← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

مفرعة على شيء؛ فلذلك حسن منه التعليل هنا بالتهمة، فمتى ذُكرت المسألة مطلقة حَسُن التخريج على المعنيين، ومتى أخذت مفرعة على القول بالصحة لم يحسن، والرافعي أيضًا لم يصرح في هذه المسألة الخاصة بالتفريع، وإن كان مساق كلامه يقتضيه. ثم قال الرافعي: "وعلى العلتين لو كان الدين مؤجلًا، فقال: بعهُ صح الإذن لعدم الاستحقاق والتهمة، فإن قال مع ذلك: استوف حقك من ثمنه جاءت التهمة" (١) يعني: فيتخرج على المعنيين، وكذا ذكره الإمام (٢) إن عللنا بالتهمة امتنع، وإن عللنا بالاستحقاق لم يمتنع، ولك أن تقول: إذا لم يكن الاستحقاق موجودًا يجب القطع بالجواز كغير المرتهن؛ لأن هذا إذا لم يكن مُستحقًّا للوفاء الآن، فالثمن لا يكون رهنًا لهُ، فهو كغير المرتهن، لا حق له في الثمن، اللهم إلَّا أن نجعل استوف حقك منه بمنزلة شرط رهن الثمن، ونفرع على صحة ذلك الشرط إذا صَدَرَ من المرتهن للراهن وصدوره من الراهن للمرتهن مثلهُ إلا في فساد البيع، فإنا إنما أفسدناهُ إذا صدر البيع من الراهن؛ لأن إذن المرتهن في مقابلة الرهن ففسد، وهذا المعنى مفقود في إذن الراهن، فإنه ليس في مقابلة الرهن، فيكون الإذن والبيع صحيحين، ويقتصر الخلاف على صحة الشرط، فإن صححناهُ جاءت التهمة، واحتمل أن يقال: إنه يجيء الاستحقاق أيضًا، وإن أبطلناه لم يبق للتهمة محلٌّ، وذكر الرافعي للمؤجل هُنا موهم أنه مُفرّع على صحة التوكيل، وليس كذلك، بل هو عام، وإن أبطلنا توكيل المرتهن، فكان ينبغي ذكره من رأس في أصل المسألة، وعذر الإمام في ذكره ما قدمناهُ من أنه ذكر المسائل كلها من رأس، ثم قال الرافعي: "ولو قدر الثمن لم يصح على التعليل الأول، وصحَّ

стр. 1262

على الثاني" (١)، وهذا أيضًا يوهم اختصاصه بالتفريع على الصحة وليس كذلك، وإنما هو في أصل المسألة. واعلم أن الرافعي في أصل المسألة ما علل إلَّا بالتهمة، ويجب أن يعلل بالمعنيين كما عللنا به نحن، وكما علل به الإمام، ثم يخرج المسائل عليهما، فإذا قدّر الثمن إن قلنا بمعنى الاستحقاق فالمنع مستمر، وإن عللنا بالتهمة، فقالوا: إنه يصح وينبغي أن يكون محلّه إذا منعه من الزيادة؛ لأنه إذا لم يمنعه ووجد زائدًا لا يجوز تركه، وإن قدر إلا أن يكون المشتري مُعينًا، ثم قال الرافعي: "وكذا لو كان الراهن حاضرًا عند البيع" (٢) يعني يتخرج على المعنيين، إن عللنا بالاستحقاق لم يجز، وإن عللنا بالتهمة فالتهمة زائلة، فيجوز، وهذا يجبُ أن يذكره في أصل المسألة وأما ذكرهُ على المعنيين هنا، وهو إنما ذكرهما تفريعًا على قول صحة التوكيل والبيع، وهو مختص بحالة الحضور عنده أو في الغيبة أيضًا على وجهٍ ضعيف عنده لا ينظر إلى التهمة، فتخرج حالة الحضور هنا، والتعليل فيها بالمعنيين لا يحسن؛ قال الإمام: "ومن قال بالمنع" -يعني: في حالة الحضور والغيبة مُطلقًا من أصل المسألة ومنع التوكيل كما قدمناه عن الشيخ أبي حامد أوَّل قوله في "المختصر" وقال: "معناهُ: إلَّا أن حضر الراهن فيبيعه" (٣)، وهذا قد قدمناه، وقد رأيتُ النووي ﵀ في "روضة الطالبين" بعد ذكر هذه المسائل قال: قلتُ: هذه الصُّور كلها مفروضة فيما إذا باع المرتهن بحضوره أو في غيبته إذا قلنا بالوجه الضعيف أنه يصح في غيبته، ثم خط على ذلك ونِعمَّا فعل؛ لما بيَّنا أنها ليست كلها مفروضة في ذلك، بل بعضها يتعين ذلك فيه

стр. 1263

وبعضها يتعين فيه الإطلاق، ولذلك إن البغوي ﵀ حيث فرَّع لم يذكر إلا تلك الصور التي نقلناها من كلامه، ولا يرد عليه فيها شيء. المسألة الخامسة: ذكرها القاضي حسين أن يقول: بعهُ من نفسك، فلا يصح، وهذا واضح على أن فيه خلافًا مَحلّهُ كتاب الوكالة، وبعضهم أوَّل كلام الشافعي على هذا، فقال: "معناه لم يجز أن يبيعه نفسه" (١)، وهو تأويل بعيد، وما نختم به الكلام في هذا الفرع أن الإمام قال: "بنى بعض أصحابنا الوجهين في الصحة والفساد حيث تتطرق التهمة على الوجهين إذا وَكَّل وكيلًا ببيع ماله، فباع من أبيه أو ابنه" (٢). انتهى. وهذا يقتضي جريان الوجهين فيما إذا قال: بعهُ لي فباعه، وهو غائب، وأنه لا يُجزم بالصحة فيها، وإن قول القاضي حسين ومن تبعه بالصحة فيها، إنما هو على القول بأنه يجوز بيع الوكيل من أبيه وابنه البالغ وهو الأصح، هذا إن صح البناء المذكور، ولهم أن يُنازعوا فيه ويقولوا: إنه لو نصَّ على البيع منهما صح، وإن تطرقت التهمة لرضاه بها فكذلك هنا، وإنما المنع من البيع لهما عند الإطلاق لاقتضاء العُرف حمل المطلق من الإذن على غيرهما ولا كذلك هُنا وهذا هو المختار، فاللائق لمن يراعي التهمة أن يصحح؛ غيبةً وحضورًا، ولمن يراعي الاستحقاق أن يمنع؛ غيبةً وحضورًا. * * *

стр. 1264

فرع: تقدم أن اليمين في يد العدل من ضمان الراهن، وقال أبو حنيفة: إن كان الراهن باعه، فمن ضمانه، وإن باعه العدل أو الحاكم فمن ضمان المرتهن كالعبد الجاني يمينه (١) من ضمان المجني عليه، قال أصحابنا عن الجاني من ضمان السيد: وإنما بطل حق المجني عليه بتلف الثمن، وإن كان من ضمان غيره كما بطل حقه بتلف العبد الجاني، وإن كان على ملك غيره، وسبق أيضًا أن الرهن إذا خرج مستحقًّا، فالرجوع على الراهن. وقال أبو حنيفة: على المرتهن بناء على أصله، قال أصحابنا: فإن كان الراهن موسرًا، فالمشتري وجميع الغرماء سواء، وإن كان معسرًا لصق ماله عن الثمن والديون، وهو محجور عليه بالفلس، فالذي نقله المزني أن المشتري يتقدم بدفع الثمن ثم يدفع ما بقي للغرماء، ونقل الربيع وحرملة أن المشتري أسوة الغرماء يتحاصون، فمن الأصحاب من قال: المسألة على قولين (٢)، وهذه الطريقة هي الأصح؛ أحدهما: تقديم المشتري؛ لأنه لم يدخل في العقد؛ راضيًا بذمته، ولأنا لو لم نقدمه لأدى إلى الامتناع من ابتياع مال المفلس؛ خوفًا من استحقاق المبيع وتأخير يمينه، فوجب تقديمه كما وجب تقديم المنادي بأجرته، والدلال بجعالته. والثاني: وهو الأصح في "البحر" وغيره أنه أسوتهم وإن لم يرض بذمته، كما لو جنى المفلس على مال تعلق الغرم بذمته، وكان صاحب المال أسوة الغرماء، ومنهم من حمل اختلاف النصين على اختلاف حالين فحمل منقول المزني على ما إذا لم يفك الحجر عن المفلس، ومنقول الربيع، وحرملة على ما إذا فك ثم استحق المبيع، فصار الثمن مع باقي الديون في ذمته، ثم

стр. 1265

أصاب مالًا فحجر عليه، فإن المشتري أسوأ الغرماء، واقتصر الجرجاني على طريقة القولين، وقال: الأصح أنه أسوتهم، وأما المرتهن فهو أسوة الغرماء لفساد الرهن. فرع: لو أذن الراهن في بيعه بالدين، وأذن المرتهن في بيعه بالنقد، فليس للعدل بيعه بالدين؛ لأن المرتهن لم يأذن فيه، وأما بالنقد، فقال الماوردي: "إن باعه بمثل ما يساوي بالدين جاز، وبدونه لا يحق؛ لأن الراهن المالك لم يأذن به فيجري على هذا الإذن حكم النقد في التعجيل، وحكم الدين في التوفية، ولو أذن الراهن في بيعه بالنقد وأذن المرتهن في بيعه بالدين، فللعدل أن يبيعه بالنقد الذي أذن فيه المالك ولا يبيعه بالدين لأن حق المرتهن في البيع والتعجيل وليس له حق في التأخير فقبل إذنه في البيع؛ لأنه حق له، ولم يقبل إذنه في التأخير؛ لأنه حق عليه بخلاف الراهن" (١). فرع: إذا أذنَّا في بيعه بعد شهر، فباعه قبله بطل البيع، وإن أذنا في بيعه بالكوفة، فباعه بالبصرة صح إذا كان الثمنان واحدًا، وكان ليمينه ضامنًا بالنقد، قاله الماوردي (٢) والجرجاني، وذكر الرافعي أيضًا في الوكيل إذا نقله من ذلك البلد يصير ضامنًا بنقله (٣)، ولكون الثمن مضمونًا عليه في يده، ونص الشافعي في "الأم" (٤) يشهد له فإنه قال في باب بيع الرهن: "ولو

стр. 1266

بعَث بالرهن إلى بلدٍ فبيع فيه واستوفى الثمن كان البيع جائًزا، وكان ضامنًا إن هلك ثمنه، وإنما أجزت البيع؛ لأنه لم يتعد في البيع إنما تعدى في إخراج المبيع، فكان كمن باع عبدًا فأخرجه ثمنه، فيجوز البيع بإذن سيده، ويضمن ثمنه بإخراجه بلا أمر سيده". انتهى. ولك أن تقول: سبق أنه إذا باع بما لا يُتغابن به واسترجَعَ العين، وقد حكمنا بضمانها فباعها، وقبض الثمن يكون في يده أمانة؛ لأنه لم يتعدَّ فيه جزم به الرافعي في هذا الباب (١)، وفي باب الوكالة (٢) وعلى قياسه هنا ينبغي ألا يكون ضامنًا لثمنه، وإن ضمن الأصل بنقله من الكوفة إلى البصرة إلا أن يُفرق بأنه بنقله المبيع وأخذ ثمنه في البلد الأخرى كأنه نقل الثمن، كما يُشير إليه كلام الشافعي، فلذلك ضمن الثمن؛ لتعديه فيه، وفي تلك المسألة لم يتعَدَّ في الثمن، بل حَصَّله على وفق مُراد الموكل، والتعدي مقصورٌ على العين، وقد زالت، فإن صح هذا الفرق، فينبغي أن نفصِّل في المسألة السابقة بين أن يُرجع العين ويبيعها في تلك البلد أو بلدٍ أخرى. فرع: إذا ادعى العدل قبض الثمن من المشتري وأنكره الراهن، فالقول قول الراهن على أصح الوجهين؛ لأن العدل يدَّعي ما يُبرئ المشتري من الضمان، بخلاف ما لو ادعى دفعه إلى الراهن حيث قبل منه قول العدل؛ لأنه ادعى ما يُبرئ نفسه من الضمان، قاله الجرجاني وفي الرافعي في الوكالة ما يوافقه (٣) إذا كان الاختلاف قبل تسليم المبيع أو بعده، ولكن كان أذن له في التسليم قبل قبض الثمن، فإن كان بعد تسليمه

стр. 1267

ولم يؤذن له فيه، فإن الأصح عنده أن القول قول الوكيل، فأما أن يحمل كلام الجرجاني على هذا التفصيل، وإما أن نُقدِّر بينهما اختلاف في التصحيح، والأرجح ما صححه الرافعي؛ لئلا يلزم خيانة الوكيل، وقد ائتمنه لكن إذا صدقنا الوكيل فحلف. قال البغوي: لا يبرأ المشتري على الأصح، وقال الإمام: يبرأ على الأصح، فلعل الجرجاني يريد بالنسبة إلى البراءة، فيكون موافقًا للبغوي، وحكى الروياني الخلاف عن ابن سريج مطلقًا كما حكاه الجرجاني، لكن من غير تصحيح، وعبَّر عنه بقولين، وابن سريج قد يطلق الوجهين قولين، وإذا حلَّفنا الموكل حلَّفناه على نفي العلم، وإذا حلفنا الوكيل حلَّفناه على البت. فرع: إذا كان العدل وكيلًا في بيع الرهن، فأتلف أجنبي الرهن، فأخذنا قيمته وضعناها عند العدل، فليس له بيعها إلا بإذن جديد، وفرقوا بين الحفظ حيث استفاده باستحفاظ الأصل وبين البيع حيثُ لم يستفدهُ بالإذن في الأصل بأن باب الحفظ أوسع من باب الوكالة في البيع، ألا ترى أنه يُجعل أمينًا في حفظ الأصل ووكيلًا في بيعه، فيحصل نتاج فيكون وكيلًا في حفظه، ولا يكون وكيلًا في بيعه؟ فرع: اقترض مُسلِمٌ من ذمي قرضًا ورهنه به خمرًا، وشرط أن تكون في يدي ذمي يبيعها لم يجز؛ لأنه لا يجوز بيع الخمر على مُسلم، وهكذا إذا اقترض ذمي من ذمي قرضًا ورهنه خمرًا، وشرطا أن تكون في يد مسلمٍ، ويكون وكيلًا في بيعها لم يجز؛ لأن المسلم لا يجوز أن يتولى بيع الخمر لأحدٍ، وإن اقترض ذمي من مسلم قرضًا ورهنه به خمرًا، وشرطا أن تكون في يد ذمي ويكون وكيلًا في بيعها فباعها وأتاه بالثمن، فوجهان

стр. 1268

ذكرهما أبو العباس؛ أحدهما: لا يُجبر على أخذه؛ لأن ثمن الخمر حرام. والثاني: يُجبر لأن أهل الذمة إذا تبايعوا خمرًا وتقايضوا، فعلينا أن نقرَّهم على ذلك، وإذا أقررناهم عليه كان مالًا من أموالهم، ولزم هذا أن يأخذه كسائر أمواله، ذكر هذا النوع سُليم في "تقريبه" وغيره، وصحح الروياني (١) وغيره أنه لا يُجبر، وعلى القول بالإجبار يقال له: إما أن تقبض وإما أن تبرئ. فرع: عن ابن سريج باع العدل وقبض الثمن وسلَّمه إلى الراهن فسلَّمه الراهن للمرتهن ثم أصاب المشتري عيبًا، فله الردُّ على الراهن والرجوع عليه بالثمن ولا يرجِعُ على المرتهن؛ لأن قبضه صحيح مُستقرٌّ ويفارق هذا إذا استُحق للمشتري مطالبة المرتهن؛ لأنه قبض الثمن، ولم يكن مستحقًّا له، وأما العدل فإن صرَّح بالسفارة، فلا رجوع عليه، وإلَّا رجع عليه هكذا قال، وقد أطلق الأصحاب في باب الرد بالعيب أنه يردُّ عليه ويجب بناؤه على العُهدة، وحيثُ رجَعَ على العدل، وقد ثبت قدم العيب ببينة أو بإقرار الراهن، والعدل رجع العدل على الراهن، وإن أنكر أو نكل العدل، فحلف المشتري وغرم العدل، فلا يرجع على الراهن؛ لأنه مظلوم بزعمه، وإن صدق العدلُ المشتري ولم يصدقه الراهن، قال القاضي الطبري: الذي عندي أن القول قول العدل؛ لأنه أمينه فيقبل قوله عليه، قال الروياني: "وكلام أصحابنا يدل على أنه لا يقبل قوله عليه" (٢). * * *

стр. 1269

فرع: للعدل عزل نفسه متى شاء؛ لأنه متبرع، وإن كان مستأجرًا، فليس له الرد حتى تنقضي المدة. فرع: حيثُ جاز الرد، فلا نخرجه من الحرز إلا بإذنهما، فإن امتنعا فالحاكم. فرع: لو قال: بِعْتُ وسلمت وكذَّباه، فهذه المسألة مشهورة بالقولين، ومحلها باب الوكالة. فرع: لو جعلاه على يد مُعاهدٍ صح، فإذا أراد الخروج إلى دار الحرب، فلكل منهما انتزاعه. قاله الروياني (١). فرع: لو سافر العدل بالعبد المرهون ضمن فلو عاد لم يزل الضمان ولكلٍّ منهما انتزاعهُ. فرع: حيثُ قلنا: لكل منهما انتزاعه، فالمرادُ المطالبة، وليس له التسليم إلى أحدهما إلا برضا الآخر، فإن اتفقا وإلا فالحاكم يسلِّمه لمن شاء. فرع: قال الشافعي في "الأم": "وإن سأل الموضوع على يديه الرهنُ البائعَ أجرَ مثله لم يكن له؛ لأنه كان متطوعًا بذلك، كان ممن

стр. 1270

يتطوع مثله أو لا يتطوع، ولا يكون له أجرٌ إلا بشرطٍ، وليس للحاكم إن كان يجدُ عدلًا يبيع إذا أمره متطوعًا أن يجعلَ لغيره أجرًا، وإن كان عدلًا في بيعه، ويدعو الراهن والمرتهن [بعدل وأيهما جاءه] (١) بعدل يتطوع ببيع الرهن أمره ببيعه وطرح المؤونة، وإن لم يجده استأجر على الراهن من يبيعه، وجعل أجره في ثمن الرهن؛ لأنه من صلاح الرهن، إلا أن يتطوع به الراهن أو المرتهن. وإذا تعدى البائع فحبس الثمن بعد قبضه إياهُ، أو باعهُ بدين، فهرب المشتري، أو ما أشبه هذا ضمن قيمة الرهن، قال أبو يعقوب وأبو محمد: عليه في حبس الثمن مثله وعليه في بيعه قيمته" (٢). انتهي. وهذا الذي قاله البويطي والربيع هو القياس، والذي قاله الشافعي مشكل لم أر أحدًا تعرض له. فرع: نقل ابن المنذر عن أبي ثور: "أن العدل لا يبيع الرهن إلا بما عليه دنانير كانت أو دراهم إذا أمكنه ذلك، وإن كان الذي عليه طعامًا فليس له أن يبيع بذهب ولا فضة إذا أصابَ طعامًا يُشترى به، وله أن يبيع بذهبٍ أو فضة ثم يشتري به طعامًا" (٣)، ولا يجوز البيع بطعام في قول الشافعي. وقال أصحاب الرأي: "إذا باع بدنانير أو غيرها من العروض والحق دراهم، فله أن يصرفها بدراهم إذا كان قد سلط على بيعه في قول النعمان، ولا يجوز أن يبيع بعرضٍ في قول يعقوب، ومحمد، وفي قول النعمان، ويعقوب، ومحمد: إذا باع بنسيئة جاز، ولا يجوز ذلك في قول

стр. 1271

الشافعي، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: إذا ارتد العدل، ثم باع، فالبيع جائز" (١). هذا كلام ابن المنذر وما ذكره عن صحة بيعه إذا ارتد هو قياس مذهب الشافعي أيضًا، إذا كان من جهتهما؛ لأنه لا ينعزل بالردة. * * *

стр. 1272

باب ما يَدْخُلُ في الرهن وما لا يَدخل وما يَمْلِكهُ الراهن وما لا يَملكه أي: ما يدخل في عقد الرهن وما لا يدخل، وما يملكه الراهن من التصرفات وما لا يملكه، وتوابع ذلك من نفقة المرهون وجنايته والجناية عليه وتلفه الشرعي والحسِّي. * * *

стр. 1273

قال: ما يحدث من عين الرهن من النماء المتميز؛ كالشجر، والثمر، واللبن، والولد، والصوف، والشعر، لا يدخل في الرهن؛ لما روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ الَذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". والنماء من الغنم يوجب أن يكون له، وعن ابن عُمر (١)، وأبي هريرة (٢) مرفوعًا: "الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ"، ومعلوم أنه لم يُرد أنه مركوب ومحلوب للمرتهن، فدل على أنه محلوب ومركوب للراهن؛ ولأنه عقدٌ لا يزيل الملك فلم يسر إلى النماء المتميز كالإجارة. الحديث الأول: رواه الشافعي (٣)، وابن ماجه (٤)، والدارقطني، وقال: هذا إسناد حسن متصل (٥)، والحاكم وقال: هذا حديث صحيح (٦)، ولفظ الشافعي في "الأم": "أخبرنا ابن أبي فُديك، عن أبي ذئب، عن ابن شهاب عن ابن المسيّب أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن يحيى بن أبي أنيسة، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ مثله أو مثل معناهُ لا يُخالفه. قال الشافعي: وبهذا نأخذ" (٧). انتهى.

стр. 1274

وكذلك هو في "المسند"، فأما السند الأوَّل، فرجاله ثقات كبار، لكنه مرسل، وابن أبي ذئب جليل غير أن روايته عن الزهري خاصة فيها كلام ليس بالضار؛ لأنهم يقولون: إنها عرض أو مناولة (١)، وسند الثاني متصل، لكن يحيى بن أبي أنيسة ضعيف لا تقوم به حجة، وقد علم من مذهب الشافعي في مراسيل سعيد، أنها إذا اعتضدت يحتج بها (٢)، وربما قيل ذلك في مطلق المراسيل كما يطلقه الأصوليون، إلَّا أن عبارة الشافعي (٣) لا تقتضيه إلَّا فى كبار التابعين كسعيد وأضرابه. ومن جملة الأشياء التي يعتضد بها، أن يكون روي من طريق آخر، ولكن ذلك يظهر إذا كان من جهة أخرى، أو بطريق صحيحة مرسلة، وأما هنا فطريق المسند ضعيفة، وربما يتوهم أن ابن أبي أنيسة وهم في رفعه؛ لأنه مِمَّن يوصف بالوهم (٤). والزهري عن ابن المسيب، عن أبي هريرة جادّة، فيسبق اللسان إليها لكن على الجملة يحصل [ظن ضعيف] (٥) يزيد به المرسل قوة، فيحتمل أن الشافعي يراعي ذلك ويحتج به، وكنت قبل هذا أعتقد أنه لا عبرة بمتابعة الطريق الضعيفة من تلك الجهة، والآن قد دل كلام الشافعي على اعتبارها، وابن ماجه رواه عن محمد بن حميد، عن إبراهيم المختار، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" (٦). وإبراهيم المختار

стр. 1275

قال: أبو حاتم صالح الحديث (١). وقال أبو داود: لا بأس به (٢). وقال ابن معين: ليس بذاك (٣) وبعده إسناده ثقات، والدارقطني ﵀ رواه من طرق، إحداها: وهي المعتمد عليها، قال: حدثنا أبو محمد بن صاعد قال: حدثنا عبد الله بن عمران العابدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْن؛ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". وقال الدارقطني: "زياد بن سعد أحد الحفاظ الثقات، وهذا إسناد حسن متصل" (٤). انتهى. وهو كما قال، فإن رجاله من شيخه إلى أبي هريرة مشهورون، وعبد الله بن عمر بن العابدي -بالباء الموحدة- صدوق، روى عنه الترمذي (٥)، وأبو حاتم، والباقون أثبات أئمة، وهذه الطريق أحسن من طريق ابن أبي ذئب؛ لأن سفيان بن عيينة أحد الأثبات في الزهري بخلاف ابن أبي ذئب وقد روي هنا بواسطة عن الزهري، والواسطة زياد بن سعد هو حافظ، متفق عليه (٦)، وكان عالمًا بمذهب الزهري، فلم يبق في القلب ريبة من رفع هذا الحديث ووصله، ويحمل رواية (٧) الشافعي التي رواها مُرسلة على أن سعيد بن المسيب مرَّةً نشط فوصله ومرةً أرسله، وقد يفعل العالِمُ ذلك في بعض الأوقات

стр. 1276

لقصد استدلال ونحوه، فإذا أراد الرواية بيَّن السَّند. ورواه الدارقطني (١) أيضًا من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ لصَاحِبِهِ، [لَهُ] (٢) غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". وإسماعيل بن عياش في غير حديث الشاميين ليس بذاك، ورواه أيضًا من طريق [إسماعيل بن عياش أيضًا عن الزبيدي، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرَّهْن؛ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". ومن طريق] (٣) سليمان ابن داود الرَّقِّيُّ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : قال: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ حَتَّى يَكُونَ (٤) لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْكَ غُرْمُهُ (٥) " (٦) ومن طريق محمد بن يزيد بن الرواس، قال: حدثنا كدير أبو يحيى، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ، لَكَ غُنْمُهُ، وَعَلَيْكَ غُرْمُهُ". أرسله عبد الرزاق وغيره عن معمر (٧)، عن الزهري، عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرَّهْن؛ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٨). ورواه أيضًا من طريق بشر بن يحيى المروزي قال: حدثنا أبو عصمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال

стр. 1277

رسول الله ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرَّهْن؛ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". أبو عصمة وبشر ضعيفان، ولا يصح عن محمد بن عمرو (١). هذا كلام الدارقطني، ومن طريق شبابة عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، وَالرَّهْنُ لِمَنْ رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٢). فهذه طرق الدارقطني والاعتماد على التي قدمناها أوَّلًا على أن الأحاديث الضعيفة المتماسكة بعضها يشد بعضًا إذا لم تنته إلى حدِّ الوضع والإنكار، وذكره البيهقي في "الخلافيات" وتحسين الدارقطني، وتصحيح الحاكم (٣) وحسَّنه هو أيضًا، وأنه روى عن شبابة وعبد الحميد بن سليمان أخي فليح وأبي قتادة: عبد الله بن واقد الحراني، وإسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب بذكر أبي هُريرة، وذكر في "السنن الكبير" (٤) أن الأوزاعي ويونس روياه عن الزهري عن ابن المسيب، إلَّا أنهما جعلا قوله: "لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" من قول ابن المسيب. قلت: كذلك رأيتهُ في "المراسيل" لأبي داود (٥)، وقال أبو داود: "هذا هو الصحيح"، وإذا عرَفت هذا ونظرت ما ذكر المصنف من رواية ابن المسيب عن أبي هريرة، فينبغي أن تنسبها إلى الدارقطني وتحكم بحسنها أو صحتها، ولا يمكن أن تنسبها إلى الشافعي؛ لأن الرواية المتصلة عنده طريقها ضعيفة والصحيحة مرسلة لم يذكرها المصنف، وأما نحن فعذرنا في

стр. 1278

النسبة إليهما في أول الكلام أنا أوردنا (١) أصل الحديث من غير تقييد بروايةٍ، وقوله: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؛ معناه: لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية، أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين المشروط ملك المرتهن الرهن، فأبطله الإسلام، روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، أن رَجُلًا رهَن دارًا إلى أجلٍ، فلمَّا حلَّ الأجلُ، قال المرتهنُ: داري، فقال رسول الله ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". يقال: غلِق الرهن بكسر اللام، يَغلَق بفتحها، غلَقًا بفتحها وغلوقًا أيضًا، أي: استحقه المرتهن، قال زهير: وفارَقَتْكن برهن لا فكاك له … يومَ الوداع فأمسى الرهن قد غَلِقَا والغَلْقُ في الرهن ضدَّ الفك فإذا فك الراهنُ الرهن فقد أطلقه من وثائقه عند مُرتهنه، وقد أغلقت الرهن فغلق، أي: أوجبته للمرتهن فوجَبَ، ومنه قول حُذيفة بن بدرٍ لقيس بن زهير: ما غدا بك؟ قال: غدوت لأواضعك (٣) الرهان، أي يبطله، قال: بل غدوتَ لتُغْلِقَهُ (٤)، أي: لتوجبه وتؤكدهُ، وغلق ظهر البعير لكثرة الدّبْر لا يبرأ، واستغلق الكلام: أرتج، وكلام غلق؛ أي: مُشكل، وغَلِقت النخلة ذوت أصول سعفها، فانقطع حملها، وأغلق الباب وانغلق واستغلق عَسُرَ فتحه، وأغلقته أنا وفي لغةٍ رديَّة غلقتُهُ والقاف في قوله: "لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ" مكسورة ومضمومة، وذكر أبو عبيد لقوله: "لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ" تأويلين؛ أحدهما: أن المرتهن لا يملكه عند تأخر الحق. والثاني: أنه لا يكون غلقًا يتلف الحق بتلفه، قال: فوجب حمله عليهما جميعًا (٥).

стр. 1279

قال الماوردي: "وفيه نظرٌ؛ لأن اللفظ المبهم إذا لم يعلم مراده بمجرده لم يجز ادعاء العموم في موجبه، حتى يكون مستقلًّا بنفسه تناول شبر فصاعدًا، فحينئذٍ يجوز ادعاء العموم فيه" (١). انتهى. ولأبي عبيد أن يقول: إذا كانت اللقطة لها معنيان في اللغة من غير ترجيح، فهي مشتركة، والمشترك عند الشافعي ومن وافقه إذا تجرَّد يُحمل علي جميع مَعانيه كالعام، لا سيما وهذا في النفي، وقد قال به في النفي من لم يقل به في الإثبات، أو يقال: إن الغلق قدر مُشترك، وبالنفي تنتفي جميع معانيه، فيصح كلام أبي عُبيد أيضًا، والتأويل الأول شاهدٌ لكون زوائد الرهن للراهن كما قصده المصنف، والتأويل الثاني شاهد لكون الرهن غير مضمون كما قصده الشافعي، وأكثر الأصحاب فإنهم صدَّروا به باب الرهن غير مضمون، وقال الشافعي ﵁ في أول الرهن الصغير: "ومعنى قول النبي ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ بِشَيْءٍ"، أي إن ذهب لم يذهب بشيء، وإن أراد صاحبه افتكاكه، ولا يغلق في يدي الذي هو في يديه؛ كأن (٢) يقول المرتهن: قد أوصلته إلي فهو لي بما أعطيتك فيه، ولا يغير ذلك من شرط تشارطانه فيه، ولا غيره، والرهن للراهن أبدًا حتى تخرجه من ملكه بوجهٍ يصح إخراجه له. والدليل على هذا: قول رسول الله ﷺ : "الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ". ثم بينه ووكده، فقال: "لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". قال الشافعي: وغنمه: سلامته وزيادته، وغرمهُ: عَطبه ونقصه" (٣). انتهى.

стр. 1280

فحمل الشافعي "لَا يَغْلَقُ" على المعنيين اللذين ذكرهما أبو عبيد، ولعل أبا عُبيد أخذهما منه، ولم يرد الشافعي بقوله: إن أراد افتكاكه، أنه إذا لم يفتكه يغلق، بل احترز عما إذا أعطاهُ للمرتهن في دينه، فإنه يجوز ويملكه بإعطاء صاحبه، ويخرج من مِلْكِه بتوفيته في دَيْنه، وهو وجهٌ يصح إخراجُه به، وعن إبراهيم النخعي (١)، ومالك (٢) أن معنى قوله: "لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ" أن يقول الراهن: إن جئتك بحقك، وقت كذا فذاك، وإلَّا فهو لك بحقك فهذا لا يصلح. وكذلك هو في "الموطأ" فهذا هو الكلام على قوله: "لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ"، وأمَّا قوله: "الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ" فهي جملة ثانية ولم أرها في شيء من طرق الحديث إلَّا من طريق الشافعي وشبابة وقد ذكرتُ لك روايات الدارقطني وليست فيها إلَّا في طريق شبابة فقد تَضَافرت طريق الشافعي، وطريق شبابة على إثبات هذه الجملة غير أنها في طريق شبابة بالعطف، والرهن لمن رهنه، وفي طريق [أظنه للشافعي] (٣) بغير عطف الرهن من صاحبه الذي رهنه، وهي في "الأم" في الرهن الكبير (٤) والصغير (٥)، هكذا نقلتها من نسخةٍ مُعتمَدةٍ بخط كاتب الوزير ابن خير أنه -ولفظها هكذا: "لَا يَغْلُقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ"، وقد رواها البيهقي من طريق الشافعي في "السير الكبير" (٦)، كما هي في "الام"، وفي "المعرفة" (٧)، و"السنن الصغير" (٨)، فأسقط لفظة "الرهن" الثانية،

стр. 1281

وصار: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ"، وعلى هذا رواية المصنف: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ"، وعلى هذا المعنى رأيتها في رواية شبابة، من طريق قاسم بن أصبغ، والذي يجب أن يكون هذه اللفظة ثابتة، وإن صح حذفها، فتكون مرادةً. والتقدير: لا يغلق الرهن هو من صاحبه، وأما حذفها لفظًا وتقديرًا، وجعل "مِنْ صَاحِبِهِ" متعلقًا بقوله: "لَا يَغْلَقُ" فلا يصحُّ، وقد اتضح بهذا أنها جملة ثانية، وهى مؤكدة ومبَيِّنة لمعنى الأولى، وقوله: "مِنْ صَاحِبِهِ" قيل معناه: لصاحبه و"مِنْ" بمعنى: اللام، وعلى هذا يكون تأكيدًا لعدم ملك المرتهن له ولعدم ضمانه، وقيل: من ضمان صاحبه؛ لأنه يقال: هذا من ضمان فلان، أيْ: مضمون عليه، قال الشافعي: "هذا من أفصح ما قالته العرب: الشيء من فلان، أي: من ضمانه" (١)، وعلى هذا يكون تأكيدًا للضمان، ويلزم منه الملك أيضًا، وقد روى أبو العباس الأصم في "مسند الشافعي" (٢) الحديث كما هو في "الأم" بلفظة "الرهن" مرتين، فعلم بذلك صحتها، وينبغي حمل رواية البيهقي والمصنف على السقوط، وهذه الجملة الثانية بكمالها ليست في الحديث الذي رواه الدارقطني وحكم بحسنه، وإنما هي في طريق الشافعي المرسلة، وفي طريق شبابة، والراوي عن شبابة، عبد الله بن نصر الأصم من رجال "المستدرك" (٣) للحاكم. وقال ابن أبي حاتم: "إن أباهُ روَى عنه" (٤)، وكلام الشافعي يشير إلى أن الجملة الأولى كافية، وإن هذه ليس فيها حكم زائد، فإن معناها في الجملة الأولى، فلا يضرنا ذلك، وهو في الجملة الثالثة أوضح وأبين، وهي قوله

стр. 1282

ﷺ : "لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" وقد تضافرت الروايات على معناها. وقال الرافعي في "شرح مُسند الشافعي": "جعل بعض الرواة آخر الحديث، وهو قوله: "لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" من كلام ابن المسيب" (١). وهذا الذي ذكره الرافعي قد تقدم من نقل البيهقي وإثباته ضعيف، لكن تطرق الاحتمال في الاحتجاج به، وقد ذكرنا أن أبا داود قال: إنه الصحيح، وتقدم تفسير الغنم والغرم في كلام الشافعي، وعلم بذلك تضمن الحديث أن الزوائد للراهن والضمان عليه، لا على المرتهن، فإن قيل: الغرم إنما يطلق على غرامة البدل عند التلف، ولا يطلق على من تلف ماله ولم يضمنه غيره، فيتعين حمل الغرم على نفقة الراهن وكسوته، قلنا: الغرم يُطلق على جميع ذلك، والثاني والثالث موجودان في المالك، فحمل الحديث عليهما، والأول مُتعذِّر على أن الأزهري ذكر له مَعنيين: "أحدهما: أن عليه غرم ما يُفك به. والثاني: أن الغُرم: الخسران، ويقال للذي عليه الدين: غريم وللذي له الدين: غريم، ورجل مغرم بالنساء؛ مُولع بهن" (٢)، وقد ذكر الشيخ أبو حامدٍ تأويليْ أبي عُبيدٍ وإن الشافعي تأوله تأويلًا آخر قريبًا من الأوَّلِ منهما، أي: لا يلزم لزومًا لا سبيل إلى فكاكه وتخليصه، وجَعَل بيت زهير منه أي: ذهبت بقلبه ذهابًا لا يمكن ردُّهُ، واعلم أن هُنا ثلاثة أشياء؛ أحدها: لزوم الرهن لزومًا لا سبيل إلى فكه، وهذا لم يقل به أحد من المسلمين. الثاني: أنه إذا لم يقض الراهنُ الدين وقت حلوله يملكه المرتهن، وهذا لا نعلم أحدًا قال به أيضًا إلَّا أن يُباع عليه أو يتملكه المرتهن بطريقه. الثالث: أنه إذا تلف سقط الدين وضمنه المرتهن، وهذا قال به أبو

стр. 1283

حنيفة، والحديث يدل على أنه لا يضمنه المرتهن بقوله: "وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" وإياهُ قصد الشافعي بالاستدلال، وعلى أن زوائده للراهن بقوله: "لَهُ غُنْمُهُ"، وإياه قصد المصنف هنا، وذكر المصنف بعد ذلك أيضًا في مسألة الضمان هذا الحديث، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب، فإن ثبت أن هذا مُدرج من قول ابن المسيب، فإما أن يقال، بأن ذلك تفسير من الراوي لا يخالف الظاهر فيقبل، وأما أن يستغني عنه بقوله: "الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ"، أي: من ضمان راهنه، أو من حق راهنه، وأما قوله: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" وحده فلا يكفي في الدلالة على أن الزوائد للراهن وكفايته في أنه من ضمانه ليست بالبينة، والمعتمد فيها تفسير ابن المسيب، والشافعي، وأبي عبيد مع توسط مقدمات، والظاهر عدم الإدراج، وعليه بنى الأكثرون الاستدلال، ومما يدل لعدم الإدراج أن هذه اللفظة في رواية شبابة كما سبق، وهي من طريق ابن المسيّب وأبي سلمة معًا، وأما الحديث الثاني وهو قوله: "الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ"، فرواه الدارقطني (١) بسند صحيح من حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ". كذا رواه أبو معاوية وأبو عوانة عن الأعمش مرفوعًا ورواه وكيع عنه، فوقفه على أبي هريرة ووكيع وإن كان أجل من أبي معاوية وأبي عوانة، ولكن يشهد لهما في رفعهِ ما في البخاري (٢)، وأبي داود (٣)، والترمذي (٤)، وابن ماجه (٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الظَّهرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ

стр. 1284

مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا (١)، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ"، بل هذا الحديث يُغني عن ذاك؛ لأنه يتضمن معناهُ وزيادة والمزني في "المختصر" (٢) رواه معلقًا فقال: وقد روي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ". ورواه الشافعي في "الأم" موقوفًا فقال: "أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ" (٣). انتهى. ومتابعة سفيان بن عيينة لوكيع على الوقف يؤيد ترجيحه؛ لأن كلًّا منهما جبل عظيم، والظاهر أن أبا هريرة روى عن النبي ﷺ اللفظ الذي في البخاري، وأفتى بقوله بهذا اللفظ، وهو بعض ما دل عليه الحديث الذي رواه، هذا الأليق بطريقة المحدثين، وأما الفقهاء فيقولون: الرفع زيادة فتقبل. وأما رواية ابن عمر لهذا الحديث مع أبي هريرة، كما ذكره المصنف، ففي الدارقطني أيضًا في ضمن حديث أخبرنا بجميع "سنن الدارقطني" شيخنا الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي سماعًا عليه بعضه بقراءتي وبعضه بقراءة غيري وأنا أسمع في سنة أربع وسبعمائة قال: أخبرنا الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل قال: أخبرنا أبو الفتح ناصر بن محمد بن أبي الفتح العطار المعروف بالوَيْرَجِ، قال: أخبرنا إسماعيل ابن الفضل الإخشيد السراج، قال أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحيم

стр. 1285

قال: أخبرنا علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدارقطني، وكل ما نذكره في هذا الكتاب من الدارقطني فهو بهذا الإسناد إليه. قال الدراقطني في هذا الحديث: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر وأبي هريرة، رفعَا الحديث قال: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ بِأَفْوَاهِ الطُّرُقِ، ولا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَسِمُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطِبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَدَعَ وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كُتِبَ لَهَا، وَلَا تَبِيعُوا الْمُصَرَّاةَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، فَمَنِ اشْتَرَاهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَالرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ". هذا لفظ روايتنا ورأيته في نسخةٍ بخط سليم الرازي من كتاب الدارقطني: "والرهن مركوب ومحلوب" (١)، وفيه "يَرُدُّ" مكان "يَدَعُ" وليس في إسناد هذا الحديث مغمز إلَّا ليث بن أبي سُلَيم، فإنه ضعيف، ومع ضعفه هو ممن يكتب حديثه ويعتبر به، فيصلح أن يكون شاهدًا لرواية أبي معاوية وأبي عوانة. وبالجملة: قد ذكرنا أن الذي في البخاري أَبْيَنَ وأَكْمَلَ معنًى من هذا، ومما ذكرناهُ يُعلم أن المصنف نقل الحديث من الدارقطني كما وجده، وإنه معَ ما عضده يصلح للاحتجاج. أمَّا الفقه فنماء الرهن ثلاثة أقسام؛ أحدها: زيادة متصلة؛ كسمن العبد وطوله وكبر الشجرة والثمرة، فهذا تابع للأصل إجماعًا يكون للراهن ملكًا وللمرتهن وثيقة، وعنه احترز المصنف بقوله: المتميز. الثاني: ما هو منفصل، ولكنه ليس من عين الرهن مثل كسب العبد فليس

стр. 1286

برهن، بل يكون ملكًا خالصًا للراهن، وعنه احترز بقوله: "من عين الرهن"، وبه قال أبو حنيفة والجمهور (١)، وسيأتي مذهب أحمد فيه. القسم الثالث: منفصل من عين الرهن، كالثمر، واللبن، والولد، والصوف، والشعر، والنتاج. وفيه مسألتان "إحداهما: في ملكه عندنا، وعند مالك وأبي حنيفة: أنه ملك الراهن سواء أنفق على الرهن أم لا. وقال أحمد: جميع نماء الرهن وسائر منافعه ملك للمرتهن دون الراهن، سواء أكان المنفق على الرهن أم لا" (٢)، هكذا نقل الماوردي قال: "وقال أبو ثور: إن كان الراهن هو الذي ينفق على الرهن فالنماء، والمنافع له، وإن كان المرتهن هو المنفق فالنماء والمنافع له" (٣)، كذا نقله الماوردي أيضًا، والذي رأيته في كتب الحنابلة (٤) أن نماء الرهن وكسبه ومهره وأرش الجناية عليه من الرهن، وأن للمرتهن أن يركب ويحلب ما له ظهر ودَرَّ بقدر النفقة، "وفي استخدام العبد روايتان، ولو ارتهن أمة فوطئها حُدَّ" (٥) هذا لفظ "محررهم"، وقال في "هدايتهم": "للمرتهن أن يحلب ويركب ويستخدم بمقدار نفقته متحريًا للعدل في ذلك" (٦)، وقال: "إن المرتهن إن أنفق مع قدرته على استئذان الراهن ولم يستأذنهُ فهو متطوع، ومع عدم القدرة من غير إذن الحاكم، روايتان؛ أحدهما: أنه متطوع. والثاني: أن على

стр. 1287

الراهن ضمان ذلك" (١). انتهى. وهذا هو المعتمد، وكذا نقله ابن الصباغ، فإنه قال: إن منفعة الرهن للراهن وليس للمرتهن منعه من الانتفاع بالرهن، وبه قال مالك وأحمد، إلَّا أن الخرقي يروي عنه: أنه إذا أنفق المرتهن على الرهن جاز له الانتفاع بقدر ما أنفق، وإن لم يأذن الراهن له في النفقة. وعنه رواية أخرى: أنه لا يرجع بذلك. انتهى. والذي تلخص لي من الحنابلة أنه حيث ينفق المرتهن ويقول بأنه يستحق الرجوع مما أنفق على الراهن، فله أن يركب ويحلب ويستخدم بقدر النفقة للحديث، وأنه ليس على الراهن وليس في ذلك أن الرهن يقتضي ملك المرتهن المنفعة، وإنما يملك ذلك المقدار بدلًا عن نفقته، وهذا يُشبه من بعض الوجوه مسألة الظَّفر، إلَّا أن أحمد إنما يقول بها في الجنس، والأليق بمذهبه أن هذا تضمين يقتصر منه على ما وردَ به الخبر، كما في المصراة، والذي قاله الماوردي عنه لعلة رواته غريبة، وما ذكره عن أبي ثور موافق لما قالته الحنابلة، فحينئذٍ الكل متفقون على أن زوائد المرهون المنفصلة ملك للراهن على ما هو المعروف في كتبهم وكتب غيرهم، وذكر الماوردي من حجة أحمد شيئين؛ "أحدهما: قوله: الرهن مركوب ومحلوب، وقبل الرهن كان ذلك للراهن، فإنما يستفاد بعد الرهن كونه للمرتهن. الثاني: أن الرهن كالبيع في أن كلًّا منهما عقدٌ على ملك في مقابله عوض" (٢). والجواب عن الأول: أنه قصَدَ أن الرهن لا يمنع. وعن الثاني: أن الرهن لا يفيد ملك العين، وذكر (٣) من حجة أبي ثور

стр. 1288

"قوله ﷺ : "وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ"؛ ولأن النماء في مقابلة النفقة" (١) وجوابه أن النفقة واجبة على الراهن دون المرتهن، ويمكن أن يحتج لهما مما روى هُشيم في حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: "إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ، وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُهُ نَفَقَتُهُ وَيَرْكَبُ" (٢)، وكذا رواه سفيان بن أبي حبيب، قال البيهقي: وليس بمحفوظٍ؛ لوجوه؛ أحدها: أن يعقوب الدورقي رواه عن هُشيم، ولفظ الحديث: "إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى الَّذِي رَهَنَ عَلَفُهَا"، ولم يذكر المرتهن، الثاني: أن الحُفَّاظ، كابن المبارك، وأبي نعيم، ويحيى القطان، لم يذكروا هذه اللفظة. الثالث: أن الشعبي شيخ شيخ هُشيم أفتى بخلافه، قال: لا ينتفع من الرهن بشيء، وعنه في رجل ارتهن جارية، فأرضعت له، قال: يغرم لصاحب الجارية قيمة الرضاع. ويحتج لهم أيضًا بما رُوي عن عمرو بن دينار، قال: كان معاذ بن جبل الله ﵁ يقول في النخل إذا رهنه، فيخرج منه ثمره فهو من الرهن، وهذا منقطع بين عمرو ومعاذ، ثم قد روى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه؛ أن معاذ بن جبل ﵁ قضى ممن ارتهن نخلًا مثمرًا، فليحسب المرتهن ثمرتها من رأس المال. رواه الشافعي عن مطرف بن مازن، عن معمر" (٣)، قال الشافعي: "وذكر سفيان بن عيينة شبيهًا به، قال الشافعي: وأحسبُ مُطرفًا قاله في الحديث من عام حج رسول الله ﷺ ، قال الشافعي: وهذا كلام يحتمل معاني، أظهرها: أن يكونا تراضيا أن الثمرة رهن، أو يكون الدين حالًّا، والراهن سلط المرتهن على بيع الثمرة، واقتضيا بها من رأس ماله، أو أذن له في ذلك، وإن كان إلى أجلٍ، ويحتمل

стр. 1289

أن يكونا تراضيا أنها للمرتهن، فقال: هي رأس للمال لا للمرتهن، ويحتمل أن يكونوا صنعوا هذا متقدمًا على علمهم أنها لا تكون للمرتهن، ويشبه هذا لقوله: من عام حج رسول الله ﷺ ، كأنهم كانوا يقضون أن الثمرة للمرتهن قبل حج النبي ﷺ ، قال الشافعي: فلما كان الحديث هكذا كان ألا تكون الثمرة رهنًا ولا الولد ولا النتاج أصح الأقاويل عندنا، ولو قال قائل: إلَّا أن يتشارطا، فيشبه أن يجوز عندي، وإنما أجزته على ما لم يكن أنه ليس بتمليك، فلا يجوز أن يملك ما لا يكون، وهذا يُشبه معنى حديث معاذ، والله أعلم، وإن لم يكن بالبيِّن حدًّا كان مذهبًا، ولولا حديثُ معاذ ما رأيته يُشبه أن يكون عند أحد جائزًا، قال الربيع: ومنه قول آخر: إنه إذا رهنه نخلًا أو ماشية على أن ما حدث من النتاج أو الثمر رهن؛ كان الرهن باطلًا، وهذا أصح الأقاويل على مذهب الشافعي" (١). انتهى. وقال البيهقي: إن حديث مُعاذ هذا أيضًا منقطع، وأما الحنفية، فإنهم يمنعون الراهن من الانتفاع، ويحملون قوله: "الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ" على أنه للمرتهن، ويثبتون تلك الزيادة الضعيفة، ويجعلون ذلك كله منسوخًا. قال الطحاوي: "أجمع أهل العلم أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن" (٢)، وقال في الحديث: "كان هذا عندنا في وقتٍ ما كان الربا مُباحًا، ولم ينه حينئذٍ عن القرض الذي جرَّ منفعة، فلما حرمَ الربا حرمت أشكاله، وحرَّم بيع اللبن في الضروع، ودخل في ذلك النهي عن النفقة التي يملك بها المرتهن لبنًا في الضرع، ويملك

стр. 1290

المنفعة غير موقوف على مقدارها، واللبن كذلك" (١). انتهى. ونحن نقول: تأويل "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ": على الراهن أولى من النسخ بلا حُجَّة، وما ادعاهُ الطحاوي من الإجماع منقوض بما رواه ابن أبي شيبة في "مُصنَّفه" (٢) عن الحسن بن صالح، قال: "نَفَقَةُ الرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ"؛ لأنه من ضمانه. المسألةُ الثانية: في أن الزيادة المنفصلة مرهونة كالأصل، قال بذلك أبو حنيفة؛ ولهذا منع الراهن من الانتفاع، وإنما قال هذا في الحادث من عين الرهن، أما الكسب، فلا يدخل في الرهن عنده، وقال بدخول المهر، وقد قدمنا من كلام الحنابلة ما يقتضي دخول الجميع في الرهن، ولا بدَّ أن يستثني عندهم ما جوَّزوا للمرتهن الانتفاع به. وقال مالك: ما كان من جنس الرهن كالولد والنتاج دخل في الرهن، وما كان من غير جنسه كاللبن والثمرة خرج من الرهن (٣)، وعندنا لا يدخل شيء من ذلك لنا القياس على ولد الجانية، فإن الأرش لا يتعلق به بالاتفاق بيننا وبين الحنفية. وقال مالك: يدخل ولد الجانية معها، فالحجة عليه القياس على الثمرة والكسب. قال أصحابنا: ولد المرهونة ليس بمرهون (٤)، وولد المبيعة ليس بمبيع، فلا يتعلق البائع بجلسته، وولد الضامنة ليس بضامن، وولد المغصوبة مغصوب، وفي ولد المستعارة وجهان؛ أحدهما: مضمون كأمه، ولا ينتفع

стр. 1291

به. وأصحهما: أنه أمانة شرعية عليه ردُّه إن قدر على صاحبه، فإن لم يقدر، فهو في يده أمانة (١)، وولد المستأجرة لا يتبعها، بل يفوز به المالك، و"ولد المقبوضة سومًا مضمون كأمه قولًا واحدًا"، قاله الروياني (٢). وحكى القاضي حسين فيه قولين؛ فيه وفي ولد المبيعة بيعًا فاسدًا، وولد العارية والوديعة، وفي ولد الموقوفة وجهان؛ أحدهما: أنه موقوف كأمه. والثاني: أنه مملوك للموقوف عليه. وفيه وجه ثالث: أنه لأقرب الناس إلى الواقف؛ حكاه الماوردي. وولد الهدي والأضحية يتبع في الهدي والأضحية؛ لزوال الملك، وولد المودعة أمانة شرعية. وقيل: وديعة، وولد الموصى بها إن حدث قبل موت الموصي فهو له لا يتبعها على المذهب، وبعد الموت والقبول للموصى له وبينهما إن قلنا: يملك بالموت فالولد له، وإلَّا فللورثة وولد الجانية لا يتبعها، وولد المدبرة فيه قولان؛ أحدهما: وهو الأظهر عند النووي، ونسبه إلى الأكثرين (٣)، وصححه الرافعي في "المحرر". وهو المختار أنه مملوك للسيد قنّ. والثاني: ونسبه الرافعي في "الشرح الصغير" إلى أكثرهم، وهو بضد في البويطي أنه مُدبَّر كأمه يعتق بالموت، ولو رجع عن تدبير أحدهما لم يكن رجوعًا عن الآخر، قاله الجرجاني والرافعي (٤)، وولد المعتقة بصفةٍ هكذا، فيه قولان؛ أحدهما: يتبع أمه في الصفة.

стр. 1292

والثاني: أنه قن. واتفق الرافعي والنووي على أنه الأظهر، وكلام الشافعي في "الأم" يقتضي أن يكون فيها طريقان؛ أحدهما: أنها كالمدبرة. والثاني: القطع بأنه لا يكون ولدها بمنزلتها. ويقتضي أيضًا: أن محل الخلاف فيما إذا كان التعليق بصفة كافية لا تختلف بحال حتى يكون كالتدبير وهي طريقه، وأكثر الأصحاب أطلقوا، ثم ختم الشافعي كلامه المذكور بما يقتضي أنه لا فرق بين الصفة المحققة وغيرها، ولا بين المعتقة بصفة والمدبرة، وبه يتراجع ما قاله النووي في المدبرة. والله أعلم. وأنه لا فرق بينهما وبين المعلق عتقها بصفة، ويترجح أيضًا ما قاله أكثر الأصحاب من أنه لا فرق بين الصفة المحققة وغيرها كما يقتضي آخر كلام الشافعي في باب التدبير "الأم"، لكن نصه في "البويطي" أن أولاد المدبر بمنزلتها. وولد المستولدة يتبعها؛ لأن سبب حُريتها مُستقر، لا سبيل إلى إزالته ونتاج ماشية الزكاة يتبعها في مقابلة ارتفاق المالك بالربا (١) والماخض، وفي ولد المكاتبة قولان؛ أحدهما: أنه مملوك لا يتبع الأم. والثاني: يتبعها، فإن عتقت بالأداء، عتق وهو الأصح، والفرق بينها وبين المرهونة أن ولد المكاتبة لم يلحقها في الكتابة وإنما لحقها في العتق، وأيضًا فإن المكاتبة يتبعها كسبها، فتبعها ولدها، والرهن لما لم يتبعهُ الكسب عندنا وعندهم -أعني: الحنفية- لم يتبعه الولد، وإذا تقرر أن ولد المرهونة ليس بمرهون، فهل له إمساكه فيه؟ وفي ولد الوديعة إذا قلنا: ليس بوديعة وجهان في "البحر" (٢). قلت:

стр. 1293

أصحهما: لا، وهما جاريان في كل أمانة شرعية، الأصح أنه يجب ردها عن الإمكان حتى إذا أخر ضمن، وكل هذا في الولد الحادث، أما إذا رهن حاملًا، ومست الحاجة إلى البيع، وهي حامل بعد، فتباع كذلك في الدين؛ لأنا إن قلنا: الحمل يُعلم، فكأنه رهنهما وإلَّا فقد رهنها، والحمل محض صفةٍ، ولو ولدت قبل البيع، فهل الولد رهن، فيه قولان، قال الرافعي: "إنهما مبنيان على أن الحمل هل يُعلم إن قلنا: لا، هو كالحادث، وإن قلنا: نعم، فهو رهن، وزاد الشيخ أبو محمد، فقال: إن قلنا: نعم، ففي كونه مرهونًا قولان لضعف الرهن عن الاستتباع" (١)، والإمام نسب الاستتباع إلى القديم، ومقابله إلى الجديد، وكذلك الماوردي (٢)، وقد ذكرنا هذا في فرع في رهن الجارية الموطوءة عند قول المصنف، وما سوى ذلك من الأموال يجوز رهنُه، وسنذكره قريبًا. فإن قلنا: الولد لا يكون رهنًا، فلو صرَّح في العقد، وقال: رهنتها مع حملها، قال الإمام: "فيه تردُّد للأصحاب. والظاهر: أنه لا يكون مرهونًا أيضًا؛ إذ لو جاز ذلك لجاز إفراده بالرهن" (٣)، ولو حبلت بعد الرهن، وكانت حاملًا وقت الحاجة إلى البيع. فإن قلنا: الحمل لا يُعلم، بيعت، وهو كزيادة مُتصلة. وإن قلنا: يُعلم، لم يكن الولد مرهونًا وتعذر بيعها؛ لأن استثناء الحمل لا يمكن، ولا سبيل إلى بيعها حاملًا، وتوزيع الثمن على الأم والحمل؛ لأن الحمل لا يُعرف قيمته، فلو سأل الراهن أن تُباع، ويسلم الثمن كله

стр. 1294

للمرتهن، قال الشافعي في "الأم": "فذلك له" (١)، "ولو رهن نخلةً، ثم أطلعت فطريقان؛ أحدهما: أن بيعها مع الطلع على قولين كما في الحمل. والثاني: القطع بأن الطلع غير مرهون؛ لأنه يمكن إفراده بالعقد، فلا يجعل تبعًا" (٢)، هكذا ذكر الرافعي، وإجراء القولين ضعيف يقتضي دخول الثمرة في الرهن على قولٍ، فالصحيح القطع بأنه غير مرهون، فإذا قلنا: إنه غير مرهون، فيباع النخل، ويُسْتثنى الطلع بخلاف الجارية الحامل، ولو كانت مطلعة وقت الرهن، فسيأتي في كلام المصنف، ومنه نستفيد: أن المراد هنا الطلع الذي لم يؤبر، أما المؤبر، فلا يدخل، وإذا لم يدخل في البيع فلأن لا يدخل في الرهن أولى. فرع الاعتبار في مقارنة الولد الرهن وحدوثه وسائر الزوائد بحالة العقد على الصحيح، وقيل: بحالة القبض؛ لأن الرهن به يلزم. فرع أرش الجناية على المرهون وافتضاض البكر مرهونان؛ لأنهما بدل جُزء من المرهون وليسا من الزوائد. فرع ضرب رجل الجارية المرهونة، فألقت جنينًا ميتًا، لزم الضارب عُشر قيمة الأم، ولا يكون مرهونًا؛ لأنه بدل الولد، فإن دخلها نقص لم يجب بسببه شيء آخر. قال الرافعي: "ولكن قدر أرش النقص من العشر يكون رهنًا، فإن ألقته حيًّا ومات معها، يلزم الجاني قولان؛ أظهرهما قيمة الجنين حيًّا.

стр. 1295

قال الرافعي: وأرش نقص الأم إن نقصت، فعلى هذا القيمة للراهن والأرش مرهون، والثاني أكثر الأمرين من أرش النقص وقيمة الجنين، فعلى هذا إن كان الأرش أكثر، فالمأخوذ رهنٌ كله، وإن كانت القيمة أكثر؛ فقدر الأرش رَهنٌ. وأما البهيمة المرهونة إذا ضُربت، فألقت جنينًا ميتًا، فلا شيء على الضارب سوى أرش النقص إن نقصت، ويكون رهنًا" (١). ذكر هذا الفرع الرافعي هنا، وذكره المصنف بعد ذلك، وسنبسط فيه القول، ونخالف الرافعي في بعض ما قال، والقول بأن بدل الوليد لا يكون مرهونًا ظاهر فيما إذا كان الحمل حادثًا أو مُقارنًا، وقلنا: لا يدخل، أما على طريقة الرافعي في القول بدخوله فلا، فالمسألة في كلام الرافعي يجب تقييدها، وفي كلام المصنف لا يجب؛ لأنه قد يقول بعدم الدخول كما حُكي عن الجديد. فرع الثمر وما بعده في كلام المصنف من الزوائد، هو الذي ذكره الأصحاب في التمثيل، وأما الشجر؛ فليس من عين الأرض، بل مما يُلْقَى فيها من النوى، فلا يتخيل دخوله، ولعل المصنف ذكره؛ لينبَّه على أنه مع الأرض كالثمرة مع الشجرة، فلا يدخلان. فرع علمتَ مما ذكرناه أن المرتهن لا يجوز له الانتفاع بالمرهون إلَّا ما تقدم عن أحمد، وأبي ثور، وإنَّ الراهن يجوز له كل الانتفاعات إلَّا ما يُستثنى عندنا. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له أيضًا، كما لا يجوز للمرتهن.

стр. 1296

قال: فإنْ رهن نخلًا على أنَّ ما [يثمن] (١) داخل في الرهن، أو ماشية على أنَّ ما تنتج داخل في الرهن؛ فالمنصوص في "الأمِّ" (٢) أن الشرط باطل، وقال في "الأمالي القديمة": لو قال قائل: إن الثمرة والنتاج يكون رهنًا كان مذهبًا (٣)، ووجههُ: أنه تابع للأصل، فجاز أن يتبعه؛ كأساس الدار، والمذهب: الأول، وهذا مرجوع عنه؛ لأنه رهن مجهول ومعدوم؛ فلم يصحَّ، بخلاف [الأساس] (٤)؛ فإنه موجود، لكن يشق رؤيته، فَعُفِيَ عن الجهل به. هذا قد سَبق متى ذكرهُ مرةً عند قول المصنف: فصل: وإن شرط في الرهن شرطًا ينافي مقتضاه، ومرةً الآن في هذا الفصل، وذكرنا حديث مُعاذ في ذلك، والكلام عليه، قوله في توجيهه: إنه تابع ممنوع؛ لأن الثمرة الحادثة لا يتبع في الرهن بغير شرط، فكذا بالشرط بخلاف الأساس؛ فإنه يتبع بغير شرطٍ، وإذا شُرط في صحَّته خلاف، وإنما مراد المصنف أنه تابع في الجملة ليس بمقصودٍ، فجاز أن يُحكم بتبعيته؛ كالأساس، حيث حُكم بتبعيته، والفرق الذي ذكره ظاهر. * * *

стр. 1297

قال: وأما النماء الموجود في حال العقد، فينظر فيه، فإن كان شجرًا، فقد قال في الرهن: لا يدخل، وقال في البيع: يدخل، واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق، وقد بيناها في البيوع. قد تقدم في البيوع، ونزيد هنا: إن في "مختصر المزني": "ولو رهنه أرضًا من أرض الخراج، فالرهن مفسوخ؛ لأنها غير مملوكة، فإن كان فيها غراس أو بناء للراهن، فهو رهن" (١)، فإن أخذنا بإطلاق هذا النص؛ اقتضى دخول الشجر عند إطلاق رهن الأرض، ولم ينقل أحد من الأصحاب ذلك عن نصِّه، بل المنقول عنه في الرهن عدم الدخول، وهو الذي نص عليه في "الأمِّ" في باب الرهن يجمع الشيئين المختلفين. قال: فيما إذا لم يقل بشجرها "إن الأرض رهن دون الشجر" (٢)، فالوجه: حمل كلام "المختصر" على ما إذا قال بشجرها، وقد قدَّمنا هذا عند الكلام في رهن خراج السواد، وما فيه من الاعتراض على الرافعي. * * *

стр. 1298

قال: وإن كان ثمر نظرتَ، فإن كان ظاهرًا؛ كالطلع المؤبر وما أشبهه من الثمار، لم يدخل في الرهن؛ لأنه إذا لم يدخل ذلك في البيع وهو يزيل الملك، فلأن لا يدخل في الرهن وهو لا يُزيل الملك أولى. هذا لا خلاف فيه ولا شبهة، ومنه يُستفاد تقييد الفرع المتقدم على الرافعي. * * *

стр. 1299

قال: وإن كان ثمرًا غير ظاهر؛ كالطلع الذي لم يؤبَّر، وما أشبهه من الثمار، ففيه طريقان؛ من أصحابنا من قال: فيه قولان أحدهما: يدخلُ فيه قياسًا على البيع، والثاني: لا يدخل فيه وهو الصحيح؛ لأنه لما لم يدخل فيه ما يحدث بعد العقد لم يدخل الموجود حال العقد، ومنهم من قال: لا يدخل فيه قولًا واحدًا، ويخالف البيع؛ فإن في البيع ما يحدث بعد العقد ملك المشتري، والحادث بعد العقد لا حقَّ للمرتهن فيه، ولأن البيع يزيل الملك؛ فدخل فيه النماء، والرهن لا يزيل الملك، فلا يدخل فيه. هو كما قال، وطريقة القطع منسوبة إلى أبي إسحاق وابن أبي هريرة وابن سريج، وطريقة القولين منسوبة إلى البغداديين (١)، وهي أصحُّ عند جماعةٍ، ومنهم من يحكيهما وجهين، والدخول منسوب إلى القديم، حكاه القاضي أبو الطيب. وقال الماوردي: "إن بعض الأصحاب خرَّجه من قول قديم في الصوف واللبن والحمل" (٢)، وقال الشيخ أبو حامد: كنتُ أحكيه، فإن الدارَكي كان يحكيه عن القديم، ولا يُحكى، فإني قرأت كتابه القديم فما رأيتُهُ فيه. وعدم الدخول وهو الصحيح نص عليه في "الأم" و "المختصر"، ولم يذكر غيره. وقال الماوردي: إنه نصَّ عليه في القديم كما نصَّ عليه في الجديد، وصاحب "التلخيص" قال فيه: قلته مخرجًا، واقتضى كلام الإمام: أن القول

стр. 1300

بالدخول مأخوذ من البيع كما اقتضاهُ كلام المصنف. واعلم، أن ما ذكر من التوجيه قياسه أن يأتي في الحمل، وأن يكون فيه الطريقان، ويكون الأصح عدم الدخول، كما يشير إليه نسبة الماوردي، والإمام، وغيرهما ذلك إلى الجديد، لكن الرافعي قال: "إن الخلاف فيهما مُتقارب المأخذ، وإن أحد الخلافين مُرتبٌ على الآخر، والجنين أولى بالاندراج؛ لأنه لا يقبل التصرف على الانفراد؛ فبالحري أن يكون تبعًا" (١). قلت: وهو كما قال، لكن تصحيح الاندراج كما اقتضاه بناؤه على أن الحمل هل يُعلم أو لا مخالف لنصِّه في "الأم" في باب زيادة الرهن، قال: "إذا رهن الجارية حبلى فولدت، أو غير حبلى فحبلت وولدت؛ فالولد خارج من الرهن، وكذا إذا رهنه الماشية مخاضًا، فنتجت أو غير مخاض، فمخضت ونتجت؛ فالنتاج خارج من الرهن" (٢)، فالصحيح عندي من جهة المذهب: أنها متى كانت حاملًا عند الرهن وولدت وقت البيع لا يدخل الولد في الرهن، بل يُباعان ويفوز الراهن بحصَّة الولد. ولخَّص ابن الرِّفعة في الحمل ثلاث طرق؛ إحداها (٣): أنه لا يتبع بناء على أنه لا يُعلم كما حُكي عن الشيخ أبي محمد، وعلى هذه الطريقة: لو شرط دخوله؛ لم يدخل، كما صرَّح به الشيخ. والإمام حكى فيه ترددًا عن الأصحاب، والظاهر ما قاله الشيخ؛ إذ لو جاز ذلك لجاز إفراده بالرهن. والثانية: يخرجه على القولين في الثمرة غير المؤبرة؛ بناء على أن الحمل
следующие страницы →