← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بكر المعروف بإمام زاده المفتي ﵀، قال: أنشدني سلطان الطريقة الخواجه يوسف الهمذاني قدس (الله تعالى) (١) سره: دعِ المرءَ لا تجزه على سُوءِ فعلِهِ … سيكفيه ما فيه وما هو فاعِلُه وقيل: من أراد أن يرغم أنفَ عدوه فليكرِّر، وأنشد: إذا شئْتَ أن تلقى عدوَّك راغمًا … وتقتله غمًّا وتحرقه همّا فرمِ (٢) العُلا وازددْ من العلم إنَّه … من ازداد علمًا زادَ حاسِدُه غمًا وله كتاب لطيف وتصنيف شريف كثير الفوائد، مجموع من الفوائد، سمَّاه: "شرعة الإسلام"، وهو كتاب نادى بفضل صاحبه في البوادي (٣): كتابٌ لأسرارِ الحقيقةِ جامعُ … رفيعٌ (٤) لأستارِ الطَّريقةِ رافعُ له الروضةُ الزَّهراءُ (٥) في در لفظِه … عيونٌ لها عينُ اليقينِ منابعُ لباسُ حروفٍ كالظَّلام وتحتِها … ضياءٌ من العلمِ الإلهي ساطعُ فيا طالبي التَّحقيق هذا مَرَامُكم … فجدُّوا إلى نيلِ المَرَام وسارِعُوا وفي فصل آداب (٦) الصحبة والمعاشرة في "الشرعة": معاشرة الخلق بالنُّصح والشَّفَقة، وهي أفضل من التَّخلي لنوافل القرب وأصعب محملًا وأعظم أجرًا لمن قام

стр. 947

بحقِّها وسلم من آفاتها، وحقوقها كثيرة، فمنها: أن يخالطهم بظاهره وعمله، ويزايلهم - أي يفارقهم - بقلبه ودينه، ويحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه من الخير، ولا يستبشر بمكروه أحد من الناس كائنًا ما كان (أي لا يصير مسرورًا) (١)، ويتودَّد إلى النَّاس بالإحسان؛ أي (٢): إلى برِّهم وفاجرهم وإلى من هو أهل وإلى من هو ليس بأهل. ومنها: أن يتحمَّل الأذى عنهم، ويجعل من (شتمه أو جفاه أو) (٣) آذاه في حلٍّ منه، ولا يطمع في السلامة من أذاهم، فإنَّه محال، فإنَّ الله تعالى لم يقطع لسان الخلق عن نفسه، فأنَّى يسلم خلق عن مثله، (ويحتمل مؤن النَّاس طوعًا؛ شكر النِّعم لله تعالى عليه) (٤)، ويقوم لحوائج الناس ويسعى في أمورهم. وفي الحديث: "من سعى في حاجةٍ لأخيه المسلم، لله تعالى فيها رضى، وله فيها صلاح (٥)، فكأنَّما خدم الله تعالى (٦) ألف سنة، لم يقع في معصية طرفة عين" (٧). وييسر على المعسر، وينفِّس عن المكروب، ويفرِّج عن المغموم، فإنّ الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم، وفي الحديث: "إن من

стр. 948

موجبات المغفرة إدخال السُّرور على أخيك المسلم" (١). ويتشفَّع للجاني إلى المجني عليه، ويسعى في إصلاح ذات البَيْن ولو بزيادة كلمة، فإنّه من أفضل الصدقة (٢). [(وقال فيه:) (٣) ويحلم عن جميع ما (٤) فعلوا به] (٥)، ويملك نفسه عند الغضب، فإنَّ ذلك من شأن الأشداء (٦)، فإذا توقَّدت نار غضبه يتوضأ، فإن كان قائمًا يجلس، فإن ذهب منه الغضب وإلا اضطجع. ويحتمل جفاء أخيه المسلم إيَّاه على سوء فعله وتقصيره، ويحمل هجرانه على ذنب أحدثه، وينزل كلَّ أحد منزلته، كما يكلِّم كلَّ أحد على قدر عقله، ويجالس الرجل على قدر دينه، ويخالق كلَّ صنف بخلقهم من أهل الدنيا والآخرة، فإنَّ الفاجر يرضى من الرجل بحسن الخلق، ومخالصة المؤمن واجبة. ويكرم كريم كلِّ قوم بما هو أهله وإن كان كافرًا، وفي الحديث: "من أكرم أخاه المسلم فإنّما يكرم ربه تعالى (٧) " (٨).

стр. 949

ويتواضع للمتواضع من الناس، ويتكبر على المتكبر، وحقيقة التواضع أن لا يرى أحدًا إلا ظن أنّه خير منه. [ويكره أن يذكر نفسه بالبر والتقوى، ومن أخلاق التواضع المشي مع العصا للشيوخ، والأكل مع الخادم، ورفع الأذى عن طريق المسلمين، والسَّلام على الصبيان، ومجالسة الفقراء وركوب الحمار، وحمل السلعة من السوق. وقال فيه في فصل سنن الموالاة والمؤاخاة: أفضل خصال المؤمن الحب لله والبغض لله، وإنه يوجب كمال الإيمان ومحبة الله، وبه ينال المؤمن من طعم الإيمان وهو من أخلص العمل لله تعالى] (١). وفي الحديث: "أكثروا من الإخوان، فإنّ ربكم حي كريم يستحي أن يعذب عبده بين إخوانه يوم القيامة" (٢). ومن السنة أن لا يؤاخي إلا مَنْ يثق بدينه وأمانته (ويعرف صلاحه، فإنَّ المرء مع من أحبَّ وإن لم يلحقه بعمله) (٣). وقال فيه: ويزور أخاه المسلم غِبًّا إن خاف سآمته؛ أي: ملالته، (وكل يوم إن أمن ذلك يحتسب في ذلك جزيل الثواب من الله تعالى) (٤)، فإذا أتى باب أخيه استأذن للدخول عليه، ولا يقوم قبالة الباب، ولا يطلع (في البيت) (٥) من شق الباب، ويستأذن

стр. 950

ثلاثًا يقول في كل مرة: السَّلام عليكم يا أهل البيت، أيدخل فلان؟ ويمكث في كل مرة مقدار ما يفرغ (الآكل والمتوضئ والمصلي بأربع) (١)، فإن أذن له، وإلا رجع سالِمًا عن الحقد والعداوة. قال: ومن سنة الإسلام إكرام الزائر، وإلقاء الوسادة تحته، والقيام بخدمته، (وعلى الزائر أن لا يرد كرامة المزور عليه، فإنّه تهاون بحق المسلم) (٢). قال: ثم يقول أحدهما: كيف أصبحت، أو كيف حالك؟ فيقول له صاحبه: مؤمنًا، أو في خير وعافية والحمد لله رب العالمين، ثم إذا استقر به المكان قدم إليه ما حضر (من طعام أو شراب) (٣)، ولا يتكلَّف (له شيئًا) (٤) ليس عنده. قال ومن السنة أن يتهيَّأ للقاء الإخوان، ويتجمَّل لهم، ويلبس من نظيف الثِّياب، ويتطيَّب، ويتمشَّط، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ويتزيَّن (٥) لهم ما استطاع، ثم يخرج إليهم (٦). ومن آداب السلف في الصحبة والمؤاخاة حفظ المودة القديمة، وحفظ أسرار الإخوان، وإيثار الأخ على نفسه بالمال والروح ورفض صحبة من لا يستحي ولا يحتشم، حتى قالوا: ما وقع من وقع في بلية إلا بصحبة من يحتشمه، وقالوا: أقيلوا (٧)

стр. 951

إخوانكم بالإيمان وردوهم بالكفر، فإنَّ الله تعالى جعل ذلك في مشيئته، قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. [قال: ويلتزم في الصحبة أن (يشارك الرجل) (١) أخاه في المكروه والمحبوب، ولا يتلوَّن له، ويستصغر ما يصنع إلى أخيه، ويستعظم ما يصنع إليه أخوه، ويوفي له في حياته وبعد وفاته. قال (٢): وإذا قال له أخوه: قم بنا، لا يقول: إلى أين؟ وإذا سأل من ماله شيئًا لا يقول: وكم تريد، أو: أيش تصنع به، قال: وكانوا يرون أنّ الرجل إذا قال لأخيه: كيف أصبحت، ثم لم يقم بحوائجه فكلامه سخرية، وإذا قال: مرحبًا وأهلًا فلم يكن اهتمامه لأهله ونفسه فكلامه ذلك رياء ونفاق، ولا يعاتب أخاه حتى تجاوز مساويه محاسنه. وقال فيه] (٣): وآداب المجالسة كثيرة: منها: أن يجالس الإخوان على الوضوء في أحسن هيئة وأجمل لباس. ومنها: أن يقدم الأكبر في السن والأشرف (٤) في العلم في أشرف المجالس. وفي الحديث: "خير المجالس ما استقبل به القِبْلَة" (٥)، ويوسع المكان لمن يريد

стр. 952

الجلوس إليه، ولا (١) يجلس بين اثنين يفرق بينهما إلا بإذنهما، ومن لا يوسع له أحد فليجلس (٢) في أوسع مكان يجده، (ولا يقيم أحدًا عن مجلسه ليجلس فيه، فإن قام له أحد عن مجلسه لم يجلس فيه) (٣). ولا يتصدر في المجلس، بل يجلس حيث ينتهي إليه إلا أن يقدمه أهل المجلس أو صاحب البيت، ولا يجلس بين الظلِّ والشمس فإنّه مجلس الشيطان، (ويجلس الإخوان في مجلس (٤) واحد متراضين (٥) غير متفرقين، فإنّ ذلك من ائتلاف القلوب) (٦)، ويختار مجالسة الفقراء وأهل الورع والإيمان والعلم، وفي الحديث: "جالس الكبراء وسائل العلماء وخالط الحكماء" (٧). ويصاحب ويجالس من يذكِّره بالله تعالى رؤيته، ويزيد في علمه منطقه، ويرغبه في الآخرة عمله ويحفظ أمانة المجلس، وفي الحديث: "إنما يتجالس

стр. 953

المتجالسان بأمانة الله تعالى، فلا يحل لأحدهما أن يفشي (١) سرَّ أخيه" (٢)، فإنَّه من الخيانة، ولا يتناجى اثنان في المجلس دون الثالث، فإنَّه يؤذي المؤمن أو يسيء الظن بهما. (قال: ويرفع الأذى عن ثوب أخيه ووجهه، ويريه ما يأخذ ثم يطرحه، فيقول له أخوه: نالت يداك (٣) خيرًا) (٤). قال: ويقول أهل المجلس عند القيام ثلاثًا: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك (٥)، فإنّ ذلك طابع على مجلس الذِّكر وكفَّارة لمجلس اللَّغو. وهذه كلها من "الشرعة"، وإنّما كتبناها هنا لأنا ابتلينا بأهل بلدة لا يعرف أكثر أهلها ما حق المعاشرة وأدبها، وما حق الصحبة والإخاء، وما لوازم المودة والوفاء، كبارهم وصغارهم عندهم (٦) كانوا على (٧) السواء، (والله أعلم) (٨). * * *

стр. 954

[٣٥١ - ظهير الدِّين الكبير المَرْغِيْنَاني (١)] نائل رجال (٢) الكتيبتين، الشَّيخ الإمام، ظهير الدِّين الكبير، علي بن عبد العزيز بن عبد الرزاق المَرْغِيْنَاني. تفقَّه على أبيه عبد العزيز بن عبد الرزاق، وعلى السيِّد الإمام أبي شجاع محمَّد بن أحمد بن حمزة، وهما كانا من رجال الكتيبة الثامنة، ثم أخذ الفقه عن الصَّدر الأجل الكبير الصَّدر الماضي برهان الدين (٣) الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة (رحمهم الله تعالى) (٤). وظهير الدِّين جد صاحب "الخلاصة" من جهة الأم. وفي الفصل الثاني من كتاب الكراهية (٥) قال: وفي "الفتاوى": رؤية الله تعالى وتقدس في المنام تكلَّموا فيها؛ (قال بعض المشايخ: يجوز، منهم الإمام الزاهد

стр. 955

ركن الإسلام الصفَّار الأنصاري) (١) قال: ووافقه جدي شيخ الإسلام عبد الرشيد بن الحسين، وأكثر مشايخ سَمَرْقند لا يجوِّزون ذلك، حتى قال الشَّيخ الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀: من قال هكذا فهو شر من عابد الوثن، وعليه المحقِّقون من مشايخ بخارى، منهم جدي أبو أمي الإمام ظهير الدِّين الكبير رحمه الله تعالى (٢). رأيت في "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في باب الكراهية بعلامة السين: رؤية الله تعالى في المنام تكلَّم المشايخ فيه، قال أكثر مشايخ سمرقند: لا يجوز، حتى قيل لأحمد بن مضي السَّرَخْسي يقول: رأيت الله تعالى في المنام، فقال أحمد: إنّ مثل الإله الذي رأيته في المنام كثيرًا ما تراه في السوق في كل يوم، قال الشَّيخ الإمام (٣) أبو النصر أحمد الماتريدي: هو شر من عابد الوثن، واستحسن جواب أحمد بن مضي، والسكوت في هذا الباب أحسن، إلى هنا من "الواقعات". وفي "الجواهر المضية": علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني الإمام أبو الحسن ظهير الدين، مات يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة ست وخمسمئة قبل الزوال، وهو أستاذ العلامة فخر الدِّين قاضي خان تقدم أبوه، وهو أحد (الإخوة الفضلاء) (٤) الستة. قلت: أستاذ فخر الدِّين قاضي خان: الشَّيخ الإمام الأجَل الأستاذ ظهير الدِّين الحسن بن علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني، لا أبوه ظهير الدِّين الكبير علي. كما ذكر أيضًا في "الجواهر المضية" في ذكر أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني أبي

стр. 956

العبَّاس السَّرُوجي صاحب "الغاية السَّرُوجية (١) في شرح الهداية" حيث قال: سنده في الفقه: قرأ على الإمام صدر الدِّين سليمان عن الشَّيخ جمال الدِّين محمود الحصيري، عن الإمام فخر الدِّين الحسن بن منصور قاضي خان، عن الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني، عن الإمام سراج الأئمَّة برهان الدِّين عبد العزيز بن مازه وشمس الدِّين محمود جد قاضي خان، كلاهما عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن الإمام أبي محمَّد بن عبد العزيز بن أحمد الحَلْوَاني، عن أبي علي (٢) الحسين (٣) بن خضر النَّسَفِي، عن الإمام أبي بكر محمد (٤) بن الفضل البُخاري (عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي) (٥)، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد بن الحسن، عن الإمام أبي حنيفة، انتهى. وهو الصحيح، وأما ما قاله في ذكر علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني وما قاله في ذكر فخر الدِّين قاضي خان حيث قال: تفقَّه على الإمام ظهير الدِّين أبي الحسن علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني فلا يكاد يصح؛ لأنّ قاضي خان ولد بعد سنة ست وخمسمئة، ومات سنة اثنتين وتسعين وخمسمئة على ما نصَّ عليه في "الطبقات"، وعلي بن ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني مات سنة ست وخمسمئة. تفقَّه عليه ابنه أبو المحاسن ظهير الدِّين الحسن بن علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني

стр. 957

وقوام (١) الدِّين أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين البُخاري والد صاحب "الخلاصة" افتخار الملَّة طاهر بن أحمد، والإمام ظهير الدِّين علي بن عبد العزيز هذا أبو أم الشَّيخ الإمام طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد. [وفي "جواهر الفتاوى" في كتاب الصلاة في الباب الثالث: ذكر شيخ الإسلام ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني، عن أستاذه السيِّد الإمام أبي شجاع قال: كنت أرى كسالى القوم ببخارى يدخلون المسجد عند طلوع الشمس فيصلُّون الفجر، وكنت عزمت (٢) على أن أمنعهم، فسألت أولًا من الشيخ (٣) الإمام شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، وقلت: هل أزجرهم عن ذلك؟ قال لا؛ لأنّ الغالب من هؤلاء (٤) إذا منعوا عن ذلك وأمروا أن يمكثوا في المسجد إلى ارتفاع الشمس أو رجعوا لم يحضروا إذا طلعت الشمس ولم يصلوا في موضع آخر بل يتركونها (٥) أصلًا، ولو صلوا في هذه الحالة فقد أجازه أصحاب الحديث، ولا شك أنّ الأداء في وقت يجيزه بعض الأئمَّة أولى من الترك أصلًا] (٦). وفي "فتاوى القاضي ظهير الدِّين البُخاري" في (٧) مقطعات كتاب الأيمان: حكي عن الإمام ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني أنّه كان في جواره رجل وكان ماجنًا فاجرًا، وكان يشرب بالليل ويخرج بالنهار في زي الصالحين، فوقعت بينه وبين امرأته خصومة، فكشفت امرأته للشيخ ظهير الدين، فدعاه ولامه على سوء صنيعه، فاعتذر الرجل إليه،

стр. 958

وقال: لست على هذا، ولئن كنت على هذا تبت (١) وأنبت، فلم يقنع به الإمام ظهير الدِّين حتى حلَّفه بالطلاق، فقال له بالفارسية: زن از تو شبه طلاق كه كنى از ين بس فساد نكني، فقال الرجل: امرأته طالق ثلاثًا، اكَر ازين بس فساد كنم، ثم عاد الرجل إلى ما كان عليه من التمادي والفساد، فشكت امرأته إلى الشَّيخ الإمام هذا ثانيًا، فدعاه الشيخ، وقال: حلفت بالطلاق، وقد عدت إلى ما كنت عليه، فقال الرجل: حلفت بالطلاق از ين بس فساد (٢) نكنم، وأردت به الفساد من حيث التمكين في الموضع المعلوم، مشيرًا إلى وراءه، فضعفه (٣) الشَّيخ وأزاحه عن مجلسه، وبهذه الحكاية تبين أنّه لا بأس بالتحليف بالطلاق إذا كان الرجل فاجرًا ماجنًا (لا سيما في زماننا) (٤). * * * [٣٥٢ - عماد الدِّين الزَّرَنْجري (٥)] الشَّيخ الإمام عماد الدين عُمَر بن بكر بن محمَّد بن علي الزَّرَنْجري الملقَّب بشمس الأئمَّة. وكان أبوه أيضًا يلقب بشمس الأئمَّة. قال أبو العلاء الفرضي: هو نعمان الثاني في وقته. وأخذ عن والده بكر بن محمَّد الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، وأخذ

стр. 959

عن برهان الأئمَّة عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني (١)، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل البُخاري (٢)، عن عبد الله بن محمَّد السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم (٣) الله تعالى (٤). وتفقَّه عليه الشَّيخ الإمام جمال الدِّين عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي وشمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري. وكان عالما فاضلًا، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة في وقته. وبلغ (٥) نحوًا من تسعين سنة، ومات سنة أربع وثمانين وخمسمئة، وهو آخر من روى عن والده. * * * [٣٥٣ - عبد العزيز بن عُثمان النَّسَفي (٦)] القاضي النَّسَفِي، عبد العزيز بن عُثمان بن إبراهيم بن محمَّد بن أحمد (٧) بن

стр. 960

أبي بكر محمَّد بن الفضل بن جعفر بن رجاء (١) بن زُرْعَة الفضلي (٢) ﵀ (٣). تفقَّه ببخارى على برهان الدين الصَّدر الماضي عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، وأخذ عن مجد (٤) الأئمَّة السُّرْخَكَتِي من رجال متفرقات (٥) الكتيبة الثامنة. وأخذ عنه شيخ الإسلام علاء الدِّين محمود بن عبيد الله بن صاعد الحارثي (٦) المَرْوَزِي. [وفي "خلاصة الفتاوى" في الفصل الرابع في الجنس الثاني قال: رأيت فتوى أجاب عنها شيخ الإسلام علاء الدِّين محمود الحارثي (٧) المَرْوَزِي، وصورة المسألة تذكر إن شاء الله تعالى في ذكره] (٨). دخل بغداد، وخرج منها إلى خراسان وما وراء النهر، (وبرع في علم النظر، وانصرف إلى خراسان، واتصل بالقضاة الصاعدية، وولي النيابة عنهم) (٩)، وطال عمره (حتى انقرض أقرانه، فصار مرجوعًا إليه في الفتاوى والوقائع، ثم كان قاضيًا ببخارى) (١٠)، وكان محمود السيرة.

стр. 961

روى الحديث عن أبيه وعن أبي سعيد أحمد بن عبد الجبار الطيوري. مات سنة ثلاث وسبعين وخمسمئة. وله تصانيف، منها "كتاب المنقذ من الزلل في مسائل الجدل"، و"كتاب الفحول في علم الأصول"، و"كتاب الفصول من الفتاوى"، و"تعليق الخلاف" في أربع مجلدات كما في "الجواهر المضية". * * * [٣٥٤ - البَنْدَنِيْجي (١)] ضياء الدِّين محمَّد بن الحسين بن ناصر بن (عبد العزيز) (٢) البَنْدَنِيْجي. تفقَّه على الإمام علاء الدِّين أبي بكر محمَّد بن أحمد السَّمَرْقندي، وأخذ عنه، عن الإمام أبي المعين ميمون بن محمَّد المَكْحُولي، عن صدر الإسلام أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن الحاكم النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن (٣) أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة (رحمهم الله تعالى) (٤)، وعن مجد الأئمَّة السُّرْخَكَتِي من رجال الكتيبة الثامنة. تفقَّه عليه شيخ الإسلام برهان الدِّين صاحب "الهداية".

стр. 962

في "الجواهر المضية": قال صاحب "الهداية" في مشيخته: أجازني جميع مسموعاته مشافهة (١) بمَرْو، وكتب بخط يده سنة خمس وأربعين وخمسمئة، ومن مسموعاته "كتاب الصحيح" لمسلم، كان يرويه شيخنا ضياء الدِّين هذا عن محمَّد بن الفضل الفراوي النَّيْسَابُوري (٢) سنة خمس وعشرين وخمسمئة، عن أبي الحسن عبد الغافر الفارسي سنة ثمان وأربعين وأربعمئة، عن الجُلُودي سنة خمس وستين وثلاثمئة، عن إبراهيم بن محمَّد بن سفيان الفقيه، عن مسلم. وبَنْدَنِيج: بلدة من بلاد فَرْغانة. وروى أيضًا عن أبي بكر محمَّد بن أحمد السَّمَرْقندي، (والله تعالى أعلم) (٣). * * * متفرقات الكتيبة التاسعة ٣٥٥ - بهاء الدِّين الإِسْبِيْجابي (٤)] الشَّيخ الإمام، محمَّد بن أحمد بن يوسف، الملقَّب بهاء الدين، أبو المحامد، المَرْغِيْنَاني، الإِسْبِيْجابي. أستاذ الإمام جمال الدِّين المحبوبي عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد البُخاري،

стр. 963

ذكره عبد القادر، والشَّيخ الإمام الملقَّب بالظَّهير أبي (١) بكر بن أحمد بن علي البَلْخِي السَّمَرْقندي. شرح "القُدُوري" شرحًا نافعًا، وسماه "زاد الفقهاء"، ذكره ابن قُطْلُوبُغا. وفي "قنية الفتاوى" للإمام الزَّاهدي في باب تصرف الأب من كتاب الوصايا، نقلًا عن بهاء الدِّين الإِسْبِيْجابي: دفعت أمُّ اليتيم ثوره إلى رجل ليروِّضه مجانًا، فهلك في يده لم يضمن، وللأم هذه الولاية؛ لأنَّ لرياضة ثوره نفعًا محضًا له، كذا ذكره الإمام الزَّاهدي في "الحاوي". قال عبد القادر في "الجواهر المضية": أبو بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز البَلْخِي السَّمَرْقندي الأصل، عرف بالظَّهير، تفقَّه على محمَّد الإِسْبِيْجابي بعد الخمسمئة. * * * [٣٥٦ - شيخ الإسلام علي الإِسْبِيْجابي (٢)] شيخ الإسلام علي بن محمَّد بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن محمَّد بن إسحاق الإِسْبِيْجابي السَّمَرْقندي، المعروف بشيخ الإسلام السَّمَرْقندي. بكسر الهمزة وسكون السين وكسر الباء الفارسية وسكون الياء وفتح الجيم والباء (٣) الموحدة وياء، نسبة إلى إِسْبِيْجاب؛ بلدة بين تاشكند (٤) وسيرام، كذا

стр. 964

ضبطه الصَّفي بن الكاشفي علي بن الحسين الواعظ في "الرشحات"، في ذكر إسحاق خواجه من أصحاب الشَّيخ العارف خواجه أحمد اليَسَوِي، ويَسَوي: بفتح الياء والسين وكسر الواو وسكون الياء. وفي "الجواهر المضية": إِسْبِيْجاب: بلدة من ثغور الترك. ولد يوم الإثنين، السابع من جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وأربعمئة، وسكن بسمرقند، وصار المفتي والمقدم بها، ولم يكن أحد يحفظ مذهب أبي حنيفة ويعرفه مثله في عصره، وظهر له الأصحاب، وعمر العمر الطويل في نشر العلم، وسمع كثيرًا من المشايخ. مات بسمرقند يوم الإثنين، سنة خمس وثلاثين وخمسمئة. وتفقَّه عليه جماعة، منهم شيخ الإسلام، برهان الدِّين، علي بن أبي بكر الفَرْغَاني، صاحب "الهداية". [وفي "الجواهر المضية": قال صاحب "الهداية" في "مشيخته": اختلفت إليه مدة مديدة، وحصلت من فوائده من الدرس ومحافل النظر نصيبًا وافرًا، وتلقَّفت منه من "الزيادات" وبعض "المبسوط" وبعض "الجامع"، وشرَّفني رحمه الله تعالى (١) بالإطلاق في الإفتاء، وكتب لي بذلك كتابًا بالغ فيه وأطنب، ولم يكن اتفق الإجازة منه، وأخبرني عنه غير واحد من مشايخي، ثم ساق حديثًا عن نجم الدِّين أبي حفص عُمَر بن محمَّد بن أحمد النَّسَفِي عفي عنه بسنده، انتهى] (٢). وله "شرح مختصر الطحاوي"، و"المبسوط".

стр. 965

وفي الفصل الثاني من القسم الثالث من كتاب الطلاق من "فتاوى القاضي ظهير الدِّين البُخاري" قال: وسُئل شيخ الإسلام علي بن محمَّد الإِسْبِيْجابي عن رجل وامرأة اختلعا (١)، قيل للزوج: كم كان بينكما من الخلع؟ فقال: كان بيننا مرتين، فقالت المرأة: بل كان الخلع بيننا ثلاث مرات، فالقول قول الزوج أم القول قولها؟ قال: القول قول الزوج. قال نجم الدِّين النَّسَفِي ﵀: سُئلت أنا عن هذه المسألة، فقلت: إن كان بعد نكاح جرى بينهما، فقالت المرأة: النكاح لم يصح؛ لأنَّ النكاح بعد الخلع الثالث، وقال الزوج: هو صحيح؛ لأنه كان بعد الخلعين، فالقول قول الزوج، أما إذا كان الاختلاف بينهما بعد انقضاء عدتها قبل النكاح فلا يجوز النكاح بينهما. وفي "الخلاصة" في الفصل التاسع من كتاب الطلاق قال: وفي "مجموع النوازل": رجل طلق امرأته ثلاثًا، فاعتدت، وتزوَّجت، ثم جاءت بعد أربعة أشهر، وقالت: طلقني الزوج (٢) الثاني، وأرادت أن تعود إلى الأول، قال الإمام نجم الدِّين النَّسَفِي: لا بد من مدة أخرى للنكاح والوطء، وأفتى شيخ الإسلام علي الإِسْبِيْجابي والقاضي الإمام أبو نصر أنها تصدَّق. وفي "التاتارخانية (٣) " في الفصل السابع والعشرين نقلًا عن ["الناصرية": الكفيل للمختلعة بمالها عند الزوج لا يبرأ بتجدد النكاح بينهما، ولا يصح ببدل الصلح، كذا حكي عن شيخنا شيخ الإسلام علي بن محمَّد الإِسْبِيْجابي. وفي "التاتارخانية" أيضًا في الفصل السابع: وذكر في الأصل أنَّ الدقيق مثلَي

стр. 966

كالحنطة وهو الصحيح، واستقراض اللحم وزنًا يجوز، وبإتلافه يضمن القيمة، وفي "البرهانية": واختار الشَّيخ علي الإِسْبِيْجابي أنّه مضمون بالمثل، وحمل رواية "الجامع" على ما إذا انقطع عن أيدي الناس، وإذا اشترى شيئًا بلحم ذكر في الإجارات (١): أنّه يصلح أجرة فيصلح ثمنًا، قيل: ذلك قولهما، وقيل: بل هو قول الكل. وفي "الأُسْتُرُوْشَنية" في الفصل الثلاثين قال: اللحم من ذوات القيم عند أبي حنيفة، وعندهما من ذوات الأمثال، كذا ذكر في] (٢) "الفتاوى الصغرى"، وذكر في "التتمة": أنّه اختيار شيخ الإسلام علي الإِسْبِيْجابي أنّ اللحم مضمون بالمثل، وقال: إنَّما يضمن بالقيمة إذا انقطع عن أيدي الناس، وذكر فخر الإسلام البَزْدَوي في "الجامع": أنَّ اللحم من ذوات الأمثال، وفي "فتاوى القاضي الإمام ظهير الدِّين النَّحاس" من ذوات القيم، وذكر شيخ الإسلام علي الإِسْبِيْجابي في شرح كتاب الغصب: أنَّ النَّحاس والصفر (٣) مثليَّان، هو الصحيح. وفي الباب السادس من كتاب الإجارات من "جواهر الفتاوى": قال الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين البُخاري لما سئل عنه: إذا استأجر أستاذًا ليعلمه هذا العمل في هذه السنة، فمضى نصف السنة ولم يعلمه، فللمستأجر أن يفسخ، ما رأيت رواية في هذا، لكن أفتى الشَّيخ الإمام نور الإسلام علي الإِسْبِيْجابي (في بيوع الأصل) (٤)، فأفتيت أنا أيضًا. وفي الفصل التاسع عشر من "الأُسْتُرُوْشَنية": ذكر شيخ الإسلام علي الإِسْبِيْجابي

стр. 967

في بيوع الأصل: الزنا في العبد ليس بعيب؛ لأنه نوع فسق، فلا يوجب خللًا، كما لو كان آكل الحرام، أو تارك (١) الصلاة. * * * [٣٥٧ - عبد الرشيد بن الحسين البُخاري (٢)] شيخ الإسلام عبد الرَّشيد بن الحسين البُخاري. جد صاحب "خلاصة الفتاوى" و"خزانة الواقعات" و"النصاب" افتخار الملَّة والدِّين طاهر رحمه (٣) الله. كان إمامًا فاضلًا، وشيخًا كبيرًا، ثقة، حافظًا متقنًا، وكان أحد المتبحرين في علوم الدِّين أصولًا وفروعًا، رُحل إليه من البلاد للتفقه عليه، وانتهت رئاسة المذهب في زمانه إليه. تفقَّه عليه ابنه الشَّيخ الإمام قوام الدِّين أحمد بن عبد الرشيد. وفي الفصل السابع من كتاب الإجارة في "خلاصة الفتاوى" قال: وفي "المحيط": وعن بعض المشايخ: أنَّ الآجر إذا باع المستأجر بغير رضى المستأجر وسلَّم، ثم أجاز المستأجر البيع (والتسليم؛ بطل حقَّه في الحبس، ولو أجاز البيع) (٤) دون التسليم لا يبطل حقه في الحبس، ثم في بيع المستأجر هذا إذا أجاز المستأجر فإن قال: لا أجيز، ثم أجاز؛ يجوز أيضًا، فلو باع

стр. 968

المستأجر بإذن المستأجر (١) حتى انفسخ، ثم إن المشتري رد المستأجر على الآجر بعيب؛ إن لم يكن بطريق الفسخ لا تعود الإجارة ولا يشكل، وإن كان الرد بطريق الفسخ هل تعود (٢) الإجارة؟ وصارت المسألة واقعة الفتوى، أفتى القاضي الإمام الزَّرَنْجري ﵀: أنَّه لا تعود (٣). قال ﵀: وأفتى جدي شيخ الإسلام عبد الرشيد بن الحسين ﵀: أنّه يعود، قاسه (٤) بعصير الرهن إذا تخمَّر بطل حكم الرهن، ثم إذا تخلَّل عاد رهنًا، وقاس كما لو كفل عن رجل لآخر بألف إلى سنة، ثم إن الكفيل باع من المكفول له عبدًا بألف قبل مضي السنة، وسلم العبد، ثم رد عليه العبد بالعيب بقضاء، فالمال على الكفيل إلى أجله؛ لأنَّ الأجل بطل لضرورة البيع، وقد انتقض البيع، فهذا كذلك، وبه يفتى، وتمامه قد ذكرناه في "خزانة الواقعات". وفي الفصل الثاني من كتاب الكراهية من "الخلاصة" أيضًا قال: رؤية الله تعالى وتقدس في المنام تكلَّموا فيها، قال بعض المشايخ: يجوز، منهم الإمام الزاهد ركن الإسلام الصفَّار الأنصاري، قال المصنف ﵀: وافقه جدي شيخ الإسلام عبد الرشيد بن الحسين، وقدم تفصيل هذه المسألة في ذكر الإمام ظهير الدِّين علي المَرْغِيْنَاني، وهو جد صاحب "الخلاصة" من جهة الأم. * * *

стр. 969

[٣٥٨ - الزَّمَخْشَري (١)] الشَّيخ الإمام الفهَّامة، جار الله العلَّامة، أبو القاسم محمود بن عُمَر بن محمَّد الزَّمَخْشَري. إمام عصره بلا مدافعة، كان نحويًّا ذكيًّا، خبيرًا بالمعاني والبيان، فقيهًا مناظرًا متكلمًا نظارًّا أديبًا شاعرًا محدثًا مفسرًا، أستاذ زمانه في الأدب، ومجتهد أوانه في المذهب، له في العلوم آثار ما ليس لغيره من أهل عصره، وكان من الفصاحة والبلاغة بالمحل الذي تشهد به تصنيفاته، سيَّما "الكشَّاف" في التفسير بما فيه من إيجاز البيان، وبيان إعجاز القرآن، وحسن التأليف، ولطف الترصيف، ورشاقة التعبير، ولطافة التحرير: إن التَّفاسير في الدنيا بلا عددٍ … وليس فيها لعمري مثل كشَّافِ إن كنْتَ تبغي الهدى فالزم (٢) قراءَته … فالجهلُ كالدَّاء والكشَّاف كالشَّافي (٣) رأيت مكتوبًا بخط أبي طالب بن علي بن محمَّد الإِسْتِراباذي في آخر نسخة "الصحيح البُخاري": وهذه النسخة أيضًا واقعة بخطه في سنة اثنتين وأربعين وخمسمئة، وهذه صورة ما كتبه: وجدت بخط الشَّيخ الأديب أبي القاسم بن عُمَر الزَّمَخْشَري

стр. 970

﵀ "صحيح البُخاري" بتمامه، حدثنا به الشَّيخ أبو محمَّد عبد الملك بن محمَّد اليماني الزَّينبي (١) ثم الحضرمي قراءة عليه بمكة في المسجد الحرام عند باب إبراهيم ﵇، عن أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر، عن أبيه أبي ذر ابن أحمد بن محمَّد الهروي، عن ثلاثة: أبي محمَّد عبد الله بن أحمد بن حمويه السَّرَخْسي، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن داود البَلْخِي المستملي، وأبي الهيثم محمَّد بن المكي بن محمَّد بن زارع الكُشْمَيْهَني، كلهم عن محمَّد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفِرَبْري، عن أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل البُخاري. وحدثنا به عن شيخه أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله بن أحمد اللخمي المروي من مَرِيَّةَ بعض بلاد أندلس، عن كريمة، عن أبي الهيثم الكُشْمِيْهَني، عن الفِرَبْري، عن البُخاري بتمامه. وصحيح مسلم بن الحجَّاج بتمامه حدثنا به أبو الحياة، عن عبيد بن محمَّد بن عبد الله بن يوسف بن رحيم النَّهدي اليماني الحضرمي من مضرة بلدة من جبل تيس في المسجد الحرام عند باب النبي ﷺ ، عن القاضي الإمام إمام الحرمين أبي عبد الله الحسين بن علي بن محمَّد الطَّبري، عن أبي الحسين عبد الغافر بن محمَّد بن عبد الغافر الفارسي الجُلُودي، عن (٢) إبراهيم بن محمَّد بن سفيان، عن المصنف، انتهى. ورأيت في آخر نسخة "الكشَّاف" التي دخلت في سلك ملكي، ما صورته: عورضت هذه النسخة بنسخة الأصل الأولى التي نقلت من السواد، وهي أم الكشَّاف الحرمية المباركة المتمسح بها المحقوقة بأن يستنزل بها بركات السماء ويستمطر بها

стр. 971

في السنة الشهباء، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة، في جناح دان (١) السليمانية، التي على باب أجياد، الموسومة بمدرسة العلامة، ضحوة يوم الإثنين الثالث والعشرين من ربيع الآخر، في عام (٢) ثمان وعشرين وخمسمئة، وهو حامد لله على باهر كرمه ومصلّ (٣) على محمَّد عبده ورسوله وعلى آله. ومن تصانيفه "الفائق في اللغة" في تفسير الحديث، و"أساس البلاغة"، و"ربيع الأبرار ونصوص الأخبار" (٤)، و"متشابه أساس الرواة"، و"النصائح الصغار"، و"النصائح الكبار"، و"الرائض في علم الفرائض"، و"المفصل في النحو"، و"الأنموذج"، و"المفرد والمؤلف في النحو"، و"شرح أبيات سيبويه"، و"المستصفى في أمثال العرب" (٥)، و"سوء الأمثال"، و"ديوان التمثيل"، و"شقائق النعمان"، وغير ذلك، وله "رؤوس (٦) المسائل في الفقه". وكان من كبار العلماء الحنفيَّة، حنفي المذهب، معتزلي المعتقد. ولد بزَمَخْشَر - قرية بنواحي خُوَارزم - سنة سبع وستين وأربعمئة، ومات سنة ثمان وثلاثين وخمسمئة. وأخذ عنه الإمام زين الأئمَّة (٧) البَقَّالي، أبو الفضل، محمَّد ابن أبي القاسم الخُوَارِزْمِي.

стр. 972

فائدة: يقال لمشقوق الشِّفة السفلى أفلح، ولمشقوق الشِّفة العليا أعلم، ومنه الأعلم البُحْتري النَّحوي؛ الفاء للفاء، والعين للعين، وقد استعار هذا المعنى ونظمه الزَّمَخْشَري جناسًا مستوفى، فقال كاللغز في ذلك: وأخرني دهري وقدم معشرًا … لأنهمو لا يعلمون وأعلم لئن أفلح الجهال يومًا فإنني … أنا الميم والأيام أفلح وأعلم (١) والمعنى أنّ الأيام كالأفلح والأعلم، وأنا كالميم، والأفلح الأعلم هو مشقوق الشفتين، لا يمكنه الإتيان بالميم ولا النطق بها، فهو يهجرني كما يهجر، (أصل الميم) (٢) في كلامه لعدم قدرته على النطق بها، فكذلك الدهر، لا يمكنه الإتيان بي، ولا يستطيع تقديمي ولا التنويه بذكري، فهو يهجرني ما استطاع، ذكره محمَّد النَّواجي. ذكره الأَتْقاني في "شرح الهداية" في فصل صلاة الجمعة: قد روي، عن أبي يوسف ﵀ في الإملاء: كل موضع فيه أمير وقاض ينفذ (٣) الأحكام ويقيم الحدود فهو مِصْر، تجب على أهله الجمعة، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ (٤) في كتاب صلاته، ذكره خَواهَرْ زَادَه في "مبسوطه"، وقال فيه (٥) نقلًا عن سفيان الثوري: المصر الجامع: ما يعده النَّاس مصرًا عند ذكر الأمصار المطلقة، كبخارى وسمرقند.

стр. 973

وقال الكَرْماني في المصر الجامع: ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه (١) الأحكام، وهو اختيار صاحب "الكشَّاف"، وعن أبي عبد الله الثَّلْجي أنّه قال: أحسن ما سمعت: إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعوا فيه (٢) فهو مِصْر جامع، وروي، عن أبي حنيفة (رحمه الله تعالى) (٣): هو بلدة كبيرة فيها سكك وأسواق، ولها رساتيق، وفيها والٍ يقدر على إنصاف المظلوم لحشمته وعلمه أو علم غيره، ويرجع الناس إليه فيما وقعت لهم من الحوادث، وهو اختيار صاحب "التحفة"، وقال أبو يوسف في "نوادر ابن شجاع": إذا كان في القرية عشرة آلاف فهو مصر، ومن أصحابنا من قال: المصر: ما يتعيش فيه كل صانع بصناعته، انتهى كلام الأَتْقاني. * * * [٣٥٩ - أبو بكر القزاز البَلْخِي (٤)] أبو بكر القزاز البَلْخِي محمَّد بن أحمد بن علي ﵀ (٥). أستاذ جماعة من الفقهاء، منهم أبو الفتح عبد الرشيد بن أبي حنيفة الوَلْوالِجِي، تفقَّه عليه ببلخ. * * *

стр. 974

[٣٦٠ - أبو محمَّد محمَّد القَطَواني (١)] الشَّيخ الإمام (أبو محمد) (٢) محمَّد بن محمَّد بن أيوب القَطَواني (رحمه الله تعالى) (٣). كان شيخًا كبيرًا وإمامًا جليل القدر، وعنه أنّه قال: محمَّد بن محمَّد بن أيوب القَطَواني، كان مفتيًا واعظًا مفسرًا. مات سنة ست وخمسمئة. قال عبد القادر في "الجواهر": وهو أستاذ الوَلْوالِجِي، لمَّا ورد سمرقند اختص به، تفقَّه به بعد أن تفقَّه ببلخ (٤) على أبي بكر القزاز وببخارى على البرهان. الشيوخ العظام والأئمَّة الفخام من أصحاب الحنفيَّة الذين كانوا في عصر زين الأئمَّة خمير الوَبَري، تلميذ القاضي الإمام الزَّرَنْجري، المذكور في أول هذه الكتيبة التاسعة، وهم: * * *

стр. 975

[٣٦١ - عين الأئمَّة الكَرَابِيسي (١)] [٣٦٢ - مجد الأئمَّة التَّرْجُماني (٢)] [٣٦٣ - القاضي عبد الجبار (٣)] [٣٦٤ - شهاب الأئمَّة الإمامي] [٣٦٥ - سيف الأئمَّة السَّائلي (٤)] عين الأئمَّة الكَرَابيسي ومجد الأئمَّة التَّرْجُماني وشرف الأئمَّة القاضي عبد الجبار وشهاب الأئمَّة الإمامي وسيف الأئمَّة السَّائلي. قال الشَّيخ الإمام زين الأئمَّة أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر الوَبَري المعروف بخمير الخُوَارِزْمِي في كتاب الأضاحي في الفصل السادس والعشرين: ولو أودع رجل رجلًا شاة، فضحى بها المستودع عن نفسه يوم النحر، فعليه قيمتها لصاحبها، فإن أخذ صاحبها القيمة ورضي بها لا يجزيه (٥) ذلك من أضحيته، قال: لأنه إنّما ضمن القيمة بالذبح وهو غير ضامن قبل ذلك، فصار إراقة الدم على غير ملك بالضمان فلا يجزيه.

стр. 976

قال ﵀: ومعنى هذا أن سبب الضمان هو الذَّبح، والملك يثبت بعد السبب، (فيكون الذبح مصادفًا ملك غيره، فلا يجزيه (١) بخلاف الغاصب، فإنّه كان ضامنًا قبل الذبح، وسبب الضمان كان منعقدًا قبل الذَّبح، فإذا أدى الضَّمان يثبت الملك من وقت السبب، وهو حال الغصب) (٢)، فيكون الذبح مصادفًا ملك نفسه، فلذلك أجزأه، وإذا عرفت الجواب في الوديعة فهو الجواب في العارية والإجارة، إذا استعار ناقة أو بعيرًا أو ثورًا أو استأجره ثم ضحَّى به فإنّه لا يجزيه عن الأضحية؛ سواء أخذها المالك أو ضمَّنه القيمة؛ لأنها أمانة في يده، وإنّما يضمنها بالذبح فصار كالوديعة. ولو كان مرهونًا ينبغي أن يجوز، لأنه يصير ملكًا له من وقت القبض، لأنه كان مقبوضًا بجهة الضمان، وقبضه قبض استيفاء، فيصير ملكًا له من وقت القبض، فكان بمنزلة الغصب بل أولى. قال رحمه الله تعالى: وذكر عين الأئمَّة في هذا تفصيلًا، فقال: إن كانت قيمة الرهن مثل الدَّين أو أقل حينئذ يجوز، وإن كانت قيمته أكثر من الدَّين ينبغي أن لا يجوز، لأنّ بعضه يكون مضمونًا وبعضه أمانة. قال: وفي القدر الذي هو أمانة إنّما يضمنه بالذبح فيكون بمنزلة الوديعة، قال: وهذا التفصيل حسن. قال مجد الأئمَّة التَّرْجُماني: ينبغي أن لا يجوز؛ لأنَّ عين الرهن أمانة عندنا بدليل وجوب النفقة على الراهن ومؤنته عليه، وإنّما المضمون منه المالية، فإن اعتبرنا عينه لا يجزيه، لأنه بمنزلة الوديعة، والباب باب العبادات، والأصل أنّ العبادة إذا دارت بين الصحة والفساد يحكم بفسادها احتياطًا.

стр. 977

فإن قال قائل بأن المعتبر في هذه العبادة المالية؛ لأنّ بناء العبادات على المشقة، والمشقة إنّما تكون في المالية، قلنا: لو كانت الصورة ضائعة لكان ينبغي أن يكون مخيرًا بين التضحية والتصدق، وليس كذلك بالإجماع. قال: وكتبت بها إلى شرف الأئمَّة أبي المكارم والقاضي الإمام عبد الجبار، فقالا: لا يجوز، وعرضتها على الشَّيخ شهاب الأئمَّة الإمامي، وعلى الشَّيخ الحافظ (١) السائلي، فقالا: لا يجوز أيضًا، إلى هنا من "أضاحي الوَبَري". وفي باب زلة القارئ من "القنية" نقلًا عن عين الأئمَّة الكَرَابِيسي عك مت (٢): لو قرأ أعوذ بالله من الشيتان (٣) الرجيم، أو الشيدان إذا كان في لسانه لكنة؛ لا تفسد، ولو قرأ الحمد رِلهِ (٤) تفسد، وكذلك: إياك نعبت (٥) أو غير المغذوب، أو التحيات رِلهِ (٦)، أو التيبات أو الصلام، أو لم يلت ولم يولت، أو الصرات، أو عبده ورسوره (٧)، عك (٨) السالحين؛ تفسد. وعن القاضي الإمام (٩) الزَّرَنْجري لا تفسد؛ لأنّ السالح هو ذو سلاح، فلا يفحش المعنى، مت - يعني مجد الأئمَّة التَّرْجُماني - سألت جار الله العلامة عمن

стр. 978

قرأ: وَصَطًا أو أَصْبَغَ أو مُصَخَّرَات بالصاد مكان السين، فقال: لا تفسد، لأنَّ كل كلمة وقع فيها بعد السين طاء أو عين أو قاف أو خاء جاز أن تبدل السين صادًا. قال الإمام الزاهد في "شرح القُدُوري" في كتاب الرهن: قلت: ومما ابتلي به أهل الأمصار من رهن الدور التي حيطانها مشتركة بين الجيران، وقد ذكره أستاذنا ﵁ في "منية الفقهاء" عن الصَّدر السَّعيد شرف الدِّين والأئمة (١) المكي ﵀: رهن له دارًا له مبنية فيها جدار مشترك لا يصح، وكذا لو كان جداره متصلًا بالجدار المشترك، ولو استثنى الجدار يصح. وفي "القنية" في باب القراءة والدعاء: شم شه - يعني شرف الملة المكي وشهاب (٢) الأئمَّة الإمامي -: صبي يقرأ في البيت وأهله مشغولون بالعمل يعذرون في ترك الاستماع إن افتتحوا العمل قبل القراءة، وإلا فلا، وكذا قراءة الفقه عند قراءة القرآن. وفي "القنية" أيضًا في باب البينتين المتضادتين: قع - قاضي عبد الجبار -: رجل جرح إنسانًا ومات، فأقام أولياء القتيل بينة أنّه مات بسبب أثر الجراح، وأقام الضارب بينة أنّه بريء ومات بعد عشرة أيام، فبينة ولي المقتول أولى. وعن سيف الأئمَّة السَّائلي: وصي باع كرم الصغير، (وبلغ الصغير) (٣)، وادَّعى غبنًا وأقام بينة، وأقام المشتري بينة أنّ قيمة الكرم في ذلك الوقت مثل الثمن، فبينة الغبن أولى. * * *

стр. 979

[٣٦٦ - محمَّد البَاقَرْحي (١)] محمَّد بن إسحاق بن إبراهيم البَاقَرْحي (٢) البغدادي. يفتح الباء والقاف وسكون الراء في آخرها الحاء المهملة، نسبة إلى بَاقَرْح، قرية من نواحي بغداد. وكان من بيت العلم والقضاء والحديث. مات سنة إحدى وثمانين وأربعمئة. وفي "الحاوي" للإمام الزَّاهدي عزوًا إلى عين الأئمَّة الكَرَابِيسي وأبي حامد وعمر الأديبي: ادعى عليه ضيعة وأقام بيِّنة (فقبل القضاء، ادعى أيضًا أنّ المدعى عليه أقرَّ بنصف هذه الضيعة لي، وأقام بينة) (٣)، وقضى القاضي له بالنصف وسلَّمه إليه، ثم أقام رجل آخر بينة أني اشتريت جميع هذه الضيعة من المدعى عليه قبل إقراره لك بثلاثة أشهر قبل القضاء له، أقام ذو اليد دفعًا بينة عادلة أنّ المدعى عليه أقر قبل شرائك بستة أشهر أنّه لا حق له (٤) في هذه الضيعة، فقضى القاضي ببطلان دعوى البيع ولا يبطل حكمه في النصف الذي حكم به للمدعي، ودفعه هذا مسموع، قال البَاقَرْحي (٥) وخمير الوَبَري: ليس بدفع؛ لأنه يمكن أن لا يكون حق وقت الإقرار، ثم يتجدد له الحق، كذا ذكره في "القنية" في باب دفع الدعوى من كتاب الدعوى.

стр. 980

[٣٦٧ - القاضي أبو ذر (١)] القاضي الإمام أبو ذر، المفتي ببخارى. كان إمامًا فاضلًا، عالمًا عاملًا، حافظًا (٢) مفتيًا. له "التفسير"، و"الفتاوى". وكان قاضيًا مرضيَّ الطريقة في القضاء جميل السيرة، وكان أحد المتبحرين في العلوم، ترحل الطلبة من الأقطار إليه، وتحمل الفتاوى من الأقاصي إلى بين يديه، وكان أنظر أهل عصره وفارس ميدانه في دهره. نقل عبد القادر في "الجواهر المضية" في ذكر أبي ذر القاضي، عن "تفسيره": الكلاب ثلاثة: (٣) كلب يضر وهو مأمور (٤) بقتله، وكلب ينفع ولا يضر فيجوز بيعه وإمساكه، وكلب لا ينفع ولا يضر فلا يتعرض له. وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في النوع الثاني (٥)، في الفصل الثالث من كتاب الصلاة: وأما الوقف والابتداء فقال بعضهم: لا تفسد صلاتهم للضرورة، وهو اختيار صدر الإسلام أبي اليسر، وحكي عن القاضي الإمام أبي ذر ببخارى أنّ إمامه قرأ: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ [الممتحنة: ١] ووقف، ثم بدأ بقوله ﴿وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١]، فلامه على ذلك، ولم يعدْ صلاته.

стр. 981

وعن نوح بن منصور في كتابه "الإرشاد في الفتاوى": اختلف السلف في أكل الوصي من مال اليتيم، فقيل: يباح أكله بالمعروف، وقيل: يأكله قرضًا ثم يرده، وقيل: لا يأكل من أعيان ماله، فأما ألبان المواشي وثمار الأشجار فمباح ما لم يضر باليتيم، وقيل: يأكل منه ولا يكتسي، وقيل: يكتسي أيضًا، وقال أبو حنيفة ﵁ في "كتاب الآثار": لا يأكل ولا يأخذ قرضًا غنيًّا كان أو فقيرًا، ولا يقرض غيره، وقال الطَّحَاوِي: له أن يأخذه قرضًا ثم يقضيه. وقال أبو يوسف ﵀: لا يأكل منه إذا كان مقيمًا، وإن خرج في تقاضي دين له أو لمراعاة أسبابه وضياعه فله أن ينفق ويركب دابته ويلبس ثوبه، وإذا رجع رد الدابة والثياب، قال أبو ذر: والصحيح قول أبي حنيفة؛ لأنَّ الوصي شرع فيه متبرعًا، فلا يوجب ضمانًا، هكذا نقله الزاهدي في "الحاوي" في فصل تصرف الأب والوصي من كتاب الوصايا. وفي "التَّاتارخانيَّة" في آخر كتاب البيع، في فصل بيع التلجئة، نقلًا عن "اليتيمة" (١): سُئل الوَبَري عن وصي اشترى لليتيم من مديون اليتيم دارًا بعشرين دينارًا (٢) قيمتها خمسون دينارًا، فبعد استيفاء الدَّين قايله فيها الوصي، وقيمتها كذلك أو هو كبيعه بأقل، فلا تجوز الإقالة أم تصح الإقالة؟ فقال: لا يجوز ذلك، ولو اشترى لنفسه بمال اليتيم أله يكون أم لليتيم؟ قال: لنفسه، وهو ضامن لما نفذ، وبه أفتى أبو ذر. وسُئل أيضًا عن وصي أو أب، قال بعد بلوغ الصَّغير: بعت أرضه فأنفقت ثمنه عليه، فقال: صدق في الهالك، وبه أفتى أبو ذر كما قال في "القنية" في باب ما يتعلق

стр. 982

بإنفاق الأب من كتاب الوصايا، نقلًا عن "جامع العلوم"، جع: أب أو وصي قال بعد البلوغ: بعت أرضه وأنفقت ثمنه عليه، قال خو - خمير الوَبَري -: صدق في الهالك، وبه أفتى أبو ذر، كذا في "الحاوي"، (والله أعلم) (١). * * * قلب الكتيبة التاسعة [٣٦٨ - أبو الفتوح أحمد الغزالي (٢)] الشَّيخ الإمام، العارف بالله تعالى (٣)، أبو الفتوح أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد الغزالي الطُّوسي (قدَّس الله سرَّه العزيز) (٤). كان من أحسن النَّاس كلامًا في الوعظ، وأوسعهم عبارة، مليح التصوف. خدم الصوفية في عنوان شبابه، وصحب المشايخ، واختار الخلوة والعزلة حتى انفتح له الكلام على طريقة القوم، ثم خرج إلى العراق، ومالت إليه قلوب الناس وأحبوه. وكان قد أخذ التصوف عن أبي بكر النَّسَّاج عبد الله الطُّوسي، عن الشَّيخ أبي القاسم الكُرْكاني (٥)، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي علي الكاتب عن أبي

стр. 983

علي الرُّوْذْبَاري (١)، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن السَّري السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطائي، عن الحبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي (٢) بن أبي طالب ﵃. وله تصنيفات وتأليفات معتبرة. وكان يتكلَّم على لسان الصوفية بحقائق الأشياء. وكان أشعري المعتقد شافعي المذهب. وكان يلقَّب بلقب أخيه الإمام: حجَّة الإسلام زين الدِّين محمَّد بن محمَّد بن محمَّد الغزالي الطُّوسي. خرج إلى العراق، ومالت إليه قلوب الناس وأحبوه، ودخل بغداد، وعقد له مجلس الوعظ، ظهر له القبول التام، وازدحم على حضور مجلسه. روي عن السِّلَفي: حضرت مجلس وعظه بهمدان، وكنا في رباط واحد، وبيننا إلف وتودد، وكان أزكى خلق الله تعالى وأقدرهم على الكلام، فاضلًا في الفقه وغيره، قرأ القارئ يومًا بين يديه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، فقال: شرفهم الله بياء الإضافة إلى نفسه بقوله: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾، ثم أنشد (٣): وهانَ عليَّ اللَّوم في جَنْبِ حبِّها … وقول الأعادي إنَّه لَخَلِيع أصم إذا نُوْدِيْتُ باسمي وإنَّني … إذا قيل لي يا عَبدَها لَسَمِيع

стр. 984

وسئل في مجلس وعظه عن قول علي ﵁: لو كشف الغطاء ما ازددت (١) يقينًا (٢)، والخليل (صلى الله عليه وعلى نبينا) (٣) أفضل الصلاة والسَّلام يقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فقال: اليقين يتصوَّر عليه الجحود، والطمأنينة لا يتصوَّر عليها الجحود، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وكان يدخل القرى والضياع تقربًا إلى الله تعالى. ويحصل له (٤) في وعظه حال، حكى يومًا على رأس منبره (٥) عن أخيه حجَّة الإسلام أمرًا غريبًا، وكان قد أخذ أكثر العلوم عنه، وقال: سمعت أخي حجَّة الإسلام (قدس روحه) (٦) يقول: إنَّ الميت من حين يوضع على النعش يوقف في أربعين موقفًا، نسأل الله تعالى (٧) أن يثبتنا على دينه، ويختم لنا بخيرٍ بمنِّه وكرمه وفيضه. [وفي "نفحات الأنس": شيخ أحمد غزالي از أصحاب شيخ أبو بكر نساج است تأليفات معتبر ورسائل بينظير دارد ويكى از آنها رسائل سوانح است كه لمعات شيخ فخر الدِّين عراقي برسنن آن واقع است ويكى از فصول سوانح اينست معشوق بهمه

стр. 985

حال خود معشوقست بس استغنا صفت اوست وعاشق بهمه حال خود عاشق است بس افتقار صفت اوست، عاشق را هميشه معشوق، دريابد، بس افتقار هميشه صفت اوست، ومعشوق راهيج جنز در نمى يابد كه خود را دارد، لا جرم صفت أو استغنا باشد. رباعي: همواره تو دل ربوده معذورى … غم هيج نياز مودة معذورى من بي تو هزار شب بخود در بودم … توبى تو شبى نبوده معذورى روزى كسى از وى حال برادرش حجَّة الاسلام برسيد كه وى كجاست؟ كَفت: وى در خون است. سائل ويرا طلب كرد در مسجد يافت، از قول احمد تعجب نمود وقصه را با حجَّة الإسلام بكَفت. كَفت: راست كَفت، من در مسألة از مسائل مستحاضة فكر ميكردم. يكى از صوفيان از قزوين بطوس رسيد بر حجَّة الإسلام درآمد، ويرا از حال برادر خود شيخ أحمد برسيد، آنجه ميدانست كَفت. كَفت: باتو از كلام وى هيج خست كفت آري جزوى داشت بيش أورد دران تامل كرد وكفت سبحان الله ما طلب كرديم وأحمد يافت] (١). وأخذ عنه هذا العلم والتلقين والتصوف الشَّيخ ضياء الدِّين أبو النجيب عبد القاهر السُّهْرُوَرْدِي قدَّس الله (٢) سره. مات الشَّيخ أحمد الغزالي رحمه الله تعالى (٣) سنة سبع عشرة (٤)
следующие страницы →