فقوله: علي "نعت الضم" يقتضي أن حق المرتهن في ذلك، وقد تزيد به القيمة، أو تنقص عما لو قدرت ذات ولد غير منضم إليها.
قلت: هذا محتمل لكن المفهوم من إيراد الأصحاب خلافه، فإنهم ما فهموا من طريقة صاحب "التقريب" إلا كونها حاضنة من غير اعتبار ورود البيع عليهما؛ ولهذا فإن ابن عبد السلام في "اختصاره النهاية" عبر عن ذلك "بتقويم الأم وحدها حاضنة" (١)، والرافعي في "المحرر" قال: تُقوم وحدها، وفي "الشرح" لم يعلل بالانضمام، وإنما علل بكونها ذات ولد، وابن الرفعة عبر بذلك أيضًا وفهمه. وأيضًا فإن المرتهن لا حق له في الزيادة الحاصلة بسبب انضمام الولد في البيع إليها، وإنما ذلك لأمر اقتضاه، الشرع، ألا ترى أنه لو كبر لم يستحق بيعه معها، ولو أعتق لم يستحق بسببه شيئًا.
فإن قلت: عبارة الماوردي السابقة، وقوله: "إذا بيعت مع الولد" (٢) تقتضيه.
قلت: يمكن تأويلها على أنها بيعت مع كونها لها ولد أو أن الحال لا يختلف بذلك، فإن بقية كلامه لم يلحظ فيه وصف الانضمام أصلًا، وإنما لحظ وصف وجوده حين الرهن، فإن صح أن كلام الإمام والماوردي محمول على ما فرض في السؤال، فيكون الأصح من الأوجه التي قدمناها هو الوجه الخامس، وتزداد الأوجه، فتصير سبعة، ولكنه بعيد، ومخالف لما فهمه أكثر الناس، ولما قاله الرافعي في "المحرر".
فإن قلت: لعل الفرق بين الطريقين مع اتفاقهما على تقويمها ذات ولد أن
стр. 1122
صاحب "التقريب" مع ذلك يقومها حاضنة مشتغلة بحضانة ابنها وغيره لا يعتبر إلا كونها ذات ولد فقط، ويكون منشأ الطريقين اختلاف الأصحاب في أنه لو أراد السيد تسليمها إلى غيرها هل له ذلك، والأصح المنع، فلذلك يقومها حاضنة، فتنقص قيمتها.
قلت: هذا يرده أن أكثر الأصحاب لم يقولوا: "إلا ذات ولد" هكذا عبارة الشيخ أبي حامد وغيره، ولم أر عبارة الحاضنة إلا لمن ذكرت، والظاهر أن قائلها إنما أراد كونها ذات ولد؛ ولذلك نسبها الرافعي إلى الأكثرين، وليس في كلام الأكثرين "إلا ذات ولد" وكذا عبارة "الوسيط" (١) قال: "متعلق حق المرتهن ما يخص الأم من الثمن وفي تقديره وجهان؛ أحدهما: تُقوم الأم مفردة، ثم تقدر مع الولد.
والثاني: أن الولد أيضًا يقدر مفردًا، كما تقدر الأم مفردة، وفي هذا تقل قيمته؛ لأنه يكون ضائعا، وذكر صاحب "التقريب" أن الأم أيضًا تُقوم مع الولد، فيقال: أم لها ولد". انتهى. وأيضًا فإن الولد قد يكبر قبل البيع، ويجوز (٢) إذا بعناه معها لا ننظر في التوزيع إلا إلى قيمة يوم البيع على قياس ما قال المحاملي في النخل، ولا ينظر إلى وصف الولد يوم الرهن.
التنبيه الثالث: إنا ذكرنا فيما إذا كانت الأرض فارغة ثم أنبتت أن ما قابل الأشجار قسم بين الغرماء إذا حجر عليه بفلس والمراد بالغرماء الراهن وغيره فإن المرتهن وإن اختص بثمن الرهن فإذا بقي له من دينه شيء ضارب به مع الغرماء، وإنما يختص بها مَن سواه إذا لم يبق من دينه المرهون به شيء، فحينئذٍ لا يبقى له مشاركة معهم، وفرق الروياني بين أخذ
стр. 1123
المرتهن هنا قيمة أرض بيضاء لا غراس فيها، والباقي للغرماء والباقي للغرماء وبين الجارية حيث يحصل بضم الولد إليها في البيع نقص لا يجبر النقص من ثمن الولد بأن ضم الولد إلى الأم في البيع واجب بالشرع لا صنع للراهن فيه، فلا يجب جبران النقص، وليس كذلك الغراس؛ لأنا ضممناه إلى الأرض، لتبقية الراهن الغراس في الأرض لا للوجوب بالشرع. وأيضًا هناك ثبت للمرتهن حق الرهن في أرض بيضاء (١)، وهنا الولد متقدم على الرهن.
وقال الروياني أيضًا، فيما إذا لم يكن غريم غير المرتهن، وكانت الأرض إذا بيعت وحدها لا يفي ثمنها بدين المرتهن: "أن الراهن يتخير بين أن يبيعها مع الغراس، ويأخذ من حملة الثمن قيمة الأرض بيضاء لا غراس فيها، وبين أن يقلع وتسلم الأرض مسوَّاة " (٢).
فرع
رهن بهيمة ذات ولد يرضع وقلنا: لا تباع الجارية دون ولدها، فهل تباع البهيمة دون ولدها؟! فيه وجهان؛ أحدهما: لا، بل تباع مع الولد كالجارية.
والثاني: يجوز بيعها دون ولدها؛ لأن النهي ورد في الجارية دون البهيمة. انتهى.
والظاهر أن الوجه الأول هو المحكي عن الصيمري في منع التفريق في البهائم في غير صورة الرهن.
* * *
стр. 1124
فرع
رهن الولد دون أمه كرهن الأم دون الولد، باتفاق الأصحاب تعود فيه تلك الأحكام.
فرع
لا في فرق في امتناع التفريق بين أن يكون ولد الجارية موجودًا عند الرهن أو حادثا بعده، وهو رقيق كما يدل عليه كلام الأصحاب، فإنهم حيث جوّزوا التفريق في الحادث قيدوه بما إذا كان حُرَّا، وإن حصل من بعضهم إطلاق فهو محمول على ذلك التقييد.
* * *
стр. 1125
فصل [في رهن المصحف والكتب]
وفي جواز رهن المصحف وكتب الحديث والعبد المسلم من الكافر طريقان. قال أبو إسحاق، والقاضي أبو حامد: فيه قولان كالبيع؛ أحدهما يبطل. والثاني: يصح، ويجبر على تركه في يد مسلم.
وقال أبو علي الطبري في "الإفصاح": يصح الرهن قولًا واحدًا أو يجبر على تركه في يد مسلم، ويفارق البيع، فإن البيع ينقل الملك فيه إلى الكافر، وفي الرهن المرهون باقٍ على ملك المسلم.
قال الشافعي في "المختصر": "وأكره أن يرهن من مشرك مصحفًا أو عبدًا مسلمًا وأجبره أن يضعهما على يدي مسلم، ولا بأس أن يرهنه ما سواهما رهن النبي ﷺ درعه عند أبي الشحم اليهودي" (١).
وقال في "الأم" في باب جماع ما يجوز رهنه: "ولا أكره من ذلك شيئًا إلا يرهن المسلم الكافر مصحفًا، فإن فعل لم أفسخه ووضعناه له على يدي عدل مسلم وجبرت على ذلك الكافر إن امتنع، وأكره أن يرهن من الكافر
стр. 1126
العبد المسلم صغيرًا وكبيرًا؛ لئلا يُذَل مسلم بكينونته عنده بسبب يتسلط عليه الكافر؛ ولئلا يطعم الكافر المسلم خنزيرًا أو يسقيه خمرًا فإذا فعل فرهنه منه لم أفسخ الرهن" (١).
وذكر الأصحاب عن أبي إسحاق المروزي، والقاضي أبي حامد المروروذيّ، أن في صحة رهن ذلك قولين مبنيين على القولين في البيع.
إن قلنا: يصح البيع صح الرهن وإلا فلا.
وقال أبو علي الطبري في "الإفصاح": "يصح الرهن قولا واحدًا"، كذا نقله المصنف، وابن الصباغ، وغيرهما (٢)، ورأيته فيه، ولفظه قد يحتمل أن يكون قولا واحدا في الجواز، ويجبر على أن يخرجه إلى يدي عدل؛ لأن الرهن يجوز على شرط وضعه على يدي عدل، فإذا صح هذا فكأن الشرع أن يكون المصحف في يده فكان منع الشرع من كونه بيده بمنزلة شرطه وضعه على يدي العدل، ولا يجوز ذلك في البيع؛ لأن البيع لا يجوز وقوعه على أن يسلم المبيع إلى العدل فلهذا لم يجز أن يقال: إنه جائز ويخرج إلى يدي، عدل وقد قيل: إن ذلك على قولين قياسًا على البيع والفصل بينهما أجود لما ذكرنا وكذلك أحاديث رسول الله ﷺ هذا لفظه في "الإفصاح" وذكر القاضي حسين أن الرهن مرتب على البيع إن جوزناه، فالرهن، أولى وإلا، فوجهان، وذكر الروياني هذه طريقة، فحصل بسببها ثلاث طرق أحدها بناء الرهن على البيع.
والثاني: ترتيبه عليه وأولى بالجواز.
والثالث: القطع بجواز الرهن.
стр. 1127
قال الرافعي: "والظاهر جوازه، ثبت الخلاف أم لا" (١)، وذكر الرافعي الخلاف في العبد المسلم ثم رتب المصحف عليه، والمصنف جعلهما في قَرَنٍ واحد، وكلّ منهما جري على قاعدته أما المصنف؛ فلأنه ذكر في البيع في العبد والمصحف قولين، وأصح القولين عند الجمهور الفساد، فإن كان المصنف يوافق على تصحيح ذلك، وعلى طريقة القولين هنا، فيكون الأصح هنا الفساد بخلاف ما قال الرافعي لكنه خلاف النص. وأما الرافعي، فإنه في البيع جعل القولين في العبد المسلم، وأصحهما: الفساد، ورجح في المصحف طريقة القطع بالمنع، (٢)، والخلاف فيها مُرتّب على العبد وأَوْلَى بالمنع؛ فلذلك حَسُنَ مِن هنا أن يجعل أصل الخلاف في العبد ويرتب المصحف عليه كما رتبه عليه في البيع ويكون الفساد في رهن المصحف أولى منه في رهن العبد، وهو قد قال في رهن العبد: إن الأظهر صحته، فيحتمل أن تقول في المصحف كذلك، فيكون الأصح أيضًا: صحة رهنه منه كما هو ظاهر النص، ويحتمل أن يقول: الأصح فيه المنع، كما قطع به في البيع؛ لكنه بعيد لمخالفة النص، ولظهور الفرق؛ ولهذا قال النووي في "روضة الطالبين" في أول البيع: "الأصح صحة ارتهانه العبد المسلم والمصحف" (٣)، وهو في العبد موافق لما صححه الرافعي هنا، وفي المصحف زائد عليه زيادة حسنة صوابًا، وليس في كلام المصنف ولا في ترجيح طريقة القولين لو قيل به ما يقتضي تصحيح خلافه، فقد يثبت الخلاف في الموضعين ويكون الصحيح في أحدهما غير الصحيح في الآخر لضعف المعنى المقتضي للفساد فيه وكتب الحديث ملحقة بالمصحف
стр. 1128
على الصحيح المنصوص؛ فلذلك أدرجها المصنف معه، وكذلك آثار الصالحين وخالف الماوردي فيها وكتب الفقه جعلها صاحب "البيان" (١) مثل كتب الحديث وحكى عن الصيمري عن الشيخ أبي حامد الجواز فيما كان منها خاليًا عن الآثار، والأحسن إطلاق المنع؛ تعظيما لعلوم الشريعة وصيانة لكتبها أما ما كان من الفقه مشتملًا على آثار، فهو ملتحق بالمصحف إلا ما حكيناه عن الماوردي في قوله بجواز بيعه من الكافر، والأصح المنع.
واعلم أن الخلاف في البيع في الصحة والتحريم ثابت على القولين بلا خلاف، وأما هنا فلفظ الشافعي: الكراهة.
قال الروياني: والكراهة هنا كراهة التنزيه لا كراهة التحريم في أحد القولين؛ ولهذا عطف عليهما وأجبره أن يضعهما على يدي مسلم، وما نقله الروياني من القولين في أنها كراهة تنزيه أو تحريم يستفاد، وقد نقله غيره أيضًا ممن، بعده، ويظهر من كلام الروياني أن القولين في الصحة مبنيان على ذلك، إن قلنا بالتحريم بطل، وإلا فلا، وينشأ من هذا أن الصحيح أنها كراهة تنزيه.
وقال النووي: "إذا قلنا بصحة رهن العبد والمصحف عند الكافر، ففي "تهذيب الشيخ نصر المقدسي الزاهد" وغيره أن العقد حرام. وفي "التهذيب" للبغوي أنه مكروه ذكره في كتاب الجزية والله أعلم" (٢). وإذا صححنا رهن المصحف والعبد قبضه في "المختصر" (٣) أنه يجبر على
стр. 1129
وضعهما عند عدل، وذلك في المصحف لا خلاف فيه، وأما في العبد، ففي كلام الشافعي ما يقتضي خلافًا فيه، وذلك في الرهن الصغير فإنه قال: "ولا بأس أن يرهن المسلم عند المشرك، والمشرك عند المسلم كل شيء ما خلا المصحف والرقيق من المسلمين، فإنا نكره أن يصير المسلم تحت يدي المشرك بسبب يشبه الرق والرهن، وإن لم يكن رقًّا، فإن الرقيق لا يمتنع إلا قليلًا الذل لمن صار تحت يده بتصيير مالكه.
قال الشافعي: "ولو رهن العبد لم نفسخه ولكنا نكرهه لما وصفنا، ولو قال قائل: أخذ الراهن بافتكاكه حتى يوفَّى المرتهن المشرك حقه متطوعًا أو يصير في يديه بما يجوز له ارتهانه، فإن لم يتراضيا فسخت البيع كان مذهبًا، فأما ما سواهم، فلا بأس برهنه من المشركين، وإن رهن المصحف قلنا: إن رضيت أن ترد المصحف، ويكون حقك عليه، فذلك لك أو يتراضيان على ما سوى المصحف ممَّا يجوز أن يكون في يديك، وإن لم تتراضيا فسخنا البيع بينكما؛ لأن القرآن أعظم أن يترك في يدي مشرك نقدر على إخراجه من يديه، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يمسه من المسلمين إلا طاهر، ونهى أن يسافر به إلى بلاد العدو" (١). انتهى.
وهو ظاهر فيما قلناه من القطع بأن المصحف ينزع منه، والتردد في العبد، وينبغي أن يكون محله في العبد الكبير، فإن الصغير قد يفتنه، وحيث ثبت الخلاف في الكبير، فالأصح انتزاعه منه، كما قاله في "مختصر المزني"، وجرى عليه الأصحاب، ويوضع عند عدل كالمصحف، وهل نقول فيه وفي المصحف: إن الكافر يتسلمهما ليلزم الرهن، ثم ينتزع منه، فيوضع عند عدل أو لا يمكن من ذلك، بل يوضع عند العدل من الأول.
стр. 1130
قال ابن الرفعة: يحتمل وجهين.
قلت: وينبغي أن يكون أصحهما الثاني، كما قالوا في البيع يقيم القاضي من يقبضه له في الأصح، ولم يصرح أحد من الأصحاب بأن إدامة يد الكافر على المصحف والعبد جائزة وفي كلام الغزالي هنا (١) وفي البيع ما يقتضيه، بل قال الماوردي: "إنه إذا شرط دوامها بطل الرهن" وجعل محل القولين في الصحة والبطلان إذا أطلق العقد من غير شرط (٢)، وعن بعض الشارحين أنه كان ينبغي أن يبطل الشرط، ويصح الرهن كما لو شرط في رهن الجارية أن تكون عند أجنبي، وكذلك جزم الماوردي فيما إذا شرط وضعه عند عدل بالصحة ولم يذكر القولين إلا عند الإطلاق وهو ظاهر؛ لأنه إذا شرط وضعه عند. عدل لا يبقى محذور. وقول الشافعي: "وجبرت عليه" (٣) يجوز أن يريد إذا كان مشروطًا في بيع بأن يجبر على قبضه إذا امتنع منه، ويجوز أن يريد أن يقال له: إن رضيت على يد عدل وإلا فلا فسخ لك في البيع بسبب عدم تمام الارتهان والأول أورده الفوراني في "الإبانة".
وإذا قلنا ببطلان العقد، قال الماوردي: "سواء أسلم المشرك قبل القبض أم لا؛ لفساد العقد" (٤).
* * *
стр. 1131
فرع
"رهن السلاح من الحربي يترتب على بيعه منه"، قاله الرافعي يعني هنا (١) يعني: وأَوْلَى بالصحة ومن ذلك يكون في رهنه منه طريقان؛ إحداهما: القطع بالصحة. والثانية: فيها قولان، والأصح الصحة، ولا خلاف في جواز رهنه من الذمي، وقد رهن النبي ﷺ درعه عند يهوديٍّ بالمدينة (٢)، ويهود المدينة كانوا موادعين، فهم في حكم أهل الذمة، واستدل الروياني بالحديث على جواز رهنه من المشرك من غير تفصيلٍ (٣)، والمعتمد في الاستدلال لرهنه من الذمي الحديث ومن الحربي ما قاله القاضي حسين؛ فرقًا بينه وبين البيع أن البيع يزيل الملك، فتسلط عليه ويقوى به على المسلمين بخلاف الرهن.
وقال الروياني - بعد أن أطلق جوازه من المشرك قال: "وإن كان في ذلك شوكة للمشركين يكره" (٤)، ولكن يجوز، وفي هذا إشعار بالجواز مع حصول شوكة المشركين به، وهو بعيد، وهذا يشبه ما نقله الروياني عن أكثر الأصحاب فيما إذا باع السلاح من قاطع الطريق والبغاة، وغلب على الظن حصول المعصية به أنه يكره كراهية شديدة.
والصحيح خلاف ما قال وأنه جرام لكن البيع صحيح، وفيه إشكال؛ لأن تسليمه إليهم، محرم، ولنا خلاف في بيع السلاح من الذمي، ولم يذكروه في رهنه فأما أن يكون اقتصارًا على الأصح، وإما بالفرق؛ وهو الحق لثبوت الحديث
стр. 1132
وقولنا بالجواز في الذمي يعني به الصحة والحلّ جميعًا؛ للحديث في رهن الدرع، وأما في الحربي إذا صححنا رهن السلاح منه، فهل يحل أو يجري فيه الخلاف الذي في المصحف، والعبد المسلم؟ لم أر فيه تصريحًا، والأقرب إلى كلامهم الأول وقول الشافعي لا بأس ظاهر فيه.
وقال صاحب "الاستقصاء": لا يجوز رهن السلاح والكراع عند أهل الحرب، فإن رهنه، فهو على الطريقين في العبد، يعني: هل يصح أو يكون على القولين في البيع؟ وظاهر كلامه المذكور الجزم بتحريمه، كما قاله هو أيضًا في العبد والمصحف. وعلى كل تقدير، فهل يسلم إليهم، وتستدام يدهم عليه أو يوضع عند عدل، كما في المصحف والعبد المسلم؟ لم أر فيه نقلًا منه والأقرب إلى كلامهم الأول، فإن صح ذلك، فيتعين أن يكون محله إذا لم يحصل للمشركين به شوكة، ولا توقع منه ضرر، ومتى كان كذلك يحصل به شوكة للمشركين أو ضرر على المسلمين اتجه التحريم والإجبار على وضعه عند عدل مسلم، وقد وقع في "المطلب" لابن الرفعة في رهن السلاح من الحربي ما يوهم أن الصحيح المنع، وليس بصحيح بل الصحيح الصحة، كما قدمناه وبه صرح في "روضة الطالبين" (١) وعليه يدل قول الشافعي: "ولا بأس أن يرهنه ما سواهما" (٢) -يعني: ما سوي المصحف والعبد المسلم - وهو يدل على الحل أيضًا الصحة.
قال الروياني: "فإن قيل: إطلاق هذا اللفظ يدل على جواز رهن كتب الأخبار عنده قلنا: مقصود الشافعي الأسلحة ولم يقصد تعميم الجواب؛ لأن المعنى موجود في هذا، وهو خوف الاستهانة، وقد نص الشافعي في
стр. 1133
رواية الربيع على إلحاق كتب الأخبار بكتاب الله تعالى، فيما يؤول إلى الاحترام والتوقير، وعلى هذا التأويل تمنع المسافرة بأخبار الرسول ﷺ إلى أرض العدو، كما تمنع المسافرة بكتاب الله تعالى إلى أرضهم ويكره للمُحْدِث مس كتب الأخبار وحملها" (١)؛ هذا كلام الروياني.
فائدة:
إن قيل: جواز رهن المصحف والعبد المسلم والسلاح من الكافر يرد على: قولنا ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه.
فالجواب: أنه غير وارد لا على اللفظ ولا على المعنى، أما على اللفظ؛ فلأن هذه الأشياء يجوز بيعها، وإنما امتنع بيعها من المشرك، وليس في الضابط، وإنما لا يجوز بيعه من شخص لا يجوز رهنه منه، وأما المعنى؛ فلأن المقصود بالرهن أن يباع ويوفى من ثمنه دين المرتهن، وهذا يستدعي جواز بيعه في الجملة، ويتبين أنه المقصود بالضابط، وأما بيعه من المرتهن، فلا معنى له فلا يشترط إمكانه، لعدم الفائدة فيه.
فرع
الصحيح المشهور أنه يجوز أن يرتهن الرجل أباه، وحكى الجوري عن أبي يحيى البلخي "أنه لا يجوز أن يرتهن الرجل أباه ولا يستأجره" (٢).
* * *
стр. 1134
فرع
لو رضي الراهن أن يسلم المصحف أو العبد المسلم إلى الكافر لم نعتبر رضاه؛ لأن الحق في ذلك للإسلام، وكذلك إن رضي العبد أيضًا "ولا يجوز أن يعدل إلا عند مسلم، وإن كان كافرًا آخر موثوقًا به لأمانته في مثله"، قاله الروياني (١).
فرع
رهن المبيع بعد القبض في زمان الخيار قدمناه مختصرًا وهنا نذكر زيادة:
قال الشافعي في "المختصر": "ولو اشترى عبدا بالخيار ثلاثا، فرهنه قبلها، فالرهن جائز؛ وهو قطع لخياره وإيجاب للبيع في العبد، وإن كان الخيار للبائع أو للبائع والمشتري فرهنه قبل الثلاث، فتم له ملكه بعد الثلاث، فالرهن مفسوخ؛ لأنه انعقد وملكه على العبد غير تامٍّ" (٢).
قال الأصحاب: إن كان الخيار للمشتري وحده صح رهنه ولزم البيع، كما قاله الشافعي، وقيل: لا يصح بل لا بد من تقدم الإلزام، وقيل: يلزم البيع ولا يصح الرهن والأول أصح، وإن رهنه البائع والحالة هذه، فإن كان بغير إذن المشتري لم يصح، وإن كان بإذنه قال الماوردي: "صح وكان فسخًا للبيع" (٣).
قال ابن الرفعة: وفيه نظر من حيث إن الرهن لا يشترط أن يكون مملوكًا للراهن حتى يجعل الإذن فيه مع التصرف مبطلًا لحق المشتري؛ إذ يجوز أن يرهن ملك غيره بإذنه، ومع ذلك لا يتجه الجزم بانفساخ العقد، بل ولا
стр. 1135
بلزومه لتردد ذلك بين الأمرين.
قلت: وهذا صحيح، ويحمل كلام الماوردي على ما إذا قصد بالإذن رفع المنع من جهته من غير إعارة ولا توكيل في الرهن، فإنهما اللذان يصح رهن ملك الغير فيهما، ولو أطلق الإذن واحتمل كلًّا من المعاني المذكورة، فيحتمل أن يحمل على رفع المعنى؛ لأنه المُحَقَّق، وحينئذٍ يصح ما قاله الماوردي بإطلاقه. ويحتمل أن يقال: الأصل الملك ودوام الخيار، فلا يرفع بالشك، وهذا هو الأقرب، أما إذا كان الخيار للبائع أو لهما، فإن رهنه المشتري، فإن كان بغير إذن البائع لم يصح؛ وإن كان بإذنه؛ صح في الأصح، وإن رهنه البائع صح في الأصح.
فإن قلنا: لا يصح فهل يكون فسخًا؟ وجهان؛ أصحهما: نعم.
وفرَّق الماوردي بين صحته من البائع بغير إذن المشتري وبطلانه من المشتري بغير إذن البائع، فإن رهن البائع فسخ، وهو ينفرد به ورهن المشتري أجازه، وهو لا ينفرد بها أما البيع فإن صدر من المشتري والخيار له وحده، فاختيار الغزالي القطع بالصحة (١)، وهو قول الشيخ أبي محمد.
وقال الفوراني: إن قلنا: الملك للبائع لم يصح.
وإن قلنا: للمشتري، فوجهان؛ أصحهما: الصحة، وما قاله الغزالي أولى؛ لأنه يصح بيعه بإذن البائع إذا كان الخيار له، فانفراده بالخيار أولى، وإن كان الخيار للبائع أو لهما فباع المشتري بإذن البائع أو باع للبائع نفسه؛ صح في الأصح وإلا فلا، وإن صدر من البائع والخيار له وحده أولهما، صح في الأصح، وإن كان الخيار للمشتري وحده لم يصح، وبهذا علم أنه نيث جاز بيعه جاز رهنه وحيث امتنع امتنع.
стр. 1136
فرع
إذا أفلس المشتري وحجر عليه، وثبت للبائع حق الرجوع في العين التي في يد المفلس، فرهنها أو باعها البائع قبل التصريح بالرجوع، فوجهان؛ أحدهما: يصح، ويكون فسخًا للبيع كما قلناه في زمن الخيار.
والثاني: لا يصح حتى يصرح بالفسخ؛ لأن ملك المفلس مستقرٌ على المبيع بخلاف المشتري في مدة الخيار، حكاها الشيخ أبو حامد، والروياني (١)، وغيرهما. ولو رهن الأب ما وهبه لولده وأقبضه إياه، قال في "الاستقصاء": فهو على الوجهين.
فرع
قال القاضي حسين: فرَّع أصحابنا على ظاهر ما نص ها هنا في الرهن في زمان الخيار، فقالوا: لو أوصى له بعبد، فأعتقه الموصى له بعد موت الموصي، وقبل القبول صار بالعتق قابلًا ومعتقًا.
قال القاضي: وخرجت عليه ما لو وهب من ابنه عبدًا، ثم أعتقه بعد الإقباض من غير أن قدم الرجوع أنه يصير بالعتق راجعا فيه ثم معتقًا. انتهى.
ومقصود القاضي أن هاتين المسألتين ومسألة رهن المشتري المبيع في زمن الخيار إذا كان له الخيار وحده الذي أقبض ظاهر النص صحته يشترك في مأخذ واحد، أن اللفظة الواحدة تكون جالبة مزيلة، ونظيره إذا كبر للصلاة ثم كبر ثانية لم يكن بالثانية مبطلا للأولى عاقدًا للثانية للتناقض، فتبطل الصلاة حتى يكبر ثالثة؛ فلذلك قال الأصحاب: إذا باع المشتري المبيع في زمن الخيار وهو منفرد به.
стр. 1137
وقلنا: الملك للبائع هل يصح أو لا على ما سبق عن الفوراني والغزالي، فعلى قول الفوراني يمتنع ذلك، وعلى قول الغزالي لا يمتنع وظاهر نصه هنا على صحة رهن المشتري إذا كان الخيار له من غير تفريع على أقوال الملك يشهد له بخلاف الصلاة، وعليه ينبني عتق الموصى به، والموهوب للولد ومما فرعوه أيضًا، وذكره العراقيون وصاحب "التقريب": إذا أوصى لرجل بعبد ومات الموصي فرهن الموصى له العبد قبل القبض، ففي المسألة أوجه؛ أحدها: يصح الرهن، ويكون قبولًا.
والثاني: لا يصح الرهن ولا القبول.
والثالث: يفسد الرهن، ويقع قبولًا للوصية، وفي تفريع هذه المسألة نظر؛ لأنه لا تضاد بين الرهن والقبول بخلاف العتق والقبول، لما فيه من حصول الملك وزواله، أما حصول الملك ورهنه، فلا تناقض بينهما.
فرع
رهن العبد المرتد صحيح، بناء على جواز بيعه، وهو المذهب (١)، وعن بعض الأصحاب أن المذهب عدم جواز بيعه ورهنه (٢)، وليس كما قال، بل الجواز منصوص عليه (٣)، وهو قول أكثر الأصحاب (٤)، والمنع وجه ضعيف حكاه الشيخ أبو علي، تخريجًا من الجاني عمدًا، وفرَّق الأكثرون بأن الجاني رقبته مستحقة لآدمي له العفو على مال، فكان كتعلق المال، فإذا باع، مرتدًّا فقتل بالردة في يد البائع انفسخ البيع وإن كان بعد القبض، فإن لم يعلم المشتري بردته حتى قتل انفسخ البيع عند الأكثرين،
стр. 1138
وهو المنصوص، وبه قال أبو إسحاق وابن الحداد، ويعبر عن ذلك بأنه من ضمان البائع.
وقال ابن أبي هريرة ﵁: لا ينفسخ، ويعبر عن ذلك بأنه من ضمان المشتري، فعلى هذا يجب الأرش، وهو ما بين قيمته مرتدًّا وغير مرتد منسوبًا من الثمن، وإن كان المشتري اشتراه عالمًا بردته أو جاهلًا، ثم علم قبل القتل ولم يختر الفسخ، فعلى قول ابن أبي هريرة، لا يرجع بشيء، لأنها عيب رضي به، وعلى الأصح وجهان، رأي ابن الحداد وهو الأصح عند الجمهور لا يرجع بشيء ولا ينفسخ البيع، ورأي ابن أبي إسحاق ينفسخ؛؛ كحالة الجهل، ويجعله بمنزلة الاستحقاق، وحكى هذا أيضًا عن الشيخ أبي حامد، كما ذكرته في "شرح المنهاج" في أول البيع، وفي هذا الكتاب أيضًا هناك، وغلطه القاضي أبو الطيب لنص الشافعي الذي لا يختلف فيه أنه بمنزلة العيب، ولو كان كالاستحقاق من كل وجه لتبين بطلان البيع، وإنما نزلنا القتل منزلة الاستحقاق حالة الجهل؛ لكونه من أثر العيب، ولا أثر حالة العلم للعيب، والذي رأيته في هذا الباب في "تعليقة الشيخ أبي حامد" بخط سليم أنه حالة العلم؛ كالعيب وحالة الجهل، كالاستحقاق كما قلناه، ونسب خلاف ذلك إلى بعض الأصحاب هذا حكمه في البيع. أما الرهن فإذا رهنه مرتدًّا وصححناه، فقتل قبل القبض انفسخ الرهن وإن قتل بعده، فإن كان قد رضي بعيبه، فعلى قول أبي إسحاق ينفسخ الرهن، وله الخيار في البيع الذي شرط فيه، وعلى الأصح لا خيار له ولا أرش أيضًا، وإن لم يعلم بردته حتى قتل، فعلى الأصح ينفسخ الرهن، وله الخيار في البيع المشروط فيه، وعلى قول ابن أبي هريرة: لا ينفسخ، ولا يجب الأرش أيضًا؛ لأن الأرش إنما يجب في البيع.
стр. 1139
أما الرهن فلا كما لو لم يعلم بعيب الرهن حتى تلف في يده لا يجب له الأرش، وقد تقدم بعض هذا الكلام عند قول المصنف إذا قبض المرتهن الرهن ثم وجد به عيبًا، فلينظر هناك ولو علم المرتهن بردة المرهون بعد توبته؛ قال الماوردي: "فهل ذلك عيب في الحال؟! على وجهين؛ أحدهما: عيب، فعلى هذا هو بالخيار في فسخ البيع وإمضائه.
والثاني: ليس بعيب، فعلى هذا: هل له الخيار في فسخ البيع أم لا؟! على وجهين مضيا" (١).
أما إذا علم بردته ورضي بها، ثم تاب، فهو رهن بحاله، وقد استقر الرهن، وقال المزني: "لا يجوز رهن المرتد" (٢).
فرع
العبد القاتل في الحرابة إن لم يتحتم قتله، فهو كالجاني عمدًا أو إن تحتم، ففي بيعه ثلاث طرق؛ أحدها: القطع بالبطلان.
والثاني: أنه كالجاني عمدًا.
والثالث: أنه كالمرتد - وهي المشهورة. أما رهنه، فقال الرافعي: "إنه كبيعه" (٣)، والذي ينبغي أن يكون مرتبًا عليه، وأَوْلَى بالمنع، وقد رتب الرافعي الجاني عمدًا في الرهن على البيع، وأولى بالمنع (٤). ولا شك أن من تحتم قتله في المحاربة أولى بمنع الرهن من الجاني عمدًا؛ لأنه لا يحتمل العفو فيه، فلا يحصل التوثق به، وهذا أولى بالمنع مما يتسارع إليه الفساد، وقد جزم الروياني "أنه لا يجوز رهن المحارب إذا قدر عليه قبل
стр. 1140
التوبة" (١)، وهو المختار.
فرع
إذا صحّحنا رهن المحارب والجاني عمدًا فقتلا أو عفي عن الجاني مطلقًا، وتاب المحارب حيث لم يتحتم قتله، فعلى ما تقدم في قتل المرتد ومؤنته والجاني خطأ إذا بيع بالأرش قال الروياني: "كان كقتله بالردة أو القصاص إن كان مع العلم فالمذهب أنه كالعيب، وإن كان مع الجهل، فالمذهب أنه كالمستحق" (٢).
فرع
إذا رهن السارق فقطع في يد المرتهن بسرقته، فإن كان عالمًا بسرقته، فالرهن بحاله، وإن لم يعلم حتى قطع، فإن جعلناه من ضمان الراهن، وهو الأصح، فللمرتهن فسخ البيع الذي شرط فيه، وإن جعلناه من ضمان المرتهن فلا.
فرع
في رهن إبل الدية قبل تعيينها طريقان في "الاستقصاء"؛ أحدهما: القطع بالمنع.
والثاني على وجهين؛ أحدهما: المنع للجهالة.
والثاني: يصح؛ لأنه معلوم السن والعدد، ويرجع في اللون والصفة إلى عرف البلد، وطريقة الخلاف أشهر.
* * *
стр. 1141
فرع
إذا كان المديون مرتدًّا: هل له أن يرهن؟ قال ابن المنذر: "اختلفوا في رهن المرتد، فكان أبو ثور يقول: لا يجوز رهنه. وقال أصحاب الرأي إن قتل على الردة فرهنه باطل، وإن أسلم، فهو جائز. وقال الشافعي: رهنه جائز. وقال مرة: إن رهن قبل أن يوقف ماله جاز، وإن رهن بعد أن وقف ماله لم يجز رهنه" (١).
* * *
стр. 1142
قال:
فصل [في الشرط في الرهن]
وإن شرط في الرهن شرطًا ينافي مقتضاه؛ مثل أن يقول: رهنتك على ألا أسلمه أو على ألا يباع في الدَّيْن أو على أن منفعته لك، أو على أن ولدها لك، فالشرط باطل لقوله ﷺ : "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَوْ كَانَ مِائَةَ شَرْطِ" (١).
وهل يبطل الرهن؟ ينظر فيه؛ فإن كان الشرط نقصانًا في حق المرتهن، كالشرطين الأولين فالعقد باطل؛ لأنه يمنع مقصود العقد، فأبطل وإن كان زيادة في حق المرتهن كالشرطين الأخيرين ففيه قولان؛ أحدهما: يبطل الرهن وهو الصحيح؛ لأنه شرط فاسد قارن عقد الرهن فأبطله، كما لو شرط نقصانا في حق المرتهن.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه شرط جميع أحكامه، وزاد فبطلت الزيادة وبقي العقد بأحكامه.
الحديث متفق عليه من حديث عائشة في شأن بريرة، والمقصود بكتاب الله القرآن وما ينتهي إليه من الأدلة الشرعية، وكل شرط وجدنا في الأدلة
стр. 1143
الشرعية ما يقتضي صحته؛ فهو صحيح وكل شرط وجدنا فيها ما يقتضي بطلانه؛ فهو باطل بذلك الدليل الخاص، وبهذا الدليل العام. ومن جملة ذلك أن تدل الأدلة الشرعية على أمر ذلك، الأمر ينافي مقتضي الشرط، فيبطل الشرط لهذا الدليل العام؛ ولأنه لا يمكن الجمع بين مقتضاه ومقتضى الأدلة الشرعية، فيثبت مقتضاها بأنه حق قطعًا، وينتفي هو لمضادته للحق، وما ذكره المصنف من هذا القبيل؛ لأن تسليم الرهن وبيعه في الدين وكون منفعته وولده للراهن هو الثابت شرعًا، فيبطل شرط منافيه، ولو فرض شرط واستقر أنا الأدلة الشرعية لم نجد فيها ما يدل على صحته ولا بطلانه، أو تعارض عندنا دليلان في ذلك، أو حصل الشك في ذلك، فمقتضى هذا الدليل العام بطلان الشرط المذكور، ويثبت بذلك قاعدة عامة، وهي أن كل شرط يدل دليل على صحته؛ فهو باطل، وأن الأصل في الشروط البطلان حتى يدل دليل على الصحة إما بدليل عام أو دليل خاص، فأما قوله ﷺ "المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ"، وهو حديث رواه أبو داود (١) والترمذي وقال: "حسن صحيح" (٢)، ففي حواشي السنن أن هذا في الشروط الجائزة دون الشروط الفاسدة، وهو من قبيل ما أمر فيه بالوفاء بالعقود. انتهى.
وعلى هذا لا معاوضة بينهما، وقد رويت فيه زيادة: "إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالا". وجرى بيني وبين الشيخ نجم الدين ابن الرفعة ﵀ بحث في ذلك، بل هو مما يستدل بعمومه على صحة كل شرط حتى يقوم دليل على فساده أو لا حتى يعلم انتفاء كونه يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، ويكون من باب التخصيص بمجمل، فإنه يوقف التمسُّك بالعامِّ حتى يتبين
стр. 1144
والأولى أن يقال: إنا إذا استقرأنا الأدلة فلم نجد فيها ما يقتضي بطلان الشرط، ونظرنا في الشرط، فلم نجده يفضي إلى تحريم حلال ولا إلى تحليل حرام، فإنا إذ ذاك نحكم بصحته، وليس في حديث بريرة ما يرد ذلك لأنهم شرطوا ما دل كتاب الله على خلافه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ" (١)، فأشار إلى أن سبب البطلان مضادة حكم الله تعالى.
والشروط في الرهن على ثلاثة أقسام؛ أحدها: يوافق مقتضاه كقوله: على أن يباع في دَيْنك عند الحاجة، أو يتقدم به عند مزاحمة الغرماء، أو لا أبيعه إلا بإذنك، وما أشبه ذلك، فلا يضر التعرُّض لذلك، وهل يقول: هو صحيح مؤكد لمقتضى العقد، أو أنه لا يضر، ولا ينفع عبارة طائفة من العراقيين تقتضي الأول، وعبارة الإمام (٢) والرافعي (٣) تقتضي الثاني، وهو أمر لفظى.
القسم الثاني: لا يوافق مقتضى الرهن ولا ينافيه، بل هو من جائزاته أنه يوجبه ولا يمنعه، كشرط وضعه عند عدل يرضيانه والتوكيل في بيعه نيابة عن راهنه ومرتهنه.
قال الماوردي: "فإن شرط هذا مع العقد أو بعده صح العقد وجاز الشرط، وإن أخلَّا بتعيينه بالشرط العقد وسقط الشرط" (٤).
فأما قوله: إنه إذا شرطه معه؛ صح، فذلك لا خلاف فيه.
وأما قوله: ذلك فيما إذا شرطه بعد العقد؛ فإن أراد به حقيقة الشرط،
стр. 1145
وأنه يلزم الوفاء به إذا اتفقا عليه بعد العقد كما يلزم إذا اتفقا عليه فيه، فهو غريب لم أر من ذكره غيره. والمعروف أن الشرط إنما يكون مقارنًا للعقد أو متأخرًا عنه في زمان الخيار، فيكون ملحقًا بالموجود في العقد، هذا في البيع؛ أما الرهن فلا خيار فيه، ولعل الماوردي يقول: إن الرهن لما كان جائزًا أشبه البيع في زمن الخيار، فيلحقه الشرط. أو يقول: إن الرهن لجوازه لا يجب الوفاء به، فلا فرق بين الذي يشترطه في الرهن مقارنًا له والذي يشترطه فيه بعده في أنه بالخيار في تسليمه والمرتهن بالخيار في تسلُّمه.
نعم، إذا كان مشروطًا في بيع ولم يجر شرط العدل المعين في أصله، ثم جرى بعد العقد ينبغي ألا يثبت للمرتهن خيار في البيع عند امتناع الراهن من تسليمه لذلك العدل وإجابته إلى تسليمه لغيره، وإن أراد الماوردي بشرطه الاتفاق عليه فتسميته شرطا مجاز، وفيه إبهام.
وذكر الماوردي في هذا القسم من الشروط "أن حلول الرهن وتأجيله ليس من جائزات الرهن؛ لأن عقد الرهن يجب أن يكون بحسب الدين في حلوله وتأجيله، فإن كان حالًّا وجب أن يكون عقد الرهن حالًا فإن عقد مؤجلًا بطل، وإن كان الدين مؤجلًا وجب أن يكون عقد الرهن مؤجلًا، فإن عقده حالًّا بطل؛ لأنه لا يمكن استدامة التوثق به إلى حلول الدين" (١). وقسم الرافعي هذا القسم - أعني الذي لا يقتضيه الرهن ولا ينافيه - إلى ما يتعلق بمصلحة العقد؛ كالإشهاد وما لا يتعلق به غرض؛ كشرط ألا يأكل إلا الهريسة قال: "والحكم فيهما على ما سبق في البيع" (٢).
стр. 1146
قلت: والذي سبق في البيع أن شرط ما فيه مصلحة صحيح وشرط ما لا غرض فيه يلغو ويصح العقد، وفي عبارة بعضهم أنه صحيح، وهو خلاف لفظي.
وقال المتولي في شرط الصلاة أول الوقت إن البيع باطل، وذكره الشاشي احتمالا، قال الرافعي: "وهو يقتضي فساد العقد في مسألة الهريسة" (١).
القسم الثالث: وهو الذي ذكره المصنف أن ينافي مقتضى الرهن، وهو أن يشترط ما هو من ممنوعاته وهو نوعان؛ أحدهما يضر المرتهن.
والآخر ينفعه، وكلاهما يبطل فيه الشرط لما ذكره المصنف؛ لأنه مضاد لما حكم الشرع به من منع الرهن إياه، وأما بطلان الرهن، ففي النوع الأول؛ وهو ما يضر المرتهن كشرط ألا يسلمه أو لا يباع في الدين أو يتأخر بيعه عن المحل مطلقًا، أو وقتًا مقيدًا، أو لا يباع إلا بما أرضى أو بأكثر من ثمن المثل، أو يباع بدين عند استحقاق أو إذا بيع لا يستوفي جميع الحق من ثمنه وما أشبه ذلك، فهذا فاسد مفسد للرهن؛ لما ذكره المصنف من أنه يمنع مقصود الرهن، ومن القواعد أن كل عقد تقاعد عن مقصوده بطل من أصله، وعن كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن ابن خيران قال: "يجيء في إفساد الرهن القولان المذكوران في النوع الثاني، وهو غريب" (٢) ضعيف، وكيف يقاس ما يمنع مقصود الرهن على ما يحصله أو يزيد عليه؟! والأول يخل بموضوع العقد، والثاني يؤكده ويزيد عليه. النوع الثاني: ما ينفع المرتهن ويضر الراهن، وهو ثلاثة أضرب؛ أحدها زيادة في تملك المرتهن؛ كشرط
стр. 1147
أن المنفعة أو الولد للمرتهن أو الثمرة أو الركوب أو السكنى كذلك للمرتهن ملكًا.
الثاني: زيادة صفة في الحكم كشرط المرتهن بيعه متى شاء، أو بأي ثمن شاء أو لا ينفك الرهن بعد أداء الدين شهرًا، فلا خلاف في هذين الضربين أن الشرط فاسد وفي فساد الرهن قولان: أصحهما: الفساد؛ لما ذكره المصنف، ولما فيه من تغيير قضية العقد.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: "لا يفسد" (١)؛ لما ذكره المصنف، ولأن الرهن تبرع، وهذا الشرط فيه تبرع آخر، وأحد التبرعين لا يبطل ببطلان الثاني، كما لو أقرضه الصحاح وشرط رد المكسر يلغو الشرط ويصح القرض، وهذا التعليل الثاني ظاهر في رهن التبرع، وفي الرهن المشروط في بيع يمكن بمشيئته أيضًا؛ لأن التسليم غير لازم، وإن ثبت به الخيار، فلذلك القولان جاريان سواء أكان الرهن مشروطًا في بيع أم لا، بل كان رهن تبرع، وأما فساد الشرط، فلا خلاف فيه، وقد جمع الرافعي ﵀ أمثلة هذين الضربين، وذكر من جملتها شرط أن يرهن منه غير العبد المرهون (٢)، والأمر كما قال، وهو راجع إلى الضرب الثاني، فيبطل الشرط بلا خلاف، وفي بطلان الرهن القولان.
الضرب الثالث: زيادة وثيقة من نفس الرهن، كرهن الأشجار بشرط أن يحدث الثمار مرهونة، أو الشاة بشرط أن يحدث النتاج مرهونًا، أو الجارية بشرط أن يحدث الولد مرهونًا؛ ففي صحة الشرط قولان؛ أحدهما: عن القديم، والرهن اللطيف من الجديد: يصح الشرط ويتعدى الرهن إلى
стр. 1148
الزوائد؛ لأن الرهن عند الإطلاق إنما لا يسري إلى الزوائد لضعفه، فإذا قوي بالشرط سرى (١)، ودخلت في الرهن تبعًا، وهو قول عطاء.
والثاني: قاله في "الأم" (٢): "لا يصح"، وهو الأصح؛ لأنها معدومة ومجهولة، وكل من المعدوم والمجهول لا يصح رهنه. هذه طريقة أبي إسحاق، والقاضي أبي حامد، حكيا القولين، ومنهم من قطع بالثاني، وأوَّل الأول؛ حكاه القاضي ابن كج، وحكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة (٣)، ولكن الطريقة الأولى أصح، فإني وقفت على نصه في الرهن اللطيف، وهو بعيد عن التأويل ظاهر في إثبات الخلاف، وقال فيه: "إن أصح الأقاويل ألا تكون الثمرة ولا الولد رهنًا، ثم قال: "ولولا حديث معاذ ما رأيته يشبه أن يكون عند أحد جائزًا" (٤). انتهى.
وسنذكر حديث معاذ في باب ما يدخل في الرهن. وممن اختار القطع بالبطلان صاحب "الإفصاح" وأنكر الأول.
التفريع: إن قلنا: بصحة الشرط فالرهن صحيح، وإن قلنا ببطلان الشرط؛ ففي بطلان الرهن قولان، لهما مخرجان؛ أحدهما: القولان في فساد الرهن بفساد الشرط الذي ينفع المرتهن، كما ذكرناه في الضربين الأولين.
والثاني: أنه جمع هذا الرهن بين معلوم ومجهول، فيجرّ فيه خلاف تفريق الصفقة، ولو شرط أن تكون أكساب العبد المرهون مرهونةً، ففي إلحاقها بالثمرة والنتاج حتى تقول بالصحة، إذا قلنا بالصحة هناك، قال
стр. 1149
الرافعي: "فيه وجهان للشيخ أبي محمد أظهرهما المنع؛ لأنها ليست من أجزاء الأصل" (١)، والذي قاله الماوردي الثاني؛ لأنه ذكر "إذا رهنه نخلًا على أن ما أثمرت رهن معها، فهذا وما شاكله من الشروط الزائدة في وثيقة الرهن فيها قولان؛ القديم: يصح.
والثاني: وهو الصحيح، لا" (٢) واختار المزني في هذا الضرب صحة الرهن (٣)، وإن بطل الشرط أخذا من تفريق الصفقة، والكلام في هذا الضرب مفرع على أن زوائد المرهون ليست برهن. وسيأتي تقريره.
فرع: ولو شرط أن المرتهن ضامن للرهن، فالشرط فاسد، وأما الرهن؛ فقال الماوردي: "إن كان الشرط مشروطًا بعد عقد الرهن صح الرهن؛ وإن كان مشروطًا في عقد الرهن، فالرهن باطل؛ قولًا واحدًا" (٤).
وأما قوله: إن كان بعد العقد صح الرهن، فصحيح، وهو يبين أن الشروط المتأخرة بعد الرهن لا تلحق بالمقارنة، حتى ينعطف الإفساد على العقد، وأما التحاقها بها في اللزوم، فقد سبق فيه شيء عن الماوردي.
وأما قوله: إن كان مشروطًا في العقد بطل الرهن؛ قولًا واحدًا، فهو صحيح على المشهور الذي جزم به الأكثرون، وقياس ما سبق عن ابن خيران فيما يضر المرتهن أن يأتي فيه القولان وفي "البحر" زيادة على ذلك، وهي "أن منهم من قال هذا من الشرط الذي ينقص حق المرتهن، فيبطل الرهن؛ قولًا واحدًا. وقال صاحب "الإفصاح": هل يبطل الرهن بهذا الشرط
стр. 1150
قولان؛ لأن شرط الضمان لا ينقص حق المرتهن؛ لأنه لا يمنعه من استيفاء حقه، ثم إذا بطل الرهن لا يضمن، لأن ما لا يضمن صحيحه لا يضمن فاسده" (١). انتهى.
فرع: لو رهن وشرط كون المنافع مرهونة، فالشرط باطل، ولا يجري فيه القولان المذكوران في "الزوائد"، وقد نجد في عبارة بعضهم القولين إلا أن مراده بالمنافع ما يحدث من الأعيان كالنتاج والثمرة، ووقع في كلام الماوردي شيء من هذا (٢) قسَّم المنافع إلى عينٍ وأثر والأعيان هي محل القولين وتسميتها منافع مجاز، والآثار هي المنافع حقيقة، ولا خلاف فيها لأنه لا يجوز رهنها قطعًا.
فرع: لو أقرض بشرط أن يرهن به شيئًا، وتكون منافعه مملوكة للمقرض، فالقرض فاسد؛ لأنه قرض جرَّ منفعة، وإذا بطل بطل الرهن، وإن شرط كون المنافع مرهونة فالشرط فاسد والفرض صحيح، وفي صحة الرهن القولان، وإن شرط أن تكون زوائده التي هي أعيان مرهونة، ففي صحة الشرط القولان، فإن فسد، ففي فساد الرهن القولان.
* * *
стр. 1151
قال:
فإذا قلنا: إن الرهن يبطل فإن كان الرهن مشروطًا في بيع، فهل يبطل البيع؟ فيه قولان؛ أحدهما: لا يبطل؛ لأنه يجوز شرطه بعد البيع، وما جاز شرطه بعد تمام العقد لم يبطل العقد بفساده؛ كالصداق في النكاح.
والثاني: أنه يبطل وهو الصحيح؛ لأن الرهن يترك لأجله جزء من الثمن، فإذا بطل الرهن وجب أن يضم إلى الثمن الجزء الذي ترك لأجله، وذلك مجهول، والمجهول إذا أضيف إلى المعلوم صار الجميع مجهولًا، فيصير الثمن جهولًا والجهل بالثمن يفسد البيع.
تقدم خلاف في بطلان الرهن ببطلان الشرط على ما سبق تفصيله. وأنه لا فرق في جريان القولين بين أن يكون الرهن مشروطًا في بيع أو لا، وإذا لم يكن مشروطًا في بيع، فحكمنا بالصحة أو بالبطلان، فلا كلام. وأما إذا كان مشروطًا في بيع، فإن حكمنا بصحة الرهن والشرط، فالبيع صحيح، ولا خيار فيه، وإن حكمنا بصحة الرهن، وبطلان الشرط، فإن كان قد قيد الرهن المشروط في البيع بالشرط الفاسد ثبت للبائع الخيار في البيع؛ لأنه لم يسلم له الشرط، وإن أطلق ثم رهن بالشرط الفاسد أعاد رهنًا سالمًا من الفساد ولم يتأثر به البيع، ولم يثبت فيه خيار، وإن حكمنا ببطلان الرهن، فإن كان الرهن المشروط في البيع سالمًا عن الشرط الفاسد، ولكنه قرنه به حين الرهن لم يتأثر به البيع، ويعيد رهنه على وجه سالم من الفساد، وإن كان الشرط وقع في البيع، وقد حكمنا ببطلانه وبطلان الرهن بسببه، ففي بطلان البيع به قولان أصحهما عند الجمهور البطلان، والتوجيه ما ذكره المصنف
стр. 1152
وشذ الجرجاني، فصحح الصحة، وهكذا حكى القولين بتوجيههما الأصحاب على طبقاتهم منهم الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وسليم وإمام الحرمين (١) والمتولي والرافعي (٢) وغيرهم، وعللوا الفساد بالجهالة وعدمه بالقياس على الصداق.
ووجه الشبه: أن كلًّا منهما صفة في عقد، ويستقل إفراد الصداق بالفرض بعد التفويض وإفراد الرهن بالعقد بعد إخلاء البيع عنه، وهذا مراد المصنف بقوله: يجوز شرطه بعد البيع، وليس مراده أنه يشترط بعد البيع، فيصير لازمًا، كما يشترط في البيع، وقد مضى في كلام الماوردي في الشرط الذي لا يوافق مقتضى الرهن ولا ينافيه ما يشبه هذه العبارة، وجوزنا فيها هذا وغيره، والأمر محتمل هنا أيضًا إلا أنه بعيد في الموضعين، أعني: جعل الشرط بعد العقد، كالمقارن حتى يثبت الخيار بالامتناع من الوفاء به، ولما ذكر الإمام القولين في شرط الرهن الفاسد أورد على نفسه شرط الرهن الصحيح، ثم أجاب "بأنه إذا كان الرهن معلومًا، فليس يخفى وقعه، وهو من مصالح العقد، فاحتمل شرطه كالأجل، ولا ضرورة في شرط المجهول" (٣).
وها هنا تنبيهات:
أحدها: أن الرافعي ذكر القولين بالتوجيه المذكور في باب البياعات المنهي عنها، وذكر هناك في العقد الصحيح إذا ضم إليه شرط فاسد، وكان مما يفرد بالعقد، كالرهن والكفيل "هل يفسد البيع بفسادهما قولان؛ أظهرهما: يفسد كسائر الشروط.
стр. 1153
والثاني: لا، كالصداق الفاسد لا يفسد النكاح" (١)، وهذا وإن لم يكن عين ما ذكره المصنف، فهو في المعنى راجع إليه، وهنا قال فيما إذا قلنا بفساد الرهن، "ففي فساد البيع القولان في أن الرهن وسائر العقود المستقلة إذا شرطت في البيع على نعت الفساد، هل يفسد البيع، وقد ذكرناهما في باب البياعات المنهي عنها" (٢). انتهى. وقد يتوهم من قوله: سائر العقود المستقلة: أن القولين (٣) جاريان إذا شرطا بيعًا أو قرضًا أو نحوهما في بيع، وهذا لا خلاف فيه؛ أنه باطل مبطل إلا على القول الغريب الذي رواه أبو ثور؛ أنه لا يبطل البيع بالشروط الفاسدة، ولا تفريع عليه، وإنما القولان اللذان ذكرهما الرافعي في البابين فيما كان كالصفقة في البيع، ويجوز إفراده، وذلك هو الرهن والكفيل والضمين لاستحضر لها رابعًا ولو شرطت صحيحة صح بلا خلاف، ولو شرطت فاسدة فسدت، وهل يفسد البيع؟! القولان؛ أحدهما: لا؛ كالصداق. وأصحهما: نعم؛ لأنه يخرجها له.
الثاني: أن الرافعي قال: "إن كان الرهن مشروطًا في بيع فإن لم يجر الشرط جهالة الثمن، كما إذا شرط في البيع رهنًا على أن يبقى محبوسًا بعد أداء الثمن شهرًا، ففي فساد الرهن القولان في رهن التبرع، فإن فسد ففي فساد البيع القولان، وإن جرَّ الشرط جهالة الثمن كما إذا شرط في البيع رهنًا وشرط أن تكون منافعه وزوائده للمرتهن، فالبيع باطل؛ لأن المشروط يصير جزءًا من الثمن وهو مجهول وإذا بطل البيع بطل الرهن والشرط، هذا ما نقله الربيع واتفق عليه الجماهير، ثم ذكر عن المزني خلافًا سنذكره، ثم نقل أن القاضي ابن كج حكى طريقة أخرى أن في فساد الرهن، قولين فإن فسد
стр. 1154
ففي البيع قولان كما سبق" (١). انتهى.
ومقتضى ذلك أن فيما لا يجر جهالة قولين، وفيما يجر جهالة طريقين؛ أصحهما: القطع بفساد البيع، والذي ذكره المصنف وغيره يقتضي إثبات القولين في الحالتين، ألا ترى أن المصنف ذكر شرط أن المنفعة أو الولد للمرتهن، وهو مما ذكر الرافعي، أنه يجر جهالة، وذكر المصنف فيه القولين، وذكر الماوردي أيضًا وغيره مثل ذلك (٢) والتوجيه الذي ذكروه يقتضي أن كل الشروط الفاسدة تجر جهالة، ولو لم تجر جهالة، لما قيل بالفساد في البيع، ولعل مراد الرافعي الفرق بين أن يكون المشروط مجهولًا في نفسه أو لا؛ فإن لم يكن مجهولًا، فقولان وإن كان مجهولًا فطريقان، لكن إذا لم يكن مجهولًا لا يتجه تعليل فساد البيع بالجهالة كما سلكه المصنف والأصحاب، ولعلَّ من أجل ذلك لم يذكر الرافعي في التعليل في باب البياعات المنهي عنها لفظ الجهالة، وإنما ذكر فساد الشرط وللأصحاب أن يقولوا: فساد الشرط إنما يقتضي الفساد لما يتضمنه من الجهالة، فالأوْلَى طرد القولين في الحالتين.
نعم بينهما فرق سيظهر التنبيه عليه.
الثالث: وبه يظهر الفرق المذكور، قال الرافعي: "وها هنا كلام حسن استدركه أصحابنا العراقيون، وهو أن الحكم بالبطلان فيما إذا أطلق المنفعة فلو قيدها فقال: بعتك هذا العبد لترهن به دارك، ويكون منفعتها لي سنة أو شهرًا، فهذا جمع بين الإجارة والبيع في صفقة واحدة، وقد سبق حكمه" (٣)، وهذا الذي نقله الرافعي عن العراقيين واستحسنه رأيته في
стр. 1155
كلام جماعة منهم.
وقال ابن الصباغ: إنه قول القاضي أبي الطيب وطريقة الشيخ أبي حامد أن الشرط فاسد، وهل يفسد الرهن؟! قولان، وإذا قلنا: يفسد، ففي فساد البيع قولان.
قال ابن الصباغ: وهذا ظاهر كلام الشافعي، فإنه جعل الخيار في الرهن والبيع، وعلى ما ذكره القاضي لا يجرّ ذلك، ووجه ذلك أنه لم يجعل المنفعة عوضًا، وإنما شرطها له بحكم الوثيقة.
قلت: وأظن كلام الشيخ أبي حامد اختلف في ذلك، فإن "تعليقته" التي عندي بخط سليم فيها ما يوافق أبا الطيب قال: إن قدر مدة الانتفاع، فهو بيع وإجارة فيه قولان، وإن لم تقدر المنفعة، كان البيع باطلًا للجهالة، ويجرُّ على بعض أقوالنا في تفريق الصفقة؛ أن البيع في العبد جائز بالألف فحسب، وكان صور المسألة: إذا باع عبدًا بألف على أن يرهنه داره وتكون منفعتها له، وكذلك ذكر سُليم الرازي في "التقريب"، ورأيت في كلام الشافعي أيضًا في "الأم" ما يشهد له قال: إن باعه بألف وشرط رهنًا، وأن للمرتهن منفعة الرهن، فالشرط فاسد والبيع فاسد؛ لأن لزيادة منفعة الرهن حصة من الثمن غير معروفة مع فساده أنه من بيع وإجارة، ولو جعل ذلك معروفًا فقال: أرهنك داري سنة على أن لك سكناها تلك السنة؛ كان البيع والرهن فاسدًا من قبل أن هذا بيع وإجارة لا أعرف حصة الإجارة. انتهى.
وهو شاهد للتخريج على البيع والإجارة وأطلق الشافعي الفساد فيهما على أحد القولين في الجمع بين بيع وإجارة على أن التخريج المذكور مشكل من جهة أن هذا لو كان إجارة لكانت فاسدة؛ لاستقبال زمانها؛ لأن الرهن لا يصح بمجرد هذا الشرط على الأصح، كما سبق، فلا بد من إنشائه،
стр. 1156
ومقتضى الشرط أن المنافع إنما تستحق بعد الرهن، فلو سلم أنه بيع وإجارة لم يمكن القول بصحتهما لهذا المعنى، بل يصح البيع وتبطل الإجارة إلا أن يقال: إنه لا يحتاج إلى إنشاء رهن أو أن شرط المنافع مستقل ليس تابعًا للرهن والمفهوم خلافه.
وقسم الماوردي على عادته المنافع أمرين (١): إما أن تكون أعيانًا أو آثارًا، فإن كانت أعيانًا كان البيع باطلًا؛ لأن الأعيان المعدومة صارت ثمنًا، وإن كانت آثارًا كالسكنى والركوب، فإن كانت غير مقدرة يومان بزمان، فالبيع باطل وإن كانت مقدرة بزمان كسكنى سنة وركوب شهر، فهذا عقد جمع بيعًا وإجارة، فكان على قولين؛ أحدهما: بإطلاق ولا رهن.
والثاني: جائزان والرهن صحيح، ولا خيار للبائع لحصول غرضه، وهذا يوافق ما قاله أبو الطيب، فتضافرها ولاء الأئمة مع الشافعي على ذلك يدل على صحة التخريج المذكور، لكنه يتعين معه المصير إلى أحد أمرين: إما صحة الرهن بمجرد الشرط، والأصح خلافه، وإما أن المراد أن المنافع له من الآن، حتى لا يكون زمان الإجارة مستقبلًا، والذي يتحرر في هذا أن يقال: إن شرط أن تكون المنافع رهنًا، فالشرط فاسد قطعًا، وفي البيع قولان؛ أصحهما: الفساد، وكذلك إذا شرط كون الزوائد رهنًا على الأصح، وإن شرط كون المنافع ملكًا، فإن وَقَّت، فطريقان؛ أحدهما: التخريج على الجمع بين بيع وإجارة فيصح في الأصح فيهما.
والثاني: على القولين، فيبطل في الأصح فيهما، وإن أطلق كون المنافع ملكًا من غير توقيت، فطريقان؛ أحدهما: على القولين، فيبطل فيهما في الأصح.
стр. 1157
والثاني: أنه بيع وإجارة فاسدة مجهولة فيبطل فيهما، إلا إذا قلنا: إنه يجيز بالجميع فيصح في البيع، وإن شرط أن تكون الزوائد ملكًا، فللخلاف في البيع مأخذان؛ أحدهما: فساد الشرط على أحد الطريقين.
والثاني: الجمع بين معلوم ومجهول على الطريقة الثانية، وملخص هذا أن شرط المنافع المؤقتة ملكًا صحيح في الأصح، وما عداه باطل، إما في الأصح وإما قطعًا، وأما ما احتج به ابن الصباغ للشيخ أبي حامد من قول الشافعي: له الخيار في الرهن والبيع فيه نظر؛ لأن هذا اقتصار من الشافعي على أحد القولين، وقد أطلق الشافعي المنفعة، وكلامنا فيما إذا قيدها، وسنتكلم على هذا النص.
الرابع: إنا إذا قلنا بصحة الرهن، وبطلان الشرط، فالمنقول أنه يثبت الخيار في البيع؛ لأنه لم يسلم له الشرط، وينبغي أن يجري القولان في بطلان البيع؛ لأن ذلك الشرط تُرك لأجله جزء من الثمن، فإذا بطل وجب أن يضم إلى الثمن، ويلزم الجهالة بغير ما ذكروه في بطلان الرهن، وقياسه أن يكون الأصح فساد البيع، ولم أر أحدًا تعرض لذلك، ولا حكى فيه خلافًا وإنما ذكروا ثبوت الخيار، وهو يؤذن بصحة البيع، وفيه ما نبهنا عليه.
فإن قالوا: إن الخيار يجبر ما حصل من ذلك فيلزمهم في بطلان الرهن، ولعل الأصحاب إنما تركوا ذلك؛ لأن القول بصحة الرهن ضعيف، فلم يمعنوا في تفريعه لا سيما وأكثرهم لم يتعرض له بالكلية والرافعي ذكره (١)، واقتصر على الخيار، والوجه مجيء الخلاف، فإن قلنا بصحة البيع، ثبت الخيار.
فإن قلت: كيف يتصور مع صحة الرهن أن يتردد في صحة البيع، ومع
стр. 1158
بطلان البيع لا يتصور صحة الرهن؛ لعدم الثمن الذي يرهن به.
قلت: المراد إذا قلنا بصحة الرهن وبطلان الشرط حيث انفرد الرهن، فإذا كان مشروطًا في بيع: هل يفسد البيع لأجل فساد الشرط ويتبع فساد البيع فساد الرهن، أو لا يفسد البيع؛ لأن الرهن المشروط فيه يصح، وإن بطل شرطه، وهذا معنى صحيح لا يُنكر تصوُّره وليس المراد أنا نحكم بصحة الرهن في هذه الصورة، ثم نتردد في صحة البيع، وكيف يتخيل ذلك والرهن المشروط يتأخر عقده عن عقد البيع وصحته أو فساده متأخرة في الوجود عنه، وصحة البيع أو فساده متقدمة في الوجود على وجود الرهن، وإن كانت تابعة للحكم بصحته أو فساده.
الخامس: أن المزني نقل في "المختصر": "ولو أسلفه ألفًا على أن يرهنه بها رهنًا وشرط المرتهن لنفسه منفعة الرهن، فالشرط باطل، ولو كان اشترى منه على هذا الشرط، فالبائع بالخيار في فسخ البيع وإثباته والرهن يبطل الشرط. قال المزني: أصل قول الشافعي أن كل بيع فاسد بشرط وغيره أنه لا يجوز وإن أجيز حتى يبتدأ بما يجوز" (١).
وقال الرافعي: "حسبت أنه ذهب إلى تصحيح العقد إذا حذف منه الشرط الفاسد، واعترض عليه بأنه خلاف أصله في أن الفاسد لا خيار فيه والأصحاب خطؤوه في نقله وحسبانه" (٢).
وقال: "إن الذي سبق في التنبيه الثاني نقله الربيع، واتفق عليه الجماهير" (٣).
стр. 1159
وقال ابن الصباغ: المزني ظن أن الشافعي جعل له الخيار في البيع الفاسد؛ ولم يرد ذلك، وإنما أثبت الخيار على القول الذي يبطل الشرط ويجيز البيع والرهن. انتهى.
وهذا يقتضي تخطئة المزني في حسابه لا في نقله، وأن الذي نقله أحد القولين، وأما الشيخ أبو حامد فيما وقفت عليه من كلامه، فإنه ذكر إذا شرط منفعتها له بطل البيع إن أطلق، وخرَّج على الجمع بين البيع والإجارة إن قيَّد، وإن شرط أن تكون منفعتها مرهونة، ففي بطلان البيع قولان، وأن الشافعي ذكر المسألتين جميعًا التي يبطل البيع فيها، وهذه التي لا يبطل فيها على أحد القولين، فنقل المزني صورة المسألة التي يبطل البيع فيها قولًا واحدًا، وجواب المسألة الأخرى ثم اعترض.
وجوابه: أن الأمر كما ذكرت، وإنما وقع الغلط في النقل. انتهى.
وعلى هذا تكون التخطئة في نقله وحسابه كما ذكره الرافعي، ولعل ابن الصباغ إنما أراد ذلك، ولكنه اختصر الكلام، وكذلك الماوردي والشيخ أبو حامد بسطه وبينه، ومراد الشيخ أبي حامد بالتي يبطل فيها قولًا واحدًا إذا شرط المنفعة ملكًا له مطلقة، وقد تقدم من كلامنا وكلام الرافعي ما يقتضي جريان الخلاف فيها؛ ولذلك أثبتنا فيما تقدم طريقين، ولكن مقتضى التخريج على الجمع بين البيع والإجارة، أن تكون طريقة القطع بالبطلان أصح. وكذا يقتضيه كلام الرافعي في "الشرح" (١) القطع بالبطلان في البيع إذا أطلق المنفعة إلا على طريقة حكاها عن ابن كج.
وقال الإمام: "إن المزني [أخل] (٢) بنظم الكلام من وجه آخر فصوَّر رهنًا مشروطًا في بيع، وقد شرط في الرهن أن يتعدى إلى الزوائد، وفرع على أن
стр. 1160
ذلك فاسد، ثم قال: إذا وقع البيع على هذا الوجه فسخ الرهن والبائع بالخيار.
وقال أصحابنا: إنما قال الشافعي: فسخ البائع أو البائع بالخيار، فردد قوله في فساد البيع ووقوع الفسخ عبارة عن الفساد، وقد ذكر المزني فيما نقله فسخ الرهن والبائع بالخيار، وهذا لا نظم له. وإنما أخلَّ به المزني" (١).
السادس: لو شرط أن يحدث زوائده مرهونة.
قال الرافعي: "إن صححنا الشرط أو أبطلناه، وصححنا الرهن، صح البيع وللبائع الخيار" (٢)، وهذه العبارة فيها خلل؛ لأن إثبات الخيار إذا صححنا الشرط لا معنى له، وإنما مراده تصحيح البيع في الحالتين والخيار في إحداهما، فالصواب أن يقال: إن صححنا الشرط، فلا كلام، وإن أبطلناه وصح الرهن صح البيع وللبائع الخيار، ويعود فيه ما قدمناه من أنه ينبغي جريان الخلاف في صحة البيع؛ لبطلان الشرط.
فرع: لو قال أقرضتك هذا الألف بشرط أن ترهنني به، أو بالألف الذي لي عليك كذا، أو بذلك الألف وحده، فالقرض فاسد، ولو قال المستقرض: أقرضني ألفًا على أن أرهن بها، وبالألف القديم، أو بذلك الألف وجده، فسد في الأصح.
والثاني: لا بناء على أن القبول لا يعتبر، والأصح اعتباره والتسوية بين أن يصدر الشرط من المقرض ويقبله المستقرض وعكسه، وكذا لو باع بشرط