قال:
فإنْ رهن نخلًا على أنَّ ما [يثمن] (١) داخل في الرهن، أو ماشية على أنَّ ما تنتج داخل في الرهن؛ فالمنصوص في "الأمِّ" (٢) أن الشرط باطل، وقال في "الأمالي القديمة": لو قال قائل: إن الثمرة والنتاج يكون رهنًا كان مذهبًا (٣)، ووجههُ: أنه تابع للأصل، فجاز أن يتبعه؛ كأساس الدار، والمذهب: الأول، وهذا مرجوع عنه؛ لأنه رهن مجهول ومعدوم؛ فلم يصحَّ، بخلاف [الأساس] (٤)؛ فإنه موجود، لكن يشق رؤيته، فَعُفِيَ عن الجهل به.
هذا قد سَبق متى ذكرهُ مرةً عند قول المصنف: فصل: وإن شرط في الرهن شرطًا ينافي مقتضاه، ومرةً الآن في هذا الفصل، وذكرنا حديث مُعاذ في ذلك، والكلام عليه، قوله في توجيهه: إنه تابع ممنوع؛ لأن الثمرة الحادثة لا يتبع في الرهن بغير شرط، فكذا بالشرط بخلاف الأساس؛ فإنه يتبع بغير شرطٍ، وإذا شُرط في صحَّته خلاف، وإنما مراد المصنف أنه تابع في الجملة ليس بمقصودٍ، فجاز أن يُحكم بتبعيته؛ كالأساس، حيث حُكم بتبعيته، والفرق الذي ذكره ظاهر.
* * *
стр. 1297
قال:
وأما النماء الموجود في حال العقد، فينظر فيه، فإن كان شجرًا، فقد قال في الرهن: لا يدخل، وقال في البيع: يدخل، واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق، وقد بيناها في البيوع.
قد تقدم في البيوع، ونزيد هنا: إن في "مختصر المزني": "ولو رهنه أرضًا من أرض الخراج، فالرهن مفسوخ؛ لأنها غير مملوكة، فإن كان فيها غراس أو بناء للراهن، فهو رهن" (١)، فإن أخذنا بإطلاق هذا النص؛ اقتضى دخول الشجر عند إطلاق رهن الأرض، ولم ينقل أحد من الأصحاب ذلك عن نصِّه، بل المنقول عنه في الرهن عدم الدخول، وهو الذي نص عليه في "الأمِّ" في باب الرهن يجمع الشيئين المختلفين. قال: فيما إذا لم يقل بشجرها "إن الأرض رهن دون الشجر" (٢)، فالوجه: حمل كلام "المختصر" على ما إذا قال بشجرها، وقد قدَّمنا هذا عند الكلام في رهن خراج السواد، وما فيه من الاعتراض على الرافعي.
* * *
стр. 1298
قال:
وإن كان ثمر نظرتَ، فإن كان ظاهرًا؛ كالطلع المؤبر وما أشبهه من الثمار، لم يدخل في الرهن؛ لأنه إذا لم يدخل ذلك في البيع وهو يزيل الملك، فلأن لا يدخل في الرهن وهو لا يُزيل الملك أولى.
هذا لا خلاف فيه ولا شبهة، ومنه يُستفاد تقييد الفرع المتقدم على الرافعي.
* * *
стр. 1299
قال:
وإن كان ثمرًا غير ظاهر؛ كالطلع الذي لم يؤبَّر، وما أشبهه من الثمار، ففيه طريقان؛ من أصحابنا من قال: فيه قولان أحدهما: يدخلُ فيه قياسًا على البيع، والثاني: لا يدخل فيه وهو الصحيح؛ لأنه لما لم يدخل فيه ما يحدث بعد العقد لم يدخل الموجود حال العقد، ومنهم من قال: لا يدخل فيه قولًا واحدًا، ويخالف البيع؛ فإن في البيع ما يحدث بعد العقد ملك المشتري، والحادث بعد العقد لا حقَّ للمرتهن فيه، ولأن البيع يزيل الملك؛ فدخل فيه النماء، والرهن لا يزيل الملك، فلا يدخل فيه.
هو كما قال، وطريقة القطع منسوبة إلى أبي إسحاق وابن أبي هريرة وابن سريج، وطريقة القولين منسوبة إلى البغداديين (١)، وهي أصحُّ عند جماعةٍ، ومنهم من يحكيهما وجهين، والدخول منسوب إلى القديم، حكاه القاضي أبو الطيب.
وقال الماوردي: "إن بعض الأصحاب خرَّجه من قول قديم في الصوف واللبن والحمل" (٢)، وقال الشيخ أبو حامد: كنتُ أحكيه، فإن الدارَكي كان يحكيه عن القديم، ولا يُحكى، فإني قرأت كتابه القديم فما رأيتُهُ فيه. وعدم الدخول وهو الصحيح نص عليه في "الأم" و "المختصر"، ولم يذكر غيره.
وقال الماوردي: إنه نصَّ عليه في القديم كما نصَّ عليه في الجديد، وصاحب "التلخيص" قال فيه: قلته مخرجًا، واقتضى كلام الإمام: أن القول
стр. 1300
بالدخول مأخوذ من البيع كما اقتضاهُ كلام المصنف.
واعلم، أن ما ذكر من التوجيه قياسه أن يأتي في الحمل، وأن يكون فيه الطريقان، ويكون الأصح عدم الدخول، كما يشير إليه نسبة الماوردي، والإمام، وغيرهما ذلك إلى الجديد، لكن الرافعي قال: "إن الخلاف فيهما مُتقارب المأخذ، وإن أحد الخلافين مُرتبٌ على الآخر، والجنين أولى بالاندراج؛ لأنه لا يقبل التصرف على الانفراد؛ فبالحري أن يكون تبعًا" (١).
قلت: وهو كما قال، لكن تصحيح الاندراج كما اقتضاه بناؤه على أن الحمل هل يُعلم أو لا مخالف لنصِّه في "الأم" في باب زيادة الرهن، قال: "إذا رهن الجارية حبلى فولدت، أو غير حبلى فحبلت وولدت؛ فالولد خارج من الرهن، وكذا إذا رهنه الماشية مخاضًا، فنتجت أو غير مخاض، فمخضت ونتجت؛ فالنتاج خارج من الرهن" (٢)، فالصحيح عندي من جهة المذهب: أنها متى كانت حاملًا عند الرهن وولدت وقت البيع لا يدخل الولد في الرهن، بل يُباعان ويفوز الراهن بحصَّة الولد.
ولخَّص ابن الرِّفعة في الحمل ثلاث طرق؛ إحداها (٣): أنه لا يتبع بناء على أنه لا يُعلم كما حُكي عن الشيخ أبي محمد، وعلى هذه الطريقة: لو شرط دخوله؛ لم يدخل، كما صرَّح به الشيخ.
والإمام حكى فيه ترددًا عن الأصحاب، والظاهر ما قاله الشيخ؛ إذ لو جاز ذلك لجاز إفراده بالرهن.
والثانية: يخرجه على القولين في الثمرة غير المؤبرة؛ بناء على أن الحمل
стр. 1301
يُعلم، وعلى هذه الطريقة ينطبق ما في "الأم".
والثالثة: أنه يتبع بناء على أنه يعلم، وإن لم يتبع في الثمرة.
ولم يذكر المصنف مسألة الحمل في الرهن، وذكرها في البيع، وصرّح بأن الصحيح أنه يُعلم، ويقابله قسط من الثمن.
وفي اللبن في الضرع طريقان عن أبي الحسين؛ القطع بأنه لا يدخل في الرهن، والمشهور: أنه على الخلاف، ثم هو عند بعضهم في مرتبة الجنين، وعند آخرين في مرتبة الثمار؛ لتيقن وجوده. قال الرافعي: "وسواء أثبت الخلاف أم لا، فالظاهر: أنه لا يدخل في الرهن. وهو الذي أورده في "التهذيب" (١).
قلت: هذا صحيح على المذهب، وأما على ما اقتضاه كلامه من تصحيح اندراج الحمل، فكان ينبغي تصحيح دخول اللبن؛ لاستوائهما في البيع، كما سيأتي عن المتولي، ونص الشافعي على أن اللبن خارج من الرهن، قال الربيع: "وقيل: هو رهن معها" (٢).
* * *
стр. 1302
قال:
واختلف في ورق التوت والآس وأغصان الخلاف، منهم من قال: هو كالورق والأغصان من سائر الأشجار؛ فيدخل في الرهن، ومنهم من قال: إنها كالثمار من سائر الأشجار؛ فيكون حكمها حكم الثمار.
التوت هو الفرصاد، وهو بتاءين؛ الأولى: مثناة بلا خلاف، وكذا الثانية عند الجمهور، وقيل: فيه لغة أخرى أنها بالثاء المثلثة، حكاها ابن الأعرابي، وأنكرها الجوهري (١) وغيره، وقد تسمحنا في قولنا: تاءين، وكان الصواب: عدم التثنية؛ لاختلاف اللفظ والمعنى، والذي أوجب التسمح تقارب اللفظ. و"الآس": شجر معروف.
و"الخلاف": أيضًا شجر، وهو مخفف، واقتضى كلام المصنف: أن الخلاف وجهان، وقال الرافعي: "فيها القولان المذكوران في الثمار التي لم تؤبر" (٢)، وذلك من الرافعي اختيار؛ لأنها كالثمار، واختيار لطريقة القولين في الثمار.
والحاصل: أن في الأوراق المذكورة والأغصان وجهين؛ أحدهما: الدخول كسائر الأوراق.
وأصحهما: أنها على الخلاف في الثمار غير المؤبرة، وظاهر الكلام: أنه
стр. 1303
لا فرق بين أن تبلغ الأغصان أوان القطع أو لا.
والورد كالآس؛ قاله الروياني (١)، وكذا كل شجر يقصد ورقه، وإنما جرى الخلاف في هذا النوع؛ لأن العادة قطعه، و من هذا نأخذ أن سائر الأوراق والأغصان التي لم تَجْر العادة بقطعها تدخل في الرهن قولًا واحدًا، فإن جفت بعد ذلك، فسيأتي عن ابن الصباغ، أنها تخرج من الرهن، أعني: الأغصان الجافة بعد الرهن، وخالفه المتولي، وهو الأقرب.
* * *
стр. 1304
قال:
وإن كان النماء صوفًا أو لبنًا؛ فالمنصوص أنه لا يدخل في العقد، وقال الربيع في الصوف قولًا آخر: أنه يدخل؛ فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال: لا يدخل قولًا واحدًا، وما قاله الربيع من تخريجه.
تقدم نصه في اللبن، وما قاله الربيع فيه قبل هذا بأسطر، وفي أثناء الباب من "الأم" في الصوف والوبر والشعر مثل ذلك.
وحكى الرافعي في الصوف طريقين؛ "إحداهما: القطع بدخوله إلحاقًا بالأجزاء والأعضاء، نقله في "التتمة"، وأظهرهما: أنه على قولين؛ أحدهما: الدخول، كالأغصان والأوراق في رهن الشجرة، وأصحهما: المنع كما في الثمار؛ لأن العادة فيه الجزّ.
ونقل بعضهم بدل القولين وجهين، وزاد وجهًا بالباب، وهو: الفرق بين القصير الذي لا يُعتاد جزّه، والمنتهي إلى حدٍّ يُجزُّ" (١)؛ تشبيهًا للمستجز، وهو ما بلغ أوان الجز بأغصان الخلاف، والصحيح: أنه لا يدخل، والقول بدخول الصوف مطلقًا نسبه الماوردي إلى القديم (٢)، وابن أبي هريرة قطع به، وفرق بينه وبين اللبن: بأن اللبن منفصل لا يُستبقى، والصوف متصل يُستبقي (٣)؛ فهو كأغصان الأشجار، ووافقه المتولي، فصحح هذا، وقال المتولي في اللبن مثله، لكنه علَّل في الصوف بأنه جزء، وعلل في اللبن بأن
стр. 1305
له قسطًا من الثمر؛ كالحمل إذا قلنا: له قسط من الثمن.
ويرد على المتولي: أنه وافق على أن الصوف الحادث لا يدخل، فكيف يدخل المقارن، ووجه الإخراج في هذه المسائل كلها ضعف الرهن عن الاستتباع؛ لأنه لا يزيل الملك بخلاف البيع.
فرع
في دخول المغرس تحت رهن الشجر خلاف مرتب على الخلاف في البيع، والرهن أولى بالمنع الضعفه، وفي معناه دخول الآس تحت الجدار، ولا يدخل البياض بين الأشجار تحت رهن الأشجار إن كان بحيث يمكن إفراده بالانتفاع، وإن لم ينتفع به إلَّا بتبعية الأشجار، فكذلك على أشهر الطريقين، وعن صاحب "التقريب" والشيخ أبي محمد أنه على الوجهين في المغارس، والصحيح: أن المغارس لا تدخل في الرهن بخلاف البيع.
فرع
قال أبو حنيفة: "إن الثمرة تدخل في رهن الشجرة" (١)؛ بناء على أصله أن رهن الشجرة بدون الثمرة لا يجوز.
* * *
стр. 1306
قال:
فصْل [في التصرف في منافع الرهن]
ويملك الراهن التصرف في منافع الرهن على وجهٍ لا ضرر فيه على المرتهن؛ كخدمة العبد، وسكنى الدار، وركوب الدابة، وزراعة الأرض؛ لقوله ﷺ : الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ"، ولأنه لم يدخل في العقد، ولا يضر بالمعقود له؛ فيبقى على ملكه وتصرفه؛ كخدمة الأمَة المزوجة، ووطء الأمَة المستأجرة.
الحديث تقدم، ولما تقرر أن زوائد المرهون كلها للراهن عينًا كانت أو منفعة، وكان التصرف في العين الزائدة جائزًا مطلقًا؛ لكونه لا يضرُّ بالمرتهن لم يتعرَّض له المصنف، وذكر هنا التصرف في المنافع وفي العين المرهونة؛ لأنه قد يضرُّ، وقد لا يضر، وحُكم بجواز ما لا يضر، والحديث كما دلّ على ملك العين الزائدة يدلُّ على جواز انتفاع الراهن.
وقوله: "ولأنه لم يدخل في العقد"، أي: لما تقرر، ولا يضر بالمعقود له؛ لأن الفرض كذلك؛ فيبقى على ملكه وتصرفه الخلاف فيه مع أبي حنيفة (١) وغيره كما قدمناه، وقياسه على خدمة الأمَة المزوجة، ووطء الأمة
стр. 1307
المستأجرة قياس صحيح، ومقصود المصنف هنا ملك الراهن لذلك، وأما كونه يستوفيه بنفسه أو بغيره، فسنذكرهُ.
* * *
стр. 1308
قال:
ويحل له أن يستوفي ذلك بالإجارة والإعارة، وهل له أن يستوفي ذلك بنفسه؟ قال في "الأم": له ذلك، وقال في الرهن الصغير: لا يجوز؛ فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا يؤمن أن يجحد، فيبطل حق المرتهن، والثاني: يجوز، وهو الصحيح؛ لأن كل منفعةٍ جاز أن يستوفيها بغيره، جاز أن يستوفيها بنفسه؛ كمنفعة غير المرهون.
ودليل القول الأول: يبطل به إذا أكراهُ من غيره؛ فإنه لا يؤمن أن يجحد ثم يجور، ومنهم من قال: إن كان الراهن ثقة جاز؛ لأنه يؤمن أن يجحد، وإن كان غير ثقة لم يجز؛ لأنه لا يؤمن أن يجحد، وحمل القولين على هذين الحالين.
لا خلاف أن له أن يؤجر أو يُعير، والمنصوص في الكتب الجديدة: جواز استيفائه بنفسه أيضًا، وفي الرهن الصغير والرهن القديم لا يجوز (١).
وقال الماوردي (٢) والمتولي: "إن الصحيح أنها ليست على قولين، بل على اختلاف حالين"، كما ذكره المصنف آخرًا.
ولا فرق في ذلك على سكنى الدار، واستخدام العبد، إلَّا أن السكني تكون ليلًا ونهارًا، والاستخدام نهارًا، ويرجع في الليل إلى يد من هو تحت يده، وكذا الدابة.
стр. 1309
والمشهور أن الانتفاعات إذا أحوج استيفاؤها إلى إخراجه من يد من هو في يده جاز، وعن رواية صاحب "التقريب" قول قديم: "أنه لا يخرج من يد المرتهن أو العدل" (١).
وللراهن استكساب العبد في يد المرتهن إن تيسر، وإن لم يتيسر إلَّا بإخراجه أخرج على المشهور، وإذا أراد أن يؤجرها، فله أن يؤجرها مدة لا تزيد على محل الدين، فإن أجر زائدًا على محل الدين، فسيأتي في كلام المصنف.
وإذا صححنا حيث يحل الدين بعد انقضاء مدة الإجارة أو منعها، فحلّ قبل انقضائها لموت الراهن فوجهان؛ أحدهما: ينفسخ الإجارة، وعليه لحق المرتهن؛ لأنه أسبق، ومضارب المستأجر بالأجرة المدفوعة مع الغرماء.
والثاني - وهو اختيار ابن القطان: أن المرتهن يصبر إلى انقضاء مدة الإجارة كما يصبر الغرماء إلى انقضاء العدة؛ ليستوفي المعتدة حق السكنى جمعًا بين الحقين، وعلى هذا يضارب المرتهن بدينه الحال، فإذا انقضت المدة وبيع المرهون قضى باقي دينه، فإن فضل شيء، فللغرماء، ولو أجر والدين حال لم يصح في الأصح، هذا إذا أجَّر لغير المرتهن فلو أجره جاز، ولا يبطل الرهن، وكذا لو كان مستأجره، فرهنه عنده جاز كما تقدم أول الباب، ولو أجره قبل القبض ثم سلمه عنهما، أو عن أحدهما (٢)، فقد ذكره المصنف أول الباب.
* * *
стр. 1310
فائدة:
نقل المصنف وغيره عن الرهن الصغير: أنه لا يجوز للراهن أن يستوفي المنفعة بنفسه، ونقله غيره عن القديم أيضًا كما قدمناه، وكذا نقله الروياني عن الرهن الصغير والرهن القديم، واقتصر الرافعي على نقله عن القديم، نقل مع ذلك القول الذي نقله صاحب "التقريب" عن القديم: "أنه لا يخرجه من يده" (١)، وطالعت الرهن الصغير فلم أجد فيه إلَّا قول الشافعي، وإذا دفع الراهنُ الرهن إلى المرتهن أو إلى العدل، فأراد أن يأخذه من يده لخدمةٍ أو غيرها فليس له ذلك. انتهى. وهذا يوافق ما نقله صاحب "التقريب"، ويمكن أن يكون هو مراد المصنف، وكل من اقتصر على نقله، أي: لا يجوز أن يستوفي بنفسه، حيث ينفرد باليد؛ لما فيه من إخراجه من يد المرتهن أو العدل.
أما الرافعي؛ فقد جمع بين القولين، ومقتضى ذلك: أن لنا قولًا أنه لا يستوفي بنفسه، وإن كان في يد المرتهن، وتجوز الإجارة والإعارة، وهذا لا معنى له إلَّا أن يُقال: إن ما نقله صاحب "التقريب" معناه أنه لا يخرج من يد المرتهن أو العدل بحال لا للراهن ولا لمستأجر ولا لمستعير، والذي في الرهن الصغير إنما هو منع أن يخرج للراهن، وهذا هو الظاهر، وبه يتبين أن باقي الرهن الصغير ليس مانعًا من الانتفاع في يد المرتهن أو العدل، وإن ذلك غير ممنوع بلا خلاف بنفسه ولغيره، وإنما الممتنع إخراجه من يده، والخلاف بين القولين في تحقيق من يمتنع الإخراج إليه، فعلى قول الراهن، وعلى قول مطلقًا.
والمشهور خلاف القولين، وأنه لا يمتنع إذا دعت الحاجة إليه، فليقطع
стр. 1311
الناظر بذلك، وليحمل كلام المصنف وغيره عليه، وقول المصنف: ودليل القول الأول يبطل به إذا أكراه، هكذا رأيتهُ في نسختين؛ إحداهما: بخط القاضي مُجلى، ولعله يبطل بما إذا أكراه، فإنه أحسن، وإن كان ذلك المعنى أيضًا يصحُّ على بُعدٍ.
واعلم، أن المستعير والمستأجر إن كان هو المرتهن فذاك، وإلَّا فقد قيد صاحب "الاستقصاء" وغيره بأن يكون ثقة، وفي كلام الرافعي شيء من ذلك، وهذا لا بدَّ منه إذا كان يستدعي إخراجه ممن اتفقا على وضعه تحت يده، وإذا كان للمرتهن إخراجه من عند العدل إذا تغير حاله، فلأن يمنع من إيجاره وإعارته من غير العدل أولى، وينبغي ألا يكون في ذلك خلاف، وإذا ثبت هذا، فينبغي إذا كان الراهن غير ثقةٍ لا يجب تسليمه إليه قولًا واحدًا، وبهذا يترجح طريقة تنزيل النصَّين على اختلاف حالين، وليس للثانية اتجاه إلّا أن يكون محلها فيما إذا كان ثقة.
ويوجه المنع: بأنه لا يجب على المرتهن الرضا بيده، وفي "الانتصار" عن الشاشي ما يقتضي ذلك؛ فإنه قال في استخدام العبد تفصيل: إن كان الراهن ثقة؛ جاز في أصح القولين، وإن كان غير ثقة لم يجز قولًا واحدًا، بخلاف سكنى الدار؛ لأن العبد يمكن إخفاؤه، والدار لا يمكن إخفاؤها، هكذا حكاه الشاشي منهما.
وعندي: لا أثر لهذا الفرق؛ لأنه يمكن إنكار الرهن انتهاء، والاعتراض في الفرق بين العبد والدار، وأما القطع بالمنع في غير الثقة فلم يعترض عليه، ويكون محل الخلاف في الثقة كما أشرنا إليه، ولفظ الشافعي في "الأم" في باب زيادة الرهن، "وإن أراد سيده أن يختدمه؛ خُلِّي بينه وبينه، فإذا كان في الليل آوى إلى الذي هو على يديه" (١).
стр. 1312
واعلم أيضًا: أن غير الثقة يُخْشَى منه الجناية على الرهن، وهذا عام في الراهن وغيره، ويُخشى منه جحود الرهن، وهذا خاص بالراهن، ويمكن الاحتراز عنه بالإشهاد عليه.
فائدة أخرى:
قال في "الروضة": "إن أراد استيفاءها بنفسه، قال في "الأم": له ذلك، ومنعه في القديم، فحمل حاملون الأول: على الثقة المأمون جحوده، والثاني: على غيره.
وقال آخرون: هما قولان مطلقًا، وهذا أصح. قلت: المذهب جوازه مُطلقًا" (١). انتهى.
وقوله: "المذهب جوازه مطلقًا" يقتضي جوازه من الثقة وغيره، وهو مشكل لما قدمناهُ، وكلام الأصحاب لا يقتضيه.
وقوله: "وهذا أصح" يقتضي أن طريقة القولين أصح، وعبارة الرافعي: "وأجراهما مُجرون قولين مُطلقين، ووجهوا الثاني بما يُخاف من جحوده وجنايته لو سلم إليه، والأول بأن ما له استيفاؤه بغيره له استيفاؤه بنفسه، ويُشبهُ أن يكون هذا أظهر، ويتفرع عليه إن وثق المرتهن بالتسليم فذاك، وإلَّا أشهد عليه شاهدين أنه يأخذه للانتفاع.
فإن كان مشهور العدالة موثوقًا به عند الناس، فوجهان؛ أشبههما: أنه يكتفي بظهور حاله، ولا يكلف الإشهاد في كل أخذةٍ؛ لما فيه من المشقة" (٢) انتهى.
стр. 1313
ومراده بقوله: ويشبهُ أن يكون هذا أظهر القول، بأن له استيفاءه بنفسه كما صححه المصنف، ولم يرد ترجيح طريقة القولين كما فهمه النووي، ويدل لإرادته هذا ما قبله مما أسقطه النووي من التوجيه، وما بعده من التفريع.
قال الرافعي: "ويزداد في أخذ الجارية للاستخدام نظر آخر، وهو أن الراهن إنما يمكن منه إذا أمن من غشيانه إياها، بأن كانت محرمًا له أو كان ثقةً وله أهل كما تقدم نظيره" (١).
* * *
стр. 1314
قال:
فصْل [في عدم الإضرار بالمرتهن]
وأما ما فيه ضرر بالمرتهن؛ فإنه لا يملك؛ لقوله ﷺ : "لَا إِضْرَارَ وَلَا ضِرَارَ".
هذا الحديث في "مسند الشافعي" (١) من كتاب اختلاف مالك والشافعي، رواه عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ"، وهكذا هو في "الموطأ" (٢) مرسلًا، وقال ابن عبد البر: "لم يختلف على مالك في إرساله، ورُوي مسندًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري، وأُسند من وجوهٍ، ولا يُسند من وجهٍ صحيح" (٣) انتهى.
وقد أسنده ابن ماجه والدارقطني؛ أما ابن ماجه، فرواه من طريق إسحاق ابن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة (٤)، وأظن إسحاق لم يُدرك عبادة، فإن وفاة عُبادة سنة أربع وثلاثين من الهجرة، ووفاة إسحاق
стр. 1315
سنة إحدى وثلاثين ومائة؛ فهو إذن منقطع.
ورواه ابن ماجه أيضًا مسندًا من حديث ابن عباس بسند فيه ضعيف (١)، ومن حديث أبي صِرْمَةَ بلفظ: "مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ" (٢)، وهذا اللفظ في "سنن أبي داود" (٣) أيضًا، والترمذي، وقال: "حسن غريب" (٤)، وهو يؤدي معنى الحديث الأول.
وأما الدارقطني، فإنه أسنده من حديث عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، مَنْ (٥) ضَارَّ ضَرَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ" (٦)، وقال الشيخ تقي الدين بن الصلاح ﵀: "أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماعة أهل العلم، واحتجوا به" (٧).
وقال أبو داود السجستاني: "الفقه يدور على خمسة أحاديث؛ "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ"، و "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار"، و "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، و "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، وحديث: "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٨).
قال ابن الصلاح: "قول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه
стр. 1316
عليها" مشعر بكونه غير ضعيف" (١)، وذكر النووي هذا الحديث في تصنيف له لطيف يُسَمَّى: "رؤوس المسائل" و"تحفة طلاب الفضائل"، ونقل ما ذكرنا عن أبي داود، وابن عبد البر، وابن الصلاح، وقال: قال الشيخ: قوله: "وَلَا ضِرَارَ"، هو بكسر الضاد على مثال: ضِراب وقِتال، وغلب على ألسنة كثير من الفقهاء والمحدثين، وفي كتبهم: "وَلَا إِضْرَارٍ" بهمزة مكسورة قبل الضاد، ولا صحَّة لذلك، ومن أحسن ما فرق به بين "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" أن لا ضرر فيه، نفى أن يضر بجاره مثلًا بما له فيه منفعة مثل أن يضعَ على حائط جاره خشبة ويبني فوقها.
وأما لا ضِرَار؛ ففيه نفي لما يُسَمَّى مضارة، مثل: أن يضرَّ بجاره بما لا منفعة له فيه؛ كصاحب الحائط إذا منع الجار من أن يضع على حائطه خشبة من غير بناء، ومن غير ضرر، هذا كلام الشيخ تقي الدين.
والمشهور في كتب الحديث: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، بغير همز في أوله، وجاء في "موطأ مالك" من رواية عبد الله بن بكر: "وَلَا إِضْرَارٍ" بالهمز في النسخ التي حضرت، وكذلك هو في الحكاية التي تقدمت عن أبي داود بالهمز، وإثباتها هو المشهور في كتب الفقه، بل لا يوجد فيها، أو لا يكاد يوجد إلَّا بالهمزة، هذا كلام النووي ﵀.
وقال النووي أيضًا في كتاب "بستان العارفين" من تصنيفه عن ابن الصلاح في الأحاديث التي عليها مدار الإسلام: "حديث: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" هو حديث حسن" (٢).
* * *
стр. 1317
قال:
فإن كان المرهون مما ينقل، فأراد أن ينتفع به في السفر، أو [يركبه من] (١) يسافر به لم يجز؛ لأن أمر السفر لا يوثق به، فلا يؤمن أن يؤخذ، فيدخل على المرتهن الضرر.
هذا لا خلاف فيه، طويلًا كان السفر أو قصيرًا، وقد يتوهم أن المصنف ما منع السفر، وإنما منع الانتفاع بالرهن فيه، وليس كذلك؛ بل السفر بالرهن مطلقًا ممنوع إلَّا لحاجة الرعي، كما إذا كان الرهن ماشية، وهي في بادية فأجدب موضعها، فإن رضي المرتهن أن ينجع بها مالكها، وإلَّا أجبر أن يضعها على يد عدل ينجع بها إذا طلب مالكها، نص عليه، وقال: "وليس لصاحبها إخراجها من البلد إلَّا من ضرورة، ولو أراد المرتهن النجعة لم يكن له إلّا من ضرورة، ولو كانت الأرض مخصبة وغيرها أخصب منها؛ لم يُجْبَر واحد منهما على نقلها، فإن أجدبت فاختلفت نجعتهما إلى بلدين مشتبهين في الخصب، فإن اتفقا وإلَّا جُعِلَت على يد عدل في البلد الذي ينجع إليه ربُّ الماشية لينتفع برِسلها" (٢). انتهى.
فأراد المصنف التنبيه على أن الممتنع: هو السفر للانتفاع به، قال الشافعي: "وإن أراد سيده إخراجه من البلد لم يكن له إلَّا بإذن المرتهن، وكذا إن أراد المرتهن إخراجه من البلد لم يكن له" (٣).
стр. 1318
وقال الجرجاني: إن انتفع بالدابة المرهونة، انتفع بها داخل البلد وما حوله من الأماكن القريبة دون الأماكن البعيدة؛ لئلا يزول سلطان المرتهن عنها. انتهى.
وهذه العبارة جيدة، فيها تقييد لقول الشافعي: أنه لا يخرجه من البلد، ويستفاد منه أن الإبعاد عن البلد ممتنع، وإن لم يكن على قصد السفر، وربما يُستفاد منه: أن الخروج من البلد إلى الأماكن القريبة لا يُسَمَّى سفرًا، وإن كنا نقول: عند قصد السفر تثبت أحكامه لمفارقة البلد، وكذلك صرح المتولي أنه يجوز للراهن إخراج الماشية إلى الصحراء للرعي إذا كان الزمان زمان أمن، فإن أراد البُعد عن العمران منعه إلّا إذا أجدبت تلك البقعة، فعلى ما سبق.
وذكر الأصحاب في علة امتناع السفر؛ حيث يمنعه ما فيه من الخطر والحيلولة القوية من غير ضرورة، قالوا: "ولمثل هذا منع زوج الأمة من المسافرة بها، وإنما جاز لسيدها أن يسافر بها لحقِّه المتعلق بالرقبة، ولئلا يتكاسل في تزويجها، ويجوز للحر والرقيق إذا أذن سيده سبيله أن يسافر بزوجته الحرة؛ رعاية لمصالح النكاح التي لها فيها الحظ الوافر" (١).
فرع
قال في "الوسيط": "لو أمكن استكساب العبد في يد المرتهن لم ينتزع من يده، وإن لم يحسن إلَّا الخدمة انتزع نهارًا ورد ليلًا" (٢)، وهذا يدل على أنه لا ينتزع إذا أمكن استكسابه، وإن طلب الراهن الخدمة.
قال الرافعي: "ولم يتعرض الأكثرون لذلك، وقضية كلامهم: أن له أن
стр. 1319
يستخدم مع إمكان الاستكساب" (١).
قال النووي: "كلام الغزالي محمول على موافقة الأصحاب، وقد ذكرت تأويله في "شرح الوسيط" (٢)، والذي ذكره في "شرح الوسيط" أنه يمكن حمله على موافقة الجماعة، ويكون مراده: أن العبد إذا كان له صنعة، وأراد السيد أن يعمل تلك الصنعة تحت يده لم ينتزع، بل يعمل ملك الصنعة في يد المرتهن، فإن كان لا يحسن إلَّا الخدمة، أو كان يحسن الصنعة، ولم يرد السيد إلَّا الاستخدام انتزع بها. والله أعلم.
فرع
ذكرنا أنه يرد ليلًا أعني العبد. قال ابن الرفعة: "ولا يجب في جميع الليل، بل في الوقت الذي جرت العادة بالراحة فيه؛ لأن الشافعي نص في البويطي في الأمة المزوجة أنها تترك بعد ثلث الليل (٣).
فرع
لا تزال يد البائع عن العبد المحبوس بالثمن للانتفاع؛ لأن ملك المشتري غير مستقر، وملك الراهن مستقر، وهل يستكسب في يده للمشتري أو تعطل منافعه؟ فيه خلاف للأصحاب، قال النووي: "الأرجح استكسابه" (٤).
فرع
إذن الراهن للعبد المرهون في الحج، فإن لم يمكنه إلَّا بمفارقة البلد لم يجز، فإن أحرم انعقد إحرامه، وللمرتهن منعه، وإن كان
стр. 1320
لا يفارق بلد المرتهن، ويعلم إحلاله قبل حلول الدين جاز، وإلَّا فلا يجوز قاله الروياني (١).
* * *
стр. 1321
قال:
وإن كان ثوبًا لم يملك لُبْسه؛ لأنه ينقص قيمته.
هذا محمول على الغالب، وقد صرح الرافعي بجواز اللبس إذا لم ينقص (١).
* * *
стр. 1322
قال:
وإن كانت أمَة لم يملك تزويجها؛ لأنه ينقص قيمتها.
قال أبو حنيفة: "يجوز له التزويج" (١)، وعندنا: لا يجوز، سواء أكانت حال الرهن خلية أم مزوجة، ثم طلقت طلاقًا بائنًا، وأراد السيد إعادتها أو تزويجها من غيره، قاله الماوردي (٢)؛ لأن الأول قد ارتفع، فلو كان الطلاق رجعيًّا فللزوج الرجعة، ولا يجوز تزويج العبد.
* * *
стр. 1323
قال:
وهل يجوز وطؤها؟ ينظر منها؛ فإن كانت ممن يحبل لم يجز وطؤها؛ لأنه لا يُؤمن أن تحبل فتنقص قيمتها، أو تبطل الوثيقة باستيلادها، وإن كانت ممن لا تحبل لصغر أو كبر، ففيه وجهان:
قال أبو إسحاق: يجوز وطؤها؛ لأنا قد أمِنَّا الضرر بالإحبال، وقال أبو علي ابن أبي هريرة: لا يجوز؛ لأن السن الذي لا تحبل فيه لا يتميز عن السن الذي تحبل فيه مع اختلاف الطباع؛ فمنع من الجميع، كما قلنا في شُرب الخمر لمَّا لم يتميز ما يسكر مما لا يسكر مع اختلاف الطباع في السكر حرم الجميع، وإذا منعنا من الوطء منعنا من الاستخدام؛ لأنه لا يؤمن أن يطأها، وإذا لم يمنع من الوطء؛ جاز الاستخدام.
منع وطء مَن تحبل لا خلاف فيه، والوجهان فيمن لا تحبل إذا كانت ثيبًا، ولا يضرها الوطء حكاهما الأصحاب.
والأكثرون وافقوا ابن أبي هريرة (١)، وتحرر الوجهان فيما إذا كانت حاملًا من الزنا؛ لأنه لا يخاف من وطئها الحبل، نعم، غشيان مثل هذه المرأة مكروه على الإطلاق، وقيل: حرام، وسَوَّى المصنف والأصحاب بين الصغيرة والكبيرة، ويمكن أن يقال: جريان الوجهين في الكبيرة ظاهر، أما بنت ست سنين مثلًا، ونحن نقطع بأنها لا تحبل فما وجهه؟ والسن متميز، ألا ترى أنا نضبط البلوغ بتسع، فقول أبي إسحاق في الصورة التي
стр. 1324
فرضناها متجه، ولا يظهر لقول ابن أبي هريرة اتجاه فيها إلَّا أن الأصحاب ألحقوا هذا الحكم بالعدة، فلم يفرقوا بين الصغيرة والآيسة لذلك.
وقد قيَّد ابن أبي عصرون في "الانتصار" محل الخلاف، فقال: هذا إن كانت ممن لها تسع سنين فما زاد، أما من لم تبلغ التسع، فإنها لا تَمنع مَن وَطِئها إلّا أن يُخاف منه الضرر، وهذا التقييد الذي قاله جيِّد، وهو من عنده، وليس نقلًا عن الأصحاب (١)، ولو كانت بكرًا امتنع وطؤها بلا خلاف، وإن كانت في سن لا تحبل؛ لأن الافتضاض ينقص قيمتها، كذا أطلقوه، وهو محمول على ما إذا كان الوطء يزيل البكارة، وهو الغالب فلو كانت عوراء يمكن الوطء مع بقاء البكارة، فيظهر أنه على الوجهين، ولو كانت ثيبًا في سن لا تحمل، ولكن الوطء يضر بها فيمتنع أيضًا، ولا يُجرى الوجهان، فلو خالف ما ذكرناهُ ووطئ؛ عُزِّر، ولا حد ولا مهر، ولكن عليه أرش البكارة إذا افتض.
أما أنه لا حد ولا مهر؛ فلأنه أصاب ملكه، ويخالف ما لو وطئ المكاتبة؛ حيثُ يغرم المهر لها؛ لأن المكاتبة قد استقلت، واضطرب الملكُ فيها أو زال؛ ولهذا لو وطئها أجنبي كان المهر لها، ولو وطئ المرهونة أجنبي كان المهر للسيد.
وأما وجوب أرش البكارة؛ فلأن الافتضاض إتلاف جزء، ثم إن شاء جعله رهنًا، وإن شاء صرفه إلى أداء الدين، وإذا لم يحبلها فهي رهن بحالها، وإن أولدها فسيأتي في كلام المصنف بشرحه إن شاء الله تعالى.
وحيثُ منعنا الراهن من الوطء؛ فليس له أن يقول: أطأ وأعزل؛ لأن الماء قد سبق، وهذا الكلام في الراهن، أما الزوج إذا كانت المرهونة من وجه،
стр. 1325
فيجوز له وطؤها بلا خلاف.
فائدة:
ما ذكرناه من وجوب أرش البكارة لم يذكروا فيه خلافًا، وكذلك لو كانت ثيبًا فأفضاها، أو نقصت قيمتها بالوطء، ولنا خلاف فيما إذا وطئ أَمَة الغير مطاوعة، وقلنا: لا مهر لها بسبب البغي، وكانت بكرًا أنه هل يجب أرش البكارة؟
قال ابن الرفعة: فيجب طرد الوجه فيما نحن فيه، أما إذا لم تكن مطاوعة، فسقوط أرش البكارة إذا قبل به لاندراجه تحت المهر؛ فالفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر.
فرع
لو مات الراهن ووارثه ابنه وهو دون سن الاحتلام، هل يمكن من وطئها؟ قال ابن الرفعة: يظهر جريان الوجهين.
فرع
قول المصنف: وإذا منعنا الوطء منعنا الاستخدام، وإذا جوزناه جاز، ينبغي أن يحمل على استخدام يستلزم أخذها من يد المرتهن، أو العدل، ويكون موافقًا لما قدمناه عن الرافعي.
وأما الاستخدام الذي لا يستلزم خلوة، فلا يظهر منعه، سواء أمنعنا الوطء أم لا، وعبارة الماوردي صريحة في أن الممتنع إنما هو الخلوة، فإنه قال: "إن قلنا: إنه غير ممنوع من الاستمتاع جاز أن يخلو بها في الاستخدام، ثم هذا إنما يكون في غير المحرم، أما المحرم فوطؤها ممنوع، ولا يستلزم منع استخدامها؛ لأن الخلوة بها جائزة.
وإن قلنا: إنه ممنوع من الاستمتاع لم يجز أن تخلو بها في
стр. 1326
الاستخدام" (١).
واقتضى كلامه أيضًا: أن حكم الوطء وسائر الاستمتاعات سواء، وهو كذلك، ومن المعلوم: أن الكلام هنا فرع رهن الجواري، وقد تقدم وجه في الحسناء؛ فالكلام هنا في غيرها، ومنها على الصحيح.
* * *
стр. 1327
قال:
وإن كانت أرضًا، فأراد أن يغرس فيها أو يبني لم يجز؛ لأنه يراد للبقاء، وينقص به قيمة الأرض عند القضاء، فإن خالف فغرس أو بنى والدَّين مؤجل لم يقلع في الحال؛ لأنه يجوز أن يقضي الدين من غير الأرض، وربما لم تنقص قيمة الأرض مع الغراس والبناء عن الدَّين، فلا يجوز الإضرار بالراهن في الحال لضرر متوهم [بالمرتهن] (١) في باني الحال، فإن حلَّ الدين ولم يقض [وعجزت] (٢) قيمة الأرض مع الغراس والبناء عن قدر الدين قلع.
المنع من الغراس والبناء مطلقًا، سواء أكان الدين حالًّا أم مؤجلًا هو الصحيح المشهور، وفي "النهاية" (٣) وجه: "أنه يجوز إن كان الدين مؤجلًا كما لا يقلع ما نبت من حميل السيل"، والصحيح: الأول؛ لأنه إحداث نقص في الحال على سبيل الاختيار، وحكى الغزالي في "الوسيط" الوجه الذي في "النهاية" عن الربيع، قال: "وذكر الربيع في الدين المؤجل وجهًا أنه لا يمنع من الغراس" (٤)، والإمام حكاه عن الربيع في زرع ما يبقى بعد المحل، وقال: "إنه من تخريج الربيع" (٥)، فجاء الغزالي وخرجه من الزرع إلى الغرس إلَّا أن يكون عنده نقل آخر، وسواء قلنا بالجواز أم بالمنع، فخالف وغرس أو بنى والدين مؤجل؛ فالأصح أنه لا يقلع في الحال لما قاله
стр. 1328
المصنف، وفيه وجه: أنه يقلع في الحال تفريعًا على الصحيح في منعه في الابتداء، وهو الذي أورده في "الوسيط" (١)؛ لأنه عرق ظالم بخلاف ما إذا حمل السيل النوى؛ فإنه لا يقلع في الحال قطعًا.
أما القلع عند المحل إذا لم يَفِ بالدين إلَّا به فيجب قطعًا، وكذا إذا غرس والدين حال قطعًا يمنع ويقلع في الحال قطعًا إذا طالب به المرتهن ولم تَفِ الأرض بدونه، وقد ذكرنا هذه المسألة عند رهن الجارية دون ولدها، ولم يذكر هناك الوجه الذي ذكرناه هنا أنه يقلع في الحال، ولا كونه يمنع من الغرس أو لا، ولو صار الراهن محجورًا عليه بالإفلاس.
فإن كان الغراس نبت من حميل السيل فلا قلع وإن كان نبت من غرس الراهن الذي منعناه، ففي القلع وجهان؛ لأنَّا منعناهُ فخالف.
* * *
стр. 1329
قال:
وإن أراد أن يزرع ما يضر بالأرض لم يجز، وإن لم يضرَّ بالأرض نظرت، فإن كان يحصد قبل محل الدين جاز، وإن كان لا يحصد إلَّا بعد محلِّ الدين، ففيه قولان؛ أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ينقص قيمة الأرض، فيستضر به المرتهن.
والثاني: يجوز؛ لأنه ربما قضاه الدين من غير الأرض، وربما وفت قيمة الأرض مع الزرع بالدين، فلا يمنع منه في في الحال.
الزرع تارة يستوفي قوة الأرض فيضر بها، وينقص قيمتها، ولا شكَّ أن هذا ممنوع منه، سواء أكان يحصد قبل حلول الدين أم لا، ولا خلاف في ذلك، وإنما جاء الوجه المتقدم في الغراس من جهة المدة، فلو فرض أن الغراس ينقص قيمة الأرض بمعنى: استيفاء قوتها؛ لم يَأْتِ الوجه المذكور، بل يجزم بالمنع كما هنا، وأولى، أما إذا كان الزرع لا يضرُّ بالأرض؛ فإن كان يحصد قبل محلّ الدين جاز، ثم إن تأخر الإدراك لعارض ترك إلى الإدراك، وإن كان بحيث لا يحصد إلَّا بعد الحلول؛ فقولان حكاهما المصنف والماوردي، وبناهما على بيع الأرض المزروعة إن منعنا بيعها منعناهُ الزرع، فإن زرع لم تقلع قبل المحل، فإذا حلَّ يقلع، إلَّا أن يختار المرتهن تأخيره إلى الحصاد، وإن جوزنا بيعها، فله الزرع.
فإذا زرع وحلَّ الحق والزرع قائم فإن قضاه فذاك، وإلَّا وإلا بيعت الأرض، فإن كان في بيعها مزروعة دون الزرع وفاء لم يقلع الزرع، وإلَّا قلع إلَّا أن يجد من يشتريها بحقِّه على أنه يقلع الزرع، ثم يقر المشتري الزرع في أرضه إن شاء تطوعه.
стр. 1330
وقال الإمام: "المذهب أنه لا يجوز الزرع، وحكى الجواز عن الربيع، وقال: إنه من تخريجه كما قدمناه" (١)، وليس كما قال، بل هو منصوص عليه، ولفظه في "الأم" (٢) صريح في القولين كما ذكره المصنف؛ فإنه قال: "وإذا كان الرهن أرضًا لم يمنع الراهن من أن يزرعها الزرع الذي يحل قبل محلِّ الحق أو معه، ومما ينبت من الزرع بعد محلّ الحقِّ قولان؛ أحدهما: أن الراهن يُمنع في قول من لا يجيز بيع الأرض مزروعةً دون الزرع من زرعها ما ينبت فيها بعد محل الحق.
والقول الثاني: لا يمنع من زرعها بحال، ويمنع من غراسها وبنائها إلَّا أن يقول: أنا أقلع ما أحدث إذا جاء الأجل، فلا يمنعه".
ووجه المنع عند عدم الوعد: أنه لا يمكن قلع غراسه وبنائه من أرضه بغير رضاه وفي إبقائه تنقيص لقيمة الرهن، فمنع منه؛ كالوطء في حقِّ من تحبل ونحوه. انتهى.
وهو تصريح بما قاله المصنف، وبما قاله الماوردي من البناء على البيع (٣)، ومقتضى هذا البناء أن يكون قول الجواز أصح؛ لأن الأصح جواز بيع الأرض المزروعة.
والرافعي قال: "إنه يمنع، وعن الربيع حكاية قول: إنه لا يمنع، ولهذا التفات إلى أن الأرض المزروعة هل يجوز بيعها؟ " (٤).
فاقتضى صدر كلامه ترجيح المنع؛ ولذلك قال في "الروضة": "إنه
стр. 1331
المشهور" (١)، وهو الأقوى؛ لنقصان الرغبة في الأرض المزروعة.
وينبغي أن يرتب الخلاف على بيع الأرض المزروعة إن منعناه امتنع الزرع، وإلَّا فوجهان؛ أصحهما: المنع؛ لما ذكرناه.
وقد اقتضى كلام الشافعي هذا: أنه متى وعد، فقلع الغرس لا يمنع منه، وهذا عجيب؛ لأنه قد لا يفي بوعده، ولم أرَ الأصحاب تعرضوا لذلك إِلَّا الروياني؛ فإنه قال في "البحر": "ولو قال: أقلعه وأنقضه إذا حلَّ الحق لا يمنع منه، إلَّا أن تنقص قيمته بذلك فمنع" (٢). انتهى.
وليت شعري! ما فائدة ذلك؟ ونحن إذا منعناه وخالف نقلعه إذا حلّ الحق شاء أو أبى، فوعده بالقلع ليس إلَّا ذكر حكم نحن نرهقه إليه، فالتجويز بهذا الوعد في معنى التجويز بدونه، وفيه تأييد لما حكاه الغزالي عن الربيع.
أما إذا كان الدين حالًّا، فقد جزم الرافعي وغيره بمنع الزرع (٣)، كما جزموا بمنع الغرس والدين حال.
تنبيه:
قدمنا خلافًا في أن الراهن هل له أن يستوفي المنفعة بنفسه، وإطلاق ذلك يقتضي جريان خلاف في الزراعة؛ حيث نجوزها، لكن الماوردي قال: "إن له الزراعة قولًا واحدًا، بخلاف سكنى الدار؛ لأن للساكن يدًا على الدار؛ فجاز أن يمنع منه الراهن إلَّا بإذن المرتهن، وليس للزارع يد على الأرض، وإنما يده على الزرع، فلم يمنع منه الراهن" (٤) انتهى.
стр. 1332
وهذا جيِّد وهو يؤيد ما قدمناه في أن المحذور على ذلك القول إنما هو إخراجه من يد المرتهن أو العدل لا الانتفاع به في يدهما؛ فإنه لا يمتنع قولًا واحدًا، وقول الماوردي: "إنه ليس للزارع يد على الأرض، وإنما يده على الزرع" (١) صحيح؛ ولذلك قال الأصحاب: يصح قبض الأرض المزروعة في الأصح، وقوله: إن للساكن يدًا على الدار، قد يؤخذ منه أن الدار المستأجرة لا يصح قبضها إذا باعها في مدة الإجارة والمستأجر فيها.
فرع
لو أراد أن يحدث فيها عينًا أو بئرًا، فإن لم ينقص ثمنها لم يمنع، وإن نقص منع، فإن عمل فلا يدفن عليه حتى يحل الحق، ثم يكون القول فيه القول في الذرع والغراس، نص عليه في "الأم"، قال: "هكذا كلما أراد أن يحدثه، ولا يكون ما أحدثه داخلًا في الرهن إلَّا أن يدخله، فإذا أدخله ولم ينقص لم يمنع، وإلَّا منع" (٢).
* * *
стр. 1333
قال:
وإن أراد أن يؤجر إلى مدة يحل الدين قبل انقضائها لم يجز؛ لأنه ينقص قيمة الأرض، وقال أبو علي الطبري: فيها قولان؛ كزراعة ما لا يحصد قبل محل الدين.
قال الماوردي فيما إذا أجر مدة أكثر من محل الدين "قولان من اختلاف قوليه في بيع الدار المؤجرة إن جوزناه جوزنا الإجارة، وإلَّا فلا.
فإن قلنا: الإجارة لا تجوز، فهي باطلة مما زاد، وفي الباقي قولًا خلاف تفريق الصفقة.
وإن قلنا: الإجارة جائزة، فإن لم توكس عن الرهن فهي لازمة في جميع مدتها، وليس للمرتهن الاعتراض، وإن كانت توكس بطلت، فما زاد والباقي على قولين، وسواء أرضي المرتهن فيما بعد أم لا" (١). انتهى.
واعلم، أن الإجارة لا توكس قيمة العين، ولو فرضت لذلك لامتنعت، وإن كانت إلى مدة أنقص من محلِّ الدين، ولكن العين المستأجرة إنما تباع في زمن الإجارة بأوكس مما تباع به لو لم تكن مستأجرة، هذا هو الغالب، وقد يعرض أن المشتري يسامح بذلك، ويبذل فيها مستأجره ما كان يبذل فيها فارغة، لا سيما إذا قصرت مدَّة الإجارة، وكانت العين مرغوبًا فيها، فإذا فرض ذلك يصحُّ أن يقال: إن الإجارة لا توكس من ثمن الرهن، ويصحُّ تفصيل الماوردي، وإلَّا فيشكل.
стр. 1334
وأما الرافعي فقال: "عن بعض الأصحاب فيما رواه ابن القطان بناء صحة الإجارة على القولين في جواز بيع المستأجر إن جوزناه صحَّت، وإلّا فلا، والمشهور: بطلانها قطعًا، أما إذا لم يجوّز بيع المستأجر فظاهر، وأما إذا جوزناه فلأن الإجارة تبقى، وإن صح البيع وذلك مما يقلل الرغبة، ثم القائلون بالمنع لم يفصل الجمهور، وقال في "التتمة": يبطل في قدر الأجل، وفي الزائد عليه قولًا تفريق الصفقة" (١). انتهى.
وأما ما حكاه عن ابن القطان، فهو موافق لما قال الماوردي.
وأما قوله: "إن صححا البيع صحت الإجارة"، فمعناه: أنها تصحُّ في جميع المدة التي قبل محل الدين وبعده، وهو أحد القولين اللذين ذكرهما المصنف عن أبي عليّ الطبري.
وقوله: "والمشهور بطلانها قطعًا" هو الذي صدَّر به المصنف كلامه، واقتصر عليه الأكثرون، ومعناه: أنها لا تصحُّ في جميع المدة.
وأما كونها تصحُّ في بعضها أو لا، فمسكوت عنه يأتي بيانه في كلامه، أعني: كلام الرافعي، وهكذا القول الآخر من القولين اللذين ذكرهما أبو عليّ الطبري، وقال أبو علي الطبري: إنه الأصحُّ، وهو كذلك: لأن الأكثرين قطعوا به.
وأما تعليل الرافعي له فيما إذا جوزنا بيع المستأجر بأن الإجارة تبقى، وإن صحَّ البيع، وذلك مما تقل الرغبة فيقتضي شيئين؛ أحدهما: أنا إذا قلنا بصحة الإجارة هنا نبقيها بعد حلول الدين وهو كذلك؛ ولذلك فرَّق صاحب "الاستقصاء" وغيره بين الإجارة والزرع؛ بأن الحق في الإجارة للمستأجر، فلا يقدر الراهن على إزالته، والحقُّ في الزرع للراهن، فيقدر على إزالته.
стр. 1335
والشيء الثاني: أن فرض المسألة في إجارة تقلل الرغبة، وهذا قد اقتضى كلام الماوردي الذي قدمناه بطلانها في الزائد، وحينئذ يكون كلام الماوردي موافقًا لكلام الأكثرين، وتكون الصورة التي فرضها الماوردي فيما إذا لم توكس القيمة لم يتعرض لها الأكثرون، بل أجروا الكلام على الغالب، وكلام الرافعي يقتضي إثبات الخلاف مع تقليل الرغبة، وكلام أبي عليّ الطبري أشدّ اقتضاء لذلك، وسنحكيه وقول الرافعي، ثم القائلون بالمنع - أي: وهم الجمهور - الذين قطعوا بالبطلان لم يفصل الجمهور منهم، يعني: بين بعض المدة وبعض، بل أطلقوا البطلان، وفرَّق صاحب "التتمة" قد عرفتَ أن الماوردي فرق أيضًا وهو الصواب، ويتعين حمل المطلقين عليه، وإنهم إنما قطعوا بالبطلان في الزائد؛ لأنه الذي فيه المعنى المحذور، أما الباقي قبل انقضاء الأجل فلا شك في تخريجه على قولي تفريق الصفقة؛ لعدم المحذور فيه، ألا ترى أنه لو اقتصر عليه جاز قطعًا، ومن هنا يتحصل في إجارة المدة الزائدة ثلاثة أوجه؛ أحدها: الصحة في الجميع.
والثاني: البطلان في الجميع.
والثالث: البطلان في الزائد، والصحة في الباقي، وهو الأصح.
فإن فرض أن الإجارة لا تنقص صحَّ في الجميع في الأصح، وقول الرافعي عن "التتمة": "تبطل في قدر الأجل" (١)، وفي الزائد عليه قولا تفريق الصفقة، كذا وقع في الرافعي و"الروضة" (٢)، وهو سبق قلم، والذي في "التتمة"، ففيما جاوز قدر الأجل باطل، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، ولو قلت: يصح في قدر الأجل، وفيما زاد قولان يصح أيضًا، ولكنهما ليسا