كرماني در شهر قونيه در منزل من بودي كفت كه در بلاد ما خواجه يوسف همداني ﵀ كه زيادت ازشصت سال بر سجاده شيخي وارشاد نشته بود روزي درزاويه خود بودكه خاطر بيرون رفتن دردل وي خطور كرد وعادت وي آن بنودكه در غير جمعة بيرون آيد وآن يروى كران آمد ونمى دانست كه كجامي بايد رفت برمركبي سوارشد وسرويرا بكذا شت تاهر كجاكه خداي تعالى خواهد ويراببرد آن مركب ويرا أز شهر برون برد وببادئة درآمد تاوير بمسجدي ويران رسانيد وبايستاد شيخ فرود آمد وبمسجد درآمد ديركه شخص سردر كشيده بعد أز ساعتي سربالا كرد جواني بود بابيت كفت يا يوسف مرا مسئلة مشكل شده است وذكر كرد شيخ انرابيان فرمود بعد ازان كفت أي فرزند هر كاه كه ترا مشكلي شود بشهر دراي وازمن برس ومرادر رنج ميفكن شيخ كفته است كه آن جوان بمن تطرد كرد وكفت هر كاه مرا مشكلي شود هرسنكي مرايوسفي است مثل توشيخ بن العربي ميكويد من از انجاد انستم كه مريد صادق بصدق خود تحريك شيخ بجانب خود مي تواند كرد وويرا مصنفًا تست مثل رتبة الحياة ومنازل السَّائرين ومنازل السالكين في علم التصوف] (١).
* * *
[٣٢٥ - أبو بكر النَّسَّاج (٢)]
الشَّيخ أبو بكر عبد الله الطُّوسي النَّسَّاج ﵀.
كان من كبار المشايخ، وكان له مقامات عليَّة، وكرامات جليَّة.
أخذ (٣) العلم عن الشَّيخ أبي القاسم الكُرْكاني (٤)، عن أبي عُثمان المغربي، عن
стр. 877
أبي علي الكاتب، عن أبي علي الرُّوْذُبَاري (١)، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن السَّري (٢) السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطائي، عن حبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخذ التلقين وعلم التصوف عنه الشَّيخ أحمد الغزالي ﵀.
نقل المولى الجامي في "نفحاته" عن عين القضاة الهمداني أنه قال في بعض مصنفاته (٣): قال (٤) الشَّيخ أحمد الغزالي: إن شيخي أبا بكر النَّسَّاج قال في مناجاته: إلهي، ما الحكمة في خلقي؟ فجاء الجواب الحكمة في خلقك رؤيتي في مرآة روحك، ومحبتي في قلبك.
* * *
[٣٢٦ - أبو حامد الغزالي (٥)]
الشَّيخ الإمام، حجَّة الإسلام، محمَّد بن محمَّد بن أحمد، أبو حامد الطُّوسي الغزالي.
ولد بطوس سنة خمسين وأربعمئة.
وكان والده يغزل الصوف ويبيعه، وكان فقيرًا صالحًا لا يأكل إلا من كسب يده
стр. 878
في غزل الصوف (١)، وكان يطوف على المتفقهين ويجالسهم، ويتوفر على خدمتهم، وينفق ما يمكنه عليهم، وكان (٢) إذا سمع كلامهم يبكي ويتضرع ويسأل الله أن يرزقه ابنًا (٣) يجعله فقيهًا ويحضر مجالس الوعظ، ويسأل الله أن يرزقه ابنًا (٤) واعظًا (٥)، فاستجاب الله تعالى دعوته فأعطاه ولدين: أبو حامد محمد، وأبو الفتوح أحمد، أما أبو حامد فكان أفقه زمانه وفارس ميدانه شهد به الموافق والمخالف، وأقر به العادي والحالف، وأما أبو الفتوح أحمد فكان واعظًا يتعلق الصم عند إسماع تحذيره، وترعد (٦) فرائص الحاضرين في مجالس تذكيره، (يصلح المذنب عندما يعظ) (٧)، ويتوب العاصي عندما يلفظ، وكأنه عاين الأسرار وشاهد الأنوار، فبلغ رتبة (٨) الأبرار.
وكان حجَّة الإسلام على مذهب الشَّافعي، وناصره (٩).
ومن تصانيفه: "البسيط"، و"الوسيط"، و"الوجيز"، و"الخلاصة"، و"المستصفى في الفقه الشَّافعي"، و"إحياء العلوم" في أربع مجلدات ضخام (١٠) في العبادات والعادات والمهلكات والمنجيات، و"كتاب منهاج العابدين"، و"الأسماء الحسنى"،
стр. 879
و"الرد على الباطنية"، و"شفاء الغليل" (١)، وغير ذلك من الكتب والرسائل.
اشتغل في أول (٢) أمره بطوس، وأخذ العلم عن أحمد الرازكاني الشَّافعي وفاق أقرانه، ثم قدم نيسابور ولازم إمام الحرمين، واجتهد حتى برع في المذهب والخلاف والأصلين والجدل، وقرأ الحكم والفلسفة وأحكم ذلك، وفهم كلام أرباب هذه العلوم، وتصدى للرد عليهم وإبطال دعاويهم.
ثم بعد وفاة إمام الحرمين ناظر الأئمة والعلماء في مجلس الوزير نظام الملك، وقهر الخصوم، وظهر كلامه على الجميع، واعترف الفضلاء بفضله، فولَّاه (٣) نظام الملك تدريس مدرسته ببغداد، وأمر بالتوجه إليها، فقدم بغداد في سنة أربع وثمانين وأربعمئة، ودرس بالنظامية، وأعجب الخلق حسن كلامه وكمال فضله، وأحلوه المحل الأعلى، وقالوا له: أهلًا بمن أصبح لأجل المناصب أهلًا.
وأقام على التدريس وتعليم العلم مدة، عظيم الجاه زائد الحشمة، جليل القدر عالي الرتبة، تضرب (٤) به الأمثال، وتشد (٥) إليه الرحال، ثم رفض ما فيها من التقدم والجاه، وترك كل ذلك وراء ظهره، وقصد بيت الله الحرام، وتوجه إلى الشام في سنة ثمان وثمانين، واستناب أخاه في التدريس.
وجاور بيت المقدس مدة، ثم عاد إلى دمشق، واعتكف في زاوية بالمسجد الأموي المعروف اليوم بالغزالية نسبة إليه، ولبس الثياب الخشن، وقلل طعامه وشرابه، وأخذ في تصنيف "الإحياء"، وصار يجاهد جهاد الأبرار، ويروض نفسه،
стр. 880
ويكلفها مشاق العبادات، ويتلوها بأنواع القرب والطاعات، إلى أن صار قطب الوجود والبركة العامة لكل (١) موجود، وذلك ببركة صحبته شيخ الشيوخ فضل بن محمَّد أبو علي الفارمدي، فكان مرشد الطريقة الموصلة إلى رضاء الرَّحمن.
ثم رجع إلى بغداد، وعقد بها مجلس الوعظ، وتكلم على لسان أهل الحقيقة، وحدث بكتاب "الإحياء"، ثم عاد إلى نيسابور، فدرس بالمدرسة النظامية بنيسابور مدة، ثم رجع إلى طوس، واتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء وخانقاه للصوفية، ووزع أوقاته لختم (٢) القرآن، ومجالسة أرباب القلوب، (وتدريس طلبة) (٣) العلم، وإدامة الصلاة والصيام وسائر العبادات إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى بطوس، يوم الإثنين رابع جمادى (٤) الآخرة، سنة خمس وخمسمئة.
وفي "نفحات الأنس": حجَّة الإسلام محمَّد بن محمَّد بن محمَّد الغزالي، كنيته أبو حامد، ولقبه زين الدين، وكان انتسابه في التصوف إلى الشَّيخ أبي علي الفارمدي الطوسي.
قال أبو حامد محمَّد الغزالي: لقد سمعت الشَّيخ أبا علي الفارمدي قدس الله تعالى سره عن شيخه أبي القاسم الكُرْكاني قدس سره أنه قال: إنَّ الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافًا للعبد (٥) السالك، وهو يعد في السلوك غير واصل.
وذكر الدَّمِيْرِي في "حياة الحيوان" في ذكر الحمامة: ما حكي لنا واشتهر ورويناه
стр. 881
بالسند الصحيح عن الشَّيخ الإمام العارف بالله تعالى أبي الحسن الشَّاذلي أنه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام وقد باهى موسى وعيسى ﵉، وقال لهما: أفي أمتكما حبر (١) هكذا؟ وأشار إلى الغزالي، فقالا (٢): لا.
قال الشَّيخ الإمام العارف بالله الأستاذ ركن الشَّريعة والحقيقة أبو العبَّاس المَرِيْسِي (٣)، وقد ذكر الغزالي، فشهد له بالصديقيَّة العظمى.
وقد ذكر له شيخنا جمال الدِّين الإسنوي ﵀ في "المهمات" ترجمة حسنة: منها قطب الوجود، والبركة الشاملة لكل موجود، وروح خلاصة أهل الإيمان، والطريق الموصلة إلى رضى الرَّحمن، يتقرب به إلى الله (٤) كل صديق، ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق قد انفرد في ذلك العصر عن أعلام الزمان.
وكان حجَّة الإسلام الغزالي قد ولي تدريس النظامية بمدينة بغداد، ثم تركها، وسلك طريق الزهد، وقصد الحج، ثم أقام بدمشق في زاوية الجامع، وانتقل إلى القدس، وأقام بالإسكندرية مدة، ثم عاد إلى وطنه بطوس، ثم ألزم العود إلى نَيْسَابُور والتدريس في النظامية، ثم تركها وعاد إلى وطنه، واتخذ (٥) خانقاه للصوفية، وصرف وقته إلى وظائف الخير؛ من قراءة (٦) القرآن، ومجالسة الصالحين، وكثر في العبادة، والتخلي عن الدنيا، والإقبال على الله تعالى، بكنه الهمة والتبحر في علوم الحقيقة، إلى هنا من كلام الدَّمِيْرِي.
стр. 882
الكتيبة التاسعة
[٣٢٧ - برهان الدِّين الكبير ابن مازه (١)]
الصدر الماضي، برهان الأئمَّة، أبو محمَّد عبد العزيز بن عُمَر بن مازه.
وهو الشَّيخ الإمام، برهان الدِّين الكبير.
تلميذ شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، أخذ العلم عنه، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏.
وتفقَّه عليه ولده الصَّدر السَّعيد تاج الدِّين محمَّد، والصَّدر الشَّهيد حسام الدين عُمَر، والشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الكبير علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني، (وابنه الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي المَرْغِيْنَاني) (٢)، والبرهان البَلْخِي أبو الحسن الزاهد علي بن الحسن، وأبو الفتح عبد الرَّشيد الوَلْوالِجِي، وعبد العزيز بن عُثمان الفضلي وعُثمان بن إبراهيم الخُواقَنْدي.
ذكر شيخ الإسلام برهان الملة الزُّرْنوجي في "تعليم المتعلم": حكي أنَّ الصَّدر
стр. 883
الأجل برهان الأئمَّة جعل وقت السَّبق لولديه الصَّدر الشَّهيد والصَّدر السَّعيد تاج الدِّين وقت الضَّحوة الكبرى بعد جميع الأسباق، وكانا يقولان: إنَّ طبيعتنا تكلُّ وتملُّ في ذلك الوقت، فقال أبوهما: إنَّ الغرباء وأولاد الكبراء يأتونني من أقطار الأرض، فلا بد من أن أقدم أسباقهم، فببركة شفقته فاق ابناه على أكثر (١) فقهاء أهل الأرض في ذلك العصر في الفقه.
وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الثالث من كتاب الصلاة: وأفتى الشَّيخ الإمام الأجَل برهان الدِّين الكبير ﵀ في أهل بلد كلما تغرب الشمس يطلع (٢) الفجر: أنَّ عليهم صلاة العشاء، والصَّحيح أنه (٣) لا ينوي القضاء؛ لفقد وقت الأداء.
وفي "شرح القُدُوري" للزاهدي نقلًا عن صاحب "المحيط": وردت فتوى في زمن الصَّدر برهان الأئمة: أنَّا لا نجد وقت العشاء في بلدتنا (٤)، هل علينا صلاته؟ فكتب ليس عليكم صلاة العشاء، وبه أفتى الظهير المَرْغِيْنَاني، فجواب برهان الدِّين مخالف لجوابه في الفتوى المنقولة عنه في "الظَّهِيْرِيَّة".
وفي "الحقائق" في باب العالم الرَّباني محمَّد بن الحسن الشَّيباني: قال في "المحيط": كل قيام فيه ذكر مسنون فالسنة فيه الوضع كحالة الثناء والقنوت والجنازة، وكل قيام ليس فيه ذكر مسنون فالسنة فيه الإرسال، وبه أفتى الإمام السَّرَخْسي، وبرهان الأئمَّة، وابنه الصَّدر الشَّهيد ﵏.
* * *
стр. 884
[٣٢٨ - محمود الأُوْزْجَندي (١)]
شمس الإسلام، القاضي محمود بن عبد العزيز الأُوْزْجَندي.
جد (الشَّيخ الإمام) (٢) القاضي فخر الدِّين قاضي خان.
كان العرف على أنَّ شيخ الإسلام يصطلح على من تصدَّر للإفتاء وحلَّ مشكلات الأنام فيما شجر بينهم من النِّزاع والخصام من الفقهاء العظام والفضلاء الفخام، وقد اشتهر بها من أخيار المئة الخامسة والسادسة أعلام، وهم شيخ الإسلام (أبو الحسن) (٣) علي السُّغْدي، وشيخ الإسلام عطاء بن حمزة السُّغْدي، وشيخ الإسلام علي بن محمَّد الإِسْبِيْجابي المفتي بسمرقند، وشيخ الإسلام عبد الرَّشيد جد صاحب "الخلاصة" افتخار الملَّة طاهر بن محمَّد بن عبد الرَّشيد، وشيخ الإسلام برهان الدِّين علي المَرْغِيْنَاني صاحب "الهداية"، وشيخ الإسلام نظام الدِّين عُمَر بن شيخ الإسلام برهان الدِّين، وشمس الإسلام هذا شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز الأُوْزْجَندي.
تفقَّه على الشَّيخ الإمام شمس الأئمة السَّرَخْسي، وأخذ عنه عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل البُخاري، عن الأستاذ أبي محمَّد عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير البُخاري، عن الإمام محمَّد بن الحسن الشَّيباني، عن الإمام الأعظم أبي حنيفة نعمان بن ثابت تلميذ حمَّاد، وهو تلميذ إبراهيم النَّخَعي، هو تلميذ علقمة، هو تلميذ عبد الله بن
стр. 885
مسعود صاحب صاحب الشَّريعة نبينا محمَّد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. وفي آخر الفصل الخامس من كتاب الأيمان من فتاوى "القاضي ظهير الدِّين البُخاري": سئل شيخ الإسلام الأُوْزْجَندي عمن قال لصاحب الدَّين: إن لم أقضِ حقك يوم العيد فكذا، فجاء يوم العيد إلا أنَّ القاضي في هذه البلدة لم يجعله عيدًا ولم يصلِّ فيه (صلاة العيد) (١) لدليل لاح عنده، وقاضي بلدة أخرى جعله عيدًا، قال: إذا حكم قاضي بلدة بكونه (٢) عيدًا يلزم ذلك أهل بلدة أخرى إذا لم تختلف المطالع، كما في الحكم بالرَّمضانيَّة.
في "فصول مجد الدِّين محمَّد الأُسْتُرُوشَني" في آخر الفصل العشرين: [سئل شيخ الإسلام محمود الأُوْزْجَندي عمن قال: اكَرتا يكسال درين شهر باشم هر زنيكه حالى در عقد مرا بود وباشد از من بطلاق وبعد از يكسال درين شهر باشيد زنيكه حالى در عقد ويست طلاق شود ياني؟، أجاب (نى) والله أعلم، وسئل: اين لفظ بود وباشد حالى را فراكَيرد يا استقبال را؟، أجاب استقبال را، وقد اختلف المشايخ فيه.
وفيه في الفصل السادس، ذكر في "كتاب الأحكام"] (٣): سئل نجم الدِّين النَّسَفِي والصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين - رحمهما الله -: أنَّ المستحَق عليه إذا أراد أن يرجع على بائعه بالثمن، فأقام البائع بينة على النتاج، أو على وصول ذلك الشيء إليه من جهة المستحق ببيع أو نحوه، هل يشترط حضرة المستحق لسماع هذه البينة؟ أجاب نجم الدِّين: نعم، وأجاب حسام الدِّين: لا، وهو المختار.
سُئل حسام الدِّين: لو نصب القاضي خصمًا على (٤) المستحق لسماع هذه البينة
стр. 886
على النتاج ونحوه؛ ليدفع سجلًا إلى المشتري حتى يسترد المبيع من يد المستحق، قال: لا يجوز.
ورأيت في "فوائد شيخ الإسلام برهان الدِّين" قال: كان شمس الأئمَّة السَّرَخْسي يفتي أنَّه تقبل هذه البيِّنة بدون حضرة المستحِق، والقاضي الإمام شمس الإسلام محمود يفتي أنَّه لا تُقبل، وكنت أكتب كما كتب شمس الأئمَّة ﵀ اتباعًا للأستاذ دون التلميذ.
قال: وذكر الإمام الأجَل برهان الدِّين الكبير البُخاري: أن (١) الشَّيخ الإمام المعروف بخَواهَرْ زَادَه ﵀ ذكر في هذه المسألة في "السير الكبير" اختلافًا بين أصحابنا رحمهم الله تعالى (٢)، إلى هنا من الأُسْتُرُوشَنية" (٣).
وفي "العمادي" في الفصل الثالث قال: وفي فوائد جدِّي شيخ الإسلام برهان الدِّين ﵀، قال: كان يفتي شمس الأئمَّة السَّرَخْسي ﵀ (٤) أَنَّه تقبل هذه البيِّنة بدون حضرة المستحق، وكان القاضي الإمام شمس الأئمَّة محمود الأُوْزْجَندي ﵀ (٥) يفتي أنّه لا تقبل (٦)، وكنت أكتب كما كتب شمس الأئمة؛ اتباعًا للأستاذ دون التلميذ، (والله أعلم) (٧).
стр. 887
[وفي "العمادية" في الفصل العشرين في فوائد جدِّي شيخ الإسلام شوى زن را كَفت بيرون آي زن، كَفت: من بيرون آمدم، مرد كَفت: من رها كردم، خلع بود ياطلاق؟ أجاب خلع بود. إن أراد به الجواب، ثم قال: ولا حاجة إلى القيد؛ لأنه يراد به الجواب ظاهرًا، وقوله: بيرون آمد صار متعارفًا في الخلع، وكذا قوله: رها كردم متعارف في الخلع، كذا كتبه شمس الأئمَّة السَّرَخْسي للقاضي (١) الإمام محمود الأُوْزْجَندي في فتاوى استفتى بها عنه (٢).
قوله: رها كردم وإن كان فارسيته (٣) خليت سبيلك إلا أنَّه صار بمنزلة الصريح؛ لكثرة استعماله فيما بين العوام، وفي قوله: رها كردم لا يشترط النيَّة، ويقع طلاق بائن، انتهى] (٤).
* * *
[٣٢٩ - أبو محمَّد الخطيب الكُشَاني (٥)]
الشَّيخ الإمام مسعود بن الحسين بن الحسن بن محمَّد بن إبراهيم الكُشَاني، أبو محمَّد الخطيب الملقَّب بركن الدِّين.
صاحب "المختصر" المشهور بـ "المسعودي".
стр. 888
إمام عالم، يرجع إليه في النَّوازل والفتاوى، وكان شيخًا كبيرًا تصدَّر للتدريس والإفتاء.
وتفقَّه على شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، وأخذ عنه عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل البُخاري، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير البُخاري (١)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏.
وتفقَّه عليه الشَّيخ الإمام أبو المحاسن الحسن بن علي بن عبد العزيز بن عبد الرَّازق المَرْغِيْنَاني، وتفقَّه عليه ابنه محمَّد بن مسعود الكَشَاني، وعلي بن موجود بن الحسين بن الحسن بن محمَّد الكَشَاني، والحسن بن نصر بن إبراهيم الكَشِّيني (٢).
والكُشَانية بلدة من السُّغْد بنواحي سمرقند.
وروى عنه جماعة، وعن السَّمْعَانِي أنَّه قال: روى لنا عنه ببخارى ابنه محمَّد بن مسعود الكُشَاني.
مات سنة عشرين وخمسمئة وله ثلاث وسبعون سنة.
قال شيخ الإسلام المولى خُسْرَو في "درر الحكام" شرح غرر الأحكام في كتاب الولاء: اعلم أنّ صاحب "البدائع" ذكر فيه أنَّ من شرائط (٣) ثبوت الولاء أن لا تكون الأم حرَّة أصلية، فإن كانت فلا ولاء لأحد على ولدها، وإن كان الأب معتقًا لما ذكرنا أنَّ الولد يتبع الأم في الرِّقِّ والحريَّة، ولا ولاء لأحد على أمِّه، فلا ولاء
стр. 889
على ولدها، فإنَّه أراد بالحريَّة الأصلية الحريَّة (الأصلية بالمعنى الثاني بقرينة قوله: ولا ولاء لأحد على أمِّه، وقد عرفت أنّ الولاء ينبني (١) على زوال الملك، وزوال) (٢) الملك بالواسطة لا يكون إلا من قبل الأم، فإذا كانت حرة الأصل بهذا المعنى لم يثبت على الولد ملك، فلا يثبت عليه ولاء.
ووافقه كلام الشَّيخ رشيد الدِّين محمد النَّيْسَابُوري في شرح "التكملة"، وكلام صاحب "المحيط" في "مختصر المحيط"، وكلام الشَّيخ أبي محمَّد مسعود بن الحسين في مختصره المشهور بـ "المسعودي".
وفي "القُنية" في باب الشروط في النِّكاح، نقلًا عن برهان الدِّين صاحب "المحيط": زوَّجَتْ نفسها من رجل على أن يطلقها بعدما دخل بها، فعند أبي حنيفة ﵀ تحلُّ للزوج الأول، وعند أبي يوسف ﵀ (٣) النِّكاح فاسد، وعند محمَّد ﵀ صحيح لكن لا تحلُّ للأول، وفي "المسعودي" فإن تزوَّجها على أن يطلِّقها إلى عشرة أيام فالنِّكاح جائز والشَّرط باطل.
وفي الفصل العشرين من "فصول مجد الدِّين محمَّد الأُسْتُرُوْشَني" قال: وفي فتاوى (٤) أئمة بخارى: لو قال: حلال الله عليَّ حرام، وله امرأتان، قال محمَّد بن الفضل: إن لم تكن (٥) له نيَّة طلقتا جميعًا، وإن نوى أن يطلِّق إحداهما يَدِين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يَدِين في القضاء.
стр. 890
وحكي فتوى شمس الإسلام (١) الأُوْزْجَندي والشَّيخ الإمام الخطيب مسعود بن الحسين الكَشَاني أنَّه يقع الطلاق على واحدة منهما، والبيان إلى الزوج، وهو الأظهر والأشبه.
وفي "الخلاصة" في الفصل الثالث من كتاب الأيمان: من قال: امرأتي طالق وله امرأتان أو أكثر يقع الطلاق على واحدة، وعليه البيان، وسيأتي في كتاب الأيمان في آخر باب اليمين في الطلاق، وإن لم يكن له امرأة تلزمه الكفَّارة.
[وفي "فتاوى النَّسَفِي": لا شيء عليه إذا حنث، وفيما إذا كانت له أربع نسوة حكي فتوى شمس الأئمَّة الأُوْزْجَندي والإمام مسعود الكَشَاني (٢) أنَّه يقع الطلاق على واحدة منهنَّ، والبيان على الزوج، وهو الأشبه، انتهى (٣)] (٤).
* * *
[٣٣٠ - عُثمان البِيْكَنْدي (٥)]
الشَّيخ الإمام الزاهد، أبو عَمْرو، عُثمان بن علي بن محمَّد بن علي البِيْكَنْدي البُخاري.
وعن السَّمْعانِي أنّه قال: كان إمامًا فاضلًا ورعًا زاهدًا (عفيفًا، كثير العبادة
стр. 891
والخير، منزَّه النَّفس، ليِّن الجانب، متواضعًا، قانعًا باليسير) (١).
وكان آخر من بقي ممَّن تفقَّه على الشَّيخ الإمام أبي (٢) بكر محمَّد بن أحمد (بن أبي) (٣) سهل السَّرَخْسي، وأخذ عنه وعن عبد الكَريم الأَنْدَقي، وهما عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي على النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله بن (٤) أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير البُخاري، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏.
وعُثمان بن علي هذا من مشايخ صاحب "الهداية"، شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر عبد الجليل الفَرْغَاني (٥)، وقد ذكره في "مشيخته" التي جمعها لنفسه، وروى عنه شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد السَّتار الكَرْدَري، كما في "الجواهر المضية".
(وسمع أبا بكر محمَّد بن الحسين البُخاري، المعروف بخَواهَرْ زَادَه، وسمع جماعة كثيرة منه ببخارى (٦)).
مات سنة اثنتين وخمسين وخمسمئة، وكانت ولادته سنة خمس وستين وأربعمئة ببخارى.
قال القاضي الإمام ظهير الدِّين محمَّد بن أحمد البُخاري في "فتاواه" في الفصل الأول من كتاب الحج: قال الشَّيخ الإمام الأستاذ (٧) الواعظ
стр. 892
عُثمان البِيْكَنْدي ﵀: إنَّ كثيرًا من علمائنا ﵏ يقرؤون بعد الفراغ من سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]. وروي أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ برجل يقرأ في الركعة الأولى من الفجر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فقال: "هذا رجل بريء من الشرك"، فلما قرأ في الركعة الثانية سورة الإخلاص قال: "هذا رجل عرف ربَّه" (١).
* * *
[٣٣١ - خَمِيْر الوَبَري (٢)]
الشَّيخ الإمام الأجَلُّ، زين الأئمَّة، أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر، المعروف بخُمَيْر الوَبَري الخُوَارِزْمِي.
قال في "الجواهر المضية": الوَبَري بفتح الواو والباء الموحدة وفي آخرها راء، (نسبة إلى الوَبَر) (٣) نسبة خَمِيْر، ونسبة أحمد بن محمَّد بن مسعود الوَبَري، وهو الإمام الكبير أبو نصر، له "شرح مختصر الطَّحَاوِي" في مجلَّدين، ونسبة (٤) عبد الخالق بن عبد الحميد أبي الفضائل الوَبَري الخُوَارِزْمِي الضَّرير الفقيه.
стр. 893
كان من رؤساء أصحاب أبي حنيفة وأعيانهم، وكان عالمًا مناظرًا متكلِّمًا (١)، (وإليه كانت) (٢) الفتوى والتَّدريس.
أخذ الفقه عن القاضي الإمام أبي بكر محمَّد بن علي الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير البُخاري، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏. (وأخذ أيضًا عن الشَّيخ أبي محمَّد القاسم بن محمَّد الخُوْمِيْني) (٣).
وله "كتاب الأضاحي"، رأيت فيه أنّه قال: لا يجوز شيء (٤) من الأنعام في الأضحية إلا الثَّني فصاعدًا، ولا يجوز الجذع إلا من الضَّأْن إذا كان ضخمًا عظيمًا، ثم الثَّني من الشَّاة ومن المعز ما تمَّ له الحول وطعن في السنة الثَّانية، ومن البقر ما طعن في السنة الثالثة، ومن الإبل ما طعن في السنة السادسة، كذا ذكره الزَّعْفَراني والبَقَّالي والسَّرَخْسِي، وذكر الإِسْبِيْجابي أنَّ الثَّني من الإبل ما تمَّ له أربع سنين وطعن في الخامسة، والجذع من الضأن أن يمضي عليه أكثر الحول، كذا ذكره البَقَّالي، وقال: ثمانية أشهر.
وذكر الزَّعْفَراني: ثمانية أشهر أو تسعة أشهر، وإن كان أقل فهو حينئذ يُسمَّى حملًا، ولا يُسمَّى جذعًا، ولا يجزي في الأضحية حمل ولا جدي ولا عجول ولا فَصيل، وذكر الإِسْبِيْجابي أنَّ الجذع من الضأن الذي أتى عليه ستة أشهر، وقال: كان
стр. 894
أستاذي القاضي الزَّرَنْجري يقول بأنَّ اسم الجذع إنّما يقع على الشاة إذا سقطت سنها، وهذه الأسماء مشتقة من أسنانها، وقبل أن يسقط سنها لا تسمى جذعًا، وإذا سقطت سنها الثانية حينئذ تسمى ثنيًّا، قال: وقد تفحصت من أرباب المواشي فيزعمون أنها لا تسقط منها إلا إذا حال عليها الحول، وإنّما سمي ثنيًّا إذا سقطت منها الثاني.
[وفي الفصل الخامس من كتاب الكراهية والاستحسان من "التَّاتارخانيَّة" قال: وفي "اليتيمة" سُئل علي بن أحمد وخمير الوَبَري ويوسف بن محمَّد عن مدرِّس المسجد إذا كان له دار مملوكة أو مستأجرة هل له ثقب (١) في حائط المسجد؟ وهل له أن يجعل من بيته بابًا إلى المسجد، وهو يشتري هذا الباب من مال نفسه؟ فقالوا: لا، وسألت أبا الفضل الكَرْماني عن ذلك، فقال: لا، قلت له: شرط على نفسه ضمان النقصان إن ظهر في الحائط، فقال: ليس له ذلك، وهذا (كمن غصب شيئًا) (٢) على أن يؤدِّي ضمانه إلى المغصوب منه، فإنَّه ليس له ذلك، كذا هذا.
وفيه في الفصل الثامن والعشرين من كتاب البيع: وسئل الوَبَري عمن طالبته الظلمة بالمصادرة، فقال: ليس لي (٣) شيء، فقالوا: لك دور وعقار، فقال: اطلبوا من يشتري هذه الدار، فقال رجل: أنا أشتري، فباعه منه، هل يجوز هذا البيع؟ أو هل له أن يفسخه بعد ذلك؟
فقال: البيع جائز، وليس له فسخه إلا أن يكون مكرهًا في نفس المبيع، وسئل عنها أبو ذر، فقال: إن طالبوه بالمال ولم يأمروه بالبيع فالبيع لازم، وإن أكرهوه على البيع فهو مردود] (٤).
стр. 895
وفي "القنية" في باب تصرف الوصي في مال الصَّغير من كتاب الوصايا، عزوًا إلى القاضي عبد الجبار وعين الأئمَّة الكَرَابِيسي قال: اتخذ ضيافة من مال الصَّغير لختنه للأقارب والجيران والحجَّام، فأكلوا من ذلك، لم يضمن إذا لم يسرف، ثم قال عزوًا إلى أبي حامد: وكذا لو اتخذ ضيافة لمؤدِّب الصبي وللصبيان، وكذا العيدي (١)، (ثم قال عزوًا إلى يوسف البلاني) (٢): وقال خمير الوَبَري: يضمن فيهما، ثم قال عزوًا إلى "المحيط": جاز أن ينفق الوصي على اليتيم في تعليم القرآن والأدب من ماله إن كان يصلح لذلك وهو مأجور، وإلا فيكلَّف تعليم ما يقرأ في صلاته.
* * *
[٣٣٢ - أبو القاسم اللامِشِي (٣)]
القاضي الإمام أبو القاسم الحسين بن علي اللَّامِشي عماد الدِّين.
بعد اللام ألف وميم مكسورة وشين معجمة وياء (٤)، نسبة إلى لامِش، وهي قرية من قرى فَرْغانة من بلاد ما وراء النَّهر، وأما بالسين المهملة: فقرية من قرى المغرب، كذا في "الجواهر المضية".
إمام فاضل ورع ثقة متدِّين، وكان على أحسن طريقة سلكها الأشراف؛ من
стр. 896
دين مكين، (وعقل رزين، دائم الذِّكر، مصيب الفكر، الآمر بالمعروف والنَّاهي عن المنكر، قوَّال بالحق، لا يخاف في الله لومة لائم) (١).
سمع من القاضي الإمام أبي بكر محمَّد بن الحسن بن منصور النَّسَفي، وأخذ العلم عنه (٢)، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله (٣) أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير البُخاري، عن محمَّد (بن الحسن) (٤)، عن أبي حنيفة ﵀.
حكي أنّه قدم بغداد سنة خمس عشرة وخمسمئة في رسالة من جهة خاقان ملك ما وراء النهر إلى دار الخلافة، فقيل له: لو حججْتَ ورجعت، فقال: لا أجعل الحجَّ تبعًا لرسالتهم.
وله "الواقعات"، و"الفتاوى".
وفي الفصل الأول من "الفصول العمادية": اختلف أصحابنا أنَّ دار الإسلام متى تصير دار الحرب؟ قال الإمام الأعظم: لا تصير دار حرب إلا بإجراء أحكام الشرك فيها، وأن تكون متصلة بدار الحرب ليس بينها وبين دار الحرب مِصْر آخر للمسلمين، وأن لا يبقى فيها مسلم أو ذمِّي آمنًا بالأمان الأول، فما لم توجد هذه الشرائط الثلاثة لا تصير دار الحرب.
وقوله: وأن لا يبقى فيها مسلم أو ذمي آمن بالأمان الأول، معناه: وأن لا يبقى
стр. 897
مسلم أو ذمي آمنًا على نفسه، هكذا ذكره في "السير الكبير"، وذكر في "المنشور": وأن لا يبقى فيها مسلم أو ذمي إلا بأمان المشركين.
وعند أبي يوسف ومحمَّد - رحمهما الله - إذا أجروا فيها أحكام الشرك فإنها تصير دار الحرب، سواء كانت متصلة بدار الحرب أو لم تكن، بقي فيها مسلم أو ذمي آمن بالأمان الأول أو لم يبقَ، هما ذهبا في ذلك أنا أجمعنا أنَّ دار الحرب تصير دار الإسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها وإن بقي كافر أصلي، ولم يكن متصلة بدار الإسلام بأن كان بينها وبين دار الإسلام مصر (١) آخر لأهل الحرب، فكذا وجب أن تصير دار الحرب إذا أجروا فيها أحكام الشرك، وإن كان (٢) فيها مسلم أو ذمي أو كانت وسط دار الإسلام بإجراء أحكام الشرك فيها اعتبارًا لأحدهما بالأخرى (٣)، وله أنَّ هذه البلدة صارت دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها، فما بقي شيء من أحكام دار الإسلام فيها، فهي دار إسلام على ما عرف أنّ الحكم إذا ثبت بعلة، فما بقي شيء من العلة يبقى الحكم ببقائه.
هكذا ذكر شيخ الإسلام أبو بكر خَواهَرْ زَادَه في "شرح سير الأصل"، وذكر صدر الإسلام أبو اليسر في "سير الأصل" أيضًا: أنَّ دار الإسلام لا تصير (٤) دار الحرب ما لم يبطل جميع ما صارت به دار الإسلام، وذكر الإمام اللَّامِشي في "واقعاته": أنها صارت دار الإسلام بهذه الأعلام الثلاثة، فلا تصير دار حرب ما بقي شيء منها.
وذكر السيِّد الإمام ناصر الدِّين في "المنشور": أنَّ دار الإسلام إنَّما صارت
стр. 898
دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام، فما بقي علقة من علائق الإسلام يترجَّح جانب الإسلام، إلى هنا من "الفصول العمادية".
[وكذا في "فصول محمَّد الأُسْتُرُوشَني" في أول الفصل الأول، وقال الأُسْتُرُوشَني في الفصل التاسع ذكر في واقعات الإمام اللَّامِشي ﵀: إذا كان في البلد نقود [مختلفة] وأحدها أروج لا تصح الدَّعوى ما لم يبيِّن، وكذا لو أقر بعشرة دنانير حمراء، وفي البلد نقود [مختلفة] حمراء (١) لا تصح ما لم يبيِّن بخلاف البيع، فإنّه ينصرف إلى الأَرْوَجِ.
وفيه في الفصل الثاني عشر: وفي "واقعات اللَّامِشي": ادَّعى الميراث وقال: مات أبي وأنا وارثه لا وارث له غيري، ثم ادعى إن بقي وارث آخر تسمع دعوى الإرث؛ لأنَّ التناقض على نفسه لا يمنع صحة الدعوى، لأنَّه ادعى كلَّ المال لنفسه، والآن ادعى البعض، فقد ادعى أنقص من الأول فتسمع.
وفيه في الفصل الحادي عشر: حكي عن القاضي الإمام اللَّامِشي حين قلد القضاء بسمرقند كان لا يعمل بسجل من كان قاضيًا قبله، فقيل له في ذلك، قال: فإنّه كتب وهو اليوم قاضي القضاة بسمرقند وبما وراء النهر، وقاضي سمرقند ليس قاضي بخارى، فكان هذا كذبًا، محضًا، والكاذب كيف يكون قاضيًا، وبعض مشايخ ذلك الزمان كانوا يجيبون عن هذا، ويقولون: إنَّ قاضي سمرقند قاضي أكثر كور المملكة بما وراء النهر، وللأكثر حكم الكل في أحكام الشرع، فجاز أن يقال: قاضي ما وراء النهر] (٢).
وفي "العمادية" في الفصل الثاني والثلاثين: ذكر الشَّيخ الإمام عماد الدِّين اللَّامِشي في "واقعاته": ليس للمستعير أن يودع عند غيره؛ لأنها أمانة في يده كالوديعة،
стр. 899
وقال بعض مشايخنا: له ذلك، لأنَّ في الإعارة إيداعًا وزيادة، وللمستعير أن يعير فيما لا يتفاوت الناس في الانتفاع به، وبه قال الإمام السَّرَخْسي، ولكن الأول أصح، لأنَّ الإعارة تصرف في المنفعة، والمستعير يملك ذلك تمليكًا من غيره، غير (١) أنّ الانتفاع لا يتهيأ إلا بقبض العين، فيكون تسليم العين من ضرورات صحة التصرف في المنفعة، أما الإيداع فهو تصرف في العين مقصودًا بالتسليم إلى الغير (٢)، وهو لا يملك ذلك.
وقال القاضي الإمام علي (٣) الإِسْبِيْجابي في "شرح الجامع": العارية المطلقة (لا تؤجر وتودع وتعار) (٤)، والوديعة لا تودع ولا تؤجر، والمستأجَر يودع ويؤجر ويعار (٥).
قال: وذكر بعض المتأخرين من الأحداث في "شرح الجامع الصَّغير": للمستعير أن يودع عند مشايخ العراق، وقال بعضهم: لا يودع، والأول أخذ به الفقيه أبو اللَّيث والشَّيخ الإمام محمَّد بن الفضل، وعليه الفتوى، وهذه الجملة في "واقعات اللَّامِشي" في كتاب الوديعة، وهكذا نقله مجد الدِّين المفتي محمَّد الأُسْتُرُوْشَني في "فصوله" في الفصل التاسع والعشرين (٦).
ثم قالا: وذكر في عارية "الذَّخيرة": المستعير هل يملك الإيداع عند الأجنبي؟ اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم ليس له ذلك، وهو اختيار مشايخ العراق، وبه
стр. 900
كان يفتي الفقيه أبو الليث ومحمَّد بن الفضل، وكان ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني يقول: وجدت الرواية منصوصة أنّ المستعير لا يملك الإيداع، وهل له أن يعير إن كانت الإعارة مطلقة؟ له أن يعير سواء كان الناس يتفاوتون في الانتفاع به أو لا يتفاوتون فيه، حتى من استعار دابة للركوب ولم يبين الراكب أو استعار ثوبًا للبس ولم يعين اللابس فله أن يعير للركوب واللبس، وإن كان الناس يتفاوتون في الركوب واللبس، ولكن إنّما يعير غيره إذا لم يركب بنفسه أو لم يلبسه بنفسه.
أما إذا ركب أو لبس بنفسه فقد اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: ليس له أن يعيره، ولو أعار يضمن، وهو اختيار فخر الإسلام علي البَزْدَوي، وقال بعضهم: له أن يعيره (١)، ولو أعار لا يضمن، وهو اختيار شيخ الإسلام أبي بكر وشمس الأئمَّة السَّرَخْسي.
وكذلك في الابتداء لو أركب غيره أو ألبس غيره، ثم أراد أن يركب أو يلبس بنفسه؛ ففيه اختلاف المشايخ على نحو ما ذكرنا، هذا إذا كانت الإعارة مطلقة، فإن كانت مقيدة كان للمستعير أن يعير فيما لا يتفاوت الناس في الانتفاع به، وليس له أن يعير فيما (٢) يتفاوت الناس.
* * *
[٣٣٣ - أبو حامد الخطيب الرِّيْغْذَمُوني (٣)]
الشَّيخ الإمام أبو حامد الخطيب محمَّد بن أحمد الرِّيْغْذَمُوني.
كان عالمًا فاضلًا، وكان ممَّن تفرَّد في وقته بالسُّكون والوَقار، والمحافظة
стр. 901
على الطاعة والديانة، فوض إليه الإمامة بالجامع ببخارى والخطابة، فتولَّاهما على أحسن ما يكون.
أخذ العلم عن أبيه القاضي الجمال أحمد بن عبد الرَّحمن عن القاضي الإمام أبي زيد الدَّبُوسي، عن أبي جعفر الأُسْتُرُوْشَني، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وأخذ عنه ابنه الشيح الإمام القاضي جمال الدِّين حامد بن محمَّد بن أحمد بن عبد الرَّحمن الرِّيْغْذَمُوني خال صاحب "المحيط"، وقيل: أحمد بن محمد.
توفي ببخارى وكان خطيبًا سنة ثمان وعشرين وخمسمئة.
* * *
[٣٣٤ - أبو عبد الله محمَّد البُخاري (١)]
الزاهد العلامة محمَّد بن عبد الرَّحمن البُخاري، أبو عبد الله.
وكان يلقب بالزاهد العلاء.
أخذ الأصول والفروع عن القاضي الجمال أبي نصر أحمد بن عبد الرَّحمن الرِّيْغْذَمُوني المذكور قبيل هذا عن القاضي الإمام أبي زيد الدَّبُوسي إلى آخرها.
(وفي "الجواهر المضية" نقلًا عن السَّمْعانِي أنّه قال: محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أحمد الزاهد العلامة أبو عبد الله البُخاري كان فقيهًا عالمًا فاضلًا مفتيًا مذكرًا
стр. 902
أصوليًّا متكلِّمًا) (١)، قيل: إنّه صنَّف في التفسير تفسيرًا كبيرًا أكثر من ألف جزء.
وأملى في آخر عمره، كتب إليّ بالإجازة، ولم ألحقه ببخارى، لأنّه مات ليلة الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وخمسمئة.
قال: ومحمَّد بن عبد الرَّحمن هذا من مشايخ صاحب "الهداية" علي بن أبي بكر برهان الدِّين الفَرْغَاني، (وقد ذكره في "مشيخته"، وقال: أجازني رواية جميع ما صح من مسموعاته ومن مستجازاته ومصنَّفاته إجازة مطلقة مشافهة، وكتبه بخط يده) (٢).
* * *
[٣٣٥ - عبد الرَّحمن بن محمَّد الخَرَقي (٣)]
عبد الرَّحمن بن محمد بن عبد الله النَّيْسَابُوري الخَرَقي.
بفتح الخاء المعجمة والراء وفي آخرها قاف: نسبة إلى خَرَق؛ قرية من قرى مرو.
كان فقيهًا واعظًا حسن الأخلاق.
(خرج إلى بخارى، وأقام بها مدة، وكتب عنه "الأمالي") (٤).
أخذ عن القاضي الجمال أبي نصر أحمد بن عبد الرَّحمن بن إسحاق الرِّيْغْذَمُوني، عن أبي زيد الدَّبُوسي، عن أبي جعفر الأُسْتُرُوْشَني، عن محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ
стр. 903
عبد الله السُّبَذْمُوْنِي (١)، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
مات سنة ثلاث وخمسين وخمسمئة، قيل: كانت ولادته سنة تسع وستين وأربعمئة.
* * *
[٣٣٦ - أبو حفص عُمَر النَّسفي (٢)]
الشَّيخ الإمام (٣)، مقتدى الأعلام، جامع الأصولَين، مفتي الثَّقلَين، صاحب التَّصانيف التي سارت إلى الخافقين، نجم الدِّين، أبو حفص، عُمَر بن محمَّد بن إسماعيل بن محمَّد بن لقمان النَّسَفي.
كان إمامَّا فاضلًا أصوليًّا متكلِّمًا محدِّثًا (٤) فقيهًا حافظًا نحويًّا لغويًّا زكيًّا فطنًا، أحد الأئمَّة المشهورين بالحفظ الوافر من العلوم، والقَبول التَّام عند الخاص والعام، وكان أستاذًا نشر العلم إملاءً وتذكيرًا وتصنيفًا، واستفاد منه الطَّلبة على اختلاف طبقاتهم.
أخذ الفقه عن صدر الإسلام، أبي اليسر، محمَّد بن محمَّد البَزْدَوي، عن (أبي
стр. 904
يعقوب يوسف) (١) السَّيَّاري، عن أبي (٢) إسحاق النَّوْقَدي الحاكم، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الأعمش، وأبي بكر الإِسْكاف، وأبي القاسم الصفَّار.
والإسكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵀ (٣).
والصفَّار، عن نصير (٤) بن يحيى، عن محمَّد بن سماعة، عن أبي يوسف.
والأعمش تلميذ الإسكاف وأبي اليسر أيضًا، عن إسماعيل بن عبد الصادق، عن عبد الكريم البَزْدَوي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى (٥).
وأخذ نجم الدِّين أيضًا عن شيخ الإسلام عطاء بن حمزة السُّغْدي.
وكان شيخ الإسلام وصدر الإسلام يكرمانه غاية الإكرام، ويعظمانه غاية التعظيم، وكان جميل السيرة (٦)، (كثير العبادة) (٧)، حسن العيش، راغبًا في نشر العلم، ملازم للسنة.
له في العلوم آثار ما ليس لغيره من أهل عصره، (رُحل إليه من البلاد للتفقه عليه) (٨).
стр. 905
وله تصنيفات جليلة في التفسير والفقه وسائر العلوم، وأجلُّ تصانيفه "التيسير في تفسير كتاب الله تعالى" (١) في أربع مجلدات، وأبدع فيها النَّكات، وله "المنظومة"، قال في أولها:
وبعد قد قالَ أبو حفصٍ عمرْ … أكرمَه الله وعُقباه عمر
هذا كتابٌ في الخلافيَّاتِ … نظم في العيون لا النُّكات
مستودعٌ كلَّ المراد موجَز … مستبدعٌ سهلُ القِياد معجز
قال حافظ الدِّين النَّسَفِي في شرحه المسمَّى بـ "المصفى": المستبدع: البديع، ويقال لعديم النَّظير أيضًا، وهو أول كتاب نُظم في الفقه.
وله "كتاب اليواقيت". قال في "الفتاوى الصوفية" في الفصل الرابع من الباب الثالث والأربعين: فاعلم أنَّ لفظ الحنَّان قد جاء في كثير من الأدعية المأثورة المروية والأخبار الصحيحة، فمنها ما مرَّ آنفًا.
ثم قال: ومنها ما ذكر الشَّيخ المجتهد نجم الدِّين النَّسَفِي ﵀ في "كتاب اليواقيت" في موضعين، فذكر في المحرم أنَّه كان أحمد بن حرب الزاهد يدعو بهذا الدعاء عند رأس كل سنة: اللهم أنت الله الأبد القديم الحيُّ الكريم الحنَّان المنَّان، والثاني ما ذكر في الإفطار والتفطير.
عن ابن عباس ﵄، قال: ما من صائم دعا بهذه الدعوات سبع مرات قبل الإفطار إلا غفر الله له (٢) ذنبه، وفرَّج همَّه، ونفَّسَ كربَه، وقضى حاجته (٣). إلى غير ذلك من الفضل والدعوات.
стр. 906
(هي هذه) (١) اللهم ربَّ النُّور العظيم (٢)، إلى أن قال: أنت الحنَّان المنَّان، بديع السموات والأرض … إلى آخره.
وله "الخصائل" و"الفتاوى" وغير ذلك.
(وعن السَّمْعانِي أنّه قال: فقيه فاضل، عارف بالمذهب والأدب، وصنَّف التَّصانيف في الفقه والحديث، ونظم "الجامع الصغير") (٣)، قيل (٤): إنّه صنَّف قريبًا من مئة مصنَّف.
وله شيوخ كثيرون (٥)، قد جمع أسماء مشايخه في كتاب سمَّاه "تعداد الشيوخ لعمر".
وعن صاحب "الهداية" أنّه قال: سمعت نجم الدِّين عُمَر يقول: أنا أروي الحديث عن خمسمئة وخمسين شيخًا، [وسمع أبا محمَّد إسماعيل بن محمَّد النُّوْحِي النَّسَفِي الإمام الخطيب بنَسَف، تلميذ أبي العبَّاس جعفر بن محمَّد المُسْتَغْفِرِي، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله بن (٦) أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى] (٧).
стр. 907
(ونجم الدِّين عمر (١) النَّسَفِي هذا قال) (٢) في "التيسير" في تفسير بسم الله الرَّحمن الرحيم: كان شيخنا الإمام الخطيب الأستاذ أبو محمَّد إسماعيل بن محمَّد النُّوْحِي النَّسَفِي روى لنا عن بعض أولاد عليٍّ ﵁: أنّ الله تعالى لمَّا خلق القلم قال له: اكتب بسم الله الرَّحمن الرحيم، فبسماعه (اسم الله) (٣) وَلِهَ القلم وانشقَّ نصفين، فوضع رأسه على اللَّوح كذلك مشقوقًا ألف عام، حتى رحمه الربُّ تعالى، فأسمعه الاسمين: الرَّحمن الرحيم، فالتأم (٤) أحد الشقين بسماع أحد الاسمين، والتأم (٥) الشق الآخر بسماع الاسم (٦) الآخر (٧).
وقالوا في حذف الألف من بسم (٨): هي سقطة حيرة، وفيها نقطة فكرة، أي حار القلم فحذف الألف في الكتابة، وصارت هذه السقطة نقطة فكرة لأهل الكتابة.
وتفقَّه عليه ابنه أبو اللَّيث أحمد بن عُمَر بن محمَّد المعروف بالمجد النَّسَفي، وقرأ عليه بعض تصانيفه برهان الدِّين شيخ الإسلام علي بن أبي بكر الفَرْغَانِي الرَّشْداني صاحب "الهداية"، والدِّهْقان الإمام الكاشاني محمَّد بن الحسن بن محمَّد، وأبو بكر بن أحمد بن علي بن عبد العزيز البَلْخِي السَّمَرْقندي، المعروف بالظهير.
نقل أنّ صاحب "الهداية" صدَّر "كتاب مشيخته" التي جمعها لنفسه بذكر
стр. 908
نجم الدِّين هذا، ثم ذكر بعد (١) نجم الدِّين النَّسَفِي ابنه أبا الليث أحمد بن عُمَر بن محمَّد المجد النَّسَفي، وكان صاحب "الهداية" قد قرأ عليه بعد أبيه.
حكي أنّ الشَّيخ الإمام نجم الدِّين النَّسَفِي أراد أن يزور الإمام العلامة الشهير (٢) الزَّمَخْشَري جار الله محمود بمكة، فلما وصل إلى داره ودقَّ الباب ليفتحوه ويأذنوا له بالدخول، فقال الشَّيخ: من ذا الذي يدق الباب؟ فقال: عمر، فقال له (٣) الزَّمَخْشَري: انصرف، فقال: نجم الدِّين يا سيدي عُمَر ما ينصرف، فقال: إذا نُكِّر ينصرف، انتهى (٤).
في (٥) "الجواهر": وله "كتاب طلبة الطلبة" في اللغة على ألفاظ كتب أصحابنا، وقيل: إنَّ "طلبة الطلبة" في اللغة تأليف عبد الكريم بن محمَّد بن أحمد تلميذ صدر الإسلام أبي اليسر، وسيجيء قريبًا إن شاء الله تعالى.
وفي الفصل الثاني والعشرين من "الفصول الأُسْتُرُوْشَنية": ذكر في الأصل: إذا خالعها بمال مطلقًا ثم أبرأت عن النفقة لا يصح الإبراء، بخلاف البراءة المشروطة في الخلع؛ لأنه لما وجبت لها النفقة عليه (٦) في هذه الحالة صارت هذه الحالة وحالة النكاح سواء، والإبراء عن النفقة في حالة النكاح لا يصح، فكذا هذا، وذكر نجم الدِّين ﵀ (٧) في "الخصائل": المرأة إذا أبرأت عن نفقة النكاح لا
стр. 909
يصح، ولو أبرأت عن النفقة بعد الطلاق والخلع؛ قيل: لا يصح، وروى الطَّحَاوِي في شروطه (١) عن أصحابنا: أنّه يصح، وهو الأشبه.
وفيه في الفصل الثالث عشر: ذكر نجم الدِّين النَّسَفِي في فتواه متولي الوقف إذا اشترى بمال الوقف دارًا للوقف؛ اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى (٢) في أنَّ هذه الدار هل تلتحق (٣) من المنازل الموقوفة حتى لا يجوز بيعها؟ قال: بعضهم يجوز، وهو الأصح؛ لأنّ في صحة الوقف والشرائط التي يصير الوقف بها لازمًا كلامًا كثيرًا ولم يوجد هاهنا.
وفي "العمادية" في الفصل الثالث والثلاثين، أحكام العمارة: سئل أبو جعفر عن من أقر بدار لامرأته في الصحة وهي خراب، فعمرها الرجل من ماله ثم مات، وترك هذه الدار وهذه المرأة وابنًا، فادعى الابن العمارة بينهما ميراثًا، والمرأة تدعي أنها دارها وعمارتها لها، قال: إن كان عمرها بإذنها فالعمارة ميراث عنه، وتغرم قيمة نصيبه من العمارة، فإن مات وسلمت العمارة كلها، وإن عمرها بغير إذنها؛ قال الإمام نجم الدِّين النَّسَفِي: العمارة لها، ولا شيء عليها من النفقة، وإنه متطوع في ذلك، وعلى هذا التفصيل عمارة كرم امرأته وجميع أملاكها.
(وقد سبق بعض مقالات نجم الدِّين في ذكر القاضي الإِسْبِيْجابي وذكر شيخ الإسلام عطاء بن حمزة السُّغْدي) (٤).
مات ﵀ سنة سبع وثلاثين وخمسمئة بسمرقند، وولادته بنَسَف سنة إحدى وستين وأربعمئة.
стр. 910
[٣٣٧ - اللَّبَّادي (١)]
الشَّيخ الجليل اللَّبَّادي محمَّد بن طاهر بن عبد الرَّحمن بن الحسن بن محمَّد السُّغْدي السَّمَرْقندي.
اللَّبَّادي: بفتح اللام وفتح الباء المشددة وبعد الألف دال مهملة وياء؛ نسبة إلى سكة اللَّبَّادين، وهي محلَّة بسَمَرْقَنْد.
تفقَّه على الشَّيخ الإمام، صدر الإسلام، أبي اليسر، عن إسماعيل بن عبد الصَّادق، عن عبد الكريم البَزْدَوي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وفي "القنية" في باب التداوي من كتاب الكراهية: شم شه قع - شرف الدِّين مكي، شهاب الدِّين إمامي، قاضي عبد الجبار - قالوا: لا بأس بإحراق القثاء الملتقط من الطريق وإدارته حول من أصابته العين، ونظيره صب (٢) الشمع فوق الصبي الخائف، قال الشَّيخ الجليل (٣) اللَّبَّادي: إنَّما يُباح إذا لم ير الشفاء منه، قال ﵀ (٤): وبه يفتى.
* * *
стр. 911
[٣٣٨ - علاء الدِّين السَّمَرْقندي (١)]
الشَّيخ الإمام، علاء الدِّين، أبو بكر، محمَّد بن أحمد بن أبي أحمد السَّمَرْقندي.
صاحب "التحفة"، أستاذ صاحب "البدائع"، شيخ كبير إمام فاضل جليل القدر.
تفقَّه على الإمام أبي المعين، ميمون بن محمَّد بن معتمد بن أحمد بن مكحول المَكْحُولي، صاحب "كتاب تبصرة الأدلة"، و"كتاب تمهيد قواعد التوحيد".
وتفقَّه أيضًا على صدر الإسلام أبو اليسر البَزْدَوي، وأخذ عنه عن أبي يعقوب يوسف السَّيَّاري النَّيْسَابُوري، عن الحاكم النَّوْقَدي أبي إسحاق، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وتفقَّه عليه ملك العلماء علاء الدِّين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني مصنف "البدائع"، الكتاب الجليل شرح "التحفة"، والشَّيخ الإمام ضياء الدِّين محمَّد بن الحسن أستاذ صاحب "الهداية"، وابنته فاطمة الفقيهة العالمة زوجة علاء الدِّين الكاساني، وكانت تفقَّهت على أبيها وحفظت "تحفته".
روي أنَّه كان يحكي والدها: أنها كانت تنقل المذهب نقلًا جيدًا، ومن علوِّ همتها أنّه كان لها سواران ثمينان، فأخرجتهما وسنَّت بثمنها إطعام الفقهاء بالمدرسة الحلاوية في شهر رمضان كلَّ ليلة، واستمرَّ ذلك إلى (٢) اليوم.
стр. 912
روي أنَّه ربما كان يخطئ زوجها الكاساني في الفتوى، فترده إلى الصواب، (فتعرِّفه وجه الخطأ فيه) (١)، فيرجع إلى قولها، وكانت تفتي، وكانت (الفتوى تأتي) (٢) فتخرج وعليها خطها وخط أبيها (٣)، فلما تزوَّجت الكاساني (كانت الفتوى تخرج وعليها خط أبيها وخط زوجها وخطها بالخطوط الثلاث) (٤).
وعن ابن العديم: أنَّه كان يحكي عن أحمد بن يوسف بن محمَّد الأنصاري الحنفي قال: كان الكاساني عزم (٥) على العود من حلب إلى بلاده؛ فإنَّ زوجته حثَّته على ذلك، فلما علم الملك العادل نور الدِّين محمود أرسل سعاة وسأله أن يقيم بحلب، فعرفه سبب السفر وأنه لا يقدر على مخالفتها، وكان يحترمها رعاية لشيخه، ولما اجتمع فيها من الكمال والمعرفة، فاجتمع رأي الملك وزوجها الكاساني على إرسال خادم يجيب (٦) ولا تحتجب منه، ويخاطبها عن الملك في ذلك، فلما وصل الخادم إلى بابها استأذن عليها، فلم تأذن له، واحتجبت عنه، وأرسلت إلى زوجها تقول: بعدُ عهدك بالفقه، أرسلت إليَّ هذا الخادم وأنت تعلم أنّه لا يحل له النظر إليّ ولا يحل لي النظر إليه، وأي فرق بينه وبين غيره من الرجال في جواز النظر؟ فعاد الخادم.
وذكر ذلك لزوجها بحضرة الملك، فأرسلوا إليها امرأة برسالة نور الدين، فأجابته إلى ذلك، وأقامت بحلب إلى أن ماتت ودفنت داخل مقام إبراهيم الخليل
стр. 913
بظاهر حلب، والدعاء عند قبرها مستجاب، ويعرف قبرها بحلب بقبر (١) المرأة، مشهور عند الزوار يزار ويتبرك به، وقبر زوجها الكاساني عند قبرها.
والكاساني شرح "كتاب التُّحفة" للسَّمرقندي هذا، وسمَّاه "البدائع"، فجعله مهر ابنته، فقال فقهاء العصر شرح: تحفته فزوجه ابنته.
وهذه "التحفة" وقعت شرحًا لكتاب القُدُوري حيث قال في الابتداء: قال علاء الدِّين محمَّد بن أحمد بن أبي أحمد السَّمَرْقندي: اعلم أنّ المختصر المنسوب إلى الشَّيخ أبي الحسن القُدُوري ﵀ جمع جملًا من الفقه مستعملة، بحيث تراها مدى الدهر، يهتدي بها المريض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتاض إلى أعلى المراقي والمنازل.
ولمَّا علمْتُ رغبة الفقهاء إلى هذا الكتاب طلب بعضهم من الإخوان والأصحاب أن أذكر فيه بعض ما ترك المصنف من أقسام المسائل، وأوضح المشكلات منه بشيء من الدلائل؛ ليكون ذريعة إلى تضعيف الفائدة بالتفسير والتفصيل، ووسيلةً بذكر الدليل إلى تخريج ذوي التحصيل، فأسرعت في الإسعاف والإجابة رجاء التوفيق من الله تعالى للإتمام والإصابة، طمعًا في فضله في (٢) العفو والغفران والإنابة، فهو الموفِّق للصواب والسداد، والهادي إلى سبيل الرشاد، وسمَّيته "تحفة الفقهاء"، إذ هي هديتي لهم لحق الصحبة والإخاء عند رجوعهم إلى مواطن الآباء، فليقبل هديتي من شاء، تكسبه العزَّ والبهاء، ليذكرني بصالح الدعاء في الحياة والممات، فهو غرضي ونيتي، والأعمال بالنيات.
стр. 914
ورأيت فيها بعد تعداد سنن الوضوء: وأما تخليل اللحية فهو من الأدب عند أبي حنيفة ومحمَّد - رحمهما الله -، وعند أبي يوسف هو سنة، كذا ذكر (١) في "كتاب الآثار"، وأما مسح الرقبة قال أبو بكر الأعمش: إنّه سنة، وقال أبو بكر الإِسْكاف: إنّه أدب.
وأما آداب الوضوء فكثيرة، والفرق بين السنة والأدب أنَّ السنة ما واظب عليه النبي ﷺ ولم يتركه إلا مرة أو مرتين لمعنى من المعاني، والأدب ما فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين ولم يواظب عليه، وذلك نحو إدخال الإصبع المبلولة في صماخ الأذنين، وكيفية المسح إدخال اليد في الإناء، والدلك على أعضاء الوضوء والغسل، وأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله عند كلِّ فعل من أفعال الوضوء، والدعوات المأثورة عند كلِّ عضو، ونحو ذلك مما ورد في الأحاديث أنّه فعل رسول الله ﷺ في الوضوء ولم يواظب عليه.
ورأيت فيها في باب الإقالة والمرابحة من كتاب البيع: لو اشترى ثوبًا بعشرة نسيئة فباعه مرابحة على العشرة، وبين أنّه اشتراه نسيئة لا يكره؛ لأنه لم توجد الخيانة حيث أعلم المشتري بذلك ورضي، [فأما إذا باع على العشرة من غير بيان النسيئة فإنّه يكره والبيع جائز، والمشتري بالخيار إذا علم؛ لأنه وجد الغرور والخيانة؛ لأنّ المشتري إنّما اشتراه مرابحة على العشرة، على تقدير أنّ الثمن في البيع الأول كان عشرة بطريق النقد، ويختلف ثمن المبيع بين النقد والنسيئة، فيثبت له الخيار، كما لو اشترى برقم ثم أعلم في المجلس يثبت له الخيار كذلك.
هذا بخلاف ما إذا باعه مساومة بأكثر من قيمته، ثم علم المشتري بأنه اشتراه بأقل من ذلك لا يكون له الخيار؛ لأنَّ المشتري لم يصر مغرورًا من جهته] (٢)، ولو
стр. 915
قال: إنَّ قيمته كذا، وهو أكثر من قيمته، والمشتري لا يعرف قيمة الأشياء (١)، واشتراه بناءً على قول البائع، فإنَّه لا يجوز، ويكون له الخيار؛ لأنه يصير غارًّا، أما إذا كان عالمًا بالقيمة واشتراه بأكثر منها لغرض له في ذلك فلا بأس، وأصحابنا يفتون في المغبون أنَّه لا يرد، ولكن هذا في مغبون لم يغر له، أما في مغبون غر له (٢) يكون له حق الرَّد؛ استدلالًا بمسألة المرابحة في النسيئة.
* * *
[٣٣٩ - أبو المكارم عبد الكريم بن محمَّد (٣)]
ركن الأئمَّة، أبو المكارم، عبد الكريم بن محمد.
مصنف "طلبة الطلبة".
ذكره عبد القادر في "الجواهر المضية" في ترجمة أبي اليسر في الكنى.
تفقَّه على صدر الإسلام أبي اليسر محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم البَزْدَوي، عن أبي يعقوب يوسف السَّيَّاري، عن الحاكم النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الإِسْكاف عن محمَّد بن سلمة عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد عن أبي حنيفة، ولأبي اليسر وأبي جعفر الهِنْدُوَاني عنعنات أخر تقدم ذكرها.
رأيت في "جواهر الفتاوى" في كتاب الأيمان في الباب السادس: لو قال: أنا