الصحيح يختص بالمرتهن، أما الراهن، فإنها أم ولد في حقه قطعًا، وعلى قول المزني لا يختص، بل إذا أبطلنا الاستيلاد أبطلناهُ في حقهما جميعًا، وينبني على المأخذين الحكم باستيلادها إذا بيعت ثم عادت، فعلى الصحيح يحكم بالاستيلاد، وعلى مأخذ المزني لا يُحكم به، وأما العتق، فعلى الطريقة الصحيحة، وهو أن الرهن إذا انفك لا ينفذ العتق إذا كنا قد أبطلناه يجب أن تكون الأقوال الثلاثة في نفوذ العتق في حق الراهن والمرتهن جميعًا، وإذا ألغيناه من المعسر على الصحيح، أو من الموسر على قول، كان معناه الإبطال مطلقًا، كعتق المحجور عليه، وبهذا يظهر لك أن الإحبال ليس مساويًا للإعتاق، وإنما الإحبال في حق المرتهن بمنزلة الإعتاق في حقهما، وحاصله: أن العتق والإحبال يفترقان في حق الراهن، ويستويان في حق المرتهن، والأقوال في العتق جارية مطلقًا، وفي الإحبال في حق المرتهن فقط. وقيل: في حقهما، ومحل الفرق بين الإحبال والعتق، إنما هو في حق الراهن، هذا إذا أجرينا الأقوال منهما، ومن يقطع فلا يخفى قوله.
فرع:
كل ما ذكرناه في الإعتاق أو الإحبال إذا كان بغير إذن المرتهن، فإن كان بإذنه، فسيأتي.
* * *
стр. 1402
قال:
فصل [في وقف المرهون]
وإن وقف المرهون، ففيه وجهان؛ أحدهما: أنه كالعتق؛ لأنه حق لله تعالى لا يصح إسقاطه بعد ثبوته، فصار كالعتق. والثاني: أنه لا يصح؛ لأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير، فلا يصح كالبيع والهبة.
يُريد بالوجهين: الطريقين، "واحترز بقوله: "لا يصح إسقاطه بعد ثبوته"، من التدبير فإنه إذا رهن عبدًا وأقبضه ثم دبره، لم يحكم ببطلان التدبير" (١)، كذا قال صاحب "البيان".
وقال صاحب "الاستقصاء": إنه احتراز من حد قاطع الطريق، فإنه يسقط بالتوبة.
واحترز بقوله: "لا يسري"، من العتق، والصحيح الطريقة الثانية، وهي القطع بالمنع لقوة العتق.
وقال المتولي: إن قلنا: الوقف لا يحتاج إلى قبول، فهو كالعتق، وإلا فيقطع بالمنع، وهذه طريقة ثالثة، والصحيح: القطع بالمنع مطلقًا؛ لأن العتق أقوى من الوقف، وإن قلنا لا يحتاج إلى قبول.
стр. 1403
قال:
فصل [الإذن بالانتفاع من المرتهن]
وما منع منه [المرتهن لحقِّ المرتهن] (١)؛ كالوطء والتزويج وغيرهما إذا أذن فيه جاز له فعله؛ لأن المنع لحقه، فزال بإذنه وما بطل لحقه، كالبيع والعتق وغيرهما إذا فعله بإذنه صح؛ لأن بطلانه لحقه فصح بإذنه.
قد عُلم أن الراهن ممنوع مما يضرُّ بالمرتهن من الانتفاعات؛ كالوطء وغيره ومن التصرفات؛ كالتزويج والبيع والعتق وغيرها، فإذا أذن المرتهن حل وصح، فما كان من الانتفاعات يوصف بالحل ولا يوصف بالصحة، وما كان من التصرفات يوصف بالحل والصحة معًا، فقول المصنف: "وما منع منه"؛ إشارة إلى التحريم المقابل للحِلِّ ولا شك أنه شامل للنوعين وقد مثل المصنف بالوطء وهو من النوع الأول والتزويج، وهو من النوع الثاني وحكم بحلهما بإذن المرتهن وهو صحيح.
وقوله: "وما بطل" خاص بما يوصف بالصحة والبطلان، وهو النوع الثاني؛ أعني: التصرفات من العقود والعتق، وإنما ذكره المصنف؛ لأنه حكم غير الحل والحرمة، ولا يستلزم أحدهما الآخر.
стр. 1404
وقوله: "كالبيع والعتق" كان ينبغي أن يقول: والتزويج؛ لئلا يتوهم أنه غير داخل في هذا النوع حيث ذكره في الأول وأهمله هنا، ولما كان الحكم بالحل على الفعل محتاجًا إلى معرفته للإقدام عليه قال إذا أذن فيه جاز، وأراد بالجواز هنا الحل لا الصحة، ولما كان الحكم بالصحة متأخرًا عن الفعل؛ إذ الصحة وصف له أشار إلى ذلك بقوله إذا فعله بإذنه صح، وليس لك أن تقول: إن الحل والصحة كلاهما من أحكام الفعل وصفاته؛ لأنا نقول: وإن كان كذلك إلَّا أن إباحة الأقدام ثابتة قبل الفعل لا وقت لها إلَّا ذلك وليست قائمة به، والصحة كون العقد بحيث يترتب أثره عليه، وهذا صفة قائمة بالفعل فلا توجد قبله، وتعليل المصنف في النوعين صحيح، ولا نقول بأن الرهن بطل ولا سقط حق المرتهن من المنع، ولا أن الراهن يتصرف بطريق الوكالة عن المرتهن، بل تصرف الراهن وإطلاقه في الانتفاع لنفسه كان ممنوعًا لحق المرتهن الذي يثبت له بالرهن، فإذا أذن ارتفع ذلك المنع مع بقاء الرهن والحق حتى يجوز له الرجوع متى شاء قبل التصرف، وكذا بعده، وإن كان ذلك مما يتكرر مع بقاء الملك، كالوطء إذا أذن له فيه ووطئ ولم تحبل، فإن للمرتهن أن يرجع متى شاء.
فرع:
إذا وطئ بإذنه، فإن لم يُحبل، فالرهن بحاله، وإن أحبل نفذ موسرًا كان أو معسرًا ولا قيمة عليه، وإن أذن له في وطئها دون إحبالها، فوطئها وأحبلها؛ خرجت من الرهن؛ لأن الإحبال غير ممكن، فصار مأذونًا فيه، وإذا رجع قبل الوطء، امتنع الوطء، فإن خالف ووطئ فأحبل، فإن كان عالمًا برجوعه، فكما لو أحبل بغير إذن، وإن كان جاهلًا، فعلى وجهين مخرجين من تصرف الوكيل قبل العلم بعزله؛ أحدهما: يكون حكم الإذن باقيًا.
стр. 1405
والثاني: لا، حكاهما الماوردي (١)، ومقتضى إلحاقه بالوكيل، أن يكون الثاني أصح، وسيأتي هذا.
* * *
стр. 1406
قال:
فإن أذن له في البيع أو العتق، ثم رجع قبل أن يبيع أو يعتق، لم يجز البيع والعتق؛ لأنه بالرجوع سقط الإذن، فصار كما لو لم يأذن، وإن لم يعلم بالرجوع عن الإذن فباع أو أعتق، ففيه وجهان؛ أحدهما: أنه يسقط الإذن ويصير كما لو باع أو أعتق بغير الإذن.
والثاني: أنه لا يسقط الإذن بناء على القولين في الوكيل إذا عزله الموكل، ولم يعلم حتى تصرف.
متى رجع المرتهن بعد البيع أو العتق أو الاحبال، فلا حكم لرجوعه، ومتى رجع قبله امتنع البيع والعتق والوطء، والوجهان فيما إذا تصرف ولم يعلم بالرجوع، حكاهما المصنف وغيره في البيع والعتق، أصحهما: أنه يسقط حكم الرهن، وقد قدمناهما عن الماوردي في الوطء.
وأكثر الأصحاب أطلقوا هذين الوجهين، وفصل أبو علي الطبري في "الإفصاح" فقال: إن رجع في الإذن قبل وقوع البيع فإن كان يمكن في مثله الوقوف على رجوعه، فعلى وجهين، وإن كان لا يمكن في مثله، فعلى قول واحد أن بيعه صحيح، ولا معنى لرجوعه؛ قياسًا على ما قال الشافعي في الولي إذا دفع من وجب له حق القصاص إلى سَيَّاف، فرجع في الإذن قبل القتل.
قال الروياني: "وهذا التفصيل لم يقله غيره" (١)، وإذا سقط حكم الإذن،
стр. 1407
لم ينفذ البيع، وأما العتق والإحبال، فعلى الأقوال السابقة، وأما قوله في "الروضة": "ولو رجع عن الإذن ولم يعلم الراهن فتصرف، لم ينفذ على الأصح" (١)، فمراده حيث لا ينفذ بدون الإذن، وعبارة الرافعي سالمة عن ذلك، كعبارة المصنف، وسائر التصرفات كالبيع والعتق، ولو أذن في البيع فباع الراهن بشرط الخيار فرجع المرتهن، لم يصح رجوعه على الأصح؛ لأن البيع مبني على اللزوم، والخيار دخيل إنما يظهر أثره في حق من له الخيار، وإذا لم يصح رجوعه لم يبطل البيع.
والثاني: يصح ويبطل البيع به، ولو أذن في الهبة والإقباض ورجع قبل الإقباض؛ لأنه الركن الأقوى في الهبة.
وقال الروياني: "الأصح أنه لا يصح الرجوع؛ لأن الهبة تنافي مقتضى الرهن، وإن لم يتصل بها القبض" (٢)، وفي عود الرهن إذا انفسخ البيع والهبة، وجهان؛ أصحهما عند الروياني: أنه لا يعود (٣)، بخلاف تخمر العصير وتخلله، والأقرب أنه بانفساخ الهبة قبل القبض يتبين أن الرهن لم يزل، وفي انفساخ البيع في زمان الخيار ينبني على أحوال الملك.
فإن قلنا: لم ينتقل، نتبين أنه لم يزل، وإلا فنعلم أنه قد زال ولا يعود.
فرع:
"رهن عبدًا عند رجلين، فأذن أحدهما في إعتاق بصفة فأعتقه، صح ويعتق الباقي إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا لم يعتق على القول الذي لا ينفذ عتق الراهن"، قاله الروياني (٤).
стр. 1408
فرع:
أذن المرتهن للراهن في الإعتاق، فرد الراهنُ إذنه وقال: لا أعتقه، ثم أعتقه. قال الروياني: "قال والدي: يحتمل وجهين؛ أحدهما: لا يقع. والثاني: يقع" (١).
فرع:
"لو قال بعد الإذن من غير رد أعتقته عن كفارتي جاز، وإن كان الإذن مطلقًا، ولو قال: أعتقنيه إن دخل الدار، لم يكن إعتاقًا بالإذن، ولو قال: أعتقته إن كان كذا، وكان ذلك، لم يكن إعتاقًا بالإذن أيضًا، ويحتمل جوازه هنا؛ لأن فائدة ذلك العتق المنجزُ" قاله الروياني (٢).
فرع:
لو قال الراهن للمرهون وعبد آخر: أحدكما حر، عتق الذي ليس بمرهون، فلو قال المرتهن: أذنتُ لك بفرض الحرية في الآخر، لم يصح اعتبارًا بعبد الغير، وفيه وجه آخر: أنه يقال: عين الحرية وأفرضها، فإن فرضها في المرهون، لم تقع على واحد منهما، وإن فرضها في غير المرهون، وقع العتق، وهكذا لو قال لعبده وغيره: أحدكما حرٌّ على هذا القياس وعلى هذا الوجه أيضًا لا اعتبار بالرضا الحاصل بعد الإعتاق وقبل الفرض كما لا اعتبار به فيما ذكرنا.
فرع:
أذن المرتهن في إعتاقه فقال الراهن له ولعبد آخر غير مرهون: أعتقت أحدكما، ثم فرض الحرية في المرهون هل يصح؟ فيه وجهان، قال الروياني: "والصحيح أنه لا يصح" (٣).
стр. 1409
فرع:
قال له المرتهن: أعتقه فقال: أعتقته عن فلان وكان فلان أذن له في إعتاقه عنه فيه وجهان والأصح جوازه.
فرع:
قال المرتهن: أعتقه إذا دخل الشهر الفلاني، ثم قال: أعتقه اليوم، هل يكون هذا رجوعًا عن الأول، قال الروياني: "يمكن أن يُقال: لا يكون رجوعًا، فإن أعتقه في ذلك اليوم جاز، وإن أخر عتقه إلى دخول الشهر، جاز أيضًا، فإن عرف من قصده بالقول الثاني الرجوع عن الأول كان رجوعًا، وكذلك القول في عبد غيره" (١) هذه الفروع كلها من "البحر".
فرع:
"فرعه الشافعي في "الأم" على عدم وجوب القيمة بإحبال الجارية إذا أذن المرتهن في الوطء، فقال: إذا أذن المرتهن للراهن في ضرب العبد فضربه، فمات لم يضمنه؛ لأن الأمر بالضرب يقتضي كل ضرب ويخالف ضرب الإمام التعزير؛ لأن الدليل قد دل على أن المراد بالتعزير ما لا يتلف ولم يدل على مراد المرتهن فكان الحكم لإطلاق لفظه أو لأن ذلك مشروط بالسلامة بخلاف هذا الضرب، فإنه مطلق.
وقال بعض أصحابنا: إن تضمن إذنه للضرب للتأديب يشترط السلامة أيضًا كما في الضرب الشرعي"، هكذا نقل الروياني (٢) هذا الفرع، والذي نقله الرافعي: أنه إن أذن في الضرب لم يضمن، وإن أذن في التأديب ضمن، والذي رأيته في "الأم": "لو أذن له في أن يضربها فضربها فماتت، لم يكن له عليه أن يأتيه ببدلٍ منها يكون رهنًا مكانها؛ لأنه لم يتعد عليه في
стр. 1410
الضرب" (١)، هذا لفظه، وعلله الإمام بأن الأمر بالضرب أمرٌ بجنسه بالغًا ما بلغ، قال: "وهذا محتمل عندي، فإن الضرب مخالف للقتل، فالأمر به أراه مشعر بالاقتصار عليه"، قال: ولو قال: "أدب عبدي فلا يشك أنه لو قتله ضمنه، فإن التأديب مصرح بإبقاء المؤدَّب" (٢)، وعدى الأصحاب هذا الحكم إلى غير الرهن، فلو أذن السيد لأجنبي في ضرب عبده أو تأديبه، فالحكم على ما سبق، وأما الزوج والوالد فحكمهما، حكم الإمام، وكذا المعلم.
فرع:
إذا أحبلها لا فرق بين أن تلد أو تسقط ما ظهر منه خلق آدمي على ما هو مبين في موضعه.
* * *
стр. 1411
قال:
فصل [الإذن للراهن بالتصرف]
وإن أذن له في العتق، فأعتق أو في الهبة، فوهب وأقبض بطل الرهن؛ لأنه تصرف ينافي مقتضى الوثيقة فعله بإذنه، فبطلت به الوثيقة، وإن أذن له في البيع لم يخل إما أن يكون في دين حالٍّ أو في دين مؤجل، فإن كان في دين حالٍّ تعلق حق المرتهن بالثمن ووجب قضاء الدين [منه] (١)؛ لأن مقتضى الرهن بيعه واستيفاء الحق منه، وإن كان في دين مؤجل، نظرت: فإن كان الإذن مطلقًا فباع، بطل الرهن وسقط حقه من الوثيقة؛ لأنه تصرف في عين الرهن لا يستحقه المرتهن فعله بإذنه، فبطل به الرهن، كما لو أعتقه بإذنه، وإن أذن له في البيع بشرط أن يكون الثمن رهنًا، ففيه قولان؛ قال في الإملاء: يصح، ووجهه أنه لو أذن له في بيعه بعد المحل بشرط أن يكون ثمنه رهنًا إلى أن يوفيه جاز. وقال في "الأم": لا يصح؛ لأن ما يباع به من الثمن مجهول، ورهن المجهول لا يصح، وإذا بطل الشرط بطل البيع؛ لأنه إنما أذن في البيع بهذا الشرط، ولم يثبت الشرط فلم يصح البيع، وإن أذن له في البيع بشرط أن يعجل الدين فباع، لم يصح البيع، وقال المزني: يبطل الشرط ويصح العقد (٢)؛ لأنه شرط فاسد سبق البيع فلم يمنع صحته، كما لو قال لرجل:
стр. 1412
بع هذه السلعة ولكل عشر ثمنها، وهذا خطأ؛ لأنه إنما أذن بشرط أن يعجل الدين، وتعجيل الدين لم يسلم له، فإذا لم يسلم له الشرط، بطل الإذن فيصير البيع بغير إذن، ويخالف مسألة الوكيل، فإن هناك لم يجعل العوض في مقابله الإذن وإنما جعله في مقابلة البيع، وها هنا جعل تعجيل الدين في مقابلة الإذن، فإذا بطل التعجيل بطل الإذن، والبيع بغير إذن المرتهن باطل، وذكر عن أبي إسحاق أنه قال في هذه المسألة قولًا آخر: أنه يصح البيع ويكون ثمنه رهنًا، كما لو أذن له في البيع بشرط أن يكون ثمنه رهنًا.
فيه مسائل؛ الأولى: إذا عتق أو وهب واقتضى بالإذن بطل الرهن، وكذا إذا باع على ما ذكره الرافعي (١)، ولا شك فيه إذا تم البيع، أما إذا انفسخ في خيار المجلس أو الشرط، فيشبه أن يقال: إن قلنا للمرتهن: الرجوع في زمن الخيار فلا؛ لأنه لو بطل لم يكن له الرجوع، وإن قلنا: ليس له الرجوع وهو الأصح، فيبطل، وحكم الإحبال حكم العتق، ولا يغرم الراهن القيمة في شيء من ذلك؛ لأنه بالإذن ومحل قول الرافعي أن الرهن يبطل بالبيع إذا لم يكن البيع في وفاء الدين، وحكم بطلان الرهن بهذه الأمور حكم انفساخه إذا أذن له ففسخ، بل هذه التصرفات هي فسخ في الحقيقة حتى لو عاد المرهون إليه يومًا ما لا يثبت عليه حكم الرهن.
المسألة الثانية: إذا أذن له في البيع والدين حالّ؛ إما من الأصل، وإما كان مؤجلًا وحلّ، فإن لم يشترط شيئًا كان عليه أن يعطيه ثمنه؛ لأنه وجب له بيعه وأخذ حقه من ثمنه نص عليه في "المختصر" (٢)، وإن شرط أن يعطيه
стр. 1413
حقه قال في "الأم": "عليه أن يدفع إليه ثمن الرهن لا يحبس منه شيئًا" (١)، وعلى هاتين الصورتين يحمل كلام المصنف، ولا يبطل الرهن بالبيع فيهما، بل حكمه باقٍ في الثمن حتى يستوفي المرتهن حقه، أما إذا اشترط، فظاهر كما نص عليه في "الأم"؛ لأنه شرط توافق مقتضى الرهن، وأما إذا لم يشرط فلان ذلك مقتضى الرهن والإطلاق يحمل عليه، كما اقتضاه نصه في "المختصر" وصرح الروياني "بأنه إن شرط هنا أن يكون ثمنه رهنًا مكانه كان ثمنه رهنًا بمقتضى البيع لا بالشرط، وكان الشرط تأكيدًا، قال: وهكذا إن شرط أن يقضي حقه من ثمنه" (٢). انتهى.
وسيأتي في كلام المصنف مثله في المسألة الرابعة، أعني قوله: أنه لو أذن له في بيعه بعد المحل بشرط أن يكون ثمنه رهنًا إلى أن يوفيه جاز، وهكذا صرح به الشيخ أبو حامد، كما صرح به المصنف مستدلًّا به للقول المنصوص في "الإملاء" في المؤجل، وسنذكر من كلام الرافعي ما يخالفه، ويحرر في الكلام على المؤجل، وإن شرط أنه لا يعلق له بثمنه، فهاهنا هو الذي يبطل الرهن بالبيع وكان أذن له في فسخه، فهذه الصورة تخرج من إطلاق المصنف.
فإن قلت: كلام المصنف لم يشملها؛ لأنه إنما قال: إن كان في دين حالّ ومعناه أن يأذن له في بيعه في وفاء الدين، فلم تدخل هذه الصورة، ولو قال: فإن كان الدين حالًّا دخلت.
قلت: يصد عن ذلك قوله: وإن كان في دين مؤجل وتقسيمه إلى ما لا يكون في وفاء الدين.
стр. 1414
المسألة الثالثة: إذا كان الدَّين مؤجلًا، وأطلق الإذن، فيبطل الرهن بالبيع، لما ذكره المصنف، ولا يلزم الراهن أن يدفع من ثمنه شيئًا ولا أن يجعل رهنًا مكانه.
وعن أبي حنيفة: "أنه يلزمه أن يرهن ثمنه مكانه أو يقضي الدين" (١).
لنا: القياس على العتق والهبة، واعترض ابن الرفعة بالفرق بأن ملكه في البيع ينتقل إلى الثمن، فجاز أن يجري عليه حكمه، وقال: إنه لا يبعد أن يقول بعض أصحابنا بقول أبي حنيفة؛ تفريعًا على أنها لو شرط ذلك أخذًا من أن إذنه المطلق متردد على إبطال حقه من الوثيقة، أو من عينها دون ماليتها، والأصل بقاء حقه، لكني لم أر من قال به، ولا أومى إليه، ولعل سببه أنا أبا حنيفة يقول كما يفهمه كلام من نقل عنه من أصحابنا أنه يحتاج إلى تجديد عقد الرهن، والرهن عندنا لا يجب بحال وما ذكرناه من البحث يقتضي أن حكم الرهن يتعدى إلى الثمن من غير عقد، كما نقول في الأرش المأخوذ من الجاني على المرهون أو بعضه يصير مرهونًا بقبضه من غير إنشاء عقد. انتهى.
والجواب: أما كون ملكه ينتقل إلى الثمن، فلا يقتضي أن ينتقل إليه الرهن، وأما حمل الإذن المطلق على إبطال عين الوثيقة دون ماليتها، فالوثيقة ليست إلَّا في العين، وانتقالها إلى البدل في الجناية بحكم الشرع ولم يصدر ما يبطلها، وهنا صدر ما يبطلها وهو البيع الذي ليس لحق المرتهن، فإنه إنما استحق البيع عند الحلول وقبله البيع غير مستحق والرهن ينافيه، فإذا أذن فيه ووجد ارتفع الرهن لمضادته إياه، وأما صحته على رأيي إذا شُرط فليس من هذا القبيل، بل هو من باب نقل الوثيقة بالتراضي ولم
стр. 1415
يوجد هنا ما يدل عليه، وأما كون الرهن لا يجب بحال ابتداءً، فعندنا وعند أبي حنيفة، وأما دوامًا فقد قال بعض أصحابنا فيما إذا أحدث قيمة المرهون المجني عليه أنه يحتاج إلى إنشاء رهن، ومن يقول بهذا يقول بوجوبه، وقوله: "وما ذكرناه من البحث … إلى آخره" قد ظهر جوابه، وهو أيضًا لم يقل به أحد من الأصحاب، ولا أومى إليه، ووافق محمد بن الحسن أبا حنيفة، وخالفه أبو يوسف (١) فقال بقولنا.
وقول المصنف: "لأنه تصرف في غير الرهن" احتراز من الاستخدام والإجارة ونحو ذلك.
وقوله: "لا يستحقه المرتهن" احتراز من بيعه بعد المحل.
المسألة الرابعة: إذا شرط في المؤجل أن يكون الثمن رهنًا، فالقولان؛ أحدهما: يصح الإذن والبيع ويكون ثمنه رهنًا كما شرط، وهو المنقول عن نصه في "الإملاء والصرف" (٢)، وبه قال أبو حنيفة، والمزني، وأصحاب أحمد (٣).
واستدل له الرافعي: "بأن الرهن قد ينتقل من العين إلى البدل شرعًا، كما لو أتلف المرهون، فجاز أن ينتقل إليه شرطاً" (٤).
واستدل له المصنف: بأنه لو أذن له في بيعه بعد المحل بشرط كون ثمنه رهنًا جاز، وهكذا استدل له الشيخ أبو حامد.
والقول الثاني، وهو المنصوص في "الأم" (٥): يبطل الإذن والبيع، وهو
стр. 1416
الصحيح عند الماوردي (١)، والمحاملي في "التجريد"، و"المجموع"، والغزالي (٢)، لما ذكره المصنف، وكما لو أذن له بشرط أن يرهن عنده عينًا أخرى، وهذه العلة أحسن، فإن علة المصنف توهم أنه إذا عين الثمن يصح؛ لزوال الجهالة وليس كذلك، ولا أن يكون الثمن معلومًا أو مجهولًا هذا الذي يظهر من إطلاق الأصحاب الحكم لكن كثير منهم وافق المصنف على التعليل بالجهالة، حتى الشافعي في "الأم" (٣) والرافعي (٤) وغيره، ويتوهم أنه لو عين الثمن لم يطرد الحكم وهو بعيد، على أنني لم أر من صرح به ولا بخلافه وقرَّب القاضي حسين القولين من الخلاف فيما يتسارع إليه الفساد، والغزالي (٥) قال: مأخذهما جواز نقل الوثيقة إلى عين أخرى، واعترض ابن الرفعة على الأول بأن المنصوص فيما يتسارع فساده في "الأم" الصحة وهنا الفساد، وهو المصحح عند الأصحاب، وعلل الثاني بأن الخلاف في نقل الوثيقة من عين إلى عين خالية عما يمنع ابتداء رهنها، وقد قال الماوردي هنا: "لو رهنه بشرط أن يباع ويكون عنه رهنًا مكانه، كان باطلًا قولًا واحدًا" (٦)، ثم قال ابن الرفعة: إن ظاهر ما نقل عن "الإملاء والصرف" أن محله إذا شرط أن يكون الثمن رهنًا من غير ابتداء عقدٍ، فإن فيه إذا بيع كان الثمن رهنًا وظاهر كلامه في "الأم" يقتضي اشتراط ابتداء عقد الرهن على الثمن بعد البيع، فإن لفظه: "لو أذن له أن يبيعه على أن يكون
стр. 1417
المال رهنًا لم يجز البيع، وكان كما لو أذن له أن يبيعه على أن يقضيه ثمنه" (١).
قلت: هذه العبارة لا تقتضي ابتداء عقد، بل تقتضي أن يكون رهنًا بمجرد البيع والظاهر أن الحكم سواء في الصورتين، وأن على نصه في "الإملاء" يصح شرط كونه رهنًا، وشرط أن يرهنه (٢) وعلى نصه في "الأم" (٣) لا يصح فيهما وقد تقدم بعض هذا عند قول المصنف، فإن أراد الراهنان أن يقتسما. وقال الرافعي: "إن هذين القولين سواء أكان الدين حالًّا أم مؤجلًا" (٤) وسبقه إلى ذلك صاحب "التهذيب" وسبقهما القاضي حسين، وهو أول من قال ذلك فإنه ذكر القولين في المؤجل، ثم قال: وإن كان حالًّا فأذن له في البيع مطلقًا يلزمه قضاء الحق من ثمنه، وإن شرط قضاء حقه من ثمنه زاد تأكيدًا، وإن شرط أن يضعه رهنًا مكانه، فيخرج على القولين؛ لأنه أغلق باب التصرف على نفسه في العين، وقصد النقل إلى بدلها كما في المؤجل. انتهى.
وقد تقدَّم من كلام المصنف والشيخ أبي حامد جواز ذلك، ومن كلام الروياني أيضًا، وقال: "إنه تأكيد" (٥)، وهو صحيح؛ لأنه إذا تعين الثمن للموفَّي، فهو رهن إلى أن يحصل الوفاء، فأي زيادة لاشتراط كونه رهنًا.
نعم، الذي قاله القاضي حسين، والبغوي، والرافعي، إنما هو فيما إذا شرط أن يجعل ثمنه رهنًا، والذي قاله الشيخ أبو حامد والمصنف والروياني
стр. 1418
فيما إذا شرط أن يكون ثمنه رهنًا، فيمكن أن يقال: هما مسألتان، إن شرط كونه رهنًا، فهو تأكيد لما قلناه، وكلام القاضي حسين لا يخالفه، وإن شرط جعله رهنًا ففيه القولان، وكلام المصنف لا يخالفه.
فإن قلتَ: قد قدمت أن محل القولين في كلام الشافعي إذا شرط كون ثمنه رهنًا، وقلتَ: إنه لا فرق بين ذلك وبين شرط جعله رهنًا.
قلت: نعم ذلك في المؤجل؛ لأنه كون ثمنه رهنًا غير مستحق، فإذا شرطه جرى فيه القولان، كما نصَّ عليه، ويؤخذ منه جريان القولين إذا شرط جعله رهنًا، والدين مؤجل أيضًا؛ لأنه أيضًا غير مستحق، ويحتمل أن تقطع فيه بالبطلان، أما الحالُّ فشرط كونه رهنًا لا يزيد على ما اقتضاه بيع الرهن، فيصح ويكون تأكيدًا، وشرط إنشاء رهن عليه، هو الذي خرَّجه القاضي حسين على القولين ولكن تعليله ليس بالواضح، والتخريج في نفسه محتمل أن يُوافق عليه؛ لأن إنشاء الرهن لا يجب، فصار كما لو شرط في المؤجل أو تعلل المنع بأنه شرط شيء لا يجب، ولا فائدة فيه الجواز بأن مقصوده كونه رهنًا، فيكون تأكيدًا، ولو أذن في الإعتاق أو الإحبال بشرط أن يجعل القيمة رهنًا جرى القولان، ولا فرق هنا بين أن يكون الدين حالًّا أو مؤجلًا؛ لأنه لا ثمن يتعين لوفاء دين المرتهن، فلم يبق إلَّا نقل الوثيقة من العين إلى قيمتها.
واعلم أنا قلنا: إذا شرط في البيع رهنًا لا يجب الوفاء به، بل إذا امتنع فللبائع الخيار، وهنا إذا أذن في البيع بهذا الشرط وقلنا بصحته، فعبارة الرافعي "أن على الراهن الوفاء بالشرط" (١)، وعبارة الشافعي والماوردي: "كان الثمن رهنًا" (٢)، وهي مبنية على أن الشرط أن يكون رهنًا، وعبارة
стр. 1419
الرافعي مبنية على أن الشرط أن يجعله رهنًا، وعلى هذا كان قياس ما قلناه في شرط الرهن أن يقال هنا في هذه الصورة إذا لم يوف بالرهن يثبت للمرتهن الخيار، ويتسلط على فسخ البيع، إلَّا أنه بعيد أن يتسلط غير المتبايعين على الفسخ، والرافعي لم ينفرد بهذه العبارة، بل قالها غيره، والذي يُفهم من كلامهم أنه يُجبر على جعله رهنًا، ولعلهم تسمحوا في العبارة وأرادوا ما قاله الشافعي من كونها تصير رهنًا، وأن الشرط ذلك، ويبينه أن الرافعي ذكر المسألة عند الكلام فيما إذا أذن المرتهن للراهن أن يصالح عن أرش الجناية، وقال: "إنه مرَّ أنه إذا أذن بشرط يكون الثمن رهنًا، ففي كونه رهنًا قولان" (١)، وهذا كعبارة غيره، فُعلِم أن عبارته هنا غير محرَّرة، وأن مراده منها ما ذكره هناك، ولو عكسنا، وحملنا كلامه هناك على ما قاله هُنا لصح، ولكن يخالف كلام الشافعي هذا في البيع، وأما في العتق والإحبال، فلا يتخيل خيارٌ وينحصر الأمر في صيرورة القيمة رهنًا على عبارة الشافعي (٢)، أو في وجوب الوفاء برهنها على عبارة الرافعي (٣) وصيرورتها رهنًا له شاهدٌ في نقل الوثيقة وفي بيع ما يتسارع فساده، وأما وجوب رهنها، فلا شاهد له على أن في الاستشهاد بنقل الوثيقة إشكالًا آخر من جهة أن نقل الوثيقة عقد ناجز اقتضى تبدل محل الرهن، وهنا اشتراط ذلك، ويحصل التبدل عند البيع بغير عقد، وكأنه نزل اشتراط المرتهن وتصرف الراهن بمنزلة العقد، وكل هذا أدى إليه القول بصحة الشرط، وهو مما يدل على ضعفه، ولذلك الأصح عند الأصحاب البطلان، وشذَّ ابن أبي عصرون، فصحح الصحة، واتفقوا على أنا إذا صححناه جعلنا
стр. 1420
الثمن رهنًا كما شرط، إلَّا صاحب "العدة"، فإنه قال: إذا قلنا: يصح فباعه جعل قيمته رهنًا، وقال المزني: "يضع ثمنه رهنًا" (١).
وكل هذا إذا تلفظ المرتهن بالشرط، أما إذا أذن مطلقًا ثم قال: كنت قصدتُ هذا الشرط ولم أنطق به، فلا يتلفت إليه؛ لأن الاعتبار باللفظ، وإن ادعى أنه تلفَّظ به ولم يصدقه الراهن، فسيأتي في باب الاختلاف إن شاء الله.
المسألة الخامسة: في المؤجل إذا أذن بشرط تعجيل الدين، فباع الراهن، فلا خلاف أن شرط التعجيل فاسد، والمنصوص فساد الإذن والبيع، قال الشافعي في "المختصر" (٢): "ولو أذن له أن يبيعه على أن يعطيه ثمنه لم يكن له بيعه؛ لأنه لم يأذن له إلَّا على أن يعجل له حقه، فالبيع مفسوخ"، وقال المزني: "أشبه بقول الشافعي في هذا المعنى ألَّا يفسخ الشرطُ البيعَ، ألا ترى أن من قوله: لو أمرتُ رجلًا ببيع ثوبي على أن له عشر ثمنه، فباعه أن البيع جائزٌ لا يفسخه فساد الشرط في الثمن، فكذا إذا باع الراهن بإذن المرتهن لا يفسخه فساد الشرط في الثمن"، قال المزني: "وينبغي إذا أنفذ البيع على هذا أن يكون الثمن مكان الرهن أو يتقاصان" (٣). انتهى.
وقد ردَّ المصنف وأكثر الأصحاب ما قاله المزني وفرقوا بما قاله المصنف، ولا شك في ظهوره، وجعلوا المسألة على قول واحد، أن الإذن فاسد والبيع فاسد، وفرقوا بين هذه المسألة والتي قبلها، وهي إذا شرط أن يكون الثمن رهنًا حيث جرى فيها قولان بأنه لما صح الشرط في
стр. 1421
تلك المسألة على أحد القولين، وهو أن يكون الثمن رهنًا مكانه، صح الإذن على أحد القولين أيضًا، ولما فسد الشرط في هذه المسألة قولًا واحدًا، وهو تعجيل الثمن من حقه قبل محله فسد الإذن والبيع قولًا واحدًا، وهذه طريقة البصريين، وكثير من غيرهم، وإليها أشار المصنف بردِّه على المزني، وحُكي عن أبي إسحاق المروزي أنه خرجها على قولين، كالمسألة قبلها، أحد القولين: أن الإذن فاسدٌ والبيع مفسوخ والرهن بحاله، والقول الثاني: أن الإذن صحيح والبيع ماضٍ والشرط مفسوخ، ويكون الثمن رهنًا مكانه، فلا يلزمه تعجيله، وهذا قول المزني بعينه، وممن قال به أبو حنيفة (١)، وممن حكاه عن أبي إسحاق المحاملي في "التجريد"، والماوردي (٢). والمصنف، وغيرهم، وقال المحاملي في "المجموع": لم يذكر أبو إسحاق هذا في "الشرح"، ولا هو صحيح عنه، وقال الإمام: "إن العراقيين زيفوه؛ لأن التعويل فيما يُنقل عن أبي إسحاق على ما يوجد في "شرحه"، وهذا لم يوجد في "شرحه" (٣).
قلت: ومما يبعده عن أبي إسحاق أن الشيخ أبا حامد لما نقل استدلال المزني بمسألة الوكيل قال: أجاب عنه أصحابنا أبو إسحاق وغيره بأن هناك يحصل للوكيل أجرة المثل، وإن لم يحصل له العشر، واعلم أن قول المزني وأبي إسحاق يشتركان في الصورة ويختلفان في المأخذ، فالمزني أخذه من مسألة الوكيل، وأبو إسحاق أخذه من المسألة السابقة، إذ اشترط أن يكون رهنًا، فلا يمتنع أن يكون أبو إسحاق ردَّ مأخذ المزني، وإن أثبت قوله بمأخذ آخر.
стр. 1422
واعلم أيضًا: أن ظاهر ما حكيناه عن المزني يقتضي أنه أثبت القول المذكور تخريجًا كما حُكي عن أبي إسحاق أنه أثبته تخريجًا، وإن اختلفا في طريق التخريج، لكن المسألة التي خرج منها المزني يظهر الفرق بينها وبين هذه المسألة ظهورًا جليًّا، فلذلك ردَّ الأصحاب عليه، والمسألة التي خرَّج أبو إسحاق منها الفرق بينها وبين هذه أيضًا يظهر، ولكنه ليس مثل ذلك، ولهذا قال الإمام: إنه مخيل، فلا جرم ردَّه الأكثرون بأنه لم يثبت عن أبي إسحاق مع إبداء الفرق المذكور.
فرع: (١) لا يملك الراهن البيع لأجل الوفاء إلَّا بإذن المرتهن أو نائبه أو الحاكم إن تعذر إذنهما وإذا أذن، فليبعه شرطان متفق عليهما؛ ألا يبيع بمؤجل ولا بما يتغابن بمثله إلَّا بإذن المرتهن، وثالث مختلف فيه وهو جواز شرط الخيار ثلاثاً من غير إذن، والأصح أنه يجوز، وعليه ألا يسلم المبيع إلَّا بعد قبض الثمن، فإن سلمه قبل قبضه ضمن، ولو كان نصف الدين حالًّا والنصف مؤجلًا، فإن باع الكل في عقد واحد اعتبرت الشرائط المذكورة، وإن باعه في عقدين اعتبرت في أحدهما دون الآخر.
فرع: قال الشافعي: "فإن أراد الراهن تحويل المساقي، فإن كان يضر بالمرتهن لم يكن له" (٢). قال الشيخ أبو حامد: والمساقي جمع مسقاة، وهو الإجَّانة التي تكون حول النخل يقف الماء فيها ليشرب النخل،
стр. 1423
فإذا أراد أن يحولها الراهن من جانب إلى جانب، فإن لم يكن فيه ضررٌ على النخل جاز، وإن كان فيه ضرر على النخل لم يجُز، أما المرتهن إذا أراد أن يفعل ذلك فليس له؛ لأنه يتصرف في ملك الراهن، ولا يجوز التصرف في ملك الغير بغير إذنه.
وليس هذا كتدهين الجرباء من الماشية بالدهن والقطران؛ لأن في التدهين بذلك منفعة من غير مضرَّة، فوزانه من النخل أن يحتاج إلى سقي، فللمرتهن أن يسقي النخل بغير إذن الراهن؛ لأن فيه منفعة من غير مضرة.
فرع: تعلُّق الدين بالتركة يُصيرها كالمرهون على الأصح، ويكون تصرف الورثة فيها، كتصرف الراهن.
والرافعي (١) وغيره ذكروا المسألة هنا وبسطوها، ونحن نؤخرها إلى باب التفليس؛ لأن المصنف ذكرها هناك.
فرع: أما المرتهن فليس له في المرهون إلَّا حق الاستيثاق، أما البيع وسائر التصرفات القولية والانتفاع وسائر التصرفات الفعلية، فهو ممنوع منها إلَّا ما تقدم من مصلحة المرهون التي لا ضرر فيها، فلو أذن الراهن جاز إلَّا في الوطء، فإنه لا يجوز بالإجماع، وعن الحسن وابن سيرين في الرجل يرهن المصحف بالقرض مالًا: "لا يقرأ في المصحف وإن أذن صاحبه، وإن كان في بيع فأذن له صاحبه قرأ فيه، وإلا لم يقرأ فيه" (٢). انتهى.
стр. 1424
وكأنهما رأيا في القرض أنه لو انتفع لكان قرضًا جرَّ منفعة، وهو كما كره بعضهم قبول المقرض هدية المقترض، وعندنا يجوز فلذلك يجوز الانتفاع بالرهن بإذن صاحبه.
فرع: فلو وطئ الجارية المرهونة، فإن كان بغير إذن المالك، فكما لو وطئ غير المرهونة إن ظنها زوجته أو أمته، فلا حدَّ وعليه المهر، والولد حرٌّ نسيب، وعليه قيمته للراهن، وإن لم يظن ذلك ولم يدع جهلًا فهو زانٍ يلزمه الحدُّ، كما لو وطئ المستأجر الجارية المكتراة، ويجب المهر إن كانت مكرهة أو جاهلة أو نائمة بلا خلاف، وإن كانت عالمة مطاوعة لم يجب في الأصح المنصوص، وإن ادعى الجهل بالتحريم لم يُقبلْ إلَّا أن يكون حديث عهدٍ بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن علماء المسلمين، فيقبل قوله لدفع الحد، عن المسعودي حكاية خلاف في قبوله لثبوت النسب (١)، وأخرى مثله في حُرِّيَّة الولد ووجوب المهر، والأصح ثبوت الكل؛ لأن الشبهة كما تدرأ الحد تثبت النسب والحرية، وإذا أسقط الحد وجب المهر، وما ذكرناه من وجوب الحد إذا لم يكن شبهة ولا جهل نقل عن الشافعي (٢) نقل الإجماع عليه، وعن أبي حنيفة أنه أسقط الحدَّ لشبهة كونها مرهونة (٣)، ولم يقل أحد من المسلمين بحل الوطء، وإن اختلفوا في شرب اللبن وركوب الظهر، وإن وطئها بإذن الراهن فإن علم التحريم لزمه الحد على الصحيح، والثاني لا؛ لأنه قد قيل: إن عطاء بن أبي رباح كان يجوِّز إعارة الجواري (٤)، والوطء بإذن المالك، وكان يبعث
стр. 1425
بجواريه إلى ضيفانه، فلينهض مذهبه شبهة في درء الحد، والمذهبُ الأوَّلُ، وما نقل عن عطاء يبعد صحته عنه، وعلى تقدير صحة نقله ليس شبهة لضعفه؛ لأن الحد لا يدرأ بالمذاهب، وإنما يُدرأ بما يتمسك به أهل المذاهب من الأدلة، وليس لعطاء في هذا متمسك، وإن جهل التحريم سقط الحد، ومتى تقبل دعواه الجهل فيه وجهان: أحدهما: لا تقبل إلَّا أن يكون حديث عهد بالإسلام أو من في معناه، كما في الحالة الأولى عند عدم الإذن، وهذا اختيار الشيخ أبي حامد، وأصحهما: أنه يُقبل ويدفع الحد عنه وإن نشأ بين المسلمين؛ لأن التحريم بعد الإذن لما خفي على عطاء ﵀ مع أنه من علماء التابعين لا يبعد خفاؤه على العوام، وهذا اختيار القاضي أبي الطيب وقال: إن الأول غلط مخالف لنص الشافعي؛ لأنه قال عند الإذن: "وكان يجهل درء عنه الحد"، وقال عند عدم الإذن: "لا أقبل دعواه الجهل إلَّا أن يكون … " إلى آخره (١)، وهذا نص في الفرق بين المسألتين، قال ابن الصباغ: وهذا عندي مختلف باختلاف حالٍ على حسب ما نعرف من حاله من غفلته وتنبيهه. انتهى.
ولو اعتقد الإباحة كعطاء، فهل تحريمه فيه الخلاف في درء الحد، قال ابن الرفعة: يشبه أن يكون فيه خلاف مأخذه من قول بعض أصحابنا أن الحنفي إذا شرب النبيذ لا يُحدُّ ويُحدُّ بشربه الشافعي.
قلت: إن قلنا بما قاله القاضي أبو الطيب وهو الأصح، فلا حدَّ؛ لأنه إذا انتفى عند الجهل، فعند اعتقاد الإباحة أولى، وإنما قلنا بما قاله الشيخ أبو حامد، فيأتي ما ذكره ابن الرفعة، ويكون الأصح وجوب الحد.
وإذا اندفع الحد في أي صورة كان من هذه الصور، فهل يلزمه المهر؟
стр. 1426
أما إذا كانت مطاوعة فلا؛ لانضمام إذن المستحق إلى طواعيتها، وأما إذا كانت مكرهة، فقولان: أحدهما: لا يجب؛ لأن مستحق المهر أذن، فأشبه ما لو زنت الحرة، وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة: "يجب" (١)؛ لأن وجوب المهر حيث لا يجب الحد حق الشرع، فلا يؤثر فيه الإذن، كما أن المفوضة تستحق المهر بالدخول مع تفويضها، ولو كانت جاهلة أو نائمة، فكما لو كانت مكرهة، وذكر الجرجاني المكرهة والنائمة وصحح فيهما عدم وجوب المهر على خلاف ما صححه الأكثرون، ولم يحك أحدٌ فيما إذا كانت مطاوعة هنا خلافًا كما حكوه فيما إذا كان الوطء بغير إذنٍ، إلَّا أن صاحب "البيان" حكى عن الشيخ أبي حامد وابن الصباغ "أن في المطاوعة لا يجب المهر قولًا واحدًا، وفي المكرهة قولان، وأن الشيخ أبا إسحاق أطلق القولين؛ أحدهما: يجب؛ لأنه وطء في غير ملك فيسقط الحد فأوجب المهر، والثاني: لا؛ لأنه حق آدمي أسقطه" (٢)، وقال صاحب "الاستقصاء": إن سائر أصحابنا ذكروا قولين ولم يفصلوا بين أن تكون مكرهة أو مطاوعة، والقول بالوجوب مذهب أبي حنيفة، ولو كان قد أولدها بوطئه، فالولد حرٌّ نسيب، وفي وجوب قيمة الولد طريقان؛ أحدهما أنه على القولين في المهر، وأصحهما الوجوب جزمًا، والفرق أن الإذن في الوطء رضًا بإتلاف المنفعة جزمًا، وليس رضًا بالإحبال جزمًا، وأيضًا فالإذن لا أثر له في حرية الولد، وإنما الموجب لها ظن الواطئ فحسب، ولا تصير الجارية أم ولد للمرتهن بحال، فإن ملكها يومًا من الدهر ففيه قولان؛ إذا كانت الصورة صورة ثبوت النسب وهذه قاعدة كل موضع علقت بمملوك لا
стр. 1427
تصير أم ولده، وكل موضع علقت بحرٍّ هل تصير أو ولد له؟ قولان، أحدهما: تصير، نقله المزني (١) وحرملة، والثاني: لا، نص عليه في "الأم" (٢)، أعني إذا ملكها في ثاني حالٍ، والصحيح، كما ذكره الروياني "أنها لا تصير أم ولد هُنا؛ لأن وطء المرتهن لم يصادف ملكه بخلاف الراهن، فإنها تصير أم ولده؛ لأن وطأه صادف ملكه" (٣) ولو نقصت بالولادة فحيث ألحقنا به الولد غرم النقص قطعًا، وحيث لم يلحقه به ففي وجوب غرمه قولان، وكذا لو ماتت، وهما من القولين فيمن زنا بأمَةٍ فأحبلها وماتت في ولادتها، هل يغرم قيمتها، وقال أبو حنيفة: "الولد مملوك للراهن" (٤) وإذا نفينا الحد لأجل مذهب عطاء، فالحكم في نسب الولد وحريته، والمهر على ما قدمناه.
فرع: الخلاف في المهر يجري بعينه فيما إذا قلنا بإيجاب الحد عليه وكانت نائمة أو عالمة مكرهة، كما قاله الماوردي (٥)، ووجه السقوط بأن الوطء فيه حق لله تعالى وهو الحد، وللسيد وهو المهر، فكان كالقتل يتعلق به حق الله وهو الكفارة، والسيد وهو القيمة، ثم ثبت أنه لو أذن في قتلها وجبت الكفارة دون القيمة، فكذا يثبت الحد دون المهر، ووجه عدم السقوط وهو الأصح بأن هذا الوطء موجب للمهر لو لم يأذن السيد، فلا يسقط بإذنه كالموطوءة برضاها في النكاح الفاسد، ومثل القولين
стр. 1428
حكاهما البندنيجي وغيره في كتاب الغصب فيما إذا أذن المغصوب منه للغاصب في وطء الجارية المغصوبة، وعلى قول الوجوب في حال سقوط الحد أو وجوبه يصح أن يُقال: الوطء لا يباح، فالإباحة بمعنى أنه لا يكون واقعًا بلا مقابل عند الإباحة.
فرع:
زعم المرتهن بعد الوطء والإحبال أن الراهن كان باعه إياها أو وهبها له وأقبضه وأنكر الراهن، فالقول قول الراهن مع يمينه، فإن حلف فهي، والولد رفيقان له، فإن ملكها المرتهن، فهي أم ولد له والولد حرٌّ لإقراره، فإن نكل الراهن، فحلف المرتهن، فهي أم ولد والولد حر، ولما حكى الربيع عن الشافعي "أن الراهن إذا حلف أو ورثته على عدم العلم إنما ادعاه الثمن أنها رقيق وولدها رقيق"، قال: "وله في ولده قول آخر، أنه حرٌّ بالقيمة، ويدرأ عنه الحد ويغرم صداق المثل" (١). انتهى.
ولو ادعى المرتهن أنه كان زوجه إياها، فالقول قول الراهن ولا ينفك الرهن بذلك؛ لأن التزويج بجامع الرهن بخلافه في دعوى الشراء والهبة، فإن الرهن ينفك بمقتضى قوله، قال الماوردي: وهل تُجعل دعواه التزويج دارئة للحد؟ قولان جاريان في دعواه البيع والهبة، قال: والولد مملوك بمقتضى قول الراهن والمرتهن، ولا تكون أمه أمَّ ولد في الحال، ولا إذا ملكها المرتهن قولًا واحدًا، وقال الروياني: "إن الأظهر من القولين أن دعواه لا تكون شبهة دارئة للحد" (٢).
* * *
стр. 1429
فائدة:
أحكام الوطء ثلاثة أضرب: ضربٌ يعتبر بكلٍّ منهما، وهو الحد والغسل، أيهما كان صغيرًا لا حد عليه ولا غسل، وأيهما كان مكلفًا لزمه الحد والغسل، وضربٌ يعتبر به وحده وهو النسب والعدة، فمتى سقط عنه الحد ثبت النسب والعدة، وضربٌ يعتبر بها وحدها وهو المهر متى سقط عنها الحد فلها المهر، ومتى وجب الحد عليها، فلا مهر إن كانت حُرَّة، وإن كانت أمةً ففيها خلاف.
فرع:
قال الروياني: "إذا أذن الراهن للمرتهن في الوطء، فقد أساء ويؤدَّب ولا يحل الوطء بذلك" (١).
فائدة:
في درء الحد عن الجاهل بتحريم الزنا، استدل عليه الشيخ أبو حامد بالإجماع، وبينه بما روى أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ زوج أمته براعٍ فزنت، فأتي بها إلى عمر بن الخطاب فقال لها: يا لكعاء! زنيتِ، فقالت: مِن مرعوس بدرهمين، فسأل عليًّا فقال: أقرت بالزنا، فسأل عبد الرحمن، فقال: أقول ما قال أخي، فسأل عثمان، فقال: أراها تستهل به ولا تعلم، وإنما الحد على من علم (٢)، فدرأ عنها الحد.
وعن سعيد بن المسيب أنه كان بالشام فتذاكروا أمر الزنا، فقال رجل: إني زنيتُ البارحة، فأنكروا عليه، فقال: أو قد حرم الزنا؟ فكتبوا إلى عمر ﵁ فقال: إن لم يعلم فانهوه، فإن عاد، فارجموه (٣).
стр. 1430
قولها في الأثر الأول: مرعوس، قال صاحب "البيان": قال الشيخ أبو حامد: بعض أهل الحديث قال: هو مرعوس بالسين، قال ﵀: وهو بالشين، قال: فسألتُ عنه جماعة من أهل العلم باللغة فلم يعرفوه، إلَّا فلانًا قال: هو اسم طيئٍ. انتهى.
وهذا الأثر في "مسند الشافعي" بزيادة أخرى وسياق آخر، ومحله كتاب الحدود، ومعنى تستهل به تتكلم به ولا تكتمه.
* * *
стр. 1431
قال:
فصل [في نفقة الرهن]
وما يحتاج إليه الرهن من نفقة وكسوة وعلف وغيرها، فهو على الراهن؛ لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، [وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا] (١)، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ" (٢).
والذي يركب ويشرب: هو الراهن، فوجب أن تكون النفقة عليه، ولأن الرقبة والمنفعة على ملكه، فكانت النفقة عليه، وإن احتاج إلى شرب دواء أو فتح عرقٍ وامتنع لم يُجبر عليه؛ لأن الشفاء بيد الله تعالى، وقد يجيء من غير فصدٍ ولا دواءٍ، يخالف النفقة، فإنه لا يبقى بدونها، فلزمه القيام بها.
هذا الحديث رواه البخاري (٣) وأبو داود، وقال: "هو عندنا صحيح" (٤)، والترمذي (٥)، وابن ماجه (٦)، وقد تقدم ذلك، ولفظ الحديث: "الظَّهْرُ
стр. 1432
يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ". واللفظ الذي ذكره المصنف سقط منه: "وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا"، وقد تقدم في أول هذا الباب عند الكلام في رواية الرهن حديث: "إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى الَّذِي رَهَنَ عَلَفُهَا". وهو حديث رواه أحمد (١)، والدارقطني (٢)، والبيهقي (٣) من رواية هشيم، وذكرنا كلام البيهقي عليه هُناك بما يقتضي ضعفه، وذكر ابن الرفعة أن البخاري رواه، وهو وهم، إنما روى البخاري أصل الحديث، لا هذه الزيادة، أعني بأصل الحديث: "الرَّهْنُ يُرْكَبُ … " إلى آخره كما قدمناه.
وذكر العمراني في "البيان": "أن الشعبي روى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ رَهْنَ دَابَّةً، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، وَلَهُ ظُهْرُهَا وَحَمْلُهَا" (٤). وكأنه أخذه من البيهقي، فإنا قدمنا عنه أن يعقوب الدورقي روى عن هُشيم: "إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الَّذِي رَهَنَ عَلَفُهَا"، وهُشيم يروي عن زكريا عن الشعبي، والمقصود بهذا معارضة من روى عنه المرتهن.
وما استدل به أيضًا على أن مؤنة الرهن على الراهن قوله ﷺ : "الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٥). وقد تقدم أن الطحاوي نقل الإجماع على أن نفقة الرهن على الراهن، وأن الحسن بن صالح قال: "إنها على المرتهن" (٦)، واستدركنا ذلك على الطحاوي، وقال ابن المنذر: "نفقة
стр. 1433
الرقيق على الراهن، وكذلك قال مالك، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وكذلك قال الشافعي وأصحاب الرأي في علف الدواب أن ذلك على الراهن، وقال أصحاب الرأي: إن مرض الرقيق أو أصابتهم جراحة أو دبر الدواب؛ كان إصلاح ذلك ودواؤه على المرتهن إذا كان الدين والقيمة سواء، وإن كان الدين أقل من قيمة الرهن فالمعالجة عليهما، على الراهن والمرتهن بحساب ذلك، وفي قول الشافعي ذلك كله على الراهن، قال أبو بكر: وبه أقول؛ لأنه مالكهم" (١). انتهى.
واتفق الأصحاب على ذلك، وأن على الراهن مؤونات الرهن التي بها يبقى، كنفقة العبد وكسوته، وعلف الدابة، وسقي الأشجار والكروم، ومؤنة الجداد، وتجفيف الثمار، وأجرة الإصطبل، والبيت الذي يُحفظ فيه المتاع المرهون إذا لم يتبرع به من هو في يده، وأجرة من يرد العبد من الإباق وما أشبه ذلك.
فإن قيل: الأمة المزوجة نفقتها على زوجها وملكها، ومنفعتها للسيد، وذلك نقض على تعليل المصنف تكون الرقبة والمنفعة على ملك السيد.
قلنا: أجاب الروياني حيث أورد هذا على الأصحاب، بأن منفعة الاستمتاع للزوج، فإذا سلمها إلى الزوج وبوأها معه فغير الاستمتاع من منفعتها يبطل على سيدها؛ فلهذا أوجبت النفقة على زوجها. انتهى.
ومرادي باتفاق الأصحاب على ذلك أنها ليست على المرتهن، كما يقوله أبو حنيفة، فإن عنده نفقة المراعاة والحفظ على المرتهن، وكذا النفقة للمداواة إذا كانت قيمة المرهون قدر الدين أو أقل، وأما نفقة المطعم والمشرب، فعلى الراهن، وعندنا الكل على الراهن، ولكن اختلف
стр. 1434
الأصحاب هل يُجبر عليها من سائر أمواله غير الرهن أو لا، على وجهين حكاهما الإمام (١) والمتولي، أصحهما: الإجبار استبقاءً لوثيقة الرهن، وقال الغزالي (٢) والإمام (٣): إن هذا مذهب العراقيين، وأنه الصحيح.
والثاني عن الشيخ أبي محمد وغيره: أنه لا يجبر عند الامتناع لكن يبيع القاضي جزءًا من المرهون بحسب الحاجة، قال الإمام: "وهو منافٍ للاستيثاق، فالوجه تكليف الراهن الإنفاق.
وقد تحققت بعد البحث إطباق المراوزة على أن النفقة لا تجب على الراهن، وإن كان الرهن حيوانًا؛ فليس إيجاب النفقة لحق المرتهن، وإنما تجب لحرمة الروح وليس للمرتهن فيه طلب إلَّا من جهة الأمر بالمعروف، والمسلمون فيه شرع سواء، وإن امتنع؛ فالقاضي يبيع شيئًا من الحيوان بقدر الحاجة، وإذا ثبت هذا مذهبهم في النفقة على الحيوان، لم يخف قياسهم في سائر المؤن على الراهن لا يجب لحق المرتهن" (٤). انتهى.
ويشهد لقول المراوزة، نصه في "المختصر" في الثمرة: "أنه إن أبى الموضوعة على يديه إن لم يتطوع بأن يضعها في منزله إلَّا بكراء قيل للراهن: عليك لها منزل تُحرز فيه؛ لأن ذلك من صلاحها، فإن جئت به وإلا اكترى له عليك منها" (٥)، ويمكن تأويل هذا النص على ما إذا تعذر من جهته، ويؤيد الوجوب عليه قوله: "عليك لها منزل".
* * *
стр. 1435
فرع:
فإن قلنا بمذهب العراقيين، فإن كان الراهن حاضرًا وامتنع أو غائبًا وله مال أنفق منه على المرهون، وإن لم يكن له مال، فإن كانت النفقة لأجل الحفظ وتجفيف الثمرة ونحوها، باع الحاكم جزءًا من المرهون لذلك، وإن كانت النفقة من المؤن الدائرة كالطعمة ونحوها، قال الرافعي: "يشبه أن يقال: حكمها حكم ما لو هرب الجمال وترك الجمال المكراة، أو عجز عن الإنفاق عليها" (١).
وإذا قلنا بمذهب المراوزة، فقد فرَّع الإمام عليه: "أن النفقة لو كانت تأكل الرهن قبل الأجل أُلحق بما يفسد قبل الأجل، فيُباع ويُجعل ثمنه رهنًا" (٢)، قال الرافعي: "ولك أن تقول هذا؛ إما أن يلحق بما لا يتسارع إليه الفساد، ثم عرض ما أفسده أو بما يتسارع إليه الفساد؛ لا وجه للأول؛ لأن العارض ثم اتفاقي غير مُتوقع، والحاجة إلى هذه المؤونات معلومة محققة، وإن كان الثاني لزم إثبات الخلاف المذكور في رهن ما يتسارع إليه الفساد في رهن كل ما يحتاج إلى نفقة أو مكان يحفظ فيه، وأنه بعيد، وبه يظهر ضعف الوجه من أصله" (٣). انتهى.
والإمام لم يجزم لذلك التفريع بل ذكره وقال: "هذا طريق لابد من عرضه على الفكر" (٤)، وأجاب ابن الرفعة عن كلام الرافعي بأن لهم أن يقولوا: الأول هو المراد، وما ذُكر من الفارق صحيح، لكن مع تحقيق الحاجة إلى المؤنة الغالب من العادة أن الراهن ينفق على المرهون ولا
стр. 1436
يسمح ببيعه في المؤنة، إذ لو سمح بذلك لكان بيعه في الدين أسهل عليه وأحظ له؛ ولذلك نزل امتناعه عن الإنفاق لعدم غلبة ذلك أو لندرته منزلة طروء الفساد.
فرع:
فأما المداواة، فقد جزم الأكثرون بأن الراهن لا يُجبر عليها، كما جزم به المصنف، وأجرى صاحب "التتمة" الوجهين فيها، وذكر سليم في "التقريب" أنه إن شجَّ العبد المرهون أو أصابته جراحة واحتيج إلى مداواته، فعلى الراهن جميع ما يلزم في ذلك.
فرع:
الحرُّ إذا كانت به شجة وخاف منه التلف، هل يجب عليه مداواة نفسه؟ قال في "التتمة"، فيه خلاف، قال ابن الرفعة: لكنه ذكر ذلك في حالة الجناية عليه، وقد تفهم منه اختصاصه بمداواة الجراح دون المداواة من المرض، والأشبه عدم التفرقة.
فرع:
حيث أوجبنا على الراهن وتعذر الأخذ منه، فقال المرتهن: أنا أنفق عليه لأرجع في مال الراهن أذن له الحاكم، فإن أراد أن ينفق ويكون المرهون رهنًا بها وبالدين، فكما لو فدى العبد المرهون بهذا الشرط، وفيه طريقان، أحدهما: يجوز قولًا واحدًا، والثاني على قولين، كذا قاله القاضي أبو الطيب، وقد تكلمنا عليه عند ذكر المصنف فداء الجاني، ولو أراد المرتهن الإنفاق بشرط الرجوع مجردًا لدفع ضرر الرهن، وكان الحاكم غائبًا وأشهد كان كإذن الحاكم على أحد الوجهين كما في هرب الجمَّال وإن لم يُشهد فلا، جزمًا.
стр. 1437
فرع:
حيث قلنا ببيع البعض فذلك إذا لم يستأصل، ولا نقص الباقي كما في المثليَّات، فإن خيف من ذلك، وكان التشقيص ينقص من قيمة الباقي بيع الجميع، وكذا إذا لم يوجد من يشتري البعض.
فرع:
على قول المراوزة مشكل لو كان للمرهون كسب أو منفعة، فلا يباع إذا كانت تفي بنفقته، بل ينفق عليه من كسبه ومنفعته، وإن كان ذلك يحدث على ملك السيد وقلنا: لا يجب عليه النفقة في ماله غير المرهون، قاله الغزالي وحده في "الوسيط" (١).
قال ابن الرفعة: والسبب في ذلك أنا لو لم نقل به لتعيَّن ما عليه تفرع البيع طريقًا في الإنفاق، والبيع يزيل الملك عن الرهن ومنفعته، فكان صرف المنفعة في النفقة، وإبقاء عين المرهون له أولى، وصار هذا كما قلنا: إن من استحق قتل شخص قصاصًا له حبسه ولا يجب عليه أن يقتص في الحال؛ لأن الحبس وإن كان عقوبة أهون من إزالة الروح؛ ولهذه العلة جوزنا لمالك الطير المأكول حبسه، وإن كان عقوبة؛ لأن له إزالة روحه بالذبح، وهو أعظم من ذلك، قال: وقد يقال في توجيه ذلك أيضًا بأنه لما أشرف الملك على الزوال في الرقبة والمنفعة تتبعها قدرت المنفعة كالزائلة عن ملك الراهن؛ فلذلك أنفق على المرهون منها، وخالف سائر أمواله؛ لأن ذلك لم يشرف على الزوال وما ذكرته من التوجيه أمر ابتدعته لظني أنه يصلح أن يوجه به، وهذا الذي ذكره الغزالي من الإنفاق من المنفعة والكسب لم يتعرض له في "البسيط" ولا الإمام ولا غيرهما فيما أعلم، نعم كلام الشافعي
стр. 1438
في "الأم" (١) يشير إليه، فإنه قال: "إذا مرض العبد أخذ الراهن بنفقته، وإذا مات أخذ بكفنه"، ووجه إشعار النص بوجوب النفقة في الكسب تخصيصه بحالة المرض الذي هو مظنة العجز عن الكسب، فأفهم أنه في حال الصحة لا تجب النفقة على الراهن، وهي لا تجب على المرتهن فتعين أن يكون الكسب محلًّا، هذا كلام ابن الرفعة وإيجاب النفقة على قول المراوزة مشكل، أما على قول غيرهم، فلا إشكال فيه؛ لأنها على السيد في خالص ماله، وللعبد تعلق بالكسب، فإذا تعذرت النفقة من غير الكسب أخذت منه، وعلى هذا يُحمل ما أشار إليه مفهوم النص، وقول المراوزة قد عُرف في ضعفه في هذه المسألة، والتوجيه الذي ذكره ابن الرفعة فيه نظر، وما قاله من جواز الحبس حيث يجوز القتل مشكل.
فرع:
إذا احتاجت الدار المستأجرة إلى عمارة من إعادة جدار أو جذع، قال الشيخ أبو محمد والقاضي حسين: يجب على المؤجر، وقال العراقيون: لا يجب، وكلٌّ من الفريقين يحتاج إلى الفرق بين ذلك وبين ما قال هنا، قال ابن الرفعة: ولعله عند الشيخ أبي محمد والقاضي أن التسليم في الإجارة واجب، ولم يكمل بالتخلية، فأجبر على إعادة الجذع والجدار؛ ليقوم بما وجب عليه من التسليم، والتسليم في الرهن قد وُجد، وعند العراقيين لعل الفرق أن الإنفاق على المرهون لحفظ ما ثبت، وهو موجود في الإجارة إبدال معدوم وحفظ الموجود أقرب إلى مقتضى العقد من إبدال معدوم؛ لأنه في حفظ الموجود لم يحدد للمستحق حقًّا في غير ما استحقه لورود العقد عليه بخلافه في الأبدال.
стр. 1439
فرع:
لو كان الرهن ماشية سائمة والرعي ممكن لم يكلف الراهن بعلفها كما تقدَّم من كلام الشافعي (١)، ومفهومه يدل للعراقيين في تكليفه النفقة عند الاحتياج إليها، ولا شكَّ أنها لا تُباع عند إمكان الرعي، فمحل الخلاف بين المراوزة والعراقيين إنما هو في غير هذه الصورة.
فرع:
قال الروياني: "لو قال المرتهن: أنا أتولى معالجته بعد امتناع الراهن منها، فإن قال: بشرط أن أرجع لم يكن له، وإن قال متطوعًا، فإن كان فيه مصلحة لم يمنع منه". انتهى.
وقد تضمَّن كلامنا ما يدل على الحكمين، والحكم بأن ذلك ليس له عند طلب الرجوع مبني على عدم الوجوب.
فرع:
زكاة الفطر عن العبد المرهون على الراهن، وقال أبو يوسف: "ليس على الراهن أن يؤدي الصدقة حتى يفكه، فإذا فكه أعطى زكاة ما مضى" (٢)، واتفق أصحابنا على أنه يجب على الراهن فطرته، وقال الإمام الغزالي: يحتمل أن يجري فيه الخلاف في زكاة المرهون، قال الرافعي: وهذا لا يُعرف لغيرهما.
* * *
стр. 1440
قال:
فصل [في جناية المرهون]
وإن جنى العبد المرهون لم يخل إما أن يجني على أجنبي أو على المولى، أو على مملوك للمولى، فإن كانت الجناية على أجنبي تعلق حق المجني عليه برقبته، وتقدَّم على حق المرتهن؛ لأن حق المجني عليه يقدم على حق المالك، فَلأن يقدم على حق المرتهن أولى؛ ولأن حق المجني عليه يختص بالعين، فلو قدمنا حق المرتهن عليه أسقطنا حقه وحق المرتهن يتعلق بالعين والذمة، فإذا قدمنا حق المجني عليه لم يسقط حقه، فوجب تقديم حق المجني عليه، فإن سقط حق المجني عليه بالعفو أو الفداء بقي حق المرتهن؛ لأن حق المجني عليه لم يبطل الرهن، وإنما قدَّم عليه حق المجني عليه؛ لقوته، فإذا سقط حق المجني عليه بقي حق المرتهن، وإن لم يسقط حق المجني عليه نظرتَ، فإن كان قصاصًا في النفس اقتص له وبطلَ الرهنُ، وإن كان في الطرف اقتص له، وبقي الرهن في الباقي، وإن كان مالًا وأمكن أن يوفي حقه ببيع بعضه بيع منه ما يقضي به حقه، فإن لم يمكن إلَّا بيع جميعه بيع، فإن فضل عن حق المجني عليه شيء من ثمنه تعلق به حق المرتهن.
ذكر فصول جناية المرهون والجناية عليه في باب ما يدخل في الرهن وما