← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

بحكم إقراره، وإن كان معسرًا بيع العبد بظاهر البينة. هذا الحديث حسنٌ رواه ابن ماجه (١) بسند رجاله ثقات كلهم إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللهَ تَعَالَى مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ". ورويناه في كتاب "الترغيب والترهيب" من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعَانَ عَلَى دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ". شطر الكلمة: نصفها قال سفيان بن عيينة: هو أن نقول: اُقْ (٢). يعني: لا يتم كلمة: اقتل. فإن قلت: قتل النفس ليس بكفر بإجماع أهل السنة وكثير من غيرهم، والله تعالى يقول: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. قلت: يحتمل وجوهًا: أحدها: أن يكون الفعل في نفسه قد انتهى في الكبر إلى حدٍّ يستحق عليه اليأس من رحمة الله، وأن يكون صاحبه في القيامة بهذه المثابة إلَّا أن يتداركه الله برحمة. الثاني: أن يكون كتابة ذلك عليه بين عينيه يوم القيامة عقوبة وفضيحة على رؤوس الأشهاد على هذه المعصية العظيمة ويتدارك الله من يشاء برحمته. الثالث: أن يعاقبه الله على قتل النفس بخاتمة السوء، نعوذ بالله منها،

стр. 1472

وعلى هذا يكون عامًّا مخصوصًا؛ لأن بعض القاتلين لا يحصل له ذلك، وتكون الكتابة واليأس حقيقة. وعلى الثاني يكون عامًّا مخصوصًا أيضًا؛ لأن من تاب خارجًا عنه، وتكون الكتابة حقيقة واليأس يحتمل أن يكون موجودًا اعتبارًا بما يقع في نفسه ذلك الوقت عقوبة له، ويحتمل عدمه اعتبارًا بما في علم الله تعالى. وعلى الأول وهو الأحسن لا تخصيص؛ لأن المقصود أن هذا جزاؤه سواء وقع أم لم يقع، فمن ارتفع عنه هذا الجزاء من التائبين، ومن شاء الله أن يغفر لهم من غيرهم، فبفضل الله تعالى، وكذلك من عوقب في الآخرة ثم دخل الجنة، ومن لم يحصل له ذلك بأن سبق عليه الكتاب، فمات على الكفر تحقق عليه ذلك الجزاء وثبت مقتضاه، وليس من الذنوب شيء بهذه المثابة غير القتل، وهذه قاعدة ينتفع بها في كل ما ورد في الوعيد مع ما علم من عفو الله تعالى. وللعلماء أجوبة، مثل كونه مشروطًا بالمشيئة أو عامًّا مخصوصًا ونحو ذلك، وهذا الجواب الذي نحونا إليه هنا جواب آخر، وهو أن يكون عبر بذلك عن تبيين جزائه، فلا شرط ولا تخصيص، وغايته أنه تجوز بالإخبار عن الوقوع عن الأخبار بالجزاء المقتضي للوقوع، فوضع المسبب، وهو الوقوع موضع السبب وهو الاستحقاق. وقول المصنف: ولا يلحق السيد بالإذن إلَّا الإثم. يرد عليه التعزير، فإنه يلحقه أيضًا، ويعتذر عنه بأن التعزير عام في كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة، ومقصوده لا يلحقه من موجبات القتل الخاصة به، وهي ثلاثة: القصاص والأرش في الدنيا، والعقوبة العظيمة في الآخرة، وهي المعبر عنها بالإثم، فكأنه قال: لا يلحقه من الثلاثة إلَّا واحدة، وانتفاء القصاص

стр. 1473

والأرش عن السيد إذا كان العبد بالغًا أو مميزًا عاقلًا لا يعلم أن طاعة السيد لا تجب في ذلك لا خلاف فيه إلَّا أن يكرهه على الجناية أو يكون أمره بمنزلة الإكراه على وجهٍ، فيجب على السيد القصاص إذا كانت الجناية توجبه على الأصح، فإذا آل الأمر إلى المال، قال ابن الصباغ: وجب على السيد نصف الدية وعلى العبد نصف الدية تتعلق برقبته، وكذا قاله أبو الطيب. وقال الماوردي: "في حال إكراهه إن كانت الجناية توجب المال تعلقت برقبة العبد مع ذمة السيد" (١)، وسكت عن حالة مصيرها إلى المال بعد، إيجابهما القصاص. وقال المحاملي: لو أكرهه على القتل يجب القود على المكره، وأما المكره وهو المباشر، فقولان؛ أحدهما: يجب. والثاني: لا قود عليه، وعليه نصف الدية. وقال الإمام: "إذا لم نعلق بالمكره عقوبة ولا غرمًا، فلا يبعد إجراء خلاف في تعلُّق الأرش برقبته" (٢). انتهى. أما إذا لم يكن إكراه فإذا عُفي على مال أو كان العبد مراهقًا تعلق الضمان برقبته خاصة، وهو مراد المصنف حيث اقتضى كلامه أن البالغ يجب عليه الأرش في الخطأ وفي العمد عند العفو، وأن الصبيَّ المميز يجب عليه الأرش في الحالتين وهو متعلق برقبته، لا تعلق له بذمة السيد؛ لعدم الإكراه. أما الصغير الذي لا يميز والأعجمي الذي لا يعرف أن طاعة المولى في

стр. 1474

ذلك لا تجوز، فهو كالآلة، وحكم الجناية من القصاص أو الدية متعلق بالسيد بلا خلاف، وكذا إذا كان العبد مجنونًا طارئًا والوجهان في معنى كلام الشافعي راجعان إلى أن مثل هذا العبد هل يتعلق المال برقبته؟ وفيه وجهان؛ أحدهما: نعم؛ لأنه متلف، وأصحهما: لا؛ لأنه آلة، وهو قول ابن أبي هريرة، والأول يُعزى لأبي إسحاق المروزي؛ تمسكًا بظاهر ما نقله المزني. فإنه قال: "ولو كان السيد أمر عبده، بالجناية، فإن كان يعقل بالغًا، فهو آثمٌ ولا شيء عليه، وإن كان صبيًّا أو أعجميًّا فبيع في الجناية كلف السيد أن يأتي بمثل قيمته يكون رهنًا مكانه" (١). انتهى. فإن قلنا متعلق برقبته فمعناه مع التعلق بذمة السيد، فيقدم المجني عليه بثمن العبد والباقي في ذمة السيد، ولا يخرج العبد بأمر السيد عن أن تتعلق الجناية برقبته، ونظيره إذا التقط العبد، فعلى السيد أخذها منه، فإن لم يفعل حتى استهلكها العبد، ضمنه السيد في ماله، وفي رقبته وجهان، وقال القاضي حسين: إن الوجهين يلتقيان على أن المكره على إتلاف مال هل يكون طريقًا للضمان؟! إن قلنا: نعم؛ تعلق برقبة العبد، وإلا فلا. قلت: لكن المذهب أن المأمور طريق في الضمان، والصحيح هنا أنه لا يتعلق برقبة العبد، والفرق ظاهر، ظاهر كلام طائفة الأصحاب أنه لا فرق في جريان الوجهين بين أن يكون السيد موسرًا أو معسرًا، هكذا يقتضيه كلام المراوزة، وأما المصنف والعراقيون، فإنما ذكروهما فيما إذا كان معسرًا. حتى إن ابن الصباغ ردَّ على القائل بالبيع بأنه لو تعلقت الجناية به لبيع

стр. 1475

فيها موسرًا كان السيد أو معسرًا، ولك أن تقول: هو مستحق البيع، موسرًا كان السيد أو معسرًا، ولكنه إذا كان السيد موسرًا وبيع تكلَّف السيد أن يأتي بمثل قيمته رهنًا، كما اقتضاه نصه في المزني، فكان ترك بيعه وإلزام السيد بالأرش أولى، وينبغي ألَّا يكون في هذا خلاف، أعني في جريان الوجهين في اليسار والإعسار. وكلام المصنف والعراقيين لا يأبى ذلك، بل معناه إن كان موسرًا، فلا حاجة إلى البيع، بل يطالب السيد بالأرش، وإن كان متعلقا برقبة العبد على أحد الوجهين، وإن كان معسرًا، فليس لنا شيء يمكن المطالبة به الآن إلَّا الرقبة، فذكروا الوجهين هنا؛ للاحتياج إليها، وإن كانت جارية في الأصل هذا الذي ينبغي حمل كلام الأصحاب عليه فلا خلاف بين الطريقين ولا تباين، نعم كلام الماوردي (١) مشير إلى التباين وسنحكيه في فرع، والنص الذي حكيناه ظاهره صحة البيع حالة اليسار، فما ظنك بحالة الإعسار! نعم، إذا قلنا بالتعلق حالة اليسار، فهل يتعين الأرش طريقًا؛ جمعًا بين الحقين لئلا يُباع، فيطالب الراهن بقيمته رهنًا أو للمجني عليه المطالبة بالبيع، ظاهر كلام المصنف وغيره يقتضي الأول وكلام الشافعي محتمل للثاني، فإنه قال: "فبيع في الجناية كلَّف السيد أن يأتي بمثل قيمته" (٢)، فهذا دليل على أن البيع في الجناية قد صح، ولو لم يكن مستحقًّا لما صحَّ، ومنه يؤخذ استحقاقه حالة الإعسار بطريق الأولى. وقد ذكر الأصحاب ثلاثة أجوبة عن هذا النص: أحدها: ما ذكره المصنف إذا ثبتت الجناية بالبينة وادعى السيد الاذن،

стр. 1476

وأنكر المجني عليه إذنه، فلا يقبل قول السيد عليه، بل يباع حالة الإعسار. وقول المصنف: إنه يؤخذ منه الأرش إن كان موسرًا بحكم إقراره، ينبغي أن يكون في محله إذا لم يكذبه المجني عليه بل سكت، وحينئذ يتمكن من مطالبته عليه حالة اليسار بإقراره وتصديقه ويتمكن من البيع حالة الإعسار بتكذيبه. أما إذا كذب حالة اليسار، فيصير إقرار السيد بالإذن بالنسبة إلى تعلق المال بذمته، كمن أقرَّ لشخص بشيء وهو ينكره، ولعل لهذا المعنى لم يقل المصنف في فرض المسألة أن المجني أنكر، بل تركها مطلقة؛ ليحتمل ما ذكرناه، ويحتمل أن يقال: إن السيدَ وإن كذبه المجني عليه متمكن من فداء العبد، فإذا دفع قيمته جاز للمجني عليه أخذها على كل تقدير؛ لأنه إن كان السيد كاذبًا، فهي فداء، وإن كان صادقًا، فهي بعض الأرش الذي اعترف به، ويجوز أيضًا للمجني عليه مطالبة السيد بها على التقديرين لما ذكرناه، وإن كان مكذبًا في تعيين أحد الطريقين. وقد اعترض ابن الرفعة بأن مضمون قول الراهن أن أرش الجناية عليه وإن بيع العبد وقع ظلمًا، فكيف يجعل ما أخذ منه رهنا، وأجاب: بأن الأرش الذي اقتضى قول الراهن أنه عليه ملك للمجني عليه وقد أخذ بدل الرهن ظلمًا في جنايته، وحق المرتهن متعلق بها، فجعل الأرش الذي يستحقه مكانة من باب الظَّفَر بمال من عليه الحق، ولذلك أصل ستعرفه في كتاب الضمان والحوالة. قلت: لو كان كذلك لوجب مثل الثمن الذي بيع به، والشافعي إنما قال: "مثل القيمة" (١)، والقيمة والثمن قد يختلفان، وأيضًا فالبيع باطل بزعم

стр. 1477

السيد، فالثمن غير مستحق للمرتهن. نعم، مقتضى إقرار السيد أن المجني عليه حال بين المرتهن والعبد ظلمًا، فيجب عليه القيمة للحيلولة، وللمجني عليه على السيد الأرش، وهو غريم الغريم، فترجع إلى مسألة الظفر بهذا الطريق، وأما على القول بالتعلق بالرقبة، فغرامة السيد القيمة للمرتهن ظاهرة؛ لأنه بإذنه في القتل متسلط على البيع، فهو الحائل بالبيع بين المرتهن وبينه، فوجب القيمة لذلك ولا شيء للمرتهن على المجني عليه. الجواب الثاني عن كلام الشافعي أنه قال: فبيع، وليس هذا أمرًا منه بالبيع، وإنما أراد أنه إذا باعه حاكمٌ رأى بيعه؛ لأن ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ذكره ابن الصباغ وغيره مع الأول، ونقلهما الماوردي عن ابن أبي هريرة (١)، وهما مستقيمان بحسب لفظ المزني الذي حكيناه، وهو الذي حكاه الجمهور، وأما الذي حكاه المصنف من قول الشافعي يُباع، فقد ساعده المحاملي على هذه الحكاية، فإن صحت، فلا يستقيم الجواب الثاني، ولعلها أُخذت من معنى كلام الشافعي. الجواب الثالث، نقله ابن داود عن بعض الأصحاب: أنه نُسب إلى المزني إلى الغلط في النقل، وليس بجيد؛ لأن البويطي نقله كذلك في "مختصره" من غير زيادة ولا نقص، وهكذا في "الأم"، ولفظه في "الأم": "فإن كان السيد أمر العبد بالجناية وكان بالغًا يعقل، فهو آثمٌ، ولا يكلف السيد إذا بيع فيها أو قتل أن يأتي برهن غيره، وإن كان العبد صبيًّا أو أعجميًّا، فبيع في الجناية كلف السيد أن يأتي بمثل قيمته ثمنًا، ويكون رهنًا مكانه إلَّا أن يشاء أن يجعلها قصاصًا في الحق" (٢).

стр. 1478

فرع وعدنا أن نذكر من كلام الماوردي ما يقتضي مباينة طريق العراقيين الطريق المراوزة، وذلك أنه علل قول ابن أبي هريرة "بأن الجناية منسوبة إلى السيد وجنايات السيد إذا أعسر بها لم يجز أن تباع فيها أمواله المرهونة" (١)، وعلل قول أبي إسحاق "بأن الجناية عن العبد صدرت ومن فعله حدثت، وإنما غلب فيها السيد إذا أمكن أخذها من ماله، فإذا تعذر فأولى الأمور أن يباع فيها العبد الجاني، فإذا بيع بكل الرهن، فإن أيسر السيد بها فيما بعد أخذت منه قيمة العبد تكون رهنًا أو قصاصًا. قال أبو إسحاق: وكذلك لو أن رجلًا بالغًا عاقلًا أمر صبيًّا صغيرًا بقتل إنسانٍ، فقتله كان القود على الآمر، فإن عفا ولي الجناية عن القود إلى الدية، وكان الرجل الآمر بها معسرًا أخذت الدية من مال الصبي القاتل وكانت الدية دينًا للصبي على الرجل يرجع عليه إذا أيسر بها، وعلى قول ابن أبي هريرة لا يجوز أن تؤخذ الدية من مال الصبي وتكون دينًا على الرجل الآمر يؤخذ بها إذا أيسر" (٢). قلت: والقول بأنها تؤخذ من مال الصبي الذي لا يميز حال إعسار الآمر غريبٌ، وطرد ابن إسحاق قوله فيه، قد نقله الماوردي كما رأيت، وتعليله يرشد إلى تخصيصه بحالة الإعسار، وإن ذلك مع إطلاق المراوزة الوجهين موسرًا كان السيد أو معسرًا لزم طرد وجه في الصبي، وإن كان الرجل الآمر موسرًا، وهو في غاية البعد، وعلى تقدير ثبوته بمعناه أنه طريق في الضمان والقرار على الرجل الآمر.

стр. 1479

فرع قال الشافعي في "الأم": وإن جنى العبد المرهون على نفسه جناية عمدًا أو خطأً، فهي هدر، وإذا جنى العبد المرهون على امرأته أو أم ولده جنايةً، فألقت جنينًا ميتًا، فإن كانت الأمة لرجل، فنكحها العبد، فالجناية لمالك الجارية يُباع فيها الرهن، فيعطى قيمة الجنين إلَّا أن يكون في العبد الرهن فضل عن قيمة الجنين فيباع منه بقدر قيمة الجنين، وجنايته على الجنين، كجنايته على غيره خطأً ليس للسيد عفوها؛ لحق المرتهن فيها، ويكون ما بقي منه رهنًا" (١). فرع إذا أراد السيد أن يتطوع بفدائه، ففي القديم يفديه بالأرش بالغًا ما بلغ، وفي الجديد بأقل الأمرين من الأرش والقيمة (٢)، وهذا مقرر في موضعه حيث تعلقت الجناية بالرقبة وحدها. * * *

стр. 1480

قال: فصْل: [في الجناية على المرهون] وإن جُني على العبد المرهون، فالخصم في الجناية هو الراهن؛ لأنه هو المالك للعبد ولما يجب من بدله. قال أبو حنيفة: "الخصم في الرهن المرتهن دون الراهن" (١)، وبناه على أصله في أن الرهن مضمون، وأن اليد له، فأما بناؤه على كونه مضمونًا، فستعرف ضعف المبني عليه، واحتج أصحابنا بأنه لو جُني عليه جناية توجب القصاص كان الخصم فيه للراهن، فكذلك ما يوجب المال. وأما كون اليد له، فمنقوض بالمستأجر، فإن اليد له وليس بخصم، كذا نقضه الماوردي (٢)، ونص الشافعي ﵀ (٣) وجمهور الأصحاب على أن المخاصم في الرهن الراهن، وفي الإجارة المؤجر، والمرتهن والمستأجر لا مخاصمة لهما، كما أن المودَع والمستعار لا يخاصم فيهما إلَّا المالك. وذكر الرافعي في الإجارة وجهًا أن للمستأجر المخاصمة إذا غصبت

стр. 1481

العين، وقال هناك: "إن الوجهين يجريان في أن المرتهن هل يخاصم" (١). وقال هو والمراوزة هنا خصوصًا صاحب "التهذيب": "إنه لو قعد الراهن عن الخصومة يعني في بدل الجناية، هل للمرتهن أن يخاصم؟ قولان؛ أظهرهما عند الأصحاب: لا، وبه قال القفال" (٢)، وقطع الإمام (٣) والغزالي (٤)، فإن له أن يخاصم ويدعي، وكذلك المستأجر إذا ادعى العين وقال من في يده: إنها ملك فلان أجرها مني، وإنما لا تدعي المستأجر القيمة؛ لأن حقه لا يتعلق بها، والمرتهن يدعي على هذا بالقيمة إذا قتل العبد، وبالعين إذا غُصب؛ لأن حقه فيهما والمستأجر لا حقَّ له إلَّا في العين، فلا يدعي إلَّا إذا غصبت. وقال جماعة: إنَّ الأقيس دعوى المرتهن والمستأجر، ولكنه خلاف النص وما عليه الجمهور، ثم القائلون به هنا لم يطلقوه، وإنما قيَّدوه بما إذا قعد الراهن وتكاسل عن المخاصمة بعد إطلاقهم أن الخصم هو الراهن. وعبارة الإمام: "لو امتنع الراهن من المخاصمة قال المحققون. أينهض المرتهن خصمًا وتوصل إلى ثبوت حقه، كما نقول له مطالبة الراهن إذا كان هو الجاني توصلًا إلى ثبوت حقه؛ إذ لو لم يتوجه له الطلب في الحالين لضاع حقه وتعطل بخلاف ما إذا كان المالك مطالبًا للجاني" (٥). انتهى. وهذا يفهم أنه إذا لم يتقاعد لا يطالب المرتهن، وكذلك لا يبتدر المرتهن المخاصمة حتى يتحقق تقاعد الراهن أو فوت الأمر لو لم يخاصم، وبما قاله

стр. 1482

الإمام يظهر أن الأَوْلى تمكين المرتهن من المخاصمة عند امتناع الراهن، فهذا هو المختار، وليس هذا مخالفًا لنص الشافعي أن الخصم هو الراهن؛ لأن ذلك في أصل الحق، وعند الامتناع لم يقف للشافعي على نص، بل صاحب "التهذيب" نقل قولين، والمخاصمة هي القياس وإلا لضاع الحق، ولعل الجمهور حيث أطلقوا أن المخاصم هو الراهن لم يريدوا هذه الصورة، وإنما أرادوا خلاف أبي حنيفة، كما أطلقه الشافعي في "المختصر" (١). وهكذا في الإجارة إذا غُصبت العين وتقاعد المالك عن المطالبة المختار أن للمستأجر المخاصمة، ومحل الخلاف في مخاصمة المستأجر فيما إذا غصبت العين، أما إذا جُني عليها، فلا حق للمستأجر في البدل، فلا مخاصمة له قولًا واحدًا، والخلاف في المرتهن في المسألتين إذا غُصبت وإذا جُني عليها. وفي الرافعي في الدعاوى عن "فتاوى القفال" وغيره: "أنه إذا غُصب المرهون من المرتهن كان لكلٍّ من الراهن والمرتهن أن يدعيه على الغاصب" (٢)، وهذا مخالف ما تقدمت حكايته عن القفال، فإن كان عنه، فلعله اختلف قوله، وقد احتج لعدم المخاصمة بأنه يثبت الملك للراهن، وليس بوكيلٍ عنه ولا وليٍّ. وجوابه: أن هذا جاء ضمنًا للضرورة، كما في دعواه على الراهن إذا كان هو الجاني. قلت: غرماء المفلس عند تكاسله عن المطالبة بما له من المال على

стр. 1483

جاحده ليس لهم المخاصمة. وإن قلنا: لهم الحلف على رأيٍ عند نكوله عن اليمين، كما ذلك رأي الجمهور خلافًا لأبي محمد، فإنه جعل ابتداء الدعوى تلو الحلف، فقال: إنهم يدعون حيث يحلفون، والمشهور القطع بأنهم لا يدعون. وإن قلنا: يحلفون وأيضًا، فإن الأصح أن غرماء المفلس لا يحلفون، وذلك يقتضي أن الأصح أن المرتهن لا يخاصم وإن امتنع الراهن. قلت: أما كونهم لا يدعون على المشهور، وإن قلنا يحلفون؛ فلأن لهم مندوحة عن ذلك، وهو الحاكم يقيم من يدعي فإنه ناظر لهم، وقد حجر على المفلس لحقهم، فيناسب أن يطلب ماله من الأموال؛ ليوفي بها دينه، والراهن ليس محجوزًا عليه من جهة الحاكم. وأما كون الغرماء لا يحلفون على الصحيح ومن ضرورة ذلك أنهم لا يدعون، وذلك يقتضي عدم مخاصمة المرتهن بالقياس عليهم، فالفرق أن للمرتهن تعلقًا خاصًّا، فالرهن أكثر من تعلق غرماء المفلس بأعيان أمواله، فإن الغرماء لا يد لهم على مال المفلس، وإنما حقهم في ذمته، والذي يحدد منعه من التصرف خاصة، فليس لهم الدعوى بما لا يستحقون وضع اليد عليه، ولا الحلف فيه؛ إذ لا استحقاق لهم إلَّا بعد استحقاق المفلس. وأما المرتهن فحقه في العين ووضع اليد عليها، فدعواه انتزاعها ممن هي في يده دعوى بخاصِّ حقه مستقلًّا به، فلم يمنع منه، وممن قال به شيخ القفال فيما نقله القفال عن خطه، وقال صاحب "التهذيب": "إنه القياس" (١)، والمراد بالمخاصمة الدعوى والاستحلاف وإقامة البينة ويمين الرد، وأما المال إذا حصل، فيأخذه من الرهن في يده.

стр. 1484

فرع ذكر الرافعي في آخر الدعاوى في مسائل منثورة مما جمع من "فتاوى القفال" وغيره: "أنه لو غُصب المرهون من يد الراهن، قال الراهن في دعواه على الغاصب: لي ثوبٌ كنتُ رهنتُه عند فلان وغصبه منه، ويلزمه الرد إليَّ. ولو اقتصر على قوله: لي عنده ثوب صفته كذا ويلزمه ردُّ إليَّ جاز، ولا بعد في قوله: يلزمه رده إلي؛ لأن يد المرتهن يد الراهن؛ ولهذا لو نازعه رجل في المرهون، كان القول قول الراهن، وإن كان في يد المرتهن؛ لأن يده في يده" (١). * * *

стр. 1485

قال: فإن ادعى على رجل أنه جنى عليه، فأنكر ولم تكن بينة، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن نكل عن اليمين رُدَّت اليمين على الراهن، فإن نكل فهل ترد اليمين على المرتهن؟ فيه قولان؛ بناء على القولين في المفلس إذا ردت عليه اليمين فنكل، فهل ترد على الغريم؟ فيه قولان: أحدهما: لا تُرد؛ لأنه غير مدعٍ. والثاني: ترد؛ لأنه ثبت له حق فيما ثبت باليمين، فهو كالمالك. لا خفاء فيه، وكذلك لو كان للراهن شاهد واحد ولم يحلف معه، فهل يحلف المرتهن؟ فيه القولان في غرماء المفلس، والأصح في الموضعين أن غرماء المفلس لا يحلفون، وكذلك المرتهن لا يحلف لكن هذا إنما يتم إذا قلنا بأنه لا يُخاصم، إما إذا قلنا: يخاصم، فلا شكَّ أنه يحلف. * * *

стр. 1486

قال: وإن أقرَّ المدعى عليه أو قامت عليه البينة أو نكل وحلف الراهن أو المرتهن على أحد القولين، فإن كانت الجناية موجبة للقود، فالراهن بالخيار بين أن يقتص وبين أن يعفو، فإن اقتص بطل الرهن، وإن قال: لا أقتص ولا أعفو. ففيه وجهان، قال أبو علي بن أبي هريرة ﵀: "للمرتهن إجباره على اختيار القصاص [أو أخذ] (١) المال" (٢)؛ لأن له حقًّا في بدله، فجاز له إجباره على تعيينه. وقال أبو القاسم الداركي: "إن قلنا: إن الواجب بقتل العمد هو القود لم يملك إجباره" (٣)؛ لأنه إذا ملك إسقاط القصاص، فلأن يملك تأخيره أولى، وإن قلنا: إن الواجب أحد الأمرين أجبر على التعيين؛ لأن له حقًّا هو القصاص، وللمرتهن حقٌّ هو المال فيلزمه التعيين، وإن عفا على مالٍ أو كانت الجناية خطأً وجب الأرش وتعلق به حق المرتهن به؛ لأن الأرش بدل عن المرهون، فتعلق به حق المرتهن به. فصَّل المصنف طرق الثبوت، فمتى ثبتت الجناية، فإن كانت موجبة للقود، فالراهن بالخيار، وليس للمرتهن أن يمنعه من ذلك؛ لأنه لإصلاح ملكه، فهو كما لو قُتل حرٌّ وعليه ديون، فاختار الورثة القصاص لم يكن للغرماء منعهم من ذلك، فإن اقتص بطل الرهن؛ لأنه لم يبق له متعلق،

стр. 1487

وهذا مما يدلك على أنه قتل القصاص لا يبطل وإن لم يكن مال، بل يبقى لاحتمال ثبوت المال ومحل الحكم ببطلان الرهن بالقصاص إذا كانت الجناية على النفس. ومن قول المصنف: إن المرتهن يحلف على أحد القولين، وتقسيمه بعد ذلك الجناية إلى موجبة للقود وغيرها، تعلم أنه لا فرق في حلف المرتهن بين أن تكون الجناية عمدًا أو خطأً، وكذلك صرَّح به غيره؛ لأن العمد قد يصير إلى المال، وهذا في الحلف سهل وفي الدعوى إذا قلنا: للمرتهن المخاصمة قد يستشكل من جهة أنه لا حق للمرتهن في القود، فكيف يدعي وكأنه احتمل ذلك، كما احتمل دعوى السيد. وإن قلنا: الواجب أحد الأمرين مع إبهامها إما دعوى المرتهن بالمال حيث يجب أو دعواه بردِّ العين فلا إشكال فيها، وإن قال: لا أقتص ولا أعفو. وأراد التأخير فطريقان سماهما المصنف وجهين، وكثيرًا ما يقع في كلامه ذلك وهو صحيح؛ لأن الطرق في الوجوه للأصحاب وإن اختصت الطرق بتصرف، فكل طريق وجه ولا ينعكس. وقد حكى الرافعي الطريقين من غير نسبة، ولم يصحح منهما شيئًا (١). وقال النووي: "ينبغي أن يقال: إن قلنا: إذا عفا على أن لا مال لا يصح أُجبر وإلَّا فلا" (٢). ولك أن تقول: إذا قلنا: لا يصح فالخيرة بين القصاص والمال. وإن قلنا: يصح، فالخيرة بين القصاص والمال والعفو مجانًا، فلم يجبر إذا كانت الخيرة بين شيئين ولا يجبر إذا كانت بين ثلاثة، وحق المرتهن

стр. 1488

متعلق بأحد الثلاثة، كما هو متعلق بأحد الاثنين وساقط على أحد الاثنين كما هو ساقط على تقديرين من الثلاثة. ولو قيل بأنه لا يجبر أصلًا لكان له وجه؛ لأن حق المرتهن في الأرش تابع لعدم اختيار الراهن القصاص، والشرع قد مكَّنه منه ومن العفو؛ فكيف يُجبر؟! وقال ابن الرفعة: الأشبه عندي الطريقة الأولى -يعني: طريقة ابن أبي هريرة- أنه يُجبر، قال: لأن حق المرتهن انحصر في الرهن حتى لا يملك ما دام باقيًا بعد التعيين مطالبة الراهن بالوفاء من غيره، كما تقدَّم، ذكره عند الكلام في المدير فيه حاجة إلى طلب التعجيل (١)، ويقوي ذلك إذا كان حقه حالًّا، فإنه إذا سقط حقه من الرهن تمكن من المطالبة بغيره. قلت: قد تقدَّم الردُّ عليه في دعواه انحصار حق المرتهن في الرهن، وبيَّنَّا أن الأمرَ بخلافه، ولو سلم له ذلك، فينبغي هنا أن تجوز المطالبة بالدين في هذه الحالة ما لم يختر الراهن العفو، فإنه قبل اختياره العفو إذا كان الواجب القود لا نقول بأن الرهن ثابت كما كان، وإنما الثابت حق الرهن ليتعلق بالمال عند العفو، وحيث أطلقنا فيما سبق أن الرهن لم يبطل إنما هو بالنسبة إلى هذا المعنى، فإنه كيف يكون رهنٌ ولا مال؟! وإنما العقد موجود يتعلق بما سيجب في المال، فيصير مرهونًا به. واستشكل ابن الرفعة قول أبي القاسم: إن قلنا: الواجب أحد الأمرين أُجبر من جهة أنه يفهم أنه لا يملك إسقاط حق المرتهن، وليس كذلك، بل له إسقاطه بالقصاص على القولين. انتهى. وليس في كلام أبي القاسم ما يُفهم ذلك، وبالجملة القول بالإجبار

стр. 1489

مشكل، والقياس عدم الإجبار مطلقًا على القولين، لكنِّي لم أرَ من قال به. وصحح ابن أبي عصرون في "الانتصار" طريقة ابن أبي هريرة بالإجبار، قال: إنها أصح الطريقين. ومع ذلك قال: إن الثاني متجه. واعلم، أن صورة المسألة أن يكون الجاني عبدًا، فإنه لو كان حُرًّا لم يجب القصاص، وكذلك إذا كان عبدًا من أصول المقتول كأبيه وجدِّه أو أمه أو جدته، أو كانت الجناية في طرف لا يتأتى فيه القصاص كالهاشمة، ففي كل هذا يتعين الأرش. وإنما الكلام حيث وجب القصاص في نفسٍ أو طرف، ولا فرق بين النفس والطرف إلَّا أن في النفس إذا اقتص يبطل الرهن، وفي الطرف يستمر فيما بقي، وممن قال ببطلان الرهن إذا اقتص في النفس، الثوريُّ (١)، وقال أحمد وإسحاق: "يؤخذ السيد برهن يكون قيمة العبد" (٢). وقال أبو حنيفة: "ليس للسيد القصاص ويتعين الأرش". وإذا عفا السيد، فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعفو على مال، فيثبت المال، وفي هذه الصورة، وفيما إذا كانت الجناية خطأً يتعلق حق المرتهن به، وكذا إذا كانت عمدًا غير موجبة للقود، بل موجبة للمال لما ذكره المصنف، سواء أكانت على النفس أم على الطرف. الحالة الثانية: أن يعفو مطلقًا. فإن قلنا: مطلق العفو يقتضي المال ثبت وتعلَّق المرتهن به وإلا فلا، وهو الأصح.

стр. 1490

الحالة الثالثة: أن يعفو على أن لا مال. فإن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين ثبت المال بقوله: عفوت، ويلغو قوله بعد ذلك على أن لا مال وإن قلنا: موجبه القود. فإن قلنا: العفو المطلق لا يوجب المال لم يجب شيء، وإن قلنا يوجبه بالأصح أنه لا يجب أيضًا؛ لأن القتل لم يوجبه، وإنما يجب بعفوه عليه، وذلك نوع اكتساب، ولا يجب عليه الاكتساب للمرتهن، والغرض أنه لم يُطلق العفو حتى يجب على قول، وإنما قيَّده بأن قال فلا يجب شيء، ومن هنا يُعلم أن الخلاف في أن مطلق العفو هل يوجب المال يجري مع القول بأن الواجب القود عينًا، وكذلك صرحوا به إذا عرفت هذا فلك أن تأخذ من مفهوم كلام المصنف حكم الحالة الثانية والثالثة على الصحيح، وأنه لا يجب المال؛ لأنه قيَّد الوجوب بأن يعفو عن مالٍ. فرع قال الشافعي: "لا ينتظر الحاكم المرتهن ولا وكيله؛ لأن القصاص إلى السيد دون المرتهن وأحب أن يُحْضر الحاكم المرتهنَ أو وكيله احتياطًا، لئلا يختار الراهن أخذ المال ثم يدعه أو يفرِّط فيه، فيهرب العبد الجاني، وإن اختار الراهن أخذ المال من الجاني على عبده، ثم فرَّط فيه حتى يهرب الجاني لم يغرم الراهن شيئًا بتفريطه، ولم يكن عليه أن يضيع رهنًا مكانه" (١)، هذه نصوصه في باب الجناية على العبد المرهون فيما فيه قصاص. وقال أيضًا بعده فيما فيه العقل: "إذا جنى أجنبيٌّ على عبد مرهون جناية لا قود فيها مثل أن يكون الجاني حرًّا أو أب المجني عليه أو جده أو أمه أو

стр. 1491

جدته أو لم يبلغ أو معتوهًا، أو تكون الجناية مما لا قود فيه بحال، مثل المأمومة والجائفة، أو تكون الجناية خطأً، فمالك المرهون الخصم في الجناية، وإن أحب المرتهن حضر الخصومة، وإذا قُضي على الجاني بالأرش في العبد المرهون لم يكن لسيد العبد الراهن عفوها ولا أخذ أرش الجناية دون المرتهن، وخير الراهن بين أن يكون أرش الجناية قصاصًا من الدين الذي في عنق العبد، أو يكون موضوعًا للمرتهن على يدي من كان الرهن على يديه إلى أن يحل الحق، ولا أحسب أحدًا يعقل يختار أن يكون أرش الجناية موضوعًا غير مضمون عن أن يكون قصاصًا، وسواء أتت الجناية على نفس العبد أم لم تأت عليها إذا كانت جناية لها أرش لا قود فيها" (١). انتهى. وهذه النصوص تشير إلى ما تقدم عن الماوردي: "أنه ليس للراهن قبض الأرش، بل يقبضه من كان الرهن تحت يده" (٢). وقال الروياني: "قال الشافعي: إن أحب أن يحضر المرتهن الخصومة ليعاون الراهن ويؤيده وليعلم ما يُقضى به للراهن من الأرش، فيأخذه رهنًا كان له ذلك، وإن لم يحضره فإن الراهن يأخذ الأرش، ويدفعه إلى المرتهن، فيكون رهنًا عنده أو عند العدل إن كان العبد رهنًا عند العدل، وإن شاء جعله قصاصًا من الحق" (٣). هذا كلام الروياني، فإن كان كله من كلام الشافعي فقوله: إن الراهن يأخذ الأرش ويدفعه إلى المرتهن مخالف لما تقدَّم، أنه لا يأخذه دون المرتهن، وإن كان من كلام الروياني مدرجًا

стр. 1492

بعد كلام الشافعي وهو الظاهر؛ فالصواب ما قاله الشافعي. فإن قلتَ: كيف يدعي الراهن بما ليس له قبضه؟ قلت: كما يدعي من له بعض عين على غاصبها، فإنه يستحق رفع يده عنها، وإن كان لا يجوز للمدعي وضع يده عليها إلَّا بإذن شريكه هكذا هنا الراهن له حق الملك، ويستحق المدعى عليه التسليم بسببه، فيسلمه لمن يستحق قبضه. فإن قلتَ: قد قال الشافعي في باب الجناية على العبد المرهون بما فيه قصاص: "وإن اختار أخذ قيمة عبده أخذه القاضي بأن يدفعه إلى المرتهن إن كان الرهن على يديه، أو من على يديه الرهن إلَّا أن يشاء أن يجعله قصاصًا من حق المرتهن عليه" (١). انتهى. وهو يوافق ما قاله الروياني من أن الراهن يأخذ الأرش ويدفعه إلى المرتهن. قلت: قد تأملته وظهر لي فيه احتمالان: أحدهما: أن الشافعي لم يقل: وإن أخذه، وإنما قال: وإن اختار، فيحمل قوله يدفعه على أن يخلي بين المرتهن وبين قبضه من الجاني. والثاني: هو أحسن أن هذا فيما إذا كان الواجب القصاص، فإذا أخذ القيمة والفرض أنه لم يعف قبل أخذه، فلا يمتنع عليه الأخذ؛ لأنه إلى الآن لم يتعلق حق المرتهن به، فإذا أخذ القيمة على سبيل المصالحة تعينت بقبضه للأرش، فيتعلق حق المرتهن وهي في يده، فيجب عليه حينئذ دفعها لمن كان الرهن في يده.

стр. 1493

ونصه الذي حكيناه في باب الجناية فيما فيه العقل: أنه إذا قُضي بالأرش لم يكن للراهن أخذه مستمرٌّ على هذا، فإنه تعين للأرش قبل أخذه، وقد تعلق حق المرتهن به، فلا يجوز للراهن أخذه، وقد حصل لك من هذا فائدة عظيمة فيمن يقول: قبض بدل الجناية، وألا تطلق القول، بل تقول: إن كان قد تعين الأرش فيقبضه من كان الرهن تحت يده، ولا يجوز للراهن قبضه وإلا فيجوز. نعم، من يقول: إن الأرش في الذمة لا يوصف بكونه رهنًا حتى يُقبض، لا يبعد أن يجوِّز للراهن قبضه، وإن وصف بكونه رهنًا (١) في الذمة، وفيه احتمال أيضًا على ذلك؛ لأن حق المرتهن لا شكَّ في تعلقه به، وإن لم يوصف بكونه رهنًا من حيث الاسم. فرع لو عفا على مالٍ، ثم أراد أن يعفو مجانًا، فليس له ذلك، وكذلك لو اختار المال، ثم اختار القصاص لم يجز القصاص، ولو جني على العبد المرهون ثلاثة أعبد، فاختار السيد القصاص فيهم جاز في قول من قتل أكثر من واحد بواحد، وإن اختار أن يقتص من أحدهم ويأخذ ما لزم الاثنين من قيمة عبده كان له ويُباعان فيها، ويكون ثمن عبده من ثمنهما رهنًا. "وإن اختار أن يأخذ ثمن عبده منهما، ثم أراد عفوًا عنهما أو عن أحدهما كان الجواب فيها كالجواب في المسألة قبلها في العبد الواحد"، هذا لفظ الشافعي (٢)، قال: "ولو جنى حرٌّ وعبدٌ على عبدٍ مرهون عمدًا فنصف قيمة

стр. 1494

المرهون على الحر في ماله حالَّة وخُيِّر في العبد في قتله أو العفو عنه أو أخذ نصف قيمة عبده من عنقه، فإن مات العبد الجاني بطل ما عليه. وإن مات الحر فنصف قيمته في ماله، وإن أفلس الحر، فهو غريم، وكل ما أخذ منه كان مرهونًا، ولا خيار للعبد المجني عليه، وإنما الخيار لمالكه. ولو كان الجاني عبدًا للراهن أو عبدًا له وعبدًا لغيره ابن أو غيره كان القول فيه كالقول في غيره، وخُيِّر في عبده الجاني على عبده بين القود والعفو عنه بلا شيء؛ لأنه إنما يدع قودًا جُعل إليه تركه، وإن لم يعف عن القود إلَّا على اختيار العوض من المال كان عليه أن يفتدي عبده الجاني إن كان منفردًا بجميع أرش الجناية، فإذا فعل خُيِّر بين أن يجعلها قصاصًا أو يسلمهما رهنًا. وإن كان الأرش ذهبًا أو ورقًا كالحق الذي عليه، فشاء أن يجعله قصاصًا فعل، وإن كان إبلًا أو شيئًا غير الحق، فشاء أن يبيعها ويقضي المرتهن منها حتى يستوفي حقه أو لا يبقى من ثمنها شيء، فعل، وإن شاء أن يبيعها ويجعل ثمنها رهنًا لم يكن له ذلك، وإن كان الأرش ذهبًا أو فضة، فسأل الراهن أن يترك والانتفاع بها، كما يترك وخدمة العبد لم يكن ذلك له؛ لأن العبد ينفع بلا ضرر عليه ويُرد إلى، مُرتهنه، والدراهم لا منفعة لها إلَّا بأن تصرف. وليس للراهن صرف الرهن في غيره … وإن كان صلحًا برضا المرتهن كُنَّ أرش جنايته على إبلٍ، فهي موضوعة على يدي من الرهن على يديه، وعلى الراهن علفها وصلاحها، وله أن يكريها وينتفع بها" (١). * * *

стр. 1495

قال: وإن أسقط المرتهن حقه من الوثيقة سقط؛ لأنه لو كان الرهن باقيًا، فأسقط حقه منه سقط فكذلك إذا أسقط من [يدٍ له] (١)، فإن أبرأ المرتهن الجاني من الأرش لم يصح إبراؤه؛ لأنه لا يملكه، فلا ينفذ إبراؤه فيه، كما لو كان الرهن باقيًا فوهبه. وهل يبطل بهذا الإبراء حقه من الوثيقة؟ فيه وجهان: أحدهما: يبطل؛ لأن إبراءه تضمن إبطال حقه من الوثيقة، فإذا سقط الإبراء بقي ما تضمنه من إبطال الوثيقة. والثاني: لا يبطل لأن الذي أبطله هو الإبراء، والإبراء لم يصح، فلم يُبطل. ما تضمنه. الوجهان في طريقة العراقيين، وحكاهما الإمام عنهم (٢)، وأصحهما عند الجرجاني الأول، وجزم به الماوردي (٣)، وعند غيرهما الثاني، وممن صححه البندنيجي، والروياني (٤)، والرافعي (٥)، وابن أبي عصرون، وهو الصحيح قياسًا على ما لو وهب المرهون، فإنه لا يبطل الرهن بالهبة الفاسدة، وعلى الأول قد يُفرق بأن الرهن في العين آكد منه في الأرش.

стр. 1496

فإن قلت: هل يتخرج هذا على ما إذا بطل الخصوص، هل يبطل العموم؟ قلت: لا؛ لأن لفظه لا عموم فيه، ولا بطلان الوثيقة جزءًا من الإبراء، بل هو لازم له، وإذا بطلت دلالة المطابقة بطلت دلالة الالتزام. وقول المصنف: لا في الذي أبطله، ينبغي أن نقول: الذي تضمنه، ولا فرق في بطلان إبراء المرتهن من الأرش وعفوه عن الجناية بين أن يكون الدين الذي له حالًّا أو مؤجلًا، نصَّ عليه (١). وقول المصنف: فلم يبطل ما تضمنه كذا رأيته في نسختين إحداهما بخط مجلَّى، والصواب ما قاله صاحب "البيان" (٢) والرافعي (٣) وغيرها، فلم يصح ما تضمنه، وعبارة "الاستقصاء" كعبارة "المهذب" في إبطاله، وفي قلم يبطل. * * *

стр. 1497

قال: وإن أبرأه الراهن من الأرش لم يصح إبراؤه؛ لأنه يبطل حق المرتهن من الوثيقة من غير، رضاه، فلم يصح، كما لو كان الرهن باقيًا فأراد أن يهبه، فإن أبرأه ثم قضى دين المرتهن أو أبرأه المرتهن [منه] (١)، فهل ينفذ إبراء الراهن للجاني من الأرش؟ فيه وجهان: أحدهما ينفذ؛ لأن المنع منه لحق المرتهن، وقد زال حق المرتهن، فنفذ إبراء الراهن. والثاني: أنه لا ينفذ؛ لأنَّا حكمنا ببطلانه، فلا يجوز أن يُحكم بصحته بعد الحكم بإبطاله، كما لو وهب مال غيره ثم ملكه. الأصح من الوجهين عند البغوي (٢)، والرافعي (٣)، والعمراني (٤)، وابن أبي عصرون الثاني، وهو أنه لا ينفذ، وجزم به المارودي (٥)، وابن الصباغ، وقال العمراني: "إن الأول ليس بشيء" (٦)، وليس كما قال، فإن الأول جزم به المحاملي في "المجموع"، والبندنيجي وسُليم في "التقريب"، ونصَّ عليه الشافعي (٧) والمصنف حكى الخلاف في وجهين، والشيخ أبو محمد

стр. 1498

حكاهما قولين، وقال: إنهما ينبنيان على قولين في المفلس إذا أعتق ثم فضل ذلك العبد العتيق وأطلق عنه الحجر، هل ينفذ ذلك العتق أم لا، انتهى. ومقتضى هذا أن يكون الأصح البطلان؛ لأنه الأصح في الفلس، فلذلك يظهر هنا أنه الأصح، وكذلك اقتضاه إيراد الرافعي في "الشرح الكبير" (١) و"الصغير"، و"المحرر"، وقال في "الروضة": "إنه المشهور" (٢). لكن الشافعي في "الأم" قال: "وإن اختار أخذ المال بطل القصاص، فإن عفا عن المال الذي وجب له بعد اختياره أو أخذه، وهو أكثر من قيمة عبده أو مثله أو أقل؛ لم يجز عفوه؛ لأنه قد وهب شيئًا قد وجب رهنًا لغيره، وإذا برئ من المال بأن يدفع الحق إلى المرتهن من مالٍ له غير المال المرهون أو أبرأه منه المرتهن ردَّ المال الذي عفاه عن العبد الجاني على سيد الجاني؛ لأن العفو براءة من شيء بيد المعفو عنه، فهي كالعطية المقبوضة، وإنما رددتها لعلة حق المرتهن فيها فإذا ذهبت تلك العلة، فهي ثابتة لسيد العبد الجاني بالعفو المتقدم، وإذا قضى المرتهن حقه مما أخذ من قيمة عبده لم يغرم من المال الذي قضاه شيئًا للمعفو عنه. وإن فضل في يديه فضل عن حقه ردَّه على سيد العبد المعفو عنه الجناية والمال، وإن أراد مالك العبد الراهن أن يَهَب للمرتهن ما فضل عن حقه لم يكن ذلك له، وإن قضى بقيمة العبد المقتول المرهون دراهم وحق المرتهن دنانير وأخذها الراهن، فدفعها إلى المرتهن، فأراد الراهن أن يدعها للمرتهن بحقه، ولم يرد ذلك المرتهن؛ لم يكن ذلك له، وبيعت،

стр. 1499

فأعطي صاحب الحق وسيد العبد المعفو عنه ما فضل من أثمانها. وإنما منعني لو كان الراهن موسرًا إن أسلم عفوه عن المال بعد، إذ اختاره، وأصنع فيه ما أصنع في العبد لو أعتقه، وهو موسر أن حكم العتق مخالف جميع ما سواه أنا إذا وجدت السبيل إلى العتق ببدل منه أمضيتُه وعفو المال مخالفٌ له، فإذا عفا ما غيره أحق به، حتى يستوفي حقه كان عفوه في حق غيره باطلًا، كما لو وهب عبده المرهون لرجلٍ وأقبضه إياه أو تصدق عليه صدقة محرَّمةً وأقبضه إياه ما كان صنع من ذلك مردودًا حتى يقبض المرتهن حقه من ثمن، رهنه والبدل من رهنه يقوم مقام رهنه لا يختلفان" (١). انتهى انتهى. هذا كلام الشافعي بحروفه، وهو صريح في تنفيذ العفو عند انفكاك الرهن. وقال القاضي حسين: إذا لم ينفذ عفوه مجانًا ففكه من الرهن، ففي نفوذه جوابان، بناء على المكاتب إذا عفا عن الجناية مجانًا، ولم ينفذ لحق السيد إذا هو تبرع فبرئ عن النجوم بأداء أو إبراء، هل ينفذ؟ فيه جوابان بناء على المحجور عليه بفلس إذا عفا أو تصرف تصرفًا سواه، ثم فك عنه الحجر، هل ينفذ فيه قولان. قلت: والخلاف في المكاتب قولان أرجحهما عند الرافعي عدم النفوذ كما قاله هنا، وقال البغوي (٢) والرافعي (٣): إن العفو عن المال لا يصح لحق المرتهن، وفيه قول أن العفو فيه موقوف، وهذه العبارة منهما تقتضي أنهما سَلَكا بالقول المنصوص مسلك وقف العقود، وذلك يناسب ما قاله

стр. 1500

الإمام من أن مأخذ تنفيذ عتق الراهن والمفلس الوقف (١)، وقد تقدَّم في عتق الراهن أن ملاحظة وقف العقود هنا بعيدة إلَّا ترى أن الخلاف في إعتاق الراهن لا يجري في بيعه وهبته، فبيعه وهبته ينبغي أن يتخرجا على وقف العقود، وأما إعتاقه فلا، بل ذلك تصرُّف نافذ الآن في حق الراهن لاغٍ في حق المرتهن فإذا زال حق المرتهن لم يبق مانعٌ من التنفيذ. ولا نقول: إن تنفيذ العتق في حق الراهن كان موقوفًا في حقه، بل هو نافذ في حقه في من ذلك الوقت، هذا إن قلنا: إنه إذا انفَّك الرهن أو بيع، ثم عاد يعود العتق، أما إذا قبلنا: لا يعود، فهو قول بالإبطال من أصله، ويلزم المحاملي ومن وافقه أن يفرق بين الراهن والمفلس، فإنَّ عفو الراهن على ما قال نافذٌ، وإعتاق المفلس ليس بنافذ على الأصح. وما حكيناه من نص الشافعي ناطق بأن الإبراء كالعتق، لكن العتق ينفذ من الموسر في حق المرتهن، والإبراء، بخلافه، فيقتضي أنه كإعتاق المعسر، فإذا زال المانع ينبغي أن يكون على قولين كإعتاق المعسر إذا انفك الرهن والصحيح أنه لا ينفذ، وقياسه هنا أنه لا يصح الإبراء. وعند هذا أقول -وبالله التوفيق: إن الذي ظهر بحسب ما وقفت عليه من كلام الشافعي أنه إذا انفك الرهن وزال حجر المفلس نفذ العتق، وإذا زال تعلق المرتهن بالأرش الذي أبرأ منه الراهن نفذ الإبراء، وإنما قلت ذلك لنصه هنا على نفوذ الإبراء، ونصه في عتق الراهن لا يعارضه؛ لأنه محمول على ما دلَّ عليه كلامه في الرهن الصغير على ما إذا حكم به حاكم، أي ببطلان العتق فينفذ حكمه؛ لأنه مختلف فيه، ونصه في الفلس لم يتعرض فيه للعتق، وإنما ذكر البيع والهبة وقال: "وما فعل من هذا ففيه قولان؛

стр. 1501

أحدهما: أنه موقوف" (١). انتهى. فأما أن نقول: إن حجر الفلس بالحاكم، فلأجل ذلك لا ينفذ شيء من تصرفاته على الأصح، وإن كان عتقًا كما دلَّ عليه كلام المحاملي وغيره، فيظهر به الفرق بينه وبين ما نحن فيه وأما أن نقول أن عتقه نافذٌ أيضًا إذا انفكَّ الحجر وهو المختار، كعتق الراهن وإبرائه، والفرق بين العتق والإبراء، وبين غيرهما من التصرفات أن غيرهما من التصرفات عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول، والعقود لا توقف ولا يمكن تصحيحها الآن لوجود الحجر فبطلت، والإبراء: إسقاط ما له من الدين، وكذا العتق إبطال ملكه عليه، والحجر لا يمنع من صحة ذلك بالنسبة إليه، وإنما يمنع منه بالنسبة إلى المرتهن والغرماء، وصار للدين. والملك جهتان: جهة يختص بها الراهن، فينفذ العتق والإبراء فيها في الحال ولا نقول إن ذلك موقوف. وجهة تتعلق بالمرتهن والغرماء، فوقف الحال فيها، فإذا زال تعلقهم بطل ما كان لهم من الحق، ولم يبق للراهن والمفلس حقٌّ؛ لأنه قد انقطع بالإعتاق والإبراء والقدر الذي بقي منه إنما كان لضرورة حق المرتهن والغرماء، فزال بزواله هذا هو الذي ظهر لي في جمع كلام الشافعي، وإبراز ما فيه من المعنى الفارق بين العتق والإبراء وغيرهما مما لا يقع إلا صحيحًا كله أو موقوفًا كله، أعني عقد البيع والهبة لا يتصور فيه ما لحظناه من الثبوت في حق شخصٍ دون شخص بخلاف العتق. ألا ترى أن من أقر بحرية عبد ثبت ذلك في حقه دون غيره، ويؤيد ذلك أن الشافعي في "البويطي" قال في المفلس المحجور عليه: فإن أعتق أو

стр. 1502

وهب أو باع بعد ما توقف، فكل ذلك موقوف، فإن قضى ما عليه وفضل فضلة، جاز فيه ما عمل فيه وصنع إلَّا الصدقة والهبة، فإن له أن يرجع ما لم يقبض، ولو أن الغرماء أجازوا العتق في حال وقفه جاز. هذا نصُّه في البويطي، وهو مصرح بوقف العتق والبيع والهبة. ونص في المزني (١) على القولين في البيع والهبة ولم يذكر العتق، فخرج من هذا أن العتق لم يذكر الشافعي فيه إلَّا الوقف وإلحاق الأصحاب له بالبيع والهبة وجعله على القولين لا يظهر لظهور الفارق، نعم نصُّه في "الأم" قد يؤخذ منه إجزاء القولين في إعتاق المفلس وليس بصريح، فإنه قال: "شراء الرجل وبيعه وعتقه وإقراره وقضاؤه بين غرمائه دون بعضٍ جائز كله عليه مفلسًا كان أو غير مفلس، وذا دين كان أو غير ذي دين في إجازة بيعه وعتقه، لا يرد من ذلك شيء ولا مما فضل منه ولا إذا قام الغرماء عليه حتى يصيروه إلى القاضي وينبغي إذا صيروه إلى القاضي أن يشهد على أنه قد أوقف ماله عنه، فإذا فعل لم يجز له حينئذ أن يبيع ماله، ولا يهب ولا يتلف وما فعل من هذا، ففيه قولان؛ أحدهما: أنه موقوف، فإن قضى دينه وفضل له فضل أجاز ما فعل من ذلك الفضل؛ لأن وقفه ليس بوقف حجر إنما هو وقف كوقف مال المريض، فإذا صحَّ ذهب الوقف عنه. والثاني: أن ما صنع من هذا باطل؛ لأنه قد مُنع ماله والحكم فيه" (٢). انتهى. وقوله: "ولا يتلف" قد يتعلق به في أنه شامل للعتق، فيجري فيه القولان، لكنه ليس بصريح، فإن الإتلاف قد يكون بالعتق أو بالصدقة أو

стр. 1503

بغيرهما وبتقدير التسليم، فنسلم جريان الخلاف في الجميع، ولكن يكون مرتبًا ويكون التنفيذ في العتق أولى منه في البيع والهبة، وهذا لا يُمكن إنكاره، ثم يدعي أن الصحيح في العتق النفوذ، وفي البيع والهبة المنع، وإن كان المشهور بين الأصحاب التسوية. وعذرنا في ذلك ما قدمناه من نصه هنا في الإبراء مع نصه في "البويطي"، فإنه يتمسك به لترجيح النفوذ في الجميع، وإن خرج البعض بدليل مع كونه لم يوجد له نص في الرهن يُعارضه، وهذا أولى من أن يخالف نصه الصريح هنا لغير معارض، وقد ظهر معناه و ما نفرق به بين العتق وغيره، والأصحاب يقولون: إن الوقف في المفلس غير وقف العقود وأن الخلاف المذكور جارٍ مع قولنا: إن العقود لا توقف. وإنا نقول في العتق زيادة على ذلك: إنه ليس وقفًا من كل وجه، بل هو الآن صحيح في حق المفلس والراهن، والموقوف منه صحته مطلقًا؛ للجهل بأنه هل يحتاج إليه في حق المرتهن والغرماء أم لا؟ فإذا تبين عدم الاحتياج إليه تبينت الصحة مطلقًا، وأما أصل الصحة في حق المعتق فناجزة معلومة، وقد اتفقوا هُنا على أن الإبراء لا ينفذ في الحال في حق المرتهن، ولم يخرجوه على عتق الراهن، والفرق ظاهر أشار إليه الشافعي؛ لأن العتق أقوى يسري ببعضه في الملك وإلى ملك الشريك، وسواء قلنا بأن الأرش يوصف قبل قبضه بأنه مرهون أم لا؛ لأنا وإن قلنا: لا يوصف بكونه مرهونًا لم نقطع حق المرتهن عنه بالكلية؛ لأنه يتعلق به عند قبضه قطعًا، فلا يفوت عليه. فإن قلت ما ذكرتموه في إبراء الراهن والمرتهن: هل هو في لفظ الإبراء أو فيه وفي لفظ العفو، وهل هو إذا وقع عن الأرش، أو سواء قال: عن

стр. 1504

الأرش أو الجناية. قلت: الذي فهمته من كلامهم أنه يعم ذلك كله، إلَّا إذا صححنا عفو الراهن عن الجناية مَجانًا، فإنه يزول فرض المسألة، ونحن هنا إنما نتكلم حيث يثبت المال، وحينئذ لا فرق، وذلك في الراهن ظاهر، وفي المرتهن إذا كان عن الأرش، أما إذا عفا عن الدم فقد يقال: إنه لا حق له في ذلك، والمال إلى الآن لم يثبت فَلَم يتضمن عفوه إبطال الوثيقة، فينبغي ألا يجري الخلاف، ولكن الجرجاني أطلق العفو، والأقرب عمومه، وما ذكر من الخيال يندفع بأن إبراءه عن الدم، وإن لم يكن له فيه تعلق مستلزم لسقوط المال الذي تعلقه به، فقد تضمن إبطال الوثيقة كما تضمنه عفوه عن المال. * * *

стр. 1505

قال: وإن أراد أن يصالح عن الأرش على حيوان أو غيره، من غير رضا المرتهن لم يجز؛ لأنه حق المرتهن يتعلق بالقيمة، فلا يجوز إسقاطه إلى بدل من غير رضاه، كما لو كان الرهن، باقيًا، فأراد أن يبيعه من غير رضاه، فإن رضي المرتهن بالصلح، فصالح على حيوان تعلق به حق المرتهن وسلم إلى من كان الرهن عنده؛ ليكون رهنًا مكانه، فإن كان مما له منفعة انفرد الراهن بمنفعته، وإن كان له نماء انفرد بنمائه كما كان ينفرد بمنفعة أصل الرهن ونمائه. قال الشافعي في "الأم" في باب الجناية على العبد المرهون فيما فيه العقل: "وإن أراد الراهن مصالحة الجاني على عبده بشيء غير ما وجب له لم يكن له ذلك؛ لأن ما وجب له يقوم مقامه ومصالحته بغيره إبدال له كأنه وجب له دنانير، فأراد مصالحته بدراهم، إلَّا أن يرضى بذلك المرتهن، فإذا رضي به فما أخذ بسبب الجناية على رهنه فهو رهن له" (١). انتهى. وعلى هذا جرى الأصحاب فمنعوا المصالحة بغير إذن المرتهن، وجوزوها بإذنه. قال الرافعي: "ولك أن تقول: قد مرَّ أنه إذا أذن في البيع والدين مؤجل، فباع يرتفع الرهن ولا يكون الثمن رهنًا، وأنه إذا أذن بشرط أن يكون الثمن رهنًا ففي كونه رهنًا قولان، وقياسه أن يكون المصالح عليه كذلك؛ لأن الصلح بيع" (٢). انتهى.

стр. 1506

يعني: فإذا أذن المرتهن في ذلك صح ولا يكون المصالح عليه رهنًا، وإن أذن بشرط أن يكون رهنًا فيجري فيه القولان. قال ابن الرفعة "ولعل الفرق أن متعلق الوثيقة فيما نحن فيه ببدل، فلم يكن فرق بين الأرش والمصالح عليه بخلافه فيما سلف، فإن من منع بيعه وجعل ثمنه رهنًا، قال ذلك نقل وثيقة من عين إلى عين، وهو لا يجوز، وكيف لا والمراوزة يقولون: إن الأرش لا يوصف بكونه مرهونًا قبل القبض، ومثل ذلك لا يقال فيما سلف" (١). انتهى. وهو فرق جيِّدٌ، وأيضًا فإن الصلح هنا ليس كالبيع من كل وجه، بل كأنَّ المصالح عليه بدل عن الجناية نفسها، ثم الإشكال إنما يتوجه إذا كان الصلح بعد وجوب الأرش، إما في الخطأ وإما في العمد بعد العفو أو حيث لا يجب القصاص، إما إذا صالح عن الدم، فبدل المصالح عليه ليس مستحقًّا للمرتهن، فلا يتوجَّه منعه فيه. نعم، إذا صالح عنه على ما دون الأرش ينبغي أن يتخرج على أنه إذا عفا مجانًا هل يصح ويسقط المال أم لا؟ فإن قلنا: يصح، صحت المصالحة عن الدم بالقليل والكثير، رضي المرتهن أو لم يرض. وإن قلنا: لا يصح، وأن المال يثبت لم تصح المصالحة على ما دون قدر الأرش ويصح بقدره من جنس الأرش، وفي جوازه بقدره من جنس آخر لا سيما إذا كان عرضًا، فإن النقد يحتمل العدول إليه، أما العدول عن جنس الدية إلى عرض آخر فقد لا يحتمل هذا كله إذا كان الواجب الدم، ولم

стр. 1507

يتكلم المصنف فيه ولا الأصحاب، وإنما تكلموا في المصالحة عن الأرش، أي: الذي قد وجب واستقر، وحينئذ لا يصح بغير إذن المرتهن مطلقًا ويصح بإذنه مطلقًا، ويكون رهنًا، كما صرَّح به الشافعي (١) والأصحاب، وفيه إشكال الرافعي (٢) على الصحة وعلى كونه رهنًا. فإن قلت: كلام الشافعي ليس فيه عن الأرش. قلت: بلى؛ لأنه قال: غير ما وجب له، فدلَّ على أن هناك شيئًا وجب له يصالح عنه بغيره. فإن قلت: قد يكون الذي وجب له الدم. قلت: لا يجوز ذلك؛ لأنه في باب الجناية فيما فيه العقل، وأما الذي فيه القصاص، ففي باب قبله. وقول المصنف: "وسلم إلى من كان الرهن عنده"، ليس فيه تصريح بأنه قبل قبض الراهن أو بعده، وقد قدَّمنا عن الماوردي وغيره أنه لا يقبضه الراهن، بل من كان الرهن عنده، فيبقى كلام المصنف على إطلاقه. وقوله: "ليكون رهنًا مكانه". قد يقال: فيه دليل على أنه ليس رهنًا وهو في الذمة وليس كذلك، وإنما أراد المصنف ذلك المعين المصالح عليه ولا شكَّ أنه لا يكون رهنًا إلَّا بالتعيين، وقبل ذلك لم يكن ذلك المعيَّن رهنًا بل المسترسل في الذمة، وبقية كلامه ظاهر، وقد تقدَّم بعضه من كلام الشافعي. * * *

стр. 1508

قال: وإن كان المرهون جاريةً فجنى عليها، فأسقطت جنينًا ميتًا؛ وجب عليه عشر قيمة الأم، ويكون خارجًا عن الرهن؛ لأنه بدل عن الولد، والولد خارج الرهن، فكان بدله خارجًا منه، وإن كان بهيمة فألقت جنينًا ميتًا، وجب عليه ما نقص من قيمة الأم ويكون رهنًا؛ لأنه بدل جزء من المرهون، وإن ألقته حيًّا ثم مات ففيه قولان أحدهما: تجب [عليه] (١) قيمة الولد حيًّا؛ لأنه يمكن تقويمه، ويكون للراهن، فإن عفا عنه؛ صح عفوه. والثاني: يجب عليه أكثر الأمرين من قيمته حيًّا، وما نقص من قيمة الأم، فإن كان قيمته حيًّا أكثر، وجب ذلك للراهن، وصح عفوه عنه، وإن كان ما نقص من قيمة الأم أكثر كان رهنًا. قال الشافعي في باب الجناية على المرهون فيما فيه العقل: "والجناية على الأمة المرهونة كالجناية على العبد المرهون، لا تختلف في شيء إلَّا في الجناية عليها بما يقع على غيرها، فإن ذلك في الأمة وليس في العبد بحال، وذلك مثل أن يضرب بطنها فتلقي جنينًا، فيؤخذ أرش الجنين، فيكون لمالكه ولا يكون مرهونًا معها، وإن نقصها نقصًا له قيمة بلا جرح له أرش يبقى أثره؛ لم يكن على الجاني سوى أرش الجنين؛ لأن الجنين المحكوم فيه، وإن جنى على الأمة جناية لها جرح له عقل معلوم، أو فيه حكومة، وألقت جنينًا؛ أخذ من الجاني أرش الجرح أو حكومته، فكان

стр. 1509

رهنًا مع الجارية؛ لأن حكمه بها دون الجنين وعقل الجنين، وكان عقل الجنين لمالكها الراهن؛ لأنه غير داخل في الرهن. والجناية على كل رهن من الدواب؛ كَهِيَ على كل رهن من الرقيق لا يختلف في شيء إلَّا أن في الدوابِّ ما نقصها، وجراح الرقيق في أثمانهم كجراح الأحرار في دياتهم، وفي خصلة واحدة؛ أن ما جنى على أنثى من البهائم فألقت جنينًا ميتًا، فإنما يضمن الجاني عليها ما نقصتها الجناية عن قيمتها حين سقط؛ لأنه جانٍ عليه، ولا يضمن إن كان إلقاؤه نقص أمه شيئًا أكثر من قيمة الجنين، فيكون مرهونًا معها، وإن جنى عليها فألقت جنينًا حيًّا ثم مات مكانه ففيها قولان؛ أحدهما: أن عليه قيمة الجنين تقوَّم يوم جُني عليها وحين ألقت الجنين فنقصت ثم يُغرَّم الجاني ما نقصها إلَّا أن يكون جرحًا يلزم عيبه، فيضمنه مع قيمة الجنين، كما قيل في الأمة لا يختلفان. والثاني: أن عليه الأكثر من قيمة الجنين وما نقص أمه، ويخالف بينها وبين الأَمَة يُجنى عليها؛ فيختلفان في أنه لا قود بين البهائم بحالٍ على جانٍ عليها، وللآدميين قود على بعض من يجني عليهم. وكل جناية على رهن غير آدمي ولا حيوان لا يختلف سواء فيما جنى على الرهن ما نقصه لا يختلف، ويكون رهنًا مع ما بقي من المجني عليه، إلَّا أن يشاء الراهن أن يجعله قصاصًا" (١). انتهى. وأصح القولين هو الأول، وهو أن الواجب قيمة الجنين حيًّا والقيمة للراهن، ولا فرق في هذا بين الجارية، والبهيمة وأما الجنين الميت، فيفترق الحال فيه بين الجارية والبهيمة، في الجارية يجب فيه عشر قيمة الأم ولا يكون رهنًا، وفي البهيمة أرش النقص ويكون رهنًا وقد ذكرنا هذا عند كلام المصنف فيما يحدث

стр. 1510

من عين الرهن أول هذا الباب وقلنا هناك: إن القول بأن بدل الجنين لا يكون مرهونًا ظاهر فيما إذا كان الحمل حادثًا أو مقارنًا، وقلنا لا يدخل إما على طريقة الرافعي في القول بدخوله، فيجب أن يكون رهنًا. فالمسألة في كلام الرافعي يجب تقييدها، وقد أطلقها، وأما في كلام المصنف، فلا يجب تقييدها؛ لأنه قد تَقَوَّل بعدم دخول الحمل في الرهن، كما حكى عن الجديد، ويؤيده إطلاق الشافعي هنا، وما ذكرناه هناك في الجارية من أنه إذا دخلها نقص لم يجب بسببه شيء آخر، ومن قول الرافعي أن قدر الأرش من العشر مرهون، ووجوب أرش النقص إذا انفصل حيًّا مما يجب تحقيقه، فإنه موضع مشكل، وقد بسط ابن الرفعة القول فيه في "الكفاية" و"المطلب"، وأنا أذكر ما قاله في ضمن فائدة. قال في "الكفاية": "فإن دخلها نقص لم يجب بسببه شيء آخر، ولكن قدر أرش النقضان من العشر يكون مرهونًا قاله الرافعي، وكلام صاحب "الاستقصاء"، والقاضي أبي الطيب يُفهم أنه لا يكون شيء منه مرهونًا في هذه الحالة أيضًا. وقد حكاه الإمام عن العراقيين صريحًا، قبيل باب الرهن والحميل فيما إذا نقصت نقصانًا عائدًا إلى صفتها زائدا على مزايلة الولد، وإنهم وجَّهوا ذلك بأن الولد ليس مرهونًا، ونقصانها يندرج تحت بدل الجنين، ويصير نقصانها بمثابة نقصان بآفة سماوية. ثم قال: وهذا حسن لطيف. لطيف، ولو ألقته حيًّا ومات، فالأصح قيمة الجنين حيًّا، وأرش نقص الأم إن نقصت، ويتعلق حق المرتهن بالأرش. والثاني: أكثر الأمرين من أرش النقص وقيمة الجنين، فعلى هذا إن كان الأكثر قيمة الجنين، فقدر الأرش من المأخوذ حق المرتهن متعلق به، وإن
следующие страницы →