← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وأما إذا قلنا: إنها بيع، فإن طلبها الشريك الذي لم يرهن ولم يرض برهن شريكه أجيب، وإن طلبها الراهن أو الشريك الذي رضي، فإن لم يرض المرتهن لم يجبر، وإن رضي فعلى ما سبق أن الإمام يمنعه، والأصحاب مقتضى كلامهم جوازه، وقد عرف بما ذكرناه أن الشريك الذي لم يرض بالرهن يجاب إذا طلب القسمة قولًا واحدًا، سواء قلنا بأنها بيع أم إفراز وسواء حصل بها نقص أم لا. وقد ذكر ابن الرفعة في "الكفاية" ما إذا رهن من شخصين وقضى دين أحدهما وأراد المقاسمة وحكاية الوجهين فيها من "المهذب"، ثم قال: "والخلاف يجري فيما إذا رهن ما يخصه من شيء مشاع، وأراد الشريك والراهن القسمة، والأظهر أن المرتهن لا يجبر على ذلك" (١). انتهى. وهذا التخريج غير مقبول لثبوت الفرق، فإن الشريك الذي لم يرهن لم يلتزم للمرتهن شيئًا، وحقه في الاستقسام ثابت قبل المرتهن، فكيف يمنع بسببه، وأما الراهن، فقد التزم حكم الرهن، وأنه لا يباع ولا ينقص، فيجب عليه الوفاء به، والقول بإجابته إلى المقاسمة إذا قلنا: القسمة إفراز أو لم يحصل بها تنقيص لا شك فيه، ولا يخالف فيه، وأما إذا قلنا: إنها بيع، فلا وجه له. وإذا قلنا: إنها إفراز وحصل بها تنقيص، فالوجه أنه لا يقال به وفي كلام بعضهم ما يقتضي القول به، وأنه يحتمل هذا التنقيص، وهو بعيد، فقد بان مأخذ الخلاف في الراهن دون الشريك الذي لم يرض لا يجوز إثبات خلاف فيه، ولم نر في كلام أحد من الأصحاب تعرض له في غير مسألة البيت من الدار، إلا في كلام ابن الرفعة الذي حكيناه الآن عن "الكفاية"، وكأنه

стр. 982

خرجه من عند نفسه، ولا يقبل للفرق المذكور، ولو نقله عن غيره رددناه بذلك أيضًا، هذا ما تحرر لي في هذه المسألة، فاعتمده ولا تعدل عنه ولا تمل من طول الكلام إذا حصلت هذه الفائدة الجليلة، التي لا توجد في غير هذا الكتاب، وأما قول الإمام: إن كنا نرى إجراءها في المرهون، فإنما أشار بذلك إلى مسألة الراهنين، إذا فك أحدهما نصيبه أو الراهن وأحد المرتهنين إذا انفك نصيب الآخر، وبالجملة: هذا التحرير الذي قلناه صفوة مجموع الكلام مع صحة النظر، فاشدد عليه يديك. فرع إذا صححنا الرهن واتفقت القسمة كما قدرناه وخرج البيت في نصيب الشريك الذي لم يرهن، فقد قدمنا كلام المصنف، والإمام فيه، وأشار صاحب "العدة" إلى موافقة المصنف فإنه قال: والثاني: لا يجوز؛ لأن الشريك ربما قاسم الراهن، فيقع هذا البيت في نصيبه، فيكون ذلك ضررًا عليه. انتهى. وليس صريحًا، وبالجملة هو مشكل؛ لأنَّا إن قلنا: القسمة إفراز، فقد تبين أن البيت ملك الذي لم يرهن، فلا رهن. وإن قلنا: بيع فهي بمنزلة أخذ الشفيع المرهون، ولا نعلم أحدًا يقول: يبقى رهنًا عند الشفيع، فلا يمكن القول بذلك، وكأنه تخيل أن هذا حق على الشقص، فينتقل بهذه الصفة، ولا نجعل الإفراز بمعنى التبين بل بمعنى إنشاء ملك الآن، وتخصيص للملك الذي كان شائعًا، فإذا رضي المقاسم به بصفته وهو كونه مرهونا يحصل له كذلك ولا ينقض تصرف الراهن؛ لأنه حصل، وهو مالك، وهذا تمحل، والأسبق إلى الفهم أنه لا يكون مرهونًا، بل يبطل الرهن.

стр. 983

وقد صرح المصنف (١) والبغوي (٢) "أن المشتري إذا رهن الشقص أن الشفيع يفسخ الرهن" فكما يفسخ الشفيع الرهن يفسخه الشريك أيضًا؛ لأن كلًّا منهما حقه سابق على الرهن، والموجب لحقهما هو الشركة، وللمصنف أن يحتج بما قدمناه من أن حق الشفيع أقوى، فلذلك تسلط على فسخ الرهن، ولا كذلك حق القسمة، ويؤيده أن الماوردي قال فيما إذا اختلف المتبايعان وقد رهن المشتري المبيع، فتحالفا وتفاسخا. قال الماوردي: "جاز ولم ينفسخ الرهن، وهل له أن يأخذ المشتري بفكاكه قبل محله؟ على وجهين، كمن أذن لغيره في رهن عبده، فإن بيع في الرهن ضمن المشتري قيمته للبائع، وإن افتكه منه رده على بائعه وبرئ من ضمانه" (٣). انتهى. وفي كلام غيره من الأصحاب ما يقتضي أن الصحيح خلافه، بل إما أن يورد الفسخ على القيمة، وإما أن يصير حتى ينفك الرهن، والذي قاله الماوردي وجه منقول، وهو موافق لما يقوله المصنف هنا، فإن المقاسمة تقتضي نقل الملك، كما يقتضيه الفسخ، فكما لم ينفسخ الرهن هناك لم ينفسخ هنا، ويكون في مطالبة المقاسم للراهن بانفكاك ما ذكره الماوردي من الوجهين، ومستند عدم المطالبة أنه رضي بذلك، بل أقول: إن هنا أولى من التحالف؛ لأن في التحالف له طلب القيمة، فلا يضره ترك الفسخ، وهنا جوزنا له القسمة، وهي واردة على عين المرهون، فلم يبق إلا انتقال الملك إلى الشريك، فكما أنا في التحالف لا نقول بانتقال الملك مع انفساخ الرهن

стр. 984

هذا لم يقل به أحد، بل اتفقوا على بقاء الرهن كذلك هنا؛ لأنه حق ثبت من أهله في محله، فلا ينفسخ بما طرأ عليه من تملك العين، ويلزم الإمام أن يجري الاحتمالين اللذين ذكرهما هنا في التحالف أو يفرق. فإن قلت: الفرق ظاهر؛ لأن الفسخ بالتحالف سببه حادث بعد الرهن وهو الاختلاف والتحالف؛ فلم يتسلط على إبطال تصرف سابق عليه، وسبب تملك المقاسم حق الشركة، وهو سابق على الرهن. قلت: هذا صحيح، لكن المقصود أن ما قاله المصنف محتمل أيضًا ليس بمردود، على أنه قد يقال: إن حق المقاسم حادث بالطلب أو حق الفسخ بالتحالف سابق لاستناده إلى العقد، ولو راعينا أن حق الشركة سابق وقلنا: إنه يتسلط به على فسخ الرهن؛ لأفضى ذلك إلى بطلان الرهن من أصله كما يتسارع إليه الفساد، وكالمدبر والمعلق عتقه، بل هذا أولى بالبطلان؛ لتسلط الغير عليه، فالوجه أن يقال: إن الشريك بمقاسمته إنما يتجدد حقه بالطلب، وجوزنا الرهن؛ لأن الأصل الغالب أنه لا يطلب بخلاف ما يتسارع إليه الفساد، ولا حق له الآن بخلاف المدبر والمعلق عتقه، ثم إذا طلب وقاسم، كأنه رضي بأخذه مرهونًا. هذا ما ظهر لي في تقرير كلام المصنف مع صعوبته، وعلى كل حال هو أولى من الاحتمالين اللذين قالهما الإمام؛ لأنه منقول، وقد قيل به في التحالف وهي قريبة من المسألة أو مثلها، وما قاله الإمام ليس بمنقول ولا هو جازم به، فإن صح ما قاله المصنف بطل الاحتمالان اللذان قالهما الإمام؛ لأن محلهما عند فوات الرهن، وإن بطل ما قاله المصنف، بقي النظر في الاحتمالين المتقدمين عن الإمام، وأصحهما عندي أنه كالتالف، فلا يغرم الراهن شيئًا؛ لأنا إن سلطنا الشريك على فسخ الرهن، كما نقلناه

стр. 985

عن "المهذب" (١) و "التهذيب" (٢) من أن الشفيع يفسخ الرهن فظاهر، فإنه يقتضي ارتفاع أثر الرهن وإن قلنا: لا يتسلط على الفسخ ولكن يتملكه مع بقاء حكم الرهن، فوجب أن يكون كجناية تطرأ على المرهون، فيحكم بالانتقال إلى بدلها، ولو كان مثله لوجب أن يحكم بأن نظير الحصة مما أفرز للراهن رهن، ولم يقل الإمام ولا غيره به مع أنه البدل الذي حصل عن الرهن، فالقول بإيجاب القيمة لا وجه له، وإن رجحه الإمام والرافعي والنووي، وكلا الاحتمالين ليس بمنقول، وإنما هو من فقه الإمام، فلا علينا في مخالفته وقواعد الفقه والمذهب ومساعدة المنقول يقتضي ما قلناه وهو أحد احتماليه دون ما رجحه، وإن كان الأرغياني في "فتاوى النهاية" وافقه على ترجيحه فهو تبع له، وإذا لم تجد في المسألة نصًّا عن الشافعي والأصحاب؛ وجب النظر فيما تقتضيه القواعد والدليل وهو معنا، وأما كون الراهن لا يتعلق بالبدل الحاصل للراهن بالقسمة، وإن أحدًا من الأصحاب لم يذهب إلى ذلك، فلأن هذا ليس بدلًا شرعيًّا، كضمان المتلفات؛ إذ لو كان كذلك لانحصر في المثل أو القيمة، ونحن إنما نقول بتعدي الرهن إلى بدل المتلف؛ لأنه قائم مقامه شرعًا، ولا كذلك الحاصل بالقسمة، وإنما هذا تصرف أوجبه الشرع على الشريكين لرفع الضرر، كما في الشفعة بأخذ الشقص بثمنه لا بقيمته، ولم يقل أحد: إن الرهن يتعدى إلى ثمنه، لكن قد سبق الفرق بينه وبين الشفيع، فلا مانع من جريان الاحتمال المذكور، وإن سكت عنه الأصحاب، وسبب سكوتهم أن هذه المسألة قلَّ من تكلم فيها، وليت شعري ما نقول، فما لو رهن نصف دار شائعًا، ثم تقاسم الراهن والشريك، هل يبقى النصف المقرر للراهن كله رهنًا أو يبطل الرهن في

стр. 986

نصفه، ويكون كالتالف أو يضمن الراهن قيمته، كما يقوله الإمام في المسألة السابقة، أو ينتقل نصفه رهنًا، كما قاله المصنف في تلك المسألة، ولم أعثر للأصحاب في ذلك على كلام، والقياس يقتضي أن يقول: إن قلنا: القسمة إفراز، فالنصف المفرز للراهن رهن بحاله لا إشكال فيه. وإن قلنا: بيع فهو على الاحتمالات الثلاثة احتمال الإمام، وقول المصنف وإنما يصح على قول البيع أن يبقى النصف المفرز للراهن رهنًا لو قيل بأن الثمن رهن ولا شك أنه محتمل، ولكن الأصحاب لم يذكروه في مسألة البيت، وينبغي أن يضاف إليها، وتكون أربعة، وأوجهها وأفقهها عندي إن لم يثبت ما قاله المصنف أن يكون كالتالف، إلا أن نقول: إن القسمة إفراز، فيبقى النصف هنا رهنًا، وأما في مسألة البيت فلا يأتي، لأنه لا يمكن أن يفرز نصف البيت في غير البيت. فرع عرفت بما سبق من البحث أن حق الاستقسام يحتمل أن يقال: إنه موقوف على الطلب أو ثابت قبله، ويترتب على هذا البحث بحث نفيس يجب النظر فيه، وهو أن أحد الشريكين إذا وقف حصته، فقد يقال: إذا كان حق الاستقسام متقدمًا، ينبغي أن يتمكن الشريك من إبطال الوقف كما للشفيع، وهذا مأخذٌ آخر لقسمة الوقف مع الملك غير الذي لحظه الروياني والنووي، لكن الذي يظهر أن حق الاستقسام ولو كان متقدمًا لا ينهض بهذا لانحطاطه عن حق الشفيع، وفي الجملة ينبغي النظر في ذلك وإمعان الفكر فيه. فرع لو كانت الدار لا تحتمل القسمة؛ صح الرهن وجهًا واحدًا في نصف بيت منها لا ينقسم.

стр. 987

قال: فصْل [رهن مال الغير] ولا يجوز رهن مال الغير بغير إذنه؛ لأنه لا يقدر على تسليمه ولا على بيعه في الدين، فلم يجز رهنه كالطير الطائر والعبد الآبق. رهن مال الغير بغير إذنه كبيعه بغير إذنه فيه قولا وقف العقود، فقد صرح الإمام بأن القولين جاريان في كل عقد يقبل الاستنابة (١) والقول بجوازه موقوفًا، قول قديم لا يعرفه أكثر العراقيين، ولم يذكره المصنف في البيع، وكذلك هنا مشى على طريقته، وقطعه بالقول الجديد الصحيح المعروف عند جميع الأصحاب، واستدل المصنف في البيع لمنع بيعه بقوله ﷺ : "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" (٢) ولمنع بيع الطير الطائر والعبد الآبق بنهيه ﷺ عن بيع الغرر (٣)، والرهن ليس فيه نص على واحد منهما أعني رهن مال الغير، ورهن الطير الطائر، والعبد الآبق، ورهن مال الغير مختلف فيه كبيعه على ما أشرنا إليه، ورهن الطير الطائر لا يعرف فيه خلاف كبيعه، فإنه لا يعرف

стр. 988

فيه خلاف أيضًا، فكان قياسه عليه أولى من قياس رهن مال الغير على بيعه؛ لأن الأصل مختلف فيه، فالذي اعتمده المصنف أولى، ولولا ذلك لكان قياس الرهن على البيع؛ لكونه ثابتًا بالنص العام أولى؛ وبهذا تنبه على أن القياس على المجمع عليه أولى من القياس على ما ثبت بدلالة العموم ولا شك في ذلك؛ لأن دلالة العموم أضعف من دلالة الإجماع بالإجماع. فإن قلت: المصنف جعل الجامع بين الأصل والفرع؛ كونه لا يقدر على تسليمه ولا بيعه والأول: حِسي مُسَلم. والثاني: شرعي ممنوع عند من يقول ببيع الفضولي، فلم لا استغنى عن ذكره بالأول، وسلم من هذا الاعتراض؟! قلت: لا يستغنى عنه ولا يرد عليه الاعتراض، أما الأول؛ فلأن مقصوده التنبيه على أن الرهن يتبع البيع؛ لأن المقصود منه لوفاء الدين، وأما دفع الاعتراض؛ فلأنه لم يقل لا يقدر على بيعه مطلقًا، وإنما قال: لا يقدر على بيعه في الدين، ولا شك أن من قال ببيع الفضولي لا يبيح له التصرف، وأن يوفي ثمنه في دينه، بل هو موقوف على إجازة المالك، وكلا الوصفين موجود في الطير الطائر والعبد الآبق، وقد أفهم كلام المصنف إن رهن مال الغير بإذنه جائز، وهذا المفهوم معمول بعمومه هنا - أعني: سواء رهنه بدين صاحبه أم بدين نفسه - والصورة الأولى: هو وكيل محض لا اختصاص له بهذا الباب، بل جاز في البيع وغيره، والصورة الثانية: لا يجوز مثلها في البيع، وهي أن يبيع مال الغير بإذنه لنفسه، والفرق أن البيع تمليك بعوض، فلا يجوز أن يملك هو الثمن والمثمن ليس له. أما الرهن فاستيثاق، والاستيثاق يحصل بما لا يملك، كما يحصل بالكفالة والإشهاد، ولو أذن من عليه الدين للمالك في أن يرهن عبده بدينه،

стр. 989

ففعل صح، وكان السيد نائبًا عن المديون في الرهن، كما لو أعاره فرهن بنفسه، قاله البغوي بمعناه (١). * * *

стр. 990

قال: وإن كان في يده مال لمن يرثه، وهو يظن أنه حي فرهنه أو باعه، ثم بان أنه قد مات قبل العقد، فالمنصوص أن العقد باطل؛ لأنه عقد وهو لاعب، فلم يصح. ومن أصحابنا من قال: إنه يصح؛ لأنه صادف ملكه، فأشبه إذا عقد، وهو يعلم أنه ميت. النص المذكور قاله الشافعي في "الأم" في باب الرهن بجمع الشيئين المختلفين قال: "ولو أن رجلًا له أخ هو وارثه فمات أخوه فرهن داره وهو لا يعلم أنه مات، ثم قامت البينة أنه كان ميتًا قبل رهن الدار كان الرهن باطلًا ولا يجوز الرهن حتى يرهنه وهو مالك له ويعلم الراهن أنه مالك، وهكذا لو قال: قد وكَّلت بشراء هذا العبد، فقد رهنتكه إن كان اشترى لي فوجد وقد اشترى له لم يكن رهنًا، فإن قال المرتهن: قد علم أن قد صار له بميراث أو شراء قبل أن يرهنه أحلف الراهن، فإن حلف فسخ الرهن، وإن نكل، فحلف المرتهن على ما ادعى ثبت الرهن، وكذلك لو رأى شخصًا لا يثبته، فقال: إن كان هذا فلانًا، فقد رهنتكه لم يكن رهنًا، وإن قبضه حتى يجدد له مع القبض أو قبله أو بعده رهنًا، وهكذا إن رأى صندوقًا، فقال: قد كان فيه ثياب كذا لثياب يعرفها الراهن والمرتهن، فإن كانت فيه فهي لكل رهن، فلا يكون رهنًا، وإن كانت فيه، وكذلك لو كان الصندوق في يدي المرتهن وديعة وفيه ثياب، فقال: قد كنت جعلت ثيابي التي كذا في هذا الصندوق، فهي رهن، وإن كانت فيه ثياب غيرها أو ثياب معها، فليس برهن، فكانت فيه الثياب التي قال: إنها رهن لا غيرها، فليست برهن، وهكذا لو قال: قد

стр. 991

رهنتك ما في جرابي، وأقبضه إياه والراهن لا يعرفه لم يكن رهنًا، وهكذا إن كان الراهن يعرفه والمرتهن لا يعرفه، ولا يكون الرهن أبدًا إلا ما عرفه الراهن والمرتهن وعلم الراهن أنه ملك له يحل له بيعه" (١). انتهى. وقد اشتمل على المقصود وزيادة فوائد، وما ذكره الشافعي من اختلاف الراهن والمرتهن في العلم إن كان في الصورة الأولى، وهي إذا جزم بالرهن، فينبغي أن يتخرج على دعوى الصحة والفساد، والأصح أن القول قول مدعي الصحة، فيكون هذا النص على قبول قول مدعي الفساد، أو نخصه بما كان الأصل يعضده، كما قاله القاضي حسين في اختلافهما في رؤية المبيع، وإن كان في الصورة الثانية وهي صورة التعليق، فحكمه بثبوت الرهن إذا نكل الراهن، وحلف المرتهن يقتضي أن التعليق لا يقدح في ذلك مع العلم؛ لأنه لا معنى للتعليق مع العلم، فهو في حكم التنجيز، والتنجيز مع العلم صحيح، واقتضى كلام المصنف أن النص في البيع والرهن جميعًا، وهذا النص الذي ذكرته في الرهن، ولعله نص على البيع في موضع آخر، وقد نقله الشيخ أبو حامد في هذا الباب، فقال: المنصوص أن بيعه لا يصح. وفيه وجه: أنه يصح، ونقله الشيخ أبو حامد أيضًا في باب الوصية بالمكاتب كتابة فاسدة، وهو لا يعلم فساد الكتابة، وهي الأصل لهذه المسائل نص الشافعي على قولين؛ أحدهما: أن الوصية صحيحة؛ لأن ملكه لم يزل عنه. والثاني: أن الوصية باطلة؛ لأنه أوصى بما لا يعتقد أنه ملكه، فلم يصح وإن صادف ملكه قال الشيخ أبو حامد كما قال الشافعي: إذا باع عينًا يعتقدها

стр. 992

ملك أبيه، فبان أنها ملكه؛ لأنه قد كان ورثها لم يصح البيع، وابن الصباغ وغيره من العراقيين والمراوزة أطبقوا على نقل قولين في صورة البيع، كما هما في الكتابة، وحكى الماوردي القولين أيضًا في البيع في باب الكتابة، وجزم في باب الوكالة بالفساد، فكأنه مع إثبات القولين رجح القول بالفساد، والبندنيجي وافق المصنف في أنه المنصوص، وذكر الشيخ أبو حامد هنا عن الوجه القائل بصحة الرهن أنه ليس بشيء، وذكر الروياني "أنه قول مخرج" (١)، وأدرج الإمام هذه المسألة في وقف العقود، وذلك يشير إلى أن القول بالصحة فيها قديم، وإن الجديد البطلان لكنه في باب الوكالة حكى أن الشافعي نص عليهما في الجديد. وقال في البيوع: "وللشافعي في الجديد مرامزُ إلى القولين في هذا النوع" (٢)؛ فلذلك أن أكثر الأصحاب أطبقوا على القولين، ومختار المزني منهما الصحة (٣)، وإن كان المصنف ما نقله إلا نقل الوجوه، وتبع ابن أبي عصرون ذلك، فصحح البطلان، والرافعي صحح الصحة (٤) وهو أقوى في المعنى؛ لأن كونه ملك الغير لا ينافي قصد البيع؛ ولذلك يتردد في بيع الفضولي، فحقيقة البيع معلومة يمكن قصدها ولكن الشارع لا يصححها إلا في ملك، فإذا وجد الملك صح واشتراط العلم معه لا دليل عليه، وقول المصنف: إنه لا عبء إن أراد به لم يقصد معنى البيع، فممنوع وإن أراد أنه لا عبء بذلك، فلا ينافي الصحة. قال الرافعي: "ولا يبعد تشبيه هذا الخلاف بالخلاف في أن بيع الهازل هل ينعقد، وفيه وجهان" (٥).

стр. 993

قلت: والأصح منهما الصحة، وما نحن فيه أولى بالصحة منه؛ لأن الهازل قد لا يقصد المعنى بالكلية، وهنا قصد المعنى؛ لدلالة لفظه عليه، وكونه يعتقده للغير لا يصلح معارضًا بدليل قصد الفضولي. نعم، إن فرض أنه أتى بذلك على صورة الهزل ينضم إليه خلاف الهازل. والصحيح الصحة أيضًا وشبه أيضًا ببيع التَّلْجِئة وهو أن يخاف من سلطان أو غيره فيقول لصديقه: أبيعك على أن ترد علي إذا أمِنت حتى أقول: إني بعته، وإذا بعتك لا ينعقد البيع، ويسمى بيع الأمانة، والصحيح فيه الصحة أيضًا، وشبه أيضًا بالمعلق؛ لأن هذا التنجيز مع ظن عدم الملك في معنى التعليق، وهذا التشبيه لو صح ترجح البطلان، لكنه ممنوع من جهة أن التعليق لا يقتضي الانعقاد الآن، وهذا التنجيز يقتضي الانعقاد الآن، ولكنه يظن أن الشرع لا يصححه له، وعند هذا نقول: إن للمسألة ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقصد حقيقة البيع، كما يقصده الفضولي في بيع مال الغير، وها هنا قول الصحة ظاهر قوي وتشبيهه بالهزل والتعليق ليس بشيء. الحالة الثانية: أن يقصد بذلك الكلام الاستهزاء وعدم الحقيقة، فهذا هو الهزل وقول الفساد في هذه الحالة محتمل باطنًا، ولكنا نتمسك بدلالة لفظه ظاهرًا؛ إذ لا دليل على ذلك إلا اعتقاد عدم الملك، وهو محتمل للحالة الأولى، فيحمل عليها عملًا باللفظ. الحالة الثالثة: أن يقصد تحقيق البيع عند موت مورثه، وهي كالحالة الثانية وأولى بالفساد لكن إلحاقها بالحالة الأولى عملًا بمدلول اللفظ أولى. فإن قلت: يمكن النزاع في الصحة في الحالة الأولى أيضًا، والفرق بينه وبين الفضولي أن الفضولي يقصد نقل الملك عن غيره ويصحح ذلك إذا

стр. 994

أجازه المالك، فالذي صححناه بالإجازة هو الذي قصده بالبيع، وها هنا الذي يصححه نقل الملك عن نفسه، ولم يكن مقصودًا له حالة البيع. قلت: اشتركا في قصد تحصيل الملك للمشتري، وأما خصوص المنتقل عنه، فلا أثر له على أن الفضولي لا يختص بما إذا قصد البيع عن الغير، فقد ذكر الأصحاب إذا غصب أموالًا وباعها وذكروا فيها قولي وقف العقود، وإن كان الغاصب قد بيع عن نفسه، بل هو الغالب، وقصدي أن اعتقاد كونه للغير لا يمنع من قصد حقيقة البيع، وليس بلاعب بل جادٍّ مرتكب محرمًا، وذلك لا يمنع الصحة إذا وجدت شروطها. فإن قلت: تصحيحكم لبيع الهازل مخالف لمفهوم قوله ﷺ : "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ". وهو حديث رواه أبو داود (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي فيه: حسن غريب وفي رواية أخرى: "والعتق" بدل: "الرجعة" (٤). وقد ذكر بعض الناس أن هذا الحديث ليس منه شيء على شرط الصحيح، ولا ينافي ذلك تحسين الترمذي، فهو حجة ومفهومه أي: ما سوى الثلاث هزلهن ليس بجد، فلا يصح. قلت: مفهوم العدد ليس بحجة على المختار، ولو قيل بأنه حجة، فيكفي في المفهوم إخراج ما يفتقر إلى القصد على وجه الجد، ويقاس على النكاح والطلاق والرجعة ما في معناها من العقود والتصرفات، وبهذا يتبين أن الأرجح فقهًا الصحة، وأما الأرجح نقلًا، فقد عرفته من النص، والظاهر أنه

стр. 995

لا فرق في جريان القولين بين البيع والرهن، وكيف لا؟! وقد ثبت القولان في الوصية كما ذكرنا في الوصية بالمكاتب؟! وذلك مما يقتضي جريانهما في الرهن من غير توسط نقلهما إلى البيع، وأجراهما الرافعي في بيع من ظن آبق أو مكاتب، فبان أنه رجع وفسخ الكتابة (١)، وقياسه أن يجريا في رهنهما، وكذلك أجراهما الإمام (٢) والرافعي (٣) فيما إذا زوج أمة أبيه على ظن أنه حي، فبان موته، وفيه إشكال؛ لأنهم احتاطوا في النكاح، وقالوا: لو تزوج خنثى وبان رجلًا لم يصح جزمًا، وكذا لو تزوج من يشك في كونها محرمة عليه، فكيف يصح هنا مع الشك؟! وأجراهما ابن الصباغ في الإبراء، كما إذا كان له على رجل مائة، فأبرأه من مائة، وهو لا يعلم أنها له عليه (٤)، على ما حكاه في كتاب الصداق، وهو من جهة كون الإبراء يصح من المجهول على رأي أولى من البيع بالصحة، لكن يعارضه إن قصد إسقاط المعدوم أو تمليكه لا يتحقق بخلاف ملك الغير، فيظهر هاهنا تشبيهه بالهازل، وأجراهما البندنيجي في كتاب الصداق، فيما إذا طلق امرأة، وجهل أن له زوجة، ثم بان أنها زوجته، وحكى الإمام (٥) والرافعي (٦) عن الإمام أيضًا في أول نكاح المشركات أن بعض الأصحاب أجراهما فيما لو أعتق عبد أبيه على ظن كونه حيًّا، فبان ميتًا، وأظنه البندنيجي، والمشهور القطع بنفوذ الطلاق والعتق وعدم تخريجهما على القولين، وذكر الإمام في

стр. 996

كتاب الرجعة "أنه لو باع عبدًا على ظن أنه ملك الغير، فبان ملك نفسه صح؛ لأن الجهل لم يستند إلى أصل، ولو باع مال أبيه على ظن أنه حي، فبان ميتًا فقولان. وجه المنع أن الجهل يستند إلى أصل وهو بقاء ملك الأب" (١) فقوي. انتهى. والذي قاله لا يخلو من نظر؛ لأنا قدمنا من نص الشافعي التصريح بأنه لا بد من العلم (٢) وذلك يقتضي البطلان سواء استند الجهل إلى أصل أم لم يستند فالصواب إثبات الخلاف لكنه أولى بالصحة مما إذا استند الجهل إلى أصل، بل أقول: إن الأصل عدم ملكه لذلك العبد، فجهله مستند إلى أصل، وإن كان لا يعين مالكه، ولو باع مال أبيه على ظن أنه لنفسه، فبان أن أباه قد مات قبل البيع قال الشيخ أبو محمد: "صح قولًا واحدًا"؛ حكاه الإمام عنه في باب مداينة العبيد ثم قال: "وهذا الذي ذكره مع حسنه محتمل" (٣). قلت: وإذا كان الإمام يقول فيما إذا جهل الملك ولم يستند جهله إلى أصل أنه يصح، فكيف يبدئ ها هنا احتمالًا وهذه الصورة أولى بالصحة، لكن قطعه هناك ليس بمعتمد، كما قدمناه واحتماله هنا إذا فرض الظن غير مستند إلى سبب، فهو قوي ظاهر، ويعتضد بقول الشافعي: أنه لابد من العلم، فيجري فيها القولان، وأما إذا استند الظن إلى سببٍ كإخبار عدل ونحوه، فيظهر ها هنا القطع بالصحة، كما ادعاه الشيخ أبو محمد؛ لأن ذلك قائم مقام العلم، هذا كله إذا لم يجر تعليق، أما إذا قال: إن كان أبي قد مات فقد بعتك ماله، ففيه القولان لكن بالترتيب وأولى بالبطلان أعني إن

стр. 997

قلنا بالبطلان في التنجيز، فها هنا أولى، وهو الذي قدمناه عن نصه، وإن قلنا بالصحة فهنا وجهان لمكان التعليق، وينبغي أن يكون أصحهما الفساد، فإن قلت: بل ينبغي أن يكون أصحهما الصحة لما تقدم من نصه أنه إذا حلف المرتهن بعد نكول الراهن على العلم يثبت الرهن ولم يجعل التعليق قادحًا في ذلك، وكذلك ما قاله صاحب "التهذيب" (١) في النكاح فيما إذا بُشِّر، فقال: "إن صدق المخبر، فقد زوجتكها أنه يصح"، وحمله الرافعي على ما إذا تيقن صدق المخبر (٢)، فإذا احتمل التعليق في هاتين الصورتين لم لا يحتمل في الصورة المذكورة لحصول الشرط، وهو الملك في نفس الأمر؛ إذ التفريع على الاكتفاء به وأنه لا يشترط العلم. قلت: نحن وإن لم يشترط العلم، لكنا نشترط الجزم بالعقد، والتعليق على الأمر المحتمل قادح في الجزم، ومخرج للفظ عن دلالته على الجزم بالعقد بخلاف إذا ورد العقد من غير تعليق، فإنه جازم به، وبخلاف التعليق مع العلم بوجود المعلق عليه، فإنه لا ينافي الجزم، بل لا يصح حقيقة التعليق مع العلم وما ورد منه يكون مما وضعت فيه "إن" موضع "إذ" ومسألة النص محمولة على ذلك، ومسألة صاحب "التهذيب" إن كانت كما حملها الرافعي عليه، فهي من ذلك أيضًا، وادعى الرافعي أن كلام "التهذيب" يجب أن يكون مفروضًا في ذلك (٣)، وهو بالنسبة إلى المذهب صحيح؛ لأن التعليق على المشكوك فيه قادح لكن قد يكون صاحب "التهذيب" يغتفر التعليق الذي من ضرورة العقد، فإنه إذا أجرى القولين في تنجيز النكاح، كما ذكره الرافعي فيما إذا زوج أمة أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت لا

стр. 998

يبعد أن يجري القولين في التعليق فيه؛ تفريعًا على صحة التنجيز ولعل صاحب "التهذيب" يختار الصحة في التنجيز والتعليق معًا، لكنه بعيد، إنما نزعنا في وجوب حمل كلام صاحب "التهذيب" عليه حتى لا يكون في التعليق عند الشك خلاف. نعم، إن كان الأصحاب متفقين على أن القولين لا يجريان فيما إذا زوج أخته على ظن حياة أبيه، واستمرار ولايته عليها فبان ميتًا، وإن الولاية انتقلت إليه فيتعين ما قاله الرافعي، لكن يشكل عليه إجراؤه القولين في تزويج أمة أبيه وأي فرق في التزويج بين أن يكون في أمة أو في حرة، ويمكن أيضًا فرض مسألة "التهذيب" فيما إذا غلب على ظنه صدق المبشر، فإنه يكفي ذلك على ما قدمناه؛ لصحة العقد، ويجوز إدخال "إن"؛ لأن الظن لا ينفي الاحتمال بالكلية، وتكون على بابها وليست بمعنى "إذ" ولا يجب الحمل على أنها بمعنى "إذ"، وفرض المسألة على ما إذا تيقن، كما ادعاه الرافعي، فإن التيقن ليس بشرط ولا يكون التعليق والحالة هذه قادحًا في صحة العقد علي ما قاله صاحب "التهذيب"؛ لأنه سواء صرح به أم لم يصرح هو مقصود؛ لعدم اليقين، فاحتمل ذلك هذا أحسن ما يحمل عليه كلام "التهذيب"، وقواعد المذهب تقتضي أنه لا يغتفر ذلك وأنه لا يلزم من صحته مع الجزم حالة الظن صحته مع التعليق؛ لأن معنى التعليق مراد، والشك مدلول عليه لفظ العقد بخلاف التعليق مع العلم لا يراد معناه، بل معنى "إذ" ولا يلزم من هذا أن يكون صاحب "التهذيب" يجري القولين فيما لو زوج أخته على ظن حياة أبيه، فإذا هو ميت، وحكى الرافعي وجهين فيما إذا قال: إن مات أبي، فقد زوجتك هذه الجارية (١) وفيه نظر؛ لأن هذه

стр. 999

الصيغة تعليق على مستقبل، فينبغي القطع ببطلانها، وإنما يحسن التردد لو قال: إن كان أبي مات لتمكن وجود الشرط الآن، ويجب أن يحمل كلام الرافعي على ما ذكرناه ويكون أطلق العبارة من غير تحرير، وتبعه النووي على هذه العبارة. وقال في "شرح المهذب": "إن أصحهما الفساد، ولو اشترى لزيد أو باع عنه ظانًّا أنه فضولي، فبان أن زيدًا وكله ولم يعلم جرى القولان والأصح الصحة" قاله النووي في "شرح المهذب" (١) وهو جارٍ على تصحيح الرافعي هنا الصحة، لكن الغزالي في كتاب "تحصين المأخذ" في مسألة إذا قال: أعتق عبدك عن كفارتي قال: إن معرفة الوكيل يكون وكيلًا بشرط إن لم يشترط قبوله، فلو تصرف عن وفاق لا عن مرتبة الوكالة لم ينفذ. وإن قصده جهة الوكالة عند استيفاء الحق شرط. انتهى. وهذا يحتمل أن يكون بناء على بطلان بيع مال أبيه على ظن أنه حيٌّ، وأما اشتراطه قصد جهة الوكالة، فهو معنى غير علمه بالوكالة ينفك كل منهما عن الآخر واشتراط الغزالي له لا يبعد موافقته عليه؛ لأنه إذا لم يقصد كان التصرف لنفسه؛ فإذا لم يمكن تصحيحه لنفسه يلغو. واعلم أن يعبر بقولي: "وقف العقود" عن ثلاث مسائل؛ إحداها: هذه؛ إذا باع مال أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت، وهو وقف تبين لا وقف صحة، والعقد ليس موقوفًا في الحقيقة، وإنما الموقوف علمنا بحاله، هل يتبين بالأخرة أن الشرط كان موجودًا، فيحكم بالصحة، وإنها كانت من حين العقد، أو أن الشرط لم يكن موجودًا فتبين البطلان. الثانية: بيع الفضولي مال الغير بغير ولاية ولا نيابة فيه قولان؛ الجديد:

стр. 1000

أنه باطل. والقديم وبعض الجديد: أنه صحيح موقوف على الإجازة من المالك وهو وقف صحة، وليس معناه أن الصحة موقوفة، بل الصحة ناجزة على قول الوقف لكن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة، هكذا نبه عليه الإمام (١)، والخيار ثابت للمالك لا محالة. الثالثة: إذا غصب أموالًا وباعها وتصرف في اثمانها بحيث يعسر أو يتعذر تتبعها بالنقض وقلنا بالجديد، فقولان؛ أصحهما: البطلان. والثاني: للمالك أن يجيز ويأخذ الحاصل من أثمانها وكلام الغزالي والرافعي يقتضي أنها كالثانية. وقال ابن الرفعة: إنها كالأولى في عدم الخيار وتبين الملك من قبل، وفيما قاله نظر. * * *

стр. 1001

قال: فصْل [في رهن المبيع قبل قبضه] وإن رهن مبيعًا لم يقبضه نظرت، فإن رهنه قبل أن ينقد ثمنه لم يصح الرهن؛ لأنه محبوس بالثمن، فلا يملك رهنه كالمرهون. ممن نص على ذلك الماوردي (١) وأخرجه من محل الخلاف في رهن المبيع قبل القبض كما فعل المصنف وهو متعين وعليه يحمل كلام من أطلق الخلاف، وإن مرادهم إنما هو بعد نقد ثمنه، لكن الإمام جعله محل الخلاف، وجزم فيما بعد نقد الثمن أنه كالعتق. وقوله: "قبل أن ينقد ثمنه" أي: إذا كان الثمن حالًّا حيث يكون حق الحبس ثابتًا، فلو كان الثمن مؤجلًا، فلا حبس، فيكون رهنه كرهنه بعد نقد الثمن وسيذكره المصنف، وقد دخل في كلام المصنف هنا رهنه من غير البائع، ولم نر أحدًا قال بجوازه قبل نقد الثمن إلا ما حكيناه عن الإمام، فإنه حكى في رهنه وهبته قبل توفية الثمن خلافًا، بل لم يحك الخلاف إلا فيه، واقتضى كلام الرافعي ترجيح جريان الخلاف مطلقًا، وإن التفصيل بين نقد الثمن وغيره طريقة لبعضهم، والأصح ما قاله المصنف من القطع بأنه لا

стр. 1002

يصح رهنه قبل نقد الثمن، وممن قطع به البندنيجي ورهنه من البائع بثمنه إن كان حالًّا لم يصح؛ لأنه محبوس بالثمن بمقتضى البيع؛ ولهذا الحبس أحكام تخصه، والرهن يقتضي الحبس، وأحكامًا أخرى، فما اقتضاه الرهن من الحبس لا فائدة فيه؛ لأنه ثابت بالبيع وما اقتضاه من بقية أحكامه لا يمكن إثباته؛ لمضادته الأول فبطل، وبهذا يعلم الجواب عن قول ابن الرفعة: "ينبغي أن يصح ويتقوى أحد الجنسين بالآخر" (١)، وعلل المتولي بطلان رهنه بالثمن الحالِّ بأنَّا إن قلنا: البدأة بالتسليم على البائع، فهو مغير لمقتضى البيع يعني: لأن مقتضى البيع حينئذ تسليم المبيع قبل الثمن ومقتضى الرهن عكسه. وإن قلنا: البدأة بالمشتري، فلا فائدة في الرهن وما ذكره من البناء على البدأة يأتي على طريقة من يقول: إن الخلاف في البدأة يجري في حق الحبس، وإن كان الثمن موجلًا، فالصحيح المشهور أن رهنه به كرهنه بعد نقد الثمن، وهكذا ذكر الرافعي في باب الشروط في البيع والبغوي هنا. وقال المتولي: لا يجوز؛ لأنه يقتضي تغيير مقتضى البيع في التسليم، وهذا الذي قاله المتولي ضعيف، وإنما يأتي ما قال فيما إذا شرط ذلك في البيع لكن يخرج مما قاله المتولي؛ أن الثمن إذا كان حالًّا ولم يثبت حق الحبس يكون كالمؤجل، فإذا ركب مع ما قلناه من جريان الخلاف في رهنه بالمؤجل أنتج جريان خلاف في رهنه بثمنه الحال، وإنما يأتي هذا إذا صح أن الخلاف في البدأة خلاف في حق الحبس، أما رهنه من البائع بدين آخر غير ثمنه قبل نقد الثمن، فباطل أيضًا، وهو داخل في كلام المصنف، وللبطلان علتان: إحداهما: أنه كرهن المرهون، وهذه مطردة سواء أكان

стр. 1003

الثمن حالًّا أم موجلًا والأخرى تغيير مقتضى البيع إن كان الثمن مؤجلًا أو حالًّا. وقلنا: البدأة بالبائع فإن كان حالًّا وقلنا: البدأة بالمشتري، فلا علة إلا القياس على المرهون والقياس على رهن المرهون هنا المراد به رهنه من المرتهن، وسيأتي فيه خلاف، فليكن التعليل بذلك هنا مفرعًا على منعه، وهو الجديد المشهور، وذكر صاحب "الاستقصاء" فيما إذا رهن السيد العبد الجاني عند المجني عليه قبل فكاكه طريقين؛ إحداهما: قولان، كالقولين في رهن المرهون عند المرتهن. والثانية: أنه يجوز قولًا واحدًا؛ لأن رهنه بالجناية ليس برهن على الحقيقة، فقال ابن الرفعة: "على قياس هذه الطريقة تجرّ هنا طريقة قاطعة بأنه يجوز؛ لأن حبس المبيع على الثمن ليس رهنًا حقيقة" (١). انتهى. والمراد: إذا رهنه عند المجني عليه بدين آخر غير أرش الجناية، وإنما يحسن تخريجه هنا إذا قلنا: رهن المبيع قبل القبض من غير البائع جائز وإلا فيمتنع لعلة ضعف الملك بخلاف الجاني، وقد ظهر أن كلام المصنف يشمل المسائل الثلاث، وأن التفنيد بما قبل أداء الثمن لا بد منه، وإن كان الرافعي أطلق الكلام في رهن المبيع قبل القبض، وأما رهنه من البائع بعد نقد الثمن، فكرهنه من غيره. * * *

стр. 1004

فرع إذا شرط في البيع أن يكون المبيع مرهونًا بثمنه، فإن كان مؤجلًا فسد البيع؛ لأن مقتضاه تسليم المبيع، فالشرط يتضمن تغيير مقتضى العقد، وإن كان حالًّا، وقلنا: البائع يجبر على البدأة أو قلنا: يجبر إن بطل البيع لذلك. وإن قلنا: لا يجبران أو قلنا: يجبر المشتري، فالرهن باطل؛ لأنه حين شرط لم يكن ملكًا للمرتهن، فكأنه شرط رهن ما يتملكه. وأما البيع، فإن قلنا: فساد الدين كذا الرهن يوجب فساد البيع فباطل، وإلا فوجهان؛ أحدهما: يصح البيع؛ لأنه يوافق مقتضاه في الحبس. والثاني: لا؛ لأنه في الحقيقة استثناء بعض منافع المبيع، فإن من جملة منافعه أن يكون وثيقة بالدين. وأيضًا فإن بين الحبسين تفاوتًا في الحكم، فحبس الرهن لا يمنع الانتفاع، وحبس المبيع يمنع. وأيضًا المبيع في يد البائع مضمون، والرهن أمانة، وإذا اختلف حكمها كان الشرط مغيرًا مقتضى العقد، فبطل العقد، ذكر هذا الفرع في "التتمة" وبناؤه على البدأة يخالف قول من قال: إن حق الحبس ثابت على كل حال، وقد شرحناه في باب اختلاف المتبايعين، وفي "الاستقصاء" ما يقتضي أن الوجه الثاني أصح، وأن الأول ليس بشيء، وهو كما قال، وقد ذكر البغوي معنى ما قاله المتولي، وجزم ببطلان البيع لم يحك فيه خلافًا (١). * * *

стр. 1005

فرع قال في "التتمة": لو شرط أن يسلم المبيع، ثم يرهنه بالثمن، فالشرط غير صحيح؛ لعدم ملكه له والبيع فاسد؛ لأنه حجر عليه كما لو شرط ألا يبيعه ويخالف شرط العتق؛ لأن العتق يجوز بذل العوض في مقابلته ويندرج فيه الملك، بأن يقول: أعتق عبدك عني بألف. * * *

стр. 1006

قال: وإن رهنه بعد نقد الثمن؛ ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يصح؛ لأنه عقد يفتقر إلى القبض، فلم يصح في المبيع قبل القبض كالبيع. والثاني: يصح وهو المذهب؛ لأن الرهن لا يقتضي الضمان، فجاز فيما لم يدخل في ضمانه بخلاف البيع. إطلاق المصنف أيضًا هنا يقتضي أنه لا فرق بين رهنه من البائع ومن غيره وفي "الشامل" قبيل باب المصراة. قال: "قد ذكرنا أن بيع المبيع قبل القبض لا يصح، وكذا رهنه وهبته من غير البائع، فأما رهنه من البائع، فحكى القاضي أبو الطيب أن الشافعي نص على جوازه، وذكره صاحب "التلخيص"، وقال: إن الرهن غير مضمون على المرتهن وما لا يقتضي نقل الضمان، فليس من شرط صحته قبضه، ومن أصحابنا من قال: لا يصح؛ لأنه عقد يفتقر إلى القبض فأشبه الهبة" (١). انتهى. وفي "الأم" في باب الرهن يجمع الشيئين المختلفين قال: "وإذا أوصى له بعبد بعينه، فمات الموصي، فرهنه قبل أن يدفعه إليه الورثة، فإن كان يخرج من الثلث، فالرهن جائز؛ لأنه ليس للورثة منعه إياه إذا خرج من الثلث، والقبض وغير القبض فيه سواء، وإذا ورث من رجل عبدًا ولا وارث له غيره فرهنه، فالرهن جائز؛ لأنه مالك للعبد بالميراث، وكذلك لو اشتراه، فنقد

стр. 1007

ثمنه، ثم رهنه قبل [أن] (١) يقبضه" (٢). انتهى. وهذا نص في جواز رهن المبيع قبل القبض بعد نقد ثمنه مطلقًا من غير تفصيل بين أن يكون من البائع أو من غيره؛ ولذلك - والله أعلم - قال المصنف: إن المذهب الصحة، ووافقه على ترجيح هذا جماعة، لكن الرافعي قال: إن الأصح عند عامة الأصحاب المنع (٣). واعلم أن المصنف قطع فيما قبل نقد الثمن بالمنع، وحكى الوجهين فيما بعده من غير تفصيل بين البائع وغيره، وإمام الحرمين عكس، فحكى الوجهين في الرهن والهبة قبل نقد الثمن كالعتق وقطع فيما بعد نقد الثمن أنه كالعتق (٤) يعني فينفذ قطعًا على الطريقة الصحيحة؛ خلافًا لمن أجرى الخلاف في العتق أيضًا، والرافعي ﵀ قال في رهنه من غير البائع وجهان أصحهما البطلان، ومنهم من فرق بين أن يكون حق الحبس باقيًا أو لا، وفي رهنه من البائع طريقان؛ إحداهما: القطع بالبطلان، وأصحهما: أنه على الخلاف. وظاهر هذا أن الصحيح عنده البطلان مطلقًا من البائع، ومن غيره قبل نقد الثمن وبعده، ومن مجموع ذلك يخرج ثلاثة أوجه، ذكرها الشاشي في "الحلية" فيما بعد نقد الثمن أصحها عنده الصحة. والثاني: المنع وهو قول ابن أبي هريرة. والثالث: يجوز من البائع دون غيره، وهو قول البصريين وفي "الاستقصاء" بعد نقد الثمن سواء رهنه من البائع، أم من غيره، وجهان على المشهور. وقيل الوجهان في غيره، أما من البائع، فلا يصح وجهًا

стр. 1008

واحدًا؛ لأنه لا يصح قبضه من نفسه. وقيل: الوجهان في البائع وغيره لا يصح وجهًا واحدًا. وقيل: إن منعنا صحته من البائع فمن غيره أولى وإلا فوجهان. انتهى. وإذا جمعت ما قبل نقد الثمن وبعده والأوجه كانت أربعة؛ أحدها: الجواز مطلقًا. والثاني: المنع مطلقًا، وهو مقتضى تصحيح الرافعي. والثالث: الفرق بين البائع وغيره. والرابع: الفرق بينهما قبل نقد الثمن وبعده. ومأخذ الخلاف في ذلك اختلاف الأصحاب في أن العلة في النهي عن بيع المبيع قبل القبض هل هو ضعف الملك أو توالي الضمانين، بمعنى: أنا لو قدرنا نفوذ بيع المشتري في المبيع قبل القبض كان مضمونًا على البائع الأول للمشتري، ثم يكون مضمونًا على المشترى الأول للمشتري الثاني والإمام أشار إلى التعبد، وعدم التعليل، إذا عرفت هذا، فمن علل بضعف الملك منع مطلقًا أعني: بالنسبة إلى البائع وغيره قبل نقد الثمن وبعده ويفرق بينه وبين العتق بقوة العتق وهذا مقتضى كلام الرافعي، لكنه يحتاج إلى نصٍّ من الشافعي يعضده يعارض ما قدمناه من النصين على الجواز ومن علل توالي الضمانين، فالظاهر أيضًا: أنه لا يفرق بين البائع وغيره؛ لأن توالي الضمانين يتصور فيه، كما في غيره، وإلى هذه العلة أشار المصنف وابن الصباغ فيما حكينا من كلامه، وقد فرق هو - أعني: ابن الصباغ بين البائع وغيره - حيث نقل النص في البائع دون غيره. فأما أن نقول: إن هذا النص في البائع لا يختص به، بل هو موافق للنص المطلق الذي حكيناه عن "الأم"، وإنه جائز من البائع وغيره لانتفاء العلة

стр. 1009

المذكورة، وهي توالي الضمانين؛ لأن الرهن ليس عقد ضمان بخلاف بيع المبيع، وإلى هذا يشير كلام المصنف، وإما أن نقول: إن المحذور توالي الضمانين في شخصين لكن هذا مقتضاه جواز بيعه من البائع، والصحيح خلافه ومن أعرض عن العلتين ومال إلى التعبد جوز الرهن والهبة؛ لأن النهي إنما ورد في البيع وأنا أميل إلى هذا، وأما من يمنع الرهن مطلقًا قبل نقد الثمن وبعده من البائع ومن غيره كما يقتضيه كلام الرافعي، فلا تكاد تجده مصرحًا به في كلام الأصحاب ولا دليل يعضده، حتى يثبت أن العلة ضعف الملك وإنها مقتضية لامتناع كل التصرفات معاوضة كانت أو غيرها، وإثبات هذين في غاية الصعوبة والنص إنما ورد في معاوضة خاصة والمشهور أن الرهن والهبة سواء؛ لأنهما ليسا عقد معاوضة، وقيل: تنفذ الهبة دون الرهن؛ لأن الرهن قرين البيع، وما امتنع بيعه امتنع رهنه. قال الإمام: "وقياس هذا بطلان الرهن بعد توفية الثمن، كما يمتنع البيع في هذا الوقت" (١). انتهى. وقد قدمنا أن مقتضى كلام الرافعي ذلك، وما قدمناه من نقل ابن الصباغ عن بعض الأصحاب أنه قاس امتناع الرهن على الهبة يقتضي أن الهبة أولى بالمنع، وكذلك كلام غير ابن الصباغ يقتضيه، ومنهم من يخرج وجهًا؛ أنه يصح الرهن ولا تصح الهبة. فرع إذا صححنا الرهن أو الهبة من البائع فأذن له في القبض، فقبض ملك في صورة الهبة ولزم، الرهن، ولا يزول ضمان البيع في صورة الرهن، بل إن تلف انفسخ البيع، وليس لنا رهن إذا تلف في يد المرتهن

стр. 1010

يكون من ضمانه من غير تعدٍّ إلا هذا، وهو ضمان لا بالقيمة ولا بالدين المرهون به، كما يقوله أبو حنيفة، بل بمعنى انفساخ الملك والرهن فيه، وقد جزموا هنا بهذا الحكم، وقد قدمنا خلافًا عن المزني وغيره من العلماء في رهن المغصوب من الغاصب، هل يزيل ضمان الغصب، فيحتمل أن يأتي هنا، ويزول ضمان البيع، والأقرب أنه لا يأتي لاختلاف حكم الضمانين. فرع إذا صححنا الرهن والهبة من غير البائع، فلا بد من قبض فيقبضه المشتري من البائع، ثم يسلمه للمرتهن والمتهب ولو أذن للمرتهن والمتهب في قبضه فقبضا. قال في "التهذيب" (١): يكفي ويتم به البيع والرهن أو الهبة بعده. وقال الماوردي: لا يكفي ذلك للبيع وما بعده، ولكن ينظر إن قصد قبضه للمشتري صح قبض البيع ولا بد من استئناف قبض للهبة، ولا يجوز أن يأذن له في قبضه لنفسه من نفسه وإن قصد قبضه لنفسه لم يحصل القبض للبيع ولا للهبة؛ لأن قبضها يجب أن يتأخر عن تمام البيع وذكر الرافعي هذين النقلين من غير زيادة. وينبغي أن يقال: إن قصد قبضه للمشتري صح قبض البيع، ويبقى في يده، كما لو رهنه شيئًا في يده لا يحتاج إلى استئناف قبض، بل يكفي الإذن، ويكتفي بالإذن السابق؛ لأنه معين مملوك بخلاف ما إذا قال: اشتر لي قدر حقك واقبضه لي ثم لنفسك ففعل، فإنه يصح للموكل، ولا يصح قبضه

стр. 1011

لنفسه في الأصح، والفرق ما أشرنا إليه، وهذا قلته؛ بحثًا لينظر فيه لا نقلًا، وإن قصد قبضه لنفسه، فيظهر أنه لا يصح، كما قال الماوردي، ويحتمل أن يقال: إن قبضه لنفسه عن جهة الرهن مستلزم لقبضه لموكله عن البيع؛ لتوقفه عليه، فيصح القبض لهما معًا، ويقع لزوم الرهن مع استقرار البيع أو بعده، ولعل هذا مأخذ صاحب "التهذيب". وقد قال الأصحاب فيما إذا كان له طعام مقدر على زيد ولعمرو عليه مثله، فقال الذي له الطعام لعمرو: اقبض من زيد ما عليه لنفسك، ففعل فسد قبض عمرو لنفسه، وهل يصح قبضه لصاحب الطعام؟ فيه وجهان: أصحهما عند صاحب "التهذيب"، والرافعي. نعم وهو الحق؛ لاستلزام قبضه لنفسه قبضه له، والإذن في المستلزم إذن في لازمه، فقبضه لصاحب الطعام مأذون فيه استلزامًا ولم يجعلوا قصده لنفسه صارفًا ولا مانعًا من وقوعه للآذن، فكذلك هنا يصح قبضه للمشتري وإن قصد نفسه على قياس تلك المسألة على الأصح، ثم قبضه لنفسه يحتمل أن يقال: لا يصح إلا بإذن أو قبض جديد، كما في تلك المسألة، ويحتمل أن يقال: بل يصح هنا، وإن لم يصح هناك؛ لكون المأذون في قبضه هنا معينًا مملوكًا حالة الإذن، وقبض الرهن لا يمتنع وقوعه مع قبض البيع بخلاف هناك لا بد أن يترتب أحد الملكين على الآخر، ويستحيل مقارنتهما، فإن الطعام الذي يشترى إن كان في الذمة، فلا بد أن يتحقق ملك المشترى له على المعين، ثم ينتقل عنه إلى القابض، وإن كان معينًا، فلا بد من استقرار الملك عليه أيضًا قبل انتقاله إلى القابض وإلا لكان في حكم بيع المبيع قبل القبض، والرهن لا يشترط فيه ذلك؛ لأنا نفرع على جواز رهن المبيع قبل قبضه وبهذا يظهر أن ما قاله صاحب "التهذيب" أقوى، وأصح

стр. 1012

مما قاله الماوردي، وإن قبض ولم يقصد بالقبض لا نفسه ولا المشتري، فهذه الحالة لم يذكرها الماوردي، وهي تدخل في إطلاق صاحب "التهذيب" وإذا كنا نقول فيما إذا قصد نفسه يصح، ويستقر البيع، ويلزم الرهن فلأن نقول بذلك هنا أولى. نعم، قد قدمنا عن الغزالي أن الوكيل، لا بد أن يقصد عند استيفاء الحق جهة الوكالة، فقد يقال: إنه إذا أطلق هنا ولم يقصد شيئًا لا يصح على قياس ما قاله الغزالي لكنَّا نقول: إن الذي قاله الغزالي إنما يظهر فيما إذا كان المقبوض في الذمة، ففي تلك الحال متى لم يقصد الوكيل جهة الوكالة لا يقع القبض للموكل؛ لأن صورة القبض مترددة بين قبضه لنفسه ولغيره، فإن كان لنفسه فيلغو لأن الفرض أن ما في الذمة ليس له وإن كان لموكله، فيصح وإذا تردد لا بد من مميز وهو قصد الوكالة وإلا فيبطل وما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، وأما هنا، فالمأذون في قبضه معين، فلا يفتقر إلى قصد هذا إن سلم للغزالي ما قاله، وأنه ليس مفرعًا على بطلان مال أبيه على ظن أنه حي، فإذا هو ميت. وما قاله محتمل لِأنْ يكون مفرعًا عليه، أما إذا فرعنا على صحته، فلا يبعد القول بصحة قبض ما في الذمة إذا قصد الدافع وكان المدفوع إليه وكيلًا في نفس الأمر علم أو لم يعلم، قصد أو لم يقصد كصاحب الحق، فإن الدافع لو أعطاه ناويًا به الحق صح قبضه، وملكه وإن لم يعلم أنه عن دينه، وقد صح بهذا إطلاق صاحب "التهذيب"، وصحة ما قاله. واعلم أن هذا الرجل - أعني: "صاحب التهذيب" - قلَّ إن رأيناه يختار شيئًا إلا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره هذا مع اختصار كلامه، وهو يدل على نبل كثير، وهو حري بذلك، فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه

стр. 1013

﵀ ورحمنا إذا صرنا إليه، وقد رأيت بعد ذلك أبا الحسن الجوري قال ما يوافق ما قلناه، وما قاله صاحب "التهذيب"، وإن القبض الواحد يكفي لهما، فإنه قال في تقرير وضع الرهن عند عدل قد يشتري سلعة فيرهنها قبل قبضها، فإذا قبضها المرتهن كان قبضًا للرهن والشراء جميعًا. انتهى. ومما ذكره الأصحاب في المبيع قبل القبض أن إقراضه والتصدق به كرهنه، ولا تصح إجارته على الأصح، ويصح التزويج في الأصح، ولا يصح في الثاني والثالث إن كان للبائع حق الحبس لم يصح وإلا فيصح، وطرد هذا الوجه في الإجارة، وكذا في الرهن وقد ذكرناه وإذا صححنا التزويج فوطئ الزوج لم يكن قبضًا للبيع، وكما لا يجوز بيعه قبل القبض لا يجوز جعله أجرةً ولا عوضًا في صلح، ولا يجوز السلم ولا التولية ولا الإشراك، وفي التولية والإشراك وجه ضعيف والأصح امتناع هذه الأمور من البائع كغيره. وقيل: إنما يمتنع من غير البائع، أما البائع فيصح بيعه منه والوجهان فيما إذا باعه منه بغير جنس الثمن الأول أو بزيادة أو نقص أو تفاوت صفة، وإلا فهو إقالة بصيغة البيع قاله في "التتمة". وقال القاضي حسين: إن اعتبرنا المعنى، فهو إقالة، وإن اعتبرنا اللفظ، فهو على الوجهين، وهذا الذي قاله القاضي حسين هو الصواب، ويحمل كلام "التتمة" على أنه فرع على مراعاة المعنى. * * *

стр. 1014

فرع لو قبض المبيع ثم رهنه بثمنه أو بغيره جاز قولًا واحدًا. فائدة: قول المصنف يفتقر إلى القبض احتراز من العتق والتزويج، وقوله: إن الرهن لا يقتضي الضمان يعني لو تلف في يد الراهن لم يضمنه، ولو تلف في يد المرتهن لم يضمنه، فجاز أن يعقد على عين ليست من ضمان الراهن بخلاف البيع، فإن المبيع مضمون على البائع للمشتري ويصير بالبيع مضمونًا للمشتري الثاني على الأول، وذلك لا يجوز. فرع إذا جوزنا رهن المبيع قبل القبض، فإما أن نستثنيه مما لا يجوز بيعه على طريقة من قال ذلك، وإليه ذهب الجوري وقال: إن هذا من الضرب الذي يجوز رهنه ولا يجوز بيعه، وأما أن يعتذر عنه كما اعتذرنا في المدبر. فرع قال في "الاستقصاء": إن خالع امرأته على شيء معين، ثم رهنه عندها قبل القبض، فهو على ما ذكرنا من الخلاف في المبيع إذا رهنه قبل القبض. * * *

стр. 1015

قال: فصْل [في رهن الدين] وفي رهن الدين وجهان؛ أحدهما: يجوز؛ لأنه يجوز بيعه، فجاز رهنه كالعين. والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يدري هل يعطيه أو لا، وذلك غرر من غير حاجة، فمنع صحة العقد. الجمهور على أنه لا يجوز رهن الدين سواء قلنا بجواز بيعه أم لا، وعليه نص الشافعي في "الأم" في الرهن الفاسد، قال: "ولا يجوز أن يرهن رجل رجلًا ذكر حق له على رجل قبل ذلك الذي عليه ذكر الحق أو لم يقبله؛ لأن إذكار الحقوق ليست بعين قائمة وإنما هي شهادة بحق في ذمة، فلا يجوز - والله أعلم - أن يجوز الرهن فيها في قول من أجاز بيع الدين، ومن لم يجزه أرأيت إن قضى الذي عليه ذكر الحق المرهون صاحب الحق حقه إما يبرأ من الدين فإذا برئ منه انفسخ رهن المرتهن للدين بغير فسخه ولا اقتضائه ولا إبرائه، ولا يجوز أن يكون رهن إلى الراهن فسخه بغير أمر المرتهن. فإن قيل: فسيحول رهنه فيما اقتضى منه.

стр. 1016

قيل: فهو إذًا رهنه مرة كتابًا ومرة مالًا والرهن لا يجوز إلا معلومًا" (١). انتهى. وفيه إشارة إلى ما علل به المصنف، وعلله الغزالي بأن "الرهن يلزم بالقبض والقبض لا يصادف ما يتناوله العقد ولا مستحقًّا بالعقد" (٢)، فاحترز بقوله ولا مستحقًّا بالعقد عن رأس مال التسلم وبيع درهم بدرهم في الذمة، فإنه إذا قبض ما في الذمة قبض مستحقًّا بالعقد وإن لم يكن عين ما تناوله العقد، فإن المقبوض عين لا دين، وعلله المتولي مع ذلك بأن مقاصد الرهن حبس العين عن الراهن ليبعثه ذلك على الوفاء والأمن من الجحود والبيع في الدين، والثلاثة مفقودة في الدين ولم يحك المتولي فيه خلافًا، وصرح برهنه ممن عليه ومن غير مَن عليه، وأنه لا يصح فيهما، والوجه القائل بالجواز مستنده جواز بيعه، كما قاله المصنف، ومنه يعرف أن الوجهين مفرعان على جواز بيعه، فإن امتنع بيعه امتنع رهنه، فيكون الخلاف في رهنه مرتبًا على الخلاف في بيعه وأولى بالمنع، والرافعي ذكر هذا الترتيب عن بعضهم بعد أن ذكر الوجهين مطلقين وأشار إلى طريقة إما بانية، وإما مجرية للخلاف مطلقًا، سواء منعنا بيع الدين أم جوزناه (٣)، ولم أر مَن صرح بها، والإمام وافق الترتيب فقال: "إن الدين لا يجوز رهنه وفي جواز بيعه خلاف" (٤)، فإن صح أن فيه طريقة مطلقة، وإن بعضهم يجيزه مطلقًا، فلعل مأخذه أن المرهون إذا أتلف كان بدله في ذمة الجاني رهنًا وهي دين، لكنا نفرق بأن الدوام يحتمل فيه ما لا يحتمل في الابتداء، وفصل صاحب "الاستقصاء" بين دين السلم وغيره، فقال في دين (٥) السلم،

стр. 1017

لا يجوز رهنه؛ لأنه لا يجوز بيعه قبل القبض وفي غيره من الدين المستقر إن رهنه ممن عليه جاز وجهًا واحدًا؛ لأنه يجوز بيعه منه وجهًا واحدًا، وإن رهنه من غيره فوجهان؛ أحدهما: يجوز؛ لأنه على هذا الوجه يجوز بيعه. والثاني: لا يجوز؛ لأنه على هذا الوجه لا يجوز بيعه، وما قاله يقتضي ان الخلاف في الرهن مبني على الخلاف في البيع حيث امتنع (١) كالسلم، حيث جاز جاز، وهو إذا كان ممن عليه وحيث جرى وجهان في بيعه، وهو إذا كان من غير من عليه جرى وجهان في رهنه مبنيان عليهما، وكلام المصنف يمكن أن يحمل على هذا، وكذلك إطلاق الرافعي في صدر كلامه لكنه مخالف لنص الشافعي في تصريحه يمنع الرهن، وإن جاز البيع، ومخالف لما في "التتمة" من التسوية بين رهنه ممن عليه ومن غيره، وهكذا الماوردي جزم بأنه لا يجوز رهن الدين ممن عليه ولا من غيره، فبان بهذا أن قول صاحب "الاستقصاء" يجوز ممن عليه؛ وجهًا واحدًا ليس بجيد، بل الصحيح أنه لا يجوز وقطعه في المسلم فيه بالمنع صحيح إلا إن ثبت طريقه بإجراء الخلاف مطلقًا من غير بناء ولا ترتيب، وأشار صاحب "البيان" (٢) إلى تخصيص الخلاف بالمستقر، وإلى طريقة الترتيب، فقال: "في بيع الدين المستقر ورهنه وهبته من غير من عليه ثلاثة أوجه؛ أحدها: لا يصح واحد منها؛ لأنه غير مقدور على تسليمه. والثاني: يصح الجميع منها وهو اختيار ابن الصباغ وصححه ابن أبي عصرون؛ لأن الذمم تجري مجرى الأعيان. والثالث: أن البيع والهبة يصحان ويلزمان من غير قبض، ولا يصح

стр. 1018

الرهن؛ لأن البيع والهبة تمليك، فجرى مجرى الحوالة". انتهى. وقوله: "إن الهبة تلزم من غير قبض" هو أحد وجهين ذكرهما الرافعي في باب الهبة (١) وتصريحه بأن البيع يلزم من غير قبض حصل لي به فائدة عظيمة، فإن البغوي (٢) والرافعي (٣) قالا في بيع الدَّين لغير مَن عليه: "إذا صححناه: يشترط أن يقبض المشتري الدَّين ويقبض بائعه العوض في المجلس وإلا يبطل" وذكرت في "شرح المنهاج" أني لم أجد اشتراط القبض من الجانبين لغيرهما، ولم أجد في كلام الأصحاب ما يقتضي ذلك، ولا يدفعه، وأنه ينبغي ألا يشترط إلا القبض من أحد الجانبين، بل يكفي التعيين، وقد وجدت فيما حكيته عن "البيان" ما يؤيد ذلك، ويدفع ما قالاه، وقد اجتمع لك في رهن الدين وجه بالمنع مطلقًا ووجه بالمنع من غير من عليه ووجه بالجواز مطلقًا إلا في دين السلم، فإنه لا يجوز أصلًا، لا ممن عليه، ولا من غيره، وإن صحت طريقه مطلقة فيجيء وجه رابع بالجواز مطلقًا في دين السلم وغيره، والأصح المنع مطلقًا. فإن قلت: منعه ممَّن عليه مع جواز بيعه منه لا وجه له، وكلام الشافعي والأصحاب يمكن حمله على رهنه مِن غير مَن عليه. قلت: وإن أمكن حمل كلام من أطلق منهم على ذلك إلا أن قول الشافعي أنه لا يجوز وإن جاز البيع يمنع منه، وأيضًا إشارته إلى أنه لا يلزم إلا بالقبض. فإن قلت: هذا إنما يكون في غير من عليه، أما مَن عليه، فإنه كالمقبوض

стр. 1019

منه كما لو رهنه شيئًا في يده. قلت: هذا ليس قبضًا حقيقة وبقاء العين في يده يعد في العرف قبضًا لها أما الدين في الذمة، فلا يعد مقبوضًا، فلا يدخل في قوله تعالى: "فرُهُنٌ مقبوضة"، ولا يحصل منه مقصود الرهن وهو البيع. فإن قلت: قول صاحب "الاستقصاء": إنه يجوز رهنه ممن عليه وجهًا واحدًا يقضي على من أطلق. قلت: هَبْهُ يقضي على من أطلق، فكيف يقضي على من صرح بأن الرهن يمتنع مع جواز البيع، وإنما قول صاحب "الاستقصاء" نشأ عن تصرف منه بحسب ما اطلع عليه وفيما ذكرناه زيادة عليه. فرع قال ابن أبي عصرون في "الانتصار": يصح رهن المدبر إذا كان على مقرٍّ في أصح الوجهين، وهذا الذي شرطه في صورة المسألة من كونه على مقرٍّ لا بأس به. فرع قال الرافعي في كتاب الهبة: "وإذا فرعنا على أنه يجوز رهن الدين افتقر لزومه إلى القبض لا محالة؛ لأنه لا يفيد انتقال الملك والاستحقاق" (١). وقال الغزالي في "البسيط" والإمام في "النهاية" (٢): إن الوجه القائل بلزوم هبة الدين قبل القبض لا يجري في الرهن، ونقل ابن الرفعة عن "البيان" أنه يلزم بنفس العقد (٣)، ولم أجده في "البيان".

стр. 1020

فرع هذا كله في الدين الثابت، أما الموصوف، فمقتضى كلام القاضي حسين، والإمام (١) أنه لا يصح، فإنهما قالا: "إن الرهن يختص بالعين؛ لأنه لا يتوثق الدين بالدين ولأنه مشبه بالهبة من حيث إنه تبرع. ولو قال: وهبت منك ألف درهم، ثم نقدها عن ذمته وأقبض لم يصح. وهكذا في المرهون". انتهى. وقد ذكر المصنف في باب القرض "أنه لو قال: أقرضتك ألفًا وقبل ألفًا وتفرقا ثم دفع إليه ألفًا، فإن لم يطل الفصل جاز وإلا فلا" (٢). وقال يعقوب ابن أبي عصرون: "إن فعل مثل ذلك في الهبة جاز" (٣) يعني مع طول الفصل وهو أغرب، والمعروف أن ذلك لا يجوز في الهبة، كما قاله الإمام والقاضي حسين، وفي القراض وجهان؛ أحدهما: يجوز على موصوف. والثاني: لا بد من معين. فرع عرف بما تقدم أن المرهون شرطه أن يكون عينًا، وأخرجوا بهذا الشرط أيضًا المنفعة، فلا يجوز رهنها سواء أكان الدين حالًّا أم موجلًا، نص عليه الشافعي (٤) والأصحاب. * * *
следующие страницы →