ومقتضى الشرط أن المنافع إنما تستحق بعد الرهن، فلو سلم أنه بيع وإجارة لم يمكن القول بصحتهما لهذا المعنى، بل يصح البيع وتبطل الإجارة إلا أن يقال: إنه لا يحتاج إلى إنشاء رهن أو أن شرط المنافع مستقل ليس تابعًا للرهن والمفهوم خلافه.
وقسم الماوردي على عادته المنافع أمرين (١): إما أن تكون أعيانًا أو آثارًا، فإن كانت أعيانًا كان البيع باطلًا؛ لأن الأعيان المعدومة صارت ثمنًا، وإن كانت آثارًا كالسكنى والركوب، فإن كانت غير مقدرة يومان بزمان، فالبيع باطل وإن كانت مقدرة بزمان كسكنى سنة وركوب شهر، فهذا عقد جمع بيعًا وإجارة، فكان على قولين؛ أحدهما: بإطلاق ولا رهن.
والثاني: جائزان والرهن صحيح، ولا خيار للبائع لحصول غرضه، وهذا يوافق ما قاله أبو الطيب، فتضافرها ولاء الأئمة مع الشافعي على ذلك يدل على صحة التخريج المذكور، لكنه يتعين معه المصير إلى أحد أمرين: إما صحة الرهن بمجرد الشرط، والأصح خلافه، وإما أن المراد أن المنافع له من الآن، حتى لا يكون زمان الإجارة مستقبلًا، والذي يتحرر في هذا أن يقال: إن شرط أن تكون المنافع رهنًا، فالشرط فاسد قطعًا، وفي البيع قولان؛ أصحهما: الفساد، وكذلك إذا شرط كون الزوائد رهنًا على الأصح، وإن شرط كون المنافع ملكًا، فإن وَقَّت، فطريقان؛ أحدهما: التخريج على الجمع بين بيع وإجارة فيصح في الأصح فيهما.
والثاني: على القولين، فيبطل في الأصح فيهما، وإن أطلق كون المنافع ملكًا من غير توقيت، فطريقان؛ أحدهما: على القولين، فيبطل فيهما في الأصح.
стр. 1157
والثاني: أنه بيع وإجارة فاسدة مجهولة فيبطل فيهما، إلا إذا قلنا: إنه يجيز بالجميع فيصح في البيع، وإن شرط أن تكون الزوائد ملكًا، فللخلاف في البيع مأخذان؛ أحدهما: فساد الشرط على أحد الطريقين.
والثاني: الجمع بين معلوم ومجهول على الطريقة الثانية، وملخص هذا أن شرط المنافع المؤقتة ملكًا صحيح في الأصح، وما عداه باطل، إما في الأصح وإما قطعًا، وأما ما احتج به ابن الصباغ للشيخ أبي حامد من قول الشافعي: له الخيار في الرهن والبيع فيه نظر؛ لأن هذا اقتصار من الشافعي على أحد القولين، وقد أطلق الشافعي المنفعة، وكلامنا فيما إذا قيدها، وسنتكلم على هذا النص.
الرابع: إنا إذا قلنا بصحة الرهن، وبطلان الشرط، فالمنقول أنه يثبت الخيار في البيع؛ لأنه لم يسلم له الشرط، وينبغي أن يجري القولان في بطلان البيع؛ لأن ذلك الشرط تُرك لأجله جزء من الثمن، فإذا بطل وجب أن يضم إلى الثمن، ويلزم الجهالة بغير ما ذكروه في بطلان الرهن، وقياسه أن يكون الأصح فساد البيع، ولم أر أحدًا تعرض لذلك، ولا حكى فيه خلافًا وإنما ذكروا ثبوت الخيار، وهو يؤذن بصحة البيع، وفيه ما نبهنا عليه.
فإن قالوا: إن الخيار يجبر ما حصل من ذلك فيلزمهم في بطلان الرهن، ولعل الأصحاب إنما تركوا ذلك؛ لأن القول بصحة الرهن ضعيف، فلم يمعنوا في تفريعه لا سيما وأكثرهم لم يتعرض له بالكلية والرافعي ذكره (١)، واقتصر على الخيار، والوجه مجيء الخلاف، فإن قلنا بصحة البيع، ثبت الخيار.
فإن قلت: كيف يتصور مع صحة الرهن أن يتردد في صحة البيع، ومع
стр. 1158
بطلان البيع لا يتصور صحة الرهن؛ لعدم الثمن الذي يرهن به.
قلت: المراد إذا قلنا بصحة الرهن وبطلان الشرط حيث انفرد الرهن، فإذا كان مشروطًا في بيع: هل يفسد البيع لأجل فساد الشرط ويتبع فساد البيع فساد الرهن، أو لا يفسد البيع؛ لأن الرهن المشروط فيه يصح، وإن بطل شرطه، وهذا معنى صحيح لا يُنكر تصوُّره وليس المراد أنا نحكم بصحة الرهن في هذه الصورة، ثم نتردد في صحة البيع، وكيف يتخيل ذلك والرهن المشروط يتأخر عقده عن عقد البيع وصحته أو فساده متأخرة في الوجود عنه، وصحة البيع أو فساده متقدمة في الوجود على وجود الرهن، وإن كانت تابعة للحكم بصحته أو فساده.
الخامس: أن المزني نقل في "المختصر": "ولو أسلفه ألفًا على أن يرهنه بها رهنًا وشرط المرتهن لنفسه منفعة الرهن، فالشرط باطل، ولو كان اشترى منه على هذا الشرط، فالبائع بالخيار في فسخ البيع وإثباته والرهن يبطل الشرط. قال المزني: أصل قول الشافعي أن كل بيع فاسد بشرط وغيره أنه لا يجوز وإن أجيز حتى يبتدأ بما يجوز" (١).
وقال الرافعي: "حسبت أنه ذهب إلى تصحيح العقد إذا حذف منه الشرط الفاسد، واعترض عليه بأنه خلاف أصله في أن الفاسد لا خيار فيه والأصحاب خطؤوه في نقله وحسبانه" (٢).
وقال: "إن الذي سبق في التنبيه الثاني نقله الربيع، واتفق عليه الجماهير" (٣).
стр. 1159
وقال ابن الصباغ: المزني ظن أن الشافعي جعل له الخيار في البيع الفاسد؛ ولم يرد ذلك، وإنما أثبت الخيار على القول الذي يبطل الشرط ويجيز البيع والرهن. انتهى.
وهذا يقتضي تخطئة المزني في حسابه لا في نقله، وأن الذي نقله أحد القولين، وأما الشيخ أبو حامد فيما وقفت عليه من كلامه، فإنه ذكر إذا شرط منفعتها له بطل البيع إن أطلق، وخرَّج على الجمع بين البيع والإجارة إن قيَّد، وإن شرط أن تكون منفعتها مرهونة، ففي بطلان البيع قولان، وأن الشافعي ذكر المسألتين جميعًا التي يبطل البيع فيها، وهذه التي لا يبطل فيها على أحد القولين، فنقل المزني صورة المسألة التي يبطل البيع فيها قولًا واحدًا، وجواب المسألة الأخرى ثم اعترض.
وجوابه: أن الأمر كما ذكرت، وإنما وقع الغلط في النقل. انتهى.
وعلى هذا تكون التخطئة في نقله وحسابه كما ذكره الرافعي، ولعل ابن الصباغ إنما أراد ذلك، ولكنه اختصر الكلام، وكذلك الماوردي والشيخ أبو حامد بسطه وبينه، ومراد الشيخ أبي حامد بالتي يبطل فيها قولًا واحدًا إذا شرط المنفعة ملكًا له مطلقة، وقد تقدم من كلامنا وكلام الرافعي ما يقتضي جريان الخلاف فيها؛ ولذلك أثبتنا فيما تقدم طريقين، ولكن مقتضى التخريج على الجمع بين البيع والإجارة، أن تكون طريقة القطع بالبطلان أصح. وكذا يقتضيه كلام الرافعي في "الشرح" (١) القطع بالبطلان في البيع إذا أطلق المنفعة إلا على طريقة حكاها عن ابن كج.
وقال الإمام: "إن المزني [أخل] (٢) بنظم الكلام من وجه آخر فصوَّر رهنًا مشروطًا في بيع، وقد شرط في الرهن أن يتعدى إلى الزوائد، وفرع على أن
стр. 1160
ذلك فاسد، ثم قال: إذا وقع البيع على هذا الوجه فسخ الرهن والبائع بالخيار.
وقال أصحابنا: إنما قال الشافعي: فسخ البائع أو البائع بالخيار، فردد قوله في فساد البيع ووقوع الفسخ عبارة عن الفساد، وقد ذكر المزني فيما نقله فسخ الرهن والبائع بالخيار، وهذا لا نظم له. وإنما أخلَّ به المزني" (١).
السادس: لو شرط أن يحدث زوائده مرهونة.
قال الرافعي: "إن صححنا الشرط أو أبطلناه، وصححنا الرهن، صح البيع وللبائع الخيار" (٢)، وهذه العبارة فيها خلل؛ لأن إثبات الخيار إذا صححنا الشرط لا معنى له، وإنما مراده تصحيح البيع في الحالتين والخيار في إحداهما، فالصواب أن يقال: إن صححنا الشرط، فلا كلام، وإن أبطلناه وصح الرهن صح البيع وللبائع الخيار، ويعود فيه ما قدمناه من أنه ينبغي جريان الخلاف في صحة البيع؛ لبطلان الشرط.
فرع: لو قال أقرضتك هذا الألف بشرط أن ترهنني به، أو بالألف الذي لي عليك كذا، أو بذلك الألف وحده، فالقرض فاسد، ولو قال المستقرض: أقرضني ألفًا على أن أرهن بها، وبالألف القديم، أو بذلك الألف وجده، فسد في الأصح.
والثاني: لا بناء على أن القبول لا يعتبر، والأصح اعتباره والتسوية بين أن يصدر الشرط من المقرض ويقبله المستقرض وعكسه، وكذا لو باع بشرط
стр. 1161
أن يرهن بالثمن وبالدين القديم، أو بذلك الدين رهنًا، فالبيع باطل.
فرع: فلو رهن المستقرض أو المشتري، كما شرط، فالموجود في كلام الرافعي وغيره، "أنه إن علم فساد الشرط، فإن رهن بالقديم صح أو بهما لم يصح بالألف الذي فسد قرضه؛ لأنه لم يملكه، وإنما هو مضمون في يده للقرض، والأعيان لا يرهن بها، وفي صحته بالألف القديم قولا تفريق الصفقة، فإن صح لم يوزع، بل كله مرهون بالقديم لأن وضع الرهن توثيق كل بعض من الدين بجميع المرهون، ولو تلف الذي فسد القرض فيه في يده، صار دينًا، وصح الرهن بالألفين حينئذٍ، وإن ظن صحة الشرط، فإن رهن بالقديم صح في الأصح، وهو قول الشيخ أبي محمد وغيره.
وقال القاضي حسين: لا يصح كما لو أدى ألفًا على ظن أنه عليه، ثم تبين خلافه؛ يتبين بطلان الأداء، وله الاسترداد، وفرق الأولون بأن أداء الدين يستدعي سبق ثبوته، وصحة الرهن لا تستدعي سبق الشرط، ولو رهن بالألفين وقلنا: الصفقة تفرق، فصحته بالقديم على هذا الخلاف، وكذا لو باع بشرط بيع آخر، فإنشاء البيع الثاني ظانًّا صحة الشرط" (١).
قال البغوي (٢) والمتولي تبعًا للقاضي حسين: يبطل. وقال الإمام وشيخه: "يصح وهو القياس" (٣).
قال الرافعي: "ولهذه الصورة والخلاف فيها شبه بما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حي وكان ميتًا، فإنا على رأي يجعل ظنه مانعًا من صحة الإقدام؛
стр. 1162
لأنه ربما لم يبع لو عرف حقيقة الحال" (١).
قلت: وهذه أولى بالصحة من تلك؛ لأن بيع مال الأب على ظن حياته يشبه بيع الهازل على ما قيل، والبائع يعتقد فساده، وها هنا ليس هازلًا، ولا هو معتقد الفساد، بل هو معتقد الصحة.
وقال الغزالي: "لو ظن لزوم الوفاء به فرهن، فله الرجوع عنه" (٢)، قال الرافعي: "ليس المراد اللزوم الذي يفيد الإجبار، فإن الرهن المشروط لا يجبر عليه بحال، ولكن المراد: صحة الشرط ولوازمها، قال: وقوله: "فله الرجوع" يشعر بالصحة، وتفويض الأمر إلى خيرة الراهن، وهذا الظاهر غير معمول به، بل أحد القائلين يلغيه.
والثاني: يجعل سبيله سبيل سائر الرهون حتى يلزم، ولا يتمكن الراهن من الرجوع عنه" (٣).
وقال الشافعي في "الأم" في شرط ضمان الرهن: "وإذا كان لرجل على رجل حق إلى أجل، فزاده في الأجل على أن يرهنه رهنًا فرهنه إياه، فالرهن مفسوخ، والدين إلى أجله الأول" (٤). انتهى. وهذا ظاهره يشهد للقاضي حسين ولكني أحمله على ما إذا صدر التأجيل والرهن على صورة عقد واحد، وفي مثله أقول بالفساد فيهما، سواء أعلم بفساد الشرط أم جهل، أما إذا صدر الرهن منفصلًا عن التأجيل، فالوجه القطع بالصحة، والإبطال إذا ظن صحة الشرط ضعيف، وإذا علم فساد الشرط لم يقل به أحد، ومثل هذا التفصيل أقوله فيما إذا شرط بيعًا في بيع كما فسر به النهي عن بيعتين في
стр. 1163
بيعةٍ، وأقوله في مسألة ضع وتعجّل، وهي تعجيل بعض الدين للإبراء عن الباقي إن جرى التعجيل مشروطًا بالإبراء، ووقع الإبراء على الفور على وجه القبول لما شرطه الدافع، كما في سائر العقود، فهو عقد فاسد مشابه لربا الجاهلية، فيبطل التعجيل والإبراء على ذلك النهي عن بيعتين في بيعة، وإن لم يجر الشرطان المذكوران بأن وقع من غير شرط أو بشرط ولكن تأخر ولم يقع إلا مستقلًّا بنفسه صح، وقد أتقنتُ ذلك في تصنيف مفرد نحو كراسة في مسألة "ضع وتعجل" لا ينتظم كلام الأصحاب بدونه، فعليك بمطالعته.
وقال الشافعي في "البويطي": "ولو كان الرجل على رجل دين حال أو إلى أجل، ثم قال: بعني بيعة أخرى على أن أرهنك بالأول، والآخر لم يجز، وكان البيع الآخر فاسدًا والرهن باطلًا، وكان حقه الأول على حاله" (١). انتهى.
وهو موافق لما تقدم عن "الأم"، ومخالف لما قدمناه عن الأصحاب، والتحرير ما قلناه في مسألة "ضع وتعجل".
فرع: تقدم أن المزني اختار أن الرهن صحيح، وإن بطل الشرط، وكذا اختار أن البيع صحيح، وإن بطل الرهن، واستدل لصحة الرهن مع بطلان الشرط، بتفريق الصفقة.
وأجاب الماوردي: بأنها مثلها، وهذا صحيح في أصل الخلاف، وفي التصحيح عند من يصحح البطلان وعدم تفريق الصفقة، أما على القول بأن الصفقة تفرق، وهو الأصح، فكيف يتأتى القول بالبطلان هنا وهو الأصح.
وإنما جوابه: أن الشرط فيه زيادة على الجمع في الصفقة بين ما يجوز
стр. 1164
رهنه وما لا يجوز؛ لأن صحة كل من الشيئين لا تتوقف على الآخر، فإذا جعل شرطًا توقف عليه المشروط، فيلزم من بطلانه بطلانه.
واستدل المزني لصحة البيع مع بطلان الرهن: "بأنه لو تبايعا على أن يرهنه هذا العصير فرهنه، فإذا هو من ساعته خمر، فله الخيار في البيع" (١).
قال الماوردي: "وهذه المسألة في العصير تخالف مسألتنا في الصورة والحكم؛ لأن الرهن في العصير عقد صحيح، وإنما طرأ عليه الفساد كتلف المرهون قبل القبض يبطل به الرهن، ولا يبطل البيع، بل ثبت الخيار، ومسألة الكتاب فساد الرهن ممازج لما قرن به من البيع" (٢)، فلم يكن فيما استشهد به المزني دليل.
فرع:
الخلاف في مسألة شرط حدوث الزوائد مرهونة رتبه بعض الأصحاب على مذهب أبي إسحاق أربعة أقاويل (٣)، وعلى مذهب أبي علي ثلاثة أقاويل؛ أحدها: أن الشرط والرهن والبيع جائز كله.
والثاني: بطلان الجميع.
والثالث: أن الشرط باطل والرهن والبيع جائزان وللمرتهن الخيار.
والرابع: أن الشرط والرهن باطلان، والبيع جائز، وللمرتهن الخيار، وكان أبو القاسم الصيمري يرتب المسألة ترتيبًا ثالثًا، فيقول: في البيع قولان؛ أحدهما: باطل، فعلى هذا الرهن والشرط أبطل.
والثاني: أن البيع جائز، فعلى هذا، في الرهن قولان؛ أحدهما: باطل،
стр. 1165
فعلى هذا في الرهن قولان؛ أحدهما: باطل، وعلى هذا الشرط أبطل.
والثاني: جائز. فعلى هذا في الشرط قولان؛ أحدهما: باطل، وله الخيار.
والثاني: جائز، وليس له خيار؛ هكذا حكاه الماوردي (١)، وهذا التنوع في الترتيب يستحسن في حفظ المسائل، وإن كان راجعًا إلى معنى واحدٍ، ولا ينافيه ما قدمناه من البحث فيما إذا حكمنا بصحة الرهن، وبطلان الشرط، هل يبطل البيع أو لا؟ ومأخذ البطلان فساد ما شرط فيه من الهيئة الاجتماعية، وهي الرهن مع شرطه؛ إذ لا يتصور وقوعهما على بعث الصحة على ما عليه نفرع، وإن أمكن وقوع الرهن وحده صحيحًا بدون شرطه، كما إذا قلنا بفساد الرهن يبطل البيع؛ لأن ما شرط فيه من الرهن لا يمكن وقوعه صحيحًا، وليس المعنى أنه وقع فاسدًا لما سبق أنه لا بد من إنشائه على الأصح، وهذا الكلام ضمنه لما قدمناه في التنبيه الرابع.
فرع:
قال الشافعي في "مختصر المزني": "ولو دفع إليه حُقًّا، فقال: قد رهنتكه بما فيه، وقبضه المرتهن، ورضي؛ كان الحق رهنًا وما فيه خارجًا عن الرهن، إن كان فيه شيء [لجهل] (٢) المرتهن بما فيه، فأما الخريطة، فلا يجوز الرهن فيها إلا أن يقول دون ما فيها، ويجوز في الحُق؛ لأن الظاهر من الحُق أن له قيمة، والظاهر من الخريطة أن لا قيمة لها، وإنما يُراد ما فيها" (٣). انتهى.
وقال في "الأم" في الرهن الفاسد: "ولو دفع إلى رجل حُقًّا، فقال: قد
стр. 1166
رهنتكه بما فيه وقبضه المرتهن ورضي، كان الرهن فيما فيه إن كان فيه شيء منفسخًا من قِبَل أن المرتهن لا يدري ما فيه، وكذلك جراب بما فيه، وخريطة بما فيها، وبيت بما فيه من المتاع، ولو رهنه في هذا كله الحق دون ما فيه أوقال الحق، ولم يسم شيئًا، كان الحق رهنًا، وكذلك البيت دون ما فيه، وكذلك كل ما سمي دون ما فيه، وكان المرتهن بالخيار في فسخ الرهن وبيعٍ إن كان عليه أو ارتهان الحق دون ما فيه وهذا في أحد القولين.
والقول الثاني: أن البيع إن كان عليه مفسوخ بكل حال، فأما الخريطة فلا يجوز الرهن فيها إلا أن يقول دون ما فيها؛ لأن الظاهر من الحق والبيت أن لهما قيمة، والظاهر من الخريطة أن لا قيمة لها وإنما يراد بالرهن ما فيها" (١). انتهى.
وذكر الإمام أربع مسائل في ذلك: الأولى أن يقول: رهنتك ما في هذا الحُقِّ أو ما في هذه الخريطة، فإن كان ما فيهما معلومًا مرئيًّا؛ صح وإلا فعل ما سبق في بيع الغائب ورهنه.
المسألة الثانية: أن يقول: رهنتك الحق بما فيه، أو الخريطة بما فيها، فإن كان ما فيها معلومًا مرئيًّا صح في الحُق والخريطة وما فيهما وإن كان الرهن لا يصح فيما فيهما؛ كما تقدم بقى النظر في الحُق والخريطة، فإن كانا نفيسين بحيث تجرد القصد إلى شرائهما ورهنهما، فيقول: فسد الرهن فيما فيهما وفيهما قولا تفريق الصفقة، وإن كان الحُق والخريطة مما لا يتمول أصلًا بطل الرهن جملة، أما في الظرف؛ فلكونه غير متمول، وأما في المظروف، فلكونه غير مرئيٍّ والتفريع على بطلان رهنه، وإن كان الحُقُّ والخريطة مما يتمول ولكن قيمتها قليلة لا يقصد رهن مثلها بالإضافة إلى ما
стр. 1167
فيها فوجهان؛ أحدهما: يبطل في الوعاء أيضًا؛ لكونه غير مقصود؛ تنزيلًا للعقد على موجب العرف.
والثاني: إتباع اللفظ كما لو كانت نفيسة؛ لأنها متمولة في الجملة، فيجري قولا تفريق الصفقة، وينبغي أن يكون هذا أصح، ونص الشافعي ﵀ على الصحة في الحُق دون الخريطة محمول على فرض المسألة فيما إذا كانت الخريطة لا قيمة لها والحُق له قيمة، فلو انعكس التصوير انعكس الحكم ولو كانا سواء كان الحكم واحدًا ولا فرق.
وقال الرافعي ﵀ ما نص عليه: "سببه أنه وضع المسألة في حُقٍّ له قيمة يقصد لها بالرهن وخريطة ليست لها قيمة تقصد بالرهن، وحينئذ يكون المقصود ما فيها وإن كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا وما فيهما، بحيث لا يصح الرهن فيه، فيبطل فيهما جميعًا، وفي وجه يصح الرهن فيها، وإن كانت قليلة القيمة؛ اعتبارًا باللفظ" (١)، ومقصود الرافعي أنه، وإن كان اللفظ مضافًا إلى الظرف والمظروف جميعًا، والمظروف بحيث لا يصح الرهن فيه، فيصح في الحُق؛ لأن له قيمة تقصد بالرهن، وأما الخريطة والفرض أنها ليس لها قيمة يقصد بالرهن، فيبطل فيهما، أي: في الخريطة، وما فيها، وفي وجه يصح في الخريطة هذا معنى كلام الرافعي، وليس فيه مخالفة لما قلناه إلا في شيئين؛ أحدهما: إشارته إلى أن وجه البطلان في الخريطة أصح، والذي قدمناه أنه ينبغي أن يكون وجه الصحة أصح، وهو المختار؛ لأن اللفظ يقتضيه بلا معارض.
والثاني: قول الرافعي: له قيمة تقصد وليس لها قيمة تقصد تقييده بالقصد، ليصح ما ذكره من الوجهين؛ لأنهما لا يأتيان فيما لا قيمة له
стр. 1168
أصلًا، ونحن ذكرنا الأقسام الثلاثة وأحكامها، وكلام الشافعي محتمل لهذا ولهذا، واللائق بالوجه القائل بالبطلان مما لا قيمة له يقصد، وإن كان له قيمة أن يقيد كلام الشافعي، كما قيده الرافعي ولا يطلقه، والوجه القائل بالصحة يصح منه الإطلاق والتقييد.
وأما النووي ﵀ فإنه ذكر كلام الرافعي إلى حد قوله: "وحينئذ يكون المقصود ما فيها" (١) ولم يغير منه شيئًا ثم عمل بخطه دوارة إشارة إلى أن الكلام قد فرع وليس بجيد؛ لأن ما بعده من "تتمته" ثم غير هذه "التتمة"، فقال: "لو كان اللفظ مضافًا إلى ما فيهما جميعًا"، أي: في الحُق والخريطة، فأوهم أن هذه المسألة هي الأولى التي ذكرناها، ولفظ الرافعي مضافًا إليهما، ومراده الظرف والمظروف كما شرحناه، ولو كان كما قال النووي لم يكن لجريان الوجه الثاني وجه، ومما يدل على أن هذا الكلام جملة معترضة في كلام الرافعي من "تتمته" أنه قال بعد ذلك، وذكره النووي أيضًا، ولو عكست التصوير في الحُق والخريطة كان الحكم بعكس ما نص عليه، فهذا أمر لاشك فيه، فينبغي أن يصلح كلام "روضة الطالبين" بإزالة الدوارة وبأن يقال مضافًا إليهما جميعًا ويزال ما دَوَّر (٢) ويصح الكلام.
المسألة الثالثة: أن يقول: رهنتك الحق دون ما فيه أو الخريطة دون ما فيها، فهاهنا لا نظر إلى المظروف وأما الظرف وهو الحُق أو الخريطة، فيصح الرهن فيه مهما كانت له قيمة.
وإن قلت: لأنه إذا أفرده، فقد وجه الرهن نحوه وجعله المقصود، فإن
стр. 1169
فرض أن الوعاء لا قيمة له أصلًا بطل الرهن ولا خلاف في هذين القسمين - أعني: الصحة إذا كانت له قيمة وإن قلت: مقصودة كانت للراهن أو غير مقصودة له والبطلان فما لا قيمة له أصلًا بأن يكون غير متمول.
المسألة الرابعة: أن يقول: رهنتك الحق والخريطة، ويطلق ولا يتعرض لما فيهما؛ نفيًا وإثباتًا، فإن كان الظرف بحيث يقصد في الرهن وحده بأن كان نفيسًا، فهو المرهون لا غير، ونزل الرهن عليه وصح فيه وإن كان حقيرًا لا يقصد منفردًا لكن متمول فوجهان، حكاهما لملإمام عن الأصحاب؛ أصحهما: أن الرهن ينزل على الظرف لا غير، فإنه قابل للعقد واللفظ لا يشعر في وضعه إلا به.
والثاني: أن الرهن ينزل على الظرف مع المظروف فإن الظرف إذا لم يكن مقصود فذكره في العرف يعني به الظرف مع ما فيه فحمل عليه؛ تنزيلًا للعقد على موجب العرف وقرينة الحال وموجب الفهم العرفي من غير احتمال بصيغة اللفظ.
قال الرافعي: "ويجيء على قياسه وجهان فيما إذا لم يكن متمولًا أن الرهن ينزل على المظروف أو يلغي" (١).
قلت: وعلى القياس المذكور يكون الأصح الإلغاء؛ اتباعًا للفظ وعلى الوجه الآخر الناظر إلى العرف كلام الرافعي هذا، يقتضي تنزيله على المظروف وحده وله وجه من جهة أن الظرف الذي لا يتمول لا يصح رهنه، ولكن ما حكيناه في تعليل الوجه المذكور يقتضي تنزيله على الظرف والمظروف معًا، وقياسه هناك أن يكون كذلك ويعتذر عن كونه لا قيمة له بأنه تابع لما فيه، وفائدة هذا إذا سلمه بظرفه، ثم أراد الراهن
стр. 1170
استرجاع الظرف، فعلى ظاهر عبارة الرافعي له ذلك، وعلى ما قلناه ليس له ذلك؛ لأنه داخل في الرهن، وليس هذا كما إذا رهن عينًا لها قيمة وعينًا أخرى لا قيمة لها؛ لأن تلك ليست تابعة وهنا الظرف تابع، فلا يبعد تصحيح الرهن فيه، وإن لم يكن له قيمة تبعًا ولو لم يصح هذا المعنى الذي أشرنا إليه من التبعية لوجب، إذا قال: رهنتكه بما فيه، وكان الظرف لا قيمة له أصلًا ألا يصح الرهن إلا فيما فيه فقط، وأن يتخرج على تفريق الصفقة، ولم يذكروه، ولكنا إنا إنما نقول بهذا فيما هو تابع دون ما هو مقصود، كما قدمناه، واعلم أنا إذا نزلنا في هذه المسألة الرابعة الرهن على الظرف والمظروف ينظر بعد ذلك في كون المظروف بحيث يصح رهنه؛ لكونه مرئيًّا معلومًا أو لا، ويجري على كل واحد حكمه وحيث يبطل فيه، فيحتمل أن يتخرج في الظرف على تفريق الصفقة، وهذا هو الظاهر ويحتمل أن يجعل ذلك قرينة في إرادة الظرف وحده، فيصح فيه من غير تخريج على التفريق، ونبه إمام الحرمين (١) والغزالي في "البسيط" على أن كل ما ذكرناه في الرهن يجري مثله في البيع حرفًا حرفًا فيما إذا قال: بعتك الخريطة بما فيها، أو وحدها أو الخريطة؛ لأن مأخذه اللفظ.
قلت: وإذا قال: بعتك الخريطة وما فيها، وكانت الخريطة لا قيمة لها وما فيها معلوم فقد يقال: يبطل البيع في الخريطة لكونه نص عليها وجعلها مقصودة وهي لا تتمول والأقرب الصحة تبعًا وليس إذا ضم معها عينًا أخرى لا تكون تابعة لها، ثم إذا صححنا البيع في الخريطة وما فيها، والخريطة لا قيمة لها، فلا أشك أنه لا يقابلها قسط من الثمن، وإنها إذا تلفت قبل القبض لا يسقط بسببها شيء؛ لعدم تمولها، هذا الذي يقتضيه الفقه، وإن لم أره
стр. 1171
منقولًا هذا تمهيد هذا الفرع، وبيان كلام الشافعي ﵀ فيه، وقد ذكر الروياني في "البحر" (١) أن من أصحابنا من قال: "نقل المزني في الحق أنه يجوز وفي الخريطة أنه لا يجوز، فالمسألتان على قولين، وهذا ليس بشيء، وإنما أشكل على هذا القائل هذا، لأنه لم يعرف أصول الشافعي". هذا كلام الروياني والأمر كما قال.
* * *
стр. 1172
قال: فصل [في يد المرتهن والعدل]
ويجوز أن يجعل الرهن في يد المرتهن، ويجوز أن يجعل في يد عدل؛ لأن الحق لهما، فجاز ما اتفقا عليه من ذلك.
جواز جعله في يد المرتهن مجمع عليه، فيجوز شرطه في أصل الرهن إلا ما يستثنيه، كالجارية ونحوها في بعض الأحوال، كما سنبينه وجواز شرط أن يكون عند عدل خالف فيه ابن أبي ليلى (١) وداود فقالا: "لا يجوز" (٢)، لأن القبض من تمام العقد، فكان متعلقًا بالمتعاقدين؛ كالإيجاب والقبول، ونقل ابن المنذر عن الحكم والحارث العكلي وقتادة "قالوا: لا يكون الرهن مقبوضًا إذا قبضه العدل وعن عطاء وعمرو بن دينار وسفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي أنه إذا قبضه العدل، فهو مقبوض" (٣) واختاره ابن المنذر؛ لأنه في معنى وكيل المرتهن، وأما الإيجاب والقبول، فذاك لأجل المخاطبة، وإن شرط أن يكون على يد
стр. 1173
عبد بغير إذن سيده لم يجز سواء أكان بأجرة أم بغير أجرة، وإن شرط أن يكون في يد مكاتب، فإن كان بأجرة جاز، وإن كان بغير أجرة لم يجز، وإن شرط أن يكون في يد صبيٍّ لم يصح، وإن دفع إليه لم يصح القبض، وإن شرط المسلمان وضعه عند ذمي، فإن كان مما يجوز رهنه عنده ووضعه تحت يده جاز؛ لأن الذمي يجوز أن يكون وكيلًا للمسلم، وإن شرط الذميان أن يكون عند مسلم جاز، والتوكيل في البيع على هذا الترتيب، وإن لم يشترط المتراهنان من يكون عنده، فإن كان الرهن عبدًا أو ثوبًا ونحوهما مما ليس من الجواري، فوجهان؛ أحدهما: لا يصح؛ لأنه ليس كونه في يد العدل أولى من كونه في يد المرتهن، فلم يصح إلا بالتعيين.
والثاني: وهو الأصح يصح ويرفع إلى الحاكم، ليجعله على يد عدل كما لو كان الرهن جارية، ولم يشرطا من تكون عنده ولو شرطا أن يكون الرهن عند الراهن.
فأما في ابتداء القبض فلا يصح؛ لأنه لا يقبض من نفسه لنفسه، ولا يكون وكيلًا في القبض لغيره من نفسه، وأما في الدوام بعد لزومه بالقبض، فالذي يظهر أنه يصح؛ لأن عندنا يجوز أن يعيد الرهن إلى الراهن؛ لينتفع به؛ ولذلك صرَّح الأصحاب في المشاع إذا قبضه المرتهن ورضي أن يرده إلى الراهن يكون تحت يده كما يكون تحت يد العدل يجوز، ولا يستحق المرتهن إدامة يده عليه مشاعًا كان أو غير مُشاع، ولا خلاف عندنا في جواز رده إلى الراهن برضا المرتهن، حتى قال الشافعي في "المختصر": "ولو أكرى الرهن من صاحبه أو أعاره لم ينفسخ الرهن" (١). قيل: قصد بذلك أبا حنيفة حيث قال: "إن استدامة قبض المرتهن شرط" (٢).
стр. 1174
قال الماوردي: "فإن قيل: منافع الرهن للراهن عندكم، فكيف يستأجره أو يستعيرهُ؟ فعنه أربعة أجوبة؛ أحدها: أن الشافعي أراد أن عوده إلى يد الراهن لا يفسخ الرهن. فعبَّر بهذه العبارة؛ لأنها لفظ عطاء، فأورده على جهته تبركًا.
الثاني: أنها مُصوَّرة في رهن كان المرتهن استأجره من الراهن، فإذا استأجره الراهن منه أو استعاره جاز ولم ينفسخ الرهن، وكذلك إذا كان المرتهن موصى له بالمنفعة ورهن الرقبة صاحبها منه.
والثالث: أن المراد لو أكرى الراهن المرتهن، والهاء في صاحبه يعود على المرتهن.
الرابع: أنه على القديم، فإن القديم أن الراهن لا يجوز له أن ينتفع بالرهن بنفسه، وإنما له أن يؤجره من غيره، فأراد أن الراهن وإن انتفع بالرهن بنفسه؛ ففعل ما ليس له، لم ينفسخ الرهن. وهذا الجواب؛ ذكره ابن أبي هريرة" (١). انتهى.
وهذا الخلاف في الانتفاع، أما كونه تحت يده، فلا خلاف في جوازه بالتراضي، فلا مانع من اشتراطه.
فرع:
تقدم أن الأصح صحة الرهن إذا أطلق، ولم يشترط تعيين من يكون في يده، فإذا جرى ذلك مطلقًا، ثم اتفقا، فذاك، وإن تشاحَّا، قال المصنف في "التنبيه": "سلمه الحاكم إلى عدل" (٢) وصورة التشاحح مما يُسأل عنها، فإنه إن كان قبل القبض، فالتسليم غير واجب، وإجبار الحاكم
стр. 1175
إنما يكون في واجب، وإن كان بعد القبض، فلا يجوز نزعه ممن هو تحت يده، وكان الشيخ قطب الدين السُّنباطي ﵀ يُصورها فيما إذا وضعاه عند عدلٍ ففسَق، فإن يده تزال والرهن لازم، فإذا تشاحَّا حينئذ فيمن يكون تحت يده اتجه إجبار الحاكم، وكذلك لو رضيا بيد المرتهن لعدالته حتى القبض، ثم فسق، ينبغي أن يكون كذلك وقريب منها، أما إذا مات المرتهن والرهن تحت يده، فقال الراهن: لا أرضى بيد الورثة. فله ذلك على النص، حكاه الإمام عن العراقيين، وقال: "إنه الأصح فيرفع الأمر إلى الحاكم ليضعه على يد عدلٍ، ولا فرق في أن يكون الورثة عدولًا أو لا.
وقال بعض أئمتنا: لا تُزيل يد القاضي يد الورثة.
نعم، له أن يضم إليهم إذا استدعاها الراهن" (١)، وهذه الصورة لا يمكن حمل كلام "التنبيه" عليها؛ لأنه قال: وإن تشاحَّا -أي: الراهن والمرتهن- والتشاحح هنا بين الراهن وورثة المرتهن بخلاف صورة الخروج عن الأهلية، وسيأتي في كلام المصنف التعرض للصورتين، وهو يُرشد إلى حمل كلامه في "التنبيه" عليهما أو على إحداهما، وأما قبل التسليم، فالذي يظهر أن الحاكم ليس له ذلك، سواء كان الرهن مشروطًا في بيع أم لا؛ لاتفاق الأصحاب على عدم اللزوم فيهما إلا بالقبض، فلا يمكن تصوير المسألة فيه إلَّا بأن يُقال: إن المراد أنهما يسلمانه إلى الحاكم ليضعه عند عدل، ويكون الحاكم مأذونًا من جهتهما لا أنه حاكم عليهما بطريق الإجبار، أو يكون المراد؛ أنه إذا أطلق وطلب المرتهن أخذه، وطلب الراهن دفعه إلى عدلٍ أجيبَ الراهن ولم يُمكّن المرتهن من فسخ البيع، بل يسلمه الحاكم إلى عدل ليبرأ المشتري منه ويستقر بيعه وينقطع خيار
стр. 1176
المراهن، وليس في هذا إجبار للراهن، بل هو إجبار للمرتهن، وهذا أحسن ما يُحمل عليه.
وقال ابن الرفعة ﵀ في قول الشيخ: "وإن تشاحا. أي: تمانعا فيمن يكون تحت يده وكان الرهن مشروطًا في بيع كما نبه عليه الإمام والرافعي في الباب الثالث من كتاب البيع سلمه الحاكم إلى عدلٍ، وقيل: إذا أطلق العقد بطل، أما إذا وقع التشاحح، فمن يقبض الرهن غير المشروط ابتداءً، فالذي يظهر أنه لا يُسلم إلى العدل إلا برضا الراهن" (١).
قلت: وهذا الذي يظهر في المشروط وغير المشروط، والذي ذكرهُ الرافعي في الباب الثالث عند الكلام في الشروط والرهن المشروط في بيع "أنهما إن اتفقا على يد المرتهن أو عدلٍ، وإلا جعله الحاكم في يد عدلٍ" (٢)، وهذا يمكن حمله على ما قلناه، وليس فيه تصريح بإجبار الحاكم الراهن، ولا يحمل الكلام على المشروط دون غيره، وصرح الإمام (٣) والرافعي (٤) أن المشتري لا يجبر في شرط الرهن والضمان إذا امتنع، بل يثبت للبائع الخيار.
نعم، رهن التبرع لا يتصور فيه إجبار الراهن ولا إجبار المرتهن فيتعين التصوير فيه بما إذا حدث خللٌ في العدل.
* * *
стр. 1177
فرع:
في كلام الغزالي: "لا يجوز التعديل على يد الراهن". ومراده به في الابتداء، لكن تعليله يُشعر بالعموم، فإنه قال: "لأن يده لا تصلح للنيابة عن غيره، وهو مستقل بالملك" (١)، فإما أن يحمل على أن مراده النيابة في القبض، وإما أن يُقال: إذا اتفقا بعد القبض على وضعه عند المرتهن، لا تثبت له أحكام العدل حتى يجعل يده نائبة عن يد المرتهن. والأقرب الأول، فإن كلام الأصحاب، كالصريح في مخالفة الثاني.
فرع:
العدلُ نائبٌ عن المرتهن في ابتداء القبض الملزم للعقد ودوامه؛ لأن اليد في الرهن للمرتهن وهو المستحق لها، والعدل وكيل عنه قائم مقامه فيها.
قال الغزالي: "وهذا لا يجوز التعديل على يد المالك، وللراهن أيضًا حظٌّ في يد العدل، فإنه ربما لا يثق بيد المرتهن؛ ولهذا لا يجوز للعدل أن يسلم إلى أحدهما بدون إذن صاحبه، ولا أن يسلم إلى ثالث بدون إذنهما، فإن فعل ضمن، ثم إن سلم للمرتهن ضمن للراهن، والقرار على المرتهن مهما تلف في يده" (٢)، وقد يجري فيه أحوال التقاصّ.
وإن سلم إلى الراهن ضمن للمرتهن القيمة ليكون عنده رهنًا، فإن كان الراهن أذن للعدل في وفاء الدين، وكان الدين حالًّا، غرم أقل الأمرين من القيمة والدين، وإذا غرم القيمة وقضى الدين أو برئ عند، رُدَّت القيمة إليه، وله أن يكلَّف الراهن القضاء لفك القيمة كما في المعير للرهن.
وما ذكرناه من أن العدل نائب عن المرتهن قاله الغزالي وغيره، ولا
стр. 1178
نتخيل في ابتداء القبض غير ذلك، وقال الماوردي: "العدل نائب عن الراهن في حفظ الملك، وعن المرتهن في حفظ الرهن" (١)، وليس بين الكلامين اختلاف، فقد تواردا على أنه نائب عن المرتهن في الرهن، وهذا معنى قولنا: اليد في الرهن للمرتهن؛ ولا ينافي ذلك أن يد الملك للراهن، وهذا في الدوام، أما حقيقة القبض الذي به يلزم الرهن، فهو من المرتهن وحده، والعدل ينوب فيه عنه خاصة، والإقباض من الراهن يمكن أن يستنيب فيه أيضًا، لكن العدل الذي يجعل الرهن عنده لا يتصور أن يكون نائبًا في الإقباض، ولو كان العدل نائبًا في القبض عن الراهن لما صح القبض، كما قاله ابن أبي ليلى ومن وافقه (٢)، وقد احتج لهم بذلك، وأجيب بالمنع، وبأنه قد يكون قابضًا عنهما بجهتين مختلفتين ويصح.
فرع:
"يجوز للعدل تسليم الرهن إلى وكيلهما، ولو كانا غائبين، وأراد السفر ولا وكيل لهما، فحكم تسليمه إلى الحاكم حكم رد الوديعة"، هكذا قال الرافعي (٣)، وقال الجوري: إذا أراد العدل السفر، فأودع ضمن، والمودع إذا أراد السفر، فأودع مع القدرة على الحاكم، لا يضمن (٤)؛ لأن للحاكم مدخلًا في الرهن دون الوديعة.
* * *
стр. 1179
فرع:
لو غُصب الرهن من العدل لم يضمن العدل سواء أكان الغاصب المالك أم غيره، وإن ردَّه الغاصب إلى العدل برئ، وفي وجهٍ لا يبرأ إلَّا بالرد إلى المالك، أو بإذن جديد، والمذهبُ المنصوص الأول، وكذلك لو غصبت الوديعة من المودع أو العين المستأجرة من المستأجر، أو المرهون من المرتهن، ثم رد إليه، ولو غصبت اللقطة من الملتقط، لم يبرأ الغاصب بالرد إليه، ولو غُصِبَ المستعارُ من المستعير أو المقبوض سومًا من المستام ثم رد إليهما فوجهان.
وفي "الأم": "أنه لو تعدى المرتهن، فأخرج الرهن من عند العدل ضمن، فإذا ردَّه إلى العدل برئ؛ لأن العدل وكيل الراهن" (١). انتهى.
وقوله: "وكيل الراهن". يعني بالنسبة إلى الملك، كما قاله الماوردي (٢) لا بالنسبة إلى الوثيقة، ولو دفع العدلُ الرهنَ إلى الراهن اختيارا، ثم رده إليه، فهل يبرأ إذا قلنا بالبراءة، فما سبق يُشبه أن يبنى على أن تعدي الوكيل هل يفسخ الوكالة؟
فرع:
سبق في أوائل الباب أن للمرتهن التوكيل في القبض، وليس له أن يوكل الراهن ولا عبده ولا مدبره ولا أم ولده، وكذا عبدَهُ المأذون في الأصح، وله أن يستنيبَ مكاتبه وأباهُ وابنه وذاك الكلام في أصل القبض، وكلامنا هنا في دوامه، ووقع في نسختي من "شرح الرافعي" (٣) في ذلك المكان: "لا يجوز للراهن إنابة المرتهن ولا عبده ولا مدبره ولا أم ولده".
стр. 1180
والذي ذكره الأصحاب حتى "روضة الطالبين" (١) العكس، فلعل نسختي غلط، لكن معناها صحيح أيضًا، ويوافقها أن في "الحاوي": "لو قال له الراهن: وكلتك في قبضه لنفسك لم يصح" (٢)، وكذلك لو وكل الراهن أن يقبض عنه ووكله المرتهن أن يقبض له، وبهذا ظهر أن كلًّا من الراهن والمرتهن لا يجوز أن يوكل الآخر ولا عبده القن ولا مدبره ولا من يده كيده.
وفي "الإفصاح" لأبي على الطبري: قال الشافعي: فإن قال المرتهن للراهن: اقبض لي الرهن من نفسك، لم يجز، كما لو قال للبائع: اقبض لي المبيع من نفسك لم يجز.
فائدة:
مما أغفلنا ذكره هناك فيما إذا رهنه شيئًا في يده بجهة غصب، والمذهب أنه لا يبرأ عن ضمان الغصب، وأكثر الأصحابُ الاحتجاج مع المزني فيها، قال الشيخ أبو حامد بعد ذلك: واستدلال الشافعي وهو أن المغصوب مضمون على الغاصب، فإذا رهنه وأذن له في قبضه، فإنه يقبض من نفسه لنفسه، وهذا لا يزول به الضمان؛ لأن يد الإنسان لا تبرئ يده، ألا ترى أن من استحق طعامًا من سلم على رجل، فوكله في أن يقبضه له من نفسه لم يصح؟
قال الشيخ أبو حامدٍ: وهذا الذي ذكره لا يُسلم؛ لأن الممتنع أن يوكل الرجلُ رجلًا في أن يقبض من نفسه لذلك الرجل ويبرأ به، فأما أن يقبض من نفسه لنفسه، فلا يمتنع كما لو باعه المغصوب أو أودعَهُ وأذن له في
стр. 1181
قبضه. انتهى.
وهذا يخالف إطلاقهم أنه يمتنع اتحاد القابض والمقبض على النص؛ خلافًا لابن سريج، وكثيرًا من المسائل التي يفرعونها عليها ويوجب تقييد ذلك الإطلاق، وموافقه قول أبي علي الطبري في "الإفصاح" أن الرجل لا يكون قابضًا من نفسه لغيره، ولا يكون وكيلًا لغيره على نفسه، ويكون قابضًا من غيره لنفسه ما في يده للغير، إلَّا الأب، فقد اختصَّ في مال ابنه ما لم يختص به غيره.
* * *
стр. 1182
قال:
وإن كان المرهون أمةً لم يوضع إلا عند امرأةٍ أو عند ذي رحم محرم لها أو عند من له زوجة لقوله ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ لَهُ بِمَحْرَمٍ، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ".
هذا الحديث رواه أحمد والبيهقي، ولفظه عند أحمد (١): "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ".
ولفظ آخر: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ".
رواهما أحمد (٢) من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ (٣).
ولفظ البيهقي (٤) من حديث عمر بن الخطاب - في خطبته عن النبي ﷺ : "وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا".
وفي البُخاري (٥) ومسْلم (٦) عن ابن عباسٍ عن النبي ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
وفي مسْلم (٧) عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ : "لَا يَدْخُلَنَّ
стр. 1183
رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ".
"المغيبة": التي غاب زوجها، ويقال لها: "المغيب" أيضًا بغير هاءٍ، وفي "الصحيحين" (١) من حديث عقبة بن عامرٍ عن النبي ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ".
وهذه الأحاديث كلها فيها معنى تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وهكذا في حديث ابن عباس في "الصحيحين" (٢) عن النبي ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
وفي روايةٍ عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" (٣) هكذا رأيته في "تجريد الصحاح" لرزين في نسخةٍ: "أحدكم"، وهو يوافق من بعض الوجوه اللفظ الذي أورده المصنف في قوله: "أحد"، وإن كان المراد: "رجل"، لكن لفظ رزين أخلص لإضافته إلى ضمير المذكرين، وفي نسخةٍ أخرى من رزين: "رجل" (٤)، كما هو في أكثر الكتب.
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ تَكُونُ مِنْهُ ذَا مَحْرَمٍ" (٥). ليس التقييد بالثيب لإخراج البكر ولعله؛ لأن التهمة فيها أكثر، وإن كانت البكر في حكمها، وقد يطلق الثيب على البالغ، وإن كانت بكرًا، إطلاقًا مجازيًّا وعلى التقديرين، فالمراد الأجنبية، وهو المراد في سائر الأحاديث، فلا تدخل الأمة، كما أخرجها
стр. 1184
في الحديث الآخر بقوله: "لا يحل له".
ومحل الكلام على الخلوة كتاب العدد، وذكر الأصحاب هناك أنه لا يجوز أن يخلو رجلان بامرأةٍ واحدةٍ، ويجوز أن يخلو رجل بامرأتين ثقتين، والمنع من خلوة الرجلين بالمرأة من خلوة الرجل بالمرأتين إذا لم تكونا ثقتين ليس من النهي عن خلوة الرجل بالمرأة؛ إذ لا يصدق عليه، لكن من خارج، وربما يقال: إن قوله ﷺ : "لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ". يدل على جواز خلوة الرجلين بالمرأة، ويجاب عندنا بأنه لا يلزم من الدخول الخلوة، فقد يكون الدخول على المغيبة ممنوعًا إلا بالشرط المذكور، والخلوة بها ممنوعًا به وبدونه؛ لأن الدخول مظنَّة التهمة، فقصد نفيها بأن يكون رجل أو رجلان يشهد له، فتزول التهمة.
ولفظ رواية البخاري (١): "وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ"، وهذا يقتضي التسوية بين الدخول والخلوة في الحكم، وما ذكروه من جواز خلوة الرجل بالمرأتين الثقتين ليس مجزومًا به، ففي كتاب الحج عن الشافعي (٢) والقفال (٣) والإمام (٤) وصاحب "العُدة" ما ينازع فيه، ويؤخذ من إطلاق قوله: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ" أن عبد المرأة لا يخلو بها، والأصح عند الجمهور جواز نظره إليها؛ للآية، فإن سلك بالخلوة مسلك النظر، فيجوز أيضًا، وبه صرح صاحب "المهذب"، وهو الموافق لقول الأصحاب: إنه محرم لها، ولكن إطلاق المحرمية عليه إنما أريد به جواز النظر، وإلَّا فهو
стр. 1185
ليس بمحرم منها، وأيضًا قد يحرم الخلوة ولا يحرم النظر، ألا ترى أن الأجنبية اختلفوا في حل النظر إليها بغير شهوة؟! ولا خلاف في تحريم الخلوة بها، والظاهر أنه روعي في الخلوة ما روعي في السفر؛ ولهذا جمع بينهما في حدتٍ واحدٍ، فإن كلًّا منهما مظنة التهمة والفتنة بخلاف النظر بغير شهوة.
وصرَّح الجرجاني في "الشافي" بجواز سفره بها، فالحاصل أن الخلوة والسفر سواء، وصحح ابن أبي عصرون تحريم نظر العبد إلى سيِّدته، فإنه قال: لا يثبت لمملوك المرأة إذا كان فحلًا بالغًا حكم المحارم في أصح الوجهين؛ لأن المحرم من يحرم أبدًا، وقوله تعالى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يُحمل على الأمة المسلمة أو على الصغير، وعليه يحمل أمر الغلام الذي وهبهُ رسول الله ﷺ لفاطمة. هذا قوله في "الانتصار".
وقال في "الفوائد": ولا يخفى ما في جواز الخلوة من الفساد، وقال الجرجاني: إذا ملكت المرأة عبدًا، فهو كالمحرم لها، وله أن يسافر بها، ولكل واحد منهما أن ينظر إلى ما فوق السُّرة ودون الركبة من صاحبه، وقيل: لا يكون، كالمحرم وسواء في ذلك العبد الخصي والفحل؛ الأن الافتتان يتصور في كل منهما. انتهى.
وأنا أختار ما قاله ابن أبي عصرون من منع ذلك؛ لقوة المعنى، وعموم قوله: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ" يدل له، وأما الخصي أو الممسوح أو المجبوب إذا كان حرًّا أو مملوكًا لغيرها، فقال ابن أبي عصرون أيضًا بتحريم نظره إليها، إلا إذا كان شيخًا قد ذهبت شهوته، فإنه (١) يجوز لقوله
стр. 1186
تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]، وعند هذا يحتمل أن يقال: الخلوة مثله فتحل أيضًا، وهو الظاهر، ويحتمل أن يقال: الخلوة أقوى؛ لما سبق، فتحرم، إلا أن الأول أظهر؛ لأن عند عدم الشهوة وسن الهرم لا تحصل مفسدة، والأصح عند الجمهور في الممسوح، وهو الذي ذهب ذكره وأنثياه: أن نظره كنظر المحرم، والمجبوب: الذي بقي أنثياهُ كالفحل، وكذا الخصي الذي بقي ذكره عند الأكثرين.
واستثنى صاحب "الشامل" أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته (١)، ومنهم من يطلق في الخصي وجهين والهرمُ الفحلُ، كالشاب والمراهق كالبالغ.
وقال القاضي أبو الطيب: "إن الشيخ الذي ذهبت شهوته يجوز" (٢).
وأنا أختار في الممسوح تحريم النظر والخلوة، كما صححه ابن أبي عصرون؛ لعموم الأدلة، وبالقياس على المجبوب الذي بقي أنثياه وذهب ذكره، فإنهما اشتركا في عدم إمكان الوطء والشهوةُ موجودة فيهما، وإن تفاوتت.
وبالجملة: فمنع الخلوة بالحديث لا معارض له، وأما النظر، فقد يتمسك بالآية في إباحته للعبد وغير أولي الإربة، وقد قلنا: إن الخلوة أشد، والتسوية بينهما وإن وُجد في كلام بعض الأصحاب، فلا أدري أهو متفق عليه أم لا؟ والوجهان اللذان ذكرناهما في نظر من ذهب ذكره وأنثياهُ جميعًا قال القاضي حسين في كتاب النكاح: أنهما في نظره إليهن وهن فُضُل، وأنه يجوز له الدخول على النساء وجهًا واحدًا من غير حجابٍ.
стр. 1187
ومعنى قوله: "فُضُل" أي، متبذلات في ثياب مهنتهنَّ.
إذا عرفت هذه المقدمة رجعنا إلى المقصود، فنقول: رهن الجارية من المرأة ومن الرجل الذي هو محرم لها جائز اتفاقًا، ومن الرجل الذي ليس بمحرم لها جائز على الصحيح، وفيه وجه سبق، فحيث جاز رهنها لا يجوز وضعها إلا عند امرأةٍ أو ذي محرم أو من له زوجة، سواء أكان ذلك الموضوع عنده هو المرتهن أم غيره، سواء أشرطا ذلك في الرهن أم أطلقاهُ، فإنه يصح، ويحمل على هذا؛ لأنه المتعارف وليس كرهن غير الجواري، حيث جرى فيه خلاف إذا أطلق، ولم يُعين من يكون في يده؛ لأنه لا عُرف في ذلك، وإذا وضعت عند امرأةٍ، فكلام الرافعي (١) وصاحب "الاستقصاء" يقتضي أن تكون ثقة، والمصنف أطلق، وكلام الشافعي مُطلق أيضًا، ولعل كلام الرافعي محمول على ما إذا وضعها القاضي، فإنه ليس له أن يصنع إلا عند ثقة، أما المتراهنان إذا اتفقا على وضعها عند إمرأةٍ، فلا يظهر اشتراط الثقة فيها.
نعم، إن كانت من أهل الريبة، فيظهر القول بالتحريم لمَظِنَّة المفسدة، وإذا وضعت عند ذي رحم محرم، فقد أطلق الشافعي (٢) والمصنف والرافعي ذلك من غير تقييد بالثقة، وهو ظاهر، إذا وضعها المتراهنان، فإن كان القاضي، فالذي يظهر أنه لا بد أن يكون ثقةً أيضًا، وإذا وضعت عند من له زوجة، فقد أطلق المصنف ذلك، وقيده صاحب الاستقصاء بأن تكون الزوجة ثقة، وقيده الرافعي بأن يكون الشخص ثقةً (٣)، فأما تقييد الشخص بالثقة، فيظهر أنه لا بدَّ منه سواء أوضعها المتراهنان أم القاضي؛
стр. 1188
لأنه إذا لم يكن ثقة لا يؤمن على البُضع وإن كان عنده نسوة فقد يتَغَفلهنَّ، وأما تقييد الزوجة بالثقة فالمقصود به نفي الخلوة المحرَّمة، وإنما ينتفي التحريم بوجود امرأة ثقة، أو نسوة يؤمن معهن من الإلمام بها، ولا يشترط أن تكون المرأة زوجة، بل لو كانت جاريته أو محرمًا له حصل هذا الغرض.
وكلام المصنف لا مفهوم له، ولو كان المرتهن ثقة وعبده امرأة أو نسوة بالصفة المذكورة جاز وضعها عنده ورهنها منه، ولو كان غير ثقة لم يجز وضعها عنده، وتوضع عند من هو مُتَّصف بذلك، وقال ابن داود فيما إذا كان المرتهن متأهلًا بامرأة ثقة أو يُساكنه محرم له أنها تُسلم إليه؛ إذ لا يؤدي إلى الخلوة المحرَّمة، وقيل: ينبغي مَعَ هذا أن يكون ثقة في نفسه، وإلا عدلت الجارية. انتهى.
فأشعر كلامه بخلاف وهو يأتي فيما إذا وضعا عند غير ثقةٍ، وله زوجة ثقة؛ إذ لا فرق بينه وبين المرتهن، ولكن ما قاله الرافعي من التقييد بالثقة أوْلى، ولو كان المرتهن محرمًا أو امرأةً، فقد أطلقوا جواز وضعها عنده ويعود فيه ما قلناه من أنه هل يشترط الثقة أو لا؟
وكلام الشافعي يقتضي أن القاضي إذا وضعها يكون عند عدل معه امرأة عدل، وهو موافق لما قدمناه، ولو وضعاها بعد قبضها على يد الراهن المالك جاز من غير شرط.
* * *
стр. 1189
إذا كان الرهن خنثى مشكلًا قال صاحب "البيان": "قال القاضي: إن كان صغيرًا جاز أن يكون على يد المرتهن وعلى يد عدل وعلى يد امرأة ثقة، وإن كان كبيرًا وضعَ على يد ذي رحم محرم له؛ رجلًا كان أو امرأة، ولا يوضع على يد أجنبي ولا أجنبية، وإن كان المرتهن محرمًا له أو كان عنده محرم له، جاز أن يُجعل على يده، وإن أطلقا من يكون عنده صح؛ لأنه لا جهة لوضعه إلا واحدة وهو المحرم؛ رجلًا كان أو امرأة" (١).
* * *
стр. 1190
قال:
وإن جعل الرهن على يد عدلٍ ثم أراد أحدهما أن ينقله إلى غيره، لم يكن له ذلك؛ لأنه حصل عند العدل رضاهما، فلا يجوز لأحدهما أن ينفرد بنقله، وإن اتفقا على النقل إلى غيره جاز؛ لأن الحق لهما وقد رضيا.
الحكمان متفق عليهما والتوجيه ظاهر، وقد اقتصر المصنف على أنه إذا أراد أحدهما نقله لم يكن له ذلك.
قال صاحب "الاستقصاء": وله أن يرفع الأمر إلى الحاكم، فإن بحث عنه، فرآهُ أهلًا لكونه في يده أقره في يده، وإن لم يره أهلا لذلك نقله إلى غيره، وهكذا إن كان في يد المرتهن وأراد الراهن نقله إلى غيره، لم يكن له ذلك، وله رفعه إلى الحاكم، فإن رآه أهلا لذلك أقره في يده، وإلَّا نقله إلى غيره. انتهى.
وظاهرُه أن الحاكم ينقله إذا طلب أحدهما وتبين للحاكم عدم أهلية من هو تحت يده، سواء أكانت عدم الأهلية طارئة أم مقارنة، سواء أكان الطالب علم بها ورضيها أم لا، وهو محتمل؛ لأنه لا يلزمه دوام الرضا بالفاسق لعدم أمانته بخلاف العدل، يلزمه دوام الرضا به؛ لأنه ليس له في نقله من عند العدل غرض صحيح، فلا يجوز إلا برضا صاحبه، أو باختلال حاله، وإنما لم يمكَّن أحدهما بالانفراد؛ لأن حق الراهن في الملك وحق المرتهن في الوثيقة، فلا بدَّ من اجتماعهما أو الحاكم.
وما ذكره صاحب "الاستقصاء" من أن له أن يرفع الأمر إلى الحاكم،
стр. 1191
ذكره الشيخ أبو حامد وغيره، ونقلوه عن ابن سريج فيما فرَّعه على كتاب محمد بن الحسن ولم يقتض كلامهم خلافًا في ذلك، وقال القاضي حسين والإمام (١): "إنهما لو وضعاه عند فاسق، ثم أراد أحدهما أن ينتزعه من يده لم يجز؛ لأنه رضي بيده مع الفسق، فإما أن يكون المراد بذلك أنه ليس له أن ينتزعه بنفسه، بل يرفع الأمر إلى الحاكم"، ويجتمع الكلامان، لكن حمل كلام القاضي على هذا بعيد؛ لأنه عند حدوث الفسق ليس له نزعه إلَّا باتفاقهما أو القاضي، وهو قد فرق بين صورتين، وإما أن يُحمل كلام ابن سريج على ما إذا لم يعلم بفسقه، ويجتمع الكلامان أيضًا، وهو الأقرب، وإما أن يبقى كلٌّ من الكلامين على إطلاقه وثبت خلاف فيما إذا وضعه عند فاسق يعلم به، فعلى إطلاق القاضي ليس له طلب النزع، وعلى إطلاق ابن سريج له طلب النزع، لكن لا يتمكن منه إلَّا بالحاكم؛ لعدم انفراده باليد، والذي يقتضيه كلام الأصحاب أن الموضوع تحت يده ما دام بالصفة التي علماها حال التعديل، لا يُجاب أحدهما إلى طلب النقل، وأما اتفاقهما على نقله من عند العدل، فهو من تفريع ابن سريج أيضًا، وهو فيما إذا وضعاه عنده لا إشكال فيه؛ لأنه إما وكيل عنهما أو عن المرتهن وحده، وللراهن حق معه، فإذا اتفقا على نقله من عنده جاز، وأما إذا كان العدل من جهة الحاكم، فيحتمل أن يُقال: هو ثابت عن الحاكم، فلا يسلمه إليهما إلا بإذنه.
ومن الأسباب المجوِّزة لطلب أحدهما النقل حدوث عداوة بينه وبين العدل.
* * *
стр. 1192
قال:
فإن مات العدل أو اختل واختلف الراهن والمرتهن، فيمن يكون عنده، أو مات المرتهن أو اختل والرهن عنده، فاختلف الراهن، ومن ينظر في مال المرتهن فيمن يكون الرهن عنده؟! رفع إلى الحاكم؛ ليجعله عند عدلٍ.
قال الشافعي: "إن تغيرت حال العدل، فأيهما دعا إلى إخراجه، كان له ذلك" (١)، وصوَّر الأصحاب تغير حال العدل بأمور منها الفسق، وعبارة الغزالي: "أن لكل منهما طلب إزالة يده إلى عدلٍ آخر" (٢). قال ابن الرفعة: وهذا من الشافعي وغيره يدل على أن العدل إذا فسق لا ينعزل عن الحفظ، وإلا لكانت الإزالة حاصلة لمجرَّد فسقه، ولا شك عندي في ذلك، فإن الفسق لا ينافي الوديعة، بمعنى أنه إذا طرأ ينفسخ وتنقلب أمانة شرعية. انتهى. وما قاله صحيح إذا كانا هما وضعاه، فإن كان الحاكم وضعَهُ عنده، فهو نائب عنه، فينعزل بالفسق.
وقد أشرنا إلى هذا قريبًا في تسليمه إليهما، والأصحاب لم يصرِّحوا إنما قلناهُ وبنوا الأمر على أن العدل من جهتهما، ولا بُدَّ من التفصيل الذي قلناهُ، فإنهما قد يعدلانه وقد يأمرهما الحاكم بوضعه عنده، وفي هاتين الصورتين له حكم الوكيل، أما إذا أصرَّا على عدم التعديل وأخذه الحاكم، وجعله عند عدلٍ، فيحتمل أن يُقال: إنه أقامه عنهما لامتناعهما، فيجري عليه أحكام الوكيل، ويحتمل أن يقال: هذه استنابة من الحاكم كما لو بقاه في يده، فلا
стр. 1193
يثبت للعدل حكم الوكيل، بل حكم نائب القاضي، فينعزل بالفسق ولا يسلم إليهما إلا بإذن مستنيبه، ويشهد لما قلته فرقتهم في ضمان العدل بين أن يبيع بإذن الراهن أو بإذن الحاكم كما سيأتي.
ومنها: زيادة الفسق إذا كانا وضعاه في الابتداء بأنفسهما عند فاسق، فلكل منهما بزيادة الفسق أن يطلب إزالة يده، وكذا لو كان فاسقًا بنوع، فحدث فسق بنوع آخر؛ لأنهما لم يرضيا بهذا النوع، وكذا لو ظنا عدالته، فظهر فسقه كل هذه الصُّور لا خلاف فيها.
ومنها: أن يعجز عن حفظ الرهن لمرض أو لهرمٍ أو غيره، فلو لم يعجز ولكن ضعف عن حفظه قال الداودي في "شرح المختصر": يُضم إليه غيره. وأطلق الرافعي "أن بالضعف عن الحفظ يجوز النقل ويجابُ إليه" (١).
ومنها: حدوث عداوة بينه وبين أحدهما، فهذه صور اختلال العدل، فإذا مات أو حصلت واحدة من هذه الصور كان لكل من المتراهنين طلب النقل، والحاكم يجيبه إلى ذلك إذا امتنع صاحبه، وقول المصنف: ليجعله عند عدل يحتمل أن يكون بأمره لهما، أو يجعله بنفسه نيابة عنهما، أو نيابة عنه بحيث يكون اليد له.
وكلام الأصحاب يشعر بأن المراد الصورة الثانية حتى يثبت للعدل حكم النيابة عنهما، وهو محتمل كما قدمناه، وإذا كان الرهن عند المرتهن، فتغيَّر حاله كان للراهن النقل أيضًا بالرفع إلى الحاكم، وإطلاق الأصحاب يقضي أنه في جميع الصور المتقدمة، ويعود فيه ما قال الداودي عند الضعف، وإذا مات، فللراهن طلب النقل أيضًا على الصحيح؛ لأنه لم يرض بيد ورثته، وفي وجهٍ: لا تزال يد ورثته، لكن إذا لم يرض بيدهم ضم القاضي إليهم
стр. 1194
مشرفًا، كذا نقله الإمام ويجبُ فرضه فيما إذا كانوا عدولًا، وإلا فمورِّثهم لو خرج عن الأهلية أزيلت يده، فهم أولى وكيف ما كان، فهو وجه ضعيف، والصحيح المشهور إزالة يدهم، بل لا يجوز إمساكه بغير إذن الراهن، وإذا كان الوارث طفلًا وله وصي، فليس للوصي إمساك الرهن أيضًا بغير إذن الراهن، وقياس الوجه الذي قدمناه في الورثة أن يأتي فيه.
وقول المصنف فاختلف الراهن ومن ينظر في مال المرتهن يشمل الوارث الرشيد والوصي وغيرهما ممن له ولاية خاصة، كالجد أو عامة وهو القاضي، وهو في غير القاضي ظاهر، وأما القاضي، فرأيه المتبع فيمن يضعه تحت يده ولا التفات إلى مخالفة الراهن لهُ.
فرع:
لو جنى العدل على العبد المرهون قصدًا؛ فهو كالفسق، فلكل من المتراهنين طلب إزالة يده، وهاهنا يظهر الانعزال؛ لأن الجناية قصدًا خيانة، والخيانة تنافي الأمانة، ولو كانت جناية العدل على الرهن خطأ، قال القاضي حسين: لم يكن لواحدٍ منهما انتزاعه من يده دون إذن صاحبه؛ لأنه لم يخرج عن الأمانة بجناية الخطأ، بل يؤخذ الأرش منه، ويوضع على يده، كما لو كان الجاني غيره.
فرع:
لا فرق في جميع ما ذكرناه عن رهن التبرع والمشروط في بيع، ولا بين العدل المشروط في الرهن، والذي اتفقا عليه بعد ذلك.
* * *
стр. 1195
قال:
وإن جعل الرهن على يد عدلين، فأراد أحد العدلين، أن يجعل الجميع في يد الآخر،، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأن ما جُعل إلى اثنين لم يجز أن ينفرد به أحدهما كالوصية.
والثاني: يجوز؛ لأن في اجتماع الاثنين على حفظه مشقة.
الوجهان لابن سريج عند الإطلاق، وأصحهما: أنه ليس لأحدهما الانفراد كالوصية، أما إذا نصَّا على أن لكلٍّ منهما الانفراد بالحفظ أو على أن يحفظاهُ جميعًا في حرز، فلا خلاف في اتباعه.
* * *