ذكره الشيخ أبو حامد وغيره، ونقلوه عن ابن سريج فيما فرَّعه على كتاب محمد بن الحسن ولم يقتض كلامهم خلافًا في ذلك، وقال القاضي حسين والإمام (١): "إنهما لو وضعاه عند فاسق، ثم أراد أحدهما أن ينتزعه من يده لم يجز؛ لأنه رضي بيده مع الفسق، فإما أن يكون المراد بذلك أنه ليس له أن ينتزعه بنفسه، بل يرفع الأمر إلى الحاكم"، ويجتمع الكلامان، لكن حمل كلام القاضي على هذا بعيد؛ لأنه عند حدوث الفسق ليس له نزعه إلَّا باتفاقهما أو القاضي، وهو قد فرق بين صورتين، وإما أن يُحمل كلام ابن سريج على ما إذا لم يعلم بفسقه، ويجتمع الكلامان أيضًا، وهو الأقرب، وإما أن يبقى كلٌّ من الكلامين على إطلاقه وثبت خلاف فيما إذا وضعه عند فاسق يعلم به، فعلى إطلاق القاضي ليس له طلب النزع، وعلى إطلاق ابن سريج له طلب النزع، لكن لا يتمكن منه إلَّا بالحاكم؛ لعدم انفراده باليد، والذي يقتضيه كلام الأصحاب أن الموضوع تحت يده ما دام بالصفة التي علماها حال التعديل، لا يُجاب أحدهما إلى طلب النقل، وأما اتفاقهما على نقله من عند العدل، فهو من تفريع ابن سريج أيضًا، وهو فيما إذا وضعاه عنده لا إشكال فيه؛ لأنه إما وكيل عنهما أو عن المرتهن وحده، وللراهن حق معه، فإذا اتفقا على نقله من عنده جاز، وأما إذا كان العدل من جهة الحاكم، فيحتمل أن يُقال: هو ثابت عن الحاكم، فلا يسلمه إليهما إلا بإذنه.
ومن الأسباب المجوِّزة لطلب أحدهما النقل حدوث عداوة بينه وبين العدل.
* * *
стр. 1192
قال:
فإن مات العدل أو اختل واختلف الراهن والمرتهن، فيمن يكون عنده، أو مات المرتهن أو اختل والرهن عنده، فاختلف الراهن، ومن ينظر في مال المرتهن فيمن يكون الرهن عنده؟! رفع إلى الحاكم؛ ليجعله عند عدلٍ.
قال الشافعي: "إن تغيرت حال العدل، فأيهما دعا إلى إخراجه، كان له ذلك" (١)، وصوَّر الأصحاب تغير حال العدل بأمور منها الفسق، وعبارة الغزالي: "أن لكل منهما طلب إزالة يده إلى عدلٍ آخر" (٢). قال ابن الرفعة: وهذا من الشافعي وغيره يدل على أن العدل إذا فسق لا ينعزل عن الحفظ، وإلا لكانت الإزالة حاصلة لمجرَّد فسقه، ولا شك عندي في ذلك، فإن الفسق لا ينافي الوديعة، بمعنى أنه إذا طرأ ينفسخ وتنقلب أمانة شرعية. انتهى. وما قاله صحيح إذا كانا هما وضعاه، فإن كان الحاكم وضعَهُ عنده، فهو نائب عنه، فينعزل بالفسق.
وقد أشرنا إلى هذا قريبًا في تسليمه إليهما، والأصحاب لم يصرِّحوا إنما قلناهُ وبنوا الأمر على أن العدل من جهتهما، ولا بُدَّ من التفصيل الذي قلناهُ، فإنهما قد يعدلانه وقد يأمرهما الحاكم بوضعه عنده، وفي هاتين الصورتين له حكم الوكيل، أما إذا أصرَّا على عدم التعديل وأخذه الحاكم، وجعله عند عدلٍ، فيحتمل أن يُقال: إنه أقامه عنهما لامتناعهما، فيجري عليه أحكام الوكيل، ويحتمل أن يقال: هذه استنابة من الحاكم كما لو بقاه في يده، فلا
стр. 1193
يثبت للعدل حكم الوكيل، بل حكم نائب القاضي، فينعزل بالفسق ولا يسلم إليهما إلا بإذن مستنيبه، ويشهد لما قلته فرقتهم في ضمان العدل بين أن يبيع بإذن الراهن أو بإذن الحاكم كما سيأتي.
ومنها: زيادة الفسق إذا كانا وضعاه في الابتداء بأنفسهما عند فاسق، فلكل منهما بزيادة الفسق أن يطلب إزالة يده، وكذا لو كان فاسقًا بنوع، فحدث فسق بنوع آخر؛ لأنهما لم يرضيا بهذا النوع، وكذا لو ظنا عدالته، فظهر فسقه كل هذه الصُّور لا خلاف فيها.
ومنها: أن يعجز عن حفظ الرهن لمرض أو لهرمٍ أو غيره، فلو لم يعجز ولكن ضعف عن حفظه قال الداودي في "شرح المختصر": يُضم إليه غيره. وأطلق الرافعي "أن بالضعف عن الحفظ يجوز النقل ويجابُ إليه" (١).
ومنها: حدوث عداوة بينه وبين أحدهما، فهذه صور اختلال العدل، فإذا مات أو حصلت واحدة من هذه الصور كان لكل من المتراهنين طلب النقل، والحاكم يجيبه إلى ذلك إذا امتنع صاحبه، وقول المصنف: ليجعله عند عدل يحتمل أن يكون بأمره لهما، أو يجعله بنفسه نيابة عنهما، أو نيابة عنه بحيث يكون اليد له.
وكلام الأصحاب يشعر بأن المراد الصورة الثانية حتى يثبت للعدل حكم النيابة عنهما، وهو محتمل كما قدمناه، وإذا كان الرهن عند المرتهن، فتغيَّر حاله كان للراهن النقل أيضًا بالرفع إلى الحاكم، وإطلاق الأصحاب يقضي أنه في جميع الصور المتقدمة، ويعود فيه ما قال الداودي عند الضعف، وإذا مات، فللراهن طلب النقل أيضًا على الصحيح؛ لأنه لم يرض بيد ورثته، وفي وجهٍ: لا تزال يد ورثته، لكن إذا لم يرض بيدهم ضم القاضي إليهم
стр. 1194
مشرفًا، كذا نقله الإمام ويجبُ فرضه فيما إذا كانوا عدولًا، وإلا فمورِّثهم لو خرج عن الأهلية أزيلت يده، فهم أولى وكيف ما كان، فهو وجه ضعيف، والصحيح المشهور إزالة يدهم، بل لا يجوز إمساكه بغير إذن الراهن، وإذا كان الوارث طفلًا وله وصي، فليس للوصي إمساك الرهن أيضًا بغير إذن الراهن، وقياس الوجه الذي قدمناه في الورثة أن يأتي فيه.
وقول المصنف فاختلف الراهن ومن ينظر في مال المرتهن يشمل الوارث الرشيد والوصي وغيرهما ممن له ولاية خاصة، كالجد أو عامة وهو القاضي، وهو في غير القاضي ظاهر، وأما القاضي، فرأيه المتبع فيمن يضعه تحت يده ولا التفات إلى مخالفة الراهن لهُ.
فرع:
لو جنى العدل على العبد المرهون قصدًا؛ فهو كالفسق، فلكل من المتراهنين طلب إزالة يده، وهاهنا يظهر الانعزال؛ لأن الجناية قصدًا خيانة، والخيانة تنافي الأمانة، ولو كانت جناية العدل على الرهن خطأ، قال القاضي حسين: لم يكن لواحدٍ منهما انتزاعه من يده دون إذن صاحبه؛ لأنه لم يخرج عن الأمانة بجناية الخطأ، بل يؤخذ الأرش منه، ويوضع على يده، كما لو كان الجاني غيره.
فرع:
لا فرق في جميع ما ذكرناه عن رهن التبرع والمشروط في بيع، ولا بين العدل المشروط في الرهن، والذي اتفقا عليه بعد ذلك.
* * *
стр. 1195
قال:
وإن جعل الرهن على يد عدلين، فأراد أحد العدلين، أن يجعل الجميع في يد الآخر،، ففيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأن ما جُعل إلى اثنين لم يجز أن ينفرد به أحدهما كالوصية.
والثاني: يجوز؛ لأن في اجتماع الاثنين على حفظه مشقة.
الوجهان لابن سريج عند الإطلاق، وأصحهما: أنه ليس لأحدهما الانفراد كالوصية، أما إذا نصَّا على أن لكلٍّ منهما الانفراد بالحفظ أو على أن يحفظاهُ جميعًا في حرز، فلا خلاف في اتباعه.
* * *
стр. 1196
قال:
فعلى هذا إن اتفقا أن يكون في يد أحدهما جاز، وإن تشاحَّا نظرت، فإن كان مما لا ينقسم جُعل في حرز لهما، وإن كان مما ينقسم جاز أن يقتسما، فيكون عند كل واحدٍ منهما نصفه، فإن اقتسما ثم سلَّم أحدهما حصتهُ إلى الآخر، ففيه وجهان؛ أحدهما: يجوز؛ لأنه لو سلم إليه قبل القسمة جاز، فكذلك بعد القسمة.
والثاني: لا يجوز؛ لأنهما لما اقتسماه صار كل واحدٍ منهما منفردًا بحصته، فلا يجوز أن يُسلم ذلك إلى غيره، كما لو جُعل على يد كل واحدٍ منهما نصفه.
هذا كله تفريع على الوجه الضعيف القائل بجواز الانفراد، وقوله: فإن كان مما لا ينقسم جُعل في حرزٍ لهما يقتضي أن يستوي تفريع هذا الوجه في هذه الصورة، وتفريع الوجه الصحيح، فإنا إذا قلنا بالصحيح يجعل في حرز لهما. والذي قاله الرافعي تفريعًا على الوجه الضعيف إذا تشاحًا "أنه يحفظه هذا مُدَّةً وهذا مُدَّةً" (١). انتهى، وهو أنسبُ للتفريع، وهي مهايأة مع عدم ملك المنفعة، وهي تشمل لما سبق من المهايأة بين الراهن والمرتهن أو بين المرتهن والشريك الآخر.
وقوله: وإن كان مما ينقسم؛ أي كالحبوب والأزهار جاز أن يقتسما، أي: تفريعًا على هذا الوجه، والوجهان إذا اقتسما، ثم سلَّم أحدهما نصيبه للآخر محكيان عن ابن سريج أيضًا، ولم يصحح الرافعي منها شيئًا، قال
стр. 1197
النووي: "قطع صاحب "التهذيب" بأنه لا يجوز" (١).
قلت: الذي رأيته في "التهذيب" أنهما إذا سلم أحدهما إلى الآخر نصيبه جاز، وهذا هو الذي ينبغي أن يصحح على هذا الوجه؛ لأن القسمة ليست بلازمة، وحيث قلنا: لا يجوز لأحدهما تسليم نصيبه إلى الآخر، فسلمه ضمن، وكذا إذا قلنا في أصل المسألة: لا يجوز الانفراد، فسلم إلى صاحبه ضمن النصف؛ لأنه الذي في يده وهو الذي تعدَّى فيه.
فرع
مقتضى ما قدمناهُ من الصحيح أنه لا فرق على أن ينقسم أو لا، فيجب عليهما الاجتماع على حفظه.
وقال أبو حنيفة: "إن كان مما ينقسم قسم بينهما، وإن كان مما لا ينقسم؛ جُعل في يد أحدهما" (٢).
وفرق أصحابنا بين المالكين والعدلين بأن تصرف العدلين بالإذن والقسمة والانفراد غير مأذون فيهما، وتصرف المالكين بالملك، فلا منع.
فرع: لو اختلفا في تغير حال العدل أو المرتهن ولم يثبت عند القاضي تغيُّر بَقَّاه على حاله.
فرع: يتعلق بالعدل إذا ادعى العدل هلاك الرهن في يده أو ردَّه، فالقول قوله مع يمينه كالمودع. ولو أتلف الرهن عمدًا أخذت منه القيمة، ووضعت عند آخر، ولو أتلفه خطأ أو أتلفه غيره أخذت القيمة ووضعت عنده. كذا قاله الأكثرون.
стр. 1198
وقال الإمام: "لا بدَّ من استحفاظ جديد" (١)، وهذا يأتي فيما سبق عن القاضي حُسين في جناية العدل على الرهن، وقياس ما قاله الإمام أنه لو كان في يد المرتهن وأُتلف وأخذ بدله كان للراهن ألا يرضى بيده في البدل، ولو شرطا في الرهن أن العدل يبيعه عند المحل جاز، وهل يشترط تحديد إذن الراهن عند المحل؟ وجهان؛ أصحهما: لا؛ لأن الأصل بقاؤه، وهو قول أبي إسحاق (٢).
والثاني: يشترط؛ لأنه قد يكون له غرض في استبقاء المرهون، وقضاء الحق من غيره، وهو قول ابن أبي هريرة (٣)، وعضده الإمام بأمرٍ يتعلق بالعرف، وهو "أن الاستنابات قبل الحاجات تجري في العادات، ثم إذا حققت الحاجة، فالعادة مُطردة بالمراجعة، فحُمل المطلق على هذا" (٤)، ومع ذلك قال: "إنه ضعيف، وإن الأصح الأول" (٥)، أما المرتهن قال الرافعي: فجواب العراقيين: "أنه لا بدَّ من مراجعته، وتحصيل إذنه ثانيًا، ولم يجروا فيه الخلاف، ووجهوه بأن المرهون إنما يُباع لإيصال حقه إليه، وذلك يستدعي مطالبته بالحق فليُراجع، ليعرف أنه مُطالَب أو ممهَل أو مُبرَى" (٦).
وقال الإمام: "لا خلاف في أن المرتهن لا يُراجع؛ لأن غرضه توفية الحق بخلاف الراهن، فإنه قد يستبقي العين لنفسه" (٧)، فتأمَّل في بُعد إحدى
стр. 1199
الطريقتين من الأخرى. انتهى كلام الرافعي والإمام مع قوله ذلك، قال: "إنه ليس خاليًا عن الاحتمال إن صح ذلك الوجه البعيد" (١)، يعني: القائل بأن الراهن تحت مراجعته، والماوردي قال: "إن الراهن والمرتهن إن أقاما على الوكالة إلى حلول الحق، فللعدل أن يبيع من غير استئذانهما، وإن رجعا فلا، وإن رجع الراهن انفسخت الوكالة، وليس للعدل البيع.
وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ وإن رجع المرتهن دون الراهن، قال جمهور أصحابنا وهو قول البصريين: إن وكالته انفسخت، وهو ظاهر نص الشافعي، وعن أبي إسحاق المروزي أنها لا تنفسخُ برجوع المرتهن، وإنما يمنع العدل من البيع" (٢). انتهى. ومقتضاه القطع بأنه لا يشترط مراجعة الراهن ولا المرتهن، وكلام الشيخ أبي حامد والمحاملي وابن الصباغ يوافق ما حكاه الرافعي عن العراقيين من القطع بمراجعة المرتهن، والخلاف في مراجعة الراهن (٣)، لكنهم صوَّروا المسألة في قول الشافعي في "المختصر": "ولو شرط للمرتهن إذا حل حقه أن يبيعه لم يجز أن يبيع لنفسه إلَّا بأن يحضره ربُّ الرهن، فإن امتنع أمر الحاكم ببيعه، ولو كان الشرط للعدل جاز بيعه ما لم يفسخا أو أحدهما وكالته" (٤). انتهى.
فتكلموا على ما لو كان الشرط للعدل، وقالوا: إن توكيل العدل في بيع الرهن عند الحلول جائز، وليس توكيلًا معلقًا بل منجَّزًا والمعلق التصرف، ثم قالوا: إن عزله الراهن والمرتهن انعزل وفاقًا، وإن عزله الراهن دون
стр. 1200
المرتهن انعزل عندنا وعند أحمد (١) خلافًا لأبي حنيفة (٢)، فإنه قال: إن هذه الوكالة صارت من حقوق الرهن، وإن عزله المرتهن دون الراهن قال أبو إسحاق: لا ينعزل (٣)، وهذا هو الأصح؛ لأنه ليس وكيلًا عنه، وإيراد ابن الصباغ يشعر بترجيحه، ويتناول كلام الشافعي على أنه يمتنع من التصرف، فيسمي المنع فسخًا، ولا خلاف أن المرتهن إذا منعه من البيع لم يبع.
وإن قلنا: لا ينعزل؛ لأن إذن المرتهن شرط في جواز التصرف، وقال الروياني: "المذهب الانعزال" (٤). وإنما قال ذلك لأجل ظاهر النص، والصحيح خلافه، وإن لم يعزله واحد منهما، ففي مراجعة الراهن الوجهان، والمرتهن لا بد من مراجعته؛ لأن الرهن لا يُباع إلا بعد طلبه، فكلام هؤلاء العراقيين ظاهره فرض المسألة فيما إذا لم يحصل إذن من المرتهن، وإنما حصل توكيل الراهن فقط، وعند هذا لا يحسن تردد في جانب المرتهن.
وأما الإمام ﵀، فإنه صوَّر المسألة -فيما إذا كان الراهن والمرتهن قد أذنا للعدل، واستمرَّا على الإذن، وليست هذه مسألة العراقيين، والقطع بعدم مراجعة المرتهن فيها ظاهر، كما قاله الإمام (٥)، والخلاف فيها في الراهن محتمل على بُعد؛ لاحتمال قصده استبقاها لنفسه، والظاهر أن الرافعي ﵀ رأى كلام الأصحاب مصورًا في الاشتراط، والشرط إنما يكون منهما جميعًا، فإذا تضمن الإذن في جانب الراهن، فليكن في جانب
стр. 1201
المرتهن كذلك، فيكون إذنًا منهما، فلذلك جعل مسألة الإمام ومسألة العراقيين واحدة (١).
والجواب عن هذا: أن إذن المرتهن في البيع إنما يصح بعد قبض الرهن، فإنه قبل القبض جائز لا يستحق المرتهن أن يمنع الراهن من شيء من التصرفات، فكيف يأذن فيه؛ فلذلك لا يكون اشتراطه أو موافقته على الشرط الواقع في عقد الرهن إذنًا، وأما الراهن، فيملك التوكيل في البيع بحكم الملك، فيصح إذنه مع عقد الرهن وبعده.
نعم، قال الروياني "عن ابن سريج: لو جعلاه على يد عدلٍ ووكلاه ببيعه عند محل الحق فحلَّ. قال ابن سريج: إن كان الرهن مقبوضًا جاز ذلك، وإن كان غير مقبوض، فإن قال: بعه رهنًا لم يجز؛ لأنه لا يصير رهنًا قبل القبض، وإن قال: بعهُ مُطلقًا جاز له البيع، ويصير كما لو وكله ببيع سائر أملاكه التي لم يرهنها" (٢). انتهى.
وهذا موافق ما قلناه من أن إذن الراهن لا يتوقف على القبض، وقال الماوردي فيما إذا شرط أن العدل يبيعه قال: "إنه توكيل؛ فلا يتم بالعقد؛ لأنه اشتراط توكيل فيما بعد، فإذا سلما الرهن إلى العدل ووكلاه صح" (٣). انتهى. وهذا يقتضي أنه لا يجعل الاشتراط وحده توكيلًا حتى ينشئ توكيلًا عند القبض، ولعل مُراده فيما إذا قال: بعه رهنًا، فإنه لا يجوز حتى يُقبض كما تقدم عن الماوردي (٤) وَمَع هذا أقول: ينبغي أن يصح الإذن قبل القبض لحصول الملك، ويبيعه بعد القبض بصفة الرهن، وإذا حصل الرهن
стр. 1202
والاشتراط الدال على الإذن، ثم حصل التسليم عن جهة ذلك العقد كفى، ولا يحتاج إلى تجديد إذن الراهن.
نعم، المرتهن يحتاج إلى الإذن لما بيَّناهُ، فإن لم يأذن فلا بدَّ من إذنه عند المحل، وإن أذن، ففي مُراجعته عند المحل ما سبق، وقول الرافعي عن العراقيين: "لا بد من تحصيل إذنه ثانيًا" (١)؛ يقتضي فرضهم المسألة فيما إذا تقدم إذنه، والذي رأيته في كلامهم ما حكيتُ لك، ولو قال قائل: إن مأخذ الخلاف في مُراجعة كلٍّ منهما أن الاشتراط هل يتضمن الإذن أو لا؟ لم يبعد، ويكون الأصح: أنه يتضمن الإذن، فلا يحتاج إلى المراجعة.
والثاني: لا يتضمن الإذن، بل التزم (٢) أن يأذن فيما بعد، فيشترط المراجعة ولا يقدح في هذا عبارة من عبَّر بأنه هل يشترط تجديد الإذن أو لا؛ لأنه قد يكون لفظ التجديد جرى من تصرف المتأخرين في النقل بالمعنى؛ ولذلك إن الإمام لما فرض المسألة في صريح الإذن استبعد المراجعة، ووجهها بما سبق من احتمال قصد الاستبقاء وعادة الناس في المراجعة وقت الحاجة، ولكن يلزمه أن يطرد الخلاف في كل وكالةٍ يتأخر التصرف فيها لوجود المعنيين المذكورين، ولم نر الأصحاب ذكروا هذا إلا في الرهن وصورة الشرط، وهو يُرشد إلى ما أبديناهُ.
* * *
стр. 1203
فرع: لو علق الوكالة على حلول الحق لم تصح.
فرع: "لو ماتا أو أحدهما كأن كان كما لو رجعا أو إحداهما؛ لأن الوكالة تبطل بالموت ولو وكلا رجلين ثم أبطلا وكالة أحدهما لم يكن للباقي منهما البيع إلَّا بإذنهما أو توكلا معه من يقوم مقامه، وكذا لو مات أحد الوكيلين، لم يكن للباقي منهما البيع إلَّا بإذنهما أو يوكلا معه من يقوم مقام الميت" (١). قاله الماوردي.
فرع: قدمنا أن في انعزال العدل يعزل المرتهن وحده وجهين، وأن الأصح عدم الانعزال، وممن رجحه القاضي أبو الطيب في أن الماوردي نسب الانعزال إلى الجمهور (٢)، لكنه قال بعد ذلك: "إلا أن وكالة الراهن لا تنفسخ برجوع المرتهن، كما لا تنفسخ وكالة المرتهن برجوع الراهن" (٣)، وهذا منه يدل على أن الوكالة لا تنفسخ على الوجهين، وهذا غير متضح؛ لأنه إذا لم تنفسخ على الوجهين والمنع من البيع ثابت على الوجهين لم يبق للوجهين محل، والصَّواب أن محلهما في ارتفاع الوكالة مع الاتفاق على امتناع البيع.
* * *
стр. 1204
فرع: إذا قلنا: ينعزل بعزل المرتهن، فلا كلام. وإن قلنا: لا ينعزل، فلو عاد إلى الإذن، قال الرافعي: "جاز البيع" (١)، ولم يشترط تجديد توكيل من الراهن، قال الغزالي في "الوسيط": "لو رجَعَ أحدهما امتنع البيع ورجوع الراهن عزل، فإنه الموكل، وإذن المرتهن شرط وليس بتوكيل؛ ولذلك لو عاد المرتهن وأذن بعد رجوعه جاز، ولم يجب تحديد التوكيل من الراهن، ومساق هذا الكلام من الأصحاب مشعر بأنه لو عزل الراهن، ثم عاد ووكل افتقر المرتهن إلى تجديد الإذن، وعليه يلزم لو قيل به أنه لا يُعتد بإذنه للعدل قبل توكيل الراهن، فليؤخر عنه، ويلزم عليه الحكم ببطلان رضا المرأة بالتوكيل في النكاح قبل توكيل الولي، وكل ذلك محتمل ووجه المساهلة إقامة دوام الإذن مقام الابتداء تعلقًا بعمومه، وأنه إن لم يعمل في الحال فليقدِّر مُضافًا إلى وقت التوكيل" (٢). انتهى.
هذا لفظه في "الوسيط" الموجود في النسخ، وحكاه الرافعي عنه مختصرًا (٣)، وقول الغزالي رجوع الراهن عزل.
قال ابن الرفعة: أي: عن وكالته بلا خلاف، وهل يكون عزلًا عن وكالة المرتهن؟! ظاهر كلام الجمهور.
نعم، وظاهر كلام الماوردي لا، وعلى قول الجمهور يكون كلام الغزالي على إطلاقه. انتهى.
والغزالي قد صرح بأن إذن المرتهن شرط وليس بتوكيل، وهذا هو
стр. 1205
الصواب، والذي شرحه ابن الرفعة به مع هذا لا ينتظم إلَّا أن يطلق على الإذن توكيل بضرب من المجاز، ويسمى بطلانه عزلًا، ويكون مراده أن عزل الراهن إبطال لوكالته وكذا لإذن المرتهن عند الجمهور، وعند الماوردي لا يبطل الإذن حتى إذا عاد الراهن، ووكل لا يحتاج المرتهن إلى تجديد إذن لما دل عليه قوله السابق: "لا تنفسخ وكالة المرتهن برجوع الراهن" (١)، وعلى هذا يحمل كلام ابن الرفعة وقول الغزالي، ومساق هذا الكلام من الأصحاب، يُشعر بأنه لو عزل الراهن وعاد ووكل افتقر إلى تجديد الإذن من المرتهن.
قال ابن الرفعة في "المطلب": هو ما يقتضيه كلام الجمهور حيث حكموا بأن رجوع الراهن عزل له كما لو رجعَا معًا، وأيضًا فإنهم بزعم المصنف لما استدلوا على أن إذن المرتهن شرط وليس بتوكيل، فإنه لو عاد وأذن جاز، ولم يجب تجديد التوكيل، اقتضى ذلك أن الراهن لو عاد بعد عزله ووكل افتقر المرتهن إلى تجديد الإذن، وإلَّا لم يحسن الاستدلال، لكن كلام الماوردي ينازع في ذلك ويقول: لا يحتاج إلى تجديد إذن المرتهن .. انتهى. وهو كلام صحيح بحسب ما رتبه الغزالي واقتضاه كلامه من النسبة إلى الأصحاب، ولكن أن تبحث وتقول: من أين كان عدم وجوب تحديد توكيل الراهن بعد عود المرتهن عن رجوعه دليلًا على أن إذن المرتهن شرط وليس بتوكيل، ولم لا يكون إذن كلٍّ منهما توكيلًا من جهته وعود كلٍّ منهما بعد رجوعه لا يوجب تجديد توكيل من الآخر، وهذا حقيقة ما يقوله الماوردي وليس في كلام الجمهور، تصريح بخلافه إلَّا ما اقتضاه كلام الغزالي، ويسوق هذا البحث إلى أن مراد الغزالي أن الوكالة شيء واحد، وهل هي
стр. 1206
مستفادة من الراهن والمرتهن معًا، فيكون إذنهما توكيلًا أو من الراهن فقط، فيكون إذنه هو التوكيل والآخر شرط، فاستدل بأن كون المرتهن إذا رجع ثم عاد لا يجب تجديد توكيل الراهن على أن إذن المرتهن ليس بتوكيل؛ إذ لو كان توكيلًا لبطلت الوكالة وهي شيء واحد ناشئة عن التوكيلين جميعًا، فيلزم بطلان توكيل الراهن أيضًا، ولو بطل لاحتاج إلى تجديد توكيل، فلما قالوا: لا يحتاج دل على أن إذن المرتهن شرط وليس بتوكيل، وعلى هذا يشكل قول الغزالي، ومساق هذا الكلام إلى آخره؛ لأنه إنما يلزم وجوب تجديد إذن المرتهن بعد عود الراهن من جعل إذنهما جميعًا توكيلًا، حتى يكون الرجوع من أحدهما إبطالًا لفعل الآخر؛ لأنهما كجزئي علَّةٍ واحدةٍ، أما إذا جعلنا إذن المرتهن وحده توكيلًا، فرجوعه عنه إبطال للوكالة، وفي كون ذلك إبطالًا لإذن المرتهن الذي هو شرط وليس بتوكيل نظر، وإن ثبت فمن دليل آخر غير مساق كلام الأصحاب، وقول الغزالي وعليه يلزم لو قيل به ألا يعتد بإذنه للعدل قبل توكيل الراهن.
قال ابن الرفعة: يعني إذا بطل إذن المرتهن بإبطال وكالة الراهن؛ فلأنْ لا يصح قبلها أولى، ثم اعترض بأنه إذا وجد بعدها كان تابعًا، فإذا بطل المتبوع بطل التابع، ولا كذلك إذا تقدم، فإنه يجوز أن يعتد به؛ لأن المقصود من إذنه الرضا بالبيع، فلا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر. انتهى.
وهو اعتراض جيِّد؛ لأنه إذا تأخر، فكأنه إنما أذن له بوصف كونه وكيلًا، فإذا بطلت الوكالة تبعها الإذن بخلاف ما إذا تقدم، وقول الغزالي: ويلزم عليه؛ أي: على كونه لا يعتد بإذنه للعدل قبل التوكيل الحكم ببطلان رضا المرأة في التوكيل بالنكاح قبل توكيل الولي.
قال ابن الرفعة في "الكفاية": "إن مساق كلام الأصحاب يقتضي خلافه
стр. 1207
من حيث إن رضا المرأة بالتوكيل إذا اعتبرناه كرضا المرتهن ببيع العدل؛ لأن المرأة لا يصح توكيلها في النكاح، وَلمَّا كان إذن المرتهن شرطًا في صحة بيع العدل ويفتقر إلى تقدمه على البيع، لزم أن يكون إذن المرأة بالتوكيل شرطًا في صحة التوكيل ومتقدمًا عليه.
نعم، لو كان إذن المرتهن شرطًا في صحة توكيل الراهن لا في بيع العدل، وقد اقتضى مساق كلامهم ما ذكر لزم منه ألا يعتد برضا المرأة بالتوكيل قبله؛ لأنه حينئذٍ يكون الوزان وحيث هو منتفٍ؛ انتفى الإلزام" (١).
وقال في "المطلب": الذي فهمته الآن أن مراده -يعني: الغزالي- إنا إذا جوَّزنا للولي غير المجبر التوكيل في النكاح قبل إذن المرأة للولي في التزويج كما ذلك وجه معزيٌّ لأبي إسحاق، فالوكيل لا يملك التزويج بدون رضاها بالنكاح كموكله، وحينئذٍ تكون الصورة شبيهة بتوكيل الراهن العدل في البيع يصح، ولكن لا يملكه العدل بدون رضا المرتهن، وقد اقتضى كلام الأصحاب بزعمه أنه لا يُعتد بإذن المرتهن قبل إذن الراهن، فيلزم عليه ألا يعتد برضا المرأة بالنكاح قبل توكيل الولي، وهذا الإلزام على وجههِ، وإن كنتُ قلتُ في "الكفاية": إن كلام الأصحاب يقتضي خلافه؛ لأني إذ فهمتُ أن رضا المرأة متعلق بالتوكيل لا بالنكاح، والذي فهمته الآن أن رضاها متعلق بالنكاح لا بالتوكيل، ألا ترى إلى قوله في التوكيل بالنكاح ولم نقل بالتوكيل في النكاح، قال: وما قررته هنا باعتبار ما فهمتهُ ليس خاليًا عندي عن الاحتمال؛ لأجل قوله بعد ذلك، فإنه إن لم يعمل في الحال، فلنقدر مضافًا إلى وقت التوكيل.
وقول الغزالي: "وكل ذلك محتمل" (٢) أي: عدم الاعتداد بإذن المرتهن
стр. 1208
قبل توكيل الراهن ورضا المرأة بالنكاح قبل توكيل الولي، إذا جوزنا التوكيل، وإن كان المنقول أن رضاها بالنكاح قبل التوكيل معمول به، بل بعضهم يقول: لا يجوز للولي التوكيل قبله، وإن كنا لا نعتبر بعد وجوده رضاها بالتوكيل، وهو المصحح في المذهب، ولأجل ذلك قال الغزالي: "ووجه المساهلة -أي: المسامحة- من الأصحاب واكتفائهم بذلك؛ إقامة دوام الإذن مقام الابتداء" (١).
قال الغزالي: ولما احتملت الوكالة التعليق والتأقيت كان الإذن أولى بالاحتمال" (٢) وكان السيِّد الشريف الشيخ عماد الدين العبَّاسي شيخ ابن الرفعة يستشكل كلام الغزالي وكتب بخطه لابن الرفعة ورقةً فيما وقع له فيه منها أن الذي زعم الغزالي أنه مساق كلام الأصحاب ليس مساقًا لكلامهم، ووقع الغلط في هذا الفرع في ثلاث عشرة كلمة قال: "وهأنا أرسمها بالحمرة بين الأسطر لينتبه الناظر، وأكتب بالحمرة المسألة التي ذكرها الإمام أعني الوجه الذي نقله الإمام عن الأصحاب؛ إذ كان الغزالي أراد أن يفرِّع عليه، لكن كان الأمر اشتبه عليه، فعكس الصواب في تفريعه عليه، ونقل حكم إذن المرتهن إلى توكيل الراهن بالعكس فأقول بعد أن أعلمك أن المكتتب بالسواد هو نفس كلام الغزالي، والمكتتب بالحمرة فوق الكلمات بعد مسألة الأصحاب هو صوابه"، وذكر ابن الرفعة ذلك عنه في "الكفاية" (٣) بصُورته كما رسمه بالحمرة والسواد، وأنا قد قدمت كلام "الوسيط" فأكتفى هنا بما يصير إليه على ما حكم الشريف أنه صوابه، وهو أن يقال: "ولذلك لو عاد المرتهن وأذن بعد رجوعه جاز، ولم يجب تجديد
стр. 1209
التوكيل من الراهن.
وذهب بعض الأصحاب إلى أن رجوع المرتهن يوجب رفع الوكالة ومساق هذا الكلام من الأصحاب مُشعرٌ بأنه لو رجَعَ المرتهن، ثم عاد وأذن؛ افتقر الراهن إلى تجديد التوكيل، وعليه يلزم لو قيل به: إنه لا يُعتد بتوكيله للعدل قبل إذن المرتهن، فليؤخر عنه، ويلزم عليه الحكم ببطلان توكيل الولي في النكاح قبل إذن المرأة، وكل ذلك محتمل، ووجه المساهلة: إقامة دوام التوكيل مقام الابتداء؛ تعلقًا بعمومه، وإنه إن لم يعمل في الحال، فلتقدِّر مُضافًا إلى وقت الإذن" (١).
قال ابن الرفعة: "هذا آخر ترتيبه والذي وقع لي عليه أن هذا الوجه الذي بنى الشيخ عليه هذا الكلام نسبه الإمام إلى بعض الضعفة، فكيف يمكن إلزام الأصحاب بمقتضاه؟ ثم لو صححناهُ لم يكن مساقه شعرًا بما ذكره بل مُصرِّحًا به؛ لأن الوكالة إذا ارتفعت علمنا بالقطع أنها لا تعود إلا بتوكيل جديد، وإذا كان كذلك لم يحسن حمل كلام الغزالي على ذلك.
نعم، ما ذكره صحيح بناء على اختيار هذا الوجه" (٢). انتهى.
والذي قاله الشريف يصير كلام الغزالي به واضحًا لا تعقيد فيه، وما اعترض به ابن الرفعة على الشريف أمرهُ قريبٌ، وإذا أردت أن ترسم بالحمرة الكلمات التي أصلحها لم يخف عليك ذلك إذن كلام الغزالي وطبقته على الكلام الآخر؛ فلذلك لم أحتج إلى رسمها بالخط، ولأنه قد يخطئ الناسخ في كتابته، وقد يتشوش به الفهمُ؛ ولكنه صنعة حسنة وكان الشريف عارفًا بـ "الوسيط" صدرًا ﵀ ورضي عنه.
стр. 1210
فرع: إذا باع العدل وأخذ الثمن، فهو أمين، والثمن من ضمان الراهن إلى أن يتسلمه المرتهن، وبه قال أحمد (١)، وقال أبو حنيفة ومالك: هو من ضمان المرتهن (٢).
* * *
стр. 1211
[تتمة فصل في يد المرتهن والعدل]
فرع: لو تلف الثمن في يد العدل ثم خرج الرهن مستحقًّا، فالمشتري بالخيار بين أن يرجع بالثمن على العدل، وأن يرجع على الراهن، والقرار على الراهن، هذا الذي ذكره الرافعي هنا (١)، وذكر في الوكالة: "أن فيه الأوجه الثلاثة التي في تعلق العهدة أصحها تغريمها، وأنه إذا غرم الموكل لا يرجع على الوكيل، وإن غرم الوكيل رجع على الموكل، قال: والذي نُفتي به أن المشتري يغرّم من شاء منهما والقرار على الموكل. قال: ولذلك اقتصرنا على هذا الجواب في عزل الرهن، وإن كان يطرد فيه الخلاف" (٢)، ووجَّه الإمام هنا رجوع المشتري على الوكيل بأنه لم يأتمنه، ورجوع الوكيل على الموكل بأنه الذي ورَّطه وغرَّه (٣)، كما لو أودع الغاصبُ العين المغصوبة عند إنسان، ولك أن تفرق بأن الغاصب ضامن لما أودعه والموكل لم يضع يده على الثمن، ولأدخل في ملكه، فكيف يضمنه، وإنما وُجد منه تغرير، وهو لا يصلح مضمنًا على المذهب، وإنما يصح التنظير لو غرَّم صاحب العين الوكيل، فحينئذ له أن يرجع على الموكل؛ لأن توكيله وتسليمه إليه كالإيداع منه، وهذا بخلاف مطالبة الموكل بالثمن، فإنه لوقوع العقد له، ومن ملك أحد العوضين؛ وجَبَ عليه العوض الآخر،
стр. 1212
والمراوزة قالوا: إنه لا يطالب الموكل ابتداء، لكن قالوا: إذا طالب الوكيل وغرم رجع على الموكل. وما ذكرناهُ من الإشكال وارد عليه.
والعراقيون قالوا: يرجع على الموكل، ولا يرجع على الوكيل (١)، وهذا في غاية الإشكال، وسنتعرض لحل هذا الإشكال عند الكلام في بيع الحاكم، والإمام اختار أنه لا يطالب الموكل ابتداءً؛ لأن من أمرَ غيره بغصب مالٍ لم يصر بأمره غاصبًا (٢)، ووافق على أن قرار الضمان عليه، وما ذكره من الدليل يقتضي أنه لا مطالبة على الموكل ابتداء، ولا انتهاء، وهو أحد الأوجه على ما يقتضيه كلام الرافعي (٣)، وإن كان كلام الإمام يقتضي اتفاق الأصحاب على خلافه.
والحاصل: أن لنا وجهًا أن المشتري يُطالبُ الوكيل وحدَه ولا رجوع للوكيل على الموكل.
ووجها ثانيًا: أن المشتري يطالب الوكيل وحده، فإذا غرم رجَعَ الوكيل على الموكل، ولا طلبة للمشتري على الموكل، وهذا هو الخارج من طريق المراوزة على ما يقتضيه كلام الإمام هنا، وهو الذي حكيناه عن المراوزة.
ووجهًا ثالثًا: أن المشتري يرجع على الموكل وحده وهو ما تقدم نقله عن العراقيين، حكاه الإمام عنهم (٤)، واقتصر الإمام هنا على حكاية هذين الوجهين: الثاني، والثالث، وحكاية الاتفاق على عدم الأول.
وقال في باب الوكالة: "إذا باع الوكيل وقبض الثمن، فتلف في يده، ثم
стр. 1213
استحق المبيع، فيمن يطالب الأوجه الثلاثة في العهدة أقيسها اختصاص الطلب بالوكيل هنا؛ لأنه كالمأذون في الغصب، فإن خصَّصنا أحدهما بالتغريم لم يرجع على صاحبه.
وإن قلنا: يطالبان، فغرم أحدهما، فلا تراجع من الجانبين، وإنهما يرجع فيه ثلاثة أوجه؛ أشهرها: لا رجوع إلا للوكيل.
والثاني: لا رجوع إلا للموكل.
والثالث: لا رجوع من الجانبين" (١). وجرى الرافعي على هذا الترتيب، وزاد: تصحيح أنهما يُطالبان، والقرار على الموكل، فيخرج وجه رابع أن المشتري يطالب من شاء منهما، وهو الذي صححه الرافعي، وقد عرفتَ أشكاله، وبالأوجه الثلاثة المفرعة عليه تكون الأوجه ستة، ولم يقل أحد بأن المشتري يطالب الموكل، فإذا غرم رجع على الوكيل، ولولا ما سأذكره في بيع الحاكم من حل الإشكال لكنتُ أقول: المختار من الأوجه الستة أن المشتري يطالب الوكيل وحده، ولا رجوع له، والوجهُ القائل بأن المشتري يُطالب الوكيل، فإذا غرم؛ رَجَع على الموكل، وهو ما حكاهُ الإمام عن المراوزة في باب الرهن لم يذكره الرافعي أصلًا، ولا ذكره الإمام في باب الوكالة، والوجه القائل بأنهما يُطالبان لم يحكه الإمام في باب الرهن، وإنما حكاه في باب الوكالة، والوجهُ ذكرهُ فيهما، فإن الصورة واحدة ذُكرت في بابين، والقول بمطالبة الموكل على الجملة ضعيف، ولعل الموجب لذكره في باب الوكالة تقدم ذكره في العُهدة، وحوالة هذه المسألة أعني خروج المبيع مستحقًّا عليها، والإمام قد نبَّه هناك وهنا على الفرق قال هاهنا: وليعلم الناظر أن ذلك ليس من عُهد العقد؛ إذ لا عقدَ مع
стр. 1214
الاستحقاق، ولكن القول في هذا يرد على التغرير والتسبب إليه مع ثبوت الأيدي للمتوسطين، وما يتعلق من العُهد بالردِّ بالعيب ليس هذا موضعه.
فائدةٌ وفرع:
قال ابن عبد السلام في "الغاية": "إن قلنا بمطالبة الوكيل، ففي جواز مطالبة الموكل ابتداء مذهبان، وظاهر كلام المراوزة، أنه لا يُطالب، ولو أراد الوكيل أن يرجع على الموكل قبل الغرم أو أراد المغرور بنكاح الأمة أن برجعَ بقيمة الولد على الغار قبل التغريم، لم يكن لهما ذلك عند الإمام مَعَ ما فيه من الاحتمال" (١). انتهى.
فأما ما ذكره من المذهبين في مطالبة الموكل ابتداء؛ تفريعًا على القول بمطالبة الوكيل، فلفظ الإمام في "النهاية": "والذي تحصل من ذلك أن الضمان يتعلق بالموكل استقرارًا، والذي يظهر القطع به، وأن الوكيل مطالب.
وفيه وجه ضعيف حكيته عن العراقيين، وفي توجيه المطالبة على الموكل ابتداء تردد.
والذي ظهر من كلام المراوزة: أنه لا مطالبة ابتداء، والذي صرَّح به العراقيون أنه يطالبه المشتري ابتداء" (٢). انتهى. فالتردد في المطالبة ابتداء مذهبان للمراوزة والعراقيين، ولم يصرِّح الإمام بأنهما مفرعان على القول بمطالبة الوكيل كما صرَّح به ابن عبد السلام ولو صرَّح به الإمام لكان مقتضاه؛ إما تخيير المشتري في المطالبة، كما حكاه في كتاب الوكالة، وإما أنه يُطالب الموكل ابتداء، فإذا غرم رجع على الوكيل، وقد تقدم أ م أنه
стр. 1215
لا قائل بذلك؛ ولهذا المعنى قلتُ فيما سبق: إن الإمام اقتصر هُنا على الوجهين: الثاني، والثالث، ونسبت التخيير إلى باب الوكالة خاصة.
وأما ما ذكره من أنه لو أراد الوكيل أن يرجع على الموكل قبل التغريم، فهذا الفرع لا ذكر له في كلام الإمام، والذي قاله الإمام أنه لما ذكر حكم الوكيل وأنه يُطالب، وقرار الضمان على الموكل، ولا مطالبة على المشتري والموكل.
قال: "وكذلك يجب أن يقال: إذا عُقد النكاح على حكم الغُرور، وألزمنا المغرور قيمة الولد لسيد الأمة، ثم أثبتنا للمغرور الرجوع على الغارِّ، فقد جعلنا الغارَّ محلًّا لقرار الضمان، وليس يتجه أن يقال: لسيد الأَمة تغريم الغارِّ ابتداء، وإن كان الضمان يتوصل إليه بطريق رجوع المغرور عليه. . . هذا ما أقدره، ولست أنفي احتمالًا يراهُ ناظرٌ في تثبيت مطالبة الموكل في مسألتنا والغار في باب الغرور. . . والميل إلى الأول" (١). انتهى.
وهذا في سيد الأمة والمشتري، هل لهما المطالبة؟ وقد تقدم الخلاف فيه، أما الوكيل أو المغرور إذا أراد الرجوع قبل التغريم، فليس في الكلام دليل عليه، والذي ينبغي أن يقال فيه: إنه ليس له الرجوع، ولا يملك المطالبة إلا إن طولب كما قيل بمثله في الضمان.
* * *
стр. 1216
فرع: هذا كله إذا تلف في يد الوكيل ولم ينته إلى يد الموكل، وصوَّره الإمام بما إذا تلف بغير تفريطٍ (١) ولا شك أن الحكم فيه كما سبق وغير الإمام أطلق، فهل نقول: إنه إذا تلف بتفريطٍ يكون الحكم كما سبق في قرار الضمان على الموكل ومطالبته، أو نقول ها هنا: لا ضمان على الموكل، بل يقتصر الضمان على الوكيل المفرد؟ لم أر فيه نقلًا، والأقرب الثاني؛ لأن سبب القول يتضمن الموكل أنه أقام الوكيل مقامه، وجعل يده كيده، فإذا فرط الوكيل، فقد استقل بالعدوان، فيستقل بالضمان.
فرع: أما إذا انتهى الثمن إلى يد الموكل، فتلف في يده، فالمشتري يطالبه قطعًا، وهل يطالب الوكيل؟ قال الإمام: "إن لم يمرَّ الثمن بيد الوكيل، فلستُ أرى لمطالبة الوكيل وجهًا إذ لم تثبت له يد، والعقد لم يصح حتى يتضمن عُهدة، وإن مرَّ الثمن بيده، وانتهى إلى يد الموكل، ففي مطالبة الوكيل في هذه الصورة جوابان ظاهران في طريقة المراوزة من جهة أن الوكيل متوسط، وقد بلغ المال مُنتهاهُ وتلف في يد الموكل والوكيل مؤتمن من جهة موكله، والمشتري وإن لم يوكله، فإنه يُسلم الثمن إليه ليسلمهُ إلى موكله، فكأنه من هذا الوجه مؤتمن من جهة المشتري مأذون له في إيصال الثمن إلى موكله، وقيل: يتعلق الطلبُ به؛ لأنه أخذ المال على حكم العهدة" (٢). انتهى. وما استدل به هُنا لعدم مطالبة الوكيل يؤيد قول العراقيين فيما مضى أنه لا يُطالب؛ لأنه لا فرق في هذا المعنى بين أن يتلف في يده أو لا إذا أُجري عليه حُكم المؤتمن من جهة المشتري، اتجه عدم
стр. 1217
المطالبة في الحالتين، فما بال الإمام استضعف جواب العراقيين فيما مضى وجعل مثله هنا أحد جوابين ظاهرين، وما بال المراوزة ترددوا هُناك (١) ولم يترددوا هناك (٢)، إذا صح المأخذ المذكور.
والذي ينبغي أن يكون الأصح من الجوابين المطالبة فنقول هنا بأن المشتري يُطالب كلًّا منهما والقرار على الموكل، ولا إشكال في ذلك هنا، بل هو القياس، أما المطالبة للوكيل فلأخذه على حكم العُهدة، وأما القرار فللتلف تحت يده، بخلاف ما إذا تلف في يد الوكيل، فإن تضمين الموكل الذي لم يقبض مشكل.
فرع: هذا كله إذا باع العدل بتوكيل الراهن وإذن المرتهن، فإن باع الحاكم وقبض الثمن ليوصله إلى جهته فتلف في يده، ثم خرج المبيع مستحقًّا، فقد أجمع الأصحاب على أنه لا يُطالب ولا يتعلق بالحاكم عُهدة ولا تغريم ابتداء ولا قرارًا ولا يلحقه طلبه، قال الإمام: "وإذا كان كذلك، فلا بُدَّ من إثبات الرجوع، فإن حق المشتري لا يضيع والرجوع ابتداء على الراهن لا خلاف فيه.
فإن قيل: ليس الراهن موكلًا، وإنما الحاكم فعل ما فَعَل، فكان يجب أن
يُقال: لم يَصدر من الراهن عقد، ولا توكيل في عقد، والحاكم لا يضمن،
فلا يجد المشتري مرجعًا، قلنا: هذا لا قائل به، وسبب تضمين الراهن أنه
رهن ملك غيره، وكل من رهن شيئًا، فقد عرضه للبيع على استحقاق،
فالحاكم بني بيعه على حكم رهنه، فقد صار إذًا بالرهن مغرورًا كما تقدم،
стр. 1218
وهذا يعضد توجيه المطالبة على الموكل ابتداء في المسألة الأولى، فإنه لما رفعنا الحاكم من البين وجهنا المطالبة على الراهن، وهو في هذه المسألة بمنزلة الموكل في المسألة الأولى، ونص الشافعي فيمن مات وخلف تركة مستغرقة بالدين، فباع الحاكم تركته ثم خرج المبيع مُستحقًّا، قال الشافعي: لا عُهدة على الحاكم ولا طلبه، والعهدة على الميت وتركته.
فإن قيل: إن كان الراهن في المسألة التي ذكرتموها الآن تغرُّرًا (١) برهنه فما سبب تعلق الضمان بذمة الميت في المسألة الأخيرة؟
قلنا: احتواؤه على المغصُوب حتى يتعلق به الدين إذا مات تسبَّب منه إلى تسليط الحكام على البيع، والسبب المضمن قد يقرب وقد يبعد" (٢) هذا كلام الإمام.
وقد كنتُ أستشكل مطالبة الراهن هُنا، ومطالبة الموكل في المسألة الأولى، وأقول: إنه لا موجب لها من عهدة لفساد العقد ولا بد؛ لأن الغرض أنه لم ينته إلى يده، وأي فرق بينه وبين من أمر غيره بالغصب، فإنه لا يضمن لمجرد ذلك بلا خلاف نعلمه، ومسألة الغرور التي استند إليها الإمام، فإن الغارَّ لا مُطالب على المذهب، ولا يمكن في بيع الحاكم إسقاط حق المشتري مجانًا ولا تضمين الحاكم، فلم يبق مَن يُحال عليه الضمان إلا الراهن، فلا بدَّ من تطلب معنى يقتضي تضمينه، ومهما ظهر فيه ظهر في الموكل. وقد ظهر لي معنيان؛ أحدهما: أن المشتري بحكم العقد يجب عليه دفع الثمن لمستحقه، أو من هو قائم مقامه من وكيل أو حاكم، وهو مُلجأ إلى ذلك شرعًا إذا كان العقد صحيحًا أو محكومًا بصحته، حيث
стр. 1219
لا يعلم فساده، وإلَّا لجأ الحق من له المبيع ظاهرًا، فهو في الحقيقة الملجئ بتسببه في العقد إلى دفع المشتري الثمن، فإذا تبين أن الثمن لم يكن لازمًا وجَبَ ضمانه على الملجئ لدفعه، وهو صاحب العين وهو الراهن والموكل.
المعنى الثاني: إن قاعدة البيع دخول كل من العوضين في ضمان صاحبه بقبضه، فإذا قبض المشتري المبيع دخل في ضمانه، ووزانه أن يدخل الثمن في ضمان من حُكم له بملكه سواء أقبضه بنفسه، أم بوكيله، أم بالحاكم القائم مقامه؛ ولهذا إذا تلف في يد وكيله أو الحاكم لم ينفسخ العقد، بل استقر بقبضه، وهذا لا إشكال فيه، فالراهن أو الموكل بحكم استيلائه على تلك العين وتوكيله في بيعها وتسليمها وقبض ثمنها، كالملتزم لضمان الثمن إذا قبضه وكيله؛ لأنه حكم العقد الذي سلَّطه عليه أو ضامن لسلامة المبيع للمشتري ولم يسلم له، فيرجع إلى بدله وهو الثمن، أو بدله على الضامن؛ لسلامة المبيع وهو الموكل، وهكذا الراهن إذا باع القاضي في حياته أو بعد وفاته باستيلائه على المغصوب، وينضم إلى تضمين الموكل تضمين الوكيل إذا قلنا بالعهدة والقاضي لا مجال لذلك فيه، فانفرد الراهن بالضمان، فهذا ما ظهر لي في توجيه مطالبة الموكل والراهن وهو من المشكلات، ولم أر أحدًا تعرَّض لحله بما فيه مقنع، ولولا اتفاق الأصحاب هُنا على تضمين الراهن وعدم تضمين الحاكم لما طمحت نفسي إلى معنًى وكانت تركن إلى عدم تضمين الراهن والموكل.
فرع: أما إذا نَصَبَ الحاكم أمينًا العدل الذي كان الرهن على يده أو غيره، فباع الراهن أو عينًا من التركة بإذن الحاكم، وتلف الثمن في يد الأمين ثم تبين الاستحقاق، فوجهان مشهوران؛ أصحهما: لا يتعلق
стр. 1220
الطلب بالأمين؛ لأنه منصوب الحاكم، فكان مثله، وهذا ظاهر نص الشافعي.
والثاني: يضمن كالوكيل والوصي.
فإن قلنا: لا يضمن، فالرجوع على الراهن إن كان حيًّا، وفي ماله إن كان ميتًا.
وإن قلنا: يضمن، فينبغي أن يأتي في مطالبة الراهن وقرار الضمان ما سبق في الوكيل.
فرع: ما ذكرناهُ من عدم ضمان الحاكم والعدل لا فرق فيه بين أن يكون المبيع عليه مُوسرًا أو مُعسرًا، فإن العُهدة عليه كما لو باع على نفسه، نص عليه الشافعي، ويعني بالمبيع عليه: الراهن والميت والمُفلس.
فرع: ما ذكرناهُ من بيع الحاكم أو العدل بإذنه حال حياة الراهن وموته، قاله الإمام، وأما الرافعي، فلم يذكر حالة الحياة، وإنما قال: لو مات الراهن فأمر الحاكم العدل أو غيره ببيعه، وليس ذكره لهذه المسألة نفيًا لغيرها، ولا دليلًا على أنه يرى أن في حال الحياة لا يتولى الحاكم البيع بنفسه، بل يأمره بالبيع، وكلام الأصحاب مصرّح بأن المديون إذا امتنع من وفاء الدين يبيعه الحاكم، وربما قالوا: تخيَّر الحاكم بين أن يبيع ماله بنفسه في قضاء دينه، وبين أن يأمره بذلك، ويجبره عليه، وبه يصح ما قاله الإمام، وقد صرَّح الرافعي بأن الراهن إذا أصرَّ على الامتناع باعَهُ الحاكم، قال: "وعند أبي حنيفة لا يبيعه، ولكن يحبس الراهن حتى يبيع، ولو كان الراهن غائبًا أثبتَ الحالَ عند الحاكم حتى يبيعه، فإن لم تكن له بينة أو لم
стр. 1221
يكن في البلد حاكم، فله بيعه بنفسه كالظَّفَر" (١)، وقال الروياني: "إذا حل الحق طُولب الراهن بالدين، فإن امتنع طولب ببيع الرهن، فإن امتنع قال أبو إسحاق: حبسه الحاكم وأجبره على البيع، فإن أقام على الامتناع عزَّره حتى يبيع، فإن أقام على الامتناع باعه عليه، وهكذا إذا كان عليه دين من غير رهن، وخالفنا أبو حنيفة في المسألتين، وربما يسلمون المسألة الأولى؛ لأنه لما رهن رضي ببيعه" (٢).
وقال الماوردي: "إذا امتنع الراهن من البيع سأله الحاكم عن سبب امتناعه، فإن ذكر عُذرًا وإلَّا وكَّل الحاكم عنه من يبيعه عليه، وقال أبو حنيفة: يحبسه قال: وهذا غلط؛ لأن كل حق يصح التوكيل فيه لا يجوز للحاكم أن يحبس فيه الممتنع ما أمكن التوصل إليه كالديون، فيتولى الحاكم بيعه بنفسه أو بأمين" (٣)، وقال القاضي أبو الطيب: إن شاء باعه، وإن شاء حبسه وعزَّره حتى يبيعَهُ، وتمام هذا الكلام مذكور في باب التفليس.
فرع: إذا ادعى العدل تلف الثمن في يده قُبل قوله بيمينه، وإن ادعى تسليمه إلى المرتهن فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإذا حلفَ أخذ حقه من الراهن، ورجع الراهن على العدل، وإن كان قد أذن له في التسليم.
نعم، لو أذن له وصدقه في التسليم، فإن شرط عليه الإشهاد فتركه ضمن قطعًا، وإن لم يشترط عليه، فوجهان؛ أصحهما: يضمن؛ لتقصيره بتركه.
стр. 1222
والثاني: لا؛ لاعتراف الراهن بأنه امتثل والمرتهن ظالم، وبه قال ابن الوكيل، وإذا ضمَّناه بترك الإشهاد، فلو قال: أشهدتُ ومات شهودي وصدَّقه الراهن، فلا ضمان، وإن كذبه فوجهان مذكوران مع نظائرهما في الضمان، فإن قلتَ: إذا أذن له الراهن في التسليم، فلم لا يجب عليه تصديقه فيه؟ لأنه أمينه (١).
قلت: إنما يجب عليه تصديقه فيما يدعي تسليمه إليه؛ لأن قوله مقبول عليه ولا يقبل قوله عليه مما يدعي تسليمه إلى غيره هذا ما أذكره الرافعي (٢) في هذا الفرع، وقال الماوردي ما ملخصه: "إن العدل إذا باع، فليس له تسليم الثمن إلى أحدهما إلا بإذن الآخر، بل الواجب عليه أن يسلمه إلى الراهن والمرتهن معًا، أو إلى أحدهما بإذن الآخر، فإن أذن له الراهن في تسليمه كان وكيلًا عنه يسلمه ما لم يرجع، وإن أذن له المرتهن في دفعه للراهن؛ كان إبطالًا لوثيقته، فلو رجَعَ قبل الدفع لم يكن لرجوعه تأثير، وكان للعدل أن يدفعه إلى الراهن" (٣)، كذا قال الماوردي، وهو مشكل؛ لأن مجرد الإذن لا يبطل حقه، ألا ترى أنه لو أذن للراهن في التصرف لم يبطل حتى يتصرف ويصح رجوعه قبل التصرف، وهذا مثله بل أولى، بل أقول: إنه ولو سلم الثمن إلى الراهن بإذنه، فيكون في يد الراهن على حكم الرهن ما لم يحصل من المرتهن إبطال الوثيقة؛ لأن لهما أن يتفقا على
стр. 1223
وضعه في يد الراهن بعد القبض، فليحمل كلام الماوردي على ما إذا قَصَد بهذا الإذن إبطال الوثيقة، وَعُلم ذلك بطريقة، ثم قال الماوردي ما ملخصه: "إن العدل إن ادعى دفعه إلى الراهن، فإن كان مُقرًّا والمرتهن أذن برئ العدل من مطالبة المرتهن بإذنه، والراهن بقبضه وحق المرتهن باقٍ في ذمة الراهن، وإن أنكر الراهن القبض، فقول العدل مقبول عليه؛ لأنه وكله، وإن لم يأذن المرتهن في الدفع وأقر الراهن بالقبض، فللمرتهن مطالبة الراهن والعدل، فإن غرم العدل رجع على الراهن، وإن غرم الراهن لم يرجع على العدل، وإن كان الراهن منكرًا للقبض؛ فلا رجوع للعدل عليه؛ لأن قول العدل مقبول عليه فيما بيده لا فيما يدعي الرجوع به، وإن ادعى دفعه إلى المرتهن، فإن كان الراهن أذن له والمرتهن مُقرّ برئ من مطالبتهما، وبرئ الراهن مما قبضه المرتهن من حقه، وإن أنكر المرتهن القبض، فالقول قوله بيمينه. ثم إن كذبه الراهن، فلكل من الراهن والمرتهن مطالبته، والمرتهن بالخيار بين مطالبته ومطالبة الراهن، وإن أقر المرتهن بالقبض، ولم يكن الراهن أذن برئ العدل من مطالبة المرتهن بإقراره، ولم يبرأ من مطالبة الراهن، وقال أبو الفياض البصري: برئ من مطالبة الراهن لحصول البراءة له بإقرار المرتهن بالقبض. قال الماوردي: وهذا عندي غير صحيح، بل على العدل غرامة الثمن للراهن، وإن برئ من حق المرتهن؛ لأن العدل مُتعدٍّ بالدفع متطوع بالأداء، فلزمه الغرم بتعديه ولم يسقط بتطوعه، كما لو قضى الدين من ماله، وإن أنكر المرتهن القبض، ولم يكن الراهن أذن فلكل منهما مطالبته بالثمن، وله الامتناع من تسليمه إلى أحدهما إلا بإذن الآخر كالثمن الأول، وإن ادعى دفعه إليهما، فإن أقرا برئ، وإن أنكرا برئ من الراهن؛ لأن قوله مقبول عليه دون
стр. 1224
المرتهن، ثم المرتهن بالخيار في المطالبة، فإن غرم الراهن لم يرجع على العدل، وإن غرم العدل لم يرجع على الراهن؛ لأن قوله مقبول مما بيده لا في استحقاق الرجوع، وإن أقر المرتهن وأنكر الراهن برئ منهما، وعكسه يبرأ من حق الراهن دون المرتهن، وللمرتهن الخيار في المطالبة، ومن غرمه فلا رجوع له على الآخر" (١).
وقال الماوردي فيما إذا ادعى العدل تلف الثمن وكذباهُ، ونكل عن اليمين: "ردَّت على الراهن، فإن حلف غرم العدل الثمن، وكان حق المرتهن متعلقًا به، وإن نكل الراهن وبذل المرتهن اليمين، فهل ترد اليمين عليه؟ على قولين مبنيين على غرماء المفلس فيما نكل عنه المفلس، وإن صدَّقه المرتهن وكذبه الراهن ونكل وردت اليمين على الراهن، فحلف، غرم العدل الثمن، ولم يكن للمرتهن فيه حق لإقراره بالتلف، فإن سأل الراهنُ أن يقبض المرتهن حقه من هذا الثمن لتبرأ ذمته وجب، وتبرأ به ذمة الراهن ويجب على المرتهن رده على العدل؛ لإقراره بأنه مظلوم، وإن صدَّقه الراهن وكذبه المرتهن، فإن كان الراهن موسرًا أُجبرَ على دفعه إلى المرتهن، ولم يكن للمرتهن إحلاف العدل، وإن كان معسرًا، فهل تسقط اليمين عن العدل بتصديق الراهن، أو يجب لتكذيب المرتهن، وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في مدعي جناية العبد المرهون إذا صدقه الراهن دون المرتهن، هل يثبت حقه في رقبة العبد؟ على قولين؛ أحد الوجهين: أن العدل برئ بتصديق الراهن وليس للمرتهن إحلافه.
والثاني: أنه يحلفه فإن حلف برئ في الحكم، وإن نكل فهل ترد على المرتهن؟! على ما مضى من القولين.
стр. 1225
فإن قلنا: ترد فحلف يغرم العدل، فإن كان الثمن بإزاء حق المرتهن، فله مطالبته بجميعه، فإذا أخذه برئ الراهن ظاهرًا، وإن كان أقل طالب الراهن بما بقي، وإن كان أكثر، فليس له أن يأخذ الأقدر حقه.
فإن قيل: إذا كان ما قبضه المرتهن ظُلمًا كيف يبرأ به الراهن؟
قلنا: إنما سقطت به المطالبة، فأما البراءة في الباطن" (١). فالله أعلم.
فرع: قال الروياني: "لو كان بالدين رهن وضامن وحل الحق، فقولان، حكاهما القاضي أبو حامد: أحدهما: لصاحب الحق مطالبة الضامن، وليس له بيع الرهن إلا بعد تعذُّر استيفائه من الضامن.
والثاني: له بيع الرهن وليس له مطالبة الضامن إلا بعد التعذُّر، والصحيح أن يُقال: إن صاحب الحق بالخيار بين مطالبة الضامن، وبين بيع الرهن كما له مطالبة الضامن والمضمون عنه" (٢).
فرع: إذا جاز للعدل البيع لم يبع إلا بثمن المثل، أو بما دونه قدر ما يُتغابن به الناس، وليكن ذلك بنقد البلد حالًّا، ولا يشترط فيه خيار الثلاث، ولا يسلمه إلا بعد قبض الثمن، فهذه خمسة شروط، الثلاثة الأولى في صحة البيع، الأول متفق عليه، وكذا الثاني إلا ما سنحكيه عن صاحب "التقريب"، وكذا الثالث لا نعلم فيه خلافًا إلا ما سنذكره آخر الكلام، وأما الشرط الخامس فمتفق عليه أيضًا، ولكن ليس شرطًا في صحة البيع، بل في سقوط الضمان.
стр. 1226
والرابع: وهو عدم شرط الخيار، فيه وجهان؛ أحدهما: أنه على سبيل الاستحباب، ولا تأثير له في الصحة، ولا في الضمان.
والثاني: أنه شرط في صحة البيع وسقوط الضمان، كذا أطلق الماوردي الوجهين (١).
والمصنف، والرافعي، وغيرهما، قالوا في الوكيل بالبيع: إن شرط الخيار للمشتري لم يصح، وإن شرطه لنفسه أو لموكله، فوجهان؛ أصحهما: الصحة، وكذا الوكيل بالشراء إن شرط الخيار للبائع لم يصح، وإن شرطه لنفسه أو لموكله فوجهان؛ أصحهما: الصحة، والإمام حكى فيهما ثلاثة أوجه؛ ثالثها: أن شرط الخيار لصاحبه وحده أو مع إثبات الخيار لنفسه امتنع، وإن شرطه لنفسه دون صاحبه جاز سواء أكان بالبيع أم بالشراء. انتهى.
ومن ذلك يخرج وجه أنه يجوز شرط الخيار مطلقًا، كما أطلقه الماوردي (٢). ويخرج من مجموع ذلك أن شرطه لنفسه أو لموكله جائز في الأصح والخلاف فيه مشهور، وشرطه للعاقد الآخر ممتنع في الأصح، والخلاف فيه غريب لم أره إلا للإمام على ما اقتضاه كلامه، وكان قد نقله عن بعض الأصحاب في الوكيل بالشراء دون الوكيل بالبيع، ثم نقل عن الجمهور الأوجه الثلاثة فيها، ولنعلم أنه لا فرق في ذلك بين الوكيل والعدل؛ لأنه وكيل، ومحل هذه الشروط عند الإطلاق، فلو نصَّ الراهن والمرتهن على خلافها جاز؛ لأن الحق لهما، وقد ذكر المصنف اختلافهما في نقد البلد آخر الباب.
стр. 1227
وفي "شرح ابن داود" أن الشافعي قال: إذا قال للعدل: بع. يبيع بما به الراهن، فمنهم من يقول: لا يبيع إلا بنقد البلد، وإنما قال الشافعي هذا حيث يكون من جنس نقد البلد.
وقال صاحب "التقريب": ينظر ما فيه الحظ فيبيع به، وهذا الذي ذكره صاحب "التقريب" ذكره الرافعي في القاضي "أنه لو رأى الحاكم أنه يبيعه بجنس حق المرتهن جاز" (١)، وأما في العدلِ فغريب، وذكره القفال أيضًا في المرتهن إذا امتنع الراهن من الوفاء "أنه يقوم مقام الحاكم في بيعه وتوسط المعاملة الأخرى وبيعه بجنس الدين وعلى صفته" (٢)، وقال الرافعي: "إنه يُشبه أن يلحق وكيل الراهن ببيع المرهون وقضاء الدين منه بالمرتهن، وبل أولى؛ لأن نيابة المرتهن حينئذٍ قهرية، والوكيل قد رضي تصرفه ونصبه لهذا الغرض" (٣)، وهذا من الرافعي بحيث يوافق ما قاله صاحب "التقريب"، لكن بشرط أن يكون الراهن أذن له في قضاء الدين، والماوردي نقل كلام الشافعي المذكور عن "الأم"، "وإن الأصحاب قالوا: إنما أراد إذا كان من غالب نقد البلد" (٤) والبيع بالنسبة عن القاضي أبي حامدٍ حكاية وجهٍ أنه يصح، قال الرافعي: "ولا اعتبار به" (٥)، وهو كما قال، قال ابن الرفعة، ولعل محله إذا أذنا له في البيع قبل حلول الدين فباع نسيئة إلى وقت حلوله، وإلَّا فلا ضبط لمقدار الأجل.
* * *
стр. 1228
فرع: إذا أخلَّ بالشرط الأول فباع بأقل من ثمن المثل، فإن كان بغبن يسير صح؛ لأن الناس يتغابنون به ويغتفرونه، ولا ينضبط فكأنه ثمن المثل، ونجد كثيرًا من الفقهاء يمثله بدرهم في عشرة، وقد وقع ذلك في كلام الرافعي، وليس المراد أن ذلك مطرد، بل قد يكون الدرهم في العشرة يتغابن به، وقد لا يكون ومع اغتفار الدرهم في العشرة قد يكون العشرة في المائة يتغابن بها، وقد لا يكون. وسيأتي بيان ذلك في كلام الشافعي الذي سنحكيه قريبًا، وإنما يصح البيع بما يتغابن به إذا كان الإذن مطلقًا، ولم يوجد من يشتري بثمن المثل، أما إذا اعتبر ثمنًا، فلا يجوز النقص عنه يسيرًا ولا كثيرًا، وكذلك إذا وَجَد راغب بثمن المثل لا يجوز النقص بغبن، وإن قل فإذا عُرف محل المسامحة بالغبن اليسير، صح البيع معه، وإن نقص عنه لم يصح؛ وهو الغبن الفاحش، ثم إن لم يسلم العين، فهي باقية في يده على حكم الأمانة، ولم تحصل إلَّا التصرف الفاسد ولا اعتبار به، كذا ذكروه، وفيه شيء سنتعرض له في الكلام على نص الشافعي، وإن سَلَّم صار ضامنًا بالتسليم لا بالعقد الفاسد، وفي قدر ضمانه قولان نص عليهما في الرهن الصغير، سنتكلم عليهما بعد ذكرهما.
فرع: في حكاية نصه، والكلام عليه قال الشافعي في الرهن الصغير من "الأم" (١): "وإن كان الرهن على يدي عدل، فإن كانا وضعاهُ على يد العدل على أن يبيعه، فله بيعه إذا حل الأجل، فإن باعه قبل أن يحل الأجل بغير أمرهما معًا، فالبيع مفسوخ، وإن فات ضمن القيمة إن شاء الراهن والمرتهن، وكانت القيمة أكثر مما باع به، وإن شاء فللراهن ما باع
стр. 1229
به الرهن قلَّ أو كثر، ثم إن تراضيا أن تكون القيمة على يديه إلى محل الأجل وإلا تراضيا أن يكون على يدي غيره؛ لأن بيعه للرهن قبل محل الأجل خلاف الأمانة، وإن باعه بعد محل الحق بما لا يتغابن الناس بمثله رُدَّ البيع إن شاء، فإن فات ففيها قولان؛ أحدهما: يضمن قيمة ما بلغت فيه فيؤدي إلى ذي الحق حقه، ويكون لمالك الرهن فضلها، والقول الآخر يضمن ما حط مما لا يتغابن الناس بمثله؛ لأنه لو باع بما يتغابن الناس بمثله جاز البيع، فإنما يضمن ما كان لا يجوز له بحال، قال الشافعي: وحد ما يتغابن الناس بمثله يتفاوت تفاوتًا شديدًا فيما يرتفع وينخفض ويخص ويعم، فيُدعى رجلان عدلان من أهل البصر بتلك السلعة المبيعة فيقال: أيتغابن أهل البصر بالبيع في البيع بمثل هذا؟ فإن قالوا: نعم. جاز، وإن قالوا: لا. رُدَّ إن قدر عليه وإن لم يقدر عليه فالقول فيه ما وصفتُ.
قال الشافعي: ولا يلتفت إلى ما يُتغابن به غير أهل البصر، وإلى ترك التوقيت فيما يُتغابن الناس بمثله رجَعَ بعض أصحابه وخالفه صاحبُه، وكان صاحبه يقول: حدُّ ما يتغابن الناس بمثله العشرة ثلاثة فإن جاوز ثلاثة لم يتغابن أهل البصر بأكثر من ثلاثة، قال الشافعي: وأهل البصر بالجوهر والوشي وعليه الرقيق يتغابنون بالدرهم ثلثه وأكثر، ولا يتغابن أهل البصر بالحنطة والزيت والسمن والتمر في كل خمسين بدرهم، وذلك لظهوره وعموم البصر به مع اختلاف ما يدقُّ، وظهور ما يجلُّ"، هذا كلام الشافعي في الرهن الصغير، ويسمى: الرهن اللطيف، ويُسمى: مختصر الرهن، وهو من جملة أجزاء "الأم" يتلو الرهن الكبير من رواية الربيع.
وقال ابن الرفعة: إن الرهن اللطيف من القديم، وتمسك في ذلك بقول الماوردي فيما إذا أحبل الراهن الجارية المرهونة، "قال الشافعي في كتاب
стр. 1230
الرهن الصغير المنسوب إلى قوله القديم: إن كان معسرًا لم تخرج من الرهن، وإن كان موسرًا فعلى قولين، وقال في كتاب الرهن الكبير المنسوب إلى قوله الجديد: إن كان موسرًا خرجت من الرهن، وطولب بقيمتها، وإن كان معسرًا، فعلى قولين" (١). انتهى كلام الماوردي.
فأما كون الرهن الصغير من القديم، فليس بجيِّد؛ لأن الأصحاب يقولون: نص عليه في القديم: والرهن الصغير، فيجعلونه مَعطوفًا على القديم.
وأصرح من ذلك قول المحاملي في "التجريد" في إحبال الراهن: وقال في القديم والرهن اللطيف من الجديد، وهذا نص في أن الرهن اللطيف من الجديد، وكلام الماوردي المذكور ليس نصًّا في أن الرهن الصغير من القديم، ويحتمل أن يكون تأويله قال في الرهن الصغير: القول المنسوبَ إلى قوله القديم فالمنسوبَ منصوب مفعول بـ "قال" لا مجرور صفة للكتاب، ويؤيد ما قلناهُ رواية الربيع له، وهو من رواة الجديد.
نعم، في الرهن وغيره من أجزاء "الأم" أقوال من القديم، ومن الجديد رواها الربيع معًا، وكذلك في "مختصر المزني" يقول: من قديم وجديد، وعلى كل تقدير مصدر النص الذي حكيناه إنما يأتي على القول بوقف العقود، وهو مشهور عن القديم، وروي عن الجديد أيضًا، وإنما جعلنا ذلك تفريعًا على وقف العقود؛ لقوله: إن الراهن والمرتهن إذا أرادا أن يضمنا العدل القيمة، وهذا يكون على ردِّ البيع، وإن شاءا فللراهن ما باع به، وهذا يكون على إجازة البيع، وفيه تصريح على قول الوقف بأن الردَّ والإجازة يجريان بعد تلف المبيع جريانهما مع بقائه، وقوله: فالبيع مفسوخ؛ أي: معرض للفسخ، وقوله: إن بيعه قبل محل الأجل خلاف الأمانة، ظاهره أنه