← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

يسمح ببيعه في المؤنة، إذ لو سمح بذلك لكان بيعه في الدين أسهل عليه وأحظ له؛ ولذلك نزل امتناعه عن الإنفاق لعدم غلبة ذلك أو لندرته منزلة طروء الفساد. فرع: فأما المداواة، فقد جزم الأكثرون بأن الراهن لا يُجبر عليها، كما جزم به المصنف، وأجرى صاحب "التتمة" الوجهين فيها، وذكر سليم في "التقريب" أنه إن شجَّ العبد المرهون أو أصابته جراحة واحتيج إلى مداواته، فعلى الراهن جميع ما يلزم في ذلك. فرع: الحرُّ إذا كانت به شجة وخاف منه التلف، هل يجب عليه مداواة نفسه؟ قال في "التتمة"، فيه خلاف، قال ابن الرفعة: لكنه ذكر ذلك في حالة الجناية عليه، وقد تفهم منه اختصاصه بمداواة الجراح دون المداواة من المرض، والأشبه عدم التفرقة. فرع: حيث أوجبنا على الراهن وتعذر الأخذ منه، فقال المرتهن: أنا أنفق عليه لأرجع في مال الراهن أذن له الحاكم، فإن أراد أن ينفق ويكون المرهون رهنًا بها وبالدين، فكما لو فدى العبد المرهون بهذا الشرط، وفيه طريقان، أحدهما: يجوز قولًا واحدًا، والثاني على قولين، كذا قاله القاضي أبو الطيب، وقد تكلمنا عليه عند ذكر المصنف فداء الجاني، ولو أراد المرتهن الإنفاق بشرط الرجوع مجردًا لدفع ضرر الرهن، وكان الحاكم غائبًا وأشهد كان كإذن الحاكم على أحد الوجهين كما في هرب الجمَّال وإن لم يُشهد فلا، جزمًا.

стр. 1437

فرع: حيث قلنا ببيع البعض فذلك إذا لم يستأصل، ولا نقص الباقي كما في المثليَّات، فإن خيف من ذلك، وكان التشقيص ينقص من قيمة الباقي بيع الجميع، وكذا إذا لم يوجد من يشتري البعض. فرع: على قول المراوزة مشكل لو كان للمرهون كسب أو منفعة، فلا يباع إذا كانت تفي بنفقته، بل ينفق عليه من كسبه ومنفعته، وإن كان ذلك يحدث على ملك السيد وقلنا: لا يجب عليه النفقة في ماله غير المرهون، قاله الغزالي وحده في "الوسيط" (١). قال ابن الرفعة: والسبب في ذلك أنا لو لم نقل به لتعيَّن ما عليه تفرع البيع طريقًا في الإنفاق، والبيع يزيل الملك عن الرهن ومنفعته، فكان صرف المنفعة في النفقة، وإبقاء عين المرهون له أولى، وصار هذا كما قلنا: إن من استحق قتل شخص قصاصًا له حبسه ولا يجب عليه أن يقتص في الحال؛ لأن الحبس وإن كان عقوبة أهون من إزالة الروح؛ ولهذه العلة جوزنا لمالك الطير المأكول حبسه، وإن كان عقوبة؛ لأن له إزالة روحه بالذبح، وهو أعظم من ذلك، قال: وقد يقال في توجيه ذلك أيضًا بأنه لما أشرف الملك على الزوال في الرقبة والمنفعة تتبعها قدرت المنفعة كالزائلة عن ملك الراهن؛ فلذلك أنفق على المرهون منها، وخالف سائر أمواله؛ لأن ذلك لم يشرف على الزوال وما ذكرته من التوجيه أمر ابتدعته لظني أنه يصلح أن يوجه به، وهذا الذي ذكره الغزالي من الإنفاق من المنفعة والكسب لم يتعرض له في "البسيط" ولا الإمام ولا غيرهما فيما أعلم، نعم كلام الشافعي

стр. 1438

في "الأم" (١) يشير إليه، فإنه قال: "إذا مرض العبد أخذ الراهن بنفقته، وإذا مات أخذ بكفنه"، ووجه إشعار النص بوجوب النفقة في الكسب تخصيصه بحالة المرض الذي هو مظنة العجز عن الكسب، فأفهم أنه في حال الصحة لا تجب النفقة على الراهن، وهي لا تجب على المرتهن فتعين أن يكون الكسب محلًّا، هذا كلام ابن الرفعة وإيجاب النفقة على قول المراوزة مشكل، أما على قول غيرهم، فلا إشكال فيه؛ لأنها على السيد في خالص ماله، وللعبد تعلق بالكسب، فإذا تعذرت النفقة من غير الكسب أخذت منه، وعلى هذا يُحمل ما أشار إليه مفهوم النص، وقول المراوزة قد عُرف في ضعفه في هذه المسألة، والتوجيه الذي ذكره ابن الرفعة فيه نظر، وما قاله من جواز الحبس حيث يجوز القتل مشكل. فرع: إذا احتاجت الدار المستأجرة إلى عمارة من إعادة جدار أو جذع، قال الشيخ أبو محمد والقاضي حسين: يجب على المؤجر، وقال العراقيون: لا يجب، وكلٌّ من الفريقين يحتاج إلى الفرق بين ذلك وبين ما قال هنا، قال ابن الرفعة: ولعله عند الشيخ أبي محمد والقاضي أن التسليم في الإجارة واجب، ولم يكمل بالتخلية، فأجبر على إعادة الجذع والجدار؛ ليقوم بما وجب عليه من التسليم، والتسليم في الرهن قد وُجد، وعند العراقيين لعل الفرق أن الإنفاق على المرهون لحفظ ما ثبت، وهو موجود في الإجارة إبدال معدوم وحفظ الموجود أقرب إلى مقتضى العقد من إبدال معدوم؛ لأنه في حفظ الموجود لم يحدد للمستحق حقًّا في غير ما استحقه لورود العقد عليه بخلافه في الأبدال.

стр. 1439

فرع: لو كان الرهن ماشية سائمة والرعي ممكن لم يكلف الراهن بعلفها كما تقدَّم من كلام الشافعي (١)، ومفهومه يدل للعراقيين في تكليفه النفقة عند الاحتياج إليها، ولا شكَّ أنها لا تُباع عند إمكان الرعي، فمحل الخلاف بين المراوزة والعراقيين إنما هو في غير هذه الصورة. فرع: قال الروياني: "لو قال المرتهن: أنا أتولى معالجته بعد امتناع الراهن منها، فإن قال: بشرط أن أرجع لم يكن له، وإن قال متطوعًا، فإن كان فيه مصلحة لم يمنع منه". انتهى. وقد تضمَّن كلامنا ما يدل على الحكمين، والحكم بأن ذلك ليس له عند طلب الرجوع مبني على عدم الوجوب. فرع: زكاة الفطر عن العبد المرهون على الراهن، وقال أبو يوسف: "ليس على الراهن أن يؤدي الصدقة حتى يفكه، فإذا فكه أعطى زكاة ما مضى" (٢)، واتفق أصحابنا على أنه يجب على الراهن فطرته، وقال الإمام الغزالي: يحتمل أن يجري فيه الخلاف في زكاة المرهون، قال الرافعي: وهذا لا يُعرف لغيرهما. * * *

стр. 1440

قال: فصل [في جناية المرهون] وإن جنى العبد المرهون لم يخل إما أن يجني على أجنبي أو على المولى، أو على مملوك للمولى، فإن كانت الجناية على أجنبي تعلق حق المجني عليه برقبته، وتقدَّم على حق المرتهن؛ لأن حق المجني عليه يقدم على حق المالك، فَلأن يقدم على حق المرتهن أولى؛ ولأن حق المجني عليه يختص بالعين، فلو قدمنا حق المرتهن عليه أسقطنا حقه وحق المرتهن يتعلق بالعين والذمة، فإذا قدمنا حق المجني عليه لم يسقط حقه، فوجب تقديم حق المجني عليه، فإن سقط حق المجني عليه بالعفو أو الفداء بقي حق المرتهن؛ لأن حق المجني عليه لم يبطل الرهن، وإنما قدَّم عليه حق المجني عليه؛ لقوته، فإذا سقط حق المجني عليه بقي حق المرتهن، وإن لم يسقط حق المجني عليه نظرتَ، فإن كان قصاصًا في النفس اقتص له وبطلَ الرهنُ، وإن كان في الطرف اقتص له، وبقي الرهن في الباقي، وإن كان مالًا وأمكن أن يوفي حقه ببيع بعضه بيع منه ما يقضي به حقه، فإن لم يمكن إلَّا بيع جميعه بيع، فإن فضل عن حق المجني عليه شيء من ثمنه تعلق به حق المرتهن. ذكر فصول جناية المرهون والجناية عليه في باب ما يدخل في الرهن وما

стр. 1441

لا يدخل وما يملكه الراهن وما لا يملكه؛ لأنه عند الجناية عليه يدخل بدله في الرهن، وعند جنايته وبيعه وفضل شيء من ثمنه عن الأرش، يدخل ذلك الفاضل في الرهن وعين الجاني تخرج من الرهن إذا بيع أو قتل، فلذلك ذكره في هذا الباب قال أصحابنا: لو بيع العبد في الجناية ثم عاد إلى ملك الراهن لم يعد رهنًا إلَّا بعقدٍ جديد، والأحكام التي ذكرها المصنف ظاهرة، ومراده إذا كان بغير إذن الراهن؛ لأنه ذكر بعد ذلك ما إذا كان بإذنه، وإطلاقه الفداء يشمل إذا فداه الراهن وإذا فداه المرتهن، وفي الحالتين يبقى العبد رهنًا، وفي رجوع المرتهن بما فدى به على الراهن ما ذكرناه في أرض الخراج إذا أدى المرتهن خراجها، و"عند أبي حنيفة ضمان جناية المرهون على المرتهن إن فداه بقي رهنًا ولا رجوع له بالفداء، إن فداه السيد أو بيع في الجناية سقط دين المرتهن إن كان قدر الفداء أو دونه" (١)، وهذا بناء على مذهبه أن الرهن مضمون، ونقل الماوردي عنه وعن مالك "أن المجني عليه صار مالكًا لرقبة الجاني، وعلى السيد تسليمه، فإن شاء باعه وإن شاء تملكه" (٢)، وعندنا المجني عليه إنما تملك استيفاء الأرش من الرقبة، وإذا أراد السيد أن يفديه فداه كغير المرهون بأقل الأمرين في أصح القولين، وبالأرش بالغًا ما بلغ في القول الآخر، وحكى ابن الرفعة عن "الشافي" للجرجاني طريقة قاطعة بالأقل وأظن ذلك وهمًا؛ لأن هذه الطريقة في "الشافي" و"المهذب" وغيرهما فيما إذا أقر أنه جنى قبل الرهن ولم يُقبل إقرارُه، كما سيأتي. * * *

стр. 1442

قال: وإن كانت الجناية على المولى نظرت، فإن كان فيما دون النفس اقتص [له] (١) إن كان عمدًا، وإن كان خطأً أو عمدًا، فعفا عنه على مال لم يثبت له المال، وقال أبو العباس: فيه قول آخر؛ أنه يثبت له المال ويستفيد به بيعه وإبطال حق المرتهن من الرهن، ووجهه أن من ثبت له القصاص في العمد ثبت له المال في الخطأ كالأجنبي، والصحيح هو الأول؛ لأن المولى لا يثبت له المال على عبده؛ ولهذا لو أتلف له مالًا لم يستحق عليه بدله، ووجه الأول يبطل بغير المرهون، فإنه يجب له القصاص عليه في العمد ولا يجب له المال في الخطأ، وإن كانت الجناية على النفس، فإن كانت عمدًا ثبت للوارث القصاص، فإن اقتص بطل الرهن، وإن كان كانت خطأً أو عمدًا وعفا على مال، ففيه قولان؛ أحدهما: لا يثبت له المال؛ لأن الوارث قائم مقام المولى، والمولى لا يثبت له في رقبة العبد مال، فلا يثبت لمن يقوم مقامه. والثاني: أنه يثبت [له] (٢) لأنه يأخذ المال عن جناية حصلت وهو في غير ملكه، فصار كما لو جنى على من [لا] (٣) يملكه المولى. السيد ثبت له القصاص على عبده حيث يثبت للأجنبي للزجر والانتقام، وهو أحوج إلى ذلك من الأجانب، وأما المال فالمذهب أنه لا يثبت للسيد على عبده، هذا نصُّ الشافعي (٤) وجمهور الأصحاب، وعن ابن سريج ثبوته

стр. 1443

كما حكاه المصنف، ووافق المصنف في نقله المحاملي في "المجموع"، وقال أبو العباس: فيه قول آخر أنه يثبت، وعبارته في "التجريد": وقال أبو العباس: له ذلك، وفي معناها قول ابن الصباغ حكى عن أبي العباس بن سريج أنه قال: يثبت له المال، وهاتان العبارتان يقتضي أنه وجه، وكذلك قال الإمام: "إن صاحب "التقريب" ذكر وجهًا بعيدًا عن ابن سريج" (١)، وطريق الجمع بين هذا وبين ما قاله المصنف والمحاملي في "المجموع" أنه يحكي عن ابن سريج أنه لثقته بتخريجه يسمي ما يخرجه وتقوَّى عنده قولًا، فيصح أن يقال: فيه قول ووجه، وقد أبطل المصنف دليله. وقول المصنف: ووجه الأول، يعني به دليل ابن سريج، وإن كان ذكره ثانيًا لكنه صار أولًا بالنسبة إلى ما ذكره المصنف بعده، والقولان فيما إذا كانت الجناية على النفس منصوصان في "الأم" (٢)، والأصح عند الأصحاب أنه لا يثبت، وهو المنصوص في البويطي، والقولان عند ابن أبي هريرة، والشيخ أبي حامد (٣) والماوردي (٤) مبنيان على أن الدية تثبت للوارث ابتداءً أو يتلقاها الوارث من القتيل وفيه قولان؛ أحدهما: أنها تجب للمقتول في آخر جزء من حياته، ثم يتلقاها الوارث، فعلى هذا تكون الجناية عليه هدرًا. والثاني: تثبت للوارث ابتداء في ملكه، فعلى هذا تجب الدية في رقبته، وللوارث إخراجه من الرهن، وبيعه فيها، ونصه في "الأم" (٥) مشير إلى هذا

стр. 1444

البناء، فإنه قال: "ففيها قولان؛ أحدهما أن جنايته على سيده إذا أتت على نفس سيده، كجنايته على الأجنبي لا يختلف في شيء، ومن قال هذا قال: إنما معنى إذا ترك الولي القود على أخذ المال إن أبطل الجناية؛ لأن الجناية التي لزمت العبد مال الوارث، والوارث ليس بمالك للعبد يوم جنى، فيبطل حقه في رقبته بأنه ملك له. والقول الثاني: أن الجناية هدر من قبل أن الوارث إنما يملكها بعد ما يملكها المجني عليه، ومن قال هذا قال: لولا أن الميت مالك ما قضى بها دينه". انتهى. ولما ذكر ابن الصاغ عن ابن أبي هريرة البناء المذكور قال: قال أصحابنا: وهذا ليس بصحيح؛ لأنها إذا وجبت بعد موت السيد، فقد وجبت لهم على ملكهم. والقولان بحالهما، وفيما قاله نظر؛ لأنه إذا فرعنا على أنها وجبت لهم بعد موت المورث من أين لنا أن القولين على حالهما، ولا شك أن ابن أبي هريرة ينكر ذلك، وصاحب "البيان" حكى كلام ابن الصباغ، وزاد، فقال: بل القولان أصل بأنفسهما غير مبنيين على غيرهما. انتهى. فإن كان حجته ما قاله ابن الصباغ، فقد ظهر منعه، والرافعي قال: "وأبى الجمهور هذا البناء، وقالوا: قضية القولين ألَّا يثبت شيء، إما إذا قلنا بالتلقي، فظاهر، وأما إذا قلنا بالقول الآخر؛ فلأنه كما يمتنع ابتداء المال للمالك في ماله دوامًا يمتنع إثباته للمالك ابتداء" (١). وهذا الذي قاله الرافعي لعله أخذه من ابن الصباغ ومن وافقه، وهو إذا حمل على القدح في البناء مع الاعتراف بالقولين فيه ما سبق مع ابن

стр. 1445

الصباغ، وإن حمل على إنكار الخلاف، فهو قول القاضي حسين، والإمام (١)، والبغوي (٢) قطعوا بعد ثبوت المال على القولين، ولكنها طريقة مخالفة لكلام الشافعي ولكلام الجمهور. أما مخالفتهما لكلام الشافعي فلما ذكرناه، وأما مخالفتهما لكلام الجمهور، فإن الجمهور أثبتوا قولين، وهؤلاء قطعوا بعدم الثبوت، والرافعي وافق على إثبات القولين (٣)، فكان ينبغي له أن يذكر مأخذًا آخر لهما غير المأخذ الذي قال: أن الجمهور أبَوْه، والحق أن الجمهور على القولين، وعلى البناء المذكور، والذي قاله القاضي حسين أخذه من شيخه القفال في أحد قوليه، فإن الفوراني قال: إن قلنا: الحق يثبت للمورث، ثم ينتقل، فليس للوارث أن يفكه من الرهن. وإن قلنا: للوارث ابتداء. قال القفال في كَرَّةٍ: "يخرج على الوجهين فيما لو جنى عليه عبد ثم ملكه هل يستدام الأرش عليه أم لا؟ وقال في كَرَّة: لا يثبت له الأرش عليه؛ إذ لو ثبت لثبت بعد موت المورث وعقيب موته يدخل هو في ملك الورثة. انتهى. وينبغي إثبات القولين، وجعلهما مرتبين، كما قاله القفال في أول الكرَّتين، فيقال: إن قلنا الدين للميت، فلا يثبت. وإن قلنا: للوارث فوجهان، كما لو جنى عليه عبد ثم ملكه، بل هذا دل بعدم الثبوت؛ لأنه فيما إذا جنى عليه عبد ثم ملكه استدامة محضة، وهنا إثبات المال ابتداء؛ ولذلك جزم القاضي حسين بعدمه، لكن كلام الشافعي

стр. 1446

والجمهور يأباه. قال ابن الرفعة: والشافعي ﵀ في القول الأول لاحظ في الاعتبار وقت الجناية؛ لأنه السبب الأول، كما ذاك مذهبه فيما إذا جرح الذمي ذميًّا ثم أسلم القاتل ومات المجروح أو جرح العبد عبدًا ثم أعتق الجارح ومات المجروح أنه يجب القصاص نظرًا إلى تساويهما وقت الجناية، نعم هو مع ذلك قائل بأن الملك الطارئ على العبد لا ينقطع دوام ملكه للدَّين، كما ذاك قضية منصوصة في "مختصر البويطي" وغيره وهو المصحح عند الرافعي (١)، كما صرح به في باب النكاح في الفصل الخامس في تزويج العبيد. وكلام ابن الصباغ في الحوالة يشير إليه لكن المصحح في "شرح فروع ابن الحداد" في باب الحوالة، والأقيس في تعليق القاضي حسين هنا السقوط. انتهى. واعلم، أنا متى قلنا في العبد عند طريان ملكه بانقطاع الدين، فلا يمكن القول هنا بثبوت المال، ومتى قلنا: لا ينقطع، فيحتمل أن يقال بثبوته هنا كما هو أحد القولين ويحتمل المنع؛ لأن ذاك استدامة، وهذا ابتداء ولهذا كان الأصح هنا باتفاقهم عدم ثبوت المال. فرع لو جنى على طرف من يرثه السيد كأبيه وابنه عمدًا، فله القصاص وله العفو على مال، ولو جنى خطأ ثبت المال، فإن مات قبل الاستيفاء وورثه السيد فوجهان، وقيل قولان: أصحهما عند الصيدلاني والإمام (٢): أنه كما انتقل إليه سقط، ولا يجوز

стр. 1447

أن يثبت له على عبده استدامة الدين، كما لا يجوز له ابتداؤه. والثاني: وهو الذي أورده العراقيون أنه لا يسقط، وله بيعه فيه، كما كان للمورث. ويحتمل في الاستدامة ما لا يحتمل في الابتداء، وشبه الأصحاب الوجهين بالوجهين فيما إذا ثبت له دين على عبد غيره، ثم ملكه هل يسقط أو يبقى حتى يتبعه به بعد العتق، وقد تقدم عن الرافعي تصحيح بقائه، واستبعد الإمام هذا التشبيه وقال: "كيف يكون الاستحقاق الطارئ على الملك بمثابة الملك الطارئ على الاستحقاق" (١)، ثم أجاب: بأن الدَّين إذا ثبت لغيره فنقله إليه بالإرث إدامة لما كان، كما أن إبقاء الدين الذي كان له على عبد الغير بعد ما ملكه إدامة لما كان، فانتظم التشبيه من هذا الوجه. وعبر الغزالي عنه بأنه في حكم الدوام (٢)، فإن قلت على مساق هذا ينبغي للرافعي أن يصحح هنا ثبوت المال؛ لأنه صحح دوام الدين على العبد. قلت: لا يلزمه ذلك؛ لأنه قد يفرق بين الدوام الحقيقي وما في حكمه في مرتبة الخلاف، وإن اشتركا في أصله، فيكون الصحيح في أحدهما غير الصحيح في الآخر. وأما غير الرافعي فلا يلزمه إذا قال الحكم فيهما سواء، ولو كانت الجناية على نفس مورثه وكانت عمدًا فللسيد القصاص، فإن عفا على مال أو كانت خطأ بُني على أن الدية تثبت للوارث ابتداء أم يتلقاها عن الموروث. إن قلنا بالأول: لم يثبت وإن قلنا بالثاني: فعلى الوجهين فيما إذا جنى على طرفه وانتقل إليه بالإرث.

стр. 1448

فائدة بها تحرير ما سبق: ها هنا مراتب ثلاث: إحداها: ثبوت دين السيد على عبده ابتداء بسبب قارن ملكه ممتنع قطعًا إن لم يكن مرهونًا، وكذا إن كان مرهونًا خلافًا لابن سريج. الثانية: دوام دين ثبت له عليه قبل، ملكه ومنها وجهان، والمنصوص للشافعي الثبوت فيما إذا كان مرهونًا، فإنه قال في "البويطي": "إذا جنى على مكاتبه، فقتله، فهو كما لو جنى على أم ولده، فهو رهن بحاله، فإن كان جرحًا، فللمكاتب القود أو العفو على المال، وهو في ذلك كالأجنبي، إلا ألَّا يمضي الحكم فيه حتى يعجز المكاتب أو يموت فيكون للسيد من ذلك ما كان للمكاتب؛ لأنه إنما هلك على المكاتب وهو ملك غير ملك الأول" (١). انتهى. وهذا نص فيما قلناه، وكذا في "الأم" قال: "وإن كانت الجناية على المكاتب جرحًا، فللمكاتب القود أو العفو على ما يأخذه، وإذا عفا عنه على مال أُبيع العبد الجاني فدفع إلى المكاتب أرش الجناية، وإذا حل للمكاتب أن يباع له العبد في الجناية عليه، ثم مات المكاتب قبل بيعه أو عجز، فللسيد بيعه في الجناية حتى يستوفيها؛ لأنه إنما يملك بيعه عن مكاتبه بملك غير ملكه الأول" (٢). انتهى. فهذان النصان صريحان في ثبوت دين له على عبده في هذه الصورة، وتعليل الشافعي بأن هذا الملك غير الملك الأول يقتضي طرد ذلك في غير المكاتب، أعني إذا ورث عبدًا مرهونًا ثبت له عليه دين بطريق الأولى؛ لأن

стр. 1449

تجدد الملك فيه أوضح من تجدده في صورة المكاتب. أما غير المرهون إذا ورثه او اشتراه وله عليه دين، فالذي يظهر أنه كالمرهون، فلأجل ذلك يكون الصحيح فيها كما قال الرافعي (١) عدم السقوط، وإن كان بين الصورتين فرق من جهة أن ما نحن فيه مفروض في الرهن. وفي إثبات ذلك فائدة التوسل إلى فك الرهن بخلاف ما إذا لم يكن، فإن فيه استدامة دين على العبد لا إلى نهاية، فيقوى شبهها بابتداء المعاملة بين السيد وعبده وهي ممتنعة، وإنما ألغينا هذا الفرق، وقلنا: الظاهر أنه كالمرهون؛ لأن الشافعي في ابتداء الدين سوَّى بين المرهون وغيره في عدم الثبوت خلافًا لابن سريج حيث فرق، فذلك على قياس الشافعي يجب أن يسوي في دوام الدين بين المرهون وغيره. وقد حكم في المرهون بالثبوت، فليكن غير المرهون كذلك، وقياس قول ابن سريج يقتضي أن يستدام في المرهون؛ لأنه إذا قال بالابتداء في المرهون فالاستدامة أولى، وأما استدامته في غير المرهون، فيحتمل ألَّا يقول بها ابن سريج ويفرق، كما فرق في الابتداء، ويحتمل أن يقول بها؛ لأنها أخف. المرتبة الثالثة: دوام ما ثبت لمورثه من المال على عبده بعد موت مورثه، فهذا يشبه الابتداء من جهة أنه لم يكن له قبل ذلك ويشبه الدوام من جهة أن أصله ثابت، وإنما تبدل المالك، ونص الشافعي الذي ذكرناه في المكاتب يشهد؛ لأنه كالدوام لتعليله فيه بأنه إنما هلك على ملك المكاتب، وهو ملك غير ملك الأول، أي: لمعاملتنا المكاتب معاملة الأجنبي، وهو

стр. 1450

يقيد الحكم بالثبوت، وأن علته اختلاف الملك، وذلك حاصل، ولا جرم قال العراقيون: إنه لا يسقط وهو أصح مما قاله الصيدلاني والإمام. وإذا قسمت هذه المرتبة أيضًا إلى أن يكون مرهونًا وغير مرهون لم يخف التقرير، فهذه ثلاث مراتب في كل مرتبة مسألتان. ومسألة إذا قتل ابن الراهن وليس له وارث غيره: إن قلنا: الدية للوارث ابتداء لم يثبت، وإن قلنا للميت فإن جعلنا الدوام كالابتداء لم يثبت وإن لم يلحق ذلك بالابتداء ثبت وهو الأصح المنصوص في "الأم"، فإنه قال: "لو جنى العبد المرهون على ابن الراهن أو أخ أو مولًى جناية تأتي على نفسه، والراهن وارث المجني عليه، فللراهن القود أو العفو على الدية، فإذا عفا على الدية بيع العبد وخرج من الرهن" (١). فرع لو قطع طرف عبد ابن الراهن ثم مات الابن، ولا وارث له غير أبيه، فكما لو قطع طرف الابن وورثه أبوه. فرع إذا جوزنا للوارث أن يعفو على مال، فلو كان للسيد وارثان، فعفا أحدهما عن الجناية بلا مال قال الشافعي في "الأم": "كان العفو في القول الأول جائزًا، وكان العبد مرهونًا بحاله، وإن عفا الآخر بمال أخذه بيع نصفه في الجناية، وكان للذي لم يعف ثمن نصيبه إن كان مثل الجناية أو أقل، وكان نصفه مرهونًا، وسواء الذي عفا على المال والذي عفا على غير شيء فيما وصفت" (٢).

стр. 1451

قال ابن الرفعة: وهذا من الشافعي يفهم أن الأرش إذا تعلق بالرقبة، وإن قلنا: إنه تعلق بالذمة يتعلق كل جزء من الأرش بجزء من الرقبة لا كتعلق الدين بالمرهون ألا تراه فك نصفه من أرش الجناية؛ فالعفو عن نصف الأرش، ولو كان الأرش يتعلق كل جزء منه بكل الرقبة، كتعلق المرهون لم ينفك من التعلق شيء. انتهى. ومراد الشافعي بالقول الأول القول بالثبوت. فرع قال الشافعي في "الأم": ولو كانت المسألة بحالها وللسيد المقتول ورثة: صغار وبالغون، وأراد البالغون قتله لم يكن لهم قتله حتى يبلغ الصغار، ولو أراد المرتهن بيعه عند محل الحق قبل أن يعفو أحد من الورثة لم يكن ذلك له، وكان له أن يقوم في مال الميت بماله قيام من لا رهن له، فإن حاصر الغرماء، فبقي من حقه شيء، ثم عفا بعض ورثة الميت البالغين بلا مال يأخذه كان حق العافين من العبد رهنًا له يباع له دون الغرماء حتى يستوفي حقه، وإذا عفا أحد الورثة البالغين عن القود، فلا سبيل إلى القود ويباع نصيب من لم يبلغ من الورثة ولم يعف، إن كان البيع نظرًا له في قول من قال: ثم العبد يملك بالجناية على مالكه حتى يستوفوا مواريثهم من الدية، إلَّا أن يكون في ثمنه فضل عنها، فيرد رهنًا" (١). فائدة: قول المصنف كما لو جنى على من لا يملكه المولى هكذا رأيته فيما وقفت عليه من نسخ الكتاب، ونقله العمراني في بيان ما أشكل من "المهذب"، كما لو جنى على من يرثه فبنى المولى، وهو أحسن، ثم

стр. 1452

شرحه بأن المرهون إذا جنى على من يرثه سيده خطأً أو عمدًا وعفا السيد على مال، قال العراقيون: يثبت له المال على عبده. فأفتى الشيخ أبو إسحاق جوابه على هذا، وقال القفال: يبنى على وقت وجوب الدية إن قلنا: بعد موت المقتول فلا، وإن قلنا: قتله، ثم ينتقل، فوجهان؛ بناءً على الوجهين فيما لو جنى عليه عبد غيره ثم ملكه. انتهى. وقد تقدم بعض ذلك، ولعل الوجهين في مسألة جناية عبد غيره عليه إذا ملكه بعد ذلك إنما نقلهما المراوزة، ويكون العراقيون جازمين فيها بعدم السقوط؛ لأنها أولى بذلك من مسألة الوارث التي جزموا فيها من جهة أن في تجدد ملك العبد على الدين استدامة محضة للدين، وفي الوارث الدين لم يكن له.

стр. 1453

قال: وإن كانت الجناية على مملوك المولى نظرت، فإن كانت على مملوك غير مرهون، فإن كانت الجناية عمدًا، فللمولى أن يقتضي منه، وإن كانت خطأً أو عمدًا فأراد أن يعفو على مال لم يجز؛ لأن المولى لا يستحق على عبده مالًا. الجناية على مملوك المولى كالجناية على المولى، فلذلك جاز القصاص، ولم يثبت المال إذا عفا، ويأتي فيه القول بالدَّين قاله ابن سريج أنه يثبت المال، ولا فرق في ذلك بين العبد القن والمدبر وأم الولد، أما المكاتب فكالأجنبي. وقد تقدم وقد علل المصنف هنا بأن المولى لا يستحق على عبده مالًا، وفيما إذا كانت الجناية على المولى بأن المولى لا يثبت له المال على عبده، ومعنى العبارتين واحد، والغزالي علل في الموضعين بأن السيد لا يثبت له دين في ذمة عبده حتى ينبني عليه التعلق بالرقبة (١)، والشافعي ﵀ علل فيما إذا كانت الجناية على السيد بأن الإنسان لا يثبت له مال في ذمة عبده (٢)، وفيما إذا كانت الجناية على عبده بأن الإنسان لا يثبت له مال في رقبة عبده (٣). وتحقيق ذلك ينبني على معرفة محل أرش الجناية، ولا شك أنه متعلق بالرقبة، وهل هو مع ذلك متعلق بذمة العبد حتى يطالب بعد العتق بما عساه

стр. 1454

يبقى من الأرش فيه وجهان: أصحهما: لا. والثاني: نعم يتعلق بذمة العبد، فيطالب بعد العتق، وعلى هذا هل يتعلق بالرقبة ابتداء أو بالذمة ثم بالرقبة؟ فيه وجهان. فتعليل الغزالي ناظر إلى الوجه الأخير وتعليل الشافعي لا منافاة بينهما ولا يقتضيان واحدًا معينًا من الأوجه الثلاثة، بل قوله: "لا يثبت له في ذمة عبده مال" لا يحتمل أن يكون إشارة إلى تعلق الأرش بالذمة مع تعلقه بالرقبة مترتبًا أو غير مترتب، ويحتمل أن يريد أنه إذا لم يثبت في الذمة لا احتكام للسيد عليها، فلأن لا يثبت في الرقبة التي هي محل ملك السيد أولى. وتعليل المصنف يقتضي نفي الاستحقاق على العبد، وذلك يشمل الذمة والرقبة، وليس فيه إشارة إلى متعلق أرش الجناية أي شيء هو. * * *

стр. 1455

قال: وإن كانت الجناية على مملوك مرهون عند مرتهن، آخر، فإن كانت الجناية عمدًا، فللمولى أن يقتص منه، فإن اقتص بطل الرهن، وإن كان خطأً أو عمدًا وعفا على مال ثبت المال لحق المرتهن الذي عنده المجني عليه؛ لأنه لو قتله المولى لزمه ضمانه، فإذا قتله عبده تعلق الضمان، برقبته، فإن كانت قيمته أكثر من قيمة المقتول، وأمكن أن يقضي أرش الجناية ببيع بعضه بيع منه ما يقضي به أرش الجناية، ويكون الباقي رهنًا، وإن لم يمكن إلَّا ببيع جميعه بيع، وما فضل من ثمنه يكون رهنًا، وإن كانت قيمته مثل قيمة المقتول أو أقل [منه] (١)، ففيه وجهان: أحدهما: ينتقل القاتل إلى مرتهن المقتول؛ ليكون رهنًا مكانه؛ لأنه لا فائدة في بيعه. والثاني: يباع؛ لأنه ربما يرغب فيه من يشتريه بأكثر من قيمته، فيحصل عند كل واحد من المرتهنين وثيقة بدينه. ثبوت القصاص في العمد في جميع الأحوال، لا خلاف فيه لما سبق، إلَّا أن يكون العبد القاتل أبًا للمقتول، فليس للسيد أن يقتص منه في جميع الأحوال؛ لما عرف في كتاب الجنايات: أن الوالد لا يقتل بالولد، نبه عليه هنا ابن أبي عصرون وغيره، ونص عليه الشافعي (٢)، وكذلك كل من لا يقتل به، ولا خلاف أنه لا يجب على السيد إذا اقتص قيمته يضعها مكانه،

стр. 1456

بل يبطل الرهن. وقول المصنف في هذه الحالة: "فإن اقتص بطل الرهن"، أي: الرهنان جميعًا، أما رهن القاتل فظاهر، وأما رهن المقتول؛ فلأنه كان قبل القصاص بصدد العفو، فيثبت المال، فيتعلق به، فلا يبطل حتى يتحقق انتفاء هذا الأمر المتوقع. فإن قلت: كيف يبقى الرهن، ولا مرهون. قلت: حق التعلق بما يستجب من المال من آثار الرهن؛ فلذلك لا يحكم ببطلانه، وثبوت المال هنا في الخطأ والعمد عند العفو على مال لأجل حق المرتهن، فلا ينافي قولنا: إن السيد لا يثبت له على عبده مال؛ لأن ذاك عند تمحض حق السيد، فلذلك اتفق الشافعي (١) والأصحاب هنا على أن للسيد العفو على مال، ولا فرق بين أن يطلب المرتهن ذلك أو لم يطلبه. قال ابن الرفعة وكان قياس التجويز لأجل حقه المجرد أن (٢) يتوقف على طلبه، ولكن لا قائل به فيما علمته، وإن عفا مجانًا بلا مال. فإن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين وجب المال وعفوه هنا مجانًا لا يسقط المال، بل يثبت متعلقًا برقبة الجاني لحق مرتهن المجني عليه. وإن قلنا: موجبه القود، فإن قلنا: العفو المطلق لا يوجب المال لم يثبت شيء. وإن قلنا: يوجبه، فكذلك على الأصح، ولا يجب على السيد أن يعفو على مال؛ لأنه تحصيل، ولا يجب عليه التحصيل وإن عفا مطلقًا، فإن قلنا: مطلق العفو يوجب المال؛ ثبت كما لو عفا على مال.

стр. 1457

وإن قلنا: لا يوجبه صح العفو، وبطل رهن مرتهن القتيل، وبقي القاتل رهنًا. وهذا القول هو المنصوص هنا، ومنه يؤخذ أن اختياره أن العمد لا يوجب إلَّا القود عينًا، وأن العفو عنه مطلقًا لا يقتضي المال، وإذا قلنا: لا يصح العفو ويجب المال، فقضى الراهن حق مرتهن القتيل من ماله، فقد سقط تعلقه بالقاتل. وفي هذه الحالة هل نقول: للسيد بيعه ليفك الرهن فيه أولًا وينفذ الآن عفوه؟ كما قلنا: في عفوه أرش الجناية على عبده المرهون من أجنبي. قال ابن الرفعة: فيه احتمال وقد يقال: إنه لا يتمكن من بيعه وجهًا واحدًا؛ لأن حقه ثبت تبعًا، فسقط تبعًا بخلاف عفوه عن الأجنبي عند جنايته على عبده المرهون، فإن حقه على الأجنبي ثبت أصلًا، وقد ألغى عفوه فيه، فكان بعد سقوط حق الأجنبي كهو قبل عفوه، وتعلق حق الأجنبي به، وقد يقال: إن ذلك ينبني على أن طريان الملك على الدين هل يسقطه تنزيلًا؛ لزوال حق المرتهن منزلة تجدد الملك؛ لأن حق الراهن عند تعلق مرتهن القتيل ثبت في رقبة العبد القاتل، فكان زوال حق مرتهن القتيل بمنزلة تجدد الملك، هذا كلام ابن الرفعة. والأقرب عندي من هذه الاحتمالات أنه يسقط تبعًا، كما ثبت تبعًا، ولو خرجناه على الخلاف في أن طريان الملك على الدين هل يسقطه لوجب إذا انفك الرهنان معًا بالإبراء أو بالقضاء من غيره أن يبقى دينًا للسيد في ذمة العبد على وجه، والتزام ذلك بعيد إلى الغاية. وقد سوى المصنف في ذلك بين الخطأ والعمد إذا عفا عنه على مال وذلك لا خلاف فيه، وكذلك عمد الخطأ، وكذلك العمد الذي لا قصاص

стр. 1458

فيه؛ كالهاشمة ونحوها، وعفو المفلس المحجور عليه، كعفو الراهن. وقول المصنف: فإن كانت قيمته أكثر من قيمة المقتول، وأمكن أن يقضى أرش الجناية يبيع بعضه بيع منه ما يقضي به أرش الجناية، ويكون الباقي رهنًا، هكذا جزم به الماوردي (١) والمحاملي في "لتجريد" و"المجموع" وابن الصباغ وغيرهم. وذكر الرافعي: "أنه ينبني على الوجهين المذكورين فيما إذا كانت قيمته مثل أو أقل، فعلى الوجه القائل بأنه ينقل من القائل بقدر الواجب إلى مرتهن القتيل" (٢). فإن صح هذا البناء، فيكون ما أطلقه المصنف وغيره جاريًا على الصحيح، والذي يظهر صحة البناء كما قال، لكني أتعجب من هؤلاء الأئمة مع ذكرهم الوجهين جزموا في حالة زيادة القيمة. وقوله: وأمكن أن يقضي أرش الجناية ببيع بعضه، هو بأن يوجد راغب في ذلك البعض، ويحصل رضا الراهن والمرتهن القائل بما يحصل بالتشقيص من النقص للباقي. وقوله: وإن لم يمكن إلَّا ببيع جميعه أي: بأن لم يوجد راغب يشتري بعضه أو وجد، ولكن كان يحصل بالتشقيص عيب في الباقي ولم يتراضيا به، فيباع جميعه؛ لتحصيل الواجب. وقوله: وما فضل من ثمنه يكون رهنًا، يحتمل أن يريد أنه يتعين لأن يجعل رهنًا، ويحتمل أن يريد أنه يقيس البيع رهن، وهو الأقرب، وهذا كما في القيمة المأخوذة من الجاني على الرهن أنها تكون رهنًا من غير إنشاء

стр. 1459

رهن على الصحيح. وقوله: وإن كانت قيمته مثل قيمة المقتول أو أقل، ففيه وجهان؛ الوجهان حكاهما جميع الأصحاب من العراقيين والخراسانيين؛ وأصحهما عند الرافعي وغيره. والثاني: وهو أنه يباع (١) لكن إيراد الجرجاني يقتضي ترجيح الأول، فإنه قال: لم يبع في الجناية؛ لأنه لا فائدة فيه، وقيل: يباع. والماوردي قال: "إن الوجه القائل بالبيع أصح إلَّا أن يقطع بعدم الزيادة" (٢)، وهذا التقييد جيد، فإنه إذا تعين البيع ولم يوجد راغب، فأكثر فإيجاب البيع بقدر قيمة المقتول، والمنع من جعله رهنًا بها لا معنى له، وكلا الطريقين لا حظ لمرتهن القاتل فيه. وينبغي أن يكون محل الخلاف عند توقع الزيادة، وحينئذ يظهر تصحيح وجوب البيع، والوجه الآخر القائل بالنقل معناه أن الراهن ومرتهن القتيل إذا اتفقا على ذلك جاز، وليس لمرتهن القاتل إلزام البيع، وأن المرتهن يجبر على قبوله إذا طلبه الراهن. قال الإمام: "ولا خلاف أنه لو أتى بعبد آخر وأراد أن يجبر المرتهن على قبوله رهنًا بدل المقتول لم يجبر، فإنه ليس قيمة ولا متعلق قيمة" (٣)، وأما وجوب النقل على البائع، فلا يقول أحد به. وقد ذكر الرافعي للبيع تعليلين؛ "أحدهما: ما ذكره المصنف من توقع راغب، وهو الذي علل به الجمهور.

стр. 1460

والثاني: أن حق مرتهن القتيل في مالية العبد الجاني لا في عينه" (١). والتعليل الأول: ناظر إلى حق مرتهن القاتل، فيوجب البيع. والتعليل الثاني: ناظر إلى أن مرتهن القتيل لا حق له في العين، فلا يجب النقل، وهو وحده لا ينهض بإيجاب البيع حتى يضم إلى الأول، ثم قال الرافعي: "اعلم أن الوجهين إنما يظهران فيما إذا طلب الراهن النقل ومرتهن القتيل البيع، ففي وجه: يجاب هذا، وفي وجه: يجاب ذاك، أما إذا طلب الراهن البيع ومرتهن القتيل النقل، فالمجاب الراهن؛ لأنه لا حق لصاحبه في عينه، ولو أنفق الراهن والمرتهنان على أحد الطرفين فهو المسلوك لا محالة، ولو اتفق الراهن ومرتهن القتيل - يعني: على النقل" (٢). قال الإمام: "ليس لمرتهن القاتل المنازعة فيه وطلب البيع" (٣)، وقضية التعليل يتوقع راغب أنه له ذلك. قلت هذا لا شك فيه، وبه يظهر أن الوجهين يظهران في صورتين؛ إحداهما: إذا طلب الراهن النقل ومرتهن القتيل البيع، والتعليل هنا ليس بتوقع راغب، بل لأن حق مرتهن القتيل في البيع، ولا يجب عليه الرضا بعين العبد وسنفرد لهذه فرعًا نبسط القول فيها. والثانية: وإذا أنفق الراهن ومرتهن القتيل على النقل وطلب مرتهن القاتل البيع. والتعليل هنا يُتوقع راغب ويحصل الاتفاق في صورتين؛ إحداهما: إذا اتفق الراهن والمرتهنان. والثانية: إذا قطعنا بعدم الراغب واتفق الراهن ومرتهن القتيل على ما

стр. 1461

قدمناه وإن أمكن أن يأتي فيها خلاف بعيد. بقي ها هنا فائدة لا بد منها، وهي أن هذا النقل هل معناه إنشاء نقل الوثيقة أو حكم بانتقالها، وأنها انتقلت بنفس الجناية، واجتماع الشروط المانعة من تعين البيع، فإن كان معناه إنشاء نقل، فهلا جرى فيه خلاف نقل، الوثيقة من عين إلى عين. وإذا اختلفوا في نقل الوثيقة مع اتحاد المرتهن، فكيف لم يختلفوا هنا وقد انضم إلى نقل الوثيقة من المقتول إلى القاتل تبدل المرتهن، بل قطعوا بالجواز إذا تراضى الراهن والمرتهنان كما سبق. وإن علل ذلك بالضرورة، فلا ضرورة مع إمكان البيع وجعل الثمن رهنًا، وإن كان معناه انتقال الرهن من غير إنشاء، فمتى يكون ذلك، هل هو من وقت الجناية والتقويم وعدم التراضي بالتشقيص ونحوه مبين أو لا يحصل الانتقال إلَّا عند تحقق ذلك؟ وفي ذلك من الاضطراب ما لا يخفى، وهلا اكتفى بتعلق الجناية عن انتقال الرهن، فإنَّ تعلق الجناية كافٍ في التوثق ومحصل للمقصود ويبقى معه حق مرتهن القاتل؛ لاحتمال أن يقضي دين مرتهن القتيل من غيره، فيكون تعلق مرتهن القاتل باقيًا. والجواب: أن الذي فهمته من كلامهم أن معنى النقل إنشاء نقل بتراضيهما، وليس هذا من نقل الوثيقة المختلف فيه؛ لأن ذاك معناه بقاء العقل وتبدل العين حتى لو أريد فسخ الأول وجعل الثاني هو الرهن جاز، كما حررناه عند الكلام فيما يشرع فساده، وهذا الذي هنا مثله؛ لأن المقصود فك رهن مرتهن القاتل وإثبات رهن مرتهن القتيل. ومثل هذا لا خلاف في جوازه بالتراضي، فلا حاجة إلى تعليله بالضرورة، ونقل الوثيقة المختلف فيه هو تبديل العين مع بقاء العقد

стр. 1462

واتحاد المرتهن، أما نقلها من شخص إلى شخص، فيظهر أنه ممتنع قطعًا؛ لاستحالة بقاء عقد الرهن لاثنين، ألا ترى أنه لو عقده لاثنين في العبدين لم يصح، ولو عقده فيهما لمرتهن واحد؛ صح، فهذا يبين لك أن ما نحن فيه ليس من مسألة نقل الوثيقة في شيء، وإنما هو رفع لعقد وإثبات آخر، وهو أقرب طريقًا من البيع المستحق بالجناية، فجاز سلوكه بالتراضي قطعًا وبدونه على وجه؛ لأن البيع فيه إبطال عقد مرتهن القاتل وتحديد عقد لمرتهن القتيل مع توسط إزاله ملك الراهن، فاستغنى بالنقل عن هذا التوسط واكتفى بالطرفين؛ إذ هما المقصود. وأما القول بأن ذلك ينتقل بنفسه وينفك الأول ويثبت الثاني من غير إنشاء، فلا مستند له، وعبارة الأكثرين النقل، وهي تدل لما قلناه من أنه لا بد من إنشاء، وعبارة الكتاب أحدهما ينقل رأيتها في نسخة بخط مُجَلَّى بغير تاء كعبارة الجمهور، وفي نسخة: "ينتقل" وهي إما غلط في النسخة أو مؤولة على معنى النقل. وعبارة الرافعي: "أنه ينقل إلى يد مرتهن القتيل" (١)، وقد يتوهم منها أنه لا يحتاج إلى إنشاء رهن، وليس كذلك، بل ذكر المقصود الذي هو الغاية، وهو كونه يصير عند مرتهن القتيل رهنًا. وعبارة "الروضة" ضبطها بخطه: "ينقل -كما قلناه بضم الياء وسكون النون من غير تاء بعدها بعد أن كاد يكتبها "ينتقل"، ثم أصلحها لكنه بعد ذلك قال: فيما إذا كانت قيمة المقتول أقل من قيمة القاتل أنه على الوجه الثاني ينتقل من القاتل بقدر الواجب إلى مرتهن القتيل" (٢)، ويجب تأويلها

стр. 1463

أو إصلاحها، وكأنه كتب في الأول ينتقل في الموضعين، ثم أصلح الأولى ونسي أن يصلح الثانية. وعبارة ابن الصباغ أحدهما: أنه ينقل إلى يد مرتهن المجني عليه رهنًا، وينقل من رهن مرتهنه، وهي عبارة محررة، وفيها تنبيه على انفكاك رهن مرتهن الجاني كما قدمناه، وهذا كلام الرافعي الذي قدمناه في تنازعهما، وأنه يجاب هذا على وجه، وذاك على وجه إنما يظهر إذا كان المقصود إنشاء نقل، ولو كان الحكم الانتقال انقطع النزاع بمعرفة صورة النزاع، وكذلك قول الغزالي: "وإن تساوت القيمتان وتراضى المالك ومرتهن القتيل بأن يحصل العبد رهنًا بدل القتيل جاز، فإن أبى مرتهن القتيل، فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان" (١)، فجعله الوجهين في الإجبار يشير إلى ما قلناه من إنشاء النقل؛ إذ هو الذي يجبر عليه لا الانتقال الذي هو حكم شرعي. لكن ابن الرفعة قال: إنه أراد به أن الحق عند عدم رضا مرتهن القتيل بالنقل هل ينتقل إليه جبرًا أو لا ينتقل، بل يكون حقه متعلقًا بالأرش، والأرش متعلق بالرقبة فيه وجهان. انتهى. والأولى القطع بأن حقه متعلق بالأرش، والأرش متعلق بالرقبة، وأن الوجهين في أنه هل يجب عليه قبول الرهن لينتقل تعلقه من الأرش إلى الرقبة أو لا يجب؟ بل يباع. وذكر ابن الرفعة أيضًا في قول الغزالي: "أنهما إذا تراضيا جاز" (٢) أنه لا يتخرج على نقل الوثيقة؛ لأن النقل هنا يقع ضروريًّا، ونحن قد بينا أنه لم لا يتخرج ببيان أحسن من هذا، ومحل الاتفاق إنما هو عند تراضي الراهن

стр. 1464

والمرتهنين، أما عند تراضي الراهن ومرتهن القتيل خاصة، فإنما جزم الغزالي به تبعًا لإمامه، وقد تقدم كلام الرافعي عليه. فرع لو اتفق الراهن ومرتهن القاتل على النقل أو طلبه الراهن وحده حيث يعلم عدم الراغب بزياد، ونقول بأنه ليس لمرتهن القاتل طلب البيع بقدر القيمة، فهل لمرتهن المقتول طلب البيع؛ لأن حقه فيه لا في العين أو يجاب الراهن إلى النقل؛ لأنه لا فائدة في البيع تقدم عن الرافعي ما يقتضي أن هذه الصورة هي صورة الوجهين. فعلى الأصح يجاب مرتهن المقتول وله طلب البيع، وعلى الوجه الآخر يجاب الراهن وينقل، ويحتمل أن يقال على الوجهين لا بد من رضى المرتهن بالنقل، فمتى لم يرض وطلب البيع أجبر الراهن عليه، ويحتمل أن يقال: يجاب الراهن قطعًا، ويكون معنى القول بالنقل أنه لا يجب البيع لحق مرتهن القاتل؛ ولذلك أن الأكثرين إنما نظروا لتوقع الراغب وعدمه. وأما كون أرش الجناية في المالية لا في العين فصحيح، وأما كون ذلك مقتضيًا للبيع ففيه نظر؛ لأنه حيث يكون مقصود المجني عليه التملك له غرض في البيع ليتملك بالثمن، وهنا ليس الغرض إلَّا التوثق، وهو حاصل بعينه كما يحصل بماليته، فلا غرض لمرتهن المقتول في البيع، فإذا لم يكن مانع من مرتهن القاتل أجيب الراهن، ولا يلزم بإزالته عين ملكه، وجعل الوثيقة في ثمنه من غير غرض صحيح. وهذا هو الظاهر عندي إلَّا أن يكون لمرتهن القتيل غرض صحيح في الامتناع عن أخذ ذلك العبد رهنًا لخوف عليه لم يكن على المقتول أو نحو ذلك، فيعذر في طلب البيع.

стр. 1465

قال: وإن كانت الجناية على مرهون عند المرتهن الذي عنده القاتل، فإن كانت عمدًا واقتص منه بطل الرهن، وإن كانت خطأً أو عمدًا وعفا عنه على مال نظرت، فإن اتفق الدينان في المقدار والحلول والتأجيل واتفق قيمة العبدين ترك على حاله؛ لأنه لا فائدة في بيعه. وإن كان الدَّين الذي رهن به المقتول حالًّا، والدين الذي رهن به القاتل مؤجلًا بيع؛ لأن في بيعه فائدة وهو أن يقضي الدين الحال، وإن اختلف الدينان واتفقت القيمتان نظرت؛ فإن كان الدين الذي ارتهن به القاتل أكثر لم يبع؛ لأنه مرهون بقدر، فإذا بيع صار مرهونًا [بنصفه] (١)، وإن كان الدين الذي ارتهن به القاتل أقل نقل، فإن في نقله فائدة، وهو أن يصير مرهونًا [بالكثير] (٢) من الدين الذي هو مرهون به، وهل يباع وينقل ثمنه أو ينقل بنفسه؟ على وجهين، وقد مضى توجيههما، وإن اتفق الدينان بأن كان كل واحد منهما مائة واختلفت القيمتان نظرت؛ فإن كانت قيمة المقتول أكثر لم يبع؛ لأنه إذا ترك كان رهنًا بمائة، وإذا بيع كان ثمنه رهنًا بمائة، فلا يكون في بيعه فائدة. وإن كانت قيمة القاتل أكثر بيع منه بقدر قيمة المقتول، ويكون رهنًا بالحق الذي كان المقتول رهنًا به وباقية على ما كان. حكم اقتصاصه وعفوه على مال أو مجانًا أو مطلقًا على ما سبق، ويزداد النظر في المال ها هنا أن الجاني والمجني عليه إما أن يكونا مرهونين بدين

стр. 1466

واحد أو بدينين، فإن كانا بدين واحد، فقد نقضت الوثيقة، ولا جائز كما لو مات أحدهما، والباقي على حاله مرهون بجميع الدين، وإن كانا بدينين رهن كل منهما بأحدهما في صفقتين. فهذا القسم هو الذي ذكره المصنف، والدَّينان إما متفقان أو مختلفان، وعلى التقديرين، فقيمة القاتل وقيمة المقتول إما متفقان وإما مختلفان، فهذه أربع مسائل: المسألة الأولى: أن يتفق الدينان وتتفق القيمتان، فلا فائدة في البيع ولا في النقل، بل يبقى القاتل على حاله مرهونًا بما كان مرهونًا به، وتسقط وثيقة المقتول ويبقى دينه بغير رهن. قال الروياني: "هكذا قال أصحابنا، وقيل: ينبغي أن يقرض على البيع، فربما رغب راغب فزاد في ثمنه، فيكون قدر قيمة المقتول رهنًا مكان المقتول، وما بقي رهنًا مكان القاتل" (١). انتهى. واتفاق الدينين المراد به في المقدار والحلول والتأجيل وقدر الأجل، وإذا اتفقا في ذلك فسواء اختلفا في الجنس والاستقرار أم لا؛ ولذلك أطلق المصنف، وفي "الوسيط": "أن اختلاف جنس الدينين كاختلاف القدر" (٢)، وهو مخالف لنص الشافعي والأصحاب ولكلام إمامه. والمراد باختلاف الجنس، أن يكون أحدهما دراهم والآخر دنانير واستويا في المالية، بحيث لو قوِّم أحدهما بالآخر لم يزد ولم ينقص، ولو اختلف الدينان في الاستقرار وعدمه بأن كان أحدهما عوضًا بتوقع، رده بالعيب أو صداقًا قبل الدخول، فلا أثر له عند الجمهور.

стр. 1467

وقال أبو إسحاق المروزي: "إن كان القاتل مرهونًا بالمستقر، فلا فائدة في النقل، وإن كان مرهونًا بالآخر فوجهان" (١)، "ولو قال المرتهن: قد جنى ولا آمنه فبيعوه وضعوا ثمنه رهنًا، ففيه وجهان؛ أحدهما: يجاب؛ لأنه غرض صحيح، وقد حدث ما يوجب تغييرًا في الجملة. والثاني: لا، كما لو ارتهن عبدًا فبدت منه هناة قريبة إلى الهلاك، فقال: "بيعوه أثق بثمنه لم نجبه إلَّا أن يمرض مرضًا يخاف موته، فيلحق بالتفصيل بالمطعوم الذي يتسارع إليه الفساد" (٢)، هكذا قاله الإمام، وكلام القاضي حسين يقتضي طرد الخلاف فيما استشهد به. المسألة الثانية: أن يتفق الدينان وتختلف القيمتان، وقد ذكرها المصنف آخرًا، فإن كانت قيمة المقتول أكثر، فلا بيع ولا نقل، وإن كانت أقل بيع ما يساويها أو نقل على الوجهين السابقين والزائد على ما كان. المسألة الثالثة: أن يختلف الدينان، وأول ما نقول: إن الإمام قال: "إذا طلب المرتهن من الراهن جعل القاتل مرهونًا بما كان القتيل مرهونًا به مع بقائه مرهونًا بما كان مرهونًا به قبل جنايته". قال الإمام: "فلا يجاب إليه اتفق عليه الأصحاب، والسبب فيه أنا ما لم يفك الرهن المتعلق به لا يتصور ربط دين آخر به هذا سبيل اعتراضات الجنايات على المرهون، فإذا أردنا تقرير الرهن الأول ونقل الدين الثاني إليه لم يكن ذلك على مقتضى تأثير الجناية في الرهن" (٣). قال ابن الرفعة: وهذا فيه نظر يتلقي مما إذا كانت جناية العبد المرهون

стр. 1468

على غير المرتهن وطلب المرتهن فكه بالأرش من عنده؛ ليكون مرهونًا بالأرش مع القديم، وقد تقدم فيه حكاية طريقين؛ إحداهما: قاطعة بالجواز، فما المانع إذا كانت قيمة القتيل يستغرق قيمة القاتل حيث يقول للمرتهن: فك الرهن أن يجري مثل هذين الطريقين فيه، ولا شك عندي في جريانهما. فإن قيل: ظاهر كلام الإمام منصرف إلى أنه لا يجب على الراهن إجابته، والطريقان إنما هما في جواز ذلك بالتراضي لا في وجوبه. قلت: صحيح، لكن الإيراد حينئذ يتوجه على ما علل به منع الإيجاب انتهاء، ولا اختصاص لهذا البحث بحالة اختلاف الدينين، بل يجري في غيرها أيضًا متى احتيج إلى النقل، فإن لم يحتج إلى النقل فلا جريان للطريقين؛ لأنه لم يشرف على الزوال، ومحل الطريقين إنما هو إذا أشرف، والذي قاله الإمام على عدم الوجوب، وهو صحيح لا معترض عليه إذا عُرف هذا، فإذا اختلف الدَّيْنان واتفقت القيمتان وهي هذه المسألة المالية. فاختلاف الدينين إن كان بالحلول والتأجيل، فإن كان الذي رهن به المقتول حالًّا والذي رهن به القاتل مؤجلًا احتيج إلى النقل؛ لقضاء الدَّين الحالِّ، وهل النقل بالبيع أو ينتقل بنفسه؟ على ما سبق من الوجهين، وإن كان دين القاتل حالًّا ودين المقتول مؤجلًا، ففي النقل فائدة أيضًا، وهو أن تحصل الوثيقة بالمؤجل ويطالب بالحالِّ الآن، ولم يذكر المصنف هذه الصورة، وكذا لو كانا مؤجلَّيْن وأحد الأجلين أطول وإن كان اختلاف الدينين ليس بالحلول والتأجيل لكن بالقدر، فإن كان دين القاتل أكثر، فلا بيع ولا نقل؛ إذ لا فائدة فيه، وهكذا إن كان مساويًا، وإما إذا كان أقل ففي نقله فائدة، وحيث أطلقنا النقل فهل يباع وينقل ثمنه، أو ينقل بنفسه؟ على

стр. 1469

الوجهين السابقين، أصحهما البيع؛ ولذلك أطلقه المصنف في مواضع، وهنا نبَّه على الوجهين. المسألة الرابعة: أن يختلف الدَّيْنان وتختلف القيمتان، فإن كان اختلاف الدينين بالحلول والتأجيل نُقل على ما سبق، وإن كان في القدر، فإن كانت قيمة المقتول أكثر، فإن كان المرهون بأكثر الدينين هو القتيل نقل، وإن كان المرهون بأقلهما هو القتيل، فلا فائدة في النقل، وإن كان المتقول أقلهما قيمة، فإن كان مرهونًا بأقل الدينين فلا فائدة في النقل، وإن كان بأكثرهما نقل من القاتل قدر قيمة المقتول إلى الدين الآخر، ولا يغفل حيث أطلقنا النقل أن تخرجه على الوجهين هل يُنقل بنفسه أو يُباع، ولم يذكر المصنف المسألة الرابعة؛ لأن حكمها يُعرف في حكم المالية لا فرق بينهما، وإنما ذكرناها نحن لنستوفي الأقسام، وذكر اختلاف الدينين بالحلول والتأجيل أولًا. ثم قال: وإن اختلف الدَّينان كأنه لا يطلق الاختلاف إلَّا على الاختلاف في القدر، وأما على الاختلاف في الحلول والتأجيل، فإنما يصدق مقيدًا. وحيث قلنا: لا بيع ولا نقل، فالجناية هدر بالنسبة إلى ثبوت المال؛ لأن السيد لا يثبت له مال على عبده. * * *

стр. 1470

قال: فصْل: [في جناية المرهون بإذن المولى] وإن جنى العبد المرهون بإذن المولى نظرت، فإن كان بالغًا عاقلًا، فحكمه حكم ما لو جنى، بغير إذنه في القصاص والأرش على ما بيَّنَّاه، ولا يلحق السيد بالإذن إلَّا الإثم، فإنه يأثم لما روي عن النبي ﷺ أَنه قال: "مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ مُؤْمِنٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ"، وإن كان غير بالغ نظرت، فإن كان مميزًا يعرف أن طاعة المولى لا تجوز في القتل كان كالبالغ في جميع ما ذكرناه إلَّا في القصاص، فإن القصاص لا يجب على الصبي وإن كان صغيرًا لا يميز أو أعجميًّا لا يعرف أن طاعة المولى لا تجوز في القتل لم تتعلق الجناية برقبته، بل يتعلق حكم الجناية بالمولى، فإن كان موسرًا أخذ منه الأرش. وإن كان معسرًا، فقد قال الشافعي ﵀: يُباع العبد في أرش الجناية فمن أصحابنا من حمله على ظاهره وقال: يُباع؛ لأنه قد باشر الجناية فبيع فيها، ومنهم من قال: لا يُباع؛ لأن القاتل في الحقيقة هو المولى، وإنما هو آلة كالسيف وغيره، وحمل قول الشافعي ﵀ على أنه [أراد] (١) إذا ثبت بالبينة أنه قتله، فقال المولى: أنا أمرته، فقال: يؤخذ منه الأرش إن كان موسرًا

стр. 1471

بحكم إقراره، وإن كان معسرًا بيع العبد بظاهر البينة. هذا الحديث حسنٌ رواه ابن ماجه (١) بسند رجاله ثقات كلهم إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللهَ تَعَالَى مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ". ورويناه في كتاب "الترغيب والترهيب" من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعَانَ عَلَى دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ". شطر الكلمة: نصفها قال سفيان بن عيينة: هو أن نقول: اُقْ (٢). يعني: لا يتم كلمة: اقتل. فإن قلت: قتل النفس ليس بكفر بإجماع أهل السنة وكثير من غيرهم، والله تعالى يقول: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. قلت: يحتمل وجوهًا: أحدها: أن يكون الفعل في نفسه قد انتهى في الكبر إلى حدٍّ يستحق عليه اليأس من رحمة الله، وأن يكون صاحبه في القيامة بهذه المثابة إلَّا أن يتداركه الله برحمة. الثاني: أن يكون كتابة ذلك عليه بين عينيه يوم القيامة عقوبة وفضيحة على رؤوس الأشهاد على هذه المعصية العظيمة ويتدارك الله من يشاء برحمته. الثالث: أن يعاقبه الله على قتل النفس بخاتمة السوء، نعوذ بالله منها،

стр. 1472

وعلى هذا يكون عامًّا مخصوصًا؛ لأن بعض القاتلين لا يحصل له ذلك، وتكون الكتابة واليأس حقيقة. وعلى الثاني يكون عامًّا مخصوصًا أيضًا؛ لأن من تاب خارجًا عنه، وتكون الكتابة حقيقة واليأس يحتمل أن يكون موجودًا اعتبارًا بما يقع في نفسه ذلك الوقت عقوبة له، ويحتمل عدمه اعتبارًا بما في علم الله تعالى. وعلى الأول وهو الأحسن لا تخصيص؛ لأن المقصود أن هذا جزاؤه سواء وقع أم لم يقع، فمن ارتفع عنه هذا الجزاء من التائبين، ومن شاء الله أن يغفر لهم من غيرهم، فبفضل الله تعالى، وكذلك من عوقب في الآخرة ثم دخل الجنة، ومن لم يحصل له ذلك بأن سبق عليه الكتاب، فمات على الكفر تحقق عليه ذلك الجزاء وثبت مقتضاه، وليس من الذنوب شيء بهذه المثابة غير القتل، وهذه قاعدة ينتفع بها في كل ما ورد في الوعيد مع ما علم من عفو الله تعالى. وللعلماء أجوبة، مثل كونه مشروطًا بالمشيئة أو عامًّا مخصوصًا ونحو ذلك، وهذا الجواب الذي نحونا إليه هنا جواب آخر، وهو أن يكون عبر بذلك عن تبيين جزائه، فلا شرط ولا تخصيص، وغايته أنه تجوز بالإخبار عن الوقوع عن الأخبار بالجزاء المقتضي للوقوع، فوضع المسبب، وهو الوقوع موضع السبب وهو الاستحقاق. وقول المصنف: ولا يلحق السيد بالإذن إلَّا الإثم. يرد عليه التعزير، فإنه يلحقه أيضًا، ويعتذر عنه بأن التعزير عام في كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة، ومقصوده لا يلحقه من موجبات القتل الخاصة به، وهي ثلاثة: القصاص والأرش في الدنيا، والعقوبة العظيمة في الآخرة، وهي المعبر عنها بالإثم، فكأنه قال: لا يلحقه من الثلاثة إلَّا واحدة، وانتفاء القصاص

стр. 1473

والأرش عن السيد إذا كان العبد بالغًا أو مميزًا عاقلًا لا يعلم أن طاعة السيد لا تجب في ذلك لا خلاف فيه إلَّا أن يكرهه على الجناية أو يكون أمره بمنزلة الإكراه على وجهٍ، فيجب على السيد القصاص إذا كانت الجناية توجبه على الأصح، فإذا آل الأمر إلى المال، قال ابن الصباغ: وجب على السيد نصف الدية وعلى العبد نصف الدية تتعلق برقبته، وكذا قاله أبو الطيب. وقال الماوردي: "في حال إكراهه إن كانت الجناية توجب المال تعلقت برقبة العبد مع ذمة السيد" (١)، وسكت عن حالة مصيرها إلى المال بعد، إيجابهما القصاص. وقال المحاملي: لو أكرهه على القتل يجب القود على المكره، وأما المكره وهو المباشر، فقولان؛ أحدهما: يجب. والثاني: لا قود عليه، وعليه نصف الدية. وقال الإمام: "إذا لم نعلق بالمكره عقوبة ولا غرمًا، فلا يبعد إجراء خلاف في تعلُّق الأرش برقبته" (٢). انتهى. أما إذا لم يكن إكراه فإذا عُفي على مال أو كان العبد مراهقًا تعلق الضمان برقبته خاصة، وهو مراد المصنف حيث اقتضى كلامه أن البالغ يجب عليه الأرش في الخطأ وفي العمد عند العفو، وأن الصبيَّ المميز يجب عليه الأرش في الحالتين وهو متعلق برقبته، لا تعلق له بذمة السيد؛ لعدم الإكراه. أما الصغير الذي لا يميز والأعجمي الذي لا يعرف أن طاعة المولى في

стр. 1474

ذلك لا تجوز، فهو كالآلة، وحكم الجناية من القصاص أو الدية متعلق بالسيد بلا خلاف، وكذا إذا كان العبد مجنونًا طارئًا والوجهان في معنى كلام الشافعي راجعان إلى أن مثل هذا العبد هل يتعلق المال برقبته؟ وفيه وجهان؛ أحدهما: نعم؛ لأنه متلف، وأصحهما: لا؛ لأنه آلة، وهو قول ابن أبي هريرة، والأول يُعزى لأبي إسحاق المروزي؛ تمسكًا بظاهر ما نقله المزني. فإنه قال: "ولو كان السيد أمر عبده، بالجناية، فإن كان يعقل بالغًا، فهو آثمٌ ولا شيء عليه، وإن كان صبيًّا أو أعجميًّا فبيع في الجناية كلف السيد أن يأتي بمثل قيمته يكون رهنًا مكانه" (١). انتهى. فإن قلنا متعلق برقبته فمعناه مع التعلق بذمة السيد، فيقدم المجني عليه بثمن العبد والباقي في ذمة السيد، ولا يخرج العبد بأمر السيد عن أن تتعلق الجناية برقبته، ونظيره إذا التقط العبد، فعلى السيد أخذها منه، فإن لم يفعل حتى استهلكها العبد، ضمنه السيد في ماله، وفي رقبته وجهان، وقال القاضي حسين: إن الوجهين يلتقيان على أن المكره على إتلاف مال هل يكون طريقًا للضمان؟! إن قلنا: نعم؛ تعلق برقبة العبد، وإلا فلا. قلت: لكن المذهب أن المأمور طريق في الضمان، والصحيح هنا أنه لا يتعلق برقبة العبد، والفرق ظاهر، ظاهر كلام طائفة الأصحاب أنه لا فرق في جريان الوجهين بين أن يكون السيد موسرًا أو معسرًا، هكذا يقتضيه كلام المراوزة، وأما المصنف والعراقيون، فإنما ذكروهما فيما إذا كان معسرًا. حتى إن ابن الصباغ ردَّ على القائل بالبيع بأنه لو تعلقت الجناية به لبيع

стр. 1475

فيها موسرًا كان السيد أو معسرًا، ولك أن تقول: هو مستحق البيع، موسرًا كان السيد أو معسرًا، ولكنه إذا كان السيد موسرًا وبيع تكلَّف السيد أن يأتي بمثل قيمته رهنًا، كما اقتضاه نصه في المزني، فكان ترك بيعه وإلزام السيد بالأرش أولى، وينبغي ألَّا يكون في هذا خلاف، أعني في جريان الوجهين في اليسار والإعسار. وكلام المصنف والعراقيين لا يأبى ذلك، بل معناه إن كان موسرًا، فلا حاجة إلى البيع، بل يطالب السيد بالأرش، وإن كان متعلقا برقبة العبد على أحد الوجهين، وإن كان معسرًا، فليس لنا شيء يمكن المطالبة به الآن إلَّا الرقبة، فذكروا الوجهين هنا؛ للاحتياج إليها، وإن كانت جارية في الأصل هذا الذي ينبغي حمل كلام الأصحاب عليه فلا خلاف بين الطريقين ولا تباين، نعم كلام الماوردي (١) مشير إلى التباين وسنحكيه في فرع، والنص الذي حكيناه ظاهره صحة البيع حالة اليسار، فما ظنك بحالة الإعسار! نعم، إذا قلنا بالتعلق حالة اليسار، فهل يتعين الأرش طريقًا؛ جمعًا بين الحقين لئلا يُباع، فيطالب الراهن بقيمته رهنًا أو للمجني عليه المطالبة بالبيع، ظاهر كلام المصنف وغيره يقتضي الأول وكلام الشافعي محتمل للثاني، فإنه قال: "فبيع في الجناية كلَّف السيد أن يأتي بمثل قيمته" (٢)، فهذا دليل على أن البيع في الجناية قد صح، ولو لم يكن مستحقًّا لما صحَّ، ومنه يؤخذ استحقاقه حالة الإعسار بطريق الأولى. وقد ذكر الأصحاب ثلاثة أجوبة عن هذا النص: أحدها: ما ذكره المصنف إذا ثبتت الجناية بالبينة وادعى السيد الاذن،
следующие страницы →