← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

حق الغرماء بما في يد العبد المأذون، ولو أعتق السيد عبدًا في يد عبده المأذون، لم يصح، فهذا أولى، كذا قاله الماوردي (١)، والحكم في الأصل ممنوع، وإعتاق السيد العبد الذي في يد المأذون المديون يجب أن يكون على القولين في إعتاق الراهن المعسر، وقد صرح الأصحاب فيما إذا اشترى المأذون مَن يعتق على مولاه بإذنه، وعليه دين بقولين في عتقه، أصحهما: لا يعتق وسهوهما بإعتاق الراهن. نعم؛ خصُّوهما بما إذا كان موسرًا لتؤخذ منه القيمة، فإن كان معسرًا، لم يعتق قولًا واحدًا. كذا قال الشيخ أبو حامد، فقد يُطلب الفرق بينه وبين الراهن المعسر وهو ظاهر؛ لأن الراهن الدين في ذمته، فإذا بطل الرهن لنا متعلق وهو الذمة، والسيد ليس في ذمته شيء، فلو نفذنا العتق مع إعساره لأبطلنا حق الغرماء بالكلية، وفي ذلك حرز عظيم، وفي هذا المعنى أيضًا جواب عن كونه في الراهن الموسر يصح على الأصح، وفي السيد الموسر لا يصح على الأصح؛ لما فيه من إبطال متعلق حق الغرماء بالكلية وإقامة القيمة مقامه، وفي الرهن حق المرتهن الأصيل في الذمة، وهو باقٍ، فاغتفر ببدل الوثيقة. واحتج مَن أجازه مُطلقًا لمفهوم قوله ﷺ "لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ" (٢). وبأن في تنفيذه جمعًا بين حق العتق وحق المرتهن، واحتج مَن فَرَّق بين الموسر والمعسر، بأن إعتاق الموسر يسري إلى نصيب الشريك، فلأن يبطل حق المرتهن أولى، والفرق بينه وبين المبيع قبل القبض، حيث نفذنا عتقه مطلقًا على الأصح أن الرهن حُبس ليستوفى الحق من ثمنه، والعتق يمنع من

стр. 1367

ذلك، والمبيع لم يُحْبَس لذلك، والمستأجر لا يبطل حقه بالعتق؛ وأيضًا حقه في المنفعة دون الرقبة، والمرتهن بخلافه فيهما، وفي عتق الجاني خلاف، فإن صححناه فلأنه بالعتق يلتزم السيد الفداء، والسيد علل إسقاط حق الجناية بالفداء على قول بخلاف الراهن، وذكر الروياني أن "من أصحابنا من قال: إن كان مُعسرًا لا ينفذ الإحبال والعتق قولًا واحدًا، وإن كان موسرًا ففيهما قولان" (١). وهذه تأتي طريقة رابعة مع ما تقدم، وتعجبت من الروياني، فإنه قال: لم يصرح الشافعي رحمة الله عليه بأن في المسألة ثلاثة أقوال، ولكن حصل ثلاثة أقوال على وجه التخريج. انتهى. وأنت قد رأيت النصوص التي حكيناها، وتضمنها للأقوال الثلاثة، فإن كان مراده أنه لم يقل إن فيها ثلاثة أقوال فقريب، ولكن إثبات مثل هذه أقوالًا، لا يعد تخريجًا، بل هي منصوصة. وقال ابن المنذر: "قالت طائفة: عتقه باطل لا يجوز، وروى هذا عن عثمان البتي، وبه قال أبو ثور. وقالت طائفة: إن كان الراهن موسرًا جاز، وتؤخذ منه قيمته تكون رهنًا، هذا قول الشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. وقال مالك: إن كان موسرًا دفع إلى الرجل حقه، وجازت عتاقته، وإن كان معسرًا فلا عتق له. وقال شريك والحسن بن صالح: عتقه جائز. وقال شريك: يسعى العبد للمرتهن. وقال الحسن بن صالح: ليس عليه سعاية، وأصح القول قول عثمان البتي وأبي ثور.

стр. 1368

وقال أحمد: إذا كان مُعدمًا فقد جاز العتق" (١). فرع لو رهن نصف عبدٍ وأقبضه، ثم أعتق نصفه، فإن أضاف العتق إلى النصف المرهون، ففيه الأقوال، وإن أضافه إلى النصف الآخر أو أطلق عتق ما ليس بمرهون، ويسري إلى المرهون إن نفذنا إعتاقه، وكذا إن لم ننفذُه في الأصح؛ لأنه يسري إلى ملك غيره، فملكه أولى، ويكون الخلاف في عتق المرهون في الابتداء لا في السراية. والثاني: لا يسري لما فيه من إبطال حق المرتهن. قال الروياني: "وهذا ضعيف جدًّا" (٢)، فعلى الأصح هل يفرق بين الموسر والمعسر؟ قال في "النهاية": "قال: المحققون: نعم" (٣). واختاره الروياني كما في الشريك، وقال في "التتمة": إنه يسري سواء أكان له مال آخر أم لم يكن؛ لأنه ملكه. فرع "لو أعتق المرهون عن كفارته، أجزأه إن قلنا: ينفذ إعتاقه، ولو أعتقه فلا عن كفارة غيره، فلا يعتق؛ لأنه بيع" (٤). قالهُ القاضي حسين في "الفتاوى". فرع لو علَّق عتق المرهون بفكاك الرهن نفذ عند الفكاك؛ لأن مجرد التعليق لا يضر بالمرتهن، وحين ينزل لا يبقى له حق، وإن علق بصفةٍ أخرى، فإن وجدت قبل فكاك الرهن، ففيه الأقوال المذكورة في

стр. 1369

التنجيز بصفة، وإن وُجِدَتْ بعده فوجهان؛ أصحهما: النفوذ. والثاني: لا ينفذ إبطالًا للتعليق مُطلقًا؛ كالتنجيز في قول، والوجه، والوجهان شبيهان بالخلاف فيما إذا قال العبد لزوجته: إن فعلت كذا فانت طالق ثلاثًا، ثم عتق، ثم فعلته هل تطلق الثالثة؟ والأصح: الوقوع، لكن ذلك الخلاف جاز، وإن علق بالعتق فقال: إن عتقتُ فأنت طالق ثلاثًا، هل تقع الثالثة؟ والأصح الوقوع، ولا خلاف في تعليق العتق بالفكاك أنه ينفك عند الفكاك. قال الإمام: "والفارق أن الطلقة الثالثة ليست مملوكة للعبد، ومحل العتق مملوك للراهن، وإنما مُنع لحق المرتهن" (١). قال الرافعي: "ولعلك لا تنقاد لهذا الفرق، وتقول: العتق غير مملوك للراهن، كما أن الطلقة الثالثة غير مملوكة للعبد، ومحل الطلاق مملوك للعبد، كما أن محل العتق مملوك للراهن، فلا فرق" (٢). قال ابن الرفعة: قد أدرج الإمام في كلامه ما يدفع ذلك، وهو قوله: إذا لم يتصل العتق حق المرتهن، إذ لو أذن نفذ العتق وإذنه لم يبطل الرهن، إذا لم يتصل بالعتق، ومثل ذلك لا يتصور في طلاق العبد؛ لأن الوقوع الثالثة: منه حال رقه لا يمكن، فدل ذلك علي أنه غير مالك لمحلها علي أنه قد يقول: محل الطلاق الزوجة والزوج لا يملكها، وإنما يملك أن يستمتع بها، والاستمتاع ليس محل الطلاق، فانقطع الإلحاق. قلت: المراد بمحل الطلاق العصمة الثالثة من الزوجين، وهي أمر حكمي غير الزوجة (٣) وغير الاستمتاع وهو قيد النكاح الذي الطلاق إزالته، ومحل العتق ملك اليمين، ولا شك أنه حاصل للراهن، أعني: ملك

стр. 1370

اليمين، وإنما امتنع العتق لحق المرتهن، فحق المرتهن مانع من العتق الذي وجد محله وسببه، ولك أن تُسَمِّي ملك اليمين محلًّا، ولك أن تسميه سببًا ومقتضيًا، وأما محل الطلاق وهو العصمة وقيد النكاح، فلا شك أنها حاصلة للعبد، ولكن العصمة الثابتة للعبد تقتضي طلقتين، وهل هي مقتضية للطلقة الثالثة بشرط الحرية، أو بعد الحرية يتجدد المقتضى للطلقة الثالثة الذي يتجه الثاني، ثم هل ذلك المتجدد المقتضي للثالثة هو الحرية، أو الحرية مقتضية لعصمة كاملة أكمل من التي كانت، وتلك العصمة مقتضية لملك الثلاث فيه بحث، ولا يُستنكر كون العصمة مراتب، ألا ترى أن الرجعية ولو روجعت تبقى بطلقتين أو طلقة، والعصمة ثابتة، وتقول: إن الطلاق الرجعي شعَّث النكاح، وما أزال العصمة، أي: بالكلية، ولما كان في محل الطلاق هذا البحث أعرض الإمام عنه، واكتفى بأن الطلقة الثالثة ليست مملوكة للعبد، ولا شك أن الفقهاء يُطلقون على الشيء أنه مملوك منع منه مانع كما قلناه في عتق الرهن، فأراد الإمام أن الطلقة الثالثة ليست كذلك؛ لأنه لم يوجد سببها، وهو الحرية، أو كمال العصمة الناشئة عن الحرية المسماة بالمحل، إذ الطلاق تصرف فيها، ويلاقيها، ولا يلزم من صحة التعليق فيما ملك سببه ومحله، وامتنعت مباشرته لمانع صحة تعليق ما لم يوجد سببه، ولا يحال الامتناع فيه على المانع، بل على عدم المقتضي، وخلاصة الفرق أن التعليق في الرهن مع قيام المقتضي، وفي الطلاق قبله، ولكنا بسطناه بهذه العبارة. * * *

стр. 1371

فرع لو قال: إن دخلتَ الدار بعد فك الرهن، فأنت حر، ففي صحة هذا التعليق الوجهان السابقان. فرع "مبعض له على مالك نصفه دين، فرهنه نصفه الذي هو مملوك عنده يصح، ويصير إعتاق الراهن لنصفه كإعتاق المرهون لا يجوز إلَّا بإذن المبعض، فإنه المرتهن". ذكره الروياني بمعناهُ (١). فرع "لو قال لعبده: أنت ابني تقع الحرية، فلو كان مرهونًا. فإن قلنا: يصح عتقه عتق، وإلا بُني على الإقرار بالحرية في المرهون. وفيه قولان كالإقرار بالغصب، فإن جوزنا الإقرار وقعت الحرية وإلا فلا" قاله الروياني (٢). * * *

стр. 1372

قال: فإن قلنا: إن العتق يصح، فإن كان موسرًا أخذت منه القيمة، وجُعِلَتْ رهنًا مكانه؛ لأنه أتلف رقه؛ فلزمه ضمانه، كما لو قتله، وتعتبر قيمته وقت الإعتاق؛ لأنه حالة الإتلاف، ويعتق بنفس اللفظ. ومن أصحابنا من قال: في وقت العتق ثلاثة أقوال؛ أحدها: بنفس اللفظ. والثاني: يدفع القيمة. والثالث: موقوف، فإن دفع القيمة حكمنا أنه عتق من حين الإعتاق، وإن لم يدفع القيمة، حكمنا أنه لم يعتق في حال الإعتاق، كما قلنا فيمن أعتق شركًا له في عبد أنه يسري، وفي وقت السراية ثلاثة أقوال، وهذا خطأ؛ لأنه لو كان كالعتق في العبد المشترك لوجب ألَّا يصح العتق من المعسر كما لا يسري العتق بإعتاق المعسر في العبد المشترك، وإن كان معسرًا؛ وجبت عليه القيمة ذمته، فإن أيسر قبل محل الدين طولب بها؛ ليكون رهنًا مكانه وإن أيسر في محل الدين طولب بقضاء الدين. شرع في التفريع على الأقوال، وبدأ بقول الصحة معسرًا كان أو موسرًا، وهو مذهب أبي حنيفة (١)، وقطع الأكثرون بأنه يعتق بنفس اللفظ. قال الماوردي: "قولًا واحدًا" (٢)، وفي "التجريد" للمحاملي أنه المنصوص، وإن من أصحابنا من قال ثلاثة أقوال، كما ذكره المصنف، وكونه إذا أيسر يُطالب قبل المحل بها رهنًا، مشروط بألا يتطوع بتعجيل الدين، وكونه إذا

стр. 1373

أيسر بعد المحل يُطالب بقضاء الدين، هكذا ذكره المصنف، وسُلَيم، والمحاملي في "التجريد"، وسبقهم الشيخ أبو حامد، وقال: لا معني لأخذ القيمة، ونقل الرافعي ذلك عن العراقيين وقال: "ولك أن تقول كما أن ابتداء الرهن قد يكون بالحالِّ، وقد يكون بالمؤجل، فكذلك قد تقتضي المصلحة أخذ القيمة، رهنًا، وإن حل الحق إلى أن يتيسر استيفاؤه، وبتقدير صحة التفصيل الذي ذكروه وجب أن يجري مثله في القيمة التي تؤخذ من الموسر" (١). انتهي. وقد قال القاضي أبو الطيب: "إن القيمة تُجْعل رهنًا إن كان الدين مؤجلًا، ولم يعجل له الراهن دينه، وإن كان حالًّا وفى منها الدين إلَّا أن يقول الراهن: أقضي من غير هذه القيمة، فيكون له ذلك، فإن امتنع من قضاء الدين من غيرها، جُعلت القيمة قضاء لدينه هذا إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا انتظر يساره، ثم إذا أيسر كان الحكم، كما تقدم يُفرق فيه على أن يكون الدين حالًّا أو لا كما تقدم في حال يساره عند العتق" (٢). انتهى. وعندي أن هذا ليس خلافًا، ومقصود الأولين أنه لا يحتاج إلى جعلها رهنًا، فإن اتفقا على ذلك أو طلبه المرتهن ولم يقضِ الراهن، فلا منع منه. فرع قول المصنف: إن كان موسرًا، ثم حكايته الطريقين في وقت العتق ينبهك على أنه إذا كان معسرًا لا يجري الطريقان إذا نفذناهُ، بل يعتق في الحال بلا خلاف، وبه صرَّح الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وغيرهما.

стр. 1374

وقوله: وتغيير قيمة يوم الإعتاق، هذا إذا قلنا: هو وقت العتق، أما إذا قلنا بدفع القيمة، فينبغي أن يكون المعتبر ذلك الوقت، أو يأتي فيه خلاف، هل يعتبر يوم العتق أو الأداء أو الأقصى، وعلى الأول قال في "البيان": ويعتبر القيمة يوم العتق، ومتى يعتق فيه. الطريقان. وأما الرافعي ﵀، فإنه صَدَّر كلامه باعتبار قيمة يوم الإعتاق، قال: "ثم إن كان موسرًا أخذت منه في الحال، وإن كان مُعسرًا أُنظر". ثم قال: "ومتى كان المعتق موسرًا، والتفريع على القول الثاني أو الثالث يعني: قول الصحة مُطلقًا أو من الموسر على وقت نفوذه طريقان" (١)، وهذا الترتيب ربما يسبق إلى الذهن منه أن الخلاف لا يعود إلى وقت اعتبار القيمة، وليس كذلك، فإن الخلاف في وقت النفود مستلزم له. وقال ابن الرفعة في "الكفاية": "إن قلنا بالنفوذ مُطلقًا، فعلى الراهن قيمته يوم الإعتاق، صرح به الأصحاب، وكان يتجه أن يتخرج على الخلاف في وقت النفوذ، وإليه أشار ابن يونس بقوله: على الصحيح" (٢)، ثم كتب بخطه على الحاشية، هذا الاحتمال غير صحيح؛ لأن الخلاف في وقت النفوذ، إنما هو إذا قلنا بالتفرقة على الموسر والمعسر، لا نقول بالنفوذ مطلقًا في حالة اليسار والإعسار. انتهى. وهذا الذي قاله في الحاشية غير صحيح، بل الخلاف متى كان موسرًا، سواء قلنا بنفوذه مطلقًا أم فرقنا بين الموسر والمعسر؛ ولهذا ذكره المصنف على قول النفوذ مطلقًا، وذكر الرافعي أنه عليه وعلى قول التفرقة، فالصواب صحة الاحتمال الذي قاله في الأصل، وصحة ما أشار إليه ابن

стр. 1375

يونس من الخلاف، لكنه في "الكفاية" قال: "فيما قاله الرافعي نظر؛ لأنه لو كان معسرًا نفذنا عتقه على هذا القول، فكيف نتوقف اليسار؟ " (١). انتهى. وهذا إشكال على صاحب الطريقة المخرجة على الأقوال لا على الرافعي، فإنه موافق للأصحاب على حكاية الطريقين عند اليسار في وقت العتق، والقطع عند الإعسار بأنه ينفذ الآن، ويمكن الفرق بأنه لا غاية معلومة، فاكتفينا بالذمة. وبالجملة، الإشكال إنما نشأ من ضعف الطريقة. فرع قال الإمام: "ومهما بذل القيمة على قصد الغرم صارت رهنًا، ولا حاجة إلى عقد مستأنف" (٢)، وقول الإمام على قصد الغرم قيد لا بد منه، وقد نَبَّه هو عليه، فقال: "لا بد من أن يقصد الراهن المعتق التسليم عن جهة الغرم، وأنه جار في كل مال في الذمة، حتى لو قال: قصدتُ الإيداع عندك وقع وديعة" (٣). قلت: ولو لم يقصد شيئًا لم يصح القبض، وهكذا جميع الديون متى أدى المديون إلى صاحب الدين مقدار دينه من غير قصد شيء، حالة الدفع لم يكن نشأ، ولم يملكه المدفوع إليه، بل لا بد من قصد الأداء عن جهة الدين، وكثير من الفقهاء يغلط في هذا، ويقول: أداء الدين لا تجب فيه النية، وقد نَبَّه الإمام على ذلك في باب نية الوضوء (٤). وقوله صارت رهنًا صحيح على قاعدة الخراسانيين، فإن عندهم ما دام

стр. 1376

الأرش في ذمة الجاني لا يحكم بأنه مرهون حتى يتعين، فيصير مرهونًا، فلا جرم، قال ذلك هنا. ولنا وجه: أنه يحكم بأنه مرهون. وقال النووي: إنه أرجح، وهو كما قال، وعلى هذا لا يصح قوله مهما بذل القيمة صارت رهنًا؛ لأنها رهن قبل ذلك، وقوله: ولا حاجة إلى عقد مستأنف صحيح على الوجهين جميعًا، وهو عندي الصواب لا ينبغي جريان خلاف فيه. وكذا في الأرش الذي يؤخذ من الجاني، وقال الرافعي في كتاب الوقف فيما إذا قُتل العبد الموقوف، واشتُري بقيمته عبد، هل يصير وقفًا بالشراء أم لا بدَّ من وقف جديد؟ "وجهان جاريان في بدل المرهون إذا أتلف" (١). وبالثاني قطع المتولي. وقال النووي: "الأصح أنه لا بد من إنشاء وقف فيه، ووافق المتولي آخرون" (٢). قلت: وهذا في الوقف صحيح؛ لأنه إذا اشترى لجهة الوقف يكون ملكًا لتلك الجهة يستحق وقفه، ويمكن ردُّهُ بعيب ونحوه؛ فلذلك لا يصير وقفًا ما لم يوقف، وقد يظهر للناظر المصلحة في بيعه وشراء غيره مما هو أنفع للوقف، وأما القيمة التي تؤخذ عن الرهن، فلا مصرف لها غيره، وهي محبوسة حبس الرهن، وليس للراهن ولا غيره فكّ الحبس عنها إلَّا برضا المرتهن، فأي فائدة في إنشاء الرهن فيها. * * *

стр. 1377

قال: وإن قلنا: العتق لا يصح ففكَّه، أو بيعَ في الدَّين، ثم ملكه لم يعتق عليه. ومن أصحابنا من قال: يعتق؛ لأنه إنما لم يعتق في الحال لحق المرتهن، وقد زال حق المرتهن فنفذ العتق، كما لو أحبلها ثم فكَّها، أو بِيعت ثم ملكها، والمذهب الأول؛ لأنه عتق لم ينفذ في الحال، فلا ينفذ بعد ذلك، كما لو أعتق المحجور عليه عبده، ثم فك عنه الحجر ويخالف الإحبال، فإنه فعل، وحكم الفعل أقوى من حكم القول؛ ولهذا لو أحبل المجنون جارية نفذ إحباله، وثبت لها حق الحرية، ولو أعتقها لم يصح. إذا قلنا: لا يصح العتق مطلقًا، أو كان معسرًا، وقلنا: لا، فالرهن باقٍ بحاله، فإذا انفك بأداءٍ، أو إبراء، أو بيع في الدين، ثم ملكه الراهن بشراء أو إرث أو نحوهما، فوجهان؛ وقيل: قولان؛ أصحهما: وهو قول المزني (١) وهو المنصوص، كما قدمناه عن الرهن الصغير، أنه لا يعتق. والثاني: يعتق، ولعله يُجيب عن كلام الشافعي بأنه فرضه إذا حُكم به، ولا شك أنه إذا حكم حاكم ببطلان العتق نفذ حكمه؛ لأنه مختلف فيه، فإذا ملكه بعد ذلك لا يعتق، وسيأتي في الإبراء عن الجناية ما يقتضي أن هذا قوي. وقال بعض الخراسانيين: إن انفك بأداء أو إبراء، فالوجهان، وإن بيع في الدين وعاد؛ لم يعتق قطعًا؛ لأنه إذا بيع في الدين اتصل المنع بمقصوده،

стр. 1378

فتأكد البطلان، وعلى هذه الطريقة جرى الغزالي، ويقتضي إيراد الرافعي ترجيحها (١)، والشيخ أبو حامد والمحاملي في "التجريد" و"المجموع"، والماوردي (٢) وسُليم وافقوا المصنف في التسوية وهو الأقرب، أعني: جريان الخلاف إذا انفك أو بيع، وإن كان النووي في "الروضة" قال: "المذهب القطع" (٣) وكيف ما ما كان، فالأصح عدم النفوذ، وبالنفوذ قال مالك: "وقطع به قاطعون" (٤) على ما قال الرافعي، قال الرافعي: "والخلاف فيه كالخلاف فيما إذا أعتق المحجور عليه بالفلس عبدًا، ثم انفك الحجر عنه، ولم ينفق بيع ذلك العبد هل يعتق؟ " (٥). قلت: الظاهر أن المأخذ هنا غير المأخذ هناك؛ لأن الخلاف هنا جارٍ في العود بعد البيع كما حكيناه عن العراقيين، وهناك لو عاد بعد البيع لم نعلم من قال بنفوذ العتق، فإن طرد الخلاف فيه استقام التشبيه. نعم، على الطريقة التي اختارها من أن الاختلاف في الانفكاك خاصة دون البيع يستقيم، فيكون مأخذ التنفيذ في الموضعين الوقف كما قاله الإمام، وأما مأخذ التنفيذ بعد البيع والعود، فلا يستقيم أن يكون المأخذ الوقف وحده، بل بضميمة أن الزائل العائد كالذي لم يزل، أو يكون المأخذ ما نذكره في الاستيلاد، ويكون العتق نافذًا في حق الراهن غير نافذ في حق المرتهن فإن أجرى الخلاف في المفلس، فيطرد هذا المأخذ فيه، وإلَّا فلا للقطع بأن عتقه غير نافذ الآن، فهو أبعد رتبة عن الراهن، وملاحظة وقف

стр. 1379

العقود هنا بعيدة، فإنها جارية في جميع التصرفات، والذي يتكلم فيه في الرهن في العتق وحده خلاف يخصه على الجديد الذي لا يقول بوقف العقود وسائر تصرفات الراهن غير العتق لا تكون موقوفة إلَّا على قول وقف العقود وقول المصنف، كما لو أعتق المحجور عليه، أي بالسفه، وما ذكره من الفرق بين العتق والإحبال ظاهر. تنبيه: أطلق المصنف قوله: "ثم ملكه"، وكذلك جماعة من الأصحاب، وعبارة الشيخ أبي حامد: ملكه بالشراء أو الإرث والهبة، وفي ذلك تنبيه على أنه بسبب جديد، أما إذا ملكه بالرد بالعيب، فينبغي القطع بأنه لا يعود العتق؛ لأن المشتري يسترد الثمن، فيعود حق المرتهن. نعم، لو كان الثمن تلف وغرمه الراهن، أو انفك الرهن بأي طريق كان؛ عاد الخلاف لأجل انفكاك الرهن، ولا يأتي فيه خلاف الخراسانيين. * * *

стр. 1380

قال: وإن قلنا: إنه يصح العتق إن كان موسرًا، ولا يصح إن كان معسرًا، فقد بينا حكم الموسر والمعسر. يعني: فإن كان موسرًا، فيصح عتقه، وقد تقدم تفريعه، وإن كان معسرًا، فلا ينفذ عتقه، وقد تقدم تفريعه، فلا وجه لإعادته. * * *

стр. 1381

قال: وإن كان المرهون، جارية، فأحبلها فهل ينفذ إحباله أم لا؟ على الأقوال الثلاثة، وقد بينا وجوهها في العتق. التسوية بين الإحبال والإعتاق طريقة الشيخ أبي حامدٍ والماوردي والمصنف والمحاملي وابن الصباغ وهو ظاهر النص، قال ابن الصباغ: الصحيح عند أصحابنا لا فرق بين الإحبال والعتق. وقال أبو إسحاق المروزي، والقاضي حسين، والإمام، والغزالي (١): الإحبال مرتب على العتق وأولى بالنفوذ، بدليل أن إحبال المجنون والسفيه نافذ، وإعتاقهما لا ينفذ، وكذا إعتاق الأب جارية ابنه لا ينفذ، وإحباله لها ينفذ، قاله الفُوراني، وإحبال المريض من رأس المال وإعتاقه من الثلث. وقال بعض الأصحاب: الاستيلاد مرتبٌ على الإعتاق، وأولى بعدم النفوذ؛ لأنه لا يُفيد حقيقة العتق في الحال، وإنما يثبت به حق العتق دون حقيقته المنجزة، ومن ذلك يجتمع ثلاث طرق صرَّح بها في "التتمة"، وأصحها: طرد الأقوال كما ذكره المصنف. والثانية: القطع، كالنفوذ. والثالثة:: القطع بعدم النفوذ. واعلم أن تصحيح طرد الأقوال يقتضي تصحيح نفوذ إحبال الموسر دون المعسر؛ لأنه الأصح في العتق، ويوافقه قول الرافعي في "الشرح

стр. 1382

الصغير" في مصيرها أم ولد الأقوال المذكورة في الإعتاق، وقبل الاستيلاد أولى بالنفوذ. وقيل: أولى بألا ينفذ، وعبارته في "الشرح الكبير": "هل تصير أم ولدٍ فيه الأقوال في الإعتاق، ثم منهم مَن جعل الخلاف بالترتيب، واختلفوا في كيفيته، فقال أبو إسحاق والأكثرون: الاستيلاد أولى بالنفوذ. وقال آخرون: الاستيلاد أولى بعدم النفوذ، ومنهم مَن امتنع من الترتيب وَسَوَّى بينهما، وبه قال الشيخ أبو حامد، ويخرج ثلاث طرق أظهرها طرد الخلاف" (١). انتهى. فإن أراد طرد الخلاف مُرتبًا كما نسبه إلى الأكثرين، فلا يؤخذ منه تصحيح أن الإحبال هل يفرق فيه بين الموسر والمعسر أو ينفذ مطلقًا، وإن أراد طرد الأقوال، كما هي، فهو مخالف لما نسبه للأكثرين، وفي "المحرر" قال في مصيرها: مستولدة الأقول المذكورة في الإعتاق، لكنه في "الشرح" مع هذه العبارة بنى عليها أن الأكثرين قالوا: إن الاستيلاد أولى بالنفوذ، فالأولى التمسك بعبارة "الشرح الصغير"، والتصريح بأن الإحبال ينفذ من الموسر دون المعسر على الأصح كالعتق، ويدل له ما تقدم من نص الشافعي، وهو الذي اعتمده في "الحاوي الصغير"، ولا خلاف أن الولد حُرٌّ نسيب، ولا قيمة فيه؛ لأن المرتهن لا حق له في ولد المرهونة. واعلم أن كلام صاحب "البيان" يقتضي مخالفة الرافعي في نسبة قول أبي إسحاق إلى الأكثرين؛ لأنه قال: "قال عامة أصحابنا: هو كما لو أعتقها على الأموال. وقال أبو إسحاق: إن قلنا: نفذ عتقه نفذ إحباله، وإلا فوجهان؛ لأن الإحبال أقوى، والأول أصح" (٢)، وفي كلام ابن الصباغ إشارة إلى ما قاله

стр. 1383

صاحب "البيان". قال ابن الصباغ: وإنما اختلفا في حق الصبي والمجنون؛ لأنه لا قول لهما، فأما من له قول صحيح، فيجري مجرى الإحبال في حقه. انتهى. ولا يرد عليه السفيه؛ لأن قوله ليس بصحيح، وبهذا يتوقف في نسبة قول أبي إسحاق إلى الأكثرين. واعلم أن القول بأن الإحبال لا ينفذ موسرًا كان أو معسرًا لم أره منصوصًا، وإنما رأيت في "الأم" في الرهن الكبير قولين في المعسر في الإحبال والعتق معًا (١)، وفي الرهن الصغير قولين في الموسر في العتق خاصة (٢) ولم أرَ فيه الإحبال كما قدمنا نقله، فالقول بعدم تنفيذ إحبال الموسر ينبغي أن يكون مخرجًا للمزني، كما اقتضاه كلامه في "المختصر" (٣)، هذا بحسب ما رأيتُ، وكلام الأصحاب يقتضي أنه منصوص. قال المحاملي في "التجريد"، قال في القديم: والرهن اللطيف من الجديد إذا أحبل الراهن الجارية المرهونة أو أعتقها. قال عطاء: لا ينفذ. وقال بعض أصحابنا: إن كان موسرًا نفذ، وإن كان معسرًا لم ينفذ. وقال الماوردي: الأم أم ولد، وهل تخرج من الرهن، قال الشافعي في كتاب الرهن الصغير -المنسوب إلى قوله القديم: إن كان معسرًا لم تخرج وإن كان موسرًا فعلى قولين.

стр. 1384

وقال في كتاب الرهن الكبير- المنسوب إلى قوله الجديد: إن كان موسرًا خرجت، وإن كان معسرًا فعلى قولين، فجعل في خروجها من الرهن ثلاثة أقاويل. انتهى. وما نقلاه عن الرهن الصغير لم أَرَهُ فيه إلَّا في العتق، وفي كلام الماوردي ما يقتضي الجزم بأمية الولد، وإن الخلاف إنما هو في خروجها من الرهن (١)، وهو صحيح على قول الجمهور أنها أم ولد في حقه، وإذا بيعت وعادت صارت أم ولدٍ أما على قول المزني فلا، وقوله المنسوب إلى قوله القديم حمل ابن الرفعة على اعتقاد كون الرهن الصغير من القديم وليس كذلك، وقد أولنا كلام الماوردي عند قول الشافعي فيما مضى، وقد قال الماوردي عند قول الشافعي: "ولو أذن له فرهنه فجنى فبيع في الجناية" (٢): "أن قول الشافعي اختلف فيمن استعار عبدًا ليرهنه في حكمه على قولين نص عليهما في الرهن الصغير والرهن القديم" (٣). انتهى. وهذا يقتضي أن الرهن الصغير ليس هو القديم، كما قاله غيره، فدل على صحة تأويل كلامه الذي عند إحبال الراهن، وأنه ليس كما فهمه ابن الرفعة. * * *

стр. 1385

فرع المهر لا يجب، وأرش البكارة يجب، كما سبق. فرع قال الماوردي: "ثم هي قبل الوضع رهن بحالها؛ لجواز أن يكون الحمل غلظًا أو ريحًا، ولا يجوز بيعها قبل وضعها؛ لجواز أن يكون الحمل صحيحًا" (١). فرع نقل ابن المنذر في إحبال الراهن عن مالك: "أنه إن كان تسور عليها أُعْطِي ولده وتباع، وإن كانت ثابتة وتخرج إليه فأراها أم ولد لا تُبَاع ويتبع بالدين. وعن أبي شبرمة: تستسعي ولا تباع. وعن أبي ثور: تخرج من الرهن، ولا تستسعي" (٢)، وهو كأحد الأقوال عندنا. فرع ذكره القاضي حسين في "الفتاوى" عن القفال: رهن جارية من ابنه، ثم استولدها؛ لا تصير أم ولدٍ على أصح القولين، بخلاف ما لو استولد جارية ابنه؛ لأن هنا أثبت له حقًّا في الجارية بعقده، فلا يملك إبطاله، وكذلك لو استعار الأب جارية الابن فرهنها من غيره، ثم استولدها لا تصير أم ولد، فأما إذا رهن رجل جاريته، فجاء أبوه واستولدها، تصير أم ولد؛ لأنه لم يثبت حقًّا بعقده، كذا أجاب القفال وطرد غير أنه ناقض مما لو رهن جارية، ثم مات عن أب ثم استولدها الأب، قال: لا تصير أم ولد

стр. 1386

له، وإن لم يثبت الحق بنفسه، وعلل بأن الوارث خليفة المورث، فينزل منزلته. انتهى كلام القاضي في "فتاويه". وقوله: على أصح القولين إما أن يُفرض في المعسر، وإما أن يكون اختيارًا للمنع مطلقًا. * * *

стр. 1387

قال: فإن قلنا: إنه ينفذ، فالحكم فيه كالحكم في العتق. أي: تحصل أمية الولد بنفس العلوق على المذهب وعلى الطريقة الضعيفة يخرج على الأقوال الثلاثة؛ أحدها: بنفس العلوق، والثاني: بدفع القيمة، والثالث: موقوف، هكذا حكاها الماوردي هُنا عن بعض أصحابنا المتأخرين من البغداديين اعتبارًا بوطء الشريك. وقال: "إنه غلط في ذلك؛ لأن وطء الراهن صادف ملكًا تامًّا، وإنما يدفع القيمة استيثاقًا لا غرمًا، فصارت بالعلوق أم ولدٍ ولم يجز أن تصير بدفع القيمة؛ لأنه لو قضى الدين ولم يدفع القيمة، كانت أم ولدٍ وليس كذلك حصة الشريك" (١)، ولم يَحْكِ الماوردي هذه الطريقة في العتق، بل قال فيه قولًا واحدًا أنه بنفس اللفظ كما قدمناهُ عنه، والقياس أن تجري فيه كما فعل المصنف. قال الماوردي: "واعتبار القيمة وقت العلوق لا يختلف فيه المذهب؛ لأنه بالعلوق استهلك" (٢). قلت: ينبغي عود الخلاف الذي أشار إليه ابن يونس، فإن صح ما قاله الماوردي هنا بطل ذلك التخريج، ويكون سببه أن بالإحبال والإعتاق الموجب لدفع القيمة والخروج من الرهن عند دفعها قد ترتبت القيمة، فتعتبر حينئذٍ، لكن يلزم على هذا أنه إذا أعتق نصيبه من عبد وهو موسر،

стр. 1388

وحكمنا بالسراية، فإذا بأداء القيمة أن تعتبر قيمة يوم الإعتاق، وهو وجه صححه الجمهور، ووراءه وجهان آخران؛ أحدهما: يوم الأداء، والثاني: أكثر القيم، ولا بد من مجيئهما هنا في الإعتاق والإحبال، والذي قاله الماوردي إنما يجيء على قول الجمهور، وقد تقدم كلام ابن الرفعة وجوابه، وتقدم أنه إذا كان معسرًا، وقلنا بالنفوذ نفذ في الحال قطعًا، وبقية التفاريع تقدمت. * * *

стр. 1389

قال: وإن قلنا: لا ينفذ إحباله صارت أم ولدٍ في حق الراهن؛ لأنها علقت بحرٍّ في ملكه وإنما لم ينفذ لحق المرتهن، فإن حل الدين وهي حامل، لم يجز بيعها؛ لأنها حامل بحرٍّ، وإن ماتت من الولادة، لزمه قيمتها؛ لأنها هلكت بسبب من جهته، وفي القيمة التي تجب ثلاثة أوجه؛ أحدها: تجب قيمتها وقت الوطء؛ لأنه وقت سبب التلف، فاعتبرت القيمة فيه، كما لو جرحها، وبقيت [ضنيئة] (١) إلى أن ماتت. والثاني: تجب قيمتها أكثر ما كانت من حين الوطء إلى حين التلف، كما قلنا فيمن غصب جارية، وأقامت في يده ثم ماتت. والثالث: أنه تجب قيمتها وقت الموت؛ لأن التلف حصل بالموت. والمذهب الأول، وما قال الثاني لا يصح؛ لأن الغصب موجود من حين الأخذ إلى حين التلف، والوطء غير موجود من حين الوطء إلى حين التلف، وما قال الثالث يبطل به إذا جرحها، ثم ماتت كان التلف حصل بالموت، ثم تجب القيمة وقت الجراحة، وإن ولدت نظرت، فإن نقصت بالولادة، وجب عليه أرش ما نقص، وإن حل الدين ولم يَقْضِه، فإن أمكن أن يقضي الدين بثمن بعضها، بيع منها بقدر ما يقضي به الدين، وإن فكها من الرهن، أو بيعت وعادت إليه ببيع أو غيره، صارت أم ولد له، وقال المزني ﵀: "لا تصير" (٢) كما لا يعتق إذا أعتقها، ثم فكها أو ملكها، وقد بينا الفرق بين الإعتاق والإحبال فأغنى عن الإعادة. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1390

هذا كله تفريع على قولنا: لا ينفذ إحباله إما مُطلقًا على أحد الأقوال، وأما إذا كان معسرًا على الصحيح، فإن المصنف في العتق فرَّع على كل واحدٍ من الأقوال الثلاثة، وعرفك هناك أن تفريع الثالث مُبيّن في تفريع القولين، فاستغنى هنا عن إعادة ذلك، واقتصر على تفريع القولين لدخول الثالث فيهما، فقوله في الأول: فإن قلنا إنه ينفذ، أي: مطلقًا على أحد الأقوال، أو إذا كان موسرًا على الصحيح، وكان موسرًا، فالتفريع ما سبق، وقوله هنا: وإن قلنا: لا ينفذ، أي: مطلقًا على أحد الأقوال، أو إذا كان معسرًا على الصحيح وكان معسرًا، فتفريعه ما نذكره، وقوله: "صارت أم ولد في حق الراهن"، هو الذي أطلقه الشيخ أبو حامد وطوائف الأصحاب، واستدلوا له: بأنه لو وهبها للمرتهن، لم يصح، وهذا الذي أطلقوه بان فيه خلاف المزني (١) الذي ذكره المصنف في آخر كلامه، فإنه إذا لم تثبت أمية الولد بعد الفكاك لم تكن أم ولدٍ في حق الراهن ولا في غيره .. فإن كانت مسألة الهبة مجمعًا عليها فترد عليه، واللائق به أن يمنعها، وذكر الرافعي وغيره طريقين فيما إذا انفك الرهن "إحداهما: القطع بصيرورتها أم ولد. والثانية - وهي الأظهر عنده: أنها على قولين كالعتق، أحد القولين: لا يحكم بالاستيلاد، وهو قول المزني" (٢)، ومقتضى هذا القول ألا يقال بأنها صارت أم ولد في حق الراهن، والثاني وهو الصحيح المنصوص: أنه يحكم بالاستيلاد، ومقتضى كلام الشافعي (٣) وأكثر الأصحاب، ترجيح الطريقة القاطعة بهذا، وردُّوا على المزني، ومما يدلك على هذا، أن الشافعي في

стр. 1391

أول قوليه الذي حكيناه عن "الأم" القائل بأنه لا ينفذ قال: "إنما يباع منها بقدر الدين" (١)، ويبقى الباقي رقيقًا يعتق بموته في قول من قال بعتق أم الولد بموت سيدها، فلو كان يلغي الإحبال بالكلية، لم يقل هذا، وإنما المزني اعترض عليه، فقال: "قد قطع بعتقها في كتاب عتق أمهات الأولاد" (٢)، وهذا أورده على قول الشافعي في قول من يعتق أم الولد بموت سيدها، قال الروياني: "قول الشافعي غير مختلف أن أم الولد تعتق بموت السيد، ولا يجوز بيعها بعد ثبوت حرمة الاستيلاد، وقد قطع بذلك في خمسة عشر كتابًا، وقوله في قول من يعتقها ليس بتعليق قول، بل هو تلويح بذكر خلاف ضعيف بين الصحابة" (٣)، ثم قال الشافعي: "ولو بيعت أم الولد بما وصفت، ثم ملكها سيدها، فهي أم ولده بذلك الولد"، قال المزني: "أشبه بقوله: لا تصير له به أم ولدٍ؛ لأن قوله: إن العقد إذا لم يجز في وقته لم يجز بعده، وقد قال: لا يكون إحباله لها أكثر من عتقها، وقال: لو أعتقها، أبطلتُ عتقها، قال المزني: فهي في معنى من أعتقها من لا يجوز عتقه، فهي رقيق بحالها، فكيف تعتق أو تصير أم ولد بحادثٍ من شراء، وهي في معنى من أعتقها محجور عليه" (٤). أجاب الأصحاب عن الأول: بأن الإحبال ليس بعقدٍ، وبأنَّا لم نُبطل الإحبال، بل صححناهُ في حق الراهن. وعن قول الشافعي: لا يكون إحباله لها أكثر من عتقها بان معناه أن العتق نافذ في الحال، والإحبال سبب للعتق في ثاني الحال، قال: فلما لم يخرج

стр. 1392

من الرهن بالعتق الذي ينفذ في الحال، فأولى ألَّا تخرج منه بالإحبال الذي هو سبب للعتق في ثاني الحال، وليس المراد أن الإحبال ليس أقوى من العتق. وعن قول المزني: هي في معنى من أعتقها محجور عليه أن اعتبار الإحبال بالعتق لا يصح، بل ينبغي أن يقول في معنى من أحبلها محجور عليه، وحينئذٍ يكون الحكم النفوذ كما هنا. وقد قيل: "إن المزني إنما ذكر هذا اختيارًا للشافعي ﵀ على معاني أصوله، وليس مختار المزني لنفسه، فإنه يثبت حرمة الاستيلاد بأدنى من هذا السبب، وهو إذا استولدها بالنكاح، ثم ملكها، قال: تصير أم ولد له، كما قال أبو حنيفة، فكيف لا يجعلها أم ولده هنا وقد استولدها بالملك، فتحقق ذلك ولا تغلط عليه" (١). انتهى. وقد تحصل لك أن قول المصنف: صارت أم ولد في حق الراهن ليس مجزومًا به، بل هو المذهب، وليس لك أن تقول: هو مجزوم به، وأنه إذا بيعت، ثم عادت ينقطع ذلك الحكم؛ لأن هذا لا يتخيله فقيه، وقول المصنف: فإن حل الدين وهي حامل لم يجز بيعها هو الصحيح. وفيه وجه: أنه يجوز بيع الحامل بحر. وقوله: "وإن ماتت من الولادة لزمه قيمتها" هو الصحيح المنصوص الذي قطع به الأكثرون؛ لأنها هلكت بسبب عدوان من جهته. وقيل: لا تجب عليه القيمة؛ لأن إضافة الهلاك إلى الوطء بعيدة؛ وإضافته إلى علل وعوارض يقتضي شدة شك الطلق أقرب وأظهر، وهذا الوجه حكاه الفوراني.

стр. 1393

وقال الرافعي: "إنه عن أبي علي الطبري وغيره" (١)، والذي رأيته في "الإفصاح" لأبي علي الطبري: وجوب القيمة، ولو وطئ أمة غيره بشبهةٍ وماتت بالولادة، ففي وجوب القيمة هذا الخلاف، والأصح الوجوب، ولو كانت حرة، ففي وجوب الدية وجهان؛ أقيسهما عند الإمام: الوجوب (٢). وأشهرهما: المنع؛ لأن الوطء سبب ضعيف، وإنما أوجبنا الضمان في الأمة؛ لأن الوطء استيلاء عليها، والعلوق من آثاره فأدمنا به اليد، كما إذا نفَّر المحرم صيدًا، وبقي نفاره إلى الهلاك بالتعثر وغيره، والحرة لا تدخل تحت اليد والاستيلاء. ولو زنا بامرأة مكرهة حرة كانت أو أمة، فماتت بالولادة، ففي وجوب الضمان قولان في رواية الشيخ أبي حامد والماوردي أو وجهان، كما يقتضي كلام غيرهما؛ أصحهما: المنع؛ لأن الولادة في الزنا لا تنضاف إلى وطئه؛ لأن الشرع قطع نسب الولد عنه وممن قال بهذا أبو علي الطبري، وبهذا فرق بينه وبين الراهن على ما رأيته في "الإفصاح"، وحيث أوجبنا الضمان في الحرة، فهو الدية مضروبة على العاقلة، ولو وطئ المشتري الجارية المبيعة بيعًا فاسدًا، وماتت من الولادة في يد البائع، فيحتمل: أن يكون كوطء أمة الغير بشبهة، فتجب في الأصح. ويحتمل: أن يقطع به استصحابًا لليد السابقة، ولا خلاف أنه لا يجب الضمان إذا ماتت الزوجة من الولادة؛ لتولد الهلاك من مستحق حرة كانت أو أمة، ولو كان النكاح فاسدًا، فلا ضمان أيضًا؛ لأن الوطء مقصود بالنكاح، فالإذن في النكاح إذن في الوطء الذي هو سبب الإتلاف، وحكى الروياني فيه قولين. وقول المصنف: "وفي القيمة … إلى آخره"، الأوجه الثلاثة حكاها

стр. 1394

العراقيون والمراوزة، واتفقوا على ترجيح الأول منها، كما رجحه المصنف، وهو اعتبار يوم الإحبال، وعبارة بعضهم: "يوم الوطء" وهما سواء. والوجه الثاني: وهو إيجاب الأكثر، ذكروه غير منسوب إلى أحدٍ. والثالث: وهو اعتبار وقت الموت، منسوب لابن أبي هريرة (١). وقول المصنف: "كما لو جرحها وبقيت ضمنه حتى ماتت" أي لو جرحها وقيمتها مائة وبقيت ضمنه، أي متألمة حتى ماتت وقيمتها عشرة، فالواجب مائة، ويقال: إن ابن أبي هريرة أُلزمَ هذه المسألة، فمنعها وطرد قياسه. قال الرافعي: "ولا يخفى بعده" (٢). وقال الشيخ أبو حامد: إنه خلاف الإجماع. قلت: ولعل هذا النقل لم يثبت عن ابن أبي هريرة، فإن كلام المصنف يُومئ إلى الوفاق عليها وعبارة المصنف تبطل به، تقدم مثلها، فإن كان ذلك عن قصد، فمعناهُ يبطل به حكم تلك المسألة، وتلك المسألة صحيحة بالاتفاق، فما أبطلها كان باطلًا، والعبارة المستعملة تبطل بها، أي: تبطل بتلك المسألة لاتفاقهم على صحتها مع مساواتها لمسألتنا. واعلم أن نقصان القيمة في المثال المفروض إن كان بسبب الجراحة، وما أحدثته من الألم والنقص، فلا وجه لالتزام ابن أبي هريرة للمسألة، وهو في غاية البعد، ويبعد أن فقيهًا يلتزمُ ذلك، وإن كان بسبب نقصان الأسواق فمحتمل، ولعل ابن أبي هريرة إنما التزم ذلك، ويكون محل الخلاف في الرهن في نظيره.

стр. 1395

وقول المصنف: "كما قلنا فيمن غصب جارية، وأقامت في يده، ثم ماتت" إن أراد ثم ماتت في يده، فليس نظير مسألتنا، ونظيرها من مسألتنا: أن يغصبها الراهن من يد المرتهن أو العدل، ثم تموت في يده، وحينئذ يضمن الأقصى كغيره إذا غصب، وإن أراد إذا حبلت في يد الغاصب، ثم ردها إلى المالك وماتت في يده من الطلق، والمنقول في هذه المسألة أنه إن كان الإحبال من الغاصب عالمًا، فلا ضمان؛ لأنه ليس ولده وإن كان جاهلًا؛ ضمن في الأصح، ويأتي في حالة العلم وجه مادته ما سبق، ولكن الأصح عدم الضمان حالة العلم، ووجوبه حالة الجهل، وإذا قلنا بالضمان. قال ابن الرفعة: فلا يتجه منها إلَّا ضمان أقصى القيم. انتهى. وعلى هذا يصح قياس الوجه الثاني عليه، لكن تضمين الأقصى هنا لا يخلو عن احتمال؛ لأنه ليس ضمان غصب، وإنما هو ضمان جناية، وإذا عرفت هذا، فقول المصنف، وما قاله الثاني، لا يصح؛ لأن الغصب موجود من الأخذ إلى التلف يدل على أنه أراد المعنى الأول، وحينئذ لا يصح القياس، ويكون الرد صحيحًا، ولو أن صاحب الوجه الثاني حرَّر القياس على المعنى الثاني؛ كان القياس صحيحًا إذا ثبت له تضمين الأقصى، كما قاله ابن الرفعة، وحينئذ لا يتجه الرد عليه، وتوجيه المذهب إنما يتم بدفعه، ولا دافع له إلَّا أن يُقال: لا يضمن الأقصى كما أبديناه احتمالًا، أو يقال بأن اليد على المغصوبة كانت حقيقة، فتدوم إلى انقطاع أثرها، وحينئذ يجب فرض مسألة الرهن فيما إذا وطئها الراهن من غير غصب، فلو غصبها ووطئها كانت المسألة، ووجب الأقصى قطعًا، ويتأيد بهذا ما قدمناه في المبيعة تبعًا فاسدًا، وإنما لم تجرِ هذه الأوجه على القول بنفوذ الاستيلاد؛ لأنه إذا نفذ انفك الرهن، وما بعد الفكاك لا يتعلق به

стр. 1396

حق، بخلاف ما إذا لم ينفذه، فإن الرهن باق، ولا فرق في جريان الأوجه بين المرهونة والموطوءة بشبهةٍ وبالبيع الفاسد على ما يظهر من كلام الأصحاب، وكذا يجري فيما إذا لم تمت من الولادة، ولكن نقصت قيمتها بها، والأصحاب جزموا بوجوب أرش النقص، ولعله تفريع على وجوب القيمة، فإنه الصحيح المشهور؛ فلذلك جزم المصنف لوجوب الأرش، كما جزم بوجوب القيمة. وقوله: "وإن حل الدين … إلى آخره" سكت عن وقت بيعها، وقد قال الأصحاب: لا تُباع حتى تسقي ولدها اللِّبَأ، وإذا سقته ولم يوجد من يرضع، فلا تُباع حتى توجد خوفًا من أن يسافر بها المشتري لو بيعت، فيهلك الولد، وإذا وُجِدت مرضع فتباع الجارية ولا يبالي بالتفريق بين الأم والولد للضرورة، فإن الولد حُرٌّ وبيعه ممتنع. قال الماوردي: "ولأن الولد إذا كان مملوكًا فحضانته للأم، فإذا فرق بينهما سقطت الحضانة، والحر حضانته للأب، فلم يكن في التفريق بينهما إسقاط للحضانة" (١). انتهى. فهذه مقدمة لابد منها. وقول المصنف: "فإن أمكن أن يقضي الدين بثمن بعضها، بيع منها بقدر ما يقضي به الدين"، أي: سواء أفضى التشقيص إلى نقصان، أم لا، رعاية لحق الاستيلاد، ويخالف ما إذا أنفق ذلك في العبد القن بأن كانت قيمته مائة، وهو مرهون بخمسين، وكان لا يشتري نصفه إلَّا بأربعين، ويشتري الكل بمائةٍ، حيث يباع الكل دفعًا للضرر عن المالك، وأما هنا، فلم يراع وهذا مما يدلك على القطع بثبوت الاستيلاد في حقه، وعلى قياسه ينبغي إذا وجدنا له مالًا آخر يمكن قضاء الدين منه لا يجوز بيعها، ولا بيع شيء منها،

стр. 1397

كما حكينا مثله عن الماوردي فيما إذا رهن جارية موطوءة، وألحقنا الولد به بإقراره بعد القبض، وما ذكرناه من الاقتصار على بيع البعض إذا وفَّى بالدين أمرٌ واجبٌ قاله الماوردي، قال: "فلو كان له غرماء يستحقون بقية ثمنها لم يجز أن يُباع الباقي منها - يعني: عند إمكان بيع بعضها وتوفيته بحق المرتهن - لأن ذلك القدر إنما بيع في دين المرتهن، وليس كذلك باقي غرمائه" (١)، ولو كان بعض الجارية لا يُشترى بحال. قال أبو إسحاق المروزي: "يباع جميعها ويصير الدين، كأنه محيط بقيمتها، ثم يُقْضَى منه الدين، ويرد الباقي"؛ كذا حكاه الماوردي عنه (٢)، وسكت عليه، وأما الشيخ أبو حامد، فحكى عنه أنه: إذا لم يشتر كذلك يُباع الجميع، ثم قال: وهذا فيه نظر. وقوله: "وإن فكها من الرهن أو بيعت"، يقتضي التسوية بينهما كما قال بمثله في العتق، وقد تقدم كلام الرافعي في العتق، وأما هنا، فحكى الطريقين في البيع، وأظهرهما عنده: جريان القولين كما سبق، ثم قال: "ولو انفك عنها، ولم يتفق بعد نفذ الاستيلاد ومنهم من خرجه على الخلاف فيما إذا بيعت ثم عادت، وعلى الخلاف في نظيره في الإعتاق والمذهب: الأول، ويفارق ما إذا بيعت وعادت؛ لأن الملك هنا هو الملك الذي تصرف فيه، ويفارق الإعتاق لما سبق" (٣)، يعني: أن الإعتاق قول يقتضي العتق في الحال، فإذا رُدّ لغي بالكلية والاستيلاد فعل لا يمكن رده، وقد يرجح ما ذهب إليه الرافعي من تخصيص الخلاف بالبيع بأن المزني إنما تكلم فيه، ولم يتكلم في الفكاك، فكيف نقل المصنف عنه، وكلامه في الصورتين، ويعتذر عنه بأن علة

стр. 1398

المزني وقوله: إنه في معنى المحجور عليه إذا أعتق يقتضي عدم النفوذ مطلقًا، وكذلك قوله إذا لم ينفذ في وقته لا ينفذ بعده، وقول المصنف: وعادت إليه ببيع أو غيره؛ ظاهرهُ يشمل أسباب العود كلها، وقد تكلمنا على ما إذا رجعت بالرد بالعيب، ودام حق المرتهن عليها، فتُستثنى هذه الحالة من كلامه ويطرد كلامه فيما سواها من أسباب العود إرثًا كان أو عقدًا أو فسخًا بالإقالة أو الردّ، حيثُ ينقطع حق المرتهن، وقوله: "صارت أم ولد له"، أي: في الحكم، وإلا فصيرورتها أم ولد متقدم من وقت الإحبال، وإنما المراد أنه يحكم عليه بعتقها، وشبه الأصحاب هذا بمن أقر بحرية عبد ثم اشتراه، وإن كان ذاك إقرارًا، وهذا في حكم الإنشاء، ولكن اشتركا في أن كلًّا منهما ثبت حكمه في حقه ومؤاخذته به. ونقل المصنف عن المزني كالصريح في التسوية بين الفكاك والبيع، والذي في المختصر الثاني نصًّا، فإما أن يكون أخذ ذلك من معنى كلامه، وإما أن يكون من موضع آخر، وقد قدمنا أن المزني ما قال هذا مذهبًا لنفسه، وإنما قاله اختيارًا للشافعي. فرع: إذا أخذنا القيمة كانت رهنًا كما سبق، وإذا أخذنا الأرش كان رهنًا مع الجارية، وله أن يصرف القيمة أو الأرش إلى قضاء الحق. قال الشافعي: "ولا أحسبُ أحدًا يعقل يجعلها رهنًا، وهو يقدر أن يجعلها قضاء" (١) يعني: أن الراهن إذا جعلها قضاء سقط من ذمته وأمن تلفها، وإذا جعلها رهنًا كانت أمانة، والدين في ذمته، فلا يفعل ذلك عاقلٌ عقلًا جيدًا، وإذا أراد أن يعطيها رهنًا أعطاها، وإن كانت أكثر من الدَّين، وإن أراد أن يعطيها قصاصًا، لزمه أقل الأمرين منها ومن الدين، وسواء أكان الدين حالًّا

стр. 1399

أم مؤجلًا، إلَّا أن في المؤجل يزداد النظر في أنه هل يجب قبوله إذا دفعها قصاصًا؟ فرع: قال ابن الرفعة: إذا قلنا: لا ينفذ الاستيلاد في حال يسار الراهن، وقلنا: لا تُباع الجارية في حال الحمل، هل يطالب بقيمتها للحيلولة إذا كان الدين حالًّا يُشبه أن يكون فيه مثل الخلاف المذكور في إحبال الأب جارية الابن إذا ألحقنا الولد به ولم تثبت أمية الولد، وقد يُجزم بالمنع؛ لأن الحيلولة ثم وقعت بين المالك وملكه فأشبهت إباق العبد المغصوب، وها هنا الملك قائم، والرهن في العين دائم فلا معنى لأخذ القيمة عنها، ويكون رهنًا. فرع: إذا بعنا بعضها حيث يمكن قضاء الدين به، كما سبق وقضى انفك الرهن عن الباقي، وثبت فيه حكم أمية الولد، كما صرح به الشافعي والأصحاب، والقياس أن يأتي فيه الخلاف المذكور فيما إذا انفك الكل، وقد صرح به ابن الرفعة، وعند استقرار الاستيلاد، وقد بيع بعضها تكون النفقة على المشتري، والمستولد بحسب النصيبين، والكسب بينهما كذلك، وليس لأحد منهما الوطء، وإذا مات المستولد عتقت حصته، ولم يَسْرِ العتق إلى باقيها؛ لأن ما لم يَسْرِ في الحال لأجل الإعسار لا يسري بيسار بُعد، فكيف ولا يسار؛ لأنه عند عتقها لا مال له، ولو ملك المستولد تلك الحصة كان في عود الاستيلاد فيها ما سلف، وعند ذلك يحل له وطؤها وإن لم نقل يعود الاستيلاد في ذلك البعض. * * *

стр. 1400

فرع: تقدم أنها لا تباع وهي حامل. قال الروياني: فإن قيل: إذا باعها وهي حامل بحرٍّ، هلَّا خرج على تفريق الصفقة؟ قلنا: تفريق الصفقة فيما يتصور فيه الإفراد بعقدٍ يتوهم صحته، والحمل في البطن لا يفرد بالعقد في البيع. فإن قيل: فاجعله كالمعدوم، ووجه العقد على الأم. قلنا: لو انفرد عنها في العقد لانفرد في التقويم عند الاستهلال. فإن قيل: هلا جوزتم بيعها على القول بأن الحمل لا يعرف. قلنا: للحمل أمارات لا تخفى، وصورة المسألة: إذا لاحت تلك الإمارات، فإن باعها قبل ظهور الأمارات، ثم بان الحمل المستند إلى وقت العقد أبطلنا العقد. فإن قيل: هلا وقف العقد بعد ظهور الأمارات على القول بوقف العقود. قلنا: إنما لم يفعل ذلك؛ لأن بيعها لا يستغني عن تعيينها، والإشارة في العقد، ومعقول أنك إذا أشرت إلى الحبلى؛ كانت الإشارة إليها غير مقصورة عليها دون حملها؛ لأن الحمل كصفة من صفاتها. فائدة: قد يتوهم أن قول المزني موافق لأحد الأقوال الثلاثة، وليس كذلك، فإن الأقوال الثلاثة في خروجها من الرهن، كما تقدم عبارة الماوردي، ومن أطلقها في الاستيلاد، فمراده: هل يثبت في حق المرتهن حتى تخرج من الرهن أو لا؟ على الأقوال الثلاثة، والقول بأنها لا تصير مستولدة في حق المرتهن، ولا تخرج من الرهن موسرًا كان الراهن أو معسرًا بعده نظر آخر، وهو أن هذا الحكم هل يختص بالمرتهن أو في حق الراهن أيضًا، فعلى

стр. 1401

الصحيح يختص بالمرتهن، أما الراهن، فإنها أم ولد في حقه قطعًا، وعلى قول المزني لا يختص، بل إذا أبطلنا الاستيلاد أبطلناهُ في حقهما جميعًا، وينبني على المأخذين الحكم باستيلادها إذا بيعت ثم عادت، فعلى الصحيح يحكم بالاستيلاد، وعلى مأخذ المزني لا يُحكم به، وأما العتق، فعلى الطريقة الصحيحة، وهو أن الرهن إذا انفك لا ينفذ العتق إذا كنا قد أبطلناه يجب أن تكون الأقوال الثلاثة في نفوذ العتق في حق الراهن والمرتهن جميعًا، وإذا ألغيناه من المعسر على الصحيح، أو من الموسر على قول، كان معناه الإبطال مطلقًا، كعتق المحجور عليه، وبهذا يظهر لك أن الإحبال ليس مساويًا للإعتاق، وإنما الإحبال في حق المرتهن بمنزلة الإعتاق في حقهما، وحاصله: أن العتق والإحبال يفترقان في حق الراهن، ويستويان في حق المرتهن، والأقوال في العتق جارية مطلقًا، وفي الإحبال في حق المرتهن فقط. وقيل: في حقهما، ومحل الفرق بين الإحبال والعتق، إنما هو في حق الراهن، هذا إذا أجرينا الأقوال منهما، ومن يقطع فلا يخفى قوله. فرع: كل ما ذكرناه في الإعتاق أو الإحبال إذا كان بغير إذن المرتهن، فإن كان بإذنه، فسيأتي. * * *

стр. 1402

قال: فصل [في وقف المرهون] وإن وقف المرهون، ففيه وجهان؛ أحدهما: أنه كالعتق؛ لأنه حق لله تعالى لا يصح إسقاطه بعد ثبوته، فصار كالعتق. والثاني: أنه لا يصح؛ لأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير، فلا يصح كالبيع والهبة. يُريد بالوجهين: الطريقين، "واحترز بقوله: "لا يصح إسقاطه بعد ثبوته"، من التدبير فإنه إذا رهن عبدًا وأقبضه ثم دبره، لم يحكم ببطلان التدبير" (١)، كذا قال صاحب "البيان". وقال صاحب "الاستقصاء": إنه احتراز من حد قاطع الطريق، فإنه يسقط بالتوبة. واحترز بقوله: "لا يسري"، من العتق، والصحيح الطريقة الثانية، وهي القطع بالمنع لقوة العتق. وقال المتولي: إن قلنا: الوقف لا يحتاج إلى قبول، فهو كالعتق، وإلا فيقطع بالمنع، وهذه طريقة ثالثة، والصحيح: القطع بالمنع مطلقًا؛ لأن العتق أقوى من الوقف، وإن قلنا لا يحتاج إلى قبول.

стр. 1403

قال: فصل [الإذن بالانتفاع من المرتهن] وما منع منه [المرتهن لحقِّ المرتهن] (١)؛ كالوطء والتزويج وغيرهما إذا أذن فيه جاز له فعله؛ لأن المنع لحقه، فزال بإذنه وما بطل لحقه، كالبيع والعتق وغيرهما إذا فعله بإذنه صح؛ لأن بطلانه لحقه فصح بإذنه. قد عُلم أن الراهن ممنوع مما يضرُّ بالمرتهن من الانتفاعات؛ كالوطء وغيره ومن التصرفات؛ كالتزويج والبيع والعتق وغيرها، فإذا أذن المرتهن حل وصح، فما كان من الانتفاعات يوصف بالحل ولا يوصف بالصحة، وما كان من التصرفات يوصف بالحل والصحة معًا، فقول المصنف: "وما منع منه"؛ إشارة إلى التحريم المقابل للحِلِّ ولا شك أنه شامل للنوعين وقد مثل المصنف بالوطء وهو من النوع الأول والتزويج، وهو من النوع الثاني وحكم بحلهما بإذن المرتهن وهو صحيح. وقوله: "وما بطل" خاص بما يوصف بالصحة والبطلان، وهو النوع الثاني؛ أعني: التصرفات من العقود والعتق، وإنما ذكره المصنف؛ لأنه حكم غير الحل والحرمة، ولا يستلزم أحدهما الآخر.

стр. 1404

وقوله: "كالبيع والعتق" كان ينبغي أن يقول: والتزويج؛ لئلا يتوهم أنه غير داخل في هذا النوع حيث ذكره في الأول وأهمله هنا، ولما كان الحكم بالحل على الفعل محتاجًا إلى معرفته للإقدام عليه قال إذا أذن فيه جاز، وأراد بالجواز هنا الحل لا الصحة، ولما كان الحكم بالصحة متأخرًا عن الفعل؛ إذ الصحة وصف له أشار إلى ذلك بقوله إذا فعله بإذنه صح، وليس لك أن تقول: إن الحل والصحة كلاهما من أحكام الفعل وصفاته؛ لأنا نقول: وإن كان كذلك إلَّا أن إباحة الأقدام ثابتة قبل الفعل لا وقت لها إلَّا ذلك وليست قائمة به، والصحة كون العقد بحيث يترتب أثره عليه، وهذا صفة قائمة بالفعل فلا توجد قبله، وتعليل المصنف في النوعين صحيح، ولا نقول بأن الرهن بطل ولا سقط حق المرتهن من المنع، ولا أن الراهن يتصرف بطريق الوكالة عن المرتهن، بل تصرف الراهن وإطلاقه في الانتفاع لنفسه كان ممنوعًا لحق المرتهن الذي يثبت له بالرهن، فإذا أذن ارتفع ذلك المنع مع بقاء الرهن والحق حتى يجوز له الرجوع متى شاء قبل التصرف، وكذا بعده، وإن كان ذلك مما يتكرر مع بقاء الملك، كالوطء إذا أذن له فيه ووطئ ولم تحبل، فإن للمرتهن أن يرجع متى شاء. فرع: إذا وطئ بإذنه، فإن لم يُحبل، فالرهن بحاله، وإن أحبل نفذ موسرًا كان أو معسرًا ولا قيمة عليه، وإن أذن له في وطئها دون إحبالها، فوطئها وأحبلها؛ خرجت من الرهن؛ لأن الإحبال غير ممكن، فصار مأذونًا فيه، وإذا رجع قبل الوطء، امتنع الوطء، فإن خالف ووطئ فأحبل، فإن كان عالمًا برجوعه، فكما لو أحبل بغير إذن، وإن كان جاهلًا، فعلى وجهين مخرجين من تصرف الوكيل قبل العلم بعزله؛ أحدهما: يكون حكم الإذن باقيًا.

стр. 1405

والثاني: لا، حكاهما الماوردي (١)، ومقتضى إلحاقه بالوكيل، أن يكون الثاني أصح، وسيأتي هذا. * * *
следующие страницы →