← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قيل: فهو إذًا رهنه مرة كتابًا ومرة مالًا والرهن لا يجوز إلا معلومًا" (١). انتهى. وفيه إشارة إلى ما علل به المصنف، وعلله الغزالي بأن "الرهن يلزم بالقبض والقبض لا يصادف ما يتناوله العقد ولا مستحقًّا بالعقد" (٢)، فاحترز بقوله ولا مستحقًّا بالعقد عن رأس مال التسلم وبيع درهم بدرهم في الذمة، فإنه إذا قبض ما في الذمة قبض مستحقًّا بالعقد وإن لم يكن عين ما تناوله العقد، فإن المقبوض عين لا دين، وعلله المتولي مع ذلك بأن مقاصد الرهن حبس العين عن الراهن ليبعثه ذلك على الوفاء والأمن من الجحود والبيع في الدين، والثلاثة مفقودة في الدين ولم يحك المتولي فيه خلافًا، وصرح برهنه ممن عليه ومن غير مَن عليه، وأنه لا يصح فيهما، والوجه القائل بالجواز مستنده جواز بيعه، كما قاله المصنف، ومنه يعرف أن الوجهين مفرعان على جواز بيعه، فإن امتنع بيعه امتنع رهنه، فيكون الخلاف في رهنه مرتبًا على الخلاف في بيعه وأولى بالمنع، والرافعي ذكر هذا الترتيب عن بعضهم بعد أن ذكر الوجهين مطلقين وأشار إلى طريقة إما بانية، وإما مجرية للخلاف مطلقًا، سواء منعنا بيع الدين أم جوزناه (٣)، ولم أر مَن صرح بها، والإمام وافق الترتيب فقال: "إن الدين لا يجوز رهنه وفي جواز بيعه خلاف" (٤)، فإن صح أن فيه طريقة مطلقة، وإن بعضهم يجيزه مطلقًا، فلعل مأخذه أن المرهون إذا أتلف كان بدله في ذمة الجاني رهنًا وهي دين، لكنا نفرق بأن الدوام يحتمل فيه ما لا يحتمل في الابتداء، وفصل صاحب "الاستقصاء" بين دين السلم وغيره، فقال في دين (٥) السلم،

стр. 1017

لا يجوز رهنه؛ لأنه لا يجوز بيعه قبل القبض وفي غيره من الدين المستقر إن رهنه ممن عليه جاز وجهًا واحدًا؛ لأنه يجوز بيعه منه وجهًا واحدًا، وإن رهنه من غيره فوجهان؛ أحدهما: يجوز؛ لأنه على هذا الوجه يجوز بيعه. والثاني: لا يجوز؛ لأنه على هذا الوجه لا يجوز بيعه، وما قاله يقتضي ان الخلاف في الرهن مبني على الخلاف في البيع حيث امتنع (١) كالسلم، حيث جاز جاز، وهو إذا كان ممن عليه وحيث جرى وجهان في بيعه، وهو إذا كان من غير من عليه جرى وجهان في رهنه مبنيان عليهما، وكلام المصنف يمكن أن يحمل على هذا، وكذلك إطلاق الرافعي في صدر كلامه لكنه مخالف لنص الشافعي في تصريحه يمنع الرهن، وإن جاز البيع، ومخالف لما في "التتمة" من التسوية بين رهنه ممن عليه ومن غيره، وهكذا الماوردي جزم بأنه لا يجوز رهن الدين ممن عليه ولا من غيره، فبان بهذا أن قول صاحب "الاستقصاء" يجوز ممن عليه؛ وجهًا واحدًا ليس بجيد، بل الصحيح أنه لا يجوز وقطعه في المسلم فيه بالمنع صحيح إلا إن ثبت طريقه بإجراء الخلاف مطلقًا من غير بناء ولا ترتيب، وأشار صاحب "البيان" (٢) إلى تخصيص الخلاف بالمستقر، وإلى طريقة الترتيب، فقال: "في بيع الدين المستقر ورهنه وهبته من غير من عليه ثلاثة أوجه؛ أحدها: لا يصح واحد منها؛ لأنه غير مقدور على تسليمه. والثاني: يصح الجميع منها وهو اختيار ابن الصباغ وصححه ابن أبي عصرون؛ لأن الذمم تجري مجرى الأعيان. والثالث: أن البيع والهبة يصحان ويلزمان من غير قبض، ولا يصح

стр. 1018

الرهن؛ لأن البيع والهبة تمليك، فجرى مجرى الحوالة". انتهى. وقوله: "إن الهبة تلزم من غير قبض" هو أحد وجهين ذكرهما الرافعي في باب الهبة (١) وتصريحه بأن البيع يلزم من غير قبض حصل لي به فائدة عظيمة، فإن البغوي (٢) والرافعي (٣) قالا في بيع الدَّين لغير مَن عليه: "إذا صححناه: يشترط أن يقبض المشتري الدَّين ويقبض بائعه العوض في المجلس وإلا يبطل" وذكرت في "شرح المنهاج" أني لم أجد اشتراط القبض من الجانبين لغيرهما، ولم أجد في كلام الأصحاب ما يقتضي ذلك، ولا يدفعه، وأنه ينبغي ألا يشترط إلا القبض من أحد الجانبين، بل يكفي التعيين، وقد وجدت فيما حكيته عن "البيان" ما يؤيد ذلك، ويدفع ما قالاه، وقد اجتمع لك في رهن الدين وجه بالمنع مطلقًا ووجه بالمنع من غير من عليه ووجه بالجواز مطلقًا إلا في دين السلم، فإنه لا يجوز أصلًا، لا ممن عليه، ولا من غيره، وإن صحت طريقه مطلقة فيجيء وجه رابع بالجواز مطلقًا في دين السلم وغيره، والأصح المنع مطلقًا. فإن قلت: منعه ممَّن عليه مع جواز بيعه منه لا وجه له، وكلام الشافعي والأصحاب يمكن حمله على رهنه مِن غير مَن عليه. قلت: وإن أمكن حمل كلام من أطلق منهم على ذلك إلا أن قول الشافعي أنه لا يجوز وإن جاز البيع يمنع منه، وأيضًا إشارته إلى أنه لا يلزم إلا بالقبض. فإن قلت: هذا إنما يكون في غير من عليه، أما مَن عليه، فإنه كالمقبوض

стр. 1019

منه كما لو رهنه شيئًا في يده. قلت: هذا ليس قبضًا حقيقة وبقاء العين في يده يعد في العرف قبضًا لها أما الدين في الذمة، فلا يعد مقبوضًا، فلا يدخل في قوله تعالى: "فرُهُنٌ مقبوضة"، ولا يحصل منه مقصود الرهن وهو البيع. فإن قلت: قول صاحب "الاستقصاء": إنه يجوز رهنه ممن عليه وجهًا واحدًا يقضي على من أطلق. قلت: هَبْهُ يقضي على من أطلق، فكيف يقضي على من صرح بأن الرهن يمتنع مع جواز البيع، وإنما قول صاحب "الاستقصاء" نشأ عن تصرف منه بحسب ما اطلع عليه وفيما ذكرناه زيادة عليه. فرع قال ابن أبي عصرون في "الانتصار": يصح رهن المدبر إذا كان على مقرٍّ في أصح الوجهين، وهذا الذي شرطه في صورة المسألة من كونه على مقرٍّ لا بأس به. فرع قال الرافعي في كتاب الهبة: "وإذا فرعنا على أنه يجوز رهن الدين افتقر لزومه إلى القبض لا محالة؛ لأنه لا يفيد انتقال الملك والاستحقاق" (١). وقال الغزالي في "البسيط" والإمام في "النهاية" (٢): إن الوجه القائل بلزوم هبة الدين قبل القبض لا يجري في الرهن، ونقل ابن الرفعة عن "البيان" أنه يلزم بنفس العقد (٣)، ولم أجده في "البيان".

стр. 1020

فرع هذا كله في الدين الثابت، أما الموصوف، فمقتضى كلام القاضي حسين، والإمام (١) أنه لا يصح، فإنهما قالا: "إن الرهن يختص بالعين؛ لأنه لا يتوثق الدين بالدين ولأنه مشبه بالهبة من حيث إنه تبرع. ولو قال: وهبت منك ألف درهم، ثم نقدها عن ذمته وأقبض لم يصح. وهكذا في المرهون". انتهى. وقد ذكر المصنف في باب القرض "أنه لو قال: أقرضتك ألفًا وقبل ألفًا وتفرقا ثم دفع إليه ألفًا، فإن لم يطل الفصل جاز وإلا فلا" (٢). وقال يعقوب ابن أبي عصرون: "إن فعل مثل ذلك في الهبة جاز" (٣) يعني مع طول الفصل وهو أغرب، والمعروف أن ذلك لا يجوز في الهبة، كما قاله الإمام والقاضي حسين، وفي القراض وجهان؛ أحدهما: يجوز على موصوف. والثاني: لا بد من معين. فرع عرف بما تقدم أن المرهون شرطه أن يكون عينًا، وأخرجوا بهذا الشرط أيضًا المنفعة، فلا يجوز رهنها سواء أكان الدين حالًّا أم موجلًا، نص عليه الشافعي (٤) والأصحاب. * * *

стр. 1021

فائدة: قال التميمي: "أجمع الفقهاء أن الرجل إذا رهن دينه على زيد من عمرو، ولم يجز إلا مالكًا، فإنه أجازه" (١). انتهى. وهذا ينبهك على ضعف الوجه القائل بجوازه مَن غير من عليه، وأنه لم يقل به إلا مالك، ومن قال به من أصحابنا، فهو من التفريغ الذي يسبق به في المذهب، أو لعل التميمي لم يطلع على أصل هذا الوجه. * * *

стр. 1022

قال: فصْل [في رهن المرهون] ولا يجوز رهن المرهون من غير إذن المرتهن؛ لأن ما استحق بعقد لازم لا يجوز أن يعقد عليه مثله من غير إذن من له الحق؛ كبيع ما باعه، وإجارة ما آجره. هذا لا خلاف فيه وقوله: أن يعقد عليه مثله احتراز من إجارته، ونحو ذلك، فإن له أن يؤجر الرهن. وقوله: "بعقد لازم" إشارة إلى صورة المسألة، وهي: أن يكون بعد قبض الرهن أما قبل القبض؛ فهو جائز، فيجوز رهنه وبيعه، فاحترز بهذا القيد من ذلك، ومن إعارة ما أعاره، فإنه يجوز؛ لأنها غير لازمة. وقوله: "من غير إذن المرتهن" قد يفهم أنه يجوز بأنه، وكذلك صرح به في "البيان" (١)، وهو كذلك لكن ينفسخ به الرهن، أعني: إذا رهن وأقبض بإذن المرتهن، كما إذا باع بإذنه في غير وفاء الدين وليس المراد: أنه يجوز مع بقاء الرهن الأول، حتى يكون رهنًا عند اثنين، هذا مستحيل متى كانت

стр. 1023

العين مرهونة عند واحد لا يجوز أن يكون هي ولا شيء منها مرهونًا عند آخر بلا خلاف، وقد سبق لنا وجه عن رواية صاحب "التقريب" فيما إذا رهن عينًا من اثنين: "إنه إذا اتحد جهة الدينين، وانفك نصيب أحدهما لا ينفك نصيب الآخر" (١). وقال أبو حنيفة بعدم الانفكاك سواء اتحدت جهة الدينين أم اختلفت (٢)، ولا يعارض ذلك ما قلناه هنا؛ إما لأن المرتهنين كالمرتهن الواحد، وإما لأن ذلك احتمل في الابتداء لتساويهما ولا يحتمل في الدوام؛ لأن السابق أقوى، والقصد التنبيه على أن ما قلناه من استحالة أن يكون الشيء الواحد رهنًا عند اثنين هو في الصورة التي فرضنا من طريان أحدهما على الآخر، وهو مما لا خلاف فيه بخلاف ما إذا حصلا معًا، فهو محل الخلاف بيننا وبين الحنفية، والوجه المذكور والمأخذ مختلف. واعلم أن ما ذكرناه من الاستحالة لا نريد به الاستحالة العقلية، بل ولا الشرعية مطلقًا، ألا ترى أن العبد إذا جنى على زيد، ثم جنى على عمرو تعلق الأرش برقبته لكل منهما، وكذا إذا كان مرهونًا، فجنى على غير المرتهن تعلق أرش الجناية برقبته مع بقاء تعلق المرتهن بها، ولكن احتمل ذلك في التعلق من جهة الشارع، ولم يحتمل من جهة العاقد الذي يقبل تصرفه الصحة والفساد. فإن قلت: سيأتي خلاف في جواز رهنها عند المرتهن رهنًا لم يذكروا [خلافًا الفرق] (٣).

стр. 1024

قلت: لعله لكونه إذا رهنها عند غير المرتهن، فإن زاحمنا به حق الأول كان فيه إضرار به، وإن قدمنا حق الأول لم تحصل الوثيقة بالرهن الثاني؛ فلذلك اتفقوا على بطلانه بخلاف رهنه من المرتهن لانتفاء المعنيين. فائدة: قال المتولي: إذا وهب المرهون أو رهنه، فلا خلاف أنه ممنوع من التسليم، وهل تنعقد الهبة أو الرهن؟! الحكم فيه كالحكم في المشتري إذا وهب المبيع قبل القبض أو رهنه، وهذا الذي قاله المتولي يبين ما أطلقه الأصحاب من البطلان. * * *

стр. 1025

قال: وهل يجوز رهنه بدين آخر عند المرتهن، ففيه قولان: قال في القديم: يجوز، وهو اختيار المزني ﵀ (١)؛ لأنه إذا جاز أن يكون مرهونًا بألف ثم يصير مرهونًا بخمسمائة، جاز أن يكون مرهونًا بخمسمائة، ثم يصير مرهونًا بألف. وقال في الجديد: لا يجوز؛ لأنه رهن مستحقٌّ [بدين] (٢)، فلا يجوز رهنه بغيره، كما لو رهنه عند غير المرتهن (٣). صورة المسألة: أن يرهنه بدين آخر مع بقاء رهنه بالدين الأول؛ ليكون رهنًا بهما جميعًا كما إذا كان مرهونًا بخمسمائة درهم، فرهنه بخمسمائة درهم أخرى عند المرتهن بعينه ليكون رهنًا عنده بألف، فإن فسخا الرهن الأول، واستأنفا رهنًا بألف جاز إجماعًا، وإن لم يفعلا إلا ما رسمناه أولًا وحقيقته زيادة في الدين المرهون به، وأن يكون ما أنفقا عليه ثانيًا مرهونًا (٤) مع ما سبق بالرهن الأول والتغيير في المرهون لا في العقد، فالقديم وبه قال المزني وأبو يوسف وأبو ثور أنه يجوز، وشذ ابن أبي عصرون فصححه (٥)، والجديد الصحيح عند الأكثرين، وبه قال أبو حنيفة (٦) ومحمد؛ أنه لا يجوز.

стр. 1026

قال الشيخ أبو حامد: وبه نفتي وعليه نعتمد. وقيل: إنه نص على الأول أيضًا في الجديد، والموجود في "المختصر" و"الأم" المنع، واحتج المزني للجواز بالقياس على الضمان، فإنه إذا ضمن ألفًا صارت ذمته مرهونة بها، وله أن يضمن ألفًا أخرى، ولأن العبد يكون مرهونًا بجنايته، ثم يجني جناية أخرى، فيصير مرهونًا به، ولأنه لما جازت الزيادة في الرهن على دين واحد جازت الزيادة في الدين على رهن واحد، وبما ذكره المصنف. قال الفارقي: أراد أنه لو قضاه بعض الدَّين أو أبرأه من بعضه أو تصالحا بعد العقد على أن يكون رهنًا بخمسمائة جاز، فكذلك إذا كان بخمسمائة جاز أن يجعله بألف. قال ابن أبي عصرون: "وفقهه أن العقد إذا قبل إلحاق النقصان قبل إلحاق الزيادة" (١)، كما نقوله في إلحاق الزيادة في المجلس، وإذا لم تقبل الزيادة لم يقبل النقصان، كما بعد التفرق وبأن المرهون إذا جنى تعلق الأرش برقبته، وبأن الشافعي نصَّ على أن للمرتهن أن يفديه (٢) ويكون رهنًا بالدَّين والأرش، وأجاب الأصحاب عن الضمان بأنه لا يستغرق ذمة الضامن؛ لأن له أن يضمن شخصًا آخر، وأما الرهن فالحق يستغرقه؛ ولهذا لا يرهن عند آخر، وعن الجناية أنه لما لم يمتنع أن يتعلق بها أرش آخر لغير المجني عليه، لم يمتنع أن يتعلق بحقٍّ آخر عنده، وعن الزيادة في الرهن بأن الدين مستغرق للرهن، فالرهن مشغول به، وليس الرهن مستغرقًا للدين بدليل أن سقوط الدين يبطل الرهن، وسقوط الرهن لا يبطل الدين، وعبر الشيخ أبو

стр. 1027

حامد عن ذلك بأنه لو أبرأه عن الدين بطل الرهن، ولو أبرأه عن الرهن لم يبطل الدين ودليل المصنف أحسن من هذه الثلاثة، وجوابه يظهر من جوابها بالفرق بين الزيادة والنقصان، فإن في الزيادة مضادة لاستغراق الأول للرهن بخلاف النقصان، وهذا المعنى من إلحاق الزيادة في المجلس وبعد التفرق وعن تعلق أرش الجناية بالمرهون بأن أرش الجناية يجوز أن يكون لشخص آخر، وقد اتفقنا في الرهن على أنه لا يجوز أن يرهنه عند آخر، وبأن أرش الجناية آكد من حق المرتهن، فجاز أن يطرأ عليه، وعن نص الشافعي بما سيأتي من كلام المصنف، وجعلوا عمدتهم في الاستدلال للجديد شيئين؛ أحدهما: ما ذكره المصنف، وأصله ما أشرنا إليه من اتفاقهم على امتناع رهنه عند غير المرتهن، وقياس هذا عليه، وهو قياس صحيح، وقول المصنف: "مستحق بدين" مشيرٌ إلى ما قلناه من استغراق الدين له، واستغنى بقوله: "مستحق" عن قوله: "لازم" وإلا فلا بد منه؛ لأن ذلك قبل القبض يجوز. واستدلوا على استغراق الدين للرهن دون العكس: بأن تصرف رب الدين ينفذ في الدين بعد الرهن، وتصرف الراهن لا ينفذ في الرهن قبل أداء الدين، فالزيادة في الدين شغل مشغول، والزيادة في الرهن شغل فارغ. والدليل الثاني: أن الرهن لا يتقدم على الحق، فلو جاز إدخال حق آخر على الرهن لصار الرهن متقدمًا على الحق وقالوا أيضًا: إن الرهن يتبع البيع، فكما لا يبيع المبيع لا يرهن المرهون مرة أخرى مع بقاء العقد. واحترز المصنف بقوله: "مستحق بدين" عن العبد الجاني، فإن الأرش في رقبته دينًا على السيد، ويجوز رهنه على أحد القولين. فإن قلت: أنتم تقولون: إن الرهن مرهون بالدين وبكل جزء منه، وذلك

стр. 1028

يدل على جواز أن يكون مرهونًا بدينين لشخص واحد دفعة واحدة، فما المانع إذا طرأ أحدهما. قلت: ضعف الطارئ، فلم يقو على رفع ما استحقه الأول من استغراقه للرهن بخلاف الدَّينين المرهون بهما دفعة. فرع أطلق الأكثرون فرض المسألة في رهنه بدين آخر عند المرتهن من غير تقييد بأن يكون الدين الثاني من جنس الأول أو لا. وقال صاحب "الاستقصاء": إن كان الأول دراهم والثاني دنانير وقلنا: إنه يجوز هناك، ففيه ها هنا وجهان؛ أقيسهما: أنه يجوز. انتهى. وعلى هذا يصح إطلاق الأكثرين الخلاف، وعلى الوجه الآخر يكون محل القولين إذا كان الثاني من جنس الأول، فإن كان من غير جنسه، فيمتنع قطعًا، ولا وجه لهذا. * * *

стр. 1029

قال: فإن جنى العبد المرهون، ففداه المرتهن وشرط [على الراهن] (١) أن يكون رهنًا بالدين والأرش، ففيه طريقان من أصحابنا من قال: هو على القولين، ومنهم من قال: يصح ذلك قولًا واحدًا، والفرق بين الأرش وسائر الديون أن الأرش متعلق بالرقبة، فإذا رهنه به، فقد علق بالرقبة ما كان متعلقًا بها وغيره لم يكن متعلقًا بالرقبة؛ فلم يجز رهنه به، ولأن في الرهن بالأرش مصلحة للراهن في حفظ ماله وللمرتهن في حفظ وثيقته، وليس في رهنه بدين آخر مصلحة، ويجوز للمصلحة ما لا يجوز لغيرها، والدليل عليه أنه يجوز أن يُفتدي العبد بقيمته في الجناية ليبقى عليه، وإن كان لا يجوز أن يشتري ماله بماله. سبق أن المزني احتج لاختياره في زيادة الدين بنص الشافعي في هذه المسألة على أنه يكون رهنًا بالدين والأرش (٢)، فمن أصحابنا من قال: هذا النص تفريع على القديم، أما على الجديد، فلا يصح، وهذه هي الطريقة الأولى في كلام المصنف، ومنهم من قال: يصح على القولين، فإنه ذكره في الجديد والفرق من ثلاثة أوجه: ذكر المصنف اثنين منها، وزاد في الثاني تقريره بجواز افتداء السيد عبده الجاني وهو في معنى الشراء ولا يجوز أن يشتريه وإنما ذاك لأجل المصلحة، وذكر الشيخ أبو حامد وغيره فرقًا ثالثًا، وهو أن الرهن بالجناية صار جائزًا في الحكم، فيكون كالبيع في مدة الخيار يزاد في الثمن والمثمن.

стр. 1030

وذكر الرافعي؛ "أن أظهر الطريقتين طريقة القطع" (١) وفيه نظر، وإنما يتم ذلك لو ثبت نص في الجديد صريح في الجواز، والذي رأيته في "الأم" (٢) في باب جناية العبد المرهون على الأجنبيين "أنه لا يكون رهنًا إلا أن يجعله له رهنًا به، فيكون رهنًا به مع الحق الأول". قال الربيع: "معنى قول الشافعي إلا أن يريد أن يفسخ الرهن الأول، فيجعله رهنًا بما كان مرهونًا به، وبما فداه به بإذن سيده". انتهى. وهذا الذي قاله الربيع تأويل جيد واللفظ محتمل له والربيع أعرف منَّا بمراد الشافعي، فلا ينبغي أن يُثبت للشافعي قول في الجديد إلا أن يثبت نص أصرح من هذا، وما ذكره الأصحاب من الفروق مجادلة مع المزني على تقدير ثبوت النص؛ فلذلك الأقوى عندي طريقة القولين، والبغوي وافق الرافعي، فصحح القطع بالجواز (٣)، وذكر الإمام "أن الأئمة قربوا الكلام في هذه المسألة من أن المشرف من الحقوق على الزوال إذا استدركت بجعل استدراكها بمنزلة زوالها وإعادتها أو بحمل الاستدراك على موجب الاستدامة فيها، فعلى قولين مأخوذين من معاني كلام الشافعي، وعليه بنينا استثناء الثمار عن مطلق بيع الأشجار قبل بُدُوِّ الصلاح حيث قلنا: إن كانت كالزائلة العائدة، فلا بد من شرط القطع في استثنائها وإن بنينا الأمر فيها على الاستدامة، وهو الصحيح، فلا معنى لشرط القطع، فإذا جنى المرهون فقد أشرف على الزوال، فإذا فداه المرتهن بالإذن على الشرط الذي ذكرناه، هل يجعل كما لو انفك الرهن، ثم أعيد

стр. 1031

فيه الخلاف" (١). انتهى. وما ذكره من تخريجه وتصحيح الاستدامة يؤيد ما اخترته من طريقة القولين، وأن الجديد الصحيح أنه لا يصح، كما في غير الأرش. فالحاصل: أن الخلاف في رهن المرهون بالأرش مرتب على رهنه بدين آخر وأولى بالصحة، والصحيح فيهما البطلان، ويجري الطريقان فيما إذا أنفق المرتهن على الرهن عند عجز المالك عن النفقة بإذن الحاكم، وشرط أن يكون مرهونًا بهما، كما حكى عن القاضي أبي الطيب (٢)، وهذا لو فرض بإذن المالك لكان مساويًا لمسألة الجناية من جهة بعض الفروق المذكورة دون بعض، فإن الأول ليس موجودًا هنا، وهو كونه كان متعلقًا بها، أما إذا لم يكن بإذن المالك، ولكن بإذن الحاكم، ففيه شيئان؛ أحدهما: أن المالك هل يجبر على نفقة الرهن، وفيه خلاف. والآخر: إذا قلنا بالإجبار، وهو الأصح بعجز المالك عنها، كما فرض فهل يستمر الإجبار أو يعدل إلى الوجه الآخر؛ وهو أن يباع هو أو بعضه في النفقة، ولم أر فيه نقلًا، وفي إلزام ذمته دينًا آخر مع عجزه عنه ضرر عليه، وقد تقدم لنا في رهن الولي والحاكم تفاصيل، وأنه لا يجوز إلا لضرورة أو غبطة، فليحمل صورة المسألة هنا على ذلك، وأن الشرط المذكور وجد مع التفريع على الإجبار، واستمراره عند العجز، وحينئذ تجري الطريقان، وإلا فلا جريان لهما إلا إذا كان بإذن الراهن. * * *

стр. 1032

فرع لو اعترف الراهن بأن المرهون مرهون بعشرين، ثم ادعى أنه رهن أولًا بعشرة، ثم رهن بعشرة أخرى، ونازعه المرتهن، فإن فرَّعنا على القديم، فلا ثمرة لهذا الاختلاف، وإن قلنا بالجديد، فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن اعتراف الراهن يقوي جانبه ظاهرًا، وفي "الحاوي" حكاية وجه؛ أن القول قوله من غير يمين، وقال: "هما على اختلاف الوجهين في الراهن" (١) إذا أقر بتسليم الرهن، ثم أنكر وسأل إحلاف المرتهن هل يحلف أم لا؟! على وجهين. ولو قال المرتهن في جوابه: فسخنا الرهن الأول، واستأنفنا بالعشرين رهنًا، فوجهان؛ أصحهما عند البغوي: أن القول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الفسخ (٢). والثاني وإليه ميل الصيدلاني، وهو الأقوى عند الروياني: إن القول قول المرتهن (٣)؛ لاعتضاد جانبه بإقرار صاحبه، وينبغي أن يكون هذا أصح؛ لأن الراهن أقر أنه مرهون بعشرين؛ وذلك يقتضي أنه مرهون، الآن بها ومن ضرورة ذلك تقدم فسخ، وإن كان الأصل عدمه، لكن صحة الرهن الثاني على هذا القول موقوف عليه وإقراره به إقرار بما يتوقف عليه. بل أقول: إنه ينبغي أن يجري فيه الوجهان السابقان في أن المرتهن هل يحتاج إلى يمين أم لا، وأما قبول قوله، فينبغي القطع به. نعم، لو صدر إنشاء رهن بعشرين، واتفقا على تقدم رهن بعشرة واختلفا في الفسخ، فها هنا يحتمل أن يقال: القول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الفسخ، ويحتمل أن يقال: هذا اختلاف في الصحة والفساد؛ كاختلافهما

стр. 1033

في الرؤية، فيصدق مدعي الصحة وهو المرتهن على الأصل، ويأتي فيه خلاف القاضي حسين، فيصدق الراهن على قاعدته في التمسك بالأصل، وإن قال بتصديق مدعي الصحة فيما سواه، وأما على القول بتصديق مدعي الفساد، فلا إشكال في تصديق الراهن فيما فرضناه من صورة الإنشاء، أما على ما فرضوه من صورة الإقرار، فتصديقه بعيد؛ لأن الإقرار بالعقود محمول على الصحيح سواء اعتضد بأصل أم خالفه، ولو سلمنا جريان الخلاف في التنازع بعد الإقرار بالعقود، فلا نسلم جريانه في الإقرار بموجبها، كما لو أقر بالملك، ثم تنازعا في الصحة والفساد في سببه، فلا وجه إلا القطع بمؤاخذة المقر بإقراره، وما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأنه أقر بأنه مرهون بعشرين، وذلك موجب رهن صحيح بها كالملك بالنسبة إلى البيع ونحوه إذا اتفقنا على إضافته إلى سبب معين. واعلم أنني تبعت الرافعي ﵀ ورضي عنه - في تصوير هذا الفرع والنقل عن صاحب "التهذيب" (١)، وتكلمت عليه إلى هنا، ثم راجعت "التهذيب" فلم أر فيه أنه اعترف اولًا بأنه مرهون بعشرين ولفظه في "لتهذيب": "فإن قلنا: لا يجوز يعني أن يكون مرهونًا بالحقَّين وهو المذهب الجديد، فلو اختلفا، فقال الراهن: رهنت بألف ثم زدنا ألفًا آخر، وقال المرتهن: بل رهنت بألفين معًا، فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لاتفاقهما على صحة الرهن، ولو اتفقا على أنه كان مرهونًا بألف غير أن المرتهن يقول: تفاسخنا العقد الأول وعقدنا بعده على ألفين فقال الراهن: بل زدنا ألفًا على العقد الأول، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الفسخ، وقيل: القول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الظاهر أن العقد

стр. 1034

الثاني لا يكون إلا بعد فسخ الأول، والأول أصح". هذا لفظ "التهذيب" (١). وقلت: لعله محمول على ما إذا اختلفا بعد إنشاء الرهن، كما أشرنا إليه فيما سبق، ولم يصدر إقرار بكونه مرهونًا بألفين، وحينئذ يكون ما صححه من الوجهين مبنيًّا على قوله في الاختلاف في الصحة والفساد، فإن الصحيح عنده تصديق مدعي الفساد، لكن عارضني في هذا قوله: إذا قال: رهنت بألفٍ، ثم زدنا ألفًا، وقال المرتهن: بل بألفين؛ القول قول المرتهن ولو لم يتقدم إقرار لوجب القطع بأن القطع قول الراهن، فالتصوير الذي ذكره الرافعي صواب، وكذلك ذكره القاضي حسين، وأجاد في الحكم والتعليل، فقال: إن كذبه المرتهن، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الظاهر معه لسبق الإقرار، فإن قال المرتهن: فسخنا الأول واستأنفنا رهنًا على ألفين. فوجهان؛ أحدهما: القول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الفسخ. والثاني: القول قول المرتهن؛ لأن الظاهر معه يسبق الإقرار، فقويت جَنَبَته فشرعت اليمين حجة، وأيضًا الظاهر أن العقد الثاني كان بعد فسخ الأول، فكان الراهن أقر في ضمن ما قال من دعوى الزيادة في الدين أنهما فسخا الأول، ونظير الوجهين ما قلنا في الإقرار لو أقر بألف، ثم ادعى أنها لم تصل إليه، وكان صاحب الحق أوصل عنها عوضها إليه فوجهان؛ أحدهما: لا؛ لأنه انتصب مدَّعيًا للبيع. والثاني: يحلف وإن تصور بصورة المدعين؛ لأن الظاهر معه بسبق الإقرار. انتهى. فتعليله بالإقرار جيد. وصاحب "التهذيب" أعرض عن تعليل الإقرار وأخذ التعليل الثاني فعلل به قبول قول المرتهن وخالفه،

стр. 1035

فصحح قبول قول الراهن. والذي يظهر خلاف ما قال. وأما المسألة التي نظرها القاضي بها، فقد ذكرها في باب الإقرار إذا أقام بينة عليه أنه أقر بألف، فقال المشهود عليه: أقررت بها لكنها لم تصل إليَّ، وإنما أقررت بها؛ ليسلمها على العادة تسمع دعواه، والقول قوله، يحلف بالله لقد أوصلتها إليه، وإن كان أوصل إليه عوض الألف لا يمكنه أن يحلف على إيصال الألف إليه، وذكر ابن الرفعة من غير نسبة إلى القاضي حسين ولا إلى غيره في الوجهين اللذين حكيناهما في الرهن أن مثلهما ما إذا أقر أن له دينًا، ثم قال: إنه من ثمن مبيع لم أقبضه. وقال المقر له: هو من ثمن مبيع مقبوض ففيمن القول قوله؟! وجهان. وأقول: إن تشبيهه بما إذا قال: أقررت على العادة، ولم يصل إليَّ تشبيه صحيح من جهة أنه يدعي فساد الإقرار في الموضعين والحكم في الإقرار عدم تصديق المقر جزمًا بل يحلف المقر له على الأصح، فقياسه أن يكون هنا القول قول المرتهن جزمًا، وإن شبه بدعوى أن ما أقر به من ثمن مبيع لم يقبض وقال: قد قبضه، فقد يقال: إن هذا التشبيه ليس بجيد؛ لأن دعواه أنه ثمن مبيع لا يرفع الإقرار بخلافه هنا، ثم لو صح التشبيه، فالحكم المعروف هناك إذا أقر بدين ثم قال مفصولًا عنه: إنه من ثمن مبيع غير مقبوض لا يقبل والخلاف مع الاتصال وهم أطلقوا المسألة هنا. فرع لو شهد شاهدان أنه رهن بألف، ثم بألفين قال صاحب "التهذيب": "فلا يحكم أنه رهن بألفين بعد فسخ الأول ما لم يصرح به الشهود أن الثاني كان بعد فسخ الأول" (١). وجعل الرافعي هذا من صاحب.

стр. 1036

"التهذيب" مرتبًا على قوله: "إن الأصح تصديق الراهن" (١)، ونحن قد ضعفنا قوله فيما إذا سبق إقراره، وفي هذه الصورة لم يسبق إقرار، فلا وجه إلا تخريجها على دعوى الصحة والفساد، فمن قال: القول قول مدعي الفساد وهو اختيار صاحب "التهذيب" يناسبه هنا التوقف في الحكم حتى يصرحا بالفسخ ومن قال: القول قول مدعي الصحة وهو الأصح يناسبه هنا أن نحكم أنها رهن بألفين. فرع قال الرافعي: "لو رهن بعشرة ثم استقرض عشرة أخرى، ليكون رهنًا بهما، وأشهد شاهدين أنه مرهون بالعشرين، فإن لم يعلم الشاهدان كيفية الحال، ونقل الشاهدان ما سمعاه، فهل يحكم بكونه رهنًا بالعشرين، إذا كان الحاكم ممن يذهب إلى القول الجديد حكى الإمام عن صاحب "التقريب" فيه وجهين" (٢)، حكاهما الرافعي هكذا وينبغي أن يكون هذا الفرع هو السابق بعينه فيما لو شهد شاهدان أنه رهن بألف ثم بألفين؛ لأن معنى نقلهما صورة الحال أن يشهد أنه رهن بعشرة ثم استقرض عشرة أخرى وأشهد أنه مرهون بالعشرين، واستدل الإمام للزوم الحكم بأنهم لو شهدوا على بيع مطلق حمل على الصحة في ظاهر المذهب (٣). وصورة المسألة: إذا لم يعرف الشاهدان هل صدر فسخ أو لا؟! فإن علما عدمه، فسيأتي، امَّا إذا لم يذكر الشاهدان إلا الإقرار بأنه مرهون بالعشرين، ولم يقر الراهن عندهما أو عند الحاكم إلا بذلك، فإن الحكم بظاهر الإقرار واجب، كما صرح به الماوردي، قال: "فيجب الحكم في

стр. 1037

الظاهر - يعني: بعشرين - إما بإقرارهما أو بشهادة الشاهدين على إقرارهما، فإن عادا واختلفا عند الحاكم، وشرحا له الصورة" (١)، فعلى ما سبق في الفرع الأول، والقول قول المرتهن على ما سبق. فرع لو عرف الشاهدان صورة الحال، فهل عليهما بيان الحال؟! فيه وجهان؛ أحدهما: يجوز أن يجتهدا في الإقرار ويؤديا إلى الحاكم الشهادة على ما صح عندهما في اجتهادهما، فإن كانا يريان القديم شهدا أنه رهن بعشرين، وإن كانا يريان الجديد شهدا أنه رهن بعشرة، وكان الراهن مقرٌّ للمرتهن بعشرة أخرى بغير رهن. والوجه الثاني وهو قول أبي إسحاق المروزي (٢)، وهو الأصح عند المارودي (٣)، والروياني (٤): أن على الشاهدين أن ينقلا إلى الحاكم مشروحًا على صورته ولا يجوز أن يجتهدا فيه؛ لأن الشاهد ناقل والاجتهاد إلى الحاكم. قال الماوردي: "وهكذا القول في كل شهادة طريقها الاجتهاد" (٥)، هذا إذا كان الشاهدان، مجتهدين، فإن كانا من غير أهل الاجتهاد وجب عليهما شرح الحال؛ ليكون الحكم فيه مردودًا إلى الحاكم واجتهاده؛ هكذا قال الماوردي فيما لو عرف الشاهدان صورة الحال من الراهن بأن أقر عندهما مشروحًا هل لهما أن يتركا الشرح ويقتصرا على الإقرار أو لا؟! وقال فيما إذا

стр. 1038

أقر مطلقًا وعلما هما الحال في الباطن وجهان؛ أحدهما: عليهما أن يشهدا بالإقرار المطلق، وليس عليهما الإخبار بما علما في الباطن؛ لأن الشاهد يؤدي ما يحمل. وأصحهما: أن عليهما أن يشهدا بالإقرار المطلق، ويشهدا بما علما في الباطن؛ لأن الشاهد ينقل إلى الحاكم ما علمه سواء كان بإقرار أم غير إقرار. قال: وهكذا القول في كل ما علمه مع ما تحمله إلا أن يكون ما علمه ينافي ما تحمله، أو يعتقد أنه منافٍ له، فيلزمه الإخبار بما علمه، وهو مبني على ما ذكرنا من اختلاف الوجهين في اجتهاد الشاهد. وقال الرافعي: "إذا كان الشاهدان يعتقدان جواز الإلحاق، فهل لهما أن يشهدا بأنه مرهون بالعشرين أم عليهما بيان الحال؟! وجهان" (١). قال النووي: "أصحهما لا يجوز" (٢). قلت: وهو ما سبق عن الماوردي. قال الرافعي: "وإن كانا يعتقدان امتناع الإلحاق لم يشهدا إلا بما جرى في الباطن، وفيه شيء بعيد" (٣). قلت: وقد سبق من كلام الماوردي ما يقتضي جريان الوجهين السابقين فيه هل لهما أن يشهدا أنه رهن بعشرة أم يبينا الحال وهو الصواب أعني: جريان الوجهين؛ إذ لا فرق بين الصورتين. نعم، إذا اجتهدا وسوغنا ذلك، فإنما يشهدان بكونه رهنًا؛ أما الشهادة

стр. 1039

على الإقرار، فإنما يكون بما أقر به، فإذا أقر بأنه مرهون بعشرين، وقد عرفا صورة الحال، فينبغي أن يقال: شرح الحال جائز قطعًا، والشهادة بكونه رهنًا بعشرة أو بعشرين إذا اعتقدها ممتنعة على الأصح، وإن لم يعتقدها ممتنعة قطعًا، والشهادة على الإقرار مجملًا من غير شرح الحال إن اعتقدا صحته، كما إذا أقر بأنه رهن بعشرين، وهما يجوزان الإلحاق، فيجوز لهما الشهادة على الإقرار بصدقهما، واعتقادهما صحته، ولا ريبة في ذلك إذا كان الحاكم يرى رأيهما، فإن كان يخالفهما، ويعتقد منع الإلحاق، فيأتي في جواز شهادتهما عنده من غير شرح الحال خلاف، وإن اعتقدا فساد الإقرار وامتناع الإلحاق، وكان الحاكم يرى صحته، فيأتي في جواز شهادتهما عنده بذلك خلاف؛ لأنهما وإن كانا صادقين إلا أنهما حملا الحاكم على الحكم بما لا يعتقدانه، والشهادة على خلاف المعتقد من هذا النوع فيها خلاف، وإن كان الحاكم أيضًا يرى امتناع الإلحاق، فيقوي منعهما من هذه الشهادة؛ لكونها على خلاف معتقدهما ومعتقده. وقال الإمام: "إن علما أنهما ما جددا فسخًا، فهل لهما أن يشهدا مطلقًا وينقلا لفظ الراهن: إني جعلت هذا رهنًا بألفين. قال صاحب "التقريب": هذا مبني على أن القاضي هل يقبل ذلك. إن قلنا: لا يقبله فلا نظر إلى إطلاقهما. وإن قلنا: يقضي بالمطلق من غير بحث، فهل يجوز الإطلاق مع العلم بسرِّ الحال؟! وجهان ذكرهما صاحب "التقريب" قال: والأصح أنه لا يجوز الإطلاق والأمر على ما قال وليس للثاني وجه" (١). انتهى كلام الإمام. وقول الرافعي إن كانا يعتقدان الجواز أو المنع يحتمل أن يريد به الاعتقاد

стр. 1040

بدليل، وهو الاجتهاد، فيوافق ما قاله الماوردي والنووي بعد أن حكى كلام الرافعي قال: "كذا أطلق الجمهور هذا التفصيل" (١). وقال صاحب "الحاوي": "إن كان الشاهدان مجتهدين، ففيه التفصيل وإلا لم يجز مطلقًا ولزمهما شرح الحال" (٢). انتهى. وكذا الروياني بعد أن فصل بين أن يعتقدا الجديد أو القديم، وأنهما إن اعتقدا الجديد فلهما أن يشهدا وإن اعتقدا القديم، فوجهان عن أبي إسحاق وغيره قال: "ومن أصحابنا من قال هذا إن كانا من أهل الاجتهاد وإلا فيلزمهما التفصيل قولًا واحدًا" (٣). انتهى. وما قالاه عندي فيه نظر، فإن الاعتقاد هو المعتبر في ذلك، فمتى كان باجتهاد أو تقليد كفى. نعم، مَن يقول بمنع التقليد، فاعتقاد المقلد عنده غير معتبر، فلا يسوغ له الإطلاق وحينئذ يحسن تخصيص الخلاف بحالة الاجتهاد، أما العامي الذي لا يعرف شيئًا لا بالاجتهاد ولا بالتقليد فلم يدخل في كلام الرافعي، ويجب عليه شرح الحال قولًا واحدًا باتفاقهم؛ لأنه خارج من كلامهم المتضمن للتردد في الجواز داخل في كلام الماوردي المقتضي للمنع، وهو قوله غير أهل الاجتهاد. * * *

стр. 1041

فرع عبارة المزني في "المختصر" (١) "قال الشافعي: ولو أشهد المرتهن أن هذا الرهن في يده بألفين جازت الشهادة في الحكم فإن تصادقا فهو ما قالا". قال الروياني: "فيما نقله المزني خلل؛ لأنه لا يستفاد منه مقصود المسألة، والكلام المستقل معناه ما قاله في الكبير، فإن تصادقا، فهو ما قالا والعبد رهن بألف. قال أبو إسحاق ﵀: وإنما أراد الشافعي أن يعلمنا الحيلة في جعله رهنًا بالحقين معًا على وجه لا غرر على الراهن فيه، فقال: يقر بذلك، فيلزم في الظاهر، ثم يتفاسخانه في الباطن، ثم يرهنه بألفين، فيصح ظاهرًا وباطنًا، فإن امتنع أقام عليه الشهادة ولزمه الحكم في الظاهر" (٢). انتهى. وفيه إشكال من جهة أن إقراره أنه مرهون بألفين، وهو مرهون بألف كذب، فلا يظن بالشافعي تعليم هذه الحيلة، وإنما فرض مسألة، وذكر حكمها خاصة، وليس في كلامه غير ذلك، ويحمل كلام أبي إسحاق على أن مراده أن من كلام الشافعي يعرف هذا الحكم وبمعرفته تعرف الحيلة لمن قصدها على أن الذي يحاول ذلك قد يتخلص من الكذب بنوع من المجاز، كإطلاق الماضي على المستقبل ونحوه والشهود لا مطلع لهم على الإرادة. فرع قال النووي: "ولو مات وعليه دين مستغرق، فرهن الوارث التركة عند صاحب الدين على شيء آخر أيضًا، ففي صحته وجهان، بناء على القولين" (٣)، يعني: في رهن المرهون من المرتهن بدين آخر مع الأول.

стр. 1042

قلت: ينبغي القطع بأنه لا يجوز؛ لأن للميت حقًّا لتبرئة ذمته، فرهن التركة على شيء آخر كرهن المرهون من غير المرتهن، وهو ممتنع جزمًا، وليت شعري من يجوز ذلك إذا اقتضى الحال وفاء دين الميت والدين الآخر، وضاقت التركة عنهما ما يصنع إن قسمت بينهما ضاع حق الميت وبقيت ذمته مشتغلة، وهذا لا أعتقد أحدًا يقول به، وإن قضى دين الميت وبطل الآخر، فلا معنى لهذا الرهن، وهو غير موثوق به، ثم قوله: "وعليه دين مستغرق" إنما يحتاج إلى قيد الاستغراق إذا قلنا: إن الدَّيْن لا يتعلق إلا بقدره من التركة والصحيح أنه يتعلق بالجميع قل أو كثر. وقال الروياني: "لو رهن الوارث التركة في دين عليه، وعلى الميت دين، قال ابن سريج: وجهان؛ أحدهما: لا يصح؛ لأن غريم الميت تعلق بها. والثاني: يصح؛ لأنه ملكه ولم يعلق عليه حقًّا بعقده واختياره، والمذهب الأول، ولهذين الوجهين أصل، وهو إذا باع ماله بعد وجوب الزكاة، هل يصح في قدر الزكاة؟ وكذا بيع الجاني خطأ ورهنه؛ لأن الزكاة والجناية تعلقتا بغير الاختيار" (١). انتهى. وهذا الخلاف الذي نقله الروياني غير الذي نقله النووي؛ لأنه لا يختص برهنها من صاحب الدين، ويكون الوجهان اللذان ذكرهما النووي مفرعين على المذهب، وهو أنه لا يجوز للوارث رهنها من غير غريم الميت. وقال الروياني أيضًا: "إن الوصي بقضاء الديون لو رهن التركة عند بعض الغرماء لم يجز، وإن كان الغريم واحدًا إن رضى به الورثة جاز" (٢) وإلا

стр. 1043

فلا؛ لأنها ملكهم. وقوله: "جاز" محمول على رهنها بدين الميت وفيه نظر؛ لأنها مرهونة به ولعله فرعه على أن الدَّين الا يتعلق بالجميع، أو على أن التعلق تعلق جناية، وأن الجاني يرهن عند المجني عليه بأرش الجناية إن كان يجوز ذلك أو على أن التعلق تعلق غريم المفلس، فقد ظهر أن ما قاله الروياني في هذا وجه ضعيف. وقال فيما إذا صححنا رهن الوارث: "يقال له: إما أن تقضي الدين الذي على الميت من مالك، وإلا فسخنا الرهن، وقضينا منه دين الميت؛ لأن حقه سابق" (١). فرع تقدم أن الروياني قوى ما قاله الصيدلاني من قبول قول المرتهن، وهو المختار؛ واستدل له الروياني بما لو نكحها يوم الخميس، ثم نكحها يوم الجمعة، فالظاهر أنه ما نكح إلا بعد ما طلق، فلا يقبل قوله: إني ما طلقت بل جددت النكاح، ويلزمه المهران (٢)، وكما لو قال: اشتريت منك هذا الشيء يكون إقرارًا بأنه كان له من قبل. قلت: وهو كما قال ويزيد هنا شيء آخر، وهو أن الرهن جائز من جهة المرتهن، وقوله في الفسخ مقبول لا يحتاج إلى مساعدة الراهن، وبهذا يقوى جدًّا قبول قول المرتهن، وإنه أولى من دعوى تجديد النكاح، ولولا أن الشيخ أبا حامد، ومن بعده حكوا الوجهين لكنت أجزم به، وكل هذا تفريع على الجديد.

стр. 1044

فائدة: ذكر الشيخ أبو محمد في "السلسلة" هذه المسألة التي ذكرها المصنف في موضعين بعبارتين مختلفتين قال في أحدهما: إذا جنى المرهون ففداه المرتهن بشرط، ضم قدر الفداء إلى أصل الدين؛ ليكون رهنًا بهما من غير فسخ العقد الأول، ففي المسألة قولان على طريقة أكثر أصحابنا، وعلل الجواز بأنه جائز، فصار في التقدير كان الملك زال ثم عاد ورد عليه بأنه لو كان كالزوال والعود لوجب إذا كانت الجناية نصف العبد ففداه المرتهن أن نصفه رهن بقدر الفداء والنصف والباقي بأصل الدين، وذلك شيء لم يقله أحد من أصحابنا، بل قالوا: إن العبد على هذين القولين رهن بالدينين على الشيوع بحكم عقد واحد، والقولان ينبنيان على أن الرجل إذا مات عن مدبر لا مال له غيره، وفي رقبته جناية، ففداه الوارث من ماله، فلمن ولَّاه السيد أو الوارث؟! قولان. انتهى. وبما ذكره من النسبة إلى أكثر الأصحاب اعتضد ما اخترته من طريقة القولين. وقال في الموضع الآخر: إذا رهن رجل عبدًا عند رجل، فجنى في يد المرتهن، وقال المرتهن للراهن: إن شئت تطوعت بفدائه على أن يكون عبدي رهنًا بأرش الجناية وبالدين السابق، فتراضيا ولم يتفاسخا، فعلى قولين، وعلل تعلقه بهما بأن الرهن جائز من جهة المرتهن، فإذا رضيا بالتزايد جعل لفظ التزايد مشتملًا على فسخ واستئناف، وبهذه النكتة فارق البيع؛ لأنه لازم من الطرفين، وهما ينبنيان على أن المشرف على الزوال كالزائل اولًا، وفيه قولان مبنيان على ما إذا باع شجرة عليها ثمرة غير مؤبرة واستثنى الثمرة هل يحتاج إلى شرط القطع، وفيه قولان مبنيان على ما إذا

стр. 1045

دبّر عبدًا فجنى ومات السيد، وفداه الوارث، فالولاء له أو للميت؟! قولان إن قلنا: للميت، فلا تلحق الزيادة أصل الرهن. وإن قلنا: للوارث فتلحقه؛ لأنه أشرف على الزوال، فعلى هذه النكتة، يدور القولان في هذه المسائل. فرع قال الشافعي في "لأم": "إذا أقر بأنه رهنه رهنًا بعد رهن لم يفتك لم يجز الرهن" (١). انتهى. وإطلاقه قد يعتضد به تصديق الراهن، كما قاله البغوي، لكنه ليس صريحًا في تصوير المسألة. * * *

стр. 1046

قال: فصْل [في رهن الجاني] وفي رهن العبد الجاني قولان، واختلف أصحابنا في موضع القولين على ثلاث طرق؛ فمنهم من قال: القولان في العمد، فأما في جناية الخطأ، فلا يجوز الرهن قولًا واحدًا، ومنهم من قال: القولان في الخطأ، فأما في جناية العمد، فيجوز قولًا واحدًا. ومنهم من قال: القولان في الجميع وقد بينا وجوهها في البيوع. ذكر المصنف بيع العبد الجاني في باب الرد بالعيب في آخره، وذكر القولين والطرق كما هنا وشرحناه هناك، وذكرنا أن القولين في بيعه في "المختصر" (١) أحدهما: أن البيع جائز. والثاني: أنه مفسوخ. قال الشافعي: "وبهذا أقول، إلا أن يتطوع السيد بدفع الجناية أو قيمة العبد إن كانت جنايته أكثر كما يكون هذا في الرهن" (٢)، وذكرنا هناك أن بعضهم خرَّج قولًا ثالثًا، إن البيع موقوف إن فُدي نفذ وإلا بطل، وأخذ هذا

стр. 1047

من لفظ الشافعي المذكور، ورده الشيخ أبو حامد، وإن أصح الطرق الطريقة الثانية، وهي تخصيص القولين بجناية الخطأ، وأصح القولين بطلان البيع، ومحل الخلاف إذا تعلقت الجناية برقبته وباعه قبل الفداء، وقبل اختياره، وهو موسر؛ أعني: السيد، فإن كان السيد معسرًا بطل، وقبل على الخلاف، وإن كان بعد الفداء صح، وإن كان قبله، ولكن بعد اختياره. قال البغوي: يصح، ومقتضى إطلاق الماوردي أنه على الخلاف، وهو الحق ولو تعلقت الجناية بذمته جاز بيعه قطعًا، إذا تذكرت هذا جئنا إلى الرهن، والمنصوص فيه في الرهن المعلول في العبد أو الأمة تجني على آدمي جناية عمد أو خطأ، أو على مال آدمي فيرهنهما أنه إذا ثبت أنه جنى قبل الرهن، فالرهن باطل مفسوخ. وقال في موضع آخر: ويجوز رهن المرتد والقاتل، فمنهم من حمله على القاتل في الحرابة، ومنهم من جمع بين النصين، وأثبت في القاتل عمدًا قولين، ونصه في منع الرهن مصرح بالتسوية بين العمد والخطأ، ونصه في جواز رهن القاتل منصرف إلى العمد، ومقتضى هذا إثبات الطريقة الأولى أن في الخطأ يبطل، وفداء العمد قولين، والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ أجريا الطريقين الآخرين في الرهن، كما هما في البيع، كما فعل المصنف ويخرج من التسوية بين البيع والرهن أن في الرهن يصح في العمد دون الخطأ على الأصح، لكنه مخالف لما حكيناه من نصه في الرهن المعلول وموافق لما حكيناه في القاتل، والقول الذي حكيناه في البيع القائل بالوقف جاز في الرهن أيضًا، وكذلك ما ذكرناه من الفرق بين اليسار والإعسار والخلاف فيه، والماوردي قال: من تعلق أرش الجناية برقبته يبنى على أن الأرش تعلق بالرقبة ابتداء أو بالذمة، ثم بالرقبة، وفيه وجهان؛ أصحهما:

стр. 1048

الأول؛ لسقوطه بالموت. ووجه الثاني: أنه لو عتق لوجب أرشها في ذمته، فعلى الأول لا يصح رهنه، وعلى الثاني الأمر كذلك على الصحيح، وعلى قول مخرج يصح إن كان السيد موسرًا، ثم إن فدى السيد استقر رهنه، وإن بيع في الجناية بطل، وإن كان القتل يوجب القصاص. فإن قلنا: الواجب القود عينًا صح رهنه كالمرتد. وإن قلنا: أحد الأمرين فقولان؛ لأنه قد يعفو عنه. وقال الرافعي ﵀: "رهن الجاني مرتب على بيعه إن لم يصحح بيعه، فرهنه أولى وإن صح، ففي رهنه قولان، وفرقوا بينهما بأن الجناية العارضة في دوام الرهن تقتضي تقديم حق المجني عليه فإذا وجدت أولًا منعت من ثبوت حق المرتهن" (١). انتهى. ولا شك أن الرهن أولى بالبطلان من البيع إلا أن ما أشار إليه هذا الفرق من استلزام منع ثبوت حق المرتهن ابتداء ليس بالبين، وإنما يظهر ظهورًا كليًّا امتناع الابتداء بما يمنع الدوام والجناية لا تمنع دوام الرهن - أعني: لا تبطله وإنما تقدم عليه - وكذا هي في الابتداء مقدمة عليه، فَلِم قلت: إنها تمنع من صحته، والموانع منها ما يمنع الابتداء والدوام ومنها ما يمنع الابتداء فقط والقسمان كثير، ومنها ما يمنع الدوام دون الابتداء، وهو قليل كالقرابة تمنع دوام الملك ولا تمنع ابتداءه، والجناية خارجة عن القسمين الأخيرين، وكونها من الأول هو محل النظر، وقد يقال: إنها مانعة من الدوام بمعنى منعها من لزوم حق المرتهن بالنسبة إلى المجني عليه، ولكنا نقول: هي في الأول كذلك أيضًا؛ لأن حق المجني عليه لا يسقط بالرهن، وعند هذا قد ينازع فيما

стр. 1049

قدمناه من أن الرهن أولى بالبطلان من البيع، ويقال: إن البيع مُزيل للملك الذي تعلقت به الجناية بخلاف الرهن، ويجاب بأن الرهن، وإن لم يكن مزيلًا للملك، لكنه يعتبر فيه حصول التوثقة بالمرهون، وهي فائتة في الجاني، ومن ترتيب الرهن على البيع، وكون المذهب في الجاني عمدًا جواز بيعه يعلم أن في رهنه قولين لم يصحح الرافعي والنووي منهما شيئًا، ومما اشتهر: أن ما جاز بيعه جاز رهنه يقتضي جواز رهنه، وهو ما قدمنا أنه مقتضى كلام المصنف وغيره، وهو الذي قاله الرافعي في "المحرر"؛ لأنه قال: إن رهن الجاني كبيعه ويؤيده نص الشافعي على جواز رهن القاتل (١)، وحمل بعض الأصحاب له على المحارب لا يفيد؛ لأنه إذا جاز رهن من تحتم قتله في الحرابة، فالجاني عمدًا مع احتمال العفو أولى لكن قد يقال: إن الوثيقة لا تحصل به لتوقع قتله فأشبه المعلق عتقه بصفة تحتمل أن توجد قبل البيع بل هذا أولى بالمنع؛ لأن المعلق عتقه إذا بيع بطل التعليق، وهذا إذا بيع لا يبطل حق المجني عليه؛ فلهذا أقول: الذي يترجح أن الجاني عمدًا كانت جنايته أو خطأ لا يصح رهنه، كما هو ظاهر النص، ويتأيد بما ذكرته من المعنى ويكون الجاني عمدًا مما يستثنى من قولنا ما جاز بيعه جاز رهنه، ولم يفرق أحد هنا بين رهنه بالدين الحالِّ والمؤجل، بل أطلقوا كما أطلقوا في المدبر، ولم يسلكوا به مسلك ما يسرع فساده، ومسلك المعلق عتقه، ولا شك أنه أولى بالفساد، مما يسرع فساده، حيث نقول بفساده؛ لأن هناك يُجعل ثمنه رهنًا مكانه، وهو أشبه بالمعلق عتقه؛ لكونه حقًّا لغير المرتهن، فكيف يقال بصحة رهنه، والصحيح في المعلق عتقه بصفة محتملة المنع، وإن قيل هنا: يحتمل عفو المجني عليه، فهناك أيضًا

стр. 1050

يحتمل ألا توجد الصفة وإذا قلت هذا فيمن يحتمل العفو عنه، ففي المحارب إذا تحتم يحتمل أن يقال: إنه أولى بالمنع لتحتمه، ويحتمل أن يقال: أولى بالجواز؛ لأنه حق لله تعالى، ولهذا يصح بيعه في الأصح، وإن منعنا بيع الجاني، ولهذا حمل الأصحاب نص الشافعي بجواز الرهن عليه. التفريع: إن لم يصح رهن الجاني، ففداه السيد أو أسقط المجني عليه حقه، فلابد من استئناف رهن، وسواء أكان الأرش درهمًا والجاني يساوي ألوفًا، أم غير ذلك، نص عليه الشافعي والأصحاب وإن صححنا رهنه. قال المسعودي، والإمام (١)، والجوري: يكون السيد مختارًا للفداء كما لو باعه. وقال الشيخ أبو حامد، والماوردي (٢). والروياني (٣)، وابن الصباغ، وصاحب "العُدة" وغيرهم: لا يلزمه الفداء بخلاف البيع والعتق؛ لأن محل الجناية باق هنا، والجناية لا تنافي الرهن بل هو مخير بين فدائه وتسليمه للبيع في الجناية فإن فداه بقى الرهن وإلا بيع في الجناية وبطل الرهن إن استغرقه الأرش، وإلا بيع بقدره، واستقر الرهن في الباقي، وهذا الذي قاله هؤلاء أولى، وأصح مما قاله المسعودي والإمام والجوري، وأما إثبات الخيار للمرتهن في فسخ البيع المشروط فيه رهنه، ففيه تفصيل في "الحاوي" (٤) وغيره، إن كان عالمًا بالجناية، فلا خيار في الحال، فإن اقتص

стр. 1051

منه في طرفه بقى رهنًا، ولا خيار للمرتهن في البيع لعلمه بالعيب، وإن قتل قصاصًا. فإن قلنا: إنه من ضمان البائع، فله الخيار كما لو بان مستحقًّا وإلا فلا؛ لأنه معيب علم به. قلت: تقدم ثلاثة أوجه في التلف بجناية سابقة؛ أحدها: أنه كالاستحقاق عالمًا كان المشتري أو جاهلًا، فعلى هذا يظهر إثبات الخيار. والثاني: أنه من ضمان المشتري عالمًا كان أو جاهلًا، فعلى هذا لا خيار. والثالث: وهو الأصح أنه مع الجهل من ضمان البائع، ومع العلم من ضمان المشتري، فعلى هذا يظهر عدم الخيار هنا، لأنه علم به أيضًا، وإن عفا مستحق القصاص على مال، فإن فداه بقي رهنًا ولا خيار للمرتهن، وإن بيع للجناية بطل الرهن وفي الخيار الوجهان، وإن عفا عن القصاص سقط أثر الجناية. أما إذا كان جاهلًا بالجناية فإن علم قبل استقرار حكمها تخير، فإن فسخ، وإلا فيصير عالمًا وحكمه ما سبق وإن لم يعلم إلا بعد استقرار حكمها على قصاص طرف لم يبطل الرهن بالقصاص لكن للمرتهن الخيار. قلت: إنما يتجه الخيار إذا جعلناه من ضمان البائع، وهو الأصح وإلا فحكمه حكم المرتهن إذا اطلع على عيب الرهن بعد حدوث عيب عنده وقد سبق، والله أعلم. وإن كان قصاص نفس فقتل بطل الرهن، وفي الخيار الوجهان، وإن استقر حكمها على مال، فإن فداه كان كالعفو بلا مال وإن بيع بطل الرهن، وفي الخيار الوجهان، وإن عفا بلا مال سقط أثر الجناية ثم إن لم يتب العبد من الجناية وكان مصرًّا، فهذا عيب، فللمرتهن الخيار،

стр. 1052

وإن تاب فهل ذلك عيب في الحال وجهان؛ فإن قلنا: عيب فله الخيار وإلا فوجهان؛ أحدهما: يعتبر الابتداء فيثبته، والآخر ينظر إلى الحال هذا كلام صاحب "الحاوي" إلا ما نبهت عليه في أثنائه. فرع إذا قلنا: يصح رهن الجاني جناية توجب القصاص، ولا يصح إذا أوجبت مالًا، فرهن والواجب القصاص، وقلنا: هو الواجب عينًا فعُفي على مالٍ فهل يبطل الرهن من أصله، أو يكون كجناية تصدر من المرهون، حتى يبقى الرهن لو لم يبع في الجناية وجهان؛ اختار الشيخ أبو محمد أولهما (١)، ولو حفر العبد بئرًا ثم رهن، ثم تردى فيها إنسان، وتعلق الضمان برقبته، ففي تبين فساد الرهن وجهان، وجعل الرافعي هذه الصورة مرتبة على التي قبلها (٢). إن قلنا: العفو على مال بمنزلة جناية حادثة، فها هنا لا يبطل، وإن قلنا بالعفو على مال يبطل الرهن من أصله، فهنا وجهان والفرق أنه رُهن في الصورة الأولى، وهو جانٍ وهو مقتضى كلام "النهاية" (٣)، و "البسيط" ومقتضى كلام "الوسيط" (٤) مثله، وإن الاستناد إلى أول السبب في القتل أولى من حفر البئر؛ لأن القتل ناجز دون حفر البئر، ولا يغفل عن كون التفريع على امتناع رهن الجاني جناية تعلق الأرش برقبته، وإن فرض الصورة الثانية فيما إذا كانت الجناية كذلك، وكان حفر البئر في محل عدوان بغير إذن السيد، وإن تردى الإنسان فيها ليس بتقصير منه أو نفرضه

стр. 1053

في تردي بهيمة حتى لا يحتاج إلى هذا القيد. ومنشأ الخلاف في المسألتين، أنا هل نسند التعلق إلى أول السبب تنزيلًا للسبب إذا أفضى إلى المسبب منزلة المسبب، أو إلى حالة التعلق، اختيار الشيخ أبي محمد الأول، ونظره ابن الرفعة بخلاف في أن دية النفس إذا تحملتها العاقلة يكون ابتداء الأجل فيها من وقت الجرح أو من وقت زهوق الروح، والذي عليه الجمهور الثاني، وإذا صح هذا التنظير ينبغي أن يكون الأصح هنا أنه كجناية طارئة بخلاف ما قال الشيخ أبو محمد. وقال ابن الرفعة: "إنه الذي يقتضيه كلام القاضي حسين في باب صفة العمد؛ لأنه قال: لو حفر ذمي بئرًا في محل عدوان، ثم أسلم، ثم تردى فيها إنسان تجب الدية في ماله" (١)؛ قال ابن الرفعة: وهو قياس الوجه الثاني - يعني: القائل بجعلها كالجناية الطارئة؛ إذ قياس الأول أن تجب على عاقلته. فرع قال الروياني: "لو جنى عبد على مولاه ثم رهنه، وجوزناه كان رهنه إياه دليلًا منه على عفوه عنه، ذكره أصحابنا" (٢). فرع قريبٌ مما نحن فيه لو باع عبدًا وقبض ثمنه ومات وخلف تركة، فرهنها الوارث فرد العبد بالعيب، فأخذه الوارث وتلف في يده، وثبت للمشتري الرجوع بالدرك، هل يصح ذلك الرهن الذي عقده بالدرك الوارث؟ قال الروياني: "قال ابن سريج: فيه وجهان؛ أحدهما: يصح.

стр. 1054

والثاني: على الوجهين في رهن الوارث التركة قبل قضاء الدين؛ لأن هذا الحق، وإن تجدد تعلقه فإن سببه كان من الميت قبل وفاته، وكذا الحكم في كل حق تجدد تعلقه بالتركة، وقد تصرف الوارث فيها مثل إن حفر بئرًا ثم مات، وتصرف الوارث ثم وقع في البئر بهيمة كان الدرك في التركة، وهل يصح ذلك التصرف على وجهين، فإذا صححنا الرهن قيل: إما أن تقضي هذا الدين من مالك وإلا فسخنا تصرفك؛ لأن سببه كان سابقًا" (١). * * *

стр. 1055

قال: فصل [في رهن ما لا يقدر عليه] ولا يجوز رهن ما لا يقدر على تسليمه، كالعبد الآبق والطير الطائر؛ لأنه لا يمكن تسليمه ولا بيعه في الدين، فلم يصح رهنه. هذا لا خلاف فيه، وهو غني عن الشرح، وقوله: لا يمكن تسليمه ولا بيعه في الدين؛ تنبيه على أن التسليم مقصود في الرهن الآن وشرط في لزومه والبيع في الدين مقصود في ثاني حال، وكلاهما منتفيان وأحدهما يكفي في البطلان، فكيف إذا اجتمعا؟ * * *
следующие страницы →