← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الثمار مع الحادثة أيضًا إلى بدو الصلاح، ويكون قول المنع معتضدًا بما اقتضاه ظاهر النص من عدم التفرقة، لكني لم أره لأحد. قلت: أراد بظاهر النص قول الشافعي في "المختصر": "وإن كان من الثمر شيء يخرج فرهنه، وكان يخرج بعده غيره منه، فلا يتميز الخارج الأول المرهون من الأخير لم يجز؛ لأن الرهن ليس بمعروف إلا أن يشترطا أن يقطع في مدة قبل أن يلحقه الثاني، فيجوز الرهن" (١). انتهى. وهذا النص حمله الأصحاب على ما إذا كان مؤجلًا بأجل لا يحل حتى يحدث الحمل الثاني ويختلط، وهو الذي أراده المصنف في القسم الثاني، وأما مجيء القول بالمنع، فإن فرض أن هذه الصورة قبل بدو الصلاح، فلا شك فيه، ويكون فردًا من أفراد الثمرة قبل بدو الصلاح انضم إليها توقع الاختلاط، والأَوْلى فرض الكلام هنا فيما بعد بدو الصلاح؛ لئلا ينتشر الكلام، وحينئذٍ الرهن صحيح قولًا واحدًا لا نعرف خلافًا إذا كان الدين حالًّا ولا إذا كان مؤجلًا إلا ما حكيناه فيما مضى عن البغوي والرافعي، والصحيح خلاف ما قالا وأنه يصح، ويجب البيع عند حلول الدين قبل أوان الجداد، وما جزم به الأصحاب هنا يرد عليهما أيضًا. نعم، يلزمهما أن يطردا ما قالاه هنا في المؤجل خاصة، ولا يلزمهما في الحال؛ لما تقدم أنهما يجعلان الحلول المقارن قرينة في شرط القطع أو الرافعي وحده يجعل ذلك (٢)، وقد يقولان هنا: إن حلول الأجل مع توقع الاختلاط موجب للبيع، فلا يلزم مجيء قول بالمنع هنا، وإن جرى هناك، أما الحال، فلا مجيء له فيه؛ لأن مأخذه هناك الإلحاق بالبيع في شرط

стр. 1087

القطع قبل بدو الصلاح، ولا مساغ لذلك هنا، وكون العادة تقتضي الإبقاء؛ لم يقل أحد هناك: إنه مفسد للرهن، بل موجب لشرط القطع، فإذا تركه فسد الرهن لترك شرط القطع، لا لاقتضاء العادة الإبقاء، فكيف يُقال هنا: إنه مقتضٍ للفساد، وشرط القطع بعد الصلاح ليس بشرط، ولم يقل أحد في الحال بعد بدو الصلاح: إنه يشترط شرط القطع، وقول المصنف فيما إذا كان لا يستحق البيع إلا بعد الاختلاط إن شرط أنه إذا خيف الاختلاط قطعه جاز ظاهر، وهو الذي استثناه الشافعي، ولا خلاف فيه كما لو شرط فيما يتسارع إليه الفساد بيعه إذا خيف الفساد، ونص الشافعي على الصحة هنا إذا شرط البيع شاهد لما اتفق عليه الأصحاب من الصحة هناك إذا شرط البيع أيضًا، والمراد بالبيع أن يباع ليوضع ثمنه رهنًا، وما نحن فيه أَوْلى بالصحة؛ لأنه ليس فيه إلا شرط القطع، والمرهون باقٍ بحاله، فإذا فرض أنه لا يخاف فساده بعد القطع جُفف إن اقتضى الحال ذلك، وبقي بحاله رهنًا لا يحتاج إلى بيع، وفيما يتسارع إليه الفساد، يحتاج إلى البيع، وفيه نقل الوثيقة من عين إلى عين اغتفرناه للضرورة، فإن فرض في مسألتنا هذه أنه إذا قطع تسارع إليه الفساد احتيج إلى شرط القطع والبيع، وكانت تلك المسألة بعينها، واقتصار الشافعي والأصحاب هنا على شرط على القطع؛ لأنه القدر المختص بهذا الموضع. وقوله: وإن لم يشترط، ففيه قولان هما القولان فيما يتسارع إليه الفساد، وهناك قد توقفت في ترجيح أحدهما، والبغوي هناك لم يصحح شيئًا غير أنه نسب الصحة إلى النص، وهنا قال: "الأصح أنه لا يصح، كما لا يصح البيع" (١)، وهو كلام جيد، وإشارة إلى الفرق بينه وبين ما يسرع فساده؛ لأن

стр. 1088

هنا زيادة، وهو عدم جواز بيعه، لكن القول بأنه لا يصح البيع، إنما يصح له إذا كان يغلب التلاحق، والمسألة هنا أعم من ذلك، ففيما يغلب تلاحقه لا شك فيما قال وفيما يندر تلاحقه؛ ويمكن قطعه قبل أن يلحق الثاني غالبًا، فإن البيع يصح، ويصير رهنه بدين لا يحل حتى يتلاحق كرهن ما يفسد قبل الأجل، سواء من غير فرق إلا ما سنذكره، وممن حكى القولين، البغوي (١)، والرافعي (٢)، ولم يصحح منهما شيئًا، والأسبق إلى الفهم أن القولين منصوصان. وقال الماوردي: "المذهب أن رهنها باطل؛ لأن الرهن يوجب تركها إلى حلول الأجل، والرهن بهذا الشرط باطل، وفيها وجه آخر خرجه ابن أبي هريرة، أن رهنها جائز؛ لأنهما قد يتطوعان ببيعها أو قطعها" (٣). انتهى. وحكى ابن داود طريقين؛ إحداهما: قولان كرهن ما يفسد. والثانية: يبطل قولًا واحدًا، قال: لأن العادة لم تجز بقطع الخارجة ليلًا؛ لئلا يختلط غيرها بها، كما جرت ببيع ما يفسد من يومه وغده. قلت: ومراده بالخارجة الموجودة المرهونة، وهذا الفرق لا بأس به، وبهذه الطريقة، قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: وبمجموع ما ذكرناه يظهر أن الأصح هنا فساد الرهن، هذا عند الإطلاق، وهو ظاهر النص، ولو شرط الإبقاء حتى يحدث الثاني، ويختلط؛ فسد قطعًا، وقد ذكرنا إذا شرط قطعها، وأنه يصح، وتقييد المصنف بما إذا خيف الاختلاط ليس نفيًا لجوازه قبل ذلك، فقد صرح الأصحاب بأنه سواء شرط القطع مع الرهن أم بعد مدة

стр. 1089

لم تخرج فيها الثمرة الحادثة ممن صرح بذلك الماوردي، وأن الحكم فيهما سواء، قال: ولا يخلو حالها بعد القطع، أما أن يبقى إلى حلول الأجل أو لا، فإن كانت تبقى، فرهنها جائز، وإلا فعلى قولين؛ كالطعام الرطب" (١)، وإطلاق الماوردي هذا الكلام يقتضي أنه لا فرق بين طويل المدة وقصيرها. وقال الروياني في هذا الموضع: "فإن قال قائل: قد قال الشافعي في المسألة السابقة: إذا رهنها قبل بدو الصلاح لم يجز إلا أن يتشارطا للمرتهن إذا حل الحق قطعها وبيعها، فيجوز، وهذا يقتضي أن اشتراط القطع يجوز أن يكون على نوع من التأخير، وإذا كان مؤخرًا كانت الآفات غير مأمونة في مدة التأخير، قلنا: كان الشافعي صور المسألة في حق مؤجل لم يبق من أجله إلا زمان قليل ينقضي عن قرب، والثمرة لم تدرك، والغالب في ذلك الزمان القريب الأمن من الآفات، فإذا اشترط قطعها عند المحل، كان صحيحًا، وإن كان بخلاف ذلك لا يجوز" (٢). انتهى. وهذا الذي قاله لا أظن الأصحاب يساعدونه عليه، وليست الثمار في الغالب مما يتسارع إليها الفساد على الشجر، فالذي ينبغي أنه لا فرق بين طول المدة وقصرها كما أطلقه الأصحاب، سواء أكان قبل بدو الصلاح أم بعده، وما يفرض من جائحة بعد بدو الصلاح؛ لم يعتبره الشرع في منع البيع، وقبل بدو الصلاح ليس غالبًا حتى يكون مما يسرع فساده، بل الغالب السلامة، وإن ادعى غلبةً في تساقط بعض الثمار أو آفة منها؛ فذلك يسير لا مبالاة به في العرف، وقول المصنف: لأنه يمكن الفصل عند الاختلاط … إلى آخره، يحتاج إلى ذكر.

стр. 1090

فرع إذا قلنا بصحة رهن هذه الثمرة، أو رهن بشرط القطع، ثم لم يتفق القطع حتى حصل الاختلاط. قال الشافعي في "المختصر" (١): "ففيها قولان؛ أحدهما: أنه يفسد الرهن، كما يفسد البيع. والثاني: لا يفسد، والقول قول الراهن في قدر الثمرة المختلطة من المرهونة، كما لو رهنه حنطة، فاختلطت بحنطة للراهن. كان القول قوله في قدر المرهونة من المختلط بها مع يمينه"، وكذا في "الأم". وقال الربيع: "وللشافعي قول آخر في البيع: أنه إذا باعه ثمرًا، فلم يقبضه حتى حدثت ثمرة أخرى في شجرها لا يتميز الحادث من المبيع قبلها كان البائع بالخيار بين أن يسلم له الثمرة الحادثة مع المبيع الأول، فيكون قد زاده خيرًا، أو ينقض البيع؛ لأنه لا يدري كم باع مما حدث من الثمرة، والرهن عندي مثله، فإن رضي أن يسلم ما زاد مع الرهن الأول، لم يفسخ الرهن" (٢). انتهى. فهذه ثلاثة أقوال منصوصات بالانفساخ وعدمه ومخرج للربيع، وذكر الإمام (٣)، والغزالي، والرافعي (٤): أن في بطلان الرهن قولين، كالقولين في البيع، والقولان المشهوران في البيع هما الأول والثالث، وهما الانفساخ والتخيير، والقول بعدهما ضعيف في البيع وغريب، وإذا قبل به هناك، فالقول قول مَن الشيء في يده، وهنا القول قول الراهن، ومحل الخلاف في

стр. 1091

البيع عند الجمهور إذا حصل الاختلاط قبل القبض، فإن حصل بعده، فلا انفساخ ولا تخيير، وأغرب المتولي، فجعله كما قبل القبض، والأظهر في البيع قول التخيير، هذا جملة ما قيل في البيع. وأما الرهن، فقد علمت حكاية الأقوال فيه، والذي قاله المصنف هو القول الثاني من المنصوصين، وهو أنه لا ينفسخ ولا يتخير، بل يكون القول قول الراهن، واختار المزني أنه لا ينفسخ، لكنه قال: "القول قول المرتهن" (١)، ورد الأصحاب عليه بأن الملك للراهن، فيد غير المالك لا يقع بها ترجيح بخلاف البيع. وقال الروياني: "إن قول عدم الانفساخ أظهر، وأنه إذا قلنا به، قلنا للراهن: أتسمح بأن يكون الكل رهنًا؟ فإن سمح كان رهنًا، ولم يكن للبائع الخيار في البيع الذي شرط فيه الرهن. وإن قال: لا أسمح، قلنا لهما: اتفقا على قدر الرهن، فإن اتفقا، فلا كلام، وإن اختلفا، فالقول قول الراهن" (٢). انتهى. وهذا يوافق ما قاله المصنف، وقد فرضه الروياني، كما رأيتُ في رهن مشروط في بيع، وأفهم صدر كلامه أنه إذا لم يسمح، كان للبائع الخيار في فسخ البيع، وهو قياس القول المصحح في البيع، وهو ظاهر كلام الربيع، وكلام ابن الصباغ أيضًا مثله، لكن آخر كلام الروياني ساكت عنه. وقال المحاملي في "التجريد" على القول بأنه لا يبطل: يقال للراهن: أتسمح بأن تترك الثمرة الثانية مع الأولى رهنًا، فإن سمح بها جاز، وبيعت كلها، فيحصل للمرتهن حقه وزيادة، وإن قال: لا أسمح، قيل للمرتهن مثل

стр. 1092

ذلك، فإن سمح جاز، وإن امتنع واختلفا في قدر الرهن، فالقول قول الراهن. انتهى. ولم يتعرض أيضًا؛ لأن المرتهن يفسخ، ويتعين أن يقال له الفسخ إذا كان مشروطًا في بيع كما في البيع، ولأننا في ذلك قولنا: إن القول قول الراهن بل المعنى أن الراهن لا يكلف بالزائد، ويقبل قوله فيما يدعيه، وإذا لم يَرْضَ المرتهن بذلك، فإن كان الرهن مشروطًا في بيع ثبت له الخيار في فسخ البيع، وإن كان رهن تبرع انتهت الخصومة بحلف الراهن، ولا معنى لإثبات الخيار للمرتهن في فسخ الرهن؛ لأنه متمكن من فسخه قبل ذلك، ولا يستفيد به. فائدة: وبهذا يتبين أن القول الثاني المنصوص القائل بأنه لا ينفسخ، ويقبل قول الراهن، والقول الذي خرجه الربيع مشتركان في عدم الانفساخ، وقبول قول الراهن، ويريد تخريج الربيع بإثبات الخيار للمرتهن، وإنما يكون ذلك إذا كان مشروطً في بيع، فأما أن يقول: إن هذا من الربيع زيادة على ما دل عليه المنصوص غير منافية له، فلا يكون في المسألة إلا قولان؛ أحدهما: الانفساخ. والآخر: ثبوت الخيار، وهما القولان المشهوران في البيع، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من اقتصار الإمام، والغزالي، والرافعي على تنظيرها بالبيع، وأما أن نقول: ظاهر كلام الربيع أن ما قاله قول آخر غير المنصوص، فيكون المنصوص قبول قول الراهن والوقوف عنده بلا خيار للمرتهن، ولا وجه لهذا، فإن الرهن إذا كان مشروطًا في بيع، وجرى هذا التنازع، فلا وجه إلا ثبوت الخيار في فسخ البيع، كما في البيع إلا أن يقال:

стр. 1093

إن الرهن المشروط قد حصل وفسخه بسبب جديد، وهو الاختلاط لا يسلط على فسخ البيع، وهذا ضعيف؛ لأنه في حكم غير المقبوض كما في البيع. نعم إن قلنا: في البيع قبل القبض: إنه لا انفساخ ولا خيار، فكذلك هنا، ولكنه قول ضعيف، فخرج من هذا أن الأصح هنا كما في البيع من ثبوت الخيار، وأن المرتهن إذا امتنع الراهن من تسليم الجميع يتسلط على الفسخ. وفائدة ذلك: إذا كان مشروطًا في بيع، وكلام المصنف لا ينافي ذلك، فإنه إنما أثبت أن القول قول الراهن، وسكت عما وراء ذلك، كما هو مدلول القول المنصوص الثاني، وكلام ابن الصباغ وغيره موافق لكلام المحاملي الذي حكيناه، والجمهور على أن هذا الخلاف بعد قبض الرهن، ما قبله فينفسخ الرهن قطعًا إذا عرض الاختلاط، وقبل الخلاف مطلقًا، سواء أكان قبل القبض أم بعده، والصحيح الأول، وإنما جرى الخلاف هنا بعد القبض، ولم يجر في البيع بعد القبض عند الجمهور؛ لأن القبض في البيع يقطع العلائق، وفي الرهن العلقة بعد القبض ثابتة بين الراهن والمرتهن، وإنما لم يجر الخلاف هنا قبل القبض لضعفه؛ لأن الرهن إنما يتوثق به بعد القبض، ولأن بالاختلاط تحصل الجهالة والجهالة مؤثرة عند القبض، كما عند الرهن، فإذا عرض الاختلاط قبل القبض انفسخ إلا على وجه ضعيف، ونظيره تخمر العصير قبل القبض، وبنى المتولي الخلاف على أن الرهن قبل القبض هل يلحق بالعقود اللازمة حتى لا يبطل بالجنون والموت إن ألحقناه وجرى الخلاف وإلا بطل قولًا واحدًا. ونقل الروياني: "أن بعض أصحابنا قال: ظاهر كلام الشافعي هنا دليل على أن هذين القولين في الرهن، إنما يخرجان على أحد القولين في البيع؛

стр. 1094

لأنه قال فيه قولان؛ أحدهما: يفسد الرهن كما يفسد البيع، فأجاب في البيع بالفساد قطعًا، وجعل في الرهن قولين، فصار ترتيب المسألة في البيع مع الرهن أن يقال: إذا صححنا البيع، فالرهن أولى، وإن لم يصحح البيع ففي الرهن قولان، والفرق أن الرهن نوع وثيقة، وليس بمعاوضة كالبيع، وتأثير الجهالة في عقود المعاوضات، أكثر من تأثيرها في غير المعارضات" (١). انتهى. وموضع الخلاف في الرهن بعد القبض ولا يجري قبله في الأصح، بل ينفسخ، وفي البيع قبل القبض، ولا يجري بعده في الأصح، بل تفصل الخصومة بطريقها ولا فسخ ولا انفساخ. وقال الجوري: إنما فرق الشافعي بين الرهن والبيع على قول؛ لأن البيع معاوضة لازمة بالعقد، فإذا اختلط قبل القبض، فقد تعذر قبضه، وإذا تعذر قبضه لم يستحق الثمن والرهن لا معاوضة فيه، ولا هو لازم قبل القبض، فإذا اختلط فالقول قوله، كما له الخيار في تسليمه بعد الرهن، وهذا من الجوري موافق لطريقة مَن يقول بحمل الخلاف على ما قبل القبض، لكني لا أعرف أحدًا يخصه بما قبل القبض دون ما بعده، بل إما أن يخصه بما بعد القبض، أو يقول بجريانه في الحالتين، وقول الشافعي: "كما لو رهنه حنطة، فاختلطت بحنطة للراهن كان القول قوله" (٢). قال الروياني: "احتمل هذا التشبيه أن تكون مسألة الحنطتين، إذا اختلطتا على قول واحد في صحة العقد، وهذا أظهر الاحتمالين؛ لأنه قاس عليه، ويحتمل أن تكون مسألة الحنطة، كمسألة الثمرة في حكم القولين، فإن

стр. 1095

سوينا، فلا فرق، وإن رتبنا فكيفية الترتيب أن يقال: إذا صححنا في الحنطة مع الاختلاط، فالثمرة أولى وإن لم نصحح في الحنطة ففي الثمرة قولان، والفرق أن الاختلاط في الحنطة فوق الاختلاط في الثمرة، والتمييز بغير القسمة ممتنع مأيوس في جميع الأحوال وفي الثمار، ربما يشاهدها شاهدان قبل الاختلاط، فيقدران على التمييز بما عندهما من العلامة السابقة، فإن كانت صورة الثمار كصورة مسألة الحنطة حتى يكون التمييز مأيوسًا على الإطلاق، فالمسألتان سواء ويتعذر الفرق" (١). انتهى. وقول المصنف: ينظر كم كان. قال صاحب "الاستقصاء": أي: يجتهد. فرع على القول بعدم بطلان الرهن اعلم أنا في البيع إذا أثبتنا الخيار، فالذي قاله الرافعي: إن المشتري يفسخ، ونظيره هنا أن يفسخ المرتهن كما قدمناه. وقال القاضي أبو الطيب وغيره: إن الفاسخ في البيع هو الحاكم، وإن الفسخ للضرر والمشاققة، لا للعيب، فعلى هذا هنا إن كان الرهن مشروطًا في بيع يفسخ الحاكم أيضًا؛ لحصول النزاع وحصول الفائدة بالفسخ، وأما في رهن التبرع فكيف يفسخ الحاكم؟ وفيه إبطال الرهن اللازم بالقبض لا إلى خلف، وفيه إضرار بالمرتهن بغير بدل، وهذا الذي ذكرناه بناء على ما أفهمه كلام ابن الصباغ والروياني وغيرهما من ثبوت الخيار في البيع، والإمام الغزالي والرافعي؛ لما ذكروا عدم البطلان لم يبينوا كيف الحال. فقال ابن الرفعة: إن أريد التخيير، كما في البيع، فهو في غاية الإشكال إذا كانت المسألة مصورة بعد القبض في الرهن، ولم يكن مشروطًا في بيع؛

стр. 1096

لأنه يؤدي إلى إبطال حق المرتهن اللازم لا إلى خلف ولا بدل، وذلك ضرر بيِّن بخلاف ما إذا كان مشروطًا في بيع، فإن الرهن إذا فسخ يمكن البائع من فسخ البيع. نعم، ذلك لا إشكال فيه إذا صح أن الخلاف مفروض فيما قبل قبض الرهن. فإن قلت: المخير على قول الصحة المرتهن في أن يرضى بمقدار ما قاله الراهن أو يفسخ الرهن ومع ذلك ينتفي ما ذكر من الإشكال، ويكون التشبيه بالبيع راجعًا إلى المعنى لا إلى الصورة، فإن المرتهن في هذا المقام يكون كالبائع ثمة. قلت: لو قيل بذلك لم يبعد لكني لم أر من قال به، والربيع حيث شبه الرهن بالبيع في قول التخيير صرح بأن المخير الراهن، وهو لا يصفو عن الكدر إلا إذا كان الرهن لم يقبض. نعم، لنا قول في البيع أنه لا يفسخ ولا ينفسخ بالاختلاط، ولا نجبر فيه أحدًا، بل يكون كما لو انثالت صُبرة لشخص على صُبرة غيره، ونظيره فيما نحن فيه ألا يفسخ الرهن ولا يتخير، بل يكون البعض مرهونًا، والبعض غير مرهون، ولعل كلام الإمام والغزالي محمول على هذا. انتهى كلام ابن الرفعة. وإشكاله على الفسخ إنما يرد إذا قلنا: الفاسخ الحاكم، ومع ذلك لا بعد أن يخصص الفسخ بما إذا كان مشروطًا في عقد، أو يقال بأن الفسخ لحاجة الراهن إلى التصرف التام في ثمرته التي لم يتناولها الرهن بالقطع وغيره، ولا سبيل إلى ذلك اختلاطها إلا بالفسخ وإبطال حق المرتهن؛ لأن الثمار وإن كانت مقبوضة بالتخلية، فهي بالنسبة إلى ما نحن فيه في حكم غير المقبوض؛ ولهذا شبهناها بالمبيع قبل القبض في الاختلاط وقبل

стр. 1097

القبض يجوز إبطال حق المرتهن، فأخذ هذا شبهًا منه عند الحاجة، وأما فرضه قبل قبض الرهن، فهو إحالة للمسألة. وقوله: لو قيل بأن المخير المرتهن لم يبعد، لكني لم أر من قال به إن أراد المخير في أول الأمر بمعنى عرض الأمر عليه، فصحيح أن أحدًا لم يقل به، ولكن القول به بعيد، وإن أراد الفاسخ عند امتناع الآخر فقد قلنا: إنه المرتهن على قول الرافعي والحاكم على قول القاضي أبي الطيب، وإنه على قول الرافعي لا إشكال فيه، وكذلك على قول القاضي لما أشرنا إليه آخرًا، وقوله: إن الربيع صرح بأن المخير الراهن يعني في عرض الأمر عليه أولًا ولا إشكال فيه والحكم على وفقه، فإذا حصل الامتناع ثبت للمرتهن الخيار كما يثبت للمشتري في البيع، وقد صفا عن الكدر، وأما حمل كلام الإمام والغزالي على ما ذكر فبعيد، وقد يتنافى الكلام السابق ما يصحح حمله على المذكور في البيع، وهو الأَوْلى. فرع قد تقدم قول الشافعي: "إن القول قول الراهن" (١) يعني في قدر الثمرة المختلطة إذا تنازع الراهن والمرتهن فيها. وقال المزني: "القول قول المرتهن، لأن الثمرة في يده والراهن يدعي قدر الزيادة عليه، فالقول قول الذي هي في يديه مع يمينه في قياس قوله عندي. وبالله التوفيق" (٢). انتهى. يعني: كما في البيع ورد الأصحاب ذلك بأن المرتهن معترف بالملك لغيره، وإن كانت اليد له فلم يقبل قوله عليه، واليد تدل على الملك دون

стр. 1098

الرهن، واستشهد له الرافعي "بما لو قال من في يده المال: رهنتنيه، وأنكر المالك؛ كان القول قول المالك" (١). قال ابن الرفعة: وفيما استشهد به نظر؛ لأن الغزالي ذكر في الدعاوي فيه، وفيما إذا ادعى الإجارة خلافًا، فإن كان قول القبول عن الأصحاب، فيعتضد به قول المزني، وإن كان عن المزني، فقد تناسب قوله. قال: وقد يقول المزني في مسألة اختلاط الحنطة المرهونة بحنطة أخرى للراهن غير مرهونة أن القول قول المرتهن أيضًا إذا كانا في يده، ثم أجاب ابن الرفعة عن الاستشهاد للمزني بما ذكر في الدعاوي، بأنه لو ادعى الملك لقبل لعدم معرفة الحال قبل إقراره، وهنا المرتهن لو ادعى الملك لم يقبل لمعرفتنا بأصل يده، فكذلك لم يقبل قوله في الرهن جزمًا. انتهى وهذا جواب جيد. فرع لو لم تقع منازعة ورهن الراهن الثمرة الحادثة من المرتهن، فكلام الرافعي يقتضي الجواز (٢). وقال الماوردي: "إن علما قدرها جاز سواء أرهنها في الحق الأول أم في غيره، فإن كان في الأول صار مدخلًا رهنًا على رهن، وهو جائز، فتكون المتقدمة والحادثة رهنا في حق واحد؛ وإن كان في حق ثان صارت الثمرة رهنًا في حقين مختلفين، وكل واحد من الرهنين مشاع في الرهن الآخر، فيكون قدر الثمرة الأولى الذي علماه أو اتفقا عليه من نصف أو ثلث رهنًا بالحق الأول، والحادثة التي علماها أو اتفقا عليها من نصف أو ثلثين رهنًا مشاعًا بالحق الثاني، وإن لم يعلما قدر الحادثة ولم يتفقا عليها فإن رهنها في

стр. 1099

غير الحق الأول كان باطلًا؛ لأنه رهن، مجهول، وإن رهنها في الحق الأول فوجهان؛ أحدهما: أنه باطل للجهالة. والثاني: جائز؛ لأن الثاني إذا دخل على أول صارا جميعًا رهنًا واحدًا، والجميع معلوم وإن جهلا قدر الثاني، فلا صحة يمنع رهن الجميع جهالة قدر الثاني، فلو لم يرهنها منه ولكن قال: سامحتك بالحادثة، فهذه المسامحة هي ترك المطالبة بها، وليست رهنًا لها، وله أن يرجع فيها متي شاء، ويطالبه بها، فهي رهن تباع معه إذا بيع، فتكون هذه المسامحة قطعًا للاختلاف والمنازعة" (١) هكذا قال الماوردي، ولم يجعله، كالمسامحة بنعل الدابة حتى لا يرجع على وجه ولعل الفرق أن المسامحة هناك تمليك. فرع لو لم يرهنها ولم يسمح بها، ولكن اتفقا على قدرها، وإنها ثلث الجملة أو ربعها، قال الماوردي: "سقط النزاع وكان ذلك القدر من الجملة مشاعًا في الثمرة خارجًا من الرهن" (٢). قال ابن الرفعة وكان يشبه أن ينظر إلى ذلك عند الاختلاط في أول الحال فيقال: إن توافقا على قدر المختلط، فلا محذور في الاختلاط، فينبغي، أن يكون الخلاف في البطلان وعدمه ولكني لم أر من قاله. انتهى، وهذا الذي قاله يظهر في بادي الرأي ولكنه بعيد؛ لأن مأخذ الانفساخ جعله كتلف المبيع قبل القبض، وهذا لا يختلف بالتراضي وعدمه، بل التحالف إذا قلنا بالانفساخ فيه بنفس التحالف لم يتوقف

стр. 1100

على استمرار النزاع فكذلك يجعل الاختلاط نفسه سببًا في الانفساخ على أحد القولين، وإنما يفيد اتفاقهما بعد ذلك تفريعا على الصحيح وهو بقاء العقد. فرع هذا كله إذا قلنا بالأصح؛ وهو بقاء الرهن أما إذا قلنا: يبطل بالاختلاط، فقد قال الماوردي: "ففي زمان بطلانه وجهان؛ أحدهما: أن الرهن بطل حين اختلاطه، ويجري مجرى تلف الرهن، فيكون قاطعًا لتمامه واستدامته، ولا يكون رافعًا من أصله، فعلى هذا لا خيار للمرتهن في فسخ البيع، كما لا يستحق بتلف الرهن بعد القبض الخيار في فسخ البيع. والوجه الثاني: أن الرهن باطل من وقت العقد، ويكون حدوث الاختلاط دالًّا على الجهالة به حين العقد، فيصير رافعًا له أصله، من وقد أشار إليه ابن أبي هريرة، فعلى هذا إن كان مشروطًا في بيع، ففي بطلان البيع قولان؛ أحدهما: باطل. والثاني: جائز وللبائع الخيار بين إمضاء البيع بلا رهن وفسخه" (١). انتهى. فأما قوله: "إنه يجري مجرى تلف الرهن وأنه لا خيار له في فسخ البيع" فبعيد جدًّا؛ لأن تلف المرهون لا يرفع العقد، وإن فكه، وليس صدور الفسخ بعد القبض مانعًا من كونه رفعًا موجبًا للخيار في البيع، بدليل أنه لو فسخ بعيب كان له الخيار في فسخ البيع، وكذلك قوله على الوجه الثاني أنه يكون حدوث الاختلاط دالا على الجهالة، وأن العقد يبطل به، فبعيد

стр. 1101

أيضًا لا يخفى بعده، ولو صح ما قاله الماوردي هنا على الوجه الأول من أنه لا خيار في فسخ البيع للزم مثله فيما إذا فرعنا على عدم البطلان، وحصل الفسخ للرهن لا يجوز فسخ البيع على قياس ما قال من طريق الأولى، لكنا قدمنا عن مفهوم كلام ابن الصباغ، والروياني، وغيرهما خلافه، فالصحيح إنا إذا قلنا ببطلان الرهن يثبت الخيار في فسخ البيع. نعم، هل نقول: ارتفاع الرهن من حينه أو من أصله يجري فيه الخلاف في الرهن في سائر الفسوخ، ولا يلزم من كونه من حينه ألا يثبت الخيار في البيع بدليل أنه لو فسخ الرهن بعيب ثبت له الخيار في البيع. فإن قلت: إنما يثبت له الخيار في فسخ البيع بظهور العيب في الرهن المشروط، كما يثبت بعيب المبيع وليس لأنه يتوقف على فسخ الرهن ثم فسخ البيع. قلت: قد أطلق الأصحاب أن بظهور عيب الرهن المشروط بعد القبض يثبت الخيار في فسخ البيع مع علمنا بأن الرهن قد حصل وقبض، فإن كان ذلك لانفساخ الرهن، وهو من حينه على الأصح، فيثبت ما قلناه أن الانفساخ بعد القبض وإن كان من حينه لا يمنع الخيار في البيع، وإن كان لا؛ لانفساخ الرهن بل لظهور عيبه، فلا شك أن الاختلاط منزل منزلة عيب سابق على القبض؛ ولهذا يفسخ أو ينفسخ، ولا خلاص للماوردي عن هذا الإشكال إلا بأن يقول: إن الفسخ أو الانفساخ بالاختلاط ليس ملحقًا بالتلف قبل القبض، ولا بالعيب قبل القبض بل هو ملحق بالتحالف؛ لتعذر الإمضاء مع النزاع والفسخ، أو الانفساخ بالتحالف ليس راجعا لأمر سابق على القبض، فلا يرفع حكمه، فلا يثبت به خيار في البيع الذي شرط فيه الرهن؛ لأن الرهن قد حصل وقبض وطرأ عليه ما أبطله، فلا يقدح فيه، وفي

стр. 1102

كلام الماوردي ما يشعر بهذا - أعني: إلحاقه بالتحالف، وبهذا يتبين أن ما أفهمه كلام ابن الصباغ وغيره من ثبوت الخيار؛ تفريعا على بقاء الرهن ليس مجزومًا به، بل يأتي فيه خلاف الماوردي، ويكون في ثبوت الخيار في البيع بالاختلاط سواء قلنا بالفسخ أو الانفساخ وجهان؛ أصحهما: الثبوت، وهو ما أفهمه كلام الأكثرين. والثاني: المنع، وهو ما اقتضاه كلام الماوردي. فرع هذا كله إذا كان الاختلاط بحيث لا تتميز الحادثة عن القديمة، فلو تميزت بالكبر أو الصغر أو نحو ذلك، فرهن الأولى على حالة لا تتغير بحدوث ما تميز عنها. فرع لو رهن زرعًا يتزايد وشرط قطعه في الحال جاز حالًّا كان الدين أو مؤجلًا، لكن في المؤجل يعود حكم ما يتسارع إليه الفساد إذا كان الزرع بعد القطع كذلك، وكذا في الحال وبيعه على ما سبق لوفاء الدين أو للحفظ وإن شرط التبقية، فحكمه حكم الثمار التي تتلاحق غالبًا، والرهن فيهما، باطل كما في البيع كذا قال الغزالي (١). وقال الإمام: "إن كان الزرع مخلفًا كالقرط، فإن رهنه بمؤجل لم يصح إلا بشرط القطع، وحكمه بعد القطع حكم ما يفسد وإن رهنه بحال ففيه كالثمن قبل الزهو قولان، وإن لم يكن مخلفًا، فإن لم ينج من العاهة، ففي إلحاقه بالمخلف وجهان مأخذهما أنه لو اشتراه هل يملك عروقه، فيه وجهان؛ إن قلنا لا يملكها ألحقت زيادته بزيادة القرط، وحكمها حكم اختلاط الرهن بغيره.

стр. 1103

وإن قلنا: يملكها التحقت الزيادة بكبر الثمن المتعرض للعاهة، فيفرق بين أن يشترط القطع وألا يشترطه" ونسب الإمام إلحاقهما بالمخلف إلى الشيخ أبي علي. وقال:" إن عدم الإلحاق فقيه عنده، فعلى قول الشيخ أبي علي ما يزداد منه إلى الإدراك حكمه حكم ما يزداد من النقل المخلف، وعلى الوجه الثاني لا حكم لهذه الزيادة، ككبر الثمرة" (١). ونص الشافعي في "الأم" (٢): "أنه إذا رهنه زرعًا على أن يحصده إذا حل ألحق بأي حال ما كان فيبيعه فإن كان الزرع يزيد بأن ينبت منه ما لم يكن نابتا في يده إذا تركه لم يجز الرهن؛ لأنه لا يعرف الرهن منه الخارج دون ما يخرج بعده"، وفرق بينه وبين الثمرة بأن الخارج منه غير الرهن، والزائد في الثمرة يعني في كبرها وسمنها من الثمرة. * * *

стр. 1104

قال: فصْل [في رهن الجارية دون ولدها] يجوز أن يرهن الجارية دون ولدها؛ لأن الرهن لا يزيل المِلْك، فلا يؤدي إلى التفريق بينهما، فإن حلَّ الدَّيْن ولم يَقْضِهِ [بِيعَتِ] (١) الأم والولد، ويقسم الثمن عليهما، فما قابل الأم تعلق به حق المرتهن في قضاء دَيْنه، وما قابل الولد يكون للراهن لا يتعلق به حق المرتهن. قد عرف في أول البيع النهي عن التفريق بين الوالدة وولدها، والمشهور الذي لا يكاد يُعْرف خلافه أن النهي نَهْيُ تحريم، وأغرب القاضي حسينٌ هنا، فحكى عن القديم أنه نهي تنزيه، وهذا مع غرابته ضعيف لا تعويل عليه، وإنما الخلاف بين القديم والجديد في صحة البيع، ففي القديم: يصح مع التحريم، وفي الجديد: لا يصح، ومحل الكلام على ذلك وتفاصيله مذكورة في البيع، وحيث جاز التفريق بالبيع؛ جاز الرهن بلا إشكال، وحيث امتنع بالبيع، فيجوز في الرهن أيضًا؛ سواء رهن الأم دون الولد أم الولد دون الأم. قال الشافعي: "لا بأس أن يرهن الجارية ولها ولد صغير؛ لأن هذا البيع

стр. 1105

ليس بتفرقة" (١). واختلف الأصحاب في معنى هذه اللفظة، فقيل: معناه: أن الرهن لا يوجب التفرقة، فإن منافع الأم للراهن، فيجمع بين الأم والولد، ويكلفها حَضْنه وإرضاعه (٢)، فإن الرهن لا ينقل الملك بخلاف البيع، ثم ما يتفق من بيع وتفريق، فهو من ضرورة إلجاء الرهن إليه، ومن قال بهذا لم يبالِ بإفراد أحدهما بالبيع، إذا وقعت الحاجة إلى البيع. وقيل: معناه: أنه لا تفرقة في الحال، وإنما التفرقة تقع عند البيع، وحينئذٍ يحذر منها بأن نبيعهما معًا. قال الرافعي: "والأصح التفسير الثاني: إنهما يباعان ويوزع الثمن على قيمتيهما" (٣)، واستدل الماوردي أيضًا لجواز رهنها "بأن عقد الرهن عليها يجري مجرى إجارتها، بل هو أقرب؛ لأن عقد الإجارة يوجب حبس الرقبة وملك المنفعة وعقد الرهن لا يوجب غير الحبس، فلما جازت إجارتها دون ولدها جاز رهنها دون ولدها" (٤)، وقول المصنف: "لأن الرهن لا يزيل الملك" صالح للتفسير الأول والثاني. وقوله: "فلا يؤدي إلى التفريق" ظاهر في الثاني، ولصاحب التفسير الأول أن يمنع كونه لا يؤدي إلى التفريق؛ لأنه إذا كان يؤدي إلى البيع عند الحاجة إليه والبيع يؤدي إلى التفريق على رأيه، فهو مؤد إلى التفريق بواسطة. واستدل الشيخ أبو حامد بالقياس على الإجارة والتزويج، وبأنه يجوز أن تكون الجارية في مستدام الرهن رهنًا دون الولد، فكذا في الابتداء، وبأن الولد قد يموت قبل المحلِّ أو يقضي الدَّيْن في موضع آخر،

стр. 1106

فإن حلَّ الحقُّ، والولد باقٍ بحاله صغيرًا بعناهما معًا. ومقصود الأصحاب بذلك كله الفرق بين الرهن والبيع. وهنا شيء آخر أشكل؛ وهو طلب الفرق بين رهنها دون ولدها ورهن الثمرة قبل بُدُوِّ الصلاح، بدون شرط القطع، وكلٌّ منهما قابل للبيع من حيث الجملة في نفسه، وضم الولد إلى الأم، كشرط القطع في الثمرة، فلم اتفقوا على جواز رهن الأم دون الولد، واختلفوا في الثمرة؟ والجواب: أن العادة في الثمرة الإبقاء إلى أوان الجداد أو الصلاح، فمتى لم يشترط القطع كان كمن شرط ألا يباع عند المحل، وليس كذلك رهن الأم دون ولدها، فإنه لم يقترن به ما يمنع من بيعها؛ أي: وقت حل الدين ولا مانع من ضم الولد إليها، وإنما قلنا: الجداد أو الصلاح لما سبق أنه إذا رهنها بعد الصلاح بما يحل قبل الجداد هل يجب شرط القطع أو لا؟! والمقصود هنا؛ أن الموجب لبطلان الثمرة ليس موجودًا في الجارية دون، ولدها وهو فرق جيد، فاغتبط به. قال ابن الرفعة: وهل الكلام في رهن الأم دون ولدها الصغير، إذا قلنا: إن بيعها لا يصح كما هو الجديد، وإذا قلنا بالصحة، كما هو القديم، أو على القولين معًا لم أر فيه نقلًا، والظاهر أنه على القولين معًاح لأنَّا. وإن قلنا بالصحة فهو حرام، فلا يجوز التسليط عليه. قلت: والصواب القطع بأنه على القولين معًا، والتعليل بكون البيع حرامًا غير مناسب لصحة الرهن، وإنما العلة على الجديد المانع من صحة البيع ما سبق من الفرق، وعلى القديم من طريق الأَولى وإنما يناسب التعليل بالتحريم، وأنه لا يجوز التسليط عليه لو قيل هنا بأنه لا يجوز رهن الأم دون الولد، ولا أعلم أحدًا قال به، ولعل مراد ابن الرفعة من الكلام في

стр. 1107

أنهما هل يباعان معًا أو الأم وحدها، وأن القول ببيعهما معًا علي القديم والجديد "إذا عرف جواز رهنها، فإذا حل الحق، وهي رهن، فإن أمكن الراهن قضاء الحق من ماله لم يبع عليه، وإن تعذر بيعت حينئذٍ"؛ هكذا قاله الماوردي (١). وعبارة الشيخ أبي حامد، والمحاملي، والروياني "إن قضاه الراهن وإلا بيعت مع ولدها" (٢). وهذه العبارة مُشْعرة بأن الخِيَرة للراهن ولا شك في ذلك إذا قلنا: يباعان معًا. وأما إذا قلنا بالتفريق للضرورة، فيحسن ما أشعر به كلام الماوردي من أنه لا يُصَار إلي البيع عند العجز عن وفاء الدين من سائر أموال الرهن؛ لعدم الضرورة إلي التفريق، وحيث جاز البيع هل يجوز بيعها دون ولدها؟! فيه وجهان، حكاهما ابن أبي هريرة (٣) مبنيان علي التفسيرين المتقدمين لكلام الشافعي: أحدهما: يجوز للضرورة كما تباع إذا كان ولدها حرًا مثل أن يطأ الراهن الجارية المرهونة. وقلنا: إن إحباله لا ينفذ فيبيع الجارية دون الولد للضرورة؛ ولأنه ليس بيع الولد لوجوب بيع الأم بأوْلَي من بطلان بيع الأم لعدم بيع الولد. وأصحهما - وهو الذي ذكره المصنف: أنهما يباعان معًا هي وولدها، ولا يجوز التفريق بينهما؛ لأنه لما رهنها دون ولدها وكان الرهن مفضيًا إلي بيعها، وقد منع الشرع من التفرقة بينه وبينها، صار الرهن موجبًا لبيعه معها، وهذا الوجه هو المنصوص، واقتصر عليه كثيرون، واستدل له بأنه لو جنت الأم وأراد بيعها وحدها لم يجز، بل يباعان معًا، كذا قطع به الجمهور.

стр. 1108

وذكر المتولي أنه على هذا الخلاف. وأجرى المتولي أيضًا الخلاف في الفَلَسِ والرد بالعيب، وأن فيهما طريقين؛ إحداهما: طرد قولين. والأخرى: القطع بجواز الرجوع في الأم، وما ذكره في الفلس غريب، وإن وافقه الماوردي عليه، وسنذكره في بابه إن شاء الله. وأما الرد بالعيب، فالأصح امتناع التفريق فيه، وإن كان المصنف صحح الجواز، وقد بَيَّنَّا ذلك في باب الرد بالعيب، ولم يختلف في التصحيح ها هنا، وإن الصحيح أنهما يباعان معًا، فعلى هذا إذا بيعا قُسِّم الثمن على الأم، والولد على قدر قيمتيهما، كما ذكره المصنف، وتشتد الحاجة إلى معرفة ما يقابل كلًّا منهما إذا تعلق حق غريم آخر بالولد بسبب فلس، متصل بالحَجْر أو موت والديون محيطة، فلو كان الراهن مطلق التصرُّف وبيعت الجارية والولد. قال الشيخ أبو علي: "فعلى الراهن توفير الدين كملا ولا يكاد يظهر فائدة للمسألة" (١) يعني: معرفة التوزيع. قال الإمام: بل يظهر؛ لأن الراهن لا يجوز له أن يتصرف في ثمن المرهون قبل وفاء الدين بدون إذن المرتهن، ففائدة معرفة ما يقابل الولد نستفيد بها تصرفه فيه قبل وفاء الدين وإذنه. قال ابن الرفعة: ويظهر أيضًا فيما إذا كان الدين مؤجلًا وبيعَا لمعنًى اقتضى بيعهما، فإنا نحتاج إلى معرفة ما يحبسه من الثمن إلى الحلول لأجل حق المرتهن. * * *

стр. 1109

فرع في كيفية التوزيع، قال الرافعي: "قدم الإمام على بيانه مسألة هي مقصودة في نفسها فنأتم (١) به في تقديمها، ثم نعود إلى هذه" (٢)؛ ولذلك نحن نأتم (٣) بالرافعي، وإن كان بعض ما نذكره يأتي في كلام المصنف. فيقول: أما تلك المسألة؛ فهي إذا رهن أرضًا بيضاء، فنبت فيها نخل، فلها حالان؛ أحدهما: أن يرهن الأرض، ثم يدفن النوى فيها، أو يحمله: السيل أو الطير، فهي للراهن، ولا يجبر في الحال على قلعها، فلعله يؤدي الدين من موضع آخر، فإن دعت الحاجة إلى بيع الأرض، فإن وفَّى ثمنها لو بيعت وحدها بالدين فبيعت وحدها، ولم نقلع النخل، وكذا لو لم يف به إلا أن قيمتها وفيها الأشجار كقيمتها بيضاء، وإن لم تف به وقيمتها تنقص بالأشجار، فللمرتهن قلعها لبيع الأرض بيضاء، إلا أن يأذن الراهن في بيعها مع الأرض، فيباعان ويوزّع الثمن عليهما، هذا إذا لم يكن الراهن محجورًا عليه بالإفلاس، فإن كان؛ فلا قلع بحال لتعلُّق حق الغرماء به، بل يباعان ويوزع الثمن عليهما، فما قابل الأرض اختص به المرتهن وما قابل الأشجار قسم بين الغرماء، فإن نقصت قيمة الأرض بسبب الأشجار حُسِب النقص على الشجر؛ لأن حق المرتهن في الأرض فارغة، وإنما منع من القلع لرعاية جانبهم، فلا يهمل جانبه بالكلية. الحال الثاني: أن يكون النوى مدفونًا في الأرض يوم الرهن ثم ينبت، فإن كان المرتهن جاهلا بالحال، فله الخيار في فسخ البيع الذي شرط فيه

стр. 1110

هذا الرهن، فإن فسخ وإلا فهو كما لو كان عالمًا، وإن كان عالمًا فلا خيار، وإذا بيعت الأرض مع النخل وُزِّع الثمن عليهما، والمعتبر في الحال الأول قيمة أرض فارغة، وفي الحال الثاني قيمة أرض مشغولة؛ لأنها كانت مشغولة يوم الرهن. وفي كيفية اعتبار قيمة الشجر وجهان، نقلهما الإمام في الحالين أصحهما: يقوِّم الأرض وحدها، فإذا قيل: هي مائة قُوِّمت مع الأشجار، فإذا قيل: مائة وعشرون فالزيادة بسبب الأشجار سدس، فيراعي في الثمن نسبة الأسداس. والثاني: يقوم الأرض وحدها فإذا قيل: قيمتها مائة قومت الأشجار وحدها، نابتة، فإذا قيل: هي خمسون، فالنسبة بالأثلاث. واعلم أن في المثال المذكور لإيضاح الوجهين تكون قيمة الأرض ناقصة بسبب الاجتماع؛ لأنا فرضنا قيمتها وحدها مائة، وقيمة الأشجار وحدها نابتة خمسين وقيمة المجموع مائة وعشرين. عدنا إلى مسألة الأم والولد، فإذا بيعا وأردنا التوزيع؛ ففيه طريقان؛ أحدهما: إن التوزيع عليهما؛ كالتوزيع على الأرض والشجر، فتعتبر قيمة الأم وحدها، وفي الولد الوجهان؛ أحدهما تقوم الأم وحدها، ثم نقوِّمها مع الولد. والثاني: نقوِّم الأم وحدها، ثم نقوِّم الولد وحده مضمومًا إليها، أي: مع وجود أمه، فإن قيمته وحده تزيد حينئذ، كقيمة الأشجار نابتة في الأرض وحدها، فإنها تزيد على قيمتها وحدها مقلوعة. والطريق الثاني: أن الأم لا تُقَوَّم وحدها، بل تقوم مع الولد وهي حاضنته؛ لأنها رهنت وهي ذات ولد، والأرض بلا أشجار، ويقوم الولد مع الأم كما سبق، وهذا هو الذي أورده الأكثرون.

стр. 1111

نعم، لو حدث الولد بعد الرهن والتسليم من نكاحٍ أو زنًا وبِيعَا معًا، فللمرتهن قيمة جارية لا ولد لها، ونقل الغزالي الوجه الثاني على خلاف ما نقله الإمام، فقال: "تقدر قيمة الولد أيضًا مفردًا حتى تقلّ قيمته فيكون عشرة مثلًا، فيقال: هي جزء من عشر جزءًا، فيقسم على هذه النسبة" (١) كذا قال في "الوجيز". قال الرافعي: "والوجه ما نقله الإمام أن تقدر قيمة الأشجار نابتة لا مقلوعة" (٢)؛ أي: وكذلك تقدر قيمة ولد له أم، فإنها أزيد من قيمة ولد لا أم له، فإنه يكون ضائعًا، وليس كما إذا قُوِّم محضونًا مكفولًا، فإنه تزيد قيمته وأما قول الغزالي في "الوسيط": "قيمة الولد خمسون" (٣)، فيحتاج إلى تغيير فرض أن قيمتها مائة وعشرون فإنها إذا كانت وحدها مائة ومع الولد مائة وعشرين استحال أن يكون الولد وحده خمسين. وقال النووي ﵀: "ذكر الرافعي في مسألة الغراس في الأرض الفرق بين علم المرتهن وجهله في ثبوت الخيار ولم يذكره هنا فكأنه أراد أنه مثله، وقد صرح صاحب "الشامل" بذلك فقال: إن كان عالمًا بالولد حال الارتهان فلا خيار، وإلا فله الخيار في فسخ البيع المشروط فيه الرهن. وقال صاحب "الحاوي": إن علم فلا خيار، وإلا فإن قلنا: تباع الأم دون الولد، فلا خيار. وإن قلنا: يباعان، ففي الخيار وجهان: وجه المنع: أنه لا يتحقق نقصها بل قد تزيد" (٤).

стр. 1112

قلت: الأقوى ثبوت الخيار وما ذكره الماوردي من البناء على الخلاف لا بد منه، ولم يتعرض الأصحاب في الرد بالعيب عند تفصيل العيوب إلى كون الجارية لها ولد، فإما أن يكون ذلك اكتفاء بالضابط. وإما أن يكون كلامهم هنا مختصًّا بالرهن؛ إذ هو مختص بالولد الصغير المملوك، ومثله لا يتصور في البيع لمنع التفريق. وأما الكبير والحر، فيظهر في الرهن أنه ليس بعيب، وكذا في البيع، ويحتمل أن يقال: إنه إذا نقصت قيمتها بوجودهط كان عيبًا. وهنا تنبيهات: أحدها: أن الخلاف بين الطريقين اللذين حكاهما الإمام، إنما هو في تقويم الأم، فعلى الطريقة الأولى تقدَّر فارغة. وعلى الثانية: تقدر حاضنة؛ أما الولد فيعود فيه الوجهان؛ أصحهما: يقدر مع الأم، فيؤخذ قيمة المجموع، كما أخذنا قيمة الأرض مع الشجر، ونسبنا منها قيمة الأرض وحدها. والثاني: يقدر الولد وحده وجود أمه. وحاصله: أن المنسوب في مسألة الأرض لا خلاف فيه، وهو قيمة الأرض فارغة والخلاف فيها في المنسوب إليه، هل هو قيمة الأرض مع الشجر جميعًا أو قيمة الأرض وحدها وقيمة الشجر وحدها نابتة؟! ومجموع القيمتين أكثر من قيمة الشيئين. وفي مسألة الجارية الوجهان في المنسوب إليه على حالهما لم يختلف الطريقان هل ينسب من مجموع القيمتين أو من قيمة الشيئين والطريقان في المنسوب هل هو قيمة الأم حاضنة أو غير ذات ولد، وكلام الغزالي في الولد وتقديره وحده بلا أم مباين لكلام الإمام بالكلية. وذكر ابن الرفعة أن كلام القاضي حسين يقتضيه قال: ومن ذلك يجمع

стр. 1113

أوجه؛ أحدها: تُقوَّم الأم مفردة خليَّة من الولد، ثم تقوم وولدها. والثاني: تقوم مفردة ولها ولد، ثم يقومان وهو نظير وجه في المفلس إذا غرس الأرض ورجع فيها بائعها أن الأرض تُقَوَّم مشغولة بالغراس، ولا تدخل في التقويم وتقوم مع الغراس ويوزع الثمن على ذلك. والثالث: تقوم بمفردها خلية من الولد، ويقوم الولد بمفرده خليًّا من الأم، كما اقتضاه الغزالي. والرابع: تقوم الأم بمفردها خلية من الولد ثم يُقوم الولد بمفرده مع الأم وقيمته تزيد بذلك. والخامس: تقوم الأم بمفردها مع الولد ويُقوم الولد بمفرده مع الأم، وهي اختيار صاحب "التقريب". قال ابن الرفعة وعليها اقتصر الماوردي حيث قال: يقال: كم قيمة الجارية وحدها إذا بيعت مع الولد؟ فإذا قيل: ألف، قيل: وكم قيمة الولد وحده إذا بيع مع الأم فإذا قيل خمسمائة قُسم الثمن أثلاثًا، قال: وعلى ذلك ينطبق كلام ابن الصباغ، وإن كنت قد قلت في "الكفاية": إن بينهما فرقًا، ويخرج من كلام سليم في "المجرد" وجه سادس عليه اقتصر، فقال: ينظر في قيمة الجارية وهي ذات ولد وفي قيمة الولد على الانفراد، فإن كانت الجارية تساوي مائة، والولد خمسين كان ثلثا الثمن - قل أو كثر - رهنًا، والثلث للراهن يختص، قال: وهذا إن أجرى قوله، وفي قيمة الولد على الانفراد على ظاهره وإن قيل: معناه أنه يُقوم على الانفراد وله أم؛ كان كالوجه قبله. قلت: والأصح من هذه الأوجه هو الثاني، وهو أنها تُقوم مفردة ولها ولد، ثم يقومان فننسب قيمة الأم من المجموع، فيختص المرتهن بنسبته

стр. 1114

من الثمن. وقال الرافعي في "المحرر": الأظهر في كيفية التوزيع أن تقوم الأم وحدها ثم تقوم مع الولد، فما زاد، فهو قيمة الولد. فقوله: تُقوم الأم وحدها. يتعين حملة على أنها وحدها حاضنته كما قاله في "الشرح" عن الأكثرين، وإن كان لفظ "المحرر" محتملًا لذلك وللوجه الأول. وقوله: فما زاد فهو قيمة الولد، مراده: أنه يختص به الراهن وإلا فليس هو قيمة الولد وحده، بل بعضه قيمة الولد وبعضه بسبب الانضمام هذا إن اقتضى الانضمام الزيادة، وقد يقتضي الانضمام النقصان، لكنه عند تقويمها حاضنة بعيد، وإنما يقتضي النقصان أو يحتمله كثيرًا لو قُومت خَلِيّة، وكانت قيمة الولد وحده قليلة لا يجبر نقصها بسببه. وعلى كل حال حيث يقتضي النقصان، فالزائد على قيمة الأم هو الذي يختص به الراهن، وإن كان أنقص من قيمة الولد وحده، والنقص الحاصل بالانضمام غير مضمون له، كما أن الزيادة الحاصلة بالانضمام غير مضمونة عليه، بل يفوز بها ولا يزاحمه فيها المرتهن. فإن قلت: إذا كانت قيمة الأم حاضنة مائة، وقيمة الولد عشرين وقيمتهما مائة وخمسين فالثلاثون الزائدة لم يفز (١) بها الراهن، وهلا قسمت، فجعل خمسة منها للولد وخمسة وعشرين للأم على نسبة القيمتين، ويختص المرتهن بما يقابل زيادة الأم أيضًا، فيكون مائة وخمسة وعشرين، وكأنها ازدادت قيمتها. قلت: لأنه إنما استحق بالرهن جارية، بمفردها، والزيادة بسبب الانضمام، وإن كانت منسوبة إليهما لا يستحقها المرتهن، كما لو جمع

стр. 1115

الراهن بين الرهن وعين أخرى من أمواله، فباعهما جميعًا، فإنَّا نوزِّع الثمن ونخصّ المرتهن ما يقابل الرهن وحده، وإن فرضت زيادة بالانضمام إلى العين الأخرى، فهي للراهن. فإن قلت: إذا كان الولد حادثًا من نكاح أو زنا وبيعَ معها لم تُقوَّم الأم خلية عن الولد ونقصانها به عيب حادث والعيب الحادث لا يضمنه الراهن، فكان ينبغي أن يقوم على ما هي عليه الآن حاضنة. قلت: ليس هذا نقصًا في ذات الأم المستحق بيعها، ولو سلم أنه نقص، فهو مجبور بما حصل من الزيادة بسببه، فإنه إذا كانت قيمتها خلية مائة وحاضنة خمسة وسبعين وقيمة الولد عشرين وقيمة المجموع مائة وخمسين، فالثلاثون الزائدة منها خمسة للولد وخمسة وعشرون للأم، فهي تجبر النقص الحاصل منها، وكأنها أرش جناية حدثت على الرهن، فيختص بها المرتهن، وقد رأيت ابن الصباغ ذكر هذا السؤال، وجوابه بقريب من هذا المعنى. فقال: إن قيل: هذا الولد حدث في يد المرتهن، فصار بمنزلة ما لو رضي به، كما لو حدث فيه نقص وعيب. فالجواب: أن ذلك لا يجري مجرى النقص الحادث بتلف جزء من الرهن؛ لأن التالف مضمون عليه بسقوط حقه من الوثيقة، وفي مسألتنا الرهن بحاله وهذا الولد زيادة للراهن يقتضي وجوده نقصان قيمة الأم لبيعه معها فإذا لم يرض به لم يلزمه حكمه. انتهى. فإن قلت: إذا رهنها ذات ولد وقلتم: إنهما يباعان معًا، فالرهن مقتضٍ لبيع الولد معها وذلك يقتضي استحقاق المرتهن للزيادة الحاصلة بالانضمام.

стр. 1116

قلت: لا؛ وذلك لأنّا أولًا: نقول: إن المقتضي لبيع الولد معها مَنْعُ الشرع من التفريق. وثانيًا: نقول: الرهن يقتضيه أيضًا بواسطة، ولكن فرق بين اقتضائه لبيع الأم واقتضائه لبيع الولد، فإن الذي اقتضاه من بيع الأم هو بيعها في وفاء الدين، وهو الذي يستحقه المرتهن، والذي اقتضاه من بيع الولد وانضمامه مع أمه ليس في وفاء الدين، ولا استحقاق للمرتهن في ماليته، وإنما اقتضاه الرهن من حيث كونه بيعًا وسيلة لوفاء الدين من أمه فقط، فلذلك كانت الزيادة بالانضمام خاصة بالراهن، وإن اقتضى الرهن بيعهما لكن البيعان مختلفان ذاك بيع في الوفاء، وهذا بيع في غير الوفاء، ولا إشكال في تقويم الأرض مفردة إذا لم يكن فيها نوى حين الرهن؛ لأنه لا يلزم المرتهن ضمه إليها حين البيع، وكذلك لا إشكال إذا قلنا: تباع الأم وحدها، فإن المرتهن إنما يختص بثمنها وإن حصل نقص بسبب حدوث الولد. التنبيه الثاني: إن الإمام لم يذكر في هذا المكان إذا رهن الأرض ولا نوى فيها، وإنما ذكر "إذا رهنها وكان فيها نوى فقبض المرتهن الرهن، ثم نبت النوى شجرًا"، وذكر على الوجهين السابقين "أنا نُقوم الأرض بيضاء"، ثم ذكر الطريقين في الجارية: "أحدهما: أنها تُقوم وحدها كالأرض، وهي اختيار الشيخ أبي علي، والقاضي". وذكر أن صاحب "التقريب" ذكرها، وذكر معها طريقة أخرى واختارها أن تقوم حاضنة، وفرق بأنها رُهنت ذات ولد والأرض رهنت ولا غراس ثم حدث الغراس" (١). انتهى. ونحن قدمنا أنه في الأرض إذا لم يكن بها نوى تقوم فارغة، وإن كان بها

стр. 1117

نوى تقوم مشغولة، وكذا قاله الرافعي (١)؛ فمسألة إذا لم يكن بها نوى لا إشكال فيها في تقويمها فارغة، ومسألة: إذا كان بها نوى قد علمت كلام الإمام والرافعي فيها، وبينهما تفاوت، فإن حاولنا الجمع بينهما، فيحمل كلام الإمام على أنها تُقوم بيضاء، أي: غير ذات شجر، وإن كان فيها نوى، وكلام الرافعي على أنها مشغولة بالنوى، ويتفق الكلامان، والمعنى يقتضيه. ولهذا قال الإمام في الفرق: "ولا غراس" (٢) ولم يقل: وليست مشغولة، فكأنه إنما أراد لا تُقوم مع الشجر، ولا شك أن قيمتها مع الشجر أنقص من قيمتها مع النوى، فيتعين حمل كلامه وكلام الرافعي على ما قلناه، وقياس هذا أن تقوم الجارية على حالها حين الرهن من كونها حاضنة لذلك الطفل قطعًا، كما تقوم الأرض مشغولة بالنوى، وعلى هذا يشكل جريان الطريقين في الجارية والقول بتقويمها وحدها، وخطر لي في دفع هذا الإشكال رد الطريقين إلى أنا هل نقومها حاضنة على حالها حين الرهن أو حاضنة على حالها حين البيع، وقد يكون بين الحالتين تفاوت؛ تارة بالزيادة وتارة بالنقصان فعلى الطريقة الملحقة بالأرض نقومها حاضنة كهي حين الرهن وعلى الطريقة الأخرى نقومها حاضنة، كهي الآن هذا الذي خطر لي في ذلك وليس صافيًا عن الإشكال، فإن الظاهر من كلامهم خلافه، وإن صاحب "التقريب" يُقومها حاضنة، والشيخ أبو علي يقومها بلا ولد (٣)، ونظيره تقويم الأرض بلا نوى، فإن صح ذلك، فهو خلاف ما قال الرافعي، وكيف تقوم بلا نوى، والنوى وضع فيها بحق قبل الرهن، ولا يستحق المرتهن نزعه، والحق ما ذكره المحاملي في "التجريد"، و "المجموع" وهو

стр. 1118

أنه إذا رهنه وفيها نوى يدفع إلى المرتهن قيمة أرض فيها نخل؛ لأنه لما علم بذلك ورضي به؛ صار راضيًا بارتهان أرض النخل، فاستحقها على تلك الصفة، هكذا قال في الكتابين معًا، وكذا الماوردي، والمراد: إذا أخرجت النخل، وهذا يؤيد قول الرافعي: "أنها تُقوم مشغولة" (١) ويفسر الشغل بما هي عليه حين البيع إن كانت بنوًى قومها مشغولة بنوًى وإن كانت بنخل قومها مشغولة بنخل؛ لأنه نابت من النوى المستحق إبقاءه فلا يختلف حكمه إذا كان قد علم به أو لم يعلم، ولكن رضي لما علم، والإمام ﵀ ذكر هنا مسألة "الأرض إذا كان فيها نوى حين الرهن، وإنها تقوم بيضاء"، وهذا في غاية الإشكال إذا حمل علي تقويمها فارغة، ثم ذكر الإمام بعد هذا الفصل "رهن الأرض فارغة، ثم ينبت فيها نخل" (٢) وأحال كيفية التوزيع على ما ذكره هنا، وذلك يؤيد أنه يريد تقويمها فارغة في الحالتين، ولا وجه لذلك، ولم أر أحدًا وافق الإمام على ذلك، والقاضي حسين ذكر رهن الأرض وفيها نوى، ثم رهن الأرض الفارغة إذا نبت فيها نوى، حمله السيل، أو غرست، ثم كيفية التوزيع والوجهين فيه لكن كلامه مصروف إلى المسألة الثانية دون الأولى، وهذا مما لا ينبغي التردد فيه، أما الجارية إذا حدث لها ولد فتُقوم خلية بلا خلاف وإن كان لها ولد حين الرهن، فالوجه القطع بتقويمها ذات ولد، وحكاية صاحب "التقريب" والإمام والرافعي الطريقين فيها في غاية الإشكال، وكيف تقوم خليةً، وهي غير خلية، لا حين الرهن ولا حين البيع، والإشكال على الرافعي أشد منه على الإمام، فإن الرافعي جزم بتقويم الأرض إذا كان فيها النوى مشغولة، فكيف تحكي الطريقين في جارية لها ولد؟! والإمام حكايته الطريقين مناسب لظاهر

стр. 1119

قوله: إنها تُقوم الأرض بيضاء، وقد فرضها ذات نوى، ولكن قوله هذا مشكل، فهو مشكل جرى على تناسب، وقول الرافعي في تقويم الأرض ظاهر جرى على غير تناسب، والصواب في هذا دفع الطريقة التي تُقوم الجارية خلية، ودفع تقويم الأرض فارغة، وقد زال الإشكال وحصل التناسب. فإن قلت: كيف تندفع هذه الطريقة، وقد ارتضاها الشيخ أبو علي والقاضي حسين على ما حكاه الإمام. قلت: قد نظرت كلام القاضي حسين في تعليقه ولفظه في مسألة الجارية وفي كيفية التوزيع وجهان؛ أحدهما: تقوم الجارية دون الولد، ثم مع الولد فيقال قيمتها دونه مائة ومعه مائة وعشرون، فيقسم الثمن أسداسًا. والثاني: تقوم الجارية على الانفراد والولد على الانفراد فيقول: قيمة الجارية مائة، وقيمة الولد خمسون، فيقسم الثمن أثلاثا. انتهى. وليس فيه تصريح بتقويمها خلية، بل هما الوجهان في تقويم الشجر، هل يدخل في تقويم الأرض أو يُقوم منفردًا، وكذا هنا تُقوم الجارية على الانفراد؛ أي ذات ولد ولا يدخله معها في التقويم، ثم يقومه معها على الوجه الأول، ومنفردًا على الوجه الثاني، ولا يراد بالانفراد تقدير الخلو، بل عدم الإدخال في التقويم، فليس في كلام القاضي إلا ذلك، وهذا مما لا إشكال فيه، وهو جارٍ بعينه في الأرض الحاملة للنوى حين الرهن. وأما كلام الشيخ أبي علي فلم أره، ولعله مثله وأما ذكر صاحب "التقريب" على ما حكاه الإمام الطريقين، فهو المشكل لإثباته الطريقين، ولا وجه إلا القطع بتقويمها ذات ولد ولفرقه المذكور بينها وبين الأرض، فيوهم أن الحكم في الأرض ذات النوى تقدر فارغة ولا وجه له ولو صح لم يصح معه الفرق

стр. 1120

المذكور، وإن أريد الأرض الفارغة، فهو الذي قاله الأصحاب، وفرقوا بينها وبين الجارية، وذلك مما لا يلتبس على أحد؛ ولذلك قطعوا في الجارية بتقويمها ذات ولد، وفي الأرض الفارغة بتقويمها فارغة، وقطع المحاملي والماوردي (١)، كما حكيناه في الأرض ذات النوى، بتقويمها إذا حصل فيها من ذلك النوى نخل ذات نخل وهو كلام بيِّن لا إشكال معه، فلا مزيد عليه. وذكر ابن الرفعة أن نظير رهن الأرض وفيها نوى، رهن الجارية حاملًا، وإن قضية ما سبق؛ أن المرتهن إذا علم بحملها وقلنا: الحمل لا يدخل في الرهن، ووضعت وبيعت مع الولد يكون الحكم كما لو رهنها والولد منفصل، فيدفع للمرتهن قيمتها، ولها ولد؛ لأنها تنقص بذلك، وهو كلام صحيح. وأما حكايته الأوجه الستة المتقدمة، فهو بالتوليد مما اقتضاه كلام الإمام والرافعي من تقدير الخلوِّ، وقد علمت ما فيه من الإشكال ولعله لا يثبت عن أحد من الأئمة الأصحاب. فإن قلت: لعل الفرق بين الطريقين على طريقة صاحب "لتقريب" تعتبر قيمة الأم حين انضمامها إلى الولد مبيعين، وذلك أمر زائد على كونها ذات ولد وغير قيمة المجموع، وفي الطريقة الأولى نعتبرها ذات ولد مع قطع النظر عن دخول ولدها في البيع معها، ويرشد إلى ذلك قول الإمام عن صاحب "التقريب": "ينبغي أن تُقوم الأم مع الولد، وهي حاضنته ويقوم الولد مع الأم، ولا يفرد واحد منهما بالتقويم على تقدير الانفراد بخلاف الغراس، والفرق أن الجارية رهنت وهي ذات ولد، فاستحق المرتهن بيعها على نعت الضم" (٢). انتهى.

стр. 1121

فقوله: علي "نعت الضم" يقتضي أن حق المرتهن في ذلك، وقد تزيد به القيمة، أو تنقص عما لو قدرت ذات ولد غير منضم إليها. قلت: هذا محتمل لكن المفهوم من إيراد الأصحاب خلافه، فإنهم ما فهموا من طريقة صاحب "التقريب" إلا كونها حاضنة من غير اعتبار ورود البيع عليهما؛ ولهذا فإن ابن عبد السلام في "اختصاره النهاية" عبر عن ذلك "بتقويم الأم وحدها حاضنة" (١)، والرافعي في "المحرر" قال: تُقوم وحدها، وفي "الشرح" لم يعلل بالانضمام، وإنما علل بكونها ذات ولد، وابن الرفعة عبر بذلك أيضًا وفهمه. وأيضًا فإن المرتهن لا حق له في الزيادة الحاصلة بسبب انضمام الولد في البيع إليها، وإنما ذلك لأمر اقتضاه، الشرع، ألا ترى أنه لو كبر لم يستحق بيعه معها، ولو أعتق لم يستحق بسببه شيئًا. فإن قلت: عبارة الماوردي السابقة، وقوله: "إذا بيعت مع الولد" (٢) تقتضيه. قلت: يمكن تأويلها على أنها بيعت مع كونها لها ولد أو أن الحال لا يختلف بذلك، فإن بقية كلامه لم يلحظ فيه وصف الانضمام أصلًا، وإنما لحظ وصف وجوده حين الرهن، فإن صح أن كلام الإمام والماوردي محمول على ما فرض في السؤال، فيكون الأصح من الأوجه التي قدمناها هو الوجه الخامس، وتزداد الأوجه، فتصير سبعة، ولكنه بعيد، ومخالف لما فهمه أكثر الناس، ولما قاله الرافعي في "المحرر". فإن قلت: لعل الفرق بين الطريقين مع اتفاقهما على تقويمها ذات ولد أن

стр. 1122

صاحب "التقريب" مع ذلك يقومها حاضنة مشتغلة بحضانة ابنها وغيره لا يعتبر إلا كونها ذات ولد فقط، ويكون منشأ الطريقين اختلاف الأصحاب في أنه لو أراد السيد تسليمها إلى غيرها هل له ذلك، والأصح المنع، فلذلك يقومها حاضنة، فتنقص قيمتها. قلت: هذا يرده أن أكثر الأصحاب لم يقولوا: "إلا ذات ولد" هكذا عبارة الشيخ أبي حامد وغيره، ولم أر عبارة الحاضنة إلا لمن ذكرت، والظاهر أن قائلها إنما أراد كونها ذات ولد؛ ولذلك نسبها الرافعي إلى الأكثرين، وليس في كلام الأكثرين "إلا ذات ولد" وكذا عبارة "الوسيط" (١) قال: "متعلق حق المرتهن ما يخص الأم من الثمن وفي تقديره وجهان؛ أحدهما: تُقوم الأم مفردة، ثم تقدر مع الولد. والثاني: أن الولد أيضًا يقدر مفردًا، كما تقدر الأم مفردة، وفي هذا تقل قيمته؛ لأنه يكون ضائعا، وذكر صاحب "التقريب" أن الأم أيضًا تُقوم مع الولد، فيقال: أم لها ولد". انتهى. وأيضًا فإن الولد قد يكبر قبل البيع، ويجوز (٢) إذا بعناه معها لا ننظر في التوزيع إلا إلى قيمة يوم البيع على قياس ما قال المحاملي في النخل، ولا ينظر إلى وصف الولد يوم الرهن. التنبيه الثالث: إنا ذكرنا فيما إذا كانت الأرض فارغة ثم أنبتت أن ما قابل الأشجار قسم بين الغرماء إذا حجر عليه بفلس والمراد بالغرماء الراهن وغيره فإن المرتهن وإن اختص بثمن الرهن فإذا بقي له من دينه شيء ضارب به مع الغرماء، وإنما يختص بها مَن سواه إذا لم يبق من دينه المرهون به شيء، فحينئذٍ لا يبقى له مشاركة معهم، وفرق الروياني بين أخذ

стр. 1123

المرتهن هنا قيمة أرض بيضاء لا غراس فيها، والباقي للغرماء والباقي للغرماء وبين الجارية حيث يحصل بضم الولد إليها في البيع نقص لا يجبر النقص من ثمن الولد بأن ضم الولد إلى الأم في البيع واجب بالشرع لا صنع للراهن فيه، فلا يجب جبران النقص، وليس كذلك الغراس؛ لأنا ضممناه إلى الأرض، لتبقية الراهن الغراس في الأرض لا للوجوب بالشرع. وأيضًا هناك ثبت للمرتهن حق الرهن في أرض بيضاء (١)، وهنا الولد متقدم على الرهن. وقال الروياني أيضًا، فيما إذا لم يكن غريم غير المرتهن، وكانت الأرض إذا بيعت وحدها لا يفي ثمنها بدين المرتهن: "أن الراهن يتخير بين أن يبيعها مع الغراس، ويأخذ من حملة الثمن قيمة الأرض بيضاء لا غراس فيها، وبين أن يقلع وتسلم الأرض مسوَّاة " (٢). فرع رهن بهيمة ذات ولد يرضع وقلنا: لا تباع الجارية دون ولدها، فهل تباع البهيمة دون ولدها؟! فيه وجهان؛ أحدهما: لا، بل تباع مع الولد كالجارية. والثاني: يجوز بيعها دون ولدها؛ لأن النهي ورد في الجارية دون البهيمة. انتهى. والظاهر أن الوجه الأول هو المحكي عن الصيمري في منع التفريق في البهائم في غير صورة الرهن. * * *

стр. 1124

فرع رهن الولد دون أمه كرهن الأم دون الولد، باتفاق الأصحاب تعود فيه تلك الأحكام. فرع لا في فرق في امتناع التفريق بين أن يكون ولد الجارية موجودًا عند الرهن أو حادثا بعده، وهو رقيق كما يدل عليه كلام الأصحاب، فإنهم حيث جوّزوا التفريق في الحادث قيدوه بما إذا كان حُرَّا، وإن حصل من بعضهم إطلاق فهو محمول على ذلك التقييد. * * *

стр. 1125

فصل [في رهن المصحف والكتب] وفي جواز رهن المصحف وكتب الحديث والعبد المسلم من الكافر طريقان. قال أبو إسحاق، والقاضي أبو حامد: فيه قولان كالبيع؛ أحدهما يبطل. والثاني: يصح، ويجبر على تركه في يد مسلم. وقال أبو علي الطبري في "الإفصاح": يصح الرهن قولًا واحدًا أو يجبر على تركه في يد مسلم، ويفارق البيع، فإن البيع ينقل الملك فيه إلى الكافر، وفي الرهن المرهون باقٍ على ملك المسلم. قال الشافعي في "المختصر": "وأكره أن يرهن من مشرك مصحفًا أو عبدًا مسلمًا وأجبره أن يضعهما على يدي مسلم، ولا بأس أن يرهنه ما سواهما رهن النبي ﷺ درعه عند أبي الشحم اليهودي" (١). وقال في "الأم" في باب جماع ما يجوز رهنه: "ولا أكره من ذلك شيئًا إلا يرهن المسلم الكافر مصحفًا، فإن فعل لم أفسخه ووضعناه له على يدي عدل مسلم وجبرت على ذلك الكافر إن امتنع، وأكره أن يرهن من الكافر
следующие страницы →