا يكون له أن يقم غيره مقام نفسه، ومن قام مقام غيره لنفسه كان له أن يقيم غيره لنفسه. والفقه ما بيَّنا، فإن قيل: هل تجوز خطابة النائب بحضور الأصل عند عدم الإذن كما جاز حكم النائب وتصرف الوكيل عند حضور القاضي والموكل عند عدم الإذن؟ قلنا: لا؛ لأنَّ مدارهما حضور الرأي، فإذا وجد جاز، بخلاف الجمعة؛ إذ لا مدخل للرأي في إقامتها إلا إذا أذن؛ أي لا يجوز استخلاف الإمام للخطبة أصلًا ولا للصلاة ابتداءً إلا إذا كان مأذونًا من السُّلطان للاستخلاف، فحينئذ يجوز، وهذا مما يجب حفظه، فإنَّ الناس عنه غافلون، إلى هنا من "درر الحكام". * * * [٣٢٣ - أبو نصر أحمد الإِسْبِيْجابي (١)] الشَّيخ القاضي الإمام الإِسْبِيْجابي أبو نصر أحمد بن منصور. أحد شراح "مختصر الطحاوي".

стр. 869

كان إمامًا فاضلًا متبحرًا. تفقَّه في بلاده على علماء بلاده، ثم رحل إلى سمرقند، وناظر الأئمَّة والعلماء، ودرس الطالبين (١) والفقهاء، فأعجب الفضلاء حسن كلامه وفصاحة لسانه ونكاته الشريفة وإشاراته اللطيفة، وشاهدوا كمال فضله وتمام عقله، وأحبوه، وأجلسوه للفتوى، وأحلوه المحل الأعلى، وصار الرجوع إليه في الوقائع بعد (٢) السيِّد الإمام أبي شجاع، فانتظمت له الأمور الدينية، وظهرت له الآثار الجميلة. حكي (٣) أنه وجد بعد وفاته صندوق فيه فتاوى كثيرة له، وكان فقهاء عصره أخطؤوا فيها، فوقعت عنده، فأخفاها في بيته حتى لا يظهر نقصانهم، ولم يتركها في أيدي المستفتين حتى لا يعملوا (٤) بغير الصواب، وكتب سؤالاتهم ثانيًا وأجاب عليها (٥) على الصَّواب. ذكر الصَّدر الشَّهيد في "واقعاته" في باب الصوم بعلامة النون: الصائم إذا عمل عمل قوم لوط في شهر رمضان وجب عليه القضاء، وهل تجب عليه الكفارة؟ ذكر هنا الفقيه أبو جعفر، وجعل المسألة على الاختلاف في الحدود. وذكر القاضي المنتسب إلى إِسْبِيْجاب في "شرح الطَّحَاوِي" قال عليه الكفارة في قولهم جميعًا، وهو المختار، لأنَّ الكفَّارة بالزنا إنّما وجبت (٦) لأنه قضاء الشهوة

стр. 870

على الكمال، وهذا المعنى هاهنا، موجود، والحد إنّما وجب بالزنا لأنه زنى، وهذا المعنى هاهنا مفقود؛ لأنّ ذلك المعنى هو إفساد الفراش واشتباه الأنساب، وكان هذا الفعل أقبح، فيفوض إلى رأي الإمام، إن شاء قتله إن اعتاد ذلك، وإن شاء حبسه حتى يتوب ويعزَّر أشد التعزير. وفي "الخلاصة" في الفصل الثاني (١) عشر من كتاب النكاح قال: وفي آخر حدود الإمام خَواهَرْ زَادَه ﵀: الصبي إذا زنى بصبية فعليه المهر، وإن أقرَّ بذلك لا مهر عليه، وإذا زنى الصبي ببالغة مكرهة فعليه المهر، وإن دعته إلى نفسها لا مهر عليه، ولو دعت صبية صبيًّا فعليه المهر (٢)، وكذا لو دعت أمة صبيًّا. فالمراد من المهر: العُقر، تفسير (٣) العقر الواجب بالوطء في بعض المواضع، قال الشَّيخ الإمام نجم الدين: سألت القاضي الإمام الإِسْبِيْجابي عن ذلك بالفتوى، فكتب هو العُقر أنه ينظر بكم يستأجر للزنا لو كان حلالًا يجب ذلك القدر، وكذا نقل عن مشايخنا في "مهذَّب الأصل" للإمام السَّرَخْسي، إلى هنا من "الخلاصة". ورأيت في "جواهر الفتاوى" في كتاب النكاح في الباب الخامس من فتاوى قاضي القضاة مجد الشَّريعة أبي سليمان الكَرْمَاني: العُقْرُ في الموضع الذي يجب هو بمنزلة الأرش في أرش الجنايات، وكلما وجب بناء على عقد صحيح أو فاسد يسمى مهرًا، وكلما وجب على وطء واقع في محل غير مملوك على تقدير أنه مملوك كما إذا ابتاع جارية فوطئها، ثم بان أنها ملك الغير يسمى

стр. 871

عُقْرًا، وهو قيمة النقصان بالوطء، فإنّ المستوفى بالوطء في حكم جزء من أجزاء العين (عند أصحابنا، ولو استوفى جزءًا من أجزاء العين) (١) وجب الأرش، وهاهنا يجب العُقْر وهو الأرش، هكذا ذكره. وقال: وذكر النَّاطِفي في "واقعاته": أنَّ العُقر (٢) ما يتزوج به مثلها، ثم قال صاحب "جواهر الفتاوى" الصَّدر الإمام ركن الدِّين أبو بكر محمَّد بن عبد الرشيد الكرماني: ورأيت في موضع آخر العُقْر عشر القيمة، وذكر في موضع آخر العُقْر خمار وقميص يليق بحالها. * * * قلب الكتيبة الثامنة [٣٢٤ - الخواجه يوسف الهمذاني (٣)] العارف بالله، والإمام المتوجِّه بكليته إلى الله، قطب أولياء الله النَّاسكين (٤)، وغوث عباد الله المخلصين، القائم بتربية المريدين الصادقين، صاحب المقامات العالية، ونائل الكرامات السامية، مظهر الأسرار الجميلة، ومظهر الآثار الجليلة، أبو يعقوب، الخواجه يوسف بن أيوب الهَمَذاني، قدس الله تعالى روحه.

стр. 872

انتهى إليه إرشاد (١) المريدين الصادقين المحبين (٢) في دهره وهو المرشد الكامل، وكان من صغره إلى كبره على طريقة مرضية وسداد. قال الإمام تاج الدِّين بن تقي الدِّين السُّبْكي في "طبقات الشَّافعية": خرج إلى بغداد وقصد الإمام أبا إسحاق الشَّيْرَازِي، وتفقَّه عليه ولازمه مدة ببغداد حتى برع في الفقه، وفاق أقرانه، خصوصًا في علم النظر. وكان أستاذه الشِّيْرَازِي يقدمه على جماعة كثيرة من أصحابه مع صغر سنه؛ لمعرفته بزهده وحسن سيرته واشتغاله بما يعنيه، ثم ترك كل ما كان فيه من المناظرة ومناطحة الأقران، وخلى بنفسه، واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى، ودعوة الخلق إليها، وإرشاد الأصحاب إلى الطريق المستقيم. سمع ببغداد أستاذه أبا القاسم وأبا الحسن المهتدي وطوائف، وسمع أيضًا ببخارى وسمرقند وأصبهان وعدة بلاد من أمم لا يحصون، وكتب أكثر ما سمع، وجد واجتهد، وفاق بالزهد والورع على أقرانه، واتفق الموافق والمخالف أنه برز على بني زمانه، وكان قد عقد له مجلس الوعظ ببغداد. رأيت في فصل وقت التحصيل من "كتاب تعليم المتعلم" قال مؤلفه برهان الإسلام الزُّرْنوجي تلميذ صاحب "الهداية": أنشدني الشَّيخ الإمام الزَّاهد (ركن الإسلام) (٣) محمَّد بن أبي بكر المعروف بإمام زاده، قال: أنشدني سلطان الطَّريقة يوسف الهَمَذاني: دع المرءَ لا تجْزِه على سُوءِ فعلِهِ … سيكفيه ما فيه وما هو فاعِلُه

стр. 873

ورأيت في "كتاب حياة الحيوان" في ذكر الذباب حكاية، نقلها الدَّمِيْرِي عن "تاريخ ابن خَلِّكان"، في ترجمة الإمام يوسف بن أيوب بن زهرة الهَمَذاني الزاهد: أنه جلس يومًا للوعظ، فاجتمع إليه العامة، فقام من بينهم فقيه يعرف بابن السَّقاء، وآذاه، وسأله عن مسألة، فقال له الإمام: اجلس، فإني أجد في كلامك رائحة الكفر، ولعلك أن تموت على غير ملَّة الإسلام، فقدم رسول ملك الروم إلى الخليفة، فخرج ابن السَّقاء مع الرسول إلى القسطنطينية، روي (١) أنه رآه البعض بالقسطنطينية (٢) ملقى على مزبلة مريضًا، قال: فسألته هل القرآن باقٍ على حفظك، وكان في الأول حافظًا للقرآن، فقال ما أذكر منه إلا آية واحدة ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [سورة الحجر: ٢]، والباقي نسيته، انتهى (٣). كذا حكاها (٤) المولى الرَّباني عبد الرَّحمن الجامي في "النفحات". فعليك يا أخي، بالاعتقاد، وترك الانتقاد على المشايخ العارفين والعلماء العاملين والمؤمنين الصالحين، فإنّ حرابهم مسمومة، قلَّ من تعرض وسلم، فسلم تسلم، (ولا تنتقد) (٥) تندم، واقتد بالعلماء العاملين والمشايخ العارفين في كل وقت، ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، نعوذ بالله من سوء (٦) المنقلب، ونسأله حسن الخاتمة.

стр. 874

وكان انتساب خواجه يوسف الهَمَذاني في التصوف إلى الشَّيخ العارف بالله تعالى (١) العالم الصَّمداني علي الفارمدي (٢)، وأخذ نسبة التصوف عنه، وكان له نسبتان في طريق الحقيقة (٣) إلى أبي الحسن الخَرَقَاني، عن أبي يزيد البِسْطَامي، عن الإمام جعفر الصادق، عن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق، عن سلمان الفارسي، عن أبي بكر الصديق ﵁. وفي طريق أبي القاسم الكُرْكاني، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي علي الكاتب، عن أبي علي الرُّوْذْبَاري (٤)، عن الجنيد البغدادي، عن السَّري السَّقَطي، عن مَعروف الكَرْخي، عن داود الطائي، عن حبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵃. وكان الشَّيخ الكبير خواجه يوسف شيخ رئيس السلسلة الخواجكانية خواجه عبد الخالق الغُجْدُوَاني (٥)، (وكان للخواجه يوسف الهَمَذاني خلفاء أربعة: الخواجه عبد الخالق الغُجْدُوَاني (٦)) (٧)، والخواجه عبد الله البرقي، والخواجه حسن الأنداقي، والخواجه أحمد اليَسوي. ونقل صاحب "الرشحات" المولى الصَّفي علي بن الحسين الواعظ عن الخواجه محمَّد بارسا صاحب "كتاب فصل الخطاب" أنه قال في فصل الخطاب عن المولى

стр. 875

شرف الملة العَقيلي الأنصاري البُخاري: أنه كتب بخطه: أنَّ الشَّيخ يوسف الهَمَذاني قدس سره رحل [إلى] بغداد وهو ابن ثماني عشرة سنة، وتفقَّه على أبي إسحاق، وبلغ رتبة الكمال في العلم، وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة، وتفقَّه وأخذ العلم بأصبهان (١) وبخارى عن علمائها، ثم صار صاحب قبول ومرجع، فحول بخراسان وعراق وخُوَارزم وما وراء النهر. ذكره (٢) السُّبكي من أصحاب الشَّافعية: أنه كان على مذهب الشَّافعي، والأول أصح؛ لأنهم أعرف بحاله إذ هم خلفاء طريقه. وأخذ عنه الفقه وعلم التَّصوف صاحب "كتاب الشرعة" الشَّيخ الإمام المعروف بإمام زاده مفتي محمَّد بن أبي بكر البُخاري، والشَّيخ الإمام الخواجه حسن أبو محمَّد الأنداقي ثالث الخلفاء المذكورة آنفًا، وهما مشايخ أصحابنا الحنفيَّة. [وذكر المولى العارف بالله تعالى عبد الرَّحمن الجامي في "نفحاته": مشهور آنست كه انتساب خواجه يوسف همداني در تصوف بشيخ أبو علي فارمدي است كنية وي أبو يعقوب است إمام عارف رباني صاحب الأحوال والمذاهب الجزيلة والكرامات والمقامات الجليلة وكفته اندكه يا شيخ عبد الله جويني وشيخ حسن سمناني نيز صحبت داشته است در مرو ساكن شد واز انجا بهرات آمد وجندكاه أقامت كرد بعد أزان أهل مروازوي عزيمت مراجعت بمرو كردند در راه فوت شد در شهور سنة خمس وثلاثين وخمسمئة هما نجاكه فوت شد دفن كردند وبعد أز جند كاه بمرو نقل كرده شد ومزاروي در مر وظاهر ومشهور است شيخ محي الدِّين بن عربي قدس الله تعالى سره در بعض از مصنفات خود ميكويد كه در سنه اثنين وستمائة شيخ أوحد الدِّين

стр. 876

كرماني در شهر قونيه در منزل من بودي كفت كه در بلاد ما خواجه يوسف همداني ﵀ كه زيادت ازشصت سال بر سجاده شيخي وارشاد نشته بود روزي درزاويه خود بودكه خاطر بيرون رفتن دردل وي خطور كرد وعادت وي آن بنودكه در غير جمعة بيرون آيد وآن يروى كران آمد ونمى دانست كه كجامي بايد رفت برمركبي سوارشد وسرويرا بكذا شت تاهر كجاكه خداي تعالى خواهد ويراببرد آن مركب ويرا أز شهر برون برد وببادئة درآمد تاوير بمسجدي ويران رسانيد وبايستاد شيخ فرود آمد وبمسجد درآمد ديركه شخص سردر كشيده بعد أز ساعتي سربالا كرد جواني بود بابيت كفت يا يوسف مرا مسئلة مشكل شده است وذكر كرد شيخ انرابيان فرمود بعد ازان كفت أي فرزند هر كاه كه ترا مشكلي شود بشهر دراي وازمن برس ومرادر رنج ميفكن شيخ كفته است كه آن جوان بمن تطرد كرد وكفت هر كاه مرا مشكلي شود هرسنكي مرايوسفي است مثل توشيخ بن العربي ميكويد من از انجاد انستم كه مريد صادق بصدق خود تحريك شيخ بجانب خود مي تواند كرد وويرا مصنفًا تست مثل رتبة الحياة ومنازل السَّائرين ومنازل السالكين في علم التصوف] (١). * * * [٣٢٥ - أبو بكر النَّسَّاج (٢)] الشَّيخ أبو بكر عبد الله الطُّوسي النَّسَّاج ﵀. كان من كبار المشايخ، وكان له مقامات عليَّة، وكرامات جليَّة. أخذ (٣) العلم عن الشَّيخ أبي القاسم الكُرْكاني (٤)، عن أبي عُثمان المغربي، عن

стр. 877

أبي علي الكاتب، عن أبي علي الرُّوْذُبَاري (١)، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن السَّري (٢) السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطائي، عن حبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵁. وأخذ التلقين وعلم التصوف عنه الشَّيخ أحمد الغزالي ﵀. نقل المولى الجامي في "نفحاته" عن عين القضاة الهمداني أنه قال في بعض مصنفاته (٣): قال (٤) الشَّيخ أحمد الغزالي: إن شيخي أبا بكر النَّسَّاج قال في مناجاته: إلهي، ما الحكمة في خلقي؟ فجاء الجواب الحكمة في خلقك رؤيتي في مرآة روحك، ومحبتي في قلبك. * * * [٣٢٦ - أبو حامد الغزالي (٥)] الشَّيخ الإمام، حجَّة الإسلام، محمَّد بن محمَّد بن أحمد، أبو حامد الطُّوسي الغزالي. ولد بطوس سنة خمسين وأربعمئة. وكان والده يغزل الصوف ويبيعه، وكان فقيرًا صالحًا لا يأكل إلا من كسب يده

стр. 878

في غزل الصوف (١)، وكان يطوف على المتفقهين ويجالسهم، ويتوفر على خدمتهم، وينفق ما يمكنه عليهم، وكان (٢) إذا سمع كلامهم يبكي ويتضرع ويسأل الله أن يرزقه ابنًا (٣) يجعله فقيهًا ويحضر مجالس الوعظ، ويسأل الله أن يرزقه ابنًا (٤) واعظًا (٥)، فاستجاب الله تعالى دعوته فأعطاه ولدين: أبو حامد محمد، وأبو الفتوح أحمد، أما أبو حامد فكان أفقه زمانه وفارس ميدانه شهد به الموافق والمخالف، وأقر به العادي والحالف، وأما أبو الفتوح أحمد فكان واعظًا يتعلق الصم عند إسماع تحذيره، وترعد (٦) فرائص الحاضرين في مجالس تذكيره، (يصلح المذنب عندما يعظ) (٧)، ويتوب العاصي عندما يلفظ، وكأنه عاين الأسرار وشاهد الأنوار، فبلغ رتبة (٨) الأبرار. وكان حجَّة الإسلام على مذهب الشَّافعي، وناصره (٩). ومن تصانيفه: "البسيط"، و"الوسيط"، و"الوجيز"، و"الخلاصة"، و"المستصفى في الفقه الشَّافعي"، و"إحياء العلوم" في أربع مجلدات ضخام (١٠) في العبادات والعادات والمهلكات والمنجيات، و"كتاب منهاج العابدين"، و"الأسماء الحسنى"،

стр. 879

و"الرد على الباطنية"، و"شفاء الغليل" (١)، وغير ذلك من الكتب والرسائل. اشتغل في أول (٢) أمره بطوس، وأخذ العلم عن أحمد الرازكاني الشَّافعي وفاق أقرانه، ثم قدم نيسابور ولازم إمام الحرمين، واجتهد حتى برع في المذهب والخلاف والأصلين والجدل، وقرأ الحكم والفلسفة وأحكم ذلك، وفهم كلام أرباب هذه العلوم، وتصدى للرد عليهم وإبطال دعاويهم. ثم بعد وفاة إمام الحرمين ناظر الأئمة والعلماء في مجلس الوزير نظام الملك، وقهر الخصوم، وظهر كلامه على الجميع، واعترف الفضلاء بفضله، فولَّاه (٣) نظام الملك تدريس مدرسته ببغداد، وأمر بالتوجه إليها، فقدم بغداد في سنة أربع وثمانين وأربعمئة، ودرس بالنظامية، وأعجب الخلق حسن كلامه وكمال فضله، وأحلوه المحل الأعلى، وقالوا له: أهلًا بمن أصبح لأجل المناصب أهلًا. وأقام على التدريس وتعليم العلم مدة، عظيم الجاه زائد الحشمة، جليل القدر عالي الرتبة، تضرب (٤) به الأمثال، وتشد (٥) إليه الرحال، ثم رفض ما فيها من التقدم والجاه، وترك كل ذلك وراء ظهره، وقصد بيت الله الحرام، وتوجه إلى الشام في سنة ثمان وثمانين، واستناب أخاه في التدريس. وجاور بيت المقدس مدة، ثم عاد إلى دمشق، واعتكف في زاوية بالمسجد الأموي المعروف اليوم بالغزالية نسبة إليه، ولبس الثياب الخشن، وقلل طعامه وشرابه، وأخذ في تصنيف "الإحياء"، وصار يجاهد جهاد الأبرار، ويروض نفسه،

стр. 880

ويكلفها مشاق العبادات، ويتلوها بأنواع القرب والطاعات، إلى أن صار قطب الوجود والبركة العامة لكل (١) موجود، وذلك ببركة صحبته شيخ الشيوخ فضل بن محمَّد أبو علي الفارمدي، فكان مرشد الطريقة الموصلة إلى رضاء الرَّحمن. ثم رجع إلى بغداد، وعقد بها مجلس الوعظ، وتكلم على لسان أهل الحقيقة، وحدث بكتاب "الإحياء"، ثم عاد إلى نيسابور، فدرس بالمدرسة النظامية بنيسابور مدة، ثم رجع إلى طوس، واتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء وخانقاه للصوفية، ووزع أوقاته لختم (٢) القرآن، ومجالسة أرباب القلوب، (وتدريس طلبة) (٣) العلم، وإدامة الصلاة والصيام وسائر العبادات إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى بطوس، يوم الإثنين رابع جمادى (٤) الآخرة، سنة خمس وخمسمئة. وفي "نفحات الأنس": حجَّة الإسلام محمَّد بن محمَّد بن محمَّد الغزالي، كنيته أبو حامد، ولقبه زين الدين، وكان انتسابه في التصوف إلى الشَّيخ أبي علي الفارمدي الطوسي. قال أبو حامد محمَّد الغزالي: لقد سمعت الشَّيخ أبا علي الفارمدي قدس الله تعالى سره عن شيخه أبي القاسم الكُرْكاني قدس سره أنه قال: إنَّ الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافًا للعبد (٥) السالك، وهو يعد في السلوك غير واصل. وذكر الدَّمِيْرِي في "حياة الحيوان" في ذكر الحمامة: ما حكي لنا واشتهر ورويناه
следующие страницы →