المشهور" (١)، وهو الأقوى؛ لنقصان الرغبة في الأرض المزروعة.
وينبغي أن يرتب الخلاف على بيع الأرض المزروعة إن منعناه امتنع الزرع، وإلَّا فوجهان؛ أصحهما: المنع؛ لما ذكرناه.
وقد اقتضى كلام الشافعي هذا: أنه متى وعد، فقلع الغرس لا يمنع منه، وهذا عجيب؛ لأنه قد لا يفي بوعده، ولم أرَ الأصحاب تعرضوا لذلك إِلَّا الروياني؛ فإنه قال في "البحر": "ولو قال: أقلعه وأنقضه إذا حلَّ الحق لا يمنع منه، إلَّا أن تنقص قيمته بذلك فمنع" (٢). انتهى.
وليت شعري! ما فائدة ذلك؟ ونحن إذا منعناه وخالف نقلعه إذا حلّ الحق شاء أو أبى، فوعده بالقلع ليس إلَّا ذكر حكم نحن نرهقه إليه، فالتجويز بهذا الوعد في معنى التجويز بدونه، وفيه تأييد لما حكاه الغزالي عن الربيع.
أما إذا كان الدين حالًّا، فقد جزم الرافعي وغيره بمنع الزرع (٣)، كما جزموا بمنع الغرس والدين حال.
تنبيه:
قدمنا خلافًا في أن الراهن هل له أن يستوفي المنفعة بنفسه، وإطلاق ذلك يقتضي جريان خلاف في الزراعة؛ حيث نجوزها، لكن الماوردي قال: "إن له الزراعة قولًا واحدًا، بخلاف سكنى الدار؛ لأن للساكن يدًا على الدار؛ فجاز أن يمنع منه الراهن إلَّا بإذن المرتهن، وليس للزارع يد على الأرض، وإنما يده على الزرع، فلم يمنع منه الراهن" (٤) انتهى.
стр. 1332
وهذا جيِّد وهو يؤيد ما قدمناه في أن المحذور على ذلك القول إنما هو إخراجه من يد المرتهن أو العدل لا الانتفاع به في يدهما؛ فإنه لا يمتنع قولًا واحدًا، وقول الماوردي: "إنه ليس للزارع يد على الأرض، وإنما يده على الزرع" (١) صحيح؛ ولذلك قال الأصحاب: يصح قبض الأرض المزروعة في الأصح، وقوله: إن للساكن يدًا على الدار، قد يؤخذ منه أن الدار المستأجرة لا يصح قبضها إذا باعها في مدة الإجارة والمستأجر فيها.
فرع
لو أراد أن يحدث فيها عينًا أو بئرًا، فإن لم ينقص ثمنها لم يمنع، وإن نقص منع، فإن عمل فلا يدفن عليه حتى يحل الحق، ثم يكون القول فيه القول في الذرع والغراس، نص عليه في "الأم"، قال: "هكذا كلما أراد أن يحدثه، ولا يكون ما أحدثه داخلًا في الرهن إلَّا أن يدخله، فإذا أدخله ولم ينقص لم يمنع، وإلَّا منع" (٢).
* * *
стр. 1333
قال:
وإن أراد أن يؤجر إلى مدة يحل الدين قبل انقضائها لم يجز؛ لأنه ينقص قيمة الأرض، وقال أبو علي الطبري: فيها قولان؛ كزراعة ما لا يحصد قبل محل الدين.
قال الماوردي فيما إذا أجر مدة أكثر من محل الدين "قولان من اختلاف قوليه في بيع الدار المؤجرة إن جوزناه جوزنا الإجارة، وإلَّا فلا.
فإن قلنا: الإجارة لا تجوز، فهي باطلة مما زاد، وفي الباقي قولًا خلاف تفريق الصفقة.
وإن قلنا: الإجارة جائزة، فإن لم توكس عن الرهن فهي لازمة في جميع مدتها، وليس للمرتهن الاعتراض، وإن كانت توكس بطلت، فما زاد والباقي على قولين، وسواء أرضي المرتهن فيما بعد أم لا" (١). انتهى.
واعلم، أن الإجارة لا توكس قيمة العين، ولو فرضت لذلك لامتنعت، وإن كانت إلى مدة أنقص من محلِّ الدين، ولكن العين المستأجرة إنما تباع في زمن الإجارة بأوكس مما تباع به لو لم تكن مستأجرة، هذا هو الغالب، وقد يعرض أن المشتري يسامح بذلك، ويبذل فيها مستأجره ما كان يبذل فيها فارغة، لا سيما إذا قصرت مدَّة الإجارة، وكانت العين مرغوبًا فيها، فإذا فرض ذلك يصحُّ أن يقال: إن الإجارة لا توكس من ثمن الرهن، ويصحُّ تفصيل الماوردي، وإلَّا فيشكل.
стр. 1334
وأما الرافعي فقال: "عن بعض الأصحاب فيما رواه ابن القطان بناء صحة الإجارة على القولين في جواز بيع المستأجر إن جوزناه صحَّت، وإلّا فلا، والمشهور: بطلانها قطعًا، أما إذا لم يجوّز بيع المستأجر فظاهر، وأما إذا جوزناه فلأن الإجارة تبقى، وإن صح البيع وذلك مما يقلل الرغبة، ثم القائلون بالمنع لم يفصل الجمهور، وقال في "التتمة": يبطل في قدر الأجل، وفي الزائد عليه قولًا تفريق الصفقة" (١). انتهى.
وأما ما حكاه عن ابن القطان، فهو موافق لما قال الماوردي.
وأما قوله: "إن صححا البيع صحت الإجارة"، فمعناه: أنها تصحُّ في جميع المدة التي قبل محل الدين وبعده، وهو أحد القولين اللذين ذكرهما المصنف عن أبي عليّ الطبري.
وقوله: "والمشهور بطلانها قطعًا" هو الذي صدَّر به المصنف كلامه، واقتصر عليه الأكثرون، ومعناه: أنها لا تصحُّ في جميع المدة.
وأما كونها تصحُّ في بعضها أو لا، فمسكوت عنه يأتي بيانه في كلامه، أعني: كلام الرافعي، وهكذا القول الآخر من القولين اللذين ذكرهما أبو عليّ الطبري، وقال أبو علي الطبري: إنه الأصحُّ، وهو كذلك: لأن الأكثرين قطعوا به.
وأما تعليل الرافعي له فيما إذا جوزنا بيع المستأجر بأن الإجارة تبقى، وإن صحَّ البيع، وذلك مما تقل الرغبة فيقتضي شيئين؛ أحدهما: أنا إذا قلنا بصحة الإجارة هنا نبقيها بعد حلول الدين وهو كذلك؛ ولذلك فرَّق صاحب "الاستقصاء" وغيره بين الإجارة والزرع؛ بأن الحق في الإجارة للمستأجر، فلا يقدر الراهن على إزالته، والحقُّ في الزرع للراهن، فيقدر على إزالته.
стр. 1335
والشيء الثاني: أن فرض المسألة في إجارة تقلل الرغبة، وهذا قد اقتضى كلام الماوردي الذي قدمناه بطلانها في الزائد، وحينئذ يكون كلام الماوردي موافقًا لكلام الأكثرين، وتكون الصورة التي فرضها الماوردي فيما إذا لم توكس القيمة لم يتعرض لها الأكثرون، بل أجروا الكلام على الغالب، وكلام الرافعي يقتضي إثبات الخلاف مع تقليل الرغبة، وكلام أبي عليّ الطبري أشدّ اقتضاء لذلك، وسنحكيه وقول الرافعي، ثم القائلون بالمنع - أي: وهم الجمهور - الذين قطعوا بالبطلان لم يفصل الجمهور منهم، يعني: بين بعض المدة وبعض، بل أطلقوا البطلان، وفرَّق صاحب "التتمة" قد عرفتَ أن الماوردي فرق أيضًا وهو الصواب، ويتعين حمل المطلقين عليه، وإنهم إنما قطعوا بالبطلان في الزائد؛ لأنه الذي فيه المعنى المحذور، أما الباقي قبل انقضاء الأجل فلا شك في تخريجه على قولي تفريق الصفقة؛ لعدم المحذور فيه، ألا ترى أنه لو اقتصر عليه جاز قطعًا، ومن هنا يتحصل في إجارة المدة الزائدة ثلاثة أوجه؛ أحدها: الصحة في الجميع.
والثاني: البطلان في الجميع.
والثالث: البطلان في الزائد، والصحة في الباقي، وهو الأصح.
فإن فرض أن الإجارة لا تنقص صحَّ في الجميع في الأصح، وقول الرافعي عن "التتمة": "تبطل في قدر الأجل" (١)، وفي الزائد عليه قولا تفريق الصفقة، كذا وقع في الرافعي و"الروضة" (٢)، وهو سبق قلم، والذي في "التتمة"، ففيما جاوز قدر الأجل باطل، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، ولو قلت: يصح في قدر الأجل، وفيما زاد قولان يصح أيضًا، ولكنهما ليسا
стр. 1336
قولي تفريق الصفقة، بل القولان اللذان قالهما أبو علي الطبري مع القول بأن الصفقة تتفرق.
وحاصله: أن في قدر الأجل يصحُّ على الأصح، وفي الزائد قولان؛ أصحهما: المنع، وإن شئت تقول: لا يصح في الزائد في الأصح، وفي الباقي قولان؛ أصحهما: الصحة، وأما كلام أبي علي الطبري الذي أشار المصنف إليه، فقد رأيته في "الإفصاح"، قال بعد أن حكى عن الشافعي ما قدمناه في الزراعة، وقوله: "والثاني: أنه لا يمنع من زرعها بحال"، قال: فلذلك يجب قياسًا على هذا ألا يمنع من الإجارة الأكثر من مدَّة الحق، كما قال في الزرع؛ لأن حقه في رقبته لا في منفعته، والأصحُّ: أن ذلك لا يجوز فيهما؛ لأنه إن لم يمنع من بيعها على هذا القول، فإنه ينقص من ثمنها إلَّا أنه يمكن أن يُقال: إنه دخل فيها راضيًا بحكم الشرع فيما يكون من الانتفاع بها على حسب الحال، كما لا يمنع من وطء الجارية المرهونة، وإن خيف منه الإحبال. انتهى.
فأما قياسه على الزرع؛ فقد تقدم الفرق بأن الزرع يقلع إذا توقف قضاء الدين عليه بخلاف الإجارة، اللهم أن يقال: إن الزرع لا يقلع، أو إن الإجارة تفسخ، ولا أعلم من قال بذلك.
وقد صرّح الماوردي (١) والرافعي (٢) بقلع الزرع إذا احتيج إلى قلعه؛ لوفاء الدين، فإن وافق أبو علي الطبري على ذلك اندفع التخريج.
وقوله: "كما لا يمنع من وطء الجارية المرهونة وإن خيف منه الإحبال"، في غاية الإشكال؛ لأن المعروف أنه متى خيف الإحبال؛ امتنع الوطء
стр. 1337
قطعًا، إلَّا أن يريد وطء الزوج الأمة المزوجة المرهونة، وكيف يريد هذا وهو لا يشبه ما نحن فيه في شيء، ولعلَّ أبا علي الطبري يوافق أبا إسحاق على جواز وطء مَن لا تحبل، ويكون قوله: "خيف الإحبال"؛ إشارة إلى أنه متوهم، وإن كان السن لا يقتضيه، ويكون يقول: "إذا جوزنا الزراعة" على هذا القول، فلا يقلع الزرع بخلاف ما قال الماوردي وغيره، ولكنه بعيد لما فيه من الإضرار بالمرتهن.
فإن قلتَ: المصنفُ قال: إن الإجارة لا تجوز.
وأنتَ قد قلت: إن الأصحَّ: أنها تصح في قدر الأجل دون الزائد؟ قلت: كلام المصنف مطلق مثل كلام الجمهور؛ فيحملُ على أنه لا يجوز في جميع المدة؛ فلا ينافي إجراء بعضها على قولي تفريق الصفقة، أو يُراد أنه لا يحل الإقدام عليها، فلا ينافي الصحة وكلام أبي علي الطبري في مقابلتها يصح حمله على الحل، وعلى الصحة في الجميع كل منهما مُراد له، أما الصحة فلما قدمناهُ، وأما الحلُّ فكالزراعة على أحد القولين.
فرع
هذا فيما إذا كان الدين مؤجلًا بأجل يحل قبل مضي مدة الإجارة، فلو كان حالًّا؛ فقد سَوَّى الرافعي بينه وبين ما إذا كان مؤجلًا بأجل يحل قبل انقضاء مدة الإجارة (١)، والمقصود بذلك: أن يأتي فيه وجهان؛ أصحهما: البطلان.
والثاني: يجوز، وهو بعيد جدًّا إذا كانت تنقص القيمة، وكل ما منعناه
فذلك إذا لم يأذن فيه المرتهن، فإن كان بإذنه جاز، وقد تقدَّم بعض الكلام في الإجارة قبل هذا بسبع أوراق.
стр. 1338
قال:
وإن كان فحلًا فأراد أن ينزيَه على الإناث جاز؛ لأنه انتفاع لا ضرر فيه على المرتهن، فلم يمنع منه؛ كالركوب، وإن كان أنثى فأراد أن ينزي عليها الفحل نظرتَ؛ فإن كانت تلد قبل محل الدين جاز؛ لأنه لا ضرر فيه على المرتهن، وإن كان الدين يحل قبل ولادتها وقبل ظهور الحمل بها جاز؛ لأنه يمكن بيعها، وإن كان يحل بعد ظهور الحمل.
فإن قلنا: إن الحمل لا حكم له جاز؛ لأنه يباع معها.
وإن قلنا: له حكم لم يجز؛ لأنه خارج من الرهن؛ فلا يمكن بيعه مع الأم، ولا يمكن بيع الأم دونه فلم يجز.
هذا الحكم عام في الإبل والبقر والغنم وغيرها من الحيوانات.
وقوله: يُنزيه هو بضم الياء وإسكان النون وكسر الزاي، ويجوز تشديدها مع فتح النون، وجواز إنزاء الفحل على الإناث، أطلقه الشافعي (١)، كما أطلقه المصنف، وهو محمول على ما إذا لم ينقص قيمته، فإن نقص لم يجز صرَّح به الغزالي (٢) والرافعي (٣) وغيرهما.
وجواز الإنزاء على الأنثى المرهونة بدين تلد قبل محله، لا خلاف فيه أيضًا، وهذا من الشافعي والأصحاب يدلُّ على أن الحمل في البهائم لا يُخشى منه كما يُخشى في الآدميات عند الولادة؛ فإنه لو كان يُخشى منه
стр. 1339
لمنع منه لتعريضها للتلف بذلك، ويتأيد به أيضًا ما قيل في باب البيع من أن الحمل في البهائم ليس بعيب، والجواز فيما إذا كان الدين يحل قبل ولادتها، وقبل ظهور الحمل بها، قاله الرافعي أيضًا (١).
وإطلاق كلام الشافعي يشمله، والقطع بذلك يؤيد أن الحمل ليس بعيب؛ إذ لو كان عيبًا لم يفترق الحال فيه بين ظهوره وعدم ظهوره إذا تبين أنه كان موجودًا عند البيع، لكن إذا قلنا: إن الحمل يُقابله قسطٌ من الثمن، فالذي يظهر: أنه لا فرق بين أن يكون ظاهرًا وقت البيع أو لا، وإن الحكم بالمقابلة موجود في الحالتين، وهذا في الآدميات ظاهر؛ فإنه لو باع جارية وأتت بولدٍ لأقل من ستة أشهر بلحظةٍ من حين البيع، ولم تكن حين البيع ظاهرة الحمل، فلا شك أنا نحكم بأن ولدها قابله قسط من الثمن على هذا القول.
أما البهائم فليس لمدة الحمل فيها تقدير شرعي؛ فإذا باع بهيمة لم يظهر بها حبل، ثم أتت بولدٍ كيف حكمه؟ وينبغي إذا عُلم بتصادقهما أو بطريق غيره إن كان موجودًا عند البيع يحكم بالمقابلة على هذا القول، وحيث حكمنا بالمقابلة أو بعدمها، فمتى حكمنا بأنه عيب وعلم وجوده عند العقد ينبغي أن يكون عيبًا، ويثبت به الرد، وإذا ثبت ذلك فيظهر أن للمرتهن المنع من الإنزاء على الأنثى إذا كان دينه يحل قبل ظهور الحمل؛ لأنه قد يُباع، ثم يظهر الحمل، فترد فيسترجع منه الثمن وَعُذر الأصحاب أن الحمل في البهائم ليس بعيب، والمقابلة لا أثر لها بالنسبة إلى المرتهن، نعم، إذا باع شاة أو جارية موصى بنتاجها لغيره، ولم تكن ظاهرة الحمل، ثم تبين أنها كانت حاملًا عند البيع، وقلنا: الحمل له حكم، فيصير قد باع شاة أو جارية حاملًا بحمل لغيره، وهو لا يصح، ولا شك أن هذا يُضرُّ بالمرتهن إذا انتهى
стр. 1340
فساد البيع، ورجع عليه بالثمن، فينبغي أن يمتنع الإنزاء في هذه الحالة إذا قيل: للحمل حكم، ولم يذكره الأصحاب هنا، وقد ذكره المصنف والأصحاب فيما إذا كان الدين يحل بعد ظهور الحمل، وقبل الولادة، وقالوا: إن قلنا: الحمل لا حكم له جاز، وإلَّا لم يجز، قال ابن الرفعة: وهو يُفهم أنه إذا قلنا: يُعلم، وجوَّزنا استثناء الحمل، كما ذاك وجه في طريقة المراوزة أنه يجوز الإنزاء وفيه نظر؛ لأن ذلك ينقص القيمة، ولما ذكر الروياني؛ "أن الإنزاء على الأنثى يُبنى على أن للحمل حكمًا أم لا، قال: قال بعض أصحابنا: هذا على قول من قال من أصحابنا: الحمل في البهائم زيادة من كل وجه، فأما إذا قلنا: الحمل نقص في البهائم؛ لأنه يهزل اللحم يجب ألا يكون للراهن أن ينزي عليها بحال إلَّا بإذن المرتهن، وإن كان ظهور الحمل بعد محل الحق يجوز؛ لأنا لا ندري عند الحلول حملت أو لا" (١).
قلت: الذي قالهُ في الأول جيد، والذي قاله في الآخر يرد عليه ما سبق، وقال فيما إذا منعناه فخالف وأنزى عليها، فحملت أنها لا تباع، حتى تضع، ثم تباع الأم مع الولد؛ فَيُعْطَى المرتهن قيمة الأم حاملًا، وهذا قد سبق.
فرع
لا فرق فيما ذكرناه بين أن يُنزي الفحل على إناثه أو إناث غيره، وقد قيَّد صاحب "الاستقصاء" الكلام في الإنزاء على الأنثى بما إذا كان في أوانه، فإن كان في غير أوانه لم يجز.
* * *
стр. 1341
فرع
إذا حلب الماشية، فيحلبها في وقت العادة، ولا يستقصي فيه استقصاء يُضرُّ بها، وجزُّ الصوف يكون في الزمان الذي لا يضر أخذهُ بالماشية ويأخذه جزًّا، ولا يأخذه حلقًا، ويُبقي منه بعد الجز ما يكون حافظًا للماشية، وهذا حيث لم نُدخل اللبن والصوف في الرهن، فإن أدخلناهما، فالحقُّ للراهن والمرتهن جميعًا، ولا يمنعان إلَّا مما يضر بالماشية لحقِّ الله تعالى.
* * *
стр. 1342
قال:
فَصْل [في التصرف في عين الرهن]
ويملك [الراهن] (١) التصرف في عين الرهن بما لا ضرر فيه على المرتهن؛ كودج الدابة، وتبزيغها، وفصد العبد، وحجامته؛ لأنه إصلاح مال من غير إضرارٍ بالمرتهن.
الفصلان المتقدمان في التصرف في المنافع الأول فيما لا يضر، والثاني فيما يضر، وهذا الفصل والذي بعده في التصرف في العين الأول فيما لا يضر، والثاني فيما يضر مجملًا، وبعده فصول في التفصيل.
و"ودج الدابة" بفتح الواو وسكون الدال: قطع ودجها بفتح الواو والدال معًا عرق في العُنق، وهو لها كالفصد للإنسان، يقال: ودج يدج ودجًا، مثل: وزن يزن وزنًا، ويقول: دج دابتك، وودجتُ على القوم؛ أصلحتُ بينهم، ويقال: ودَّج بالتشديد توديجًا.
و"التبزيغ" بالباء الموحدة والزاي والغين المعجمتين هو النقب عن الرهصة، وهي الماء في حافر الدابة، ومعنى التبزيغ: الشق، ومنه:
стр. 1343
بزغت الشمس إذا طلعت، ومصدره: بزوغ، وبزغ البيطار، أي: شرط، ومصدره: بَزْغ، قال الطرماح (١) - وقيل: الأعشى (٢):
كطعنِ البيطرِ الثَّقفِ رهصَ الكوادنِ
و"بزَّغ" بالتشديد مضعف منه ومصدره: تبزيغ، وجاء كلام المصنف عليه.
والفصد والحجامة معروفان، وللراهن فعل ذلك من غير رضًا المرتهن؛ لما ذكره المصنف، وإنما يكون ذلك عند الحاجة، كما دلَّ عليه قول المصنف: لا ضرر فيه، قال الروياني: "فإن لم تكن حاجة يمنع من الفصد، ولا يمنع من الحجامة؛ لاستبقاء الصحة" (٣).
* * *
стр. 1344
قال:
وإن أراد أن يختن العبد، فإن كان كبيرًا لم يجز؛ لأنه يخاف منه عليه، وإن كان صغيرًا نظرتَ، فإن كان في وقت يندمل الجرح [فيه] (١) قبل حلول الدين جاز، وإن كان في وقت يحل [الدين] (٢) قبل اندمال جرحه لم يجز؛ لأنه ينقص ثمنه.
منع ختان الكبير قاله المصنف وأتباعه، وقال النووي في "الروضة": "إنه ظاهر نصه في "الأم" و"المختصر"، ويؤيده أنهم عدُّوا عدم الختان عيبًا في الكبير دون الصغير" (٣)، وما أشار إليه من نصه هو قوله في "الأم": "ولو رهنه عبدًا أو أمةً صغيرين لم يمنع أن يُعَذِّرهما؛ لأن ذلك سُنَّة فيهما وهو صلاحهما، والزيادة في أثمانهما" (٤)، وقوله في "المختصر": "ولو كان الرهن ماشية، فأراد الراهن أن ينزي عليها، أو عبدًا صغيرًا، فأراد أن يختنه، أو احتاج إلى شرب دواء، أو فتح عرق، أو الدابة إلى توديج أو تبزيغ؛ فليس للمرتهن أن يمنعه مما فيه للرهن منفعة" (٥). انتهى.
فأراد النووي بالظاهر مفهوم هذين النصين؛ لتقييده بالصغير، فإنه يفهم أن الكبير، بخلافه، لكن الأكثرون أطلقوا جواز الختان، وصرَّح المتولي
стр. 1345
والشيخ نصر المقدسي وَسُليم في "المجرد" و"التقريب" وهو شيخه وابن داود: بجواز الختان في الكبير والصغير جميعًا.
وقال ابن داود: إن الشافعي إنما شرط الصغير للعادة الجارية؛ فإن الختان في الصغير، وإلَّا فحكم العبد الكبير هكذا أيضًا إذا لم يكن مختونًا.
قال ابن الرفعة: ويشبه أن يقال غير ذلك؛ لأن مراده بالصغير غير البالغ، وأخرج به الكبير؛ لأن ختانه إذ ذاك واجب على العبد لا على السيد، فلم يكن من قبيل ما نحن فيه بخلاف الصغير، فإن السيد يفعله استصلاحًا لملكه، وكونه سنة في حقه لا لكونه واجبًا. انتهى.
وهذا اعتذار جيِّد، والقاضي أبو الطيب حمل قوله: سُنَّة، أي: على أنه ثابتٌ بالسُّنة، قال: ولا يختلف المذهب أن الختان واجب.
قال ابن الصباغ: يحتمل أنه سنة في هذا السن، واجب على البالغ.
قال ابن الرفعة: هو واجب عند البلوغ، أما قبله فسنة.
وكلام الشافعي فيه، وقد ظهر بهذا أن ما ادعاه النووي من ظاهر النص فيه نظر؛ لقوة الاحتمال فيه، وإن ما صرَّح به المصنف من عدم الجواز في الكبير لم نره لغيره، وكيف يترك شيء هو واجب لحقِّ الله تعالى، وسببه متقدم لأجل حقِّ المرتهن الحادث عليه؛ فالحق: أن الختان واجب على الكبير، وللسيد أن يتولاه؛ لأن له ولاية على عبده.
وأما قول النووي: "ويؤيده أن عدم الختان عيب في الكبير" (١)؛ فصحيح أنه عيب، ولكن هذا التعييب مستحق كما لو رهن سارقًا، فإنه يقطع في يد المرتهن، وإن كان عيبًا، ثم المرتهن إن لم يكن علم بأنه غير مختون، وكان
стр. 1346
حين الرهن كبيرًا، والرهن مشروط في بيع يثبت له الخيار ختنه أم لم يختنه؛ لأن عدم ختانه حينئذٍ عيب، فإن علم به، فقد رضي بالعيب، ودخل عليه، فيُسْتوفى كما يستوفى الحد.
وقد رأيت في "المطلب" بخط ابن الرفعة: أن عدم جواز ختان الكبير، صرح به في "التهذيب"، وكأنه أراد "المهذب" فسبق القلم.
والذي رأيته في "التهذيب" للبغوي: "أن له ختان العبد المرهون إذا كان في سنٍّ يحتمل، ويندمل الجرح قبل حلول الأجل" (١).
وأما "التهذيب" لنصر المقدسي؛ فقد تقدم عنه أنه يقول بالجواز منهما، ومنع ختان الصغير إذا كان في وقت محل الدين قبل اندمال جَرحه؛ قاله الماوردي (٢)، والبغوي، وغيرهما من العراقيين والخراسانيين.
وكذلك إذا كان الدين حالًّا؛ لأنه ينقص قيمته، واقتضى كلام الإمام إثبات خلاف فيه، ومال إلى الجواز، فإنه قال: "إنه لا يمنع مما ذكرهُ الشافعي؛ لأنه لا خطر، وأبدى بعض الأصحاب خلافًا في الختان عند القرب من حلول الحق من جهة أن البيع يفرض ورودهُ والمختون متألم، وهذا ينقص القيمة والرغبة، وهذا باطل، فإن هذا القدر لا أثر له في النقصان أصلًا، فلا منع منه" (٣).
قال ابن الرفعة: والكلام في هذا يرجع إلى تحقيق مناط، يعني: إن كان ينقص القيمة منع، وإلَّا فلا، والجواز في الصغير إذا كان الجرح يندمل قبل الحلول، أو بدون هذا الشرط على رأي الإمام، أو في الكبير إذا قلنا به
стр. 1347
مشروط بأن يكون في وقت اعتدال الهواء، واقتصر المصنف على العبد، وقد علمت من الشافعي أنه نصَّ على العبد والأمة، وكذلك الأصحاب سووا بينهما، ولكن ذلك منهم؛ لأنهم لم يصرحوا في الكبير بالمنع.
أما المصنف حيث منع في الكبير للخوف عليه، فينبغي أن يفرق؛ لأن المرأة لا يُخَافُ من ختانها كما يخاف من ختان الرجل، وبذلك صرَّح ابن أبي عصرون، فقال في "الانتصار": إن كانت جارية جاز مُطلقًا؛ لأنه إقامة واجب لا يضرُّ المرتهن، وإن كان عبدًا كبيرًا لم يجز من غير رضا المرتهن؛ لأنه مخوف.
وقول المصنف: يَنْقُص ثمنه، هو بفتح الياء وسكون النون وضم القاف المخففة، هذه اللغة الفصيحة، ويجوز بضم الياء وفتح النون وتشديد الفاء المكسورة، ويجوز بنقص ثمنه وينقص من ثمنه.
* * *
стр. 1348
قال:
وإن كانت به أَكَلة يخاف من تركها، ولا يخاف من قطعها، جاز أن يقطع، وإن كان يخاف من تركها، ويخاف من قطعها لم يجز قطعها؛ لأنه جرح يخاف عليه منه فلم يجز، كما لو أراد أن يجرحه من غير أكلة.
الجواز إذا خيف من الترك دون القطع لا خلاف فيه، ولا يفتقر فيه إلى إذن المرتهن، ولو منع لم يلتفت إليه، وإن خيف من الترك والقطع معًا، فقد جزم المصنف بأنه لا يجوز القطع.
وقال الماوردي: "إن كان الخوف من القطع أكثر من الخوف من الأكلة منع من القطع، وإن كان الخوف من الأكلة أكثر من الخوف من القطع لم يمنع، وإن استويا؛ فإن كان القطع يزيد في ثمنه لم يمنع، وإن كان لا يزيد مُنع" (١).
وأطلق الجرجاني: أنه لا يقطعها بغير إذن المرتهن، ويقطعها بإذنه.
وقال الروياني: "إن كان يخشى من تركها وقطعها التلف لم يكن لكلٍّ منهما القطع، فإن اتفقا على قطعه؛ جاز" (٢).
قلت: وفي الجواز في هذه الحالة باتفاقهما نظر إذا فرض استواء الخوف؛ لما فيه من الإقدام على ضرر العبد بغير فائدة، وكذلك قول الماوردي بالجواز إذا كان يزيد في ثمنه (٣)؛ لما فيه من فتح باب الروح لهذا
стр. 1349
الغرض اليسير، والذي يتجه أنه متى خُشِيَ من قطعه التلف لا يجوز القطع إلَّا أن تغلب السلامة، ويحمل كلام من قال بالجواز على ذلك.
نعم، اختلف الأصحاب في الحُرِّ، هل له أن يقطع ذلك من نفسه إذا استوى الخوف من الترك والقطع؟
فقال الشيخ أبو محمد: ليس له ذلك، وهذا ظاهر جدًّا، وعليه يتجه ما قلناه وقال غيره: لا مُعترض عليه، ولا يجوز ذلك لولي غير الأب والجد قطعًا، وهل يجوز للأب والجد حكمه حكم قطع الحر من نفسه، والمنصوص الجواز على ما قال الإمام، ولعل سبب ذلك أن عظم شفقة الإنسان على نفسه وعلى ولده تمنعه من المخاطرة إلَّا حيث تلوح له المصلحة، فيكتفي بما يقع في نفسه من غير إحواج إلى سبب ظاهر، فعلى هذا هل السيدُ كالأب لشفقته على ماله أو لا؟ فيه نظر؛ فإن ألحقناه به اتجه ما قاله الماوردي والروياني، وإلَّا فلا.
قال الروياني: "وإن كان لا يخشى من تركه، ويخشى من قطعه، ولكن الغالب السلامة، فوجهان.
قال أبو إسحاق: ليس له ذلك، وقال صاحب "الإفصاح": له، واختاره القاضي الطبري؛ لأن الغالب فيه المنفعة والصلاح، فصار كالمتيقن صلاحه ومنفعته" (١)، وحكى الرافعي هذا الخلاف في أنه هل للمرتهن المنع أو لا؟ (٢)
وقال النووي: "الأصح أنه ليس له المنع" (٣).
стр. 1350
وقال الجرجاني: إن كان لا يخاف تركها، ولا يؤمن قطعها لم يقطعها، وهذا منه يحتمل أن يكون موافقة لأبي إسحاق، ويحتمل أن يكون مفروضًا فيما إذا لم تغلب السلامة، وحينئذ يتجه القطع: بأنها لا تقطع، وإذا كنا نقول عند استواء الخوف من الجانبين يمتنع القطع، فهنا أولى.
والحاصل: أن الخلاف بين أبي إسحاق وأبي علي الطبري على ما يقتضيه كلام الأصحاب في حالتين؛ أحدهما: إذا استوى الخوف.
والثانية: إذا خيف من القطع دون البقاء، وقد عرفت ما فيه، وإنه إنما يتجه إذا جعلنا السيد كالأب والجد، وجوَّزنا ذلك لهما.
ولا فرق بين أن يكون العبد مرهونًا أو غير مرهون، إلَّا أن المرهون للمرتهن حق فيه يتسلط به على المنع في بعض الأحوال.
قال الروياني: "وإذا كان قطعه يزيد في قيمته؛ كالأصبَع الزائدة التي قطعها يزيد في قيمته ويخاف من قطعها التلف، ولا يخاف من تركها الضرر لا يجوز لواحد منهما قطعه؛ لأنه تعريض للتلف من غير حاجةٍ، فإن كان الغالب السلامة فعلى الخلاف" (١)، وهذا الذي قاله الروياني جيِّد في أن القطع لزيادة القيمة فيما إذا كان الغالب السلامة على الخلاف.
وأما تجويزه عند استواء الخوف، فلا وجه له إلَّا ما قدمناه، ومنع الروياني له عند الخوف من القطع دون الترك يقتضي أن السيد لا يلحق بالحر إذا قطع من نفسه؛ لأن الصحيح في مثل هذه الحالة أن للحر أن يقطع من نفسه، ولا فرق بين تلف النفس وتلف عضوٍ، وحكم السلعة على ما ذكرناه في الأكلة، والسلعة بكسر السين: غدة بين الجلد واللحم، وهي الخُراج بضم الخاء وتخفيف الراء، وحكم الخبيثة كالأكلة.
стр. 1351
فرع
شرب الدواء إن لم يكن مخوفًا كالشراب والسعوط لم يُمنع منه وإن كان مخوفًا، فإن لم تدع حاجة إليه منع، وإن دعت إليه حاجة قال الماوردي: "إن غلبت السلامة"؛ جاز، وإن غلب الخوف أو استويا منع" (١).
وقال الرافعي: "إن كانت المداواة مما يُرْجَى نفعه ويؤمن ضرره فذاك، وإن خيف وغلبت السلامة، فهل للمرتهن منعه على ما تقدم عن أبي إسحاق وأبي علي الطبري صاحب "الإفصاح" (٢)، وحكم فتح العرق إذا كان يُخشى على ما سبق في الأكلة، وله دهن الجمل بالقطران وتعريب الدابة، وهو أن يشرط البيطار أشاعر الدابة شرطًا خفيفًا لا يضر بالعصب، ثم يُعالجه، يقال: عرب فلان فرسه إذا فعل ذلك، وهو غير التبزيغ المتقدم.
فرع
ما جوزنا للراهن فعله إذا امتنع يجوز للمرتهن، قاله القاضي حسين والمتولي وسليم، وقال الماوردي: لا يجوز.
فرع
له تأبير النخل ولو ازدحمت، وقال أهل الخبرة: تحويلها أنفع جاز تحويلها، وكذا لو رأوا قطع بعضها صلاحًا لأكثرها، ثم ما يقطع منها أو يجف يبقى مرهونًا بخلاف ما يحدث من السعف ويجف، فإنه غير مرهون؛ كالثمرة، وما كان ظاهرًا منها عند الرهن.
قال في "التتمة": هو مَرهون، وقال في "الشامل": "لا فرق" (٣)، وما يحصل من الليف والعراجين والكرب فكالسعف، قاله القاضي أبو الطيب.
стр. 1352
و"الكَرَب" بفتح الكاف والراء: أصولُ السَّعَفِ، و"السّعف" غصن النخلة إذا يبس.
وما نقلناهُ عن الشامل من قوله: لا فرق؛ تبعنا فيه الرافعي، وهو سبكه من كلامه، ومعناهُ: أنه لا فرق بين الموجود عند الرهن والحادث في: أن الجاف للراهن.
والمتولي يقول: إذا كان عند الرهن، ثم جفَّ، فهو رهن، وعبارة الشامل: أن ما يحصل من ليف وسعف يابس، فإنه للراهن لا يتعلق به حق المرتهن؛ لأن ذلك يجري مجرى المنافع، والثمرة لا تدخل في الرهن، فإن قيل: فإن هذا السعف دخل في الرهن حال العقد، وليس بحادث بعد الرهن، قلنا: إنما حدث السعف من قام مقامه، وصار هذا بمنزلة المنفعة خارجًا من الأصول؛ فلهذا كان للراهن أخذه. انتهى.
والمتولي جزم بأن ما تقطع من السعف عند التأبير والليف الذي يؤخذ من النخلة في تلك الحالة حكمه حكم الصوف، فما كان حال الرهن دخل على المذهب عنده، وما يحدث فلا، ويجري مجرى الزوائد.
واعلم، أنك في بادئ الرأي ربما يترجَّح عندك قول المتولي؛ لأنه إذا دخل في الرهن لا يخرج بعد ذلك، لكن حكم المتولي بالدخول كحكمه بدخول الصوف، وقد استشكلناه فيما سبق؛ لقوله: إن الحادث لا يدخل، كما صرح به هنا في الصوف والأغصان، وإذا لم يدخل الحادث لم يدخل المقارن.
وأما ابن الصباغ، فلم يقل بدخول الصوف المقارن، بل ظاهر كلامه: أنه يقول بعدم دخوله كما نص عليه الشافعي (١)، والأغصان التي تقطع مثله،
стр. 1353
فلا تدخل على مقتضى قوله، بقي حرف واحد، وهو أن ذلك في غصن يُعلم ويُعلم قطعه، وهنا ما يجف بعد ذلك، ويقطع عند التأبير غير معلوم.
فإن قلنا: إنه يتبين بالآخرة أن ما جف لم يدخل في الرهن يلزم جهالة المرهون.
وإن قلنا: دخل ثم خرج، فلا وجه له، ولعلَّ ابن الصباغ يغتفر الجهالة في مثل هذا؛ لأنه تابع.
* * *
стр. 1354
قال:
وإن كان ماشية وأراد أن يخرج بها في طلب الكلأ، فإن كان الموضع الذي هي فيه مخصبًا لم يجز له؛ لأنه يغرر به من غير حاجةٍ، وإن كان الموضع مجدبًا جاز له؛ لأنه موضع حاجةٍ، وإن اختلفا في موضع النُّجعة، فاختار الراهن جهةً، واختار المرتهن أخرى؛ قُدَّم اختيار الراهن؛ لأنه يملك العين والمنفعة، وليس للمرتهن إلَّا حق الوثيقة؛ فكان تقديم اختياره أولى.
قوله: "يخرج بها"، أي: من البلد وما قرب منه على ما تقدمَّ بيانه.
و"الكلأ" بالهمز والقصر: هو العشب رطبه ويابسه.
و"المُخْصِب" بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة، و"المُجْدِب" بضم الميم وسكون الجيم وكسر الدال المهملة، يقال: خصبت الأرض وأخصبت؛ إذا أمرعت، وجدبت وأجدبت إذا أمحلت.
و"النجعة" بضم النون وسكون الجيم: طلب الكلأ في موضعه، تقول منه: انتجعتُ والانتجاعُ الذهاب للانتفاع بالكلأ وغيره.
وقد قدمنا بعض هذه الأحكام عند كلام المصنف في السفر، وقلنا فيما إذا اختلفت نُجْعتهما إلى بلدين ولم يتفقا يجعل عند عدلٍ نص عليه، والمصنف هنا قال: إذا اختلفا قُدِّم اختيار الراهن، ولا تنافي بين الكلامين؛ فنصه محمول على أنها لا تكون في يد الراهن ولا المرتهن، بل عند عدل، وكلام المصنف في أنها تكون في بلد الراهن عند العدل كما هو مصرح به في نص الشافعي (١)، فمعنى قول المصنف: قُدِّم اختيار الراهن، أي: في
стр. 1355
البلد، لا في أنها تكون تحت يده، ثم المرتهن إن تبعه، وكانت عنده، فهي على ما كانت عليه، وإن لم يتبعه ولا رضي بيده؛ جُعِلَتْ عند عدل في البلد الذي ينتجع إليه المالك، ولو طلب المرتهن عند جدب موضعها أن الراهن يعلفها ولا ينتجع بها؛ لم يُكلَّف الراهن ذلك إذا كانت ساعة، نَصَّ عليه (١). وذكره الماوردي (٢).
* * *
стр. 1356
قال:
وإن كان الرهن عبدًا فأراد تدبيره جاز؛ لأنه يمكن بيعه في الدين، فإن دبَّره وحلَّ الدين، فإن كان له مال غيره لم يكلف [مع المدين] (١)، وإن لم يكن له مال غيره بيع منه بقدر الدين، وبقي الباقي على التدبير، وإن استغرق الدين جميعه بيع الجميع.
نص الشافعي ﵀ على أن تدبير المرهون موقوف (٢)، وتقدم الكلام عليه غير مرَّة، واختار الشيخ أبو حامد بناءه على عتق المرهون، وضعفه الروياني (٣)؛ لأن التدبير لا يمنع البيع، واختار الصحة سواء أصححنا عتق المرهون أم أبطلنا، وهذا مقتضى إيراد صاحب الكتاب، وهو الصحيح؛ فعلى هذا إذا حلَّ الدين أو كان حالًّا وله مال غيره لم يكلف بيع المدين؛ لأنه يمكن وفاء الدين مع بقاء التدبير، بل إن اختار أن يوفي من غيره فعل، وإن اختار بيعه كان رجوعًا في التدبير ولا يتعين عليه أن يوفي من غيره؛ لأنه متمكن من الرجوع، نعم إذا امتنع من الوفاء والبيع، وله مال فهل للحاكم بيع الرهن المدبر حيثُ نقول الرهن أو يعدل إلى غيره من سائر أمواله ليبقى التدبير؟
عبارة المصنف والأصحاب التي قدمناها عند الكلام في رهن المدبر تقتضي الثاني؛ فإن كان الحكم كذلك، وأنه يمتنع على الحاكم بيعه،
стр. 1357
فتعليله أنما إنما نجوّز بيعه للراهن لتضمنه الرجوع، وهو له أن يرجع بالبيع، وأما الحاكم فلا يرجع، والبيع مشروط بالرجوع فامتنع، ويعدل إلى غيره من سائر أمواله؛ ولهذا قال المصنف والأصحاب هناك: إن الراهن يخير هل يرجع في التدبير أو لا؟ وإذا لم يكن له مال غيره تعين البيع بقدر الدين فإن استغرق بيع الجميع، وهنا لا يمتنع على الحاكم؛ لأن الرجوع واجب على الراهن، فيقوم الحاكم عنه فيه، كما يقوم عنه في البيع، بخلاف ما إذا كان له مال آخر لا يجب الرجوع، والواجب عليه الوفاء فقط، فيقوم الحاكم عنه فيه لا في الرجوع فيبيع من سائر أمواله دون المدبر؛ لئلا يكون قد قام عنه في الرجوع الذي لم يتعين عليه وليس لك أن تقول: إن حق المرتهن انحصر في الرهن كما زعمه ابن الرفعة؛ لأنا قد رددنا ذلك فيما سبق، ولو مات الراهن فقد سبق في رهن المدبر، وهناك ذكرنا أكثر هذه الأحكام.
* * *
стр. 1358
قال:
فصْل: [في الضرر في التصرف بالعين]
ولا يملك التصرف في العين بما فيه ضرر على المرتهن؛ لقوله ﷺ : "لَا ضَرَرَ، وَلَا إِضْرَارَ" (١)، فإن باعه أو وهبه أو جعله مهرًا في نكاح أو أجرةً في إجارة أو كان عبدًا فكاتبه لم يصح؛ لأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير يبطل به حق المرتهن من الوثيقة، فلم يصحَّ من الراهن بنفسه كالفسخ.
الحديث تقدم قريبًا، وهذه الأحكام مجمع عليها لا خلاف فيها، وفي معناها الوصية إذا اتصلت بالموت، وعدَّ ابن الرفعة منها التدبير؛ لأنه يقلل الرغبة فيه؛ لاختلاف الناس في بيعه، وقد تقدم أن الأصحَّ جواز التدبير بخلاف الكتابة؛ فإنها لازمة من جهة السيد.
وقول المصنف: لا يسري؛ احتراز من العتق، وقوله: يبطل به حق المرتهن من الوثيقة احتراز من الإجارة والإعارة، وقوله: بنفسه؛ احتراز من أن يفعل ذلك بإذن المرتهن، فإنه يصحُّ.
وأطلق الأصحاب بطلان بيع المرهون، وللإمام: احتمال في صحته
стр. 1359
موقوفًا من بيع المفلس، وأطلقوا بطلان الرهن والهبة، وقد قدمنا في رهن المرهون أن المتفق عليه: امتناع التسليم، أما العقد على الهبة والرهن، ففيه خلاف، ولكنه بعيد.
* * *
стр. 1360
قال:
وإن أعتقه، ففيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: يصح؛ لأنه عقد لا يزيل الملك، فلا يمنع صحة العتق كالإجارة.
والثاني: أنه لا يصح؛ لأنه قول يبطل الوثيقة من عين الرهن، فلم يصحَّ من الراهن بنفسه كالبيع.
والثالث: وهو الصحيح أنه إن كان موسرًا صحَّ، وإن كان معسرًا لم يصحَّ؛ لأنه عتق في ملكه يبطل به حق غيره، فاختلف فيه الموسر والمعسر؛ كالعتق في العبد المشترك بينه وبين غيره.
قال الشافعي في "الأم" في باب ما يكون إخراجًا للرهن فيما إذا وطئ الراهن الجارية: "وإن حبلت وولدت ولم يأذن له في الوطء، ولا مال له غيرها، ففيها قولان؛ أحدهما: لا تباع ما كانت حبلى، فإذا ولدت بيعت، ولم يُبع ولدها، وإن نقصتها الولادة شيئًا فعلى الراهن ما نقصتها الولادة، وإن ماتت في الولادة، فعلى الراهن أن يأتي بقيمتها صحيحة تكون رهنًا مكانها أو قصاصًا متى قدر عليها، ولا يكون إحباله إياها أكثر من أن يكون رهنها ثم أعتقها ولا مال له غيرها، فأبطل العتق وتباع بالحق، وإن كانت تسوي ألفًا، وإنما هي مرهونة بمائة بيع منها بقدر المائة، وبقي ما بقي رقيقًا لسيدها ليس له أن يطأها، وتعتق بموته في قول من أعتق أم الولد بموت سيدها، ولا تعتق قبل موته ولو كان رهنه إياها ثم أعتقها ولم تلد له ولا مال له؛ بيع منها بقدر الدين وعتق ما بقي مكانه وإن كان عليه دين يحيط بماله عتق ما بقي، ولم يُبع لأهل الدين.
стр. 1361
والقول الثاني: أنه إذا أعتقها، فهي حرة، أو أولدها، فهي أم ولد له، لا تباع في واحدة من الحالتين؛ لأنه مالك، وقد ظلم نفسه، ولا تسعى في شيء من قيمتها، وهكذا القول فيما رهن من الرقيق كلهم ذكرهم وأنثاهم، ثم ذكر التفرقة بين أن يكون بإذن المرتهن أو لا، ثم قال: هذا كله إذا كان مفلسًا، فأما إذا كان الراهن موسرًا، فتؤخذ قيمة الجارية منه في العتق والإيلاد" (١). انتهى.
وقال في الرهن الصغير: "وإذا دفع الراهن الرهن إلى المرتهن أو إلى العدل، فأرادَ أن يأخذه من يديه لخدمة أو غيرها، فليس له ذلك، فإن أعتقه، فإنَّ مسلم بن خالد، أخبرنا عن ابن جريج، عن عطاء في العبد يكون رهنًا فيعتقه سيده، فإن العتق باطل أو مردود.
قال الشافعي: وهذا، وجه، ووجهه: أن يقول قائله: إذا كان العبد بالحق الذي جعله فيه محولًا بينه وبين أن يأخذه ساعة يخدمه، فهو من أن يعتقه أبعد، فإذا كان في حال لا يجوز له فيها عتقه وأبطل الحاكم فيها عتقه، ثم فكَّة بعد لم يعتق بعتق قد أبطله الحاكم.
وقال بعض أصحابنا: إذا أعتقه الراهن نظرت فإن كان له مال يفي بقيمة العبد أخذت قيمته منه، فجعلتها رهنًا وأنفذت عتقه؛ لأنه مالك، قال: وكذلك إن أبرأه صاحب الدين أو قضاه، فرجع العبد إلى مالكه، وانفسخ الدين الذي في عنقه أنفذتُ عليه العتق؛ لأنه مالك، وإنما العلة التي منعتُ بها عتقه حق غيره في عنقه، فلما انفسخ ذلك أنفذتُ فيه العتق.
قال الشافعي: وقال بعض الناس: هو حُرٌّ، ويسعى في قيمته، والذي يقول: هو حر، يقول: ليس لسيد العبد أن يبيعه، هو مالك له ولا يرهنه ولا
стр. 1362
يقبضه ساعة، وإذا قيل له: لم وهو مالك وقد باع بيعًا صحيحًا؟ قال: فيه حق لغيره حال بينه وبين أن يخرجه من الرهن فقبل، فإذا منعته أن يخرجه من الرهن بعوض يأخذه لعلة أن يؤديه إلى صاحبه، أو يعطيه إياه صاحبه رهنًا مكانه، أو قال: أبيعه لا يتلف ثم أدفع الثمن رهنًا، فقلت: لا، إلَّا برضا المرتهن ومنعته وهو مالك أن نرهنه من غيره، فأبطلت الرهن إن فعل ومنعته وهو مالكٌ أن يخدمه ساعةً، وكانت حجتك فيه أنه قد أوجب فيه شيئًا لغيره، فكيف أجزتَ له أن يعتقه، فيخرجه من الرهن الإخراج الذي لا تعود فيه أبدًا، لقد منعته من الأقل وأعطيته الأكثر.
فإن قال: أستسعيه. فالاستسعاء أيضًا ظلم للعبد وللمرتهن، أرأيت إن كانت أمةً تساوي ألوفًا يعلم أنها عاجزة عن اكتساب نفقتها في أي شيء تسعى، أو رأيت إن كان الدين حالًّا، أو إلى يوم فأعتقته، ولعل العبد يهلك ولا مال له، والأمة، فيبطل حق هذا أو بسعي منه مائة سنة، ثم لعله لا يؤدي منه كبير شيء، ولعل الراهن مفلس لا يجد درهمًا، فقد أتلفت حق صاحب الرهن ولم ينتفع برهنه.
فمرة يجعل الدين بملك إذا هلك الرهن؛ لأنه فيه زعيم، ومرة ينظر إلى الذي فيه الدين، فيجيز فيه عتق صاحبه، ويتلف فيه حق الغريم، وهذا قول متباين، وإنما يرتهن الرجل بحقه؛ ليكون أحسن حالًا ممن لم يرتهن، والمرتهن في أكثر قول من قال هذا أسوأ حالًا من الذي لم يرتهن، وما شيء أيسر على من يستخف بذمته من أن يسأل صاحب الرهن أن يعيره إياه، إما يخدمه أو يرهنه، فإذا أبى قال: لأخرجه من يدك، فأعتقه فتلف حق المرتهن، ولم يجد عند الراهن وفاء.
قال الشافعي: ولا أدري أتراه يرجع بالدين على الغريم المعتق أم لا؟ قال
стр. 1363
الشافعي: فإن قال قائل: لِمَ أجزتَ العتق فيه إذا كان له مال، ولم يقل ما قال عطاء، قيل له: كل مالكٍ يجوز عتقه إلَّا لعلة حق غيره، فإذا كان عتقه إياه يتلف حق غيره لم أجزه، وإذا لم يكن يتلف لغيره حقًّا، وكنت آخذ العوض منه وأصيِّرهُ رهنًا كهوَ، فقد ذَهبت العلة التي بها كنتُ مُبطلًا للعتق، وكذلك إذا أدى الحق الذي فيه استيفاء من المرتهن أو إبراء" (١). انتهى.
وقال في "مختصر البويطي": وإن رهنه ثم أقر أنه أعتقه، وكان له مال يبلغ ثمن العبد أخذنا منه ثمنه، ووضعناه على يدي المرتهن وأعتقنا العبد، وإن لم يكن له مال يبلغ إلَّا بعض ثمن العبد أعتق بقدر ما بلغ، والباقي عبد، وإن لم يكن له مال لم يعتق منه شيء بعد يمين المرتهن ما علم عتقه، وكذا لو أعتق بعدما، قبض، فليس عتقه بشيء إلَّا أن يكون له مال، فيوقف للمرتهن، مثل ثمن العبد، وقال: ملك مثله. انتهى.
وهذه النصوص اشتملت على الأقوال الثلاثة؛ أحدها: أن العتق لا يصح.
والثاثي: أنه يصح.
والثالث: يصح من الموسر دون المعسر، وهو الأصح على ما يقتضيه كلام الشافعي وكذلك هو الأصح عند الأصحاب، أما التفرقة بين الموسر والمعسر فهو أول قوليه في الرهن الكبير، ومنصوصه في "البويطي" وما حكاه في الرهن الصغير عن بعض أصحابهم، وأما عدم الصحة مطلقًا، فهو الذي حكاه عن عطاء، وذكر توجيهه، وأما الصحة مطلقًا، فقد ذكره عن بعض الناس، وضعفه في الرهن الصغير، ولكنه الثاني من القولين في الرهن الكبير، وقال في "مختصر المزني": "وإن أحبلها، ولم يكن له مال غيرها لم
стр. 1364
تبع ما كانت حاملًا، فإذا ولدت بيعت، ثم قال: ولا يكون إحباله لها أكثر من عتقها ولا مال له، فأبطل العتق وتباع، قال المزني: يعني إذا كان مُعسرًا، ثم قال المزني: أشبه بقوله: ألَّا تصير أم ولد؛ لأن قوله: إن العقد إذا لم يجز في وقته لم يجز بعده حتى يُبْتَدأ بما يجوز، وقد قال: لا يكون إحباله لها بأكثر من عتقها، وقال: لو أعتقها أبطلت عتقها" (١). انتهى.
قال أبو علي الطبري في "الإفصاح": إن الشافعي خَرَّج في "الأم" في الرهن الكبير عتق الموسر وإحباله على قول واحدٍ في وقوعه، وعتق المعسر وإجباله على قولين، وخرج في الرهن الصغير عتق المعسر على قول واحد، أنه لا يقع، وعتق الموسر على قولين، وقد جمعتُ هذه الأقاويل فقلتُ: فيها ثلاثة أقاويل، وقال صاحب "البيان": "اختلف أصحابنا في ترتيب المذهب فيها، فقال أبو علي الطبري، وابن العطار: في المسألة ثلاثة أقوال، وهذه الطريقة اختيار الشيخ أبي إسحاق -يعني: صاحب الكتاب- وأبي الصباغ.
وقال أبو إسحاق المروزي: القولان في الموسر، أما المعسر فمرتب على الموسر.
فإن قلنا: عتق الموسر لا ينفذ، فالمعسر أولى ألا ينفذ عتقه. وإن قلنا: عتق الموسر ينفذ، ففي عتق المعسر قولان؛ قال الشيخ أبو حامد: في عتق الموسر والمعسر قولان، وما حكاه الشافعي من الفرق بين الموسر والمعسر، فإنما حكى قول غيره، ولم يختره لنفسه، قال: وترتيب أبي إسحاق ليس بشيء، قال الشيخ أبو حامد: إلَّا أن الصحيح من القولين الموسر أن عتقه ينفذ، والصحيح من القولين في المعسر أنه لا ينفذ" (٢).
стр. 1365
انتهى نقل صاحب "البيان". وقد رأيتُ ذلك في تعليقة الشيخ أبي حامد، و"التجريد" للمحاملي، إلَّا قوله إنه لم يختر الفرق بين الموسر والمعسر لنفسه فلم أره، بل قال: إنه حكاه ونصره، وجعل الشيخ أبو حامد في المسألة ثلاث طرق؛ أحدها: طريقة أبي علي الطبري أنها على ثلاثة أقوال.
والثانية: طريقة أبي إسحاق المروزي، وقد تقدمت.
والثالثة: وهي المذهب عنده أنها على قولين في الموسر والمعسر إلَّا أن الأصح في الموسر الصحة، وفي المعسر عدم الصحة، وأنا أختار في المسألة طريقة الأقوال الثلاثة، كما اختاره صاحب الكتاب، ومَن قال ببطلان العتق مطلقًا عطاء (١) وعثمان البتي (٢) وداود (٣)، وممن قال بصحته من الموسر دون المعسر مالك (٤)، وممن قال بصحته مطلقًا من الموسر والمعسر شريح (٥) والحسن بن صالح (٦) وأبو حنيفة وأحمد.
واختلفا في الاستسعاء، فقال أبو حنيفة: يستسعي العبد في قيمته (٧).
وقال أحمد: "لا يستسعي" (٨) وهو قولنا إذا قلنا بنفوذه من المعسر والموسر.
واحتج مَن أبطله مطلقًا: بأن تعلق حق المرتهن بالرهن أقوى من تعلق
стр. 1366
حق الغرماء بما في يد العبد المأذون، ولو أعتق السيد عبدًا في يد عبده المأذون، لم يصح، فهذا أولى، كذا قاله الماوردي (١)، والحكم في الأصل ممنوع، وإعتاق السيد العبد الذي في يد المأذون المديون يجب أن يكون على القولين في إعتاق الراهن المعسر، وقد صرح الأصحاب فيما إذا اشترى المأذون مَن يعتق على مولاه بإذنه، وعليه دين بقولين في عتقه، أصحهما: لا يعتق وسهوهما بإعتاق الراهن.
نعم؛ خصُّوهما بما إذا كان موسرًا لتؤخذ منه القيمة، فإن كان معسرًا، لم يعتق قولًا واحدًا. كذا قال الشيخ أبو حامد، فقد يُطلب الفرق بينه وبين الراهن المعسر وهو ظاهر؛ لأن الراهن الدين في ذمته، فإذا بطل الرهن لنا متعلق وهو الذمة، والسيد ليس في ذمته شيء، فلو نفذنا العتق مع إعساره لأبطلنا حق الغرماء بالكلية، وفي ذلك حرز عظيم، وفي هذا المعنى أيضًا جواب عن كونه في الراهن الموسر يصح على الأصح، وفي السيد الموسر لا يصح على الأصح؛ لما فيه من إبطال متعلق حق الغرماء بالكلية وإقامة القيمة مقامه، وفي الرهن حق المرتهن الأصيل في الذمة، وهو باقٍ، فاغتفر ببدل الوثيقة.
واحتج مَن أجازه مُطلقًا لمفهوم قوله ﷺ "لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ" (٢). وبأن في تنفيذه جمعًا بين حق العتق وحق المرتهن، واحتج مَن فَرَّق بين الموسر والمعسر، بأن إعتاق الموسر يسري إلى نصيب الشريك، فلأن يبطل حق المرتهن أولى، والفرق بينه وبين المبيع قبل القبض، حيث نفذنا عتقه مطلقًا على الأصح أن الرهن حُبس ليستوفى الحق من ثمنه، والعتق يمنع من
стр. 1367
ذلك، والمبيع لم يُحْبَس لذلك، والمستأجر لا يبطل حقه بالعتق؛ وأيضًا حقه في المنفعة دون الرقبة، والمرتهن بخلافه فيهما، وفي عتق الجاني خلاف، فإن صححناه فلأنه بالعتق يلتزم السيد الفداء، والسيد علل إسقاط حق الجناية بالفداء على قول بخلاف الراهن، وذكر الروياني أن "من أصحابنا من قال: إن كان مُعسرًا لا ينفذ الإحبال والعتق قولًا واحدًا، وإن كان موسرًا ففيهما قولان" (١). وهذه تأتي طريقة رابعة مع ما تقدم، وتعجبت من الروياني، فإنه قال: لم يصرح الشافعي رحمة الله عليه بأن في المسألة ثلاثة أقوال، ولكن حصل ثلاثة أقوال على وجه التخريج. انتهى.
وأنت قد رأيت النصوص التي حكيناها، وتضمنها للأقوال الثلاثة، فإن كان مراده أنه لم يقل إن فيها ثلاثة أقوال فقريب، ولكن إثبات مثل هذه أقوالًا، لا يعد تخريجًا، بل هي منصوصة.
وقال ابن المنذر: "قالت طائفة: عتقه باطل لا يجوز، وروى هذا عن عثمان البتي، وبه قال أبو ثور.
وقالت طائفة: إن كان الراهن موسرًا جاز، وتؤخذ منه قيمته تكون رهنًا، هذا قول الشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.
وقال مالك: إن كان موسرًا دفع إلى الرجل حقه، وجازت عتاقته، وإن كان معسرًا فلا عتق له.
وقال شريك والحسن بن صالح: عتقه جائز.
وقال شريك: يسعى العبد للمرتهن.
وقال الحسن بن صالح: ليس عليه سعاية، وأصح القول قول عثمان البتي وأبي ثور.
стр. 1368
وقال أحمد: إذا كان مُعدمًا فقد جاز العتق" (١).
فرع
لو رهن نصف عبدٍ وأقبضه، ثم أعتق نصفه، فإن أضاف العتق إلى النصف المرهون، ففيه الأقوال، وإن أضافه إلى النصف الآخر أو أطلق عتق ما ليس بمرهون، ويسري إلى المرهون إن نفذنا إعتاقه، وكذا إن لم ننفذُه في الأصح؛ لأنه يسري إلى ملك غيره، فملكه أولى، ويكون الخلاف في عتق المرهون في الابتداء لا في السراية.
والثاني: لا يسري لما فيه من إبطال حق المرتهن. قال الروياني: "وهذا ضعيف جدًّا" (٢)، فعلى الأصح هل يفرق بين الموسر والمعسر؟ قال في "النهاية": "قال: المحققون: نعم" (٣). واختاره الروياني كما في الشريك، وقال في "التتمة": إنه يسري سواء أكان له مال آخر أم لم يكن؛ لأنه ملكه.
فرع
"لو أعتق المرهون عن كفارته، أجزأه إن قلنا: ينفذ إعتاقه، ولو أعتقه فلا عن كفارة غيره، فلا يعتق؛ لأنه بيع" (٤). قالهُ القاضي حسين في "الفتاوى".
فرع
لو علَّق عتق المرهون بفكاك الرهن نفذ عند الفكاك؛ لأن مجرد التعليق لا يضر بالمرتهن، وحين ينزل لا يبقى له حق، وإن علق بصفةٍ أخرى، فإن وجدت قبل فكاك الرهن، ففيه الأقوال المذكورة في
стр. 1369
التنجيز بصفة، وإن وُجِدَتْ بعده فوجهان؛ أصحهما: النفوذ.
والثاني: لا ينفذ إبطالًا للتعليق مُطلقًا؛ كالتنجيز في قول، والوجه، والوجهان شبيهان بالخلاف فيما إذا قال العبد لزوجته: إن فعلت كذا فانت طالق ثلاثًا، ثم عتق، ثم فعلته هل تطلق الثالثة؟ والأصح: الوقوع، لكن ذلك الخلاف جاز، وإن علق بالعتق فقال: إن عتقتُ فأنت طالق ثلاثًا، هل تقع الثالثة؟ والأصح الوقوع، ولا خلاف في تعليق العتق بالفكاك أنه ينفك عند الفكاك. قال الإمام: "والفارق أن الطلقة الثالثة ليست مملوكة للعبد، ومحل العتق مملوك للراهن، وإنما مُنع لحق المرتهن" (١). قال الرافعي: "ولعلك لا تنقاد لهذا الفرق، وتقول: العتق غير مملوك للراهن، كما أن الطلقة الثالثة غير مملوكة للعبد، ومحل الطلاق مملوك للعبد، كما أن محل العتق مملوك للراهن، فلا فرق" (٢). قال ابن الرفعة: قد أدرج الإمام في كلامه ما يدفع ذلك، وهو قوله: إذا لم يتصل العتق حق المرتهن، إذ لو أذن نفذ العتق وإذنه لم يبطل الرهن، إذا لم يتصل بالعتق، ومثل ذلك لا يتصور في طلاق العبد؛ لأن الوقوع الثالثة: منه حال رقه لا يمكن، فدل ذلك علي أنه غير مالك لمحلها علي أنه قد يقول: محل الطلاق الزوجة والزوج لا يملكها، وإنما يملك أن يستمتع بها، والاستمتاع ليس محل الطلاق، فانقطع الإلحاق.
قلت: المراد بمحل الطلاق العصمة الثالثة من الزوجين، وهي أمر حكمي غير الزوجة (٣) وغير الاستمتاع وهو قيد النكاح الذي الطلاق إزالته، ومحل العتق ملك اليمين، ولا شك أنه حاصل للراهن، أعني: ملك
стр. 1370
اليمين، وإنما امتنع العتق لحق المرتهن، فحق المرتهن مانع من العتق الذي وجد محله وسببه، ولك أن تُسَمِّي ملك اليمين محلًّا، ولك أن تسميه سببًا ومقتضيًا، وأما محل الطلاق وهو العصمة وقيد النكاح، فلا شك أنها حاصلة للعبد، ولكن العصمة الثابتة للعبد تقتضي طلقتين، وهل هي مقتضية للطلقة الثالثة بشرط الحرية، أو بعد الحرية يتجدد المقتضى للطلقة الثالثة الذي يتجه الثاني، ثم هل ذلك المتجدد المقتضي للثالثة هو الحرية، أو الحرية مقتضية لعصمة كاملة أكمل من التي كانت، وتلك العصمة مقتضية لملك الثلاث فيه بحث، ولا يُستنكر كون العصمة مراتب، ألا ترى أن الرجعية ولو روجعت تبقى بطلقتين أو طلقة، والعصمة ثابتة، وتقول: إن الطلاق الرجعي شعَّث النكاح، وما أزال العصمة، أي: بالكلية، ولما كان في محل الطلاق هذا البحث أعرض الإمام عنه، واكتفى بأن الطلقة الثالثة ليست مملوكة للعبد، ولا شك أن الفقهاء يُطلقون على الشيء أنه مملوك منع منه مانع كما قلناه في عتق الرهن، فأراد الإمام أن الطلقة الثالثة ليست كذلك؛ لأنه لم يوجد سببها، وهو الحرية، أو كمال العصمة الناشئة عن الحرية المسماة بالمحل، إذ الطلاق تصرف فيها، ويلاقيها، ولا يلزم من صحة التعليق فيما ملك سببه ومحله، وامتنعت مباشرته لمانع صحة تعليق ما لم يوجد سببه، ولا يحال الامتناع فيه على المانع، بل على عدم المقتضي، وخلاصة الفرق أن التعليق في الرهن مع قيام المقتضي، وفي الطلاق قبله، ولكنا بسطناه بهذه العبارة.
* * *