← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

[٣٣٨ - علاء الدِّين السَّمَرْقندي (١)] الشَّيخ الإمام، علاء الدِّين، أبو بكر، محمَّد بن أحمد بن أبي أحمد السَّمَرْقندي. صاحب "التحفة"، أستاذ صاحب "البدائع"، شيخ كبير إمام فاضل جليل القدر. تفقَّه على الإمام أبي المعين، ميمون بن محمَّد بن معتمد بن أحمد بن مكحول المَكْحُولي، صاحب "كتاب تبصرة الأدلة"، و"كتاب تمهيد قواعد التوحيد". وتفقَّه أيضًا على صدر الإسلام أبو اليسر البَزْدَوي، وأخذ عنه عن أبي يعقوب يوسف السَّيَّاري النَّيْسَابُوري، عن الحاكم النَّوْقَدي أبي إسحاق، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وتفقَّه عليه ملك العلماء علاء الدِّين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني مصنف "البدائع"، الكتاب الجليل شرح "التحفة"، والشَّيخ الإمام ضياء الدِّين محمَّد بن الحسن أستاذ صاحب "الهداية"، وابنته فاطمة الفقيهة العالمة زوجة علاء الدِّين الكاساني، وكانت تفقَّهت على أبيها وحفظت "تحفته". روي أنَّه كان يحكي والدها: أنها كانت تنقل المذهب نقلًا جيدًا، ومن علوِّ همتها أنّه كان لها سواران ثمينان، فأخرجتهما وسنَّت بثمنها إطعام الفقهاء بالمدرسة الحلاوية في شهر رمضان كلَّ ليلة، واستمرَّ ذلك إلى (٢) اليوم.

стр. 912

روي أنَّه ربما كان يخطئ زوجها الكاساني في الفتوى، فترده إلى الصواب، (فتعرِّفه وجه الخطأ فيه) (١)، فيرجع إلى قولها، وكانت تفتي، وكانت (الفتوى تأتي) (٢) فتخرج وعليها خطها وخط أبيها (٣)، فلما تزوَّجت الكاساني (كانت الفتوى تخرج وعليها خط أبيها وخط زوجها وخطها بالخطوط الثلاث) (٤). وعن ابن العديم: أنَّه كان يحكي عن أحمد بن يوسف بن محمَّد الأنصاري الحنفي قال: كان الكاساني عزم (٥) على العود من حلب إلى بلاده؛ فإنَّ زوجته حثَّته على ذلك، فلما علم الملك العادل نور الدِّين محمود أرسل سعاة وسأله أن يقيم بحلب، فعرفه سبب السفر وأنه لا يقدر على مخالفتها، وكان يحترمها رعاية لشيخه، ولما اجتمع فيها من الكمال والمعرفة، فاجتمع رأي الملك وزوجها الكاساني على إرسال خادم يجيب (٦) ولا تحتجب منه، ويخاطبها عن الملك في ذلك، فلما وصل الخادم إلى بابها استأذن عليها، فلم تأذن له، واحتجبت عنه، وأرسلت إلى زوجها تقول: بعدُ عهدك بالفقه، أرسلت إليَّ هذا الخادم وأنت تعلم أنّه لا يحل له النظر إليّ ولا يحل لي النظر إليه، وأي فرق بينه وبين غيره من الرجال في جواز النظر؟ فعاد الخادم. وذكر ذلك لزوجها بحضرة الملك، فأرسلوا إليها امرأة برسالة نور الدين، فأجابته إلى ذلك، وأقامت بحلب إلى أن ماتت ودفنت داخل مقام إبراهيم الخليل

стр. 913

بظاهر حلب، والدعاء عند قبرها مستجاب، ويعرف قبرها بحلب بقبر (١) المرأة، مشهور عند الزوار يزار ويتبرك به، وقبر زوجها الكاساني عند قبرها. والكاساني شرح "كتاب التُّحفة" للسَّمرقندي هذا، وسمَّاه "البدائع"، فجعله مهر ابنته، فقال فقهاء العصر شرح: تحفته فزوجه ابنته. وهذه "التحفة" وقعت شرحًا لكتاب القُدُوري حيث قال في الابتداء: قال علاء الدِّين محمَّد بن أحمد بن أبي أحمد السَّمَرْقندي: اعلم أنّ المختصر المنسوب إلى الشَّيخ أبي الحسن القُدُوري ﵀ جمع جملًا من الفقه مستعملة، بحيث تراها مدى الدهر، يهتدي بها المريض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتاض إلى أعلى المراقي والمنازل. ولمَّا علمْتُ رغبة الفقهاء إلى هذا الكتاب طلب بعضهم من الإخوان والأصحاب أن أذكر فيه بعض ما ترك المصنف من أقسام المسائل، وأوضح المشكلات منه بشيء من الدلائل؛ ليكون ذريعة إلى تضعيف الفائدة بالتفسير والتفصيل، ووسيلةً بذكر الدليل إلى تخريج ذوي التحصيل، فأسرعت في الإسعاف والإجابة رجاء التوفيق من الله تعالى للإتمام والإصابة، طمعًا في فضله في (٢) العفو والغفران والإنابة، فهو الموفِّق للصواب والسداد، والهادي إلى سبيل الرشاد، وسمَّيته "تحفة الفقهاء"، إذ هي هديتي لهم لحق الصحبة والإخاء عند رجوعهم إلى مواطن الآباء، فليقبل هديتي من شاء، تكسبه العزَّ والبهاء، ليذكرني بصالح الدعاء في الحياة والممات، فهو غرضي ونيتي، والأعمال بالنيات.

стр. 914

ورأيت فيها بعد تعداد سنن الوضوء: وأما تخليل اللحية فهو من الأدب عند أبي حنيفة ومحمَّد - رحمهما الله -، وعند أبي يوسف هو سنة، كذا ذكر (١) في "كتاب الآثار"، وأما مسح الرقبة قال أبو بكر الأعمش: إنّه سنة، وقال أبو بكر الإِسْكاف: إنّه أدب. وأما آداب الوضوء فكثيرة، والفرق بين السنة والأدب أنَّ السنة ما واظب عليه النبي ﷺ ولم يتركه إلا مرة أو مرتين لمعنى من المعاني، والأدب ما فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين ولم يواظب عليه، وذلك نحو إدخال الإصبع المبلولة في صماخ الأذنين، وكيفية المسح إدخال اليد في الإناء، والدلك على أعضاء الوضوء والغسل، وأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله عند كلِّ فعل من أفعال الوضوء، والدعوات المأثورة عند كلِّ عضو، ونحو ذلك مما ورد في الأحاديث أنّه فعل رسول الله ﷺ في الوضوء ولم يواظب عليه. ورأيت فيها في باب الإقالة والمرابحة من كتاب البيع: لو اشترى ثوبًا بعشرة نسيئة فباعه مرابحة على العشرة، وبين أنّه اشتراه نسيئة لا يكره؛ لأنه لم توجد الخيانة حيث أعلم المشتري بذلك ورضي، [فأما إذا باع على العشرة من غير بيان النسيئة فإنّه يكره والبيع جائز، والمشتري بالخيار إذا علم؛ لأنه وجد الغرور والخيانة؛ لأنّ المشتري إنّما اشتراه مرابحة على العشرة، على تقدير أنّ الثمن في البيع الأول كان عشرة بطريق النقد، ويختلف ثمن المبيع بين النقد والنسيئة، فيثبت له الخيار، كما لو اشترى برقم ثم أعلم في المجلس يثبت له الخيار كذلك. هذا بخلاف ما إذا باعه مساومة بأكثر من قيمته، ثم علم المشتري بأنه اشتراه بأقل من ذلك لا يكون له الخيار؛ لأنَّ المشتري لم يصر مغرورًا من جهته] (٢)، ولو

стр. 915

قال: إنَّ قيمته كذا، وهو أكثر من قيمته، والمشتري لا يعرف قيمة الأشياء (١)، واشتراه بناءً على قول البائع، فإنَّه لا يجوز، ويكون له الخيار؛ لأنه يصير غارًّا، أما إذا كان عالمًا بالقيمة واشتراه بأكثر منها لغرض له في ذلك فلا بأس، وأصحابنا يفتون في المغبون أنَّه لا يرد، ولكن هذا في مغبون لم يغر له، أما في مغبون غر له (٢) يكون له حق الرَّد؛ استدلالًا بمسألة المرابحة في النسيئة. * * * [٣٣٩ - أبو المكارم عبد الكريم بن محمَّد (٣)] ركن الأئمَّة، أبو المكارم، عبد الكريم بن محمد. مصنف "طلبة الطلبة". ذكره عبد القادر في "الجواهر المضية" في ترجمة أبي اليسر في الكنى. تفقَّه على صدر الإسلام أبي اليسر محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم البَزْدَوي، عن أبي يعقوب يوسف السَّيَّاري، عن الحاكم النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الإِسْكاف عن محمَّد بن سلمة عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد عن أبي حنيفة، ولأبي اليسر وأبي جعفر الهِنْدُوَاني عنعنات أخر تقدم ذكرها. رأيت في "جواهر الفتاوى" في كتاب الأيمان في الباب السادس: لو قال: أنا

стр. 916

بريء من الشفاعة إن أفعل كذا، قال الشَّيخ الإمام عبد الكريم (١) بن محمَّد: يكون يمينًا؛ لأنه حق، فصار كأنه قال: والحق، وقال غيره: لا يكون يمينًا؛ لأنَّ منكرها مبتدع لا كافر، (والأصح هو الأول) (٢)، وذكر البَقَّالي في "فتاواه" لو قال: أنا بريء من الشفاعة يكون يمينًا. وفي "العمادية" في الفصل الثامن والثلاثين قال: وفي "الجامع الأصغر": إذا اشتد مرض إنسان ودام، فقال المريض: إن شئت توفني مسلمًا وإن شئت توفني كافرًا بالله مرتدًا عن دينه، وكذا من ابتلى بمصيبات متنوعة، فقال: أخذت مالي، وأخذت ولدي، وأخذت كذا، فماذا تفعل، وماذا بقي لم تفعله، وما أشبه هذا من الألفاظ فقد كفر. هكذا حكي، عن عبد الكريم بن محمد، فقال: أرأيت لو أنّ المريض قال هذه الألفاظ من غير قصد، (لكن جرت على لسانه من غير قصد) (٣) لشدَّة المرض، قال: الحرف الواحد ونحوه قد يجري على اللسان من غير قصد، أشار إلى أنّه يحكم عليه بالكفر ولا يصدَّق، وإذا غضب رجل على أمته أو عبده أو على ولده فجعل يضربه ضربًا شديدًا، فقال له إنسان: أنت لست بمسلم، فقال: لا، أفتى عبد الكريم بن محمَّد أنّه إن قال ذلك عمدًا كفر، وإن جرى على لسانه غلطًا لم يكفر. * * *

стр. 917

[٣٤٠ - القاضي الصَّدر البَزْدَوي (١)] صدر الأئمَّة، أبو المعالي ابن (٢) أبي اليسر البُخاري، أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَوي، المعروف بالقاضي الصَّدر، من أهل بخارى. تفقَّه على والده صدر الإسلام أبي اليسر البَزْدَوي، وأخذ عنه عن إسماعيل بن الصادق، عن عبد الكريم جد أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، وسمع من أبي المعين ميمون بن محمَّد المَكْحُولي (٣). ولقي الأكابر، وأفاده والده من جماعة، حتى برع في العلم وفاق أقرانه، ولي القضاء ببخارى مدة، وحمدت سيرته، وكان إمامًا فاضلًا مفتيًا مناظرًا حسن السيرة (٤) مرضي الأخلاق. توفي بسرخس سنة اثنتين وأربعين وخمسمئة، منصرفًا من الحجاز، بعد حجَّة الإسلام. وولي القضاء ببخارى (٥) مكانه (٦) ابن عمه أبو ثابت الحسن بن فخر الإسلام، ثم حمل إلى بخارى، ودفن بها (٧).

стр. 918

وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الأول من الباب الثاني من كتاب الصلاة: من كان خارجًا من مكة كان أبو عبد الله الجُرْجَاني يقول: الواجب عليه التوجُّه إلى عين الكعبة، وغيره من مشايخنا رحمهم الله تعالى (١) يقول: الواجب عليه التوجُّه إلى الجهة، وتشترط (٢) نيَّة استقبال القبلة مع هذا، هكذا اختاره أبو بكر محمَّد بن الفضل ﵀، وقال الشَّيخ أبو بكر ابن حامد: لا تشترط (٣)، وقال القاضي الإمام صدر الدِّين ﵀: إذا كان يصلي إلى المحاريب المنصوبة لا يشترط ذلك؛ لأنَّ ذلك يغنيه عن النيَّة، وقد ذكر تمام هذه المسألة في ذكر أبي بكر ابن حامد في متفرقات الكتيبة الثالثة. [وفيه في باب التيمم من كتاب الطهارة: وتخليل الأصابع واجب في التيمم الصحيح، والاستيعاب في التيمم شرط، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله - في "المجرد": أنّه إذا تيمم الأكثر جاز، وبه يفتي القاضي الإمام صدر الدين. وفي "قنية الفتاوى" في باب ما يتعلق بالقيام والركوع من كتاب الصلاة، عزوًا إلى شرح بكر خَواهَرْ زَادَه والقاضي عبد الجبار: ثم الطمأنينة في الركوع والسجود واجبة عند أبي حنيفة ﵀ على اختيار الكَرْخي، حتى لو تركها ساهيًا يلزمه السجود، وعلى اختيار الجُرْجَاني هي سنة، حتى لو تركها لا يلزمه السهو] (٤).

стр. 919

وأجمعوا على أنَّ الاعتدال في القومة بين الركوع والسجود وبين السجدتين قدر تسبيحة واحدة سنة، قال: وقد شدد القاضي الصَّدر في "شرحه" في تعديل جميع الأركان كلها تشديدًا بليغًا، فقال: وإكمال كل ركن واجب عند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما الله تعالى، وعند أبي يوسف والشَّافعي رحمهما الله تعالى فريضة، فيمكث في الركوع والسجود وفي (١) القومة بينهما حتى يطمئن كل عضو منه، هذا هو الواجب عند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما الله تعالى (٢)، حتى لو تركها أو شيئًا منها ساهيًا يلزمه السهو، ولو تركها عامدًا يكره أشد الكراهة، وعند أبي يوسف والشَّافعي صلاته فاسدة، انتهى. [ورأيت في "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الثالث من كتاب الصلاة: ثم الطمأنينة في الركوع والسجود ليست من الفروض عند أبي حنيفة ومحمَّد - رحمهما الله -، وعند أبي يوسف والشَّافعي رحمهما الله تعالى من الفروض، والطمأنينة الاعتدال (٣) في الركوع والسجود والاعتدال بعد رفع الرأس منها، ثم الطمأنينة إذا لم تكن من الفروض عندهما تكون واجبة أم سنة؟ أجمعوا على أنّ الاعتدال في قومة الركوع والسجود ليس بواجب عندهما، وأما الاعتدال في الركوع والسجود وكل ركن هو أصل بنفسه فواجب أو سنة، ذكر (٤) الشَّيخ الكَرْخي أنّه واجب على قولهما، وذكر الجُرْجَاني أنّه سنة، لكنه للفضيلة والإكمال عندهما، (وعن أصحابنا - رحمهما الله - أنّه يأثم بترك قومة

стр. 920

الركوع) (١)] (٢)، وعن أبي يوسف أنّه قال: سألت أبا حنيفة ﵀ (٣) عن الرجل الذي لم يقم صلبه في الركوع، فقال: الماشَيء خير من لا شيء، قال القاضي الإمام صدر الإسلام أبو اليسر ﵀: إنَّ من ترك الاعتدال في الركوع والسجود يلزمه الإعادة، وإذا أعاد يكون الفرض الثاني دون الأول، وذكر شمس (٤) الأئمة السَّرَخْسي: أنّه يلزمه الإعادة، ولم يتعرض أنّ الفرض هو الثاني أم (٥) الأول، إلى هنا من "الظَّهِيْرِيَّة" (٦). وفي باب صفة الصلاة في "الدرر والغرر": ويقوم مستويًا بعد رفع رأسه وما سوى الاطمئنان، وهو تسكين الجوارح في الركوع حتى تطمئن مفاصله، وما سواه تكبير الركوع وتفريج الأصابع والتسبيح والتحميد والتسميع والقيام مستويًا سُنن، وهو - أي الاطمئنان في الركوع الذي هو تعديل الأركان - واجب؛ لأنه شرع لتكميل ركن مقصود، بخلاف القومة بعد رفع الرأس من الركوع وبين السجدتين، فإنّ الاطمئنان فيها سنة، لأنها شرعت للفرق بين الركعتين، فالحاصل: أنّ مكمل الفرض واجب، ومكمل الواجب سنة. * * *

стр. 921

[٣٤١ - أبو ثابت البَزْدَوي (١)] القاضي الإمام، أبو ثابت، الحسن بن فخر الإسلام علي بن محمَّد البَزْدَوي. ولد بسمرقند، لما مات أبوه فخر الإسلام حمله عمه صدر الإسلام أبو اليسر البَزْدَوي إلى بخارى، وربَّاه أحسن تربية، ونشأ مع ولده (القاضي الصدر) (٢) السابق ذكره أبو المعالي، ثم انتقل إلى مرو، وسكنها مدة من الزمان، ثم لما مات ابن عمه أبو المعالي القاضي الصَّدر أحمد بن محمَّد منصرفًا من الحجاز ولي القضاء ببخارى، وبقي على ذلك مدة، ثم صرف عنه، وانصرف إلى بَزْدة وسكنها. وكان حسن السَّمت، وقورًا، لازمًا بيته، حسن الصلاة. وأخذ عن عمِّه صدر الإسلام، أبي اليسر، عن أبي يعقوب يوسف (٣) السَّيَّاري إلى أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، وأخذ عن الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الكبير علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني، عن أبيه عبد العزيز بن عبد الرزاق وعن السيِّد الإمام أبي شجاع. وعن السَّمْعانِي أنّه قال: سمعت منه "المسند الكبير" لعلي بن عبد العزيز في ثلاثين جزءًا (٤). مات سنة سبع وخمسين وخمسمئة، وكانت ولادته بسمرقند سنة ست وسبعين وأربعمئة.

стр. 922

[٣٤٢ - أبو المعالي محمَّد بن نصر العامري (١)] الشَّيخ الإمام، الزاهد، أبو المعالي، محمَّد بن نصر بن منصور بن علي بن محمَّد (بن محمد) (٢) بن الفضل، أبو بكر العامري، الخطيب بسمرقند. تفقَّه على الشيخين الإمامين البَزْدَويين: صدر الإسلام محمَّد بن محمَّد، وفخر الإسلام علي بن محمَّد. كان إمامًا زاهدًا. وعمّر حتى مات أقرانه، ولم يبقَ في عصره أكبر سنًا منه، قيل: إنّه جاوز المئة. وعن السَّمْعانِي أنّه قال: سمعت عنه "دلائل النبوة" لأبي العبَّاس المُسْتَغْفِري بروايته عن أبي علي النَّسَفِي عنه، وكان لا يعيره إلا جزءًا جزءًا، ويصونها غاية الصون، وكان يقول: إنّه ولد سنة خمسين وأربعمئة، وتوفي بسمرقند ضحوة يوم الإثنين، الرابع والعشرين سنة خمس وخمسين وخمسمئة، كذا في "الجواهر المضية". رأيت في "جواهر الفتاوى" في الباب السادس من كتاب الوقف: قال الإمام الزاهد شيخ الإسلام أبو المعالي لما سئل عن أرض خربة موقوفة على مسجد لا انتفاع للمسجد منها ولا من منازلها، وعليها خراج ثقيل، ولا شرب لها: لا بأس بمعاوضتها بأرض عامرة ذات منازل إذا كان الحال كذا (٣)،

стр. 923

وهو (١) الحكم في مثله (إذا صار حاله مثل ما وصف) (٢). * * * [٣٤٣ - فخر الدِّين الأَرْسَابَنْدي (٣)] القاضي الإمام فخر الدِّين أبو بكر محمَّد بن الحسين بن محمَّد الأَرْسابَنْدي (٤)، المعروف بفخر القضاة. تفقَّه على أبي منصور السَّمْعانِي، ثم رحل عن وطنه إلى بخارى في طلب الفقه. وتفقَّه على شيخ الإسلام القاضي علاء الدِّين المَرْوَزِي، صاحب أبي زيد الدَّبُوسي. وكان إمامًا فاضلًا مناظرًا، انتهت إليه رئاسة أصحاب الحنفيَّة (في زمانه) (٥)، وحدَّث، وورد (٦) بغداد حاجًا بعد الثمانين والأربعمئة (٧). ومات سنة اثنتي عشرة وخمسمئة.

стр. 924

فأخذ عن أبي منصور محمد (١) بن عبد الجبار عن الإمام المُسْتَغْفِري، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وعن شيخ الإسلام القاضي علي المَرْوَزِي، عن أبي زيد الدَّبُوسي، عن أبي جعفر الأُسْتُرُوْشَني، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل عن السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. قال القاضي الإمام برهان الإسلام الزُّرْنوجي في "تعليم المتعلم" في فصل اختيار الأستاذ: وكان القاضي الإمام فخر الدِّين الأَرْسَابَنْدي رئيس (٢) الأئمَّة بمرو، وكان السُّلطان يحترمه غاية الاحترام، وكان يقول: إنّما وجدت هذا المنصب بخدمة الأستاذ، فإني كنت أخدم أستاذي القاضي الإمام أبا زيد الدَّبُوسي وأطبخ طعامه ولا (٣) آكل منه. هكذا وجدت في نسخة "كتاب تعليم المتعلم" التي كانت عندي، [ولعل النسخة الصحيحة: فإني كنت أخدم أستاذي شيخ الإسلام القاضي علاء الدِّين المَرْوَزِي صاحب القاضي الإمام أبي زيد الدَّبُوسي، فإنّ أبا زيد الدَّبُوسي مات سنة اثنتين وثلاثين وأربعمئة، وفخر القضاة الأَرْسَابَنْدي هذا نشأ ما بين الخمسين والأربعمئة، ومات سنة اثنتي عشرة وخمسمئة] (٤).

стр. 925

وأَرْسَابَنْد (١) قرية من قرى مَرْو على فرسخين. (وله "مختصر تقويم الأدلَّة" للدَّبُوسي كما في "الجواهر المضية") (٢). تفقَّه عليه الشَّيخ (الإمام ركن الدِّين) (٣) [أبو الفضل عبد الرَّحمن بن محمَّد الكَرْماني، والقاضي السَّديد أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الصَّائغي، وعلي بن موجود بن الحسين الكُشاني. وفي الفصل الثاني والعشرين من "فصول (٤) مجد الدِّين المفتي محمَّد بن محمود بن الحسين الأُسْتُرُوْشَني":] (٥) رأيت في "فوائد والدي": استفتي الشَّيخ الإمام أبو الفضل الكَرْماني ﵀ (٦) فيمن باع دارًا ثم استأجر منه قبل التَّسليم، هل يصح؟ أجاب يصح بناء على ما ذكر في "الإيضاح" في باب بيع المبيع قبل القبض: إنَّ كل ما لا يجوز بيعه قبل القبض لا تجوز (٧) إجارته، وبيع العقار يجوز قبل القبض، وكذا إجارته، قال (٨): وأجاب القاضي الإمام (٩) فخر الدِّين الأَرْسَابَنْدي (١٠) ﵀ (١١)

стр. 926

أنَّه لا يجوز؛ لأنَّ المبيع في الإجارة هو المنفعة، وهما في حكم المنقول. [والشَّيخ الإمام أبو الفضل ﵀ أورد عليه إشكالًا: أنَّه إذا استأجر قبل القبض يجوز، ولو كان كما قال لا يجوز. وفي "جواهر الفتاوى" في الباب السادس من كتاب البيع] (١): قال القاضي الإمام فخر القضاة الأَرْسَابَنْدي (٢) لما سئل عن إنسان باع من إنسان ضيعة أو سلعة، فادعي أحدهما الإكراه، والآخر الطواعية، وأقام كل واحد البينة على دعواه، فبينة الطواعية أولى، لأنها أكثر إثباتًا، لأنها تثبت الرضى، وبينة الإكراه تنفي الرضى. وذكر الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين البُخاري في بيوعه: إذا اختلف المتعاقدان في الطوع والكره (٣) قبل إقامة البيِّنة؛ كنا نقول أولًا: القول لمن يدعي الكره لأنه ينكر؛ استدلالًا بمسألة "الجامع الصغير"، (وهكذا أفتى القاضي المنتسب إلى إِسْبِيْجاب، ووجدت بخطِّه، والآن نقول: القول لمن يدعي الصحة) (٤)، وهكذا أفتي في "فتاوى النَّسَفي"، وبه يفتى، فإن أقيمت (٥) البينة فبينة الطوع أولى. قلت: هذا موافق لما حكينا عن القاضي فخر الدِّين الأَرْسَابَنْدي. (ثم قال: استدلالًا بمسألة "الجامع الصغير" (٦)، وهكذا قال بعض مشايخنا) (٧)،

стр. 927

وقال القاضي الإِسْبِيْجابي: البينة بينة الإكراه، والآن نقول هكذا، وبه نفتي (١)، إلى هنا في "جواهر الفتاوى". ورأيت في "كتاب جامع أحكام الصفَّار" لمجد الأئمَّة المفتي محمَّد الأُسْتُرُوْشَني أنّه قال ذكر في "الذخيرة": سُئل شمس الأئمَّة الأُوْزْجَندي عن صغيرة لها أخ لا يزوجها، فزوجها القاضي بغير أمر الأخ، قال: لا يصح النكاح إلا (٢) إذا كان الأخ غائبًا، وفي "الحاوي": صغيرة زوَّجها (٣) القاضي ولها ابن عم حاضر لا يصح؛ لقوله ﷺ : "السُّلطان ولي من لا ولي له" (٤). ورأيت في "فوائد والدي": أنَّ إذن القاضي للصبي والمعتوه يجوز، وإن حجر الأب، ذكر في باب الحجر من "الأصل": وهل يملك القاضي تزويج الصَّغير والصَّغيرة بدون رضى الأب؟ حكي، عن القاضي فخر الدِّين الأَرْسَابَنْدي أنّه كان يقول: ينبغي أن يملك قياسًا على هذه المسألة، وولاية القاضي تضاهي ولاية الأب، والشَّيخ الإمام أبو الفضل الكَرْماني يقول: ليس له ذلك، فإنَّه ذكر في "الأصل": يثبت الخيار عند البلوغ إلا في الأب والجد، وإذا ثبت الخيار في تزويج القاضي لا يكون مضاهيًا. [ورأيت في الجنس الثاني في الفصل التاسع من كتاب القضاء في "الخلاصة" قال افتخار الملَّة طاهر بن أحمد البُخاري صاحب "الخلاصة": وهل يمنع المحبوس

стр. 928

من الكسب؟ اختلف المشايخ فيه، والأصح أنَّه يمنع، ولو خاف أن يفر من السجن يحوله إلى سجن اللصوص، ونقل عن القاضي الإمام فخر الدِّين الأَرْسَابَنْدي (١) قاضي القضاة بخراسان: أنّ المحبوس إن جلس (٢) في السجن متعنتًا يطين الباب ويترك ثقب يُعطى له الماء والخبز، إلى هنا من "الخلاصة". وستجيء هذه المسألة في الكتيبة الحادية عشرة في ذكر مجد الشَّريعة أبي سليمان الكَرْماني] (٣). * * * [٣٤٤ - أبو القاسم علي السِّمْناني (٤)] الشَّيخ الإمام العلامة، أبو القاسم، علي بن محمَّد بن أحمد السِّمْناني. كان إمامًا فاضلًا. تفقَّه على قاضي القضاة أبي عبد الله محمَّد بن علي بن محمَّد الدَّامَغاني الكبير، وقرأ الأصول والكلام على أبي محمَّد بن أحمد بن الوليد. وأبو عبد الله الدَّامَغاني أخذ عن أبي عبد الله الحسين بن علي الصَّيْمَري (٥)، عن أبي بكر محمَّد الخُوَارِزْمِي، عن أبي بكر الجصَّاص الرَّازِي، عن أبي الحسن

стр. 929

الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن (موسى بن نصر) (١) الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى (٢). وله تصانيف في الفقه، والشروط، والتواريخ، وله (كتاب في) (٣) آداب القضاء سمَّاه "روضة القضاة وطريق النجاة" (٤)، وهو تصنيف لطيف جامع لـ "فوائد الخَصَّاف" وغيره، وذيله (٥) باب (٦) مشتمل على ما ذكر (ممن تولى من) (٧) القضاة، وفضيلة الحكم من العلماء، وقضاة الخلفاء من لدن رسول الله ﷺ إلى زمان شيخه وأستاذه قاضي القضاة أبي عبد الله الدَّامَغاني في خلافة المقتدي بأمر الله، فرغ من تصنيف "روضة القضاة" في زمان أستاذه سنة ثمان وسبعين وأربعمئة، وقد سبق ذكره مفصلًا في ذكر أستاذه الدَّامَغاني في الكتيبة الثامنة. وقد تشرفت بـ "كتاب روضة القضاة"، وطالعت فيه، (وانتفعت به) (٨) بحمد الله تعالى (٩)، والآن في سلك ملكي انتقل بالشراء الشرعي، من تركات المولى الفاضل صدر الأفاضل علي بن أمر الله بن محمَّد الشهير بابن الحناني، وعلى ظهر هذا الكتاب خطوط زبرتها أنامله الشريفة، ومنها ما هو صورة تأليف الشَّيخ الإمام العلامة قدوة

стр. 930

المحققين زبدة المدققين أبي القاسم علي بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد السِّمْناني الحنفي، ولقبه عين القضاة، قرأ على قاضي القضاة أبي عبد الله الدَّامَغاني، وينقل عنه في هذا الكتاب أشياء في مواضع، ومن مشايخه أبو علي محمَّد بن أحمد بن الوليد. توفِّي المصنِّف أبو القاسم علي السِّمْناني ﵀ سنة تسع وتسعين وأربعمئة، كذا رأيته في حاشية (١) نسخة لي من "الجواهر المضية"، منقولًا عن "طبقات الحنفيَّة" للإمام مجد الدِّين الفيروز أبادي صاحب "القاموس"، إلى هنا مما زبرته أنامله ﵀. وفي "روضة القضاة" في باب عزل القاضي: قال أصحابنا: وإذا ادعى رجل على القاضي المعزول (٢) بأنه (٣) قتل ابنه وهو قاض وأخذ ماله أو أرضه وما في يديه أو شيء ذكره من العقود والطلاق والعتاق، وأنك فعلت بي ذلك ظلمًا وتعديًا، فقال القاضي: قامت عليك البيِّنة عندي بما فعلت، أو أقررت بذلك لمن حكمت له بما حكمت، فالقول قول القاضي المعزول، ولا يمين عليه في ذلك كائنًا ما كان ذلك، ولا تقبل بينة يقيمها على القاضي. ولو قال الطالب للمعزول: ما أقر ابني عندك، ولا قامت عليه بينة أنّه فعل ما يجب به القود، وحضر الرجل الذي ذكر المعزول أنّه قضى له بالقود والحق، وكذَّب القاضي في ذلك، وقال: لم يقر لي عندك ولا قامت بينة لذلك، فالقول قول المعزول في ذلك، ولا سبيل عليه إذا كان المدعي يقر أنّه فعل ذلك وهو قاض، وكذلك سائر الحقوق إذا كانت مستهلكة ليست بقائمة.

стр. 931

وإن كانت دارًا أو عقارًا، فقال المدعي: أخرج هذا القاضي من يدي هذا ودفعه إلى هذا ظلمًا، فقال القاضي: حكمت عليك ببينة أو إقرار، فلا شيء على القاضي من ذلك. قال الصَّدر الشَّهيد في "شرح أدب قضاء الخَصَّاف": أما لا ضمان على القاضي فلوجهين: أحدهما: أنّ القاضي أضاف فعله إلى معهود، ينافي ذلك الحالة وجوب الضمان، فيكون هذا إنكارًا للضمان أصلًا، فيكون القول قوله، كالصبي إذا قال: طلقت امرأتي أو أعتقت عبدي في حالة الصبا يقبل قوله، ولا يقع الطلاق والعتاق، كذا هذا (١). والثاني: أنَّ القاضي أمين، ومن ضرورة كونه أمينًا أن يكون قوله مقبولًا. [وأما لا يمين عليه فلأنهما (٢) اتفقا أنّه فعل وهو قاض، فصار الثابت باتفاقهما كالثابت معاينًا، ولو عاينا أنّه فعل وهو قاضٍ وادعى أنّه فعل بحق، كان القول قوله ولا يمين عليه، فكذا إذا ثبت ذلك باتفاقهما، قال: وكذلك إذا حضر الذي قال القاضي: إني حكمت له بالمال، فقال: ما حكمت لي على هذا بشيء، أو قال: ما أقر هذا لي عندك بشيء، أو قال: ما أقمت عليه بينة عندك ولا دفعت إليّ شيئًا ولا أخذت منه شيئًا، فالقول قول القاضي ولا ضمان عليه؛ لما قلنا من هذين الوجهين. وهذا كله إذا كان ذلك الشيء مستهلكًا، فإن كان قائمًا في يد المقضي له، فقال المقضي عليه: إنّ القاضي المعزول أخذ هذا مني بغير حق ودفعه إلى هذا الآخر. وقال القاضي المعزول: بل أخذت ذلك ببينة قامت على ذلك أو بإقرارك، لا ضمان على القاضي المعزول بكل حال؛ لما قلنا من الوجهين.

стр. 932

وهل ينزع من يد المقضي له؟ فهو على وجهين؛ إما إنْ صدَّق المقضي له القاضي المعزول بما يقول أو كذَّب، ويقول: المال مالي، لم آخذه من هذا، ولا حكم لي به هذا القاضي على هذا الرجل. ففي الوجه الأول: ينزع من يده ويدفع إلى المقضي عليه حتى يقيم المقضي له بينة تشهد أنّ القاضي المعزول كان حكم له بذلك، وقول القاضي المعزول في الحال مقبول في دفع الضمان عن نفسه لا في إلزام الحكم على الغير. وفي الوجه الثاني: القول قول صاحب اليد؛ لأنَّ المال في يده، واليد دليل الملك، انتهى كلام الصَّدر الشَّهيد] (١). * * * [٣٤٥ - الدِّهِسْتاني (٢)] الفقيه إبراهيم بن محمَّد بن إسحاق الدِّهِسْتاني ﵀ (٣) بكسر الدال والهاء وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها (٤) وبعدها ألف ثم نون وياء: نسبة إلى دِهِسْتان؛ مدينة عند مَازِنْدران، بناها عبد الله بن طاهر. قدم نَيْسَابُور سنة نيف وستين وأربعمئة، وتفقَّه في مدرسة الإمام علي بن الحسن الصَّندلي، وأخذ الفقه عن القاضي الإمام الحسين بن علي الصَّيْمَري،

стр. 933

عن أبي بكر محمَّد الخُوَارِزْمِي، عن أبي بكر الجصاص الرَّازِي، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن موسى بن نصير الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وتفقَّه عليه صاحب "الطبقات الحنفيَّة والشَّافعية" عبد الملك بن إبراهيم الهَمداني، ذكره في "طبقاته"، وقال: كان الفقيه الأستاذ إبراهيم بن محمَّد بن إسحاق الدِّهِسْتاني من أصحاب الصَّندلي، تفقَّه في مدرسته، وقرأ على أبي الفرائض والحساب، ووهب معين عبد الملك منه تفسير أبي العبَّاس السِّمْناني (١) قاضي الري، وهو في ثلاثة (٢) عشر مجلدًا كبارًا (٣) ضخامًا (٤)، ابتاعها من تركة أبي يوسف القزويني. وولي الدِّهِسْتاني قضاء الرَّي. مات سنة ثلاث وخمسمئة. روى أنَّه كان يحفظ طريقة أبي زيد الدَّبُوسي على وجهها، ويتكلَّم في مناظرته، والله أعلم، انتهى. * * *

стр. 934

[٣٤٦ - أبو إسحاق الصفار (١)] الشَّيخ الإمام، ركن الإسلام، الزَّاهد، الفقيه، أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن إسحاق بن شيت (٢) بن الحكم الأنصاري، الوائلي، المعروف بالصفَّار. أبوه وجده وجد أبيه وجد جده كلهم من أفاضل أصحابنا (٣) الحنفيَّة، وابنه حماد أيضًا قدوة زمانه علمًا وفضلًا، يأتي إن شاء الله في الكتيبة العاشرة. قال في "الجواهر المضية": إبراهيم بن إسماعيل أبو إسحاق الصفَّار تفقَّه على والده وغيره، وتفقَّه عليه قاضي خان، وسمع "الآثار" للطحاوي على والده، و"كتاب العالم والمتعلم" لأبي حنيفة على أبي يعقوب السَّيَّاري بقراءة والده، و"السير الكبير" لمحمَّد بن الحسن على أبي حفص (البزَّاز) (٤)، و"كتاب الكشف في مناقب أبي حنيفة ﵀" تصنيف عبد الله بن محمَّد بن يعقوب الحارثي على والده، و"كتاب الرد على أهل الأهواء" تصنيف أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير. مولد إبراهيم هذا في حدود سنة ستين وأربعمئة، نقله أبو سعيد في "ذيله"، وقال: كان من أهل بخارى موصوفًا بالزهد والعلم، وكان لا يخاف في الله لومة لائم.

стр. 935

مات ببخارى (في السادس والعشرين من ربيع الأول) (١) سنة أربع وثلاثين وخمسمئة، انتهى (٢). وقال في ذكر أبي (٣) إبراهيم الصفار إسماعيل بن أحمد بن إسحاق: قتله الخاقان في سنة إحدى وستين وأربعمئة. فإن صحَّ هذا التاريخ كان أبو إسحاق الصفَّار قد بقي بعد موت أبيه إسماعيل صغيرًا ابن سنتين، فكيف يصح تفقهه على أبيه؟ فالتوفيق أن يكون التاريخ إحدى وتسعين وأربعمئة أو زائدًا على ذلك. و"كتاب الكشف في مناقب أبي حنيفة" تصنيف عبد الله بن محمَّد بن يعقوب السُّبَذْمُوْنِي تلميذ أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، كما هو المشهور المعروف. قال في "الجواهر المضية" في ذكر عبد الله بن محمَّد بن يعقوب بن الحارث السُّبَذْمُوْنِي، قلت: له "كتاب كشف الآثار الشريفة في مناقب أبي حنيفة"، ولما أملى "مناقب أبي حنيفة" كان يستملي عليه أربعمئة مستمل، انتهى. كان عالمًا فاضلًا ورعًا زاهدًا، اشتغل عليه الجم الغفير. له (٤) مصنَّفات، منها "كتاب تخليص الزاهد"، و"كتاب السنة والجماعة". وفي "حقائق المنظومة" في باب أبي يوسف في كتاب الكراهية: ذكر في "كتاب السنة والجماعة" للإمام الزَّاهد الصفَّار ﵀: جواب دادن سلام فريضه دانى،

стр. 936

وبانكَشت يا بكف اشارت كردن بيكَفتار سلام رسم جهودان وترسايان دانى ودرهان دادن دست خويش با آن كسان بجاي سلام وجواب بدعت داني ودست بر سينه نهادن وخويشتن كور كردن بيش كسى وبزمين دهان دادن واو تركـ كردن اين همه رسم مغان دانى. وقال الإمام الزاهد الصفَّار في "تلخيصه": يجب إكفار القدرية في نفيهم كون الشر بتقدير الله (١)، في دعواهم أنَّ كل فاعل خالق فعل نفسه؛ لأنّ الله تعالى (٢) قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]. أخذ عن أبيه على ما روي، عن أبي سعد (٣)، وأخذ أبوه عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وأخذ عنه جماعة، منهم الشَّيخ الإمام فخر الدِّين قاضي خان الحسن بن منصور بن شيخ الإسلام محمود الأُوْزْجَندي، وشيخ الإسلام برهان الملة والدين (٤) الزُّرْنوجي، وابنه الشَّيخ الإمام قوام الدِّين حماد بن إبراهيم بن إسماعيل الصفَّار. وفي الفصل الثاني من كتاب الكراهية من "خلاصة الفتاوى" لافتخار الملة طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين البُخاري قال: وفي "الفتاوى": رؤية الله تعالى وتقدس في المنام تكلَّموا فيها؛ قال المشايخ: تجوز، منهم الإمام الزاهد ركن

стр. 937

الإسلام الصفار الأنصاري، وافقه جدي شيخ الإسلام عبد الرشيد بن الحسين، وأكثر مشايخ سمرقند لا يجوِّزون ذلك، وقد ذكر تمامًا في ذكر ظهير الدِّين علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني. (وفيه في) (١) الفصل الثالث من كتاب الصلاة: وفي "الأصل": رجل صلى أربع ركعات تطوعًا، (ولم يقعد على رأس الركعتين عامدًا؛ لا تفسد صلاته استحسانًا، وهو قولهما، وفي القياس تفسد، وهو قول أبي حنيفة وزفر. ولو صلى التطوع ثلاث ركعات) (٢) ولم يقعد على رأس الركعتين الأصح أنّه تفسد صلاته، ولو صلى ست ركعات أو ثماني (٣) ركعات بقعدة واحدة اختلف المشايخ، والأصح أنَّه (٤) على هذا القياس والاستحسان، قال الإمام السَّرَخْسي: الأصح أنّه تفسد (٥) قياسًا واستحسانًا، ولم يذكر الإمام السَّرَخْسي أنّه إذا لم يقعد وقام إلى الثالثة هل يعود؟ وذكر الإمام الصفار في نسخته من "الأصل": أنّه إن لم يقعد حتى قام إلى الثالثة على قياس قول محمَّد يعود ويقعد، وعندهما لا يعود ويلزمه سجود السهو. والأربع قبل الظهر حكمه حكم التطوع، (والوتر حكمه حكم التطوع عند محمد) (٦) وأما عند أبي حنيفة فيه قياس واستحسان، في القياس

стр. 938

تفسد، وفي الاستحسان لا تفسد عنده، وهو المأخوذ. وفي "التَّاتارخانيَّة" في الفصل الثامن عشر من كتاب الكراهية: رجل أظهر الفسق في داره ينبغي (١) للإمام أن يتقدم إليه أخذًا بالعرف إبلاغًا للعذر، فإن كفَّ عنه لم يتعرَّض له، وإن لم يكفَّ فالإمام بالخيار؛ إن شاء حبسه، وإن شاء أدَّبه بضرب سياط، وإن شاء أزعجه عن داره؛ لأنّ الكل يصلح للتعزير. وفي "السِّغْنَاقِي": لو كان مستأجر الدار يظهر أنّه فسق في الدار، وكان يجمع الناس على شربٍ منها (٢)، منعه رب الدار على سبيل النهي عن المنكر، وفي "الفتاوى الخلاصية": وعن عُمَر ﵁ أنّه أحرق بيت الخمار، وعن الإمام الزاهد الصفار: أنّه أمر بتخريب (٣) دار الفاسق بسبب الفسق، وفي "النوازل": رجل رأى منكرًا، وهذا الرائي يرتكب مثل هذا المنكر الذي رأى، يلزم الرائي بأن ينهى عنه، إلى هنا من (٤) "التاتارخانية". [ورأيت في "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في كتاب السير في الفصل السابع في النوع السابع، وقد كتب تمام هذا النوع من "تلخيص الزَّاهد الصَّفَّار": قال الإمام الزَّاهد الصَّفَّار: لا ينبغي للرجل أن يستثني في إيمانه، ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه مأمور بتحقيق الإيمان، والاستثناء يضاده، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أمر الله تعالى بذلك من غير استثناء.

стр. 939

وقال إبراهيم صلوات الله عليه حين قال له ربه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى (١)﴾ [البقرة: ٢٦٠] من غير استثناء، وقد ذكر الإمام عبد الله السُّبَذْمُوْنِي في "كتاب الكشف في مناقب أبي حنيفة ﵀" بإسناده عن موسى بن أبي بكر عن ابن عُمَر ﵁ أنّه أخرج شاة لتذبح، فمر به رجل (٢)، فقال له: أمؤمن أنت؟ فقال: نعم إن شاء الله، فقال: لا يذبح نسكي من يشك في إيمانه، ثم مرَّ به رجل آخر، فقال له: أمؤمن أنت؟ فقال: نعم، فأمره بذبح شاته، فلم يجعل من يستثني في إيمانه مؤمنًا (٣)] (٤). * * * [٣٤٧ - ابن الرَّاسمندي (٥)] الشَّيخ الإمام، (أبو العلاء) (٦)، صاعد بن محمَّد بن عبد الرَّحمن، البُخاري الأصفهاني، المعروف بابن الرَّاسمندي. من أهل أصبهان ومفتي أهلها. وعن السَّمْعانِي أنّه قال: هو الإمام المقدَّم في زمانه على أقرانه فضلًا وعلمًا وديانة وزهدًا وتواضعًا.

стр. 940

ولد في سنة ثمان وأربعين وأربعمئة. وأخذ العلم عن القاضي الإمام علي بن عبيد الله الخطيبي، عن القاضي الإمام أبي محمَّد عبد الله النَّاصِحي، عن القاضي أبي الهيثم، عن قاضي الحرمين أبي الحسين النَّيْسَابُوري، عن القاضي أبي خازم، عن القاضي بكر بن محمَّد العَمِّي، عن القاضي محمَّد بن سماعة، عن أبي يوسف القاضي (١)، عن أبي حنيفة رحمهم (٢) الله. وللخطيبي طريق آخر (٣) عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني. ونشأ عنده وبرع في العلم، وفاق على أقرانه، فخرج معه إلى زيارة بيت الله الحرام، وكان مع الخطيبي زوجته وولده الصغير (٤) إسماعيل، وماتت زوجته بالبصرة، فخرجوا من البصرة، فأخذهم العرب بالبادية عند قرية النِّباج (٥) وأسروهم. وكان القاضي الإمام علي الخطيبي يصلي على عادته وقت الظهيرة في الشمس مكشوف الرأس، وبقي في أسرهم سبعة أشهر، وكان معه ابنه وابن الرَّاسمندي، فبلغ ذلك إلى نظام الملك وشرف الملك، فنقدا (٦) سبعمئة دينار إلى القائم بأمر الله حتى أرسل بها إلى العرب مع ثقة، فأطلقوا عنه، فاستجيبت دعوته. ثم مات الخطيبي بالجحفة في سنة سبع وستين وأربعمئة، ومضى أبو العلاء بن

стр. 941

الرَّاسمندي وابنه إسماعيل، فورد في تلك السنة الشريفة (١) أبو طالب الحسيني ابن محمَّد الزَّينبي، فعادا معه إلى بغداد، ونزلا بنهر طابَق (٢)، وترددا إلى قاضي القضاة (أبي عبد الله الدَّامَغاني. [وكان أبو العلاء قد أخذ عن أبي عبد الله الدَّامَغاني قاضي القضاة) (٣) ببغداد، عند الخليفة القائم بأمر الله، وسمع منه، وروى عنه عن أبي عبد الله الصَّيْمَري، عن أبي بكر الخُوَارِزْمِي، عن أبي بكر الجصَّاص الرَّازِي، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن (موسى بن نصر) (٤) الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏. وكان أفقه أقرانه وفارس ميدانه. ثم ولي القضاء بأصبهان مكان إسماعيل بن علي بن عبيد الله الخطيبي حين اعتقله السُّلطان بركيارق عدة سنين] (٥)، وكان قاضيًا ومفتيًا بأصبهان، اشتغل عليه جماعة، (ثم لما ولي السُّلطان أبو شجاع محمَّد بن ملك شاه أعاد إسماعيل بن الخطيبي إلى القضاء) (٦). ثم قتل ﵀ في الجامع العتيق يوم عيد الفطر، قتله باطني، وقتل الباطني. * * *

стр. 942

٣٤٨ - عبد الجبار بن عبد الكريم الخُوَاري (١) بضم الخاء وفتح الواو وبعد الألف راء وياء؛ نسبة إلى الجد، ونسبة إلى خُوَار الرَّي، وهي نسبة عبد الجبار بن عبد الكريم، هكذا في "الجواهر المضية". أصله من الرَّي. تفقَّه بأصبهان على علي الخطيبي المذكور قبيل هذا. وقيل: عبد الجبار بن علي الخُوَارِزْمِي. ورد (٢) بغداد، فتفقَّه على أبي عبد الله الدَّامَغاني السَّابق ذكره آنفًا. كان مدرِّسًا ببغداد بالمدرسة التي بناها أمير الحاج خليعي (٣) عند قبر يونس ﵇، وأجرى عليه وعلى أصحابه جراية. وكان صالحًا عفيفًا فاضلًا. * * * [٣٤٩ - السيِّد الإمام الأشرف (٤)] السيِّد الإمام الأشرف ابن محمَّد بن السيِّد الإمام أبي شجاع محمَّد.

стр. 943

أحد الأئمَّة المشهورين بالأصول والفروع، وأوحد المتبحرين المبرزين بالمعقول والمنقول. وكان أبوه السيِّد الإمام أبو الوضاح محمَّد وجده السيِّد الإمام محمَّد (١) أبو شجاع من كبار الفقهاء الحنفيَّة. غذي بالعلم، ونشأ في حجر الفضل، وحمل على أكتاف الأئمة، كفل به أبوه وربَّاه، وعلمه الأدب في صباه، ثم تفقَّه عليه، واجتهد واشتغل، ثم بلغ رتبة الفضل، وبرع في العلوم وكمل، وحفظ "مبسوط" جده السيِّد الإمام أبي شجاع محمَّد بن أحمد بن حمزة عن أبيه أبي الوضاح محمَّد بن محمد، وقد سبق ذكر جده في متفرقات الكتيبة السابعة، حتى صار أستاذ الجماعة ومقدم الطائفة وسيد العصر وفريد الدهر. وممن تفقَّهوا عليه الإمام العالم الفقيه قاضي بلاد الروم عبد الحميد بن إسماعيل بن محمَّد، وشيخ الإسلام علاء الدِّين أبو حامد محمَّد بن عبد المجيد السَّمَرْقندي الأُسْمَنْدِي. وكان فاضلًا متبحرًا صالحًا عالمًا بالمذهب والخلاف، متدينًا حسن الطريقة، كبير الشأن، انتهى (٢). [وفي الفصل الثاني والعشرين من "فصول محمَّد الأُسْتُرُوْشَني" عزوًا إلى "الذخيرة": لو قالت: طلقني طلقني طلقني، فقال: طلقت، تطلق ثلاثًا، ولو قالت: مرا طلاق كن، مرا طلاق كن، مرا طلاق كن، فقال: كردم، كردم، كردم، تطلق ثلاثًا، وهو الأصح، وذكر في أيمان الجامع في "الفتاوى": أنها

стр. 944

تطلق ثلاثًا، وكذلك أجاب السيِّد الإمام الأشرف، وعن الشَّيخ الإمام عُمَر بن أبي بكر الفراء أنّه يقع واحدة؛ لأنه أجاب عن السؤال الآخر، وهكذا ذكر في "الفصول العمادية" في الفصل الثاني والعشرين في الخلع] (١). * * * [٣٥٠ - المفتي إمام زاده (٢)] الشَّيخ الإمام ركن الإسلام محمَّد بن أبي بكر الواعظ الجرغي (٣)، المعروف بالمفتي إمام زاده. كان في الأصل من قرية من قرى سَمَرْقند يقال لها: جرغ (٤) بالجيم الفارسي والراء والغين المعجمة، وقد يقال لها: شرغ. وكان إمامًا فاضلًا أديبًا كاملًا، وكان مفتي (٥) أهل بخارى، وكان صاحب البيان، فصيح اللسان، (واسع التقرير، كامل التحرير، منبع المناقب والمآثر، مجمع الفضائل والمفاخر، رونق المنابر والمدارس، زينة المحافل والمجالس، جمع بين الشَّريعة والحقيقة، وشرح أحسن الشروح أصول الطريقة) (٦)، وكان يعظ الناس

стр. 945

ويتكلَّم من علوم الصوفية، وكان حافظ الطريقة الرضية (١) في مذهب الحنفيَّة. أخذ الفقه عن مجد (٢) الأئمَّة السُّرْخَكَتِي محمَّد بن عبد الله بن فاغك (٣)، وأخذ أيضًا عن أبي الفضائل شمس الأئمَّة بكر بن محمَّد الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله بن محمَّد السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد عن أبي حنيفة رحمهم (٤) الله تعالى. وأخذ طريقة الخلاف عن الشَّيخ الإمام منشئ النظر رضي الدِّين النَّيْسَابُوري. ولقد بلغني - أنار الله برهانه وثقل بالحسنات ميزانه - أنَّ له في التصوف قدمًا راسخًا، وفي الطريقة له كعب شامخ، قد وصل إلى خدمة الشَّيخ المرشد الكامل الخواجه يوسف الهَمَذاني نور الله مرقده وفي أعلى غرف الجنان أرقده، وأخذ عنه علم التصوف. وتفقَّه عليه برهان الإسلام الزُّرْنوجي صاحب "كتاب تعليم المتعلم"، وجمال الدِّين عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي، وشمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري (٥). رأيت في فصل وقت التحصيل من "كتاب تعليم المتعلم": وينبغي أن لا ينازع المتعلِّم أحدًا ولا يخاصمه؛ لأنه تضييع أوقاته، فالمحسن سيجزى بإحسانه والمسيء سيكفيه مساويه، أنشدني الإمام الزَّاهد العارف ركن الإسلام محمَّد بن أبي

стр. 946

بكر المعروف بإمام زاده المفتي ﵀، قال: أنشدني سلطان الطريقة الخواجه يوسف الهمذاني قدس (الله تعالى) (١) سره: دعِ المرءَ لا تجزه على سُوءِ فعلِهِ … سيكفيه ما فيه وما هو فاعِلُه وقيل: من أراد أن يرغم أنفَ عدوه فليكرِّر، وأنشد: إذا شئْتَ أن تلقى عدوَّك راغمًا … وتقتله غمًّا وتحرقه همّا فرمِ (٢) العُلا وازددْ من العلم إنَّه … من ازداد علمًا زادَ حاسِدُه غمًا وله كتاب لطيف وتصنيف شريف كثير الفوائد، مجموع من الفوائد، سمَّاه: "شرعة الإسلام"، وهو كتاب نادى بفضل صاحبه في البوادي (٣): كتابٌ لأسرارِ الحقيقةِ جامعُ … رفيعٌ (٤) لأستارِ الطَّريقةِ رافعُ له الروضةُ الزَّهراءُ (٥) في در لفظِه … عيونٌ لها عينُ اليقينِ منابعُ لباسُ حروفٍ كالظَّلام وتحتِها … ضياءٌ من العلمِ الإلهي ساطعُ فيا طالبي التَّحقيق هذا مَرَامُكم … فجدُّوا إلى نيلِ المَرَام وسارِعُوا وفي فصل آداب (٦) الصحبة والمعاشرة في "الشرعة": معاشرة الخلق بالنُّصح والشَّفَقة، وهي أفضل من التَّخلي لنوافل القرب وأصعب محملًا وأعظم أجرًا لمن قام

стр. 947

بحقِّها وسلم من آفاتها، وحقوقها كثيرة، فمنها: أن يخالطهم بظاهره وعمله، ويزايلهم - أي يفارقهم - بقلبه ودينه، ويحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه من الخير، ولا يستبشر بمكروه أحد من الناس كائنًا ما كان (أي لا يصير مسرورًا) (١)، ويتودَّد إلى النَّاس بالإحسان؛ أي (٢): إلى برِّهم وفاجرهم وإلى من هو أهل وإلى من هو ليس بأهل. ومنها: أن يتحمَّل الأذى عنهم، ويجعل من (شتمه أو جفاه أو) (٣) آذاه في حلٍّ منه، ولا يطمع في السلامة من أذاهم، فإنَّه محال، فإنَّ الله تعالى لم يقطع لسان الخلق عن نفسه، فأنَّى يسلم خلق عن مثله، (ويحتمل مؤن النَّاس طوعًا؛ شكر النِّعم لله تعالى عليه) (٤)، ويقوم لحوائج الناس ويسعى في أمورهم. وفي الحديث: "من سعى في حاجةٍ لأخيه المسلم، لله تعالى فيها رضى، وله فيها صلاح (٥)، فكأنَّما خدم الله تعالى (٦) ألف سنة، لم يقع في معصية طرفة عين" (٧). وييسر على المعسر، وينفِّس عن المكروب، ويفرِّج عن المغموم، فإنّ الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم، وفي الحديث: "إن من

стр. 948

موجبات المغفرة إدخال السُّرور على أخيك المسلم" (١). ويتشفَّع للجاني إلى المجني عليه، ويسعى في إصلاح ذات البَيْن ولو بزيادة كلمة، فإنّه من أفضل الصدقة (٢). [(وقال فيه:) (٣) ويحلم عن جميع ما (٤) فعلوا به] (٥)، ويملك نفسه عند الغضب، فإنَّ ذلك من شأن الأشداء (٦)، فإذا توقَّدت نار غضبه يتوضأ، فإن كان قائمًا يجلس، فإن ذهب منه الغضب وإلا اضطجع. ويحتمل جفاء أخيه المسلم إيَّاه على سوء فعله وتقصيره، ويحمل هجرانه على ذنب أحدثه، وينزل كلَّ أحد منزلته، كما يكلِّم كلَّ أحد على قدر عقله، ويجالس الرجل على قدر دينه، ويخالق كلَّ صنف بخلقهم من أهل الدنيا والآخرة، فإنَّ الفاجر يرضى من الرجل بحسن الخلق، ومخالصة المؤمن واجبة. ويكرم كريم كلِّ قوم بما هو أهله وإن كان كافرًا، وفي الحديث: "من أكرم أخاه المسلم فإنّما يكرم ربه تعالى (٧) " (٨).

стр. 949

ويتواضع للمتواضع من الناس، ويتكبر على المتكبر، وحقيقة التواضع أن لا يرى أحدًا إلا ظن أنّه خير منه. [ويكره أن يذكر نفسه بالبر والتقوى، ومن أخلاق التواضع المشي مع العصا للشيوخ، والأكل مع الخادم، ورفع الأذى عن طريق المسلمين، والسَّلام على الصبيان، ومجالسة الفقراء وركوب الحمار، وحمل السلعة من السوق. وقال فيه في فصل سنن الموالاة والمؤاخاة: أفضل خصال المؤمن الحب لله والبغض لله، وإنه يوجب كمال الإيمان ومحبة الله، وبه ينال المؤمن من طعم الإيمان وهو من أخلص العمل لله تعالى] (١). وفي الحديث: "أكثروا من الإخوان، فإنّ ربكم حي كريم يستحي أن يعذب عبده بين إخوانه يوم القيامة" (٢). ومن السنة أن لا يؤاخي إلا مَنْ يثق بدينه وأمانته (ويعرف صلاحه، فإنَّ المرء مع من أحبَّ وإن لم يلحقه بعمله) (٣). وقال فيه: ويزور أخاه المسلم غِبًّا إن خاف سآمته؛ أي: ملالته، (وكل يوم إن أمن ذلك يحتسب في ذلك جزيل الثواب من الله تعالى) (٤)، فإذا أتى باب أخيه استأذن للدخول عليه، ولا يقوم قبالة الباب، ولا يطلع (في البيت) (٥) من شق الباب، ويستأذن

стр. 950

ثلاثًا يقول في كل مرة: السَّلام عليكم يا أهل البيت، أيدخل فلان؟ ويمكث في كل مرة مقدار ما يفرغ (الآكل والمتوضئ والمصلي بأربع) (١)، فإن أذن له، وإلا رجع سالِمًا عن الحقد والعداوة. قال: ومن سنة الإسلام إكرام الزائر، وإلقاء الوسادة تحته، والقيام بخدمته، (وعلى الزائر أن لا يرد كرامة المزور عليه، فإنّه تهاون بحق المسلم) (٢). قال: ثم يقول أحدهما: كيف أصبحت، أو كيف حالك؟ فيقول له صاحبه: مؤمنًا، أو في خير وعافية والحمد لله رب العالمين، ثم إذا استقر به المكان قدم إليه ما حضر (من طعام أو شراب) (٣)، ولا يتكلَّف (له شيئًا) (٤) ليس عنده. قال ومن السنة أن يتهيَّأ للقاء الإخوان، ويتجمَّل لهم، ويلبس من نظيف الثِّياب، ويتطيَّب، ويتمشَّط، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ويتزيَّن (٥) لهم ما استطاع، ثم يخرج إليهم (٦). ومن آداب السلف في الصحبة والمؤاخاة حفظ المودة القديمة، وحفظ أسرار الإخوان، وإيثار الأخ على نفسه بالمال والروح ورفض صحبة من لا يستحي ولا يحتشم، حتى قالوا: ما وقع من وقع في بلية إلا بصحبة من يحتشمه، وقالوا: أقيلوا (٧)
следующие страницы →