← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

والرابع: وهو عدم شرط الخيار، فيه وجهان؛ أحدهما: أنه على سبيل الاستحباب، ولا تأثير له في الصحة، ولا في الضمان. والثاني: أنه شرط في صحة البيع وسقوط الضمان، كذا أطلق الماوردي الوجهين (١). والمصنف، والرافعي، وغيرهما، قالوا في الوكيل بالبيع: إن شرط الخيار للمشتري لم يصح، وإن شرطه لنفسه أو لموكله، فوجهان؛ أصحهما: الصحة، وكذا الوكيل بالشراء إن شرط الخيار للبائع لم يصح، وإن شرطه لنفسه أو لموكله فوجهان؛ أصحهما: الصحة، والإمام حكى فيهما ثلاثة أوجه؛ ثالثها: أن شرط الخيار لصاحبه وحده أو مع إثبات الخيار لنفسه امتنع، وإن شرطه لنفسه دون صاحبه جاز سواء أكان بالبيع أم بالشراء. انتهى. ومن ذلك يخرج وجه أنه يجوز شرط الخيار مطلقًا، كما أطلقه الماوردي (٢). ويخرج من مجموع ذلك أن شرطه لنفسه أو لموكله جائز في الأصح والخلاف فيه مشهور، وشرطه للعاقد الآخر ممتنع في الأصح، والخلاف فيه غريب لم أره إلا للإمام على ما اقتضاه كلامه، وكان قد نقله عن بعض الأصحاب في الوكيل بالشراء دون الوكيل بالبيع، ثم نقل عن الجمهور الأوجه الثلاثة فيها، ولنعلم أنه لا فرق في ذلك بين الوكيل والعدل؛ لأنه وكيل، ومحل هذه الشروط عند الإطلاق، فلو نصَّ الراهن والمرتهن على خلافها جاز؛ لأن الحق لهما، وقد ذكر المصنف اختلافهما في نقد البلد آخر الباب.

стр. 1227

وفي "شرح ابن داود" أن الشافعي قال: إذا قال للعدل: بع. يبيع بما به الراهن، فمنهم من يقول: لا يبيع إلا بنقد البلد، وإنما قال الشافعي هذا حيث يكون من جنس نقد البلد. وقال صاحب "التقريب": ينظر ما فيه الحظ فيبيع به، وهذا الذي ذكره صاحب "التقريب" ذكره الرافعي في القاضي "أنه لو رأى الحاكم أنه يبيعه بجنس حق المرتهن جاز" (١)، وأما في العدلِ فغريب، وذكره القفال أيضًا في المرتهن إذا امتنع الراهن من الوفاء "أنه يقوم مقام الحاكم في بيعه وتوسط المعاملة الأخرى وبيعه بجنس الدين وعلى صفته" (٢)، وقال الرافعي: "إنه يُشبه أن يلحق وكيل الراهن ببيع المرهون وقضاء الدين منه بالمرتهن، وبل أولى؛ لأن نيابة المرتهن حينئذٍ قهرية، والوكيل قد رضي تصرفه ونصبه لهذا الغرض" (٣)، وهذا من الرافعي بحيث يوافق ما قاله صاحب "التقريب"، لكن بشرط أن يكون الراهن أذن له في قضاء الدين، والماوردي نقل كلام الشافعي المذكور عن "الأم"، "وإن الأصحاب قالوا: إنما أراد إذا كان من غالب نقد البلد" (٤) والبيع بالنسبة عن القاضي أبي حامدٍ حكاية وجهٍ أنه يصح، قال الرافعي: "ولا اعتبار به" (٥)، وهو كما قال، قال ابن الرفعة، ولعل محله إذا أذنا له في البيع قبل حلول الدين فباع نسيئة إلى وقت حلوله، وإلَّا فلا ضبط لمقدار الأجل. * * *

стр. 1228

فرع: إذا أخلَّ بالشرط الأول فباع بأقل من ثمن المثل، فإن كان بغبن يسير صح؛ لأن الناس يتغابنون به ويغتفرونه، ولا ينضبط فكأنه ثمن المثل، ونجد كثيرًا من الفقهاء يمثله بدرهم في عشرة، وقد وقع ذلك في كلام الرافعي، وليس المراد أن ذلك مطرد، بل قد يكون الدرهم في العشرة يتغابن به، وقد لا يكون ومع اغتفار الدرهم في العشرة قد يكون العشرة في المائة يتغابن بها، وقد لا يكون. وسيأتي بيان ذلك في كلام الشافعي الذي سنحكيه قريبًا، وإنما يصح البيع بما يتغابن به إذا كان الإذن مطلقًا، ولم يوجد من يشتري بثمن المثل، أما إذا اعتبر ثمنًا، فلا يجوز النقص عنه يسيرًا ولا كثيرًا، وكذلك إذا وَجَد راغب بثمن المثل لا يجوز النقص بغبن، وإن قل فإذا عُرف محل المسامحة بالغبن اليسير، صح البيع معه، وإن نقص عنه لم يصح؛ وهو الغبن الفاحش، ثم إن لم يسلم العين، فهي باقية في يده على حكم الأمانة، ولم تحصل إلَّا التصرف الفاسد ولا اعتبار به، كذا ذكروه، وفيه شيء سنتعرض له في الكلام على نص الشافعي، وإن سَلَّم صار ضامنًا بالتسليم لا بالعقد الفاسد، وفي قدر ضمانه قولان نص عليهما في الرهن الصغير، سنتكلم عليهما بعد ذكرهما. فرع: في حكاية نصه، والكلام عليه قال الشافعي في الرهن الصغير من "الأم" (١): "وإن كان الرهن على يدي عدل، فإن كانا وضعاهُ على يد العدل على أن يبيعه، فله بيعه إذا حل الأجل، فإن باعه قبل أن يحل الأجل بغير أمرهما معًا، فالبيع مفسوخ، وإن فات ضمن القيمة إن شاء الراهن والمرتهن، وكانت القيمة أكثر مما باع به، وإن شاء فللراهن ما باع

стр. 1229

به الرهن قلَّ أو كثر، ثم إن تراضيا أن تكون القيمة على يديه إلى محل الأجل وإلا تراضيا أن يكون على يدي غيره؛ لأن بيعه للرهن قبل محل الأجل خلاف الأمانة، وإن باعه بعد محل الحق بما لا يتغابن الناس بمثله رُدَّ البيع إن شاء، فإن فات ففيها قولان؛ أحدهما: يضمن قيمة ما بلغت فيه فيؤدي إلى ذي الحق حقه، ويكون لمالك الرهن فضلها، والقول الآخر يضمن ما حط مما لا يتغابن الناس بمثله؛ لأنه لو باع بما يتغابن الناس بمثله جاز البيع، فإنما يضمن ما كان لا يجوز له بحال، قال الشافعي: وحد ما يتغابن الناس بمثله يتفاوت تفاوتًا شديدًا فيما يرتفع وينخفض ويخص ويعم، فيُدعى رجلان عدلان من أهل البصر بتلك السلعة المبيعة فيقال: أيتغابن أهل البصر بالبيع في البيع بمثل هذا؟ فإن قالوا: نعم. جاز، وإن قالوا: لا. رُدَّ إن قدر عليه وإن لم يقدر عليه فالقول فيه ما وصفتُ. قال الشافعي: ولا يلتفت إلى ما يُتغابن به غير أهل البصر، وإلى ترك التوقيت فيما يُتغابن الناس بمثله رجَعَ بعض أصحابه وخالفه صاحبُه، وكان صاحبه يقول: حدُّ ما يتغابن الناس بمثله العشرة ثلاثة فإن جاوز ثلاثة لم يتغابن أهل البصر بأكثر من ثلاثة، قال الشافعي: وأهل البصر بالجوهر والوشي وعليه الرقيق يتغابنون بالدرهم ثلثه وأكثر، ولا يتغابن أهل البصر بالحنطة والزيت والسمن والتمر في كل خمسين بدرهم، وذلك لظهوره وعموم البصر به مع اختلاف ما يدقُّ، وظهور ما يجلُّ"، هذا كلام الشافعي في الرهن الصغير، ويسمى: الرهن اللطيف، ويُسمى: مختصر الرهن، وهو من جملة أجزاء "الأم" يتلو الرهن الكبير من رواية الربيع. وقال ابن الرفعة: إن الرهن اللطيف من القديم، وتمسك في ذلك بقول الماوردي فيما إذا أحبل الراهن الجارية المرهونة، "قال الشافعي في كتاب

стр. 1230

الرهن الصغير المنسوب إلى قوله القديم: إن كان معسرًا لم تخرج من الرهن، وإن كان موسرًا فعلى قولين، وقال في كتاب الرهن الكبير المنسوب إلى قوله الجديد: إن كان موسرًا خرجت من الرهن، وطولب بقيمتها، وإن كان معسرًا، فعلى قولين" (١). انتهى كلام الماوردي. فأما كون الرهن الصغير من القديم، فليس بجيِّد؛ لأن الأصحاب يقولون: نص عليه في القديم: والرهن الصغير، فيجعلونه مَعطوفًا على القديم. وأصرح من ذلك قول المحاملي في "التجريد" في إحبال الراهن: وقال في القديم والرهن اللطيف من الجديد، وهذا نص في أن الرهن اللطيف من الجديد، وكلام الماوردي المذكور ليس نصًّا في أن الرهن الصغير من القديم، ويحتمل أن يكون تأويله قال في الرهن الصغير: القول المنسوبَ إلى قوله القديم فالمنسوبَ منصوب مفعول بـ "قال" لا مجرور صفة للكتاب، ويؤيد ما قلناهُ رواية الربيع له، وهو من رواة الجديد. نعم، في الرهن وغيره من أجزاء "الأم" أقوال من القديم، ومن الجديد رواها الربيع معًا، وكذلك في "مختصر المزني" يقول: من قديم وجديد، وعلى كل تقدير مصدر النص الذي حكيناه إنما يأتي على القول بوقف العقود، وهو مشهور عن القديم، وروي عن الجديد أيضًا، وإنما جعلنا ذلك تفريعًا على وقف العقود؛ لقوله: إن الراهن والمرتهن إذا أرادا أن يضمنا العدل القيمة، وهذا يكون على ردِّ البيع، وإن شاءا فللراهن ما باع به، وهذا يكون على إجازة البيع، وفيه تصريح على قول الوقف بأن الردَّ والإجازة يجريان بعد تلف المبيع جريانهما مع بقائه، وقوله: فالبيع مفسوخ؛ أي: معرض للفسخ، وقوله: إن بيعه قبل محل الأجل خلاف الأمانة، ظاهره أنه

стр. 1231

سواء سلم أو لم يُسلم، وهو يقتضي أنه بالعقد الفاسد يخرج عن الأمانة، فلكل منهما إخراجه من عنده، ويجوز في جواز بيعه بعد ذلك الخلاف فيما إذا تعدى الوكيل هل ينعزل؟ وقوله: وإن باعه بعد المحلِّ بما لا يتغابن به هي مسألتنا، وقوله: رُدَّ البيع إن شاءا، ظاهره أيضًا أنه تفريع على وقف العقود، ومفهومه: أنهما إذا أرادا إجازة البيع أجازاهُ، وحينئذٍ يصح البيع بالثمن الذي وقع العقد به، ولا يلزم المشتري غيره، ولا يكون العدل ضامنًا لشيء غير أن الثمن يكون في يده أمانة إن قبضه. وقولهُ: فإن فات؛ أي: وقد ردَّه أو فرَّعنا على أن وقف العقود لا يصح، وإنما قيدناهُ بذلك؛ لأنه لو أجاز وفرَّعنا على الصحة، فقد اقتضى كلامه السابق أنه لا يضمن إلَّا ما باع به، وقوله: ففيها قولان. هما القولان اللذان أشرنا إليهما فيما يضمنه العدل، ولم ينقلهما الأصحاب إلا عن الرهن الصغير، واتفقوا على أن أصحهما الأول، وهو أن يضمن جميع القيمة؛ لأن البيع وقع فاسدًا، فلم يكن له أن يُسلم السلعة، ومن سلم السلعة إلى غير مستحقها ضمن جميع قيمتها، واتفقوا على أن محل القولين إذا سلم السلعة، وتلفت إن لم يسلمها؛ فلا ضمان، وإن سلمها وهي باقية استردت، ويجبُ عليه استرجاعها. وقال الجُوري أحد القولين -وهو أقواهما: أن البيع مردود، وإن تلف، فعليه قيمته. والثاني: أن عليه الزيادة عما يتغابن الناس بمثله. انتهى. وهو يوهم أن الثاني لا يقول بفساد البيع، ويلزم عليه أن يجري القولان في المشتري، ولكن المفهوم من كلام الأصحاب خلافه، وسنفرد لحقيقة هذا القول فرعًا. * * *

стр. 1232

فرع: إذا استرجعها؛ فهي مضمونة عليه، وهل له بيعها بالإذن السابق؟! فيه وجهان؛ أصحهما: وبه جزم الرافعي: له ذلك، وقاسه القاضي حسين على الوكيل، وقال: إن بعض أصحابنا غلط، فقال: لا يجوز. قلت: وقد حكى جميع الأصحاب في الوكيل في البيع إذا تعدى فيما وكل فيه بأن لَبِس الثوب، أو ركب الدابة، أو شجَّ العبد، أو زنا بالجارية، كما مثَّل به الماوردي، أو وطئها بشبهة، كما مثَّل به القاضي حسين وجهين؛ أصحهما عند الجمهور: أنه لا ينعزل عن البيع، وإن خرج عن الأمانة فيما عدا وطء الشبهة. ولنا: التمثيل بوطء الشبهة، فيقتضي أنه لا فرق بين أن يكون التعدي بفعل محرم أو مضمون، فالقول في بيع العدل هنا ثانيًا ينبغي أن يتخرج على ذلك. إن قلنا: ينعزل بوطء الشبهة لم يكن له هنا البيع، سواء أكان مُفرطًا أم غير مفرطٍ، فإن ظن أن ذلك ثمن المثل. وإن قلنا: لا ينعزل بوطء الشبهة، وينعزل بالزنا ونحوه، فيفرق هنا على أن يكون مفرطًا أو لا. وإن قلنا: لا ينعزل مطلقًا، فها هنا كذلك لا ينعزل ويجوز له البيع، لكن هذا إنما يكون في العدل من جهتهما، أما المنصوب من جهة الحاكم فيشترط فيه الأمانة، فبالخيانة ينعزل، فلا يبيع، ثم إن الأمثلة التي أجروا الخلاف في تعذر الوكيل فيها وزانها هنا؛ تسليم السلعة لغير مستحقها، ونريد هنا: التصرف الفاسد المتقدم على التسليم، وهو حرام وتعدٍّ في عين الفعل المأذون فيه، حيث أوقعه على غير وجهه، فيحتمل أن يقال: إنه أولى

стр. 1233

بالانعزال. فرع: فإذا قلنا: له أن يبيع، فباعه، وأخذ ثمنه، لم يكن الثمن مضمونًا عليه؛ لأنه لم يتعد فيه. فرع: فإن لم يسترجعها وفاتت، فالقولان في ضمان العدل أصحهما يضمن جميع القيمة، والثاني يُحطُّ عنه ما يتغابن به، وإنما أفردنا هذا الفرع لبيان حقيقة هذا القول، فإن عبارة الأصحاب فيه مختلفة، وليُعلم أن القيمة إذا كانت عشرة، وفرضنا أن الذي يُتغابن فيه في تلك السلعة درهم فباعها بثمانية، فهو غبن فاحش لا يُتغابن به، ولا يحتمل، فالمحطوط على هذا القول عن العدل الدرهم العاشر، وهذا لم تختلف فيه كلمةُ الأصحاب تفريعًا على هذا القول، وإنما اختلفت عبارتهم في المضمون الذي يغرمه العدل، فقال الرافعي: "تسعة" (١) وكذا قال المحاملي في "التجريد". وقال الشيخ أبو حامد: درهم، وكذا سُلَيم في "التقريب"، وموافقة قول الماوردي، فإنه مثَّل بما إذا كانت القيمة مائة وقدر ما يُتغابن به عشرة وباع بخمسين وجعل الذي يضمنه العدل على هذا القول أربعين (٢)، وهو أَقْرَبُ إلى عبارة الشافعي التي حكيناها، فإنه قال: "يضمن ما حط مما لا يُتغابن به" (٣). فجعل المضمون هو المحطوط، والثمن الذي باع به ليس بمحطوط. وقد جَمَع المصنف بين الكلامين في باب الوكالة (٤)، وجعل في

стр. 1234

المضمون على الوكيل ثلاثة أوجه أحدها: جميع القيمة. والثاني: تسعة. والثالث: درهم. وبنى الماوردي على قاعدته، فقال: "إن قلنا: عليه ضمان الغبنيَّة وحدها؛ وهي أربعون، فإن كان قبض الخمسين يرى المشتري منها؛ لأنه دفعها إلى مؤتمن عليها، وليس على العدل ضمانها؛ لأنه غير مُتعدٍّ فيها، والأربعون الزائدة للراهن أن يرجع بها على من شاء من العدل والمشتري وقرار الضمان على المشتري، والعشرة الزائدة يرجع بها على المشتري وحده، وإن لم يقبض، فإن رجع الراهن على المشتري رجع بمائة، وإن رجعَ على العدل، رجعَ بأربعين لا غير، وعلى المشتري بستين، وإذا غرم العدل الأربعين رجع بها على المشتري، وإن قلنا: يضمن الجميع، فلا يبرأ المشتري من شيء يدفعه إلى العدل، بخلاف ما قلنا من قبل؛ لأن العدل ضامن للكل بالتعدي وهناك ما سوى الغبنية ليس بمضمون عليه فكان أمينًا فيه، وكذلك لو كان العدل قبض من المشتري الثمن والغبنية لم يبرأ المشتري من الغبنية لضمان العدل لها ويبرأ من الثمن؛ لأنه أمين فيه" (١). هذا ما قاله الماوردي ولم أره لغيره، وفيه وقفةٌ من جهة أنه إذا كان البيع فاسدًا والضمان بالتسليم، ولا يجوز له تسليم شيء من السلعة سواء أقبض الثمن الفاسد أم لا، فإذا سلمها ضمن جميعها، ولعل توجيهه أنه على هذا القول لما سقط عنه ضمان العشرة؛ لأنه لو باع بدونها لم يضمنها، وجَبَ أن يقسط عنه ضمان الخمسين المقبوضة؛ لأنه لو قبضها وقد باع بالتسعين لم يضمنها، وهو مقتضى علة هذا القول، فليكن هذا الذي قاله الماوردي هو المعتمد لهذا المعنى، وإن كان المتبادر إلى الفهم غيره، وتظهر فائدة هذا الاختلاف فيما

стр. 1235

إذا بلغت الخمسون المقبوضة في يد العدل بغير تفريط، فعلى ما قاله الماوردي تلفت من ضمان الراهن، وعلى مقتضى ما قاله الرافعي وغيره تلفت من ضمان العدل بغرمها للمشتري، ويغرم للراهن التسعين كاملة، لكنه يرجع بها على المشتري، فقد يجري التقاصّ ويظهر أثر الخلاف أيضًا مع بقائها -أعني: بقاء الخمسين على مقتضى ما قاله الماوردي- يستحق الراهن أخذها، وعلى مقتضى ما قاله الرافعي وغيره يجب ردها على المشتري، ويغرم للراهن من ماله. وقد ظهر أن الذي قاله الماوردي أصح تفريعًا على هذا القول، وإنما لم يقل الشافعي هذا القول فيما إذا باع قبل المحل، بل ضمنه إذا رد البيع القيمة كاملة؛ لأنه هناك غير مأذون له، وهنا مأذون له في البيع بتسعين، وفي قبض الخمسين إذا باع بتسعين. فرع: هذا كله في ضمان العدل، أمَّا المشتري، فقد اتفق الأصحاب على أنه يضمن القيمة كاملة، ولا يجري فيه القولان المذكوران، ولا تسقط عنه العشرة التي يتغابن الناس بها، سواء أرجع الراهن عليه أم على العدل، بل إن رجع عليه رجع بالمائة، وإن رجع على العدل وأخذ منه التسعين، رجعَ الراهن أيضًا على المشتري بالعشرة، ويرجع العدل عليه بما غرمه ولم يقبضه، وإذا غرم المشتري وكان قد أعطى الثمن للعدل، وفرعنا على أنه يضمن الجميع فالقبض فاسد، فنرجع على العدل بما قبضه، وإنما لم تجر (١) القولان في المشتري؛ لأنه قبضَ عن بيع فاسد، وقد يقول القائل إذا سقطت العشرة عن العدل؛ لأنه لو باع بدونها صح، فلم لا يسقط عن

стр. 1236

المشتري بدونها صح، وليس في كلام الشافعي تعرض لحكم المشتري، فقد يكون يقول بالقولين فيه والممكن في جواب هذا: أن علة ضمان العدل التفريط، والتفريط بالعشرة مسموح له فيه، وعلة ضمان المشتري القبض عن عقد فاسد، وهو لا يختلف بالنسبة إلى جميع القيمة. فرع: شبَّه الأصحاب القولين في ضمان العدل بمسألتين: أحدهما: الزكاة إذا فرقها بنفسه يعطي من كل صنف لثلاثة، ولا تجب التسوية بين الثلاثة، فإن أعطى نصيب الصنف إلى اثنين غرم للثالث الثلث في أحد القولين، وأقل جُزءٍ في القول الآخر. المسألة الثانية: الأضحية إذا أكل الجميع: هل يضمن قدر ما كان يجزئه ابتداء، وهو أقل جُزء؟ أو يضمن القدر المستحب: وهو النصف أو الثلث؟ وربما ذكروا أن الخلاف في المسألتين مُفرَّع على هذين القولين، ولك أن تفرق وتقول: ضمان أدنى جزء في المسألتين ظاهر؛ لأنه الواجب، وضمان الأقل هنا ترك من الواجب على قياس المضمونات. فرع: ذكره المصنف في باب الوكالة في الوكيل، وأكثر الأصحاب هنا في عدل الرهن وهو وكيل، ولا فرق بينه وبين غيره من الوكلاء، فتتأسى بأكثر الأصحاب في ذكره هنا؛ تعجيلًا للفائدة لو باع العدلُ الرهنَ بثمن المثل أو بدونهِ قدرًا يتغابن بمثله، حيث لم يطلب بزائد، ثم زاد راغب، فإن كان بعد انقضاء الخيار، فلا أثر للزيادة؛ لأن البيع لزم لكي يستحب للعدل أن يستقيل المشتري ليبيعه بالزيادة للراغب أو لهذا المشتري، وإن كان في زمن الخيار، إما خيار المجلس، وإما خيار الثلاث؛

стр. 1237

كما صرَّح به ابن الصباغ وغيره، وإن كان الشافعي (١) وأكثر الأصحاب إنما فرضوها في خيار المجلس، ولكن المأخذ واحد، والإلحاق فيهما عند الأكثرين، وعلى طريقة أبي زيد والقفال، وقولهما: إن الحط والزيادة يلحقان في خيار المجلس دون خيار الشرط يحتمل أن يقولا هنا مثله، ويحتمل أن يُفرق؛ وهو الظاهر ويسويا هُنا بين الخيارين إذا عرفت هذا فتقول: إذا زاد راغبٌ في زمن الخيار، ففي المسألة أوجه؛ أحدها: أنه لا ينفسخ العقد بهذه الزيادة، ولا يلزم قبولها، والعقد باقٍ بحاله، ولا ضمان على العدل إذا سلم بعد قبض الثمن؛ لأن هذه الزيادة قد تُبذل للرغبة، وقد تبذل للفساد على المشتري الأول، وهذا الوجه حكاه الماوردي (٢) وجماعة من العراقيين وابن داود، وضعفه الماوردي. والثاني: أن على العدل أن يُفسخ، فإن لم يفعل لم ينفسخ، وهذا الوجه لم أره إلا في "شرح ابن داود" بهذه العبارة، وظاهرها الوجوب، بل كلامه، كالصريح فيه. وكلام المصنف في باب الوكالة قد يقتضيه أيضًا، فإنه حكى وجهين؛ أحدهما: لا يلزمه فسخ البيع. والثاني: يلزمه، وهو الصحيح عنده (٣)، ولكن يمكن تأويله على الانفساخ، كما سيأتي في كلام الإمام بخلاف كلام ابن داود، فإنه لا يمكن تأويله على ذلك. والوجهُ الثالثُ؛ وهو الصحيح المشهور: أنه لا بدَّ من الانفساخ، ولكن

стр. 1238

اختلفوا في طريقه، ووقت الحكم به، فالذي قاله الجمهور؛ أنه يؤمرُ بالفسخ والبيع من الراغب بالزيادة، فإن لم يفعل انفسخ، وأخذوا هذا من قول الشافعي قبل الزيادة، فإن لم يفعل، فبيعه مردود. قال ابن داود: ظاهر هذا أنه إذا زِيد، فليفسخ وإلا انفسخ. وقال: إن الأقيس ما هو ظاهر النص. وعبارة ابن الصباغ: قال الشافعي: لزمه أن يفسخ العقد بينهما ويبيع بالزيادة، فإن لم يفعل قال: يكون البيع مردودًا، فإما أن يكون ابن الصباغ فهم هذا من كلام الشافعي المذكور، فنقله بالمعنى، وإما أن يكون وجده في موضعٍ آخر. وعبارة المحاملي في "التجريد": فالمنصوص أنه يلزم قبول ذلك وفسخ العقد، فإن لم يفعل بطل البيع، وعلى الأمر بالفسخ والبيع، وأنه إن لم يفعل انفسخ جرى الرافعي (١). وعبارة ابن الصباغ والمحاملي يقتضي ظاهرها أن ذلك على سبيل الوجوب، وأن هذا الوجه يشارك الثاني في وجوب الفسخ ويفارقه في أنه إن لم يفعل انفسخ، فأما وجوب الفسخ على العدل؛ فلأنه يجب عليه الاحتياط، وألا يبيع مع وجود راغب بزيادة إلا بتلك الزيادة، ومن جملة الاحتياط إذا كان متمكنًا من الفسخ أن يفسخ؛ تحصيلًا للزيادة، وكان القياس يقتضي حصول الانفساخ لمجرد الزيارة، إلا أن الزيادة قد تستقر، وقد لا تستقر فيحتاج النظر فيها إلى تأملٍ، فلم نقل بالفسخ بنفس الزيادة، وفوضناه إلى العدل، فإذا لم يفعل مع استقرار الزيادة وبقاء الراغب عليها تحقق التفريط، فحكمنا بالانفساخ وأعملنا القياس؛ إلحاقًا لزمن الخيار

стр. 1239

بحالة العقل، وفي حالة العقد لا يجوز البيع مع الراغب بزيادة، فكذلك في حال الخيار لا يدوم، ولا نقول: إنه تبين البطلان، وأنه تبين لنا أنه باع بما لا يجوز البيع به، بل إنما باع بما يجوز البيع به، ولكن هذه زيادة جديدة حدثت فلا ينعطف حكمها على ما مضى، بل يقطع دوامه، كما لو قارنت منعت ابتداءه، فهذا توجيه هذا الوجه، ومن تمام تحريره أنا إذا حكمنا بالانفساخ إذا لم يفعل هل ذلك لامتناعه عن الفسخ وتفريطه، أو لأن الزيادة قد استقرت؟ وإنما امتنعنا من الحكم به في الأول؛ لاحتمال الرجوع عنها، وإذا قلنا بهذا الثاني، فهل تتبين الانفساخ من حين الزيادة أو لا يكون إلا بعد تحقق عدم الفعل؟ كلامهم محتمل لذلك كله. والأسبق إلى الفهم منه القسم الأخير، وهو أنه لا ينفسخ إلَّا بعد تحقق عدم الفعل، وإما أنه بالامتناع أو بالزيادة المستقرَّة الأقرب الثاني، وإن كان كلامهم محتملًا للأول، ومن تمام تحريره أيضًا؛ أن قولنا: لم يفعل، هل المراد به الامتناع حتى إنه لو لم يعلم بالزيادة حتى انقضى الخيار يلزم العقد؛ لأنه لم يحصل منه تفريط أو على حقيقته من عدم الفعل علم أو لم يعلم، حتى إذا انقضى الخيار على تلك الزيادة، ولم يشعر بها نتبين بطلان البيع لم أجد فيه نقلًا، وهو يلتفت على ما حركناه من البحث إن جعلنا الموجب للانفساخ الزيادة المستقرة انفسخ علم أو لم يعلم نظرًا للمالك، وإن جعلنا الموجب للانفساخ امتناع الوكيل لتفريطه فلا، والأقرب الأول، ولا يخلو الوكيل عن تفريط في مثل هذا؛ لأنه كان يمكنه الاستكشاف، ومن تمام تحرير هذا الوجه أن العدل لو لم يفسخ، ولكن باع من الراغب بالزيادة من غير تقديم فسخ، فقد بناهُ الأصحاب على أن البائع إذا باع المبيع في زمان الخيار، هل يصح أو لا يصح؟ ويكون فسخًا أو لا يكون فسخًا؟ وفيه

стр. 1240

ثلاثة أوجه: أصحها الأول: أنه يصح ويكون فسخًا، وعندي أن بيعه في مسألتنا أولى بالصحة، وقد لا يجري فيه الخلاف ويظهر لك ذلك بما حركناهُ من البحث إن جعلنا الموجب للانفساخ هو الامتناع أو عدم الفعل، فإذا باع لم يتحقق عدم الفعل، فيتعين تخريجه على الخلاف، والأصح الصحة، ويحصل الفسخ به، وإن جعلنا سبب الانفساخ الزيادة المستقرة لا سيما إذا عطفناه على حين حدوثها، فلا يأتي ذلك الخلاف، بل يصح البيع جزمًا؛ لأن منشأ ذلك الخلاف كون اللفظ الواحد جالبًا مُزيلا، وهذا المعنى مفقود هنا؛ لأن الجالب هو الزيادة، والمزيل هو اللفظ، وهذا لا شك فيه إذا عطفنا الانفساخ على حين الزيادة؛ لأنه أن يتبين الانفساخ قبل البيع، وكذا إذا لم يعطفه من جهة أن الجالب غير المزيل، وإن قارنه تمام تحققه، وإذا قلنا بصحة البيع، إما قطعًا، وإما على الأصح؛ فهو يغني عن تقديم فسخٍ، فيصير المأمور به؛ إما الفسخ، وإما البيع، ويكون مراد الجمهور بإيجاب الفسخ، إيجابه، إما بلفظه وإما في ضمن البيع المأمور به. وإن قلنا: إن البيع في زمان الخيار لا يصح؛ تعيَّن أن المأمور به الفسخ بلفظ الفسخ؛ ليصح البيع بعدَهُ، فخرج من هذا أن الأصح تخيير العدل على الفسخ والبيع بعده كما هو ظاهر عبارة الأصحاب، وبين إنشاء البيع وينشأ من هذا أنه قد يقال: الأحوط البيع بدون توسط الفسخ؛ لئلا يفسخ، فيرجع الراغب، فإذا كان المال ليتيم ونحوه ممن يجب الاحتياط له يجب سلوك هذا الطريق، ولا يفسخ بلفظ الفسخ، أو يقال بأنه يفعل ما يؤدي إليه اجتهاده لما يظهر له من المصلحة، فخرج من كلام الجمهور وجهان؛ أحدهما: يتعين الفسخ ثم البيع. وأصحهما: أن له أن يبيع من غير تقديم فسخ، وكلام الشافعي (١) محتمل

стр. 1241

للوجهين، بل حمله القفَّال على الثاني فقط. قال القفال: كيفية قبول الزيادة باستئناف البيع مع المشتري الثاني من غير فسخ الأول؛ لأنه لو فسخ الأول بلفظ الفسخ ربما يمتنع الثاني، فيبطل المقصود من العقدين، فيبيع من الثاني، ويكون بيعه الثاني فسخًا للأول قال: وهذا معنى قول الشافعي: "قبل الزيادة"، وهو يدل على صحة أحد الأوجه إذا باع البائع في المجلس من آخر صح البيع وانفسخ الأول، ولا يحتاج أن يقول أوَّلًا: فسختُ. انتهى. وقد قدمتُ أن ما نحن فيه أولى بالصحة، فلا يكون دليلًا على صحة الوجه المذكور، بل يلزم من صحة الوجه المذكور صحة هذا، وأعرض الإمام والغزالي عن معنى الوجوب، واقتصر على الانفساخ، وقالا: إن جوزنا البيع ثانيًا، فطريقه أن يبيع من الراغب، فإن قبل تم العقد، وحصلت الزيادة، وإن أبى كان العقد الأول باقيًا، فإن امتنع العدل من ذلك حُكم بالانفساخ حينئذ. وإن قلنا: البيع الثاني لا ينفذ ولا ينفسخ الأول، فيتعين فسخ الأول، ولا يجب على العدل؛ إذ هو على خياره، فيتعين أن العقد ينفسخ، وهذا معنى استحقاق الفسخ. هذا ملخص كلامهما في "النهاية" (١) و"البسيط". وحاصله وجهان؛ أحدهما: حصول الانفساخ بالزيادة. والثاني: إذا امتنع العدل، وهذا يوافق ما قاله الجمهور في أن الانفساخ لا يحصل إلا إذا لم يفعل، ويخالفه في أنه لا يقول بالوجوب، وهم يقولون به، فاجتمع ستة أوجهٍ، واختار الغزالي في "الوسيط" (٢) أن الانفساخ

стр. 1242

بالزيادة، ولو بدا للطالب فرجَعَ عن الزيادة بعدما حكمنا بالانفساخ بالزيادة، فإن كان بعد التمكن من بيعه، فوجهان في "تعليقة القاضي حسين" وغيرها؛ أحدهما: ويقتضي إيراد الرافعي ترجيحه أن العقد ارتفع فلا بدَّ من بيع جديد. والثاني عن الصيدلاني: أنه يتبين أن البيع بحاله، وكان الفسخ كان موقوفًا، كما لو بذل الابن الطاعة لأبيه في الحج، وجعلناه مستطيعًا به، ثم رجع عن الطاعة قبل أن يحج أهل بلده، فإنا نتبين عدم الوجوب، وإن كان قبل التمكن جزم الرافعي بأن البيع الأول بحاله (١). وكلام الإمام (٢) والغزالي في "الوسيط" يقتضي جريان الخلاف، ولفظ "الوسيط": "لو أبى الراغب عن قبول البيع بعد إظهاره، فالأصح أنا نتبين أن الانفساخ لم يكن" (٣)، على أن كلام الرافعي أيضًا محتمل لإجراء الخلاف في الحالتين، لكن كلام الإمام والغزالي أظهر فيه، وكلام القاضي حسين بعيد عنه، وإذا ضممت وجه نفوذ الفسخ ووقفه إلى بقية الأوجه صارت سبعة، واستفدنا من قول الإمام والغزالي أن يبيع من الراغب، فإن أبى كان البيع باقيًا [أن] (٤) مجرد قوله: "بعتك" لا يكفي في الفسخ على قولنا: البيع فسخ حتى يتم بالقبول، وهي فائدة جليلة؛ لئلا يعتقد أن إيجابه دليل على الفسخ، ولو تحقق امتناع العدل من قبول الزيادة وحكمنا بالانفساخ، ثم بدا للراغب، فهل يجري الوجهان في أنا نتبين بقاء العقد أو لا بل يكون الانفساخ ظاهرًا أو باطنًا كلام القاضي حسين يُشعر بجريانهما؛ لأنه قال:

стр. 1243

فلو لم يبعه من المستزيد وحكمنا ببطلان البيع، ثم بدا للمستزيد ورَجَع بان أن العقد لم يبطل، وقال في الكرة الثانية: إن رجع المستزيد بعد التمكن، يعود الأول صحيحًا، وإن رجع قبل التمكن لم يبطل العقد الأول. انتهى. فحصل الخلاف مطلقًا، والقول بأنه يتبين بقاء العقد نسبه الرافعي إلى الصيدلاني (١)، وعلى هذا لا يقطع بالانفساخ باطنًا إلا بانقضاء الخيار والغزالي مع قوله: إنه ينفسخ بالزيادة، وإذا أبى الراغب نتبين بقاء العقد، ظاهره موافقة ذلك مع احتمال أنه عند تحقق الامتناع نقطع بالانفساخ، لكن إطلاقه يخالفه، فحصل أن في وقت الانفساخ باطنا ثلاثة أوجهٍ؛ أحدها: بظهور الزيادة. والثاني: بالامتناع من قبولها، وهو اختيار الرافعي. والثالث: بانقضاء الخيار نتبين نفوذ الفسخ، وهو اختيار الصيدلاني والغزالي، وفي وقت الحكم به ظاهرًا وجهان؛ أحدهما بالزيادة. والثاني: بالامتناع، ولم أعلم أحدًا يقول بتأخره إلى انقضاء الخيار. والرافعي يرى أن وقت الانفساخ ظاهرًا وباطنًا واحد، وهو عند تحقق عدم قبول الزيادة (٢) والتمكن منها من غير توقف على انقضاء الخيار، وهذا هو المختار، وعلى كل تقدير هل يجب على الوكيل تعاطي الفسخ عينًا أو الفسخ ولو بالبيع أو لا يجب أصلًا؟ بل له أن يترك حتى ينفسخ بنفسه. يخرج مما حكيناه ثلاثة أوجهٍ، هذا كله على قول الجمهور أنه لا بدَّ من الانفساخ ووراؤه الوجهان المبدوء بهما أن الفسخ واجب، فإن لم يفسخ؛ لم ينفسخ، أو أنه لا يجب فسخ ولا انفساخ، وإذا قلنا بأن العدل يبيع ثانيًا؛ إما

стр. 1244

بعد الفسخ وإما بدونه، فهو ملتفت على أن الوكيل بالبيع لو باع ثم فسخ هل يتمكن من البيع مرَّة أخرى، وفيه خلاف نقله الإمام هُنا قال: منهم من قال: ليس له أن يبيع إلا بتوكيل جديد، فإنه لم يُوكل إلا ببيع واحدٍ، ومنهم من قال: له البيع من غير توكيل جديد، فإنه وكيل في بيع يتم، ويؤدي إلى الغرض، فإذا لم يتم وفسخ، فهو مأمور ببيع يتم على موجب التوكيل، وقال الرافعي في آخر باب الرد بالعيب: "لو فرض الرد بالعيب على الوكيل، فهل للوكيل بيعه ثانيًا: وجهان؛ أصحهما: لا؛ لأنه امتثل الأمرَ وهذا ملك جديد، ولو وكله في بيع بشرط الخيار للمشتري، فامتثل ورد المشتري. فإن قلنا: ملك البائع لم يزل، فله بيعه ثانيًا. وإن قلنا: زال وعاد، فهو كالرد بالعيب" (١). وقال في باب الوكالة: "إذا وكله ببيع فباع وَرُدَّ عليه بعيب أو أمره بشرط الخيار فشرط، ففسخ البيع لم يكن له بيعه ثانيًا" (٢)، وما ذكره في الوكالة يمكن حمله على شرط الخيار للمشتري وحده، فيتفق مع ما قاله في الرد بالعيب، وما ذكره هناك من منع البيع ثانيًا بعد الرد بالعيب ظاهر؛ لأن الملك الذي وقع فيه التوكيل انقطع، فيصير كالتوكيل قبل الملك. ومستند الوجه الآخر: أن الملك العائد بالرد هو الملك الأول، أو أن الحنث يعود، وأما منع البيع إذا فسخ في خيار الشرط إذا قلنا: الملك انتقل فمثله، وأما إذا قلنا: الملك لم ينتقل فقد جزم الرافعي فيه بجواز بيعه ثانيًا، وفيه إشكال لما أشار إليه من التعليل بأنه لم يُوكل إلا ببيع واحدٍ، وما أطلقه

стр. 1245

في الوكالة يحتمل أن يبقى على إطلاقه، ويثبت خلاف في المسألة هل يمتنع البيع نظرًا إلى اللفظ، فإنه لا يقتضي التكرار أو يجوز نظرًا إلى المعنى، ومقصود التوكيل من بيع تامٍّ، والأقرب: النظر إلى اللفظ، ولم يحضرني فيه نقل غير ما ذكرتُ، هذا إذا كان الفسخ من غير جهة الوكيل كما فرضنا، أما إذا كان الفاسخ هو الوكيل لأجل الزيادة كما في مسألتنا، فيترجح جانب النظر إلى المعنى؛ لأنه إنما فسخ؛ تحقيقًا لمقصود الموكل وتحصيلًا، فالعرف يقتضي إدراجه في لفظه، وكل ما ذكرناهُ في خيار الشرط يأتي في خيار المجلس بعينه، فإن جوزنا البيع ثانيًا، فلا إشكال، وإن منعناهُ وكان المنع مطردًا في صورة الزيادة، فلا محمل لهذه المسألة، إلا أن تفرض فيما إذا صرَّح له بالإذن، هكذا نبَّه الإمام والرافعي (١) عليه، وإذا صح ما قاله الرافعي في باب الرد بالعيب من أنه يجوز البيع ثانيًا إذا قلنا: لم يزل الملك؛ اتضحت المسألة هنا؛ لأن الغرض أنه في خيار المجلس أو في خيار الشرط لهما أو للبائع، وحينئذ لم ينتقل الملك على الأصح، لكن الذي يقوى أنا إذا قلنا بزوال الملك لم يصح؛ لئلا يكون توكيلًا قبل الملك. وإن قلنا: لا يزول، فينبغي جريان وجهين لما نبَّه عليه الإمام من العلَّة، فإن خص ذلك في غير صورة الزيادة، وإلَّا فيأتي فيها خلاف أو يقرض في التصريح بالإذن كما سبق، ولم يحك الرافعي الوجه القائل بالانفساخ بنفس الزيادة ولا الوجه القائل بأن العدل له ترك الزيادة، وإنما مضمون كلامه القول بلزوم الفسخ بلفظ الفسخ على وجهٍ، وبأي طريق كان على الأصح، وأنه إن لم يفعل انفسخ حينئذ ظاهرًا أو باطنًا، وقيل: ظاهرًا حتى نتبين عدم رجوعه.

стр. 1246

فرع: إذا عرفت هذا فإذا قلنا: بطل البيع وجبَ الضمان على العدل بتسليمه العين، وفيما يضمنه إذا كانت الزيادة على ثمن المثل قولان في "الحاوي" (١) أحدهما: قدر الزيادة فقط، فإذا كان الثمن مائة، والزيادة عشرة ضمن عشرة، فعلى هذا إذا غرمها لم يرجع بها على المشتري؛ لأن ضمان المشتري ضمان غصب، وتلك الزيادة المبذولة لا تضمن بالغصب، وعلى هذا إن دفع المشتري الثمن إلى العدل برئ؛ لأنه ليس بضامن، فكان أمينًا عليه. والقول الثاني: أن العدل ضامن للكل، وهو مائة وعشرة، فلا يبرأ المشتري بدفع الثمن إليه، وللراهن أن يرجع على أيهما شاء، فإن رجع على العدل رجعَ بمائة وعشرة، ويرجع العدل على المشتري بمائة فقط، وإن رجع على المشتري رجع عليه بمائةٍ، ورجع على العدل بعشرة، وإذا غرم المشتري لم يرجع على العدل، ولو كان البيع بدون ثمن المثل قدر ما يتغابن به، وكانت الزيادة إلى ثمن المثل، فالمضمون القيمة على القولين؛ لاستواء الحالين، وإن كانت الزيادة دون ثمن المثل كما لو بيع بتسعير وهي يُتغابن بها والقيمة مائة والراغب بذل خمسة وتسعين، فالذي يضمنه المشتري مائة لا يختلف حكمه، وفيما يضمنه العدل قولان؛ في "الإفصاح" لأبي علي الطبري؛ أحدهما: عليه تمام القيمة. والثاني: ما يزيد على الثمن قال: وقد يحتمل أن يقال: أن ليس عليه ضمان الزيادة، ويفارق هذا بيعه بما لا يتغابن الناس بمثله؛ لأنه ترك شيئًا من حق غيره بيقين، وهنا لم يترك شيئًا من حقه بيقين، ولا أخرج شيئًا من ملكه

стр. 1247

لم يقبض ثمنه. انتهى. فأما القولان، فهما المتقدمان عن الرهن؛ أحدهما: يضمن القيمة وهو الأصح، فلا يختلف الحال، فيضمن هنا مائة. والثاني: يحط ما يتسامح به، فيحط هُنا خمسة؛ لأنه لو باع بخمسة وتسعين صح، والاحتمال الذي قاله أنه يضمن التسعين فقط ولا يضمن الزيادة؛ لأنها غير محققة، وعلى ما تقدم في تلك المسألة عن الماوردي لا تقل: يضمن، بل قل: لا يضمن الزيادة كعبارة "الإفصاح"، وأما التسعون فحكمها على ما سبق عن الماوردي من التفصيل من أن يقبضها أو لا، وهذا الاحتمال وجهٌ؛ لأن أبا علي الطبري صاحب وجهٍ. فرع: قال الماوردي: "وَليس الراهن وحدَه مستحقًّا للرجوع بها دون المرتهن، ولا المرتهن دون الراهن، ولكنهما جميعًا يستحقان الرجوع بها الراهن بحق ملكه، والمرتهن بحق وثيقته، فإن اجتمعا على قبضها برئ العدل منها، ثم إن اتفقا على تركها رهنًا أو قضاءً فذاك، وإن اختلفا أجيب مَن دعا إلى أن تكون قضاء إذا كان الحق حالًّا، وإن قبضها الراهن، فللمرتهن أن يرجع بها على العدل دون المشتري؛ لأن العدل ضامن لحق الرهن والمشتري ضامن لحق الملك. فإن قيل: المرتهن يرجع على الجاني بالأرش والجاني ضامن لحق الملك. قيل: إنما رجع المرتهن على الجاني؛ لأن الجاني ضامن للحقين معًا؛ إذ ليس يجب ضمان الرهن على غير الجاني، وإذا رجع المشتري على العدل لم يكن للعدل أن يرجع على الراهن بما دفعه إلى المرتهن؛ لأن العدل لو

стр. 1248

دفع إلى المرتهن ابتداء كان للراهن أن يرجع عليه بما دفع، ويصير العدل متطوعًا، وإن قبضها المرتهن، فللراهن أن يرجع بها على العدل إن شاء؛ وعلى المشتري إن شاء؛ لأن كلًّا منهما صار ضامنًا لحق الملك، وليس للمرتهن أن يرجع إلا على العدل؛ لأنه الضامن لحق الرهن، فإن كان المرتهن قبض ذلك من المشتري، فللمشتري أن يرجع عليه به، وإن كان قبض من العدل لم يكن للعدل أن يرجع بها عليه" (١). فرع: لو باع بغير نقد البلد أو نسيه وسلم، فالراهنُ بالخيار في تغريم مَن شاء من العدل والمشتري كمال قيمته، قال الرافعي: "هكذا نقلوه، وغالب الظن طرد الخلاف الذي في الغبن يؤيده أن صاحب "التهذيب" في آخرين جعلوا كيفية تغريم الوكيل إذا باع على أحد هذه الوجوه، وسلم على الخلاف، وسوَّوا بين الصور الثلاث، ومعلوم أنه لا فرق بين العدل في الرهن وسائر الوكلاء، وعلى كل حال، فالقرار على المشتري؛ لحصول الهلاك في يده" (٢). انتهى. ولفظ "التهذيب" في الوكيل: "فلو باعه بعرض أو بغير نقد البلد أو مؤجلًا أو بغبن فاحش، لا يصح البيع، فإذا سلم ضمن وللمالك الخيار، فإن ضمن المشتري ضمانه كمال قيمة العين، وإن ضمن الوكيل؛ المذهب هنا أيضًا أنه يضمنه كمال القيمة، وقيل: يحط قدر الغبن اليسير" (٣). انتهى، وهو ظاهر فيما قال الرافعي، وإن أمكن تأويله على الخلاف في صورة الغبن خاصة في مقابلة تضمين كمال القيمة في الصُّور كلها، وممن صرَّح بنفي

стр. 1249

الخلاف الماوردي قال في البيع بغير الغالب من نقد البلد: "يكون العدل ضامنًا لجميع القيمة قولًا واحدًا"، وفرق بأنه: "ليس جُزءًا متميزًا عن الضمان وسببه، والغبنية هناك متميزة مُقدَّرة، فجاز أن يختص الضمان بها على أحد القولين" (١). انتهى. وهذا يظهر على طريقته في تضمينه الأربعين خاصة، أما على تضمينه التسعين، فيظهر ما قاله الرافعي؛ لأنها مقدار يجوز البيع به لا يختلف، فليكن في المسألة طريقان مبنيان على المأخذين، ثم قال الماوردي في البيع بغير النقد: "الغالب أنه على ما مضى من مطالبة العدل أو المشتري وما يتفرع على ذلك، وفي البيع بالنسيئة كذلك بجميع قيمته سواء أكانت أكثر من الثمن أم أقل، ولا يبرأ المشتري بدفع القيمة إلى العدل على ما ذكرناه" (٢). فرع: فلو باع صحيحًا وسلَّم قبل قبض الثمن، فإنه مضمون على كلٍّ من العدل والمشتري بالثمن المسمى دون القيمة، فإن دفع المشتري الثمن إلى العدل برئ، وإن كان العدل ضامنًا؛ لأنه ضمان تفريط لا ضمان غصب. فرع: فلو شرط الخيار وقلنا: يجوز، فلا ضمان. وإن قلنا: لا يجوز، فالبيع باطل، فإن فات الرد كان كل من المشتري والعدل ضامنًا لقيمته دون الثمن، ولا يبرأ المشتري بدفعها إلى العدل؛ لأنه ضامن لها ضمان غصب.

стр. 1250

فرع: لو باع العدل بما يتغابن به، ثم زيد في زمن الخيار، فكما لو باع بثمن المثل ثم زيدَ إِلَّا في شيء واحد، وهو أن الزيادة على ثمن المثل لا يرجع بها على المشتري، والزيادة على ما يُتغابن به إلى ثمن المثل يرجع بها عليه، وقد سبق ذلك. فرع: قال الجُوري: أما المفلس والمريض إذا باعا بما يُتغابن الناس بمثله ولم يتفرقا حتى جاء مَن يزيد، فعلى قولين؛ أحدهما: البيع مفسوخ إن لم يقبلا الزيادة، والفصل بينهما وبين الوكيل على أحد القولين أنهما في الابتداء لم يؤخذ عليهما بيع ذلك على النظر، واحتراز الربح لهما لا للغرماء، فكذلك المتعقب والوكيل بائع مال غيره على النظر. فرع: ليس للعدل بيع الرهن إلا بإذن الراهن والمرتهن، وقال أبو ثور: للعدل بيع الرهن أحبَّ الراهن أو كره، ولو قال له الراهن: لا تبع، أو للمرتهن: لا تبع؛ فله أن يبيعَ، فإن اجتمعا على ترك البيع لم يكن له أن يبيع، هذا قول أبي ثور، والجمهور على خلافه، هكذا نقل الجوري مذهب أبي ثور، وهو غريبٌ بعيد. والذي نقله ابن المنذر أنه قال: "اختلفوا في بيع الموضوع على يده الرهن عند محل الحق إذا كان وُكِّل ببيعه، ففي قول أبي ثور وأصحاب الرأي: له بيع ذلك، غير أن أبا ثورٍ قال: يكتب الراهن العُهدة على نفسه، وقال أصحاب الرأي: تكون العُهدة على العدل، وقال مالك: لا يبيع إلا بأمر السلطان، وقال الشافعي: يبيع ذلك بأمر الراهن والمرتهن فأيهما منعه

стр. 1251

البيع، فليس له أن يبيع" (١). انتهى. وليس في هذا ما يوافق نقل الجوري ولا يخالفه، وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين: "لا يباع الرهن إلا عند سلطان" (٢)، قال الأصحاب: إنما يبيع الرهن الراهن أو وكيله بإذن المرتهن، فلو لم يأذن المرتهن وأراد الراهن بيعه، قال له القاضي: ائذن في بيعه وخذ حقك من ثمنه أو أبرئه، ولو طلب المرتهن بيعه وامتنع الراهن ولم يقض الدين؛ أجبره القاضي على قضائه أو البيع بنفسه أو بوكيله، فإن أصرَّ باعه الحاكم، وقد ذكرنا كلام الأصحاب في بيع الحاكم أو إجباره على البيع قبل هذا باثنتي عشرة ورقة في فرع. ولو كان الراهنُ غائبًا أثبت الحال عند الحاكم؛ ليبيعه، فإن لم يكن له بينة أو لم يكن في البلد حاكم، فله بيعه بنفسه، كمن ظفر بغير جنس حقه من مال المديون وهو جاحد، ولا بيِّنة قال الأصحاب: المرتهن يستحق بيع المرهون عند الحاجة، ويتقدم بثمنه على سائر الغرماء، واستحقاق بيع المرهون إذا كان ملكًا للراهن الذي عليه الدين لا خلاف فيه، وأما إذا كان مستعارًا، ففيه خلاف مذكور في موضعه، وإشكال عليه، يظهر بذلك الإشكال أنهما سواء في استحقاق البيع على المذهب، وليس المقصود من الرهن حَصْر الحق في الوفاء منه، حتى لا يجوز التوفية من غيره، وإنما المقصود التقديم به عند الضيق بالإفلاس وغيره، وقد تقدم عند الكلام في رهن المدبر كلامٌ في أنه هل تنحصر المطالبة في الرهن أو لا؟ والأقربُ أن المطالبة لا تنحصر، بل هي على ما كانت عليه قبل الرهن، وازداد استحقاق التوفية من الرهن بعينه مُضافًا إلى ما يستحقه من غيره على الإبهام ومزاحمة الغرماء، فإن وفَّى الرهن الدينَ

стр. 1252

من غيره فذاك، وإلا تعيَّن بيعُ الرهن والوفاء منه، فإن عَجَزَ وفَّى الباقي من غيره. نعم، لو كان البيعُ يحتاج إلى مُدَّة وبيده نقدٌ يمكن الوفاء منه في الحال كان ينبغي أن يجب تعجيلًا بأداء الواجب، والمفهوم من كلام الأصحاب أنه لا يتعين بل يؤمر الراهن؛ إما بالبيع وإما بالوفاء، والوجهُ حمل هذا الإطلاق على ما إذا لم يكن في زمان الوفاء بغير البيع أقرب، أو لم يضيِّق المرتهن في ذلك، فإن كان أقرب وضيَّق المرتهن، فالوجه أن للحاكم إلزامه بذلك؛ لأن تأخير الحق الواجب على الفور لا يجوز. فرع: قد ذكرنا أن الراهن إذا طلب البيع يأمر الحاكم المرتهن بالاذن أو الإبراء، فإن لم يفعل ولم يذكر عُذرًا أَذِن الحاكم للراهن في البيع، وليس هذا الإذن توكيلًا، فإذا باعَ لم يتصرف في ثمنه. قال الماوردي: "فإن سأل المرتهن حقه أمر الحاكم الراهن بدفعه، وإن لم يسأل أعلمه الحاكم أنه يطلق تصرف الراهن، وأذن للراهن في التصرف، فإن سأل الراهن أن يقبض المرتهن حقه أمره الحاكم بقبضه أو الإبراء، فإن امتنع قبضه الحاكم وتركه في بيت المال للمرتهن" (١). فرع: لو باع الراهن الرهن عند عجزه عن استئذان الحاكم والمرتهن، ففي جواز بيعه وجهان في "الحاوي" (٢) مُخرَّجان على الوجهين في المرتهن.

стр. 1253

فرع: لو أذن الراهن للمرتهن في بيعه بنفسه فباع في غيبة الراهن، فوجهان؛ أحدهما -وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد: يصح كما لو أذن لأجنبي أو له في بيع غيره، وأصحهما عند الرافعي والجمهور: لا يصح (١)، ونقله ابن أبي شيبة عن النخعي؛ لأنه يبيعه لغرض نفسه فيتهم في الاستعجال وترك النظر، ولأن البيع مستحق للمرتهن بعد حلول الحق والكلام مفروض فيه، وإذا كان كذلك صار كالبيع من نفسه، وإن باعه بحضوره فوجهان؛ أصحهما: عند الشيخ أبي حامد، وطائفة أنه لا يصح للعلة الثانية. وعند الجمهور: أنه يصح لانتفاء العلَّة الأولى، وظاهر النصِّ الصحة في الحضور. قال الماوردي: "التوكيل في بيع يختلف فيه قصد الوكيل، والموكل لا يصح" (٢)، وقاسه على التوكيل في بيع من نفسه أو شرائها من نفسه- يعني: وهو باطل في الأصح على أنه يمكن الفرق بأن البطلان هناك؛ لاقتضاء العقد تعدد اللفظ والعاقد، وإنما اغتفرناه في الأب والجدِّ على خلاف القياس، وأما هنا فليس إلا التهمة، وقد جوَّزوا للوكيل البيع من أبيه وابنه البالغ في الأصح، بل لو نصَّ له الموكل على ذلك لم يجر الخلاف، وهنا إذا نص له على البيع في غيبته، فقد رضي فلا وجه للمنع فالذي أختارهُ في هذه المسألة الجواز. ونص الشافعي ﵀ الذي استندَ إليه الأصحاب هو قوله في "المختصر": "ولو شرط المرتهن إذا حل الحق أن يبيعه لم يجز أن يبيع لنفسه إلا بأن يحضره ربُّ الرهن، فإن امتنع أمر الحاكم ببيعه" (٣). هذا

стр. 1254

لفظه في "مختصر المزني"، وقال في "مختصر البويطي": وإذا أمر الرجل المرتهن أن يبيع رهنه ويقبض، لم يجز من قبل أنه لا يجوز أن يكون وكيلًا لنفسه في بيع ولا قبضٍ، وإن باع فالبيع مردود، قال أبو يعقوب: يجوز بيعه على الراهن بأمره ولا يجوز اقتضاؤه من نفسه بأمره انتهى. وفي "الأم": قال الشافعي: "وإذا ارتهن الرجل من الرجل العبد، وشرط عليه أن له إذا حل حقه أن يبيعه لم يجز له بيعه إلَّا بأن يحضره رب العبد أو يوكل معه، ولا يكون وكيلًا بالبيع لنفسه، فإن باع لنفسه، فالبيع مردود بكل حال" (١). انتهى. فأما نصُّه في "المزني" و"الأم" فعنه جوابان؛ أحدهما: قاله الجوري؛ أن معناه إنما هو إذا اشترط المرتهن على أن يبيع الرهن، ويأخذ الثمن بعينه، فيكون الشرط باطلًا، ولا يجوز بيعه دون الراهن، فأما إذا شرط ذلك وأراد بالشرط أن له البيع إذا حلَّ الأجل مع تجويز عزله عنه، وإعطاء حقه من غير الثمن إن شاء الراهن جاز الشرط، وملك المرتهن البيع إذا حل الأجل، وإن لم يكن الراهن حاضرًا. والجواب الثاني: أنه إنما قال: لم يجز أن يبيع لنفسه، وسنذكر أن هذه الصورة لا تجوز بالاتفاق، أما البيع للراهن فلم يمنعه، وعلى هذا الجواب قوله: "إلا بأن يحضره ربُّ الرهن" استثناء منقطع؛ أي: فيتولى ربّ الرهن البيع، وأما نصُّه في "البويطي"، وفي "الأم" فإن كان أوله مطلقًا، فآخره مُقيد كما في "المزني". فإن قلنا: لا يصح البيع في الغيبة ولا في الحضور، لم يصح توكيله في بيعه أصلًا، ويتفرع عليه أنه لو شرط ذلك في ابتداء الرهن، فإن كان الرهن مشروطًا في بيع، فالبيع باطل، وإن كان رهن تبرع، فعلى القولين في

стр. 1255

الشروط الفاسدة النافعة للمرتهن أنها هل تبطل الرهن؟ وإن قلنا: يصح البيع في الغيبة والحضور أو الحضور فقط، فالتوكيل صحيح، ويصح شرطه وللراهن عزله، وقال أبو حنيفة: ليس له عزله إذا شرطه (١)، وقد تقدم ذلك في العدل، قال الشيخ أبو حامد: وهكذا الحكم في كل موضع باع الإنسان مال غيره في حق نفسه بتوليه كالرجل يجني عبدهُ على إنسان، فيقول للمجني عليه: وكلتك في بيعه في الجناية، أو الوصي إذا وكل الغرماء في بيع تركة الميت في حقوقهم، أو الحاكم إذا وكل غرماء المفلس في بيع ماله في حقوقهم، كل ذلك لا يصح، والعلة ما ذكرنا. انتهى. واحترز بقوله: في حق نفسه عما لو كان له عليه دين بغير رهن، فقال له: بع هذا، واقبض ثمنه في دينك، فإن التوكيل بالبيع يصح ويصح البيع، وكذا لو كان له عليه طعام من سَلَمٍ، فقال: اشتر بهذه الدراهم طعامًا وخذهُ. جاز فإنه ليس يتعين في حقه، واحترز بقوله: بتولية عن أحد الوجهين في مسألة الظفر؛ أنه يتولى بيعه بنفسه، فإنه لا يبيعه بتولية من الغير، وإنما هو يتولى بنفسه. وإذا قلنا: الوكالة فاسدة. فالبيع فاسد، وليس هذا من المواضع التي تفسد الوكالة، ويبقى الإذن؛ لأن المنع منه لمعنى يرجع إلى نفس العوض، وهو أنه إذا باع لحقته التهمة في أنه نقص من الثمن بالاستعجال في البيع، والوكالة الفاسدة بالجُعل مثلًا ليس فسادها لفساد العوض، بل لمعنى يرجع إلى الجُعل الذي بذلهُ للوكيل فافترقا. واعلم أن القول بأنه لا يجوز توكيل المرتهن في بيع الرهن، أو يجوز ولكن يبيع في حال الحضور دون الغيبة على أحد الوجهين، هو الذي ذكره

стр. 1256

العراقيون وصاحب "التهذيب" (١) وينسبون القول المشهور بصحته في الحضور دون الغيبة إلى النص، وقد علمت أن النص إنما هو في الاشتراط في صورة خاصة، ثم زاد البغوي على العراقيين، فقال: "حيث قلنا: يصح إنما يصح إذا باع لمالكه، فإن باع لنفسه لا يصح؛ لأنه ليس بمالكٍ لَهُ، ولا يجوز أن يبيع مال الغير لنفسه، ولو قال الراهن: بعهُ لنفسك لا يصح التوكيل، ولو قال له الراهن: بعه لي، واقبض الثمن لنفسك صح بيعه ولا يصح قبضه لنفسه، فإن قال: اقبضه لي. ثم اقبض مني لنفسك صح قبضه للراهن، وهل يصح قبضه منه لنفسه فيه وجهان؛ أصحهما: لا يصح" (٢) انتهى. والصورة الأولى هي التي أشرنا إلى حمل النص عليها، وتفريع الصورة الثانية على صحة البيع، أما حال الحضور على المشهور أو حال الغيبة على وجهٍ تفريع جيِّد، وأما القاضي حسين والإمام والغزالي فلم يذكروا امتناع التوكيل أصلًا، ولا امتناع البيع، ولكن القاضي الحسين لما ذكر النص قال: هاهنا خمس مسائل فذكرها في لفظ الراهن في الإذن، وجاء الإمام فصَنَع كذلك، ثم الغزالي، فقال: "للمرتهن استحقاق البيع، ولا يستقل به دون الراهن" (٣). فذكر الرافعي هنا حكم التوكيل، وقال: "إنه على المذهب -يعني صحة البيع حال الحضور دون الغيبة في لفظ الراهن في الإذن تفصيل مذكور في الكتاب -يعني الوجيز- من بعد" (٤)، ثم قال الرافعي: "واعلم أن صاحب الكتاب -يعني الغزالي- قدَّر صحة البيع من المرتهن مفروغًا عنه متفقًا عليه، وتكلم في أنه لا يستقل به، وكذلك ساق

стр. 1257

الإمام وأوَّل النص على شيء آخر سنذكرهُ" (١)، وذكر الغزالي بعد ذلك عند الكلام في انفكاك الرهن أربع مسائل من التي ذكرها القاضي حُسين والإمام. وأنا إن شاء اللهُ أذكر تلك المسائل وأبسط القول فيها، ثم أعود إلى أصل الإذن والبيع وما يجب أن يكون مفرَّعًا على الخلاف وما لا يجب فأقول: المسألة الأولى: من صيغ الإذن لو قال: بعه لي واستوف الثمن لي ثم استوفه لنفسك منه صح البيع والاستيفاء للراهن، ثم لا يحصل الاستيفاء لنفسه لمجرد إدامة اليد والإمساك؛ لأن قوله: "ثم استوفه لنفسك" مُشعرٌ بإحداث فعلٍ، فلا بدَّ من وزن جديد، أو كيل جديد، كما هو شأن القبض المقدَّرات، ثم إذا استوفاه لنفسه بعد ذلك لكيل أو وزن ففي صحته وجهان؛ لاتحاد القابض والمقبض كما في نظائره في البيع، والأصح: المنع، وهو المنسوب في نظائره إلى النص. واعلم أن اتحاد القابض والمقبض منه ما هو متفق على منعه، وهو توكيل المرتهن للراهن في أن يقبض له الرهن؛ لأن الشخص لا يكون قابضًا لغيره من نفسه بطريق النيابة، ومنه ما هو متفق على جوازه كما إذا اشترى الغاصب أو المودَع ما في يده؛ لأنه قابض لنفسه من نفسه شيئًا مُعينًا لا يحتاج إلى إقباض، ومنه ما هو مختلف فيه، وهو أن يكون مُقبضًا لنفسه عن غيره كما نحن فيه، فإن صححنا برئت ذمة الراهن من الدين والمستوفى من ضمان، وإن أبطلنا لم يبرأ الراهن ويدخل المستوفَي في ضمانه؛ لأن القبض الفاسد كالصحيح في اقتضاء الضمان، وإنما يدخل في ضمانه بعد قبضه لنفسه، أما قبله فهو في يده أمانة بلا خلاف، وكذا لو نوى إمساكه لنفسه من

стр. 1258

غير إحداث فعل، فالأمانة مُستمرة صرَّح به الإمام (١) والغزالي في "البسيط" وغيرهما (٢)، ولو قبضه لنفسه بفعل من غير كيل أو وزن دخل في ضمانه؛ لأنه قبض فاسد، قله في الضمان حكم الصحيح، ولو كانت الصِّيغة ثم أمسكه لنفسك، فلا بدَّ من إحداث فعلٍ على الأصح، والثاني يكفي مجرد الإمساك، حكاهما الإمام (٣) ورجح أولهما. واعلم أن القول بصحة البيع في هذه المسألة يتعين أن يكون مُفرعًا على صحة التوكيل، وعلى صحة البيع، إما في حالة الحضور على الصحيح، وإما في حال الغيبة على أحد الوجهين، والقاضي حسين، والإمام، والغزالي ذكروه غير مُفرَّع، وذلك يدل على أنهم قائلون بصحة التوكيل والبيع، إما مطلقًا وهو الأقرب، وإما حالة الحضور، والبغوي لما ذكر ما قاله العراقيون، وعرف ما قاله القاضي حسين مُطلقًا احتاج أن يُفرِّعه عليه. المسألة الثانية: لو قال: بعهُ لي واستوف الثمن لنفسك أطلقوا صحة البيع، ويتعين أن يكون مفرعًا كما صنع صاحب "التهذيب" (٤)، وأما استيفاء الثمن لنفسه؛ فلا يصح؛ لأنه ما لم يصح قبض الراهن لا يتصور منه القبض لنفسه. قال الرافعي: "وهنا بمجرد قبضه يصير مضمونًا عليه" (٥)، وهكذا قاله القاضي حسين، وأما البغوي فلم يتعرض له هنا، وذكره في نظيره في باب بيع الطعام، قبل أن يستوفى فيما إذا دفع المُسلم إليه دراهم إلى المُسلم،

стр. 1259

وقال: "اشتر لي بها طعامًا، ثم اقبضه لنفسك ففعل صح الشراء، ولا يصح قبضه لنفسه، فإذا قبض لنفسه، قال البغوي: دخل في ضمانه" (١) وهو كما ذكره الرافعي هنا، لكنهما قالا: أصح الوجهين أن الدافع يبرأ وتصحيحهما لذلك هو الحق كما ذكرناهُ في "شرح المنهاج"، ومع القول بعدم البراءة لا شك في أنه مضمون للدافع، وأما مع القول بالبراءة، ففي الحكم بضمانه على القابض، وهو قد قبضه لموكله، وصححنا قبضه بحكم براءة الدافع إشكال، وينبغي أن يكون أمينًا كسائر الوكلاء؛ لأنا على هذا الوجه صححنا القبض بالإذن، فكيف يضمن إلا أن يُقال: إن الضمان لكونه قبض لغرض نفسه، والبراءة بكون مطلق القبض مأذونًا فيه ضمنًا، فلو قبض لموكله صح ولا ضمان عليه، لكنه قبض لنفسه، فترتب على كلٍّ مقتضاه، ولا تنافي في ذلك أن يبرأ لمطلق القبض ويضمن القابض بخصوص القبض. المسألة الثالثة: لو قال: بعه لنفسك. فقولان على ما ذكره الرافعي (٢) أصحهما وهو المشهور: أن هذا الإذن باطل، ولا يتمكن من البيع؛ لأنه لا يتصور أن يبيع الإنسان مال غيره لنفسه، ولو قال: اشتر بثوبي هذا لنفسك حمارًا، لم يصح أن يشتري لنفسه بذلك الثوب، وهو على ملك مالكه، بل إذا صححناه يكون الثوب هبةً أو قرضًا على خلاف فيه، فالتوكيل بيع مال الغير ليقع العقد للوكيل باطل، ولا يقع العقد كذلك اتفاقًا. والقول الثاني حكاه صاحب "التقريب": أنه يلغو قوله: لنفسك (٣)، ويكتفي بقوله: بعه فيصح، أو يقول بأن معنى بعه لنفسك؛ بعه لأجل نفسك؛ لتستوفي دينك من ثمنه، فيصح التوكيل، كما لو قال: بعهُ لي.

стр. 1260

وهذا القول وإن كان له بعض اتجاهٍ، فلا تفريع عليه. فإن قلنا: بما حكاه صاحب "التقريب" لمحله أيضًا، حيثُ نقول بصحة التوكيل والبيع إما في الحضور، وإما في الغيبة على الخلاف فيه، أما إذا أبطلناهُ، فهنا أولى. وإن قلنا بالمشهور: فسواء أصححنا توكيل المرتهن أم أبطلناه وهو هنا باطل لفساد الصيغة. المسألة الرابعة: لو أطلق وقال: بعهُ ولم يقل: لي ولا لنفسك، فوجهان، والتفريع على غير قول صاحب "التقريب"، أصحهما: صحة الإذن والبيع ووقوعه للراهن، كما لو قال لأجنبي: بعه. والثاني: المنع، قال الرافعي: "وعللوه بمعنيين؛ أحدهما: أن البيع مستحق للمرتهن بعد حلول الحق والكلام مفروض فيه، وإذا كان كذلك تقيد الإذن به، وصار كأنه قال: بعهُ لنفسك. والثاني: لا؛ لأنه متهم في ترك النظر؛ استعجالًا للوصول إلى الدين" (١)، هكذا قال الرافعي، وأنت تعلم أنه لا بد أن تكون هذه المسألة مُفرَّعة على صحة توكيل المرتهن وبيعه، إما في حضور الراهن على الأصح، وإما في غيبته على أحد الوجهين، ومع ذلك لا يحسن التعليل بالتهمة؛ لأنا على الوجه المذكور في الغيبة الذي عليه التفريع نُلغي معنى التهمة، ولا ننظر إليه، وأما في حال الحضور، فالتهمة منتفية فالتعليل هُنا بالتهمة تعليل بأمرٍ مَعدوم أو مُلغى، وإنما التعليل الصحيح إلحاقه بما لو قال: بعه لنفسك، والرافعي ﵀ أخذ هذين المعنيين من الإمام، فإنه نقل التعليل بهما عن الأصحاب (٢)، ولكن الإمام ذكر المسائل من رأسٍ ليست

стр. 1261

مفرعة على شيء؛ فلذلك حسن منه التعليل هنا بالتهمة، فمتى ذُكرت المسألة مطلقة حَسُن التخريج على المعنيين، ومتى أخذت مفرعة على القول بالصحة لم يحسن، والرافعي أيضًا لم يصرح في هذه المسألة الخاصة بالتفريع، وإن كان مساق كلامه يقتضيه. ثم قال الرافعي: "وعلى العلتين لو كان الدين مؤجلًا، فقال: بعهُ صح الإذن لعدم الاستحقاق والتهمة، فإن قال مع ذلك: استوف حقك من ثمنه جاءت التهمة" (١) يعني: فيتخرج على المعنيين، وكذا ذكره الإمام (٢) إن عللنا بالتهمة امتنع، وإن عللنا بالاستحقاق لم يمتنع، ولك أن تقول: إذا لم يكن الاستحقاق موجودًا يجب القطع بالجواز كغير المرتهن؛ لأن هذا إذا لم يكن مُستحقًّا للوفاء الآن، فالثمن لا يكون رهنًا لهُ، فهو كغير المرتهن، لا حق له في الثمن، اللهم إلَّا أن نجعل استوف حقك منه بمنزلة شرط رهن الثمن، ونفرع على صحة ذلك الشرط إذا صَدَرَ من المرتهن للراهن وصدوره من الراهن للمرتهن مثلهُ إلا في فساد البيع، فإنا إنما أفسدناهُ إذا صدر البيع من الراهن؛ لأن إذن المرتهن في مقابلة الرهن ففسد، وهذا المعنى مفقود في إذن الراهن، فإنه ليس في مقابلة الرهن، فيكون الإذن والبيع صحيحين، ويقتصر الخلاف على صحة الشرط، فإن صححناهُ جاءت التهمة، واحتمل أن يقال: إنه يجيء الاستحقاق أيضًا، وإن أبطلناه لم يبق للتهمة محلٌّ، وذكر الرافعي للمؤجل هُنا موهم أنه مُفرّع على صحة التوكيل، وليس كذلك، بل هو عام، وإن أبطلنا توكيل المرتهن، فكان ينبغي ذكره من رأس في أصل المسألة، وعذر الإمام في ذكره ما قدمناهُ من أنه ذكر المسائل كلها من رأس، ثم قال الرافعي: "ولو قدر الثمن لم يصح على التعليل الأول، وصحَّ

стр. 1262

على الثاني" (١)، وهذا أيضًا يوهم اختصاصه بالتفريع على الصحة وليس كذلك، وإنما هو في أصل المسألة. واعلم أن الرافعي في أصل المسألة ما علل إلَّا بالتهمة، ويجب أن يعلل بالمعنيين كما عللنا به نحن، وكما علل به الإمام، ثم يخرج المسائل عليهما، فإذا قدّر الثمن إن قلنا بمعنى الاستحقاق فالمنع مستمر، وإن عللنا بالتهمة، فقالوا: إنه يصح وينبغي أن يكون محلّه إذا منعه من الزيادة؛ لأنه إذا لم يمنعه ووجد زائدًا لا يجوز تركه، وإن قدر إلا أن يكون المشتري مُعينًا، ثم قال الرافعي: "وكذا لو كان الراهن حاضرًا عند البيع" (٢) يعني يتخرج على المعنيين، إن عللنا بالاستحقاق لم يجز، وإن عللنا بالتهمة فالتهمة زائلة، فيجوز، وهذا يجبُ أن يذكره في أصل المسألة وأما ذكرهُ على المعنيين هنا، وهو إنما ذكرهما تفريعًا على قول صحة التوكيل والبيع، وهو مختص بحالة الحضور عنده أو في الغيبة أيضًا على وجهٍ ضعيف عنده لا ينظر إلى التهمة، فتخرج حالة الحضور هنا، والتعليل فيها بالمعنيين لا يحسن؛ قال الإمام: "ومن قال بالمنع" -يعني: في حالة الحضور والغيبة مُطلقًا من أصل المسألة ومنع التوكيل كما قدمناه عن الشيخ أبي حامد أوَّل قوله في "المختصر" وقال: "معناهُ: إلَّا أن حضر الراهن فيبيعه" (٣)، وهذا قد قدمناه، وقد رأيتُ النووي ﵀ في "روضة الطالبين" بعد ذكر هذه المسائل قال: قلتُ: هذه الصُّور كلها مفروضة فيما إذا باع المرتهن بحضوره أو في غيبته إذا قلنا بالوجه الضعيف أنه يصح في غيبته، ثم خط على ذلك ونِعمَّا فعل؛ لما بيَّنا أنها ليست كلها مفروضة في ذلك، بل بعضها يتعين ذلك فيه

стр. 1263

وبعضها يتعين فيه الإطلاق، ولذلك إن البغوي ﵀ حيث فرَّع لم يذكر إلا تلك الصور التي نقلناها من كلامه، ولا يرد عليه فيها شيء. المسألة الخامسة: ذكرها القاضي حسين أن يقول: بعهُ من نفسك، فلا يصح، وهذا واضح على أن فيه خلافًا مَحلّهُ كتاب الوكالة، وبعضهم أوَّل كلام الشافعي على هذا، فقال: "معناه لم يجز أن يبيعه نفسه" (١)، وهو تأويل بعيد، وما نختم به الكلام في هذا الفرع أن الإمام قال: "بنى بعض أصحابنا الوجهين في الصحة والفساد حيث تتطرق التهمة على الوجهين إذا وَكَّل وكيلًا ببيع ماله، فباع من أبيه أو ابنه" (٢). انتهى. وهذا يقتضي جريان الوجهين فيما إذا قال: بعهُ لي فباعه، وهو غائب، وأنه لا يُجزم بالصحة فيها، وإن قول القاضي حسين ومن تبعه بالصحة فيها، إنما هو على القول بأنه يجوز بيع الوكيل من أبيه وابنه البالغ وهو الأصح، هذا إن صح البناء المذكور، ولهم أن يُنازعوا فيه ويقولوا: إنه لو نصَّ على البيع منهما صح، وإن تطرقت التهمة لرضاه بها فكذلك هنا، وإنما المنع من البيع لهما عند الإطلاق لاقتضاء العُرف حمل المطلق من الإذن على غيرهما ولا كذلك هُنا وهذا هو المختار، فاللائق لمن يراعي التهمة أن يصحح؛ غيبةً وحضورًا، ولمن يراعي الاستحقاق أن يمنع؛ غيبةً وحضورًا. * * *

стр. 1264

فرع: تقدم أن اليمين في يد العدل من ضمان الراهن، وقال أبو حنيفة: إن كان الراهن باعه، فمن ضمانه، وإن باعه العدل أو الحاكم فمن ضمان المرتهن كالعبد الجاني يمينه (١) من ضمان المجني عليه، قال أصحابنا عن الجاني من ضمان السيد: وإنما بطل حق المجني عليه بتلف الثمن، وإن كان من ضمان غيره كما بطل حقه بتلف العبد الجاني، وإن كان على ملك غيره، وسبق أيضًا أن الرهن إذا خرج مستحقًّا، فالرجوع على الراهن. وقال أبو حنيفة: على المرتهن بناء على أصله، قال أصحابنا: فإن كان الراهن موسرًا، فالمشتري وجميع الغرماء سواء، وإن كان معسرًا لصق ماله عن الثمن والديون، وهو محجور عليه بالفلس، فالذي نقله المزني أن المشتري يتقدم بدفع الثمن ثم يدفع ما بقي للغرماء، ونقل الربيع وحرملة أن المشتري أسوة الغرماء يتحاصون، فمن الأصحاب من قال: المسألة على قولين (٢)، وهذه الطريقة هي الأصح؛ أحدهما: تقديم المشتري؛ لأنه لم يدخل في العقد؛ راضيًا بذمته، ولأنا لو لم نقدمه لأدى إلى الامتناع من ابتياع مال المفلس؛ خوفًا من استحقاق المبيع وتأخير يمينه، فوجب تقديمه كما وجب تقديم المنادي بأجرته، والدلال بجعالته. والثاني: وهو الأصح في "البحر" وغيره أنه أسوتهم وإن لم يرض بذمته، كما لو جنى المفلس على مال تعلق الغرم بذمته، وكان صاحب المال أسوة الغرماء، ومنهم من حمل اختلاف النصين على اختلاف حالين فحمل منقول المزني على ما إذا لم يفك الحجر عن المفلس، ومنقول الربيع، وحرملة على ما إذا فك ثم استحق المبيع، فصار الثمن مع باقي الديون في ذمته، ثم

стр. 1265

أصاب مالًا فحجر عليه، فإن المشتري أسوأ الغرماء، واقتصر الجرجاني على طريقة القولين، وقال: الأصح أنه أسوتهم، وأما المرتهن فهو أسوة الغرماء لفساد الرهن. فرع: لو أذن الراهن في بيعه بالدين، وأذن المرتهن في بيعه بالنقد، فليس للعدل بيعه بالدين؛ لأن المرتهن لم يأذن فيه، وأما بالنقد، فقال الماوردي: "إن باعه بمثل ما يساوي بالدين جاز، وبدونه لا يحق؛ لأن الراهن المالك لم يأذن به فيجري على هذا الإذن حكم النقد في التعجيل، وحكم الدين في التوفية، ولو أذن الراهن في بيعه بالنقد وأذن المرتهن في بيعه بالدين، فللعدل أن يبيعه بالنقد الذي أذن فيه المالك ولا يبيعه بالدين لأن حق المرتهن في البيع والتعجيل وليس له حق في التأخير فقبل إذنه في البيع؛ لأنه حق له، ولم يقبل إذنه في التأخير؛ لأنه حق عليه بخلاف الراهن" (١). فرع: إذا أذنَّا في بيعه بعد شهر، فباعه قبله بطل البيع، وإن أذنا في بيعه بالكوفة، فباعه بالبصرة صح إذا كان الثمنان واحدًا، وكان ليمينه ضامنًا بالنقد، قاله الماوردي (٢) والجرجاني، وذكر الرافعي أيضًا في الوكيل إذا نقله من ذلك البلد يصير ضامنًا بنقله (٣)، ولكون الثمن مضمونًا عليه في يده، ونص الشافعي في "الأم" (٤) يشهد له فإنه قال في باب بيع الرهن: "ولو
следующие страницы →