يعني: فإذا أذن المرتهن في ذلك صح ولا يكون المصالح عليه رهنًا، وإن أذن بشرط أن يكون رهنًا فيجري فيه القولان.
قال ابن الرفعة "ولعل الفرق أن متعلق الوثيقة فيما نحن فيه ببدل، فلم يكن فرق بين الأرش والمصالح عليه بخلافه فيما سلف، فإن من منع بيعه وجعل ثمنه رهنًا، قال ذلك نقل وثيقة من عين إلى عين، وهو لا يجوز، وكيف لا والمراوزة يقولون: إن الأرش لا يوصف بكونه مرهونًا قبل القبض، ومثل ذلك لا يقال فيما سلف" (١). انتهى.
وهو فرق جيِّدٌ، وأيضًا فإن الصلح هنا ليس كالبيع من كل وجه، بل كأنَّ المصالح عليه بدل عن الجناية نفسها، ثم الإشكال إنما يتوجه إذا كان الصلح بعد وجوب الأرش، إما في الخطأ وإما في العمد بعد العفو أو حيث لا يجب القصاص، إما إذا صالح عن الدم، فبدل المصالح عليه ليس مستحقًّا للمرتهن، فلا يتوجَّه منعه فيه.
نعم، إذا صالح عنه على ما دون الأرش ينبغي أن يتخرج على أنه إذا عفا مجانًا هل يصح ويسقط المال أم لا؟
فإن قلنا: يصح، صحت المصالحة عن الدم بالقليل والكثير، رضي المرتهن أو لم يرض.
وإن قلنا: لا يصح، وأن المال يثبت لم تصح المصالحة على ما دون قدر الأرش ويصح بقدره من جنس الأرش، وفي جوازه بقدره من جنس آخر لا سيما إذا كان عرضًا، فإن النقد يحتمل العدول إليه، أما العدول عن جنس الدية إلى عرض آخر فقد لا يحتمل هذا كله إذا كان الواجب الدم، ولم
стр. 1507
يتكلم المصنف فيه ولا الأصحاب، وإنما تكلموا في المصالحة عن الأرش، أي: الذي قد وجب واستقر، وحينئذ لا يصح بغير إذن المرتهن مطلقًا ويصح بإذنه مطلقًا، ويكون رهنًا، كما صرَّح به الشافعي (١) والأصحاب، وفيه إشكال الرافعي (٢) على الصحة وعلى كونه رهنًا.
فإن قلت: كلام الشافعي ليس فيه عن الأرش.
قلت: بلى؛ لأنه قال: غير ما وجب له، فدلَّ على أن هناك شيئًا وجب له يصالح عنه بغيره.
فإن قلت: قد يكون الذي وجب له الدم.
قلت: لا يجوز ذلك؛ لأنه في باب الجناية فيما فيه العقل، وأما الذي فيه القصاص، ففي باب قبله.
وقول المصنف: "وسلم إلى من كان الرهن عنده"، ليس فيه تصريح بأنه قبل قبض الراهن أو بعده، وقد قدَّمنا عن الماوردي وغيره أنه لا يقبضه الراهن، بل من كان الرهن عنده، فيبقى كلام المصنف على إطلاقه.
وقوله: "ليكون رهنًا مكانه". قد يقال: فيه دليل على أنه ليس رهنًا وهو في الذمة وليس كذلك، وإنما أراد المصنف ذلك المعين المصالح عليه ولا شكَّ أنه لا يكون رهنًا إلَّا بالتعيين، وقبل ذلك لم يكن ذلك المعيَّن رهنًا بل المسترسل في الذمة، وبقية كلامه ظاهر، وقد تقدَّم بعضه من كلام الشافعي.
* * *
стр. 1508
قال:
وإن كان المرهون جاريةً فجنى عليها، فأسقطت جنينًا ميتًا؛ وجب عليه عشر قيمة الأم، ويكون خارجًا عن الرهن؛ لأنه بدل عن الولد، والولد خارج الرهن، فكان بدله خارجًا منه، وإن كان بهيمة فألقت جنينًا ميتًا، وجب عليه ما نقص من قيمة الأم ويكون رهنًا؛ لأنه بدل جزء من المرهون، وإن ألقته حيًّا ثم مات ففيه قولان أحدهما: تجب [عليه] (١) قيمة الولد حيًّا؛ لأنه يمكن تقويمه، ويكون للراهن، فإن عفا عنه؛ صح عفوه.
والثاني: يجب عليه أكثر الأمرين من قيمته حيًّا، وما نقص من قيمة الأم، فإن كان قيمته حيًّا أكثر، وجب ذلك للراهن، وصح عفوه عنه، وإن كان ما نقص من قيمة الأم أكثر كان رهنًا.
قال الشافعي في باب الجناية على المرهون فيما فيه العقل: "والجناية على الأمة المرهونة كالجناية على العبد المرهون، لا تختلف في شيء إلَّا في الجناية عليها بما يقع على غيرها، فإن ذلك في الأمة وليس في العبد بحال، وذلك مثل أن يضرب بطنها فتلقي جنينًا، فيؤخذ أرش الجنين، فيكون لمالكه ولا يكون مرهونًا معها، وإن نقصها نقصًا له قيمة بلا جرح له أرش يبقى أثره؛ لم يكن على الجاني سوى أرش الجنين؛ لأن الجنين المحكوم فيه، وإن جنى على الأمة جناية لها جرح له عقل معلوم، أو فيه حكومة، وألقت جنينًا؛ أخذ من الجاني أرش الجرح أو حكومته، فكان
стр. 1509
رهنًا مع الجارية؛ لأن حكمه بها دون الجنين وعقل الجنين، وكان عقل الجنين لمالكها الراهن؛ لأنه غير داخل في الرهن.
والجناية على كل رهن من الدواب؛ كَهِيَ على كل رهن من الرقيق لا يختلف في شيء إلَّا أن في الدوابِّ ما نقصها، وجراح الرقيق في أثمانهم كجراح الأحرار في دياتهم، وفي خصلة واحدة؛ أن ما جنى على أنثى من البهائم فألقت جنينًا ميتًا، فإنما يضمن الجاني عليها ما نقصتها الجناية عن قيمتها حين سقط؛ لأنه جانٍ عليه، ولا يضمن إن كان إلقاؤه نقص أمه شيئًا أكثر من قيمة الجنين، فيكون مرهونًا معها، وإن جنى عليها فألقت جنينًا حيًّا ثم مات مكانه ففيها قولان؛ أحدهما: أن عليه قيمة الجنين تقوَّم يوم جُني عليها وحين ألقت الجنين فنقصت ثم يُغرَّم الجاني ما نقصها إلَّا أن يكون جرحًا يلزم عيبه، فيضمنه مع قيمة الجنين، كما قيل في الأمة لا يختلفان.
والثاني: أن عليه الأكثر من قيمة الجنين وما نقص أمه، ويخالف بينها وبين الأَمَة يُجنى عليها؛ فيختلفان في أنه لا قود بين البهائم بحالٍ على جانٍ عليها، وللآدميين قود على بعض من يجني عليهم.
وكل جناية على رهن غير آدمي ولا حيوان لا يختلف سواء فيما جنى على الرهن ما نقصه لا يختلف، ويكون رهنًا مع ما بقي من المجني عليه، إلَّا أن يشاء الراهن أن يجعله قصاصًا" (١). انتهى. وأصح القولين هو الأول، وهو أن الواجب قيمة الجنين حيًّا والقيمة للراهن، ولا فرق في هذا بين الجارية، والبهيمة وأما الجنين الميت، فيفترق الحال فيه بين الجارية والبهيمة، في الجارية يجب فيه عشر قيمة الأم ولا يكون رهنًا، وفي البهيمة أرش النقص ويكون رهنًا وقد ذكرنا هذا عند كلام المصنف فيما يحدث
стр. 1510
من عين الرهن أول هذا الباب وقلنا هناك: إن القول بأن بدل الجنين لا يكون مرهونًا ظاهر فيما إذا كان الحمل حادثًا أو مقارنًا، وقلنا لا يدخل إما على طريقة الرافعي في القول بدخوله، فيجب أن يكون رهنًا.
فالمسألة في كلام الرافعي يجب تقييدها، وقد أطلقها، وأما في كلام المصنف، فلا يجب تقييدها؛ لأنه قد تَقَوَّل بعدم دخول الحمل في الرهن، كما حكى عن الجديد، ويؤيده إطلاق الشافعي هنا، وما ذكرناه هناك في الجارية من أنه إذا دخلها نقص لم يجب بسببه شيء آخر، ومن قول الرافعي أن قدر الأرش من العشر مرهون، ووجوب أرش النقص إذا انفصل حيًّا مما يجب تحقيقه، فإنه موضع مشكل، وقد بسط ابن الرفعة القول فيه في "الكفاية" و"المطلب"، وأنا أذكر ما قاله في ضمن فائدة.
قال في "الكفاية": "فإن دخلها نقص لم يجب بسببه شيء آخر، ولكن قدر أرش النقضان من العشر يكون مرهونًا قاله الرافعي، وكلام صاحب "الاستقصاء"، والقاضي أبي الطيب يُفهم أنه لا يكون شيء منه مرهونًا في هذه الحالة أيضًا.
وقد حكاه الإمام عن العراقيين صريحًا، قبيل باب الرهن والحميل فيما إذا نقصت نقصانًا عائدًا إلى صفتها زائدا على مزايلة الولد، وإنهم وجَّهوا ذلك بأن الولد ليس مرهونًا، ونقصانها يندرج تحت بدل الجنين، ويصير نقصانها بمثابة نقصان بآفة سماوية.
ثم قال: وهذا حسن لطيف. لطيف، ولو ألقته حيًّا ومات، فالأصح قيمة الجنين حيًّا، وأرش نقص الأم إن نقصت، ويتعلق حق المرتهن بالأرش.
والثاني: أكثر الأمرين من أرش النقص وقيمة الجنين، فعلى هذا إن كان الأكثر قيمة الجنين، فقدر الأرش من المأخوذ حق المرتهن متعلق به، وإن
стр. 1511
كان الأكثر الأرش، كان حق المرتهن متعلقًا بجميعه، حتى لو عفا الراهن عن الأرش لا يصح، وفيه قول إن العفو موقوف، كذا حكى الرافعي، وفي "الاستقصاء"، وتعليق القاضي أبي الطيب حكاية القولين في الأصل على غير هذا الوجه:
أحدهما: أن الواجب قيمة الولد، ولا يجب أرش النقص؛ لأنه يدخل فيه ولا يتعلق حق المرتهن بذلك.
والثاني: يجب أكثر الأمرين من قيمة الولد حيًّا، وما نقص من قيمة الأم، فإن كانت قيمته حيًّا أكثر؛ وجبت للراهن ولا يتعلق بها حق المرتهن ويصحُّ عفوُه عنه، وإن كان ما نقص أكثر كان رهنًا.
قال الإمام: "والوجه أن يتخرج ذلك على أن الحمل الموجود يوم الرهن هل يدخل تحت الرهن؟
إن قلنا: يدخل فيجب أن يكون المأخوذ من الجاني رهنًا كيف كان.
وإن قلنا: لا يدخل فإن أوجبنا قيمة الجنين لم يكن رهنًا، وإن أوجبنا نقصان الولادة، فالمسألة محتملة.
والأصح عندي: أنه لا يكون رهنًا" (١)، وقد ظهر لك من مجموع ما حكيناه أن في المسألة خارجًا عما أبداه الإمام من عند نفسه أربعة أقوال، لكن في حال تظهر لك من بعد.
فإن قال قائل: ليس في المسالة إلَّا قولان وما ذكرته من الاختلاف محمول على حالين يرشد إليهما كلام الإمام، فإنه حكى عن العراقيين القولين اللذين حكيناهما عن رواية أبي الطيب.
стр. 1512
ثم قال (١): "والذي يجب الاعتناء به، فهم صورة المسألة، فإذا كانت وهي ماخض تساوي مائة وإذا ولدت صارت تساوي تسعين، ولم يظهر فيها نقص إلَّا أن الولد زايلها، فنقصت لذلك لا لعيب أحدثته الولادة، ثم انفصل الولد حيًّا وعليه أثر الجناية فمات" (٢)، فالذي حكاه أبو الطيب وغيره محمول على هذه المصورة، والذي حكاه الرافعي محمول على ما إذا نقصت نقصانًا زائدًا على مزايلة الولد.
قلت: كلام الإمام في الفرع قبله حكاية عن العراقيين يأبى تصوير العراقيين هذه المسألة بما ذكره، بل يقتضي التصوير بما حملت عليه كلام الرافعي، فإنه حكى عنهم أن نقصانها الزائد عن مزايلة الولد، يندرج تحت بدل الجنين، ويصير نقصانها بمثابة نقصانٍ بآفةٍ سماوية، وإذا كان هذا مذهبهم انتظم لك، فيما إذا كان النقصان زائدًا على مزايلة الولد الأقوال الأربعة، والله أعلم.
ثم من مقتضى ما ذكره الإمام أن يجب في هذه الصورة على الجاني قيمة الولد ونقصان الولادة؛ لأنه علل عدم الجمع بين الأرش وما نقص، فيما حمل عليه صورة مسألة القولين بأنه يؤدي إلى تضعيف الغرامة، وها هنا لا تضعيف، بل المقابل متعدد، وهو الذي حكاه الرافعي قولًا أولًا، وحكم الحيوان إذا ضُرب فألقى الجنين حيًّا، ثم مات، حكم الأمة فيما ذكرناه، صرَّح بذلك الإمام، ولم يعرض الخلاف المذكور إلَّا فيه" (٣). هذا ما قاله ابن الرفعة في "الكفاية".
стр. 1513
وقال في "المطلب": "تنبيه: كما يتعلق حق المجني عليه -كذا في النسخة بخطه، وصوابه: حق المرتهن- ببدل العين يتعلق ببدل بعضها إذا فاتت بالجناية حتى أرش البكارة إذا زالت بالجناية والافتضاض، وقلنا: يجب مفردًا عن المهر.
أما إذا قلنا: يجب مهر بكرٍ لا غير، فيشبه أن يكون فيه خلاف يُتلقى مما إذا طاوعت على الزنا، وقلنا: لا يجب للمطاوعة مهر، وقلنا في وطء الشبهة: يجب مهر بكرٍ، فهل يسقط أرش البكارة والحالة هذه أم لا؟
فإن قلنا: لا يسقط كان ما قابل الأرش من المهر مرهونًا وإلَّا فلا، والذي أطلقه الرافعي أنه يتعلق الرهن به والمأخوذ في مقابلة نقصان الولادة عند انفصال الولد حيًّا وبقاء حياته، يكون أيضًا مرهونًا.
نعم، لو جنى على حيوان، حامل فأجهض ولدًا ميتًا، فالواجب ما نقص من قيمة الأم، وقد أطلق القاضي حسين، والبندنيجي، وطائفة، القول بأن ذلك يكون مرهونًا، وعليه نص في "الأم"، وقال هؤلاء: لو كان الحيوان آدميًّا فالواجب عشر قيمة الأم بدلًا عن الجنين، ودخل فيه أرش نقصان الولادة، وقضية ذلك أن يفوز به الراهن، بل كلام بعضهم مصرح به، وفي الرافعي: أن ما قابل أرش النقصان من ذلك يكون مرهونًا.
قلت والأشبه التفصيل، فيقال: إن كان سبب نقص الأم بالولادة مزايلة الجنين لها فقط لا تأثير لذلك في بدنها، ولم يكن الجنين داخلًا في الرهن، فالأمر كما قاله غير الرافعي، وإن كان سبب نقص الأم تأثير الولادة في بدنها، أو الضرب نفسه، فلا وجه إلَّا ما قاله الرافعي وذلك أخذته من كلام نقله الإمام عن صاحب "التقريب" فيما لو ألقى الحيوان البهيم الولد حيًّا بالضرب ثم مات بعد الانفصال بسبب الجناية، ففي ما يجب على الجاني
стр. 1514
قولان منصوصان في "الأم" كما رأيتهما فيه:
أحدهما: قيمة الولد.
والثاني: أكثر الأمرين من قيمة الولد وما نقص من قيمة الأم.
قال البندنيجي، والقاضي حسين، وغيرهما: فإن قلنا: الواجب قيمة الولد لم تكن مرهونة، وكذا إن كانت قيمة الولد أكثر الأمرين، وإن كان أكثر الأمرين ما نقص من قيمة الأم كان مرهونًا.
وقال الرافعي: إنا إذا أوجبنا قيمة الولد كان ما قابل نقصان الولادة مرهونًا، والقاضي حسين حكى القولين فيما إذا كانت الجناية على الجارية المرهونة فوضعت الولد حيًّا، ثم قال: والقياس في هذه أن تضمن قيمة الولد مع نقص الأم، وهذا ما حكاه الرافعي بدلًا عن القول الأول، وبه يتم في الظاهر في المسألة ثلاثة أقوال، وقد يقال عند التحقيق: ليس في المسألة إلَّا قولان، وأنه لا اختلاف بين ما نقلناه عن الرافعي وغيره، بل يجب فيه التفصيل؛ أخذًا مما قاله الإمام فيما إذا ضرب البهيمة، فألقت جنينًا حيًّا، ثم مات بسبب الجناية.
فإنه لما حكى القولين فيما يضمنه الجاني قال: إن صاحب "التقريب" قال ما بسطه الإمام بكلامه، ومحلهما إذا كانت قيمة الأم حاملًا مائة، وقيمتها بعد الوضع سبعون بسبب مزايلة الولد لها لا بسبب نقص أثرٍ في بدنها، فإن الفائت حينئذٍ في مقابلة الجنين، فهل تعتبر قيمته ويُعرض عن الأم أو يوجب أكثر الأمرين من قيمة الولد، وما نقص من قيمة الأم؟ تردد قول الشافعي فيه، قال: إذا عُرف ذلك، وكان الحيوان مرهونًا، قال العراقيون: فإن قلنا: الواجب قيمة الولد لم تكن، مرهونة، وكذا إن كانت قيمة الولد أكثر على القول الآخر، وإن كانت أقل كان المأخوذ مرهونًا.
стр. 1515
قال الإمام: وهذا فيه نظر والوجه أن يقال: إن كان الحمل موجودًا حين الرهن وقلنا: يدخل كان المأخوذ كيف فرض الحال مرهونًا، وإن قلنا: لا يدخل وأوجبنا قيمة الولد لم تكن مرهونة، وإن أوجبنا ما نقص فالمسألة محتملة، فإن ذلك النقصان لم يكن إلَّا لمزايلة الولد ولم تتغير صفتها، ويجوز أن يُتخيل ما ذكروه؛ لأنَّا على هذا نجعل الحمل كالوصف، والأصحُّ عندي: الاحتمال الأول.
قلت: وهذا التقييد في صاحب "التقريب" يفهم أنه لو كان نقصان الأم بسبب تأثير في بدنها لا يكون الحكم كذلك، بل يجب مع قيمة الولد أرش نقصان الولادة لأجل نقص البدن ويكون ما قابل ذلك مرهونًا كما قال الرافعي، لكن الإمام قال بعد ذلك بقليل في هذه الحالة، قال: إن نقصان الولادة يندرج تحت بدل الجنين إذا وضعته ميتًا، ولا يكون للمرتهن بسبب نقصان الجارية تعلقًا تنزيلًا له منزلة النقصان بآفةٍ سماوية، قال: وهو حسن منقاس، وعلى هذا ينتظم في مسألة الجارية أقوال ثلاثة كما قلنا: إنها تتم في الظاهر، والله أعلم بالصواب".
ما ذكره ابن الرفعة في كتابيه نقلناه بنصِّه، وإن تكرر بعضه، فإنه اشتمل على كلام الناس، والموضع مشكل يجب استيعاب كلامهم فيه.
ثم نقول وبالله التوفيق: إن الجارية إذا ألقت جنينها ميتًا، وحصل نقص بالولادة، فذلك النقص يدخل في عشر قيمتها الواجب عن الولد، سواء أكان النقص بسبب مزايلة الولد أم بتأثير في البدل كما اقتضاه إطلاق نص الشافعي (١) الذي حكيناه.
فإنه اقتضى أن النقص إن كان بجرح يضمن، وإن كان بإلقاء الولد لا
стр. 1516
يُضمن، ولم يُفصّل بين أن يكون بتأثير في البدن أو بغيره، وهذا هو الذي صححه الإمام (١)، وقاله الرافعي (٢)، وتضمنه كلام أبي الطيب؛ ولذلك سكت عنه المصنف واقتصر على إيجاب عُشر قيمة الأم في جنين الجارية إذا ألقته ميتًا، وعلى قيمة الولد المُلقى حيًّا على القول الأول وهو الصحيح، وأمَّا كون قدر أرش النقص منه يكون مرهونًا أو لا؟ بل يكون كله خارجًا؛ لأنه بدل الولد، فالذي قاله الرافعي الأول.
وكلام المصنف، والقاضي أبي الطيب صريح في الثاني: وهو أنه يكون خارجًا عن الرهن، وإطلاق كلام الشافعي يقتضيه أيضًا، والتفصيل هنا بين أن يكون النقص بسبب مزايلة الولد أو لا؟ لا وجه له بعد تسليم أنه لا تجب زيادة على قيمة الولد، وإنما يتجه ذلك في الأصل، وأن يقال: إن كان بسبب مزايلة الولد، فلا تجب زيادة، ولا يكون المأخوذ مرهونًا، وإن كان بسبب تأثير في البدن فتجب زيادة، وتكون تلك الزيادة مرهونة، وأما القول بأنه لا تجب زيادة، ويكون بعض المأخوذ مرهونًا مطلقًا، فله وجه أيضًا، وإن كان القول بأنه لا يكون شيء منه مرهونًا أوجه؛ لأنَّا إنما أخذناه عن الولد لا عن النقص، كما دلَّ عليه كلام الشافعي، والنقص كالحاصل بآفةٍ سماوية؛ ولهذا لم يضمنه؛ فلذلك لا يكون مرهونًا.
وأما القول بأنه إن كان بتأثير في البدن لا تجب زيادة، ويكون بعض المأخوذ مرهونًا، وإن كان بسبب مزايلة الولد لا تجب زيادة، ولا يكون شيء من المأخوذ مرهونًا، فلا يظهر له وجه.
والبهيمة إذا ألقته ميتًا، إنما يجب ما نقص، فإن لم يحصل نقص لم
стр. 1517
يجب شيء، وإن حصل وجب وكان مرهونًا بلا إشكال، والجارية أو البهيمة من فرض منهما إذا ألقته حيًّا، ثم مات من حينه؟ ففيه القولان؛ أصحهما: قيمة الولد.
والثاني: أكثر الأمرين.
فإن أوجبنا قيمة الولد لم يضمن النقص الحاصل بالولادة سواء أكان بسبب مزايلة الولد أم بتأثير في البدن، كما دلَّ عليه إطلاق الشافعي؛ ولهذا لم يذكر المصنف زيادة على القيمة على هذا القول وقول الرافعي هنا على هذا القول "أنه يجب أرش نقص الأم إن نقصت" (١).
قال القاضي حسين: "إنه القياس، ولكن أنت قد عرفت أنه خلاف إطلاق الشافعي والأصحاب، وليس هو القياس؛ لأنَّا إنما أوجبنا قيمة الولد بدلًا عنه بجناية الجاني عليه المحصلة لذلك النقص؛ لأن الفرض أن النقص حصل من الولادة لا من غيرها، ونقص الولادة مضمون بقيمة الولد، فيدخل النقص فيه كما إذا ألقته ميتًا.
فإذا قلنا: يجب أرش النقص -كما قاله الرافعي- فهو مرهون.
وإن قلنا: لا يجب، فقياس قوله أن يكون مقدار النقص من القيمة مرهونًا، وقياس قول غيره ألَّا يكون مرهونًا.
وإن قلنا: لا يجب، وإنما تجب القيمة، فلا إشكال في أنها ليست بمرهونة، إلَّا أن يكون الحمل موجودًا وقت الرهن، ونفرع على أنه يندرج في الرهن.
وإذا قلنا: يجب أكثر الأمرين، فإن كان الأكثر هو أرش النقص كان
стр. 1518
رهنًا، وإن كان الأكثر هو قيمة الولد حيًّا لم يكن رهنًا عند العراقيين، وهو موافق لقولهم وقول الشافعي فيما إذا ألقته ميتًا؛ أنه لا يتعلق الرهن بشيء منه
وقال الرافعي: "يتعلق حق المرتهن بقدر الأرش من المأخوذ" (١)، وهو موافق لقوله في تلك الصورة؛ بأن قدر الأرش من العشر مرهون، والذي قاله العراقيون أصحُّ، ثم ما أطلقه العراقيون والرافعي مستمر في الحمل الحادث بعد الرهن وكذا في الموجود إذا قلنا: لا يدخل.
فإن قلنا: يدخل، فالمأخوذ عن القيمة كله رهن؛ كما قاله الإمام، وهذا استدراك على الرافعي؛ لأنه يرى دخول الحمل الموجود في الرهن.
أما على العراقيين فلا؛ لأن كثيرًا منهم أو كلهم، يقولون: الجديد أنه لا يدخل في الرهن، ولو أن الجارية أو البهيمة لما ألقت الجنين حيًّا وعاش بعد ذلك ولم يمت من تلك الجناية، وحصل لها نقص من الولادة، فإنه مضمون ويكون مرهونًا، وهذا يؤخذ من قول الشافعي: "ثم مات مكانه" (٢) فإن مفهومه أنه إذا تأخر ثم مات بسبب آخر؛ لا يحرر فيها القولان وهو صحيح؛ لأنه إن لم يحصل نقص فلا أثر للجناية، وإن حصل نقص فهو مستقل في حكم الأم، كما لو حصل من غير ولادة ولا محل للاندراج هاهنا؛ لأن الولد غير مضمون، فإنه عاش وانقطع أثر الجناية عليه.
وملخص ما قلناه على طوله: أن الجارية أو البهيمة إذا جُني عليها، فألقت حيًّا وعاش، فإن حصل نقص ضمن وكان رهنًا، وإلَّا فلا، وإن ألقته حيًّا ومات من أثر الجناية فقولان؛ أصحهما: تجب قيمة الولد ويفوز بها الراهن
стр. 1519
ولا يجب شيء آخر.
وإن ألقته ميتًا، ففي الجارية يجب عُشر قيمة الأم، ولا يجب أرش النقص ولا يتعلق المرتهن بشيء من المأخوذ في الأصح.
وفي البهيمة يجب أرش النقص ويكون مرهونًا، والرافعي (١) يقول: يجب مع قيمة الولد الحي أرش النقص، وإن قدر الأرش من العشر المأخوذ مرهون، وإنما قال الرافعي بوجوب الأرش مع قيمة الحي، ولم يقل بوجوبه مع عُشر قيمة الأم في الميت؛ لاعتقاده التعدد حال انفصاله حيًّا، فإن أرش النقص يجب حينئذ، ثم تجب قيمة الولد حتى موته.
وفي الميت هو شيء واحد غرَّمنا به عُشر قيمة الأم، فلو غرَّمنا به أرش النقص لزم التغريم، مرتين، لكنَّا نقول: الولد غير النقص في الموضعين، فإما أن ننظر إلى تغايرهما، فيوجب الأرش مطلقًا، وإما أن ينظر إلى أثر الجناية المتولد عنها ولا يوجب به إلَّا شيئًا واحدًا، فلا يوجبه مطلقًا، وهو الذي دلَّ عليه كلام الشافعي؛ لأن النقصان كان سببه انفصال الولد الذي تعلَّق به ضمانه، ويتعذر تمييز واحد منهما عن الآخر.
* * *
стр. 1520
قال:
فصْل: [في عدم معرفة الجاني على العبد المرهون]
وإن جُني على العبد المرهون ولم يعرف الجاني، فأقر رجلٌ أنه هو الجاني، فإن صدَّقه الراهن دون المرتهن، كان الأرش له، ولا حق للمرتهن فيه، وإن صدقه المرتهن دون الراهن، كان الأرش رهنًا عنده، فإن لم يقضه الراهن الدين استوفى المرتهن حقه من الأرش، فإن قضاه الدين أو أبرأه منه المرتهن ردَّ الأرش إلى المقرِّ.
كونه يردُّ الأرش إلى المقرِّ إذا حصل القضاء من غيره أو الإبراء هو الصحيح، وحكى الروياني (١) والرافعي (٢) وجهًا: "أنه يجعل في بيت المال؛ لأنه مال ضائع لا يدَّعيه أحد؛ إذ المرتهن انقطعت علقته والراهن ينكر استحقاقه، والمقرُّ معترف بأن أداءه كان واجبًا عليه".
قال ابن الرفعة: والمسألة قريبة الشبه مما إذا قلنا: غرماء المفلس أو الميت يحلفون عند النكول ونحوه، فإذا حلفوا وحصلت البراءة من الدين، فالمحلوف عليه يكون لهم، وبلغوا الإبراء أو للمفلس أو يبقى على المدعى
стр. 1521
عليه ولا يستوفى، فيه ثلاثة أوجه، صرح بها ابن كج.
والثالث: هو المذكور في زوائد العمراني في كتاب الشهادات في غرماء الميت ونظيره، فيما نحن فيه رد الأرش إلى الجاني؛ وقد يفرق بأنه ثَم لم يعترف بالدين.
وقياس الوجه الثاني: ثم أن يقال بمثله هنا بجامع ثبوت الملك له ضمنًا، وقد يُفرق بأنه ثم يدعي الاستحقاق والوجه الأول لا يمكن أن يقال به هنا؛ لحصول براءة الراهن بالقبض، ولو كانت حصلت بالإبراء من الدين لم يأت؛ لأنه لم يثبت بيمينه شيئًا حتى يحصر حقَّه فيه، وأورد ابن الرفعة فيما إذا صدَّقه الراهن أن في ضمن تصديقه تعلق المرتهن بالأرش، فهلَّا نزل إنكار المرتهن منزلة من أُقرَّ له بحق فنفاه هل يُنتفى عنه؟ خلافٌ.
وأجاب: أن ذلك في الأعيان لا في الحقوق؛ إذ هي متعرضة للسقوط، فلذلك لم يجبر عليها.
نعم، إذا عاد وصدَّق لا يبعد أن يكون في عود التعلق الخلاف المشهور، فيما إذا عاد المكذَّب للمقر وصدقه.
قال: فإن قلت: الفارق أنَّا نجعل المرتهن بإنكاره مسقطًا لحقِّه من الوثيقة فيه على رأي؛ كما إذا أبرأ من الأرش؛ لأن ذلك لازم قوله.
قلت: فيه بعدٌ؛ لأن الإبراء يتخيل فيه الإسقاط بخلاف الإنكار، هذا إذا صدَّقه أحدهما فقط، فإن صدَّقاه أو كذَّباه، لم يخف الحكم، ولا يخفى أن الواجب حال إقراره لا تحمله العاقلة، وهذه المسألة مذكورة في كتب المراوزة، والرافعي في باب الاختلاف والمصنف ذكرها هنا؛ لأن المتراهنين قد يتفقان على تصديق المقر أو تكذيبه، واختلافهما ليس بمقصود ولا يوجب تداعيًا بينهما في بعض الصور، فذكر هاهنا في
стр. 1522
أحكام الجناية.
وقد بقي مما نرى ذكره هنا من أحكام الجناية فروع:
أحدها: أنه لا فرق في الجناية، وكون المرتهن يتعلق ببدلها، بين أن تذهب قيمة المرهون أو ينقصها، أما إذا أذهبت جزءًا ولم تنقص القيمة كما إذا قطع ذكر العبد، ففي "الحاوي": "أن القيمة الواجبة بهذه الجناية تختص بالراهن ولا يتعلق بها حق المرتهن، كالنماء" (١).
الثاني: لا خلاف أن المرتهن يتعلق بأرش الجناية، ولكن ما دام في ذمة الجاني هل يوصف بكونه رهنًا؟
فيه خلاف حكاه الإمام عن المراوزة والعراقيين، فقال: "أطلق المراوزة القول بأن أرش الجناية لا يتصف بكونه مرهونًا، فإنه دين، والدَّين لا يكون مرهونًا، وألحقوا مصير العين المرهونة بسبب الإتلاف دينًا في ذمة المتلف بانقلاب العصير خمرًا، وقالوا: إذا قبض الأرش كان التفصيل فيه كتفصيل الخمر إذا انقلب خلًّا، يعني: فإن كان ذلك بعد القبض عاد الرهن، وإن كان قبله ففي عود الرهن خلاف، وذكر العراقيون عن بعض الأصحاب أن الدين، وإن كان لا يجوز تقديره مرهونًا ابتداء، فإذا استقرَّ الرهن على عين وجني عليها جانٍ، فالدين اللازم بسبب الجناية على عين مرهونة مرهون وليس كالخمر، فإن الدين مملوك والخمر ليست مالًا" (٢). انتهى.
قال ابن الرفعة: وللخلاف التفات على أن الدين هل هو مال أم لا؟ وفيه خلاف، والأشبه أن يقال: إن كان ذلك قبل القبض لم يوصف بالرهنية إلَّا عند القبض إذا قلنا: لا يبطل الرهن، وإلَّا وُصف، والفرق أن قبض الدين
стр. 1523
هو المانع من صحة رهن الدين.
قلت: والصحيح ما قاله العراقيون، ولذلك لا يجوز للراهن الإبراء منه وتسميته مالًا أو لا، خلاف لفظي لا يضر في التعلق به، وقبل القبض إذا جنى على المرهون تقدم عن الإمام؛ أن في بطلان الرهن به خلافًا، وهو غير بعيد والقواعد تقتضيه.
فعلى ذلك إن قلنا: ببقاء الرهن وهو الراجح، فالوجه أنه يوصف بالرهنية أيضًا، ويكون جائزًا كما كان الرهن في العين جائزًا، وكون قبض الدين هو المانع من صحة رهن الدين مختلف فيه، كما تقدم عند الكلام في رهن الدين، وبتقدير تسليمه، فهو مشترك بين ما قبل القبض وبعده، فلا يظهر الفرق به.
وقد تقدم في رهن الدين ابتداء، خلاف فإن جوَّزناه فلا إشكال هنا في وصفه بالرهن، وإن منعناه وهو الصحيح المنصوص، فالعذر ها هنا أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وسبب ذلك هنا أن بدل المتلف أقيم شرعًا مقامه، فوجب أن تجري عليه أحكامه.
الثالث: سواء أوصفناه بكونه مرهونًا أم لا، فالقابض له مَن كان الرهن في يده، كما تقدم عن الماوردي، وكذلك يدل عليه كلام غيره، وقد قدمنا من كلام الشافعي ما يقتضيه أيضًا، وما يمكن معارضته به وجمعنا بينهما؛ بأنه إذا ثبت الأرش لم يقبضه غير من كان الرهن في يده، وإذا لم يثبت بأن كانت الجناية موجبة للقصاص ولم يعف عنها، فبدر من عليه الدم بإعطاء البدل عنها للراهن، فأخذه على وجه المصالحة صحَّ ووقع الموقع وتعيَّن بقبضه للأرش، وتعلق حق المرتهن به، فحينئذ يجب ردُّه إلى مَنْ كان الرهن في يده.
стр. 1524
الرابع: هل يحتاج بعد قبضه إلى إنشاء رهن فيه؟
ظاهر كلام الأصحاب أنه لا يحتاج وهو الصواب، وحكى الرافعي (١) في كتاب الوقف وجهين في أن العبد المشترى بقيمة العبد الموقوف المقتول، هل يصير وقفًا بالشراء أم لابد من وقف جديد؟ وقال: إنهما جاريان في بدل المرهون إذا تلف، وبالثاني قطع المتولي.
وقال النووي: "الأصح أنه لا بد من إنشاء الوقف فيه، ووافق المتولي آخرون" (٢). انتهى.
وقد يتوهم من هذا أن الأصح هُنا أنه لا بد من إنشاء رهن، وليس بصحيح، والفرق أن هذا قبل إنشاء الرهن جميع أحكام الرهن ثابتة له، فلا فائدة في الرهن، وهناك قبل الوقف لم يصر وقفًا وإنما استحق لهذه الجهة، وقد يرى الناظر مصلحة في ردِّ ذلك العبد، والوقف في غيره بخلاف ما نحن فيه، وقد تقدَّم بعض ذلك.
الخامس: جناية الراهن على المرهون كجناية الأجنبي، يؤخذ منه أرشها فتوضع رهنًا، ولو جنى عليه عبده الذي ليس بمرهون بيع في الأرش إلَّا أن يفديه، وجناية المرتهن كجناية الأجنبي، وكذلك جناية أبي المرتهن وابنه، ومن كان منه بسبيل، نصَّ عليه في "الأم"، "ولو رهن نصف عبد ثم جنى عليه الراهن، ضمن نصف الأرش، ولو جنى عليه أجنبي فنصفها رهن ونصفها يسلم للسيد، ولو عفا السيد كان عفوه في النصف جائزًا، وعفوه في النصف الذي للمرتهن فيه حقٌّ مردود" (٣). قاله في "الأم".
стр. 1525
السادس: قال الشافعي في "الأم" (١) وفي "البويطي" (٢): "إذا جنى العبد على عبد مرهون، فقال سيد الجاني: أنا أسلم رقبته لجنايته، واختلف الراهن والمرتهن في أخذ رقبة العبد بالجناية، لم يكن ذلك لواحدٍ منهما حتى يجتمعا؛ لأن أصل ما وجب لهما أرش في ثمن رقبة العبد، فلا يحوَّل إلى رقبة غيره إلَّا برضاهما"، كذا في "البويطي".
ولفظه في "الأم": وإذا جنى عبدٌ على عبدٍ مرهونٍ، فأراد سيد الجاني أن يسلمه مسترقًّا بالجناية، لم يكن ذلك على الراهن إلَّا أن يشاء، وإن شاء الراهن ذلك ولم يشأه المرتهن، لم يُجبر على ذلك المرتهن، وكذلك لو شاء ذلك المرتهن ولم يشأ الراهن، لم يُجبر عليه؛ لأن حقهم في رقبته أرش لا رقبة عبد، ورقبة العبد عوض، وكذلك لو شاء الراهن والمرتهن أن يأخذوا العبد بالجناية، والجناية مثل قيمة العبد أو أكثر أضعافًا، وأبى ذلك ربُّ العبد الجاني لم يكن ذلك لهما؛ لأن الحق في الجناية شيء غير رقبته، وإنما تباع رقبته، فيصير في الحق فيها كما يباع الرهن، فيصير ثمنًا يقضي منه الغريم حقَّه" (٣). انتهى.
وهو حكم ظاهر، ويمكن التمسك بإطلاقه للقول الصحيح أنه إذا كان كل منهما مرهونًا يباع، ولا ينقل إلَّا برضاهما كما سبق.
السابع: تقدم أن جناية المرتهن، كجناية الأجنبي، فإذا أخذ منه الأرش أو القيمة؛ وضع رهنًا عند مَنْ كان الرهن عنده، إلَّا أن يكون الجاني هو المرتهن، وكانت الجناية عمدًا، فللراهن نقله، وإذا جنى عبد المرتهن على
стр. 1526
العبد المرهون، فالأرش في رقبته ويصنع به هكذا؛ إذا بيع يكون الأرش المأخوذ من ثمنه عند من كان الرهن عنده.
* * *
стр. 1527
قال:
فصْل: [فيما إن كان المرهون عصيرًا]
وإن كان المرهون عصيرًا فصار في يد المرتهن خمرًا زال ملك الراهن عنه، وبطل الرهن؛ لأنه صار محرمًا لا يجوز التصرف فيه، فزال الملك فيه، وبطل الرهن كالحيوان إذا مات فإن تخللت عاد الملك فيه؛ لأنه عاد مباحًا ويجوز التصرف فيه، فعاد الملك فيه كجلد الميتة إذا دُبغ، ويعود رهنًا؛ لأنه عاد إلى الملك السابق، وقد كان في الملك السابق رهنًا فعاد رهنًا، وإن كان المرهون حيوانًا فمات وأخذ [الراهن] (١) جلده ودبغه فهل يعود الرهن؟ فيه وجهان. قال أبو علي بن خيران: يعود رهنًا، كما لو رهنه عصيرًا فصار خمرًا ثم صار خلًّا، وقال أبو إسحاق: لا يعود الرهن؛ لأنه عاد الملك فيه بمعالجة وأمر أحدثه، فلم يعد رهنًا، بخلاف الخمر، فإنها صارت خلًّا بغير معنًى من جهته.
بذكر مسائل:
الأولى: "يجوز رهن عصير العنب ونحوه؛ لأنه مائع يجوز بيعه، وقال الماسرخسي: "عندي العصير والفواكه الرطبة سواء؛ لأنه إذا ترك تحدث فيه
стр. 1528
الشدة فَيَفْسُدُ". قال الروياني: وهذا لم يقله غيره، ولا يصح؛ لأن العصير يمكن إصلاحه بطرح الخل الذي يمنع الشدة، فيجبر الراهن عليه كما إذا رهن ثمرة رطبة يمكن تجفيفها؛ صحَّ الرهن، وأُجبر على التزام مؤنته، والإنفاق عليه" (١).
الثانية: قال المزني في "المختصر": "قال الشافعي: ولو رهنه عصيرًا حلوًا كان جائزًا، فإن حال إلى أن يصير خلًّا أو مُريَّا أو شيئًا لا يُسكر كثيره، فالرهن بحاله" (٢). انتهى.
وذلك لأنه في الحالة الثانية مملوك، فأشبه الصغير إذا كبر، والمريض إذا برأ.
وقوله: "مُريًّا"، قيل: إنه سهوٌ في النقل وعصير العنب لا يصير مُريًّا.
وقيل: إنه صحيح، وله وجه وهو أن عصير الشعير يستحيل مريًّا، والمسألة في عصير العنب والشعير وغيرهما.
وكذلك إذا طرح في عصير العنب دقيق الشعير ينقلب مُريًّا، وقال في "الأم": "ولو رهنه عصيرًا حلوًا، كان الرهن جائزًا رهنا ما بقي عصيرًا، فإن حال إلى أن يكون خلًّا أو مُزًّا أو شيئًا لا يُسكر كثيره؛ فالرهن بحاله، وإن حال إلى أن يصير مُسكرًا لا يحل بيعُه، فالرهن مفسوخ، فإن صار العصير خمرًا ثم صار خلًّا من غير صنيعة آدمي، فهو رهن بحاله " (٣).
الثالثة: إذا استحال إلى حال يُسكر، فإما أن يكون بعد القبض، وإما أن يكون قبله، الحالة الأولى: أن يكون بعد القبض وهي التي ذكرها
стр. 1529
المصنف، قال الرافعي: "فلا نقول بأنها مرهونة" (١)
وللأصحاب عبارتان؛ قالت شرذمة: يتوقف إن عاد خلًّا بأن الرهن لم يبطل وإلَّا بان أنه بطل، وقال الجمهور: يبطل الرهن لخروجه عن كونه مالًا، ولا خيار للمرتهن إن كان الرهن مشروطًا في بيع لحدوثه في يده، ثم إذا عاد خلًّا يعود الرهن كما يعود الملك.
وحكى القاضي ابن كجٍّ، عن أبي الطيب بن سلمة: أنه يجيء فيه قولٌ أنه لا يعود الرهن إلَّا بعقدٍ جديد، ورأى أنه مذهب أبي حنيفة (٢)، وكأنَّ هذا النقل لم يبلغ القاضي حسين، فقال على سبيل الاحتمال: يجوز أن يُجعل هذا على قياس عود الحِنث، ويخرج منه مثل ذلك الخلاف، والمذهبُ الأوَّلُ (٣)، وهو عود الرهن وتبين بذلك أنهم لم يريدوا ببطلان الرهن اضمحلال أثره بالكلية، وإنما أرادوا ارتفاع حكمه ما دامت الخمرية. انتهى.
وهذا الذي نقله عن أبي الطيب بن سلمة، نقله الجوري عن الربيع صريحًا، فقال: "قال الربيع: وفيه قول آخر، أن الرهن قد انفسخ لما صار خلًّا إلَّا بتجديد رهن". انتهى.
وهذه العبارة من الربيع ليست صريحة في أنه منصوص، وكأنه من تخريجه، وقال الماوردي: "إذا انقلب خمرًا بطل الرهن، فإذا ثبت بطلانه، فمذهب الشافعي ﵀، أن رهنه بطل في الحال التي صار فيها خمرًا، وقد
стр. 1530
كان العقد وقع عليه صحيحًا" (١).
وقال أبو علي بن خيران انقلابه خمرًا يدل على أن العقد عليه وقع باطلًا؛ لأن ظهوره في الزمان الثاني دليل على ابتدائه في الزمان الأول، كما أن السُّكر بالقدح الثاني دليل على ابتدائه بالقدح الأول، وهذا غلط، وإلَّا لوجب إذا بيع العصير فانقلب خمرًا في يد المشتري أن يبطل البيع، وما أحد يقول بهذا.
وفائدة الخلاف شيئان:
أحدهما: إذا عاد خلًّا، فعلى مذهب الشافعي يعود إلى الرهن، وعلى قول ابن خيران: لا.
والثاني: أنه إن كان رهنه مشروطًا في بيع، لم يبطل البيع على قول الشافعي، ولم يكن للمرتهن فسخه، كموت العبد وعلى قول ابن خيران في بطلان البيع قولان؛ أحدهما: باطل، والثاني: جائز وله الخيار.
ولفظ الشافعي: فإن صار العصير خمرًا، ثم صار خلًّا من غير صنعة آدمي، فهو رهن" (٢)، "وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يعود إلى الرهن إلَّا بعقد مُستأنف. قال الماوردي: وهذا قول أبي علي بن خيران" (٣)، وهذه الحكاية عن أبي حنيفة تخالف ما نقله الروياني، فإنه حكى عنه: "أنه إذا تخمر العصير لا يبطل الملك ولا الرهن؛ لأنه يرجى عود نفعه، كما لو ارتد العبد.
وأجاب: بأن الخمر لا يضمن متلفها، ولا يصح التصرف فيها، بخلاف
стр. 1531
المرتد، فإنه يصح التصرف فيه" (١)، وحجة الأصحاب في بطلان الملك والرهن معًا بالتخمر ما ذكره المصنف وتنصيصه على زوال الملك، إما إشارة إلى خلاف أبي حنيفة على ما نقله الروياني.
وإما تنبيه على السبب المقتضي لبطلان الرهن وحجتهم في عود الرهن بالتخلل ما ذكره المصنف، وقد بدأ فيه بعود الملك، وذلك مما لا خلاف فيه، واستدل لعوده رهنًا بعوده إلى الملك السابق وقد كان فيه رهنًا، وفيه إشارة إلى ما قاله الأصحاب، وهو أنه عاد إلى الملك بسبب سابق لا بسبب حادث، فكان كمن مات وترك خمرًا، فاستحال بعد موته خلًّا، فإنه يجب أن تقضى منه ديونه وتنفذ منه وصاياه فلو عاد بسبب حادث لاختص به الورثة ولم يلزمهم قضاء ديونه ولا تنفيذ وصاياه، وإذا عاد إلى الملك بسبب سابق وجب أن يعود إلى الرهن؛ لكونه رهنًا في الملك السابق ولا يحتاج إلى عقد جديد، وإنما يحتاج إلى عقد جديد لو خرج ثم عاد إلى الملك بسبب جديد فإنه حينئذ يكون الملك الثاني غير الأول.
وهنا الملك الثاني هو الأول؛ لأنه من آثار سببه السابق الذي أفاد الملك أولًا، فهذا الذي أشار إليه المصنف بقوله: "عاد إلى الملك السابق".
وفي ذكره أولًا زوال الملك إشارة إلى جواب عن سؤال، وهو أن يقال: "ينبغي إذا بطل الرهن، لم يصح بسبب يحدث؛ كالبيع وغيره من العقود؟ فيُجاب بأن هنا حصل بطلان الرهن تبعًا لبطلان الملك، فيعود تبعًا لعوده، ولما جاز عوده إلى الملك بعد بطلانه، وإن خالف سائر الأملاك جاز عوده إلى الرهن بعد بطلانه وإن خالف سائر العقود" (٢)، هذه عبارة الماوردي،
стр. 1532
وعبَّر الروياني عن هذا الغرض بأن "الرهن هنا انفسخ الزوال الملك، والملك إذا زال زال بحقوقه فإذا عاد عاد بحقوقه، وإذا انفسخ الرهن والملك باقٍ لا يعود إلَّا بعقدٍ جديد" (١).
وعبارة الماوردي: لأن البطلان يوصف به أثر العقد من الملك في البيع والهبة ونحوها، والاستحقاق في الرهن والانفساخ وصف للعقود ومعناه ارتفاعها، ونحن لا نقول: إذا تخمر العصير أنه انفسخ العقد الذي الذي ملكه به، ولكن بطل الملك الذي هو من آثاره والعقد باقٍ، يظهر أثره إذا تخلل، وكذلك عقد الرهن باقٍ، والزائل بالتخمر ما اقتضاه من ثبوت اليد والاستحقاق، وإطلاقنا البطلان عليه ليس إلَّا بهذا المعنى.
ولما كان الرهن يطلق على الاستحقاق أطلقنا أن الرهن بطل، وأما عقد الرهن فما بطل؛ إذ لو بطل لم يعد كما أن عقد البيع على العصير لا نقول: إنه بطل، وإنما هو انقطاع أثره، ألا ترى أن من ورث عصيرًا فتخمر لا يقال: بطل إرثه، وإنما يقال: بطل ملكه الذي هو أثر إرثه، كذلك هُنا، فالإرث والشراء وعقد الرهن كلها سواء في المعنى، ومن فهم هذا المعنى وتحققه لم يحتج أن يقول: إن العقد تبين بطلانه كما قاله ابن خيران، ولا يحتاج أن يقول: إن حكم التخمُّر موقوف إن عاد إلى الخَلِّيَّة، بان أن الرهن لم يبطل وإلَّا تبين بطلانه، وكيف يقال هذا، ونحن إذا عاد إلى الخلِّيَّة لا نقول: تبين لنا أنه كان مملوكًا وقت الخمرية.
والماوردي ﵀ لما فرق بين بطلان الرهن بزوال الملك وبطلانه بغيره قال: "على أن بطلان الرهن لا يكون مُنبرمًا باستحالته خمرًا، وإنما يكون مُراعًى، فإن صار خلًّا، بان أن الرهن لم يبطل، وإن لم يصر خلًّا بان أنه قد
стр. 1533
كان بطل، كما نقول في ارتداد الزوجة، إن النكاح مراعًى، فإن لم تُسلم قبل أن تنقضي العدة بان أن النكاح قد كان باطلًا بالردة، وإن أسلمت قبل أن تنقضي العدة بان أن النكاح لم يبطل بالردة" (١). انتهى.
وهذا منه يدل على أنه أراد بالبطلان في أول كلامه ما بينه في آخره من الوقف، وقد اجتمع في المسألة قولان ووجهان؛ أصحهما: بطلان الرهن بالتخمر وعوده بالتخلل، وهو ظاهر المنصوص.
وثانيهما: بطلانه بالتخمر ولا يعود إلَّا برهن جديد، وهو ما تقدم عن الربيع، والظاهر أنه قول أبي الطيب بن سلمة، وثالثها: أنه موقوف، فإن تخلل بان أنه لم يبطل، وإلَّا بان أنه بطل، ورابعها: أنه بالتخمر بان بطلان الرهن من أصله، وهذا قول ابن خيران، ومن ضرورته ألا يعود الرهن بالتخلل.
فرع
فرَّعه أبو العباس على مسألة العصير وهو أنه لو كان له عند رجل ألف برهن، فصالحه على طعام، صح وبرئت ذمته عن الألف وانفكَّ الرهن، ومن شرط هذا الصلح القبض قبل التفرق على خلاف فيه أو التعيين، فإن تفرقا قبله بطل الصلح وبرئ من الطعام وعاد الألف برهنه، كالعصير إذا صار خلًّا، قال الروياني: "قال والدي ﵀: ولو قبضه قبل التفرق، ثم تقايلا صحت الإقالة، وتعود الدراهم إلى ذمته ولا يعود الرهن، ويحتمل أن يقال: يعود، ولو أخذ الرهن على الطعام ثم تفرقا قبل القبض بطل الصلح، وبرئ من الطعام وبطل الرهن به، وعادت الدراهم إلى الذمة برهنها " (٢).
стр. 1534
الحالة الثانية: أن يكون تخمُّره قبل القبض، ففي بطلان الرهن البطلان الكلي وجهان؛ أحدهما: نعم؛ لاختلال المحل في حال ضعف الراهن وجوازه.
والثاني: لا، كما لو تخمر بعد القبض.
وبالأول جزم ابن الصباغ (١)، والروياني (٢)، والعمراني (٣)، ولكن صحح الرافعي في "المحرر" (٤)، والنووي في "الروضة" (٥) الثاني.
وقال الرافعي في "الشرح": إن قضية إيراد الأئمة ترجيحه؛ لأنهم قرنوا هذا الخلاف من الخلاف في صورة عروض الجنون، أو بنوه عليه، فقالوا: إن ألحقنا الرهن بالوكالة بطل بعروض الجنون وانقلابه خمرًا قبل القبض، وإن ألحقناه بالبيع الجائز لم يبطل، وقد مرَّ أن الثاني أظهر" (٦).
قلتُ: والخلاف فيما إذا عرض الجنون ضعيف جدًّا، إنما قال بالبطلان أبو إسحاق، وقد تقدَّم أنه رجع عنه، فكذلك الخلاف هُنا أقوى منه هناك، وإن كان الإمام قرَّبه منه.
قال ابن الرفعة: "ويشبه أن يكون أصل الوجهين ما إذا غصب عصيرًا، فصار خمرًا، ثم صار خلًّا، فالخل للمغصوب منه، وهل يلزم الغاصب مثل العصير؛ لأنه بانقلابه خمرًا زالت المالية فيه، وعوده خلًّا نعمة من الله تعالى جديدة أو أرش النقص؛ لأنه غير العصير؟ فيه وجهان يقربان من
стр. 1535
الخلاف في الزائل والعائد وأصله الخلاف في عود الحنث، والخلاف في الانفساخ عند موت الراهن يجوز أن يبنى على أن الوارث هل يبني على حول الموروث، إن قلنا: لا كما هو الجديد بطل، وإلَّا فلا، ويؤيده أن النصوص في الجديد بطلان الرهن بموت الراهن، وإن كان الأصح خلافه" (١).
قلتُ: قوله الأصح خلافه صحيح على ما هو المشهور عند الأصحاب، ولكني أنا قوَّيت مما تقدم بطلان الرهن بموت الراهن دون المرتهن؛ لأنه لا فائدة في بقاء الرهن بعد موت الراهن، وهذه العلة غير موجودة هنا؛ فلذلك الأصح هنا عدم البطلان الكلي بالتخمر، ومن المعلوم أن محل الوجهين فيما قبل القبض إذا قلنا: بعد القبض لا يبطل بالتخمر، إما إذا قلنا: يبطل ولا يعود الرهن فيه فهنا أولى.
فرع
قال في "التهذيب": "وعلى الوجهين لو كان الرهن مشروطًا في بيع، ثبت الخيار للمرتهن؛ لأن الخل دون العصير" (٢).
فرع
"ولا يصح الإقباض في حال الخمرية، فلو فعل وعاد خلًّا فعلى الوجه الثاني القائل بأنه لا يبطل الرهن، وهو الأصح: لا بد من استئناف قبض، وعلى الأول القائل بالبطلان: لا بد من استئناف عقد، ثم القبض فيه على ما ذكرنا فيما إذا رهن من الإنسان ما في يده" (٣)، هكذا قال الرافعي رحمه لله.
وقوله: ثم القبض على ما ذكر في رهن ما في يده، يعني: إذا استأنف
стр. 1536
العقد تفريعًا على الوجه القائل بالبطلان، أما على الوجه الأصح وأنه لا يحتاج إلى عقدٍ بل إلى قبضٍ فلا؛ لأنه تقدم الرهن على كونه في يده فلا بد من قبض صحيح، وبيان ذلك أنا إذا قلنا: لا يحتاج إلى عقدٍ فرد الخل إلى الراهن ثم قبضه بإذنه صح، وإن لم يرده، وقال له الراهن: اقبضه. خرَّجه الأصحاب على اتحاد القابض والمقبض، فيكون الأصح أنه لا يصح القبض، ولو لم يقل: اقبضه، ولكن قال: أمسكه لنفسك. قال الأصحاب: لا يصح.
وقال صاحب "التقريب": يتخرج على رهن الإنسان ما في يده، وظاهر هذا التخريج أنه مطَّردٌ في قوله: اقبضه، وفي قوله: أمسكه.
أما في قوله: "اقبضه"، فلأنه تصريح بالإذن في القبض، فإذا كنَّا نجعل رهنه ما في يده متضمنًا للإذن في قبضه، ونكتفي به على قول فَلأن نكتفي بإذنه الصريح في القبض، ونجعله إقباضًا بطريق الأَوْلى، وإذا جعلناه إقباضًا، فيكون حكمه في القبض حكم ما لو رهنه شيئًا في يده، وأذن له فيه، هل يصح القبض بمجرد ذلك، أو يفتقر إلى مضي زمانٍ، أو يحتاج مع ذلك إلى زيادة من نقلٍ أو وصول إليه على ما شرحناه في موضعه.
وأما في قوله: "امسكه". فلأنهم اتفقوا فيما إذا قال الراهن للمرتهن: بع هذا إليَّ ثم استوفِ الثمن لي، ثم امسكه لنفسك. أنه إذن في الإقباض، ولكن هل يكفي الإمساك أو لا بد من إحداث فعل، كما لو قال: ثم استوفه لنفسك؟
على وجهين قدمناهما، أصحهما عند الإمام (١) التالي، ثم تتخرج بعد ذلك على اتحاد القابض والمقبض، وإذا كان الإذن في الإمساك، كالإذن
стр. 1537
في القبض في كونه إقباضًا من جهة الراهن، وإن توقف القبض على شيء آخر، فكذلك ها هنا يكون الإذن في الإمساك إقباضًا، فيجري فيه خلاف اتحاد القابض والمقبض، وعُذر الأصحاب في قطعهم بأن الإذن في الإمساك يكفي في الإقباض فيما إذا قال: بع واستوفِ لي، ثم امسك لنفسك.
وقولهم أو قول من قال منهم هنا وهو الغزالي: إن الإذن في الإمساك لا يكفي في الإقباض أنه هنا كان ممسكًا بقبض فاسد، فالإذن في الإمساك إذنٌ في البقاء على الفاسد، فلا يصح، وهناك الإذن قبل القبض فلا محمل له إلَّا أنه أراد بالإمساك القبض، وعُذْر الأصحاب في تخريجهم الإذن في القبض هنا على اتحاد القابض والمقبض، وإن لم يخرجوه فيما إذا رهن منه شيئًا في يده بل جزموا بالصحة أنه لما ورد العقد هناك على ما في يده اكتفي بالاستدامة، وجعلنا الدوام كالابتداء، وهنا لما تقدم العقد ووجب القبض ابتداءً، حقيقة لم يكتف فيه بالاستدامة هذا كله إذا قلنا: لا يحتاج إلى عقدٍ وهو الأصح.
فإن قلنا: يحتاج إلى عقد، فإذا أنشأ العقد، وهو في يد المرتهن، فحكمه في القبض حكم ما لو رهنه شيئًا في يده، ففي قول يصير مقبوضًا بمجرد ذلك.
والصحيح: أنه لا بد من إذن ومضى زمان وفي اشتراط الوصول إلى العين خلاف، كل ذلك تقدم شرحه وقلنا هُناك: إنه لا صائر إلى وجوب ردِّه إلى الراهن ثم قبضه، وكذا هنا على هذا القول، بخلاف ما إذا قلنا: العقد باقٍ.
والفرق بينهما ما تقدمت الإشارة إليه، أنه عند ورود العقد على ما في يده
стр. 1538
يكتفي باستدامتها بالإذن على قولٍ، وبصورة القبض مع استدامتها على قول، وهو النهاية، وأما هُنا إذا ورد العقد وليس في يد المرتهن، فلا بد من حقيقة النقل من يد الراهن إلى يد المرتهن.
واعلم أنا قدمنا عن العراقيين في رهن الإنسان ما في يده، أنهم جازمون بعدم اشتراط النقل، وإنما اشترطه بعض المراوزة، ولم يصرح هناك بأنه يشترط مع النقل التقدير، كالكيل في المكيل والوزن في الموزون، ولا بد منه على ذلك الوجه إذا رهنه بالكيل أو الوزن، وقد صرَّح صاحب "البيان" في قبض الرهن بأنه "إن كان صُبرةً جُزافًا قبضها جزافًا، وإن كانت بكيل أو وزن، فلا بد من قبضها من الكيل أو الوزن كما في البيع" (١)، وكذلك يقتضيه كلام غيره، فعرفنا هذا أنا حيث اشترطنا صورة القبض فيما إذا رهنه ما في يده، لا بد من النقل والتقدير في المقدَّر، لكن العراقيون مطبقون على أنه لا يشترط النقل فضلًا عن التقدير.
والرافعي (٢) صحح أنه لا يشترط المصير إليه فضلًا عن اشتراط نقله وتقديره، فعُلم بهذا أنه لا يشترط فيما في يده نقل ولا تقدير، وقد قلنا: فيما إذا قال: بعه واستوفِ الثمن لي، ثم استوفه لنفسك. أنه لا بدَّ من وزن أو كيل جديدٍ ثم بعد ذلك يخرج على اتحاد القابض والمقبض.
فأما تخريجه على اتحاد القابض والمقبض فصحيح، وقد مرَّ الكلام عليه وأما كونه لا بدَّ من كيل أو وزن، فتبعنا فيه الرافعي وغيره من المراوزة، وفيه نظر، يحتمل أن يقال: إنه لا يشترط بل يكتفي في الاستدامة من غير نقل، كما قاله العراقيون والرافعي في رهن ما في يده.
ويحتمل أن يُفرق بأن هناك اغتفر؛ لكونه في ضمن عقدٍ كما أشرنا إليه،
стр. 1539
وهنا مقصود فلا بد من صورة القبض، وهذا هو الأقرب، والاحتمال هنا أقوى منه في تخمر العصير؛ لأن أصل القبض هنا صحيح، فقرب من رهنه ما في يده، وهناك القبض فاسد.
هذا زبدة ما حصل لي من فهم كلام الأصحاب في هذا الفرع، وقد وقع فيه اضطراب في النقل عن صاحب "التقريب" وفي فهمه، والذي ذكرته هو الذي اخترتُه من ذلك، ولكن لا بد من ذكر ما ذكروه بنصه لأؤدي الأمانة فيه، ولتعلمَ وجه التصرف فيه.
فنقول: قال الغزالي: "إن قلنا: لا ينفسخ به قبل القبض بل إذا عاد خلًّا عاد الرهن كما بعد القبض، فلو أقبض وهو خمر فالقبض فاسد، فلو صار خلًّا فقال: امسكه لنفسك. لم يكف ولو قال: اقبضه لنفسك. فيكون هو القابض والمقبض، وفي مثله خلاف في البيع، هكذا قال الأصحاب.
قال صاحب "التقريب": ينبغي أن يكون هذا كالإذن للمودع بعد الرهن منه؛ إذ لا فرق بينهما" (١)، هذا كلامه في "الوسيط".
وقال في "البسيط": "لو قال: اقبضه لنفسك واجر مع نفسك. ما هو صورة القبض؟ فقد ذكرنا خلافًا في مثله في القبض، ولو قال: امسكه لنفسك. فهذا هل يكون إقباضًا؟ قال الأصحاب: لا يكون إقباضًا، وخرَّج صاحب "التقريب" هذا على أن مجرد الرهن هل يكون إقباضًا؟ ". انتهى.
وقال الإمام: "القبض في حال الشدة لا يُفيد، ولابد من إقباض بعد الحموضة، وإن كان لنا فيما إذا ورد العقد على يدٍ في جعل العقد متضمنًا للإذن في القبض كلام؛ لأنا نحاول إثبات قبض مجرد على يدٍ مستدامة، فلا بد من إقباض من طريق الصورة، فلو قال: اقبضه لنفسك. ففيه خلاف
стр. 1540
قدمته في البيع، ولو قال: امسكه لنفسك. لم يكن إقباضًا، وإذا جوزنا له أن يقبض لنفسه بنفسه، فلا بد من صورة يجريها بيع مثلها قبضًا ابتداء.
وذكر صاحب "التقريب" أن الإذن في الإمساك، واليد دائمة يخرج على أن العقد هل يتضمن إقباضًا؟ ثم رجح فقال: هذا أولى، فإنه تعرض لنفس القبض، فإذا كنا نجعل ضمن العقد إقباضًا؛ فلأن نجعل الإذن في الإمساك إقباضًا أولى، قال الإمام: وهذا قياس لستُ أنكره، ولكن صرَّح الأئمة بخلافه" (١).
قال ابن الرفعة: وبين كلام "الوسيط" وما قاله الإمام بَوْنٌ عظيم.
قال ابن الرفعة: والذي أورده الرافعي فيما نحن فيه أنَّا إذا قلنا: لا يبطل الرهن فلا بدَّ من استئناف قبض، ثم هو على ما ذكرناه فيما إذا رهن من إنسان ما في يده، وذلك في الحقيقة جرى على ما قال صاحب "التقريب" فيما حكاه عنه في "الوسيط" (٢).
قلتُ: وقد تقدم حكاية كلام الرافعي، وليس فيه ما يقتضي ما قاله ابن الرفعة، فتأمَّلْهُ.
قال ابن الرفعة: فإن قلتَ: الخلاف في اتحاد القابض والمقبض في البيع، ليس فيما إذا كان المبيع من ثمن أو مثمن معينًا، بل إنما هو فيما في الذمة والرهن هنا مُعين.
قلتُ: صحيح، لكن لما كان القبض هنا لا يسوغ إلَّا بإذن وهو المحصل للمقصود نُزِّل منزلة قبض المبيع في الذمة؛ لأنه لا يتعين الملك فيه إلَّا بإقباض، وأيضًا، فإن القبض في الرهن نازل كما سلف عن الإمام (٣) منزلة
стр. 1541
مصراعي العقد، والخلاف في اتحاد العاقد مشهور، بل الأصح منعه، فكذا ينبغي أن يكون ها هنا والْمَحَنَّ أن في هذا الفرع مواضع:
منها: اتفاق الأصحاب على صحة قوله: بعه لي ثم اقبضه لي، ثم أمسكه لنفسك. وقولهم هنا: أمسكه. لا يصح.
ومنها: عدم اشتراط أكثرهم النقل، فيما إذا رهنه ما في يده، وأذن له في قبضه، واشتراطهم إياه فيما إذا قال: بعه ثم اقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك.
ومنها: قول الرافعي (١) ثم هو جعله ابن الرفعة عائدًا على ما إذا قلنا: لا يبطل الرهن، وإنما هو إذا قلنا: يبطل واستأنف عقدًا.
ومنها: تحقيق قول صاحب "التقريب": فرع: لو انقلب المبيع خمرًا قبل القبض، فالكلام في انقطاع البيع، وعوده إذا عاد خلًّا على ما ذكرناه في انقلاب العصير المرهون خمرًا بعد القبض، هذا هو المذهب، وبه قال الأكثرون، ويوافقه نقل القاضي حسين عن النص أن البيع يعود صحيحًا، وقطع جماعة من العراقيين منهم صاحب "الشامل"، فإنه يبطل البيع، وفرقوا بينه وبين الرهن بعد القبض بأن الرهن عاد تبعًا لملك الراهن، وهنا يعود (٢) ملك البائع لعدم البيع، ولا أن يصح يبيع ملك المشتري، ووافقه الروياني (٣).
قلتُ: قوله:" يعود ملك البائع لعدم البيع". فيه نظر، فإنَّا نمنع عود ملك
стр. 1542
البائع ونمنع عدم العقد، وإنما نقول بالتخمر زال ملك المشتري مع بقاء العقد، فإذا تخلل عاد ملك المشتري بمقتضى البيع من غير أن نقدر عوده إلى ملك البائع، فالحق تخريجه على الرهن بعد القبض، فإن العلقة في الرهن بعد القبض باقيةً، وهي أن يباع في الدين، والعلقة في البيع قبل القبض ثابتة، وهي وجوب التسليم.
فرع
لو جنى المرهون قبل القبض وتعلق الأرش برقبته وقلنا: رهن الجاني ابتداء فاسد، ففي بطلان الرهن وجهان؛ كتخمر العصير، وهنا أولى بعدم البطلان؛ لدوام الملك في الجاني، وفي "التهذيب" (١) أنه يبطل الرهن في الأصح كما لو جنى قبل الرهن، فإن كان مراده البطلان الكلي فهو خلاف ما قدمنا تصحيحه في تخمر العصير، ومقتضى ما صححناه هناك أنه هنا إذا فُدي ولم يُبع في الجناية يعود الرهن أو نقول: إنه مستمرٌ، وهو الأولى، وإن كان مراده البطلان كما في العصير إذا تخمَّر فصحيح، وهو موافق لما قلناه.
فرع
إباق المرهون قبل القبض قال الإمام يُخرَّج على وجهين؛ لأنه انتهى إلى حالة بمنع ابتداء الرهن، قال النووي: "أصحهما: لا يبطل، وصححه في "المحرر"" (٢).
المسألة الرابعة:
إذا كان المرهون حيوانًا يطهر جلده بالدباغ، فمات بعد القبض فدبغ
стр. 1543
جلده، فوجهان؛ أحدهما و به قال ابن خيران، واختاره القاضي الروياني (١): أنه يعود الرهن كما إذا انقلبت الخمر خلًّا.
وأصحهما وبه قال الأكثرون: لا يعود؛ لأن ماليته مخلوقة بالصبغة والمعالجة، وليس العائد ذلك الملك، وهذا قول أبي إسحاق فيما حكاه المصنف، والمحاملي، والبغوي (٢)، والروياني (٣)، وأما الماوردي (٤)، فإنه نقله عن ابن أبي هريرة، ونقل الوجه الأول عن أبي إسحاق.
وقد تقدم نقل الماوردي عن ابن خيران أن بانقلاب العصير خمرًا يبين بطلان الرهن، فلم يحصل في نقل الماوردي عن ابن خيران منافاة، وأما إذا ضَمَمنا ما نقله الماوردي إلى ما نقله المصنف عنه فيعسر الجمع بينهما؛ لأنه على نقل الماوردي يقول: تبيين البطلان بالتخمر، وعلى نقل المصنف ومن وافقه نقول: يعود إلى الجلد بالدباغ، ومن ضرورة ذلك أن العقد باقٍ في الشاة الميتة، ومتى بقي في الميتة بقي في الخمر، فالقول بارتفاعه تبينا في العصير إذا تخمر، وببقائه في الحيوان إذا مات حتى يعود بالدباغ لا يجتمعان، وقد حاول ابن الرفعة الجمع بينهما بأن يكون قال ما قاله في الحيوان إذا مات ودُبغ جلده تفريعًا على المذهب لا على رأيه، ويكون قوله في أنه يتبين البطلان رأيًا له.
والماوردي لما حكى "عن أبي حنيفة أنه لا يعود الرهن في الخل إلَّا بعقد مستأنف، وأنه قول ابن خيران استدل له بأشياء؛ منها: أن جلد الشاة المرهونة إذا دبغ بعد الموت لا يعود إلى الرهن، ثم أجاب بأن فيه وجهين؛
стр. 1544
فإن قلنا: يعود سقط السؤال، وإلَّا فالفرق ظاهر" (١).
فرع
محل الاختلاف في عود الرهن والاتفاق على عود الملك إلى المالك إذا كان هو الدابغ أو وكيله، أما إذا دبغه المرتهن بغير إذنه، قال الجوري: احتمل أن يكون ملكًا للراهن ويخرج من الرهن، وهذه الصورة تدخل في كلام غيره، ويأتي فيها وجهان؛ أحدهما: أنه ملك المرتهن، فعلى هذا يخرج من الرهن.
وأصحهما: أنه ملك الراهن، فعلى هذا في عود الرهن الوجهان، وإنما قلتُ ذلك؛ لأن الأصحاب قالوا: إذا أخذ جلد ميتة لغيره بغصب أو غيره فدبغه فوجهان، قال أبو إسحاق: يكون ملكًا لمالكه، الأول دون الدابغ كالخمر إذا استحالت خلًّا.
وقال ابن أبي هريرة: يكون ملكًا للدابغ؛ لأنه ملك بإحداث فعل، قال وعلى هذين الوجهين عوده إلى الرهن.
قلتُ: في البناء نظر؛ لأن الأصح أنه لا يكون ملكًا للدابغ، بل يجب عليه رده، والأصح أنه لا يعود إلى الرهن، وكأن الفرق أن إحداث الدباغ لم يقو على قطع سبب الملك بالكلية، وقوي على قطع سبب الرهن لضعفه، وذكر القاضي حسين فيما لو غصبَ خمرًا، فانقلب خلًّا في يديه أو جلد ميتة فدبغه، أربعة أوجه:
أحدها: يردهما على المغصوب منه.
والثاني: لا يردهما.
والثالث: يرد الخمر دون الجلد، والفرق ما سبق.
стр. 1545
والرابع: يرد الجلد دون الخمر؛ لأن الخمر لا يحل إمساكه للمعالجة بخلاف الجلد.
فرع
لو كان له خمرٌ، فأراقها، فجمعها رجل، فصارت خلًّا في يده أو وُهِبَ خمرًا من رجل، فصارت خلًّا في يد الموهوب له، فلمن يعود الملك؟ وجهان؛ أحدهما: إلى الأول؛ لأنه لا يد للثاني عليها، فإن يده لا تقرُّ عليها، فصار كما لو غصبها من الأول فصارت خلًّا في يده تكون للمغصوب منه، وهذا ظاهر المذهب.
والثاني: يعود إلى الثاني؛ لأن الأول قد رفع يده عنه، وقد حصل في يد الثاني، فإذا عاد ملكه كان صاحب اليد أولى به، كما لو ماتت شاةٌ فألقاها في مزبلة فجاء إنسان ودبغ جلدها كان له، وليس كمسألة الغصب؛ لأن يد الثاني بغير حق، فلا تصير ملكًا له، وهكذا في مسألة جلد الميتة لو ألقاها صاحبها، فجاء رجل وأخذ الجلد، ودبغه كان له بخلاف ما لو غصبه.
قال الروياني: "وهذا أصح عندي، ويد الثاني تثبت عليها حين رفع الأول يده عنها، وهذا إذا حلَّ له هذا الفعل لغرض صحيح، فأما إذا حرم عليه جمع الخمر فيده لا تثبت عليها ولا يملك بذلك" (١)، قاله الروياني في "البحر".
وقال الجوري: إذا أريقت، فابتدر إليها ذميٌّ، فتخللت عنده تكون ملكًا له دون الراهن والمرتهن.
* * *