← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

مصراعي العقد، والخلاف في اتحاد العاقد مشهور، بل الأصح منعه، فكذا ينبغي أن يكون ها هنا والْمَحَنَّ أن في هذا الفرع مواضع: منها: اتفاق الأصحاب على صحة قوله: بعه لي ثم اقبضه لي، ثم أمسكه لنفسك. وقولهم هنا: أمسكه. لا يصح. ومنها: عدم اشتراط أكثرهم النقل، فيما إذا رهنه ما في يده، وأذن له في قبضه، واشتراطهم إياه فيما إذا قال: بعه ثم اقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك. ومنها: قول الرافعي (١) ثم هو جعله ابن الرفعة عائدًا على ما إذا قلنا: لا يبطل الرهن، وإنما هو إذا قلنا: يبطل واستأنف عقدًا. ومنها: تحقيق قول صاحب "التقريب": فرع: لو انقلب المبيع خمرًا قبل القبض، فالكلام في انقطاع البيع، وعوده إذا عاد خلًّا على ما ذكرناه في انقلاب العصير المرهون خمرًا بعد القبض، هذا هو المذهب، وبه قال الأكثرون، ويوافقه نقل القاضي حسين عن النص أن البيع يعود صحيحًا، وقطع جماعة من العراقيين منهم صاحب "الشامل"، فإنه يبطل البيع، وفرقوا بينه وبين الرهن بعد القبض بأن الرهن عاد تبعًا لملك الراهن، وهنا يعود (٢) ملك البائع لعدم البيع، ولا أن يصح يبيع ملك المشتري، ووافقه الروياني (٣). قلتُ: قوله:" يعود ملك البائع لعدم البيع". فيه نظر، فإنَّا نمنع عود ملك

стр. 1542

البائع ونمنع عدم العقد، وإنما نقول بالتخمر زال ملك المشتري مع بقاء العقد، فإذا تخلل عاد ملك المشتري بمقتضى البيع من غير أن نقدر عوده إلى ملك البائع، فالحق تخريجه على الرهن بعد القبض، فإن العلقة في الرهن بعد القبض باقيةً، وهي أن يباع في الدين، والعلقة في البيع قبل القبض ثابتة، وهي وجوب التسليم. فرع لو جنى المرهون قبل القبض وتعلق الأرش برقبته وقلنا: رهن الجاني ابتداء فاسد، ففي بطلان الرهن وجهان؛ كتخمر العصير، وهنا أولى بعدم البطلان؛ لدوام الملك في الجاني، وفي "التهذيب" (١) أنه يبطل الرهن في الأصح كما لو جنى قبل الرهن، فإن كان مراده البطلان الكلي فهو خلاف ما قدمنا تصحيحه في تخمر العصير، ومقتضى ما صححناه هناك أنه هنا إذا فُدي ولم يُبع في الجناية يعود الرهن أو نقول: إنه مستمرٌ، وهو الأولى، وإن كان مراده البطلان كما في العصير إذا تخمَّر فصحيح، وهو موافق لما قلناه. فرع إباق المرهون قبل القبض قال الإمام يُخرَّج على وجهين؛ لأنه انتهى إلى حالة بمنع ابتداء الرهن، قال النووي: "أصحهما: لا يبطل، وصححه في "المحرر"" (٢). المسألة الرابعة: إذا كان المرهون حيوانًا يطهر جلده بالدباغ، فمات بعد القبض فدبغ

стр. 1543

جلده، فوجهان؛ أحدهما و به قال ابن خيران، واختاره القاضي الروياني (١): أنه يعود الرهن كما إذا انقلبت الخمر خلًّا. وأصحهما وبه قال الأكثرون: لا يعود؛ لأن ماليته مخلوقة بالصبغة والمعالجة، وليس العائد ذلك الملك، وهذا قول أبي إسحاق فيما حكاه المصنف، والمحاملي، والبغوي (٢)، والروياني (٣)، وأما الماوردي (٤)، فإنه نقله عن ابن أبي هريرة، ونقل الوجه الأول عن أبي إسحاق. وقد تقدم نقل الماوردي عن ابن خيران أن بانقلاب العصير خمرًا يبين بطلان الرهن، فلم يحصل في نقل الماوردي عن ابن خيران منافاة، وأما إذا ضَمَمنا ما نقله الماوردي إلى ما نقله المصنف عنه فيعسر الجمع بينهما؛ لأنه على نقل الماوردي يقول: تبيين البطلان بالتخمر، وعلى نقل المصنف ومن وافقه نقول: يعود إلى الجلد بالدباغ، ومن ضرورة ذلك أن العقد باقٍ في الشاة الميتة، ومتى بقي في الميتة بقي في الخمر، فالقول بارتفاعه تبينا في العصير إذا تخمر، وببقائه في الحيوان إذا مات حتى يعود بالدباغ لا يجتمعان، وقد حاول ابن الرفعة الجمع بينهما بأن يكون قال ما قاله في الحيوان إذا مات ودُبغ جلده تفريعًا على المذهب لا على رأيه، ويكون قوله في أنه يتبين البطلان رأيًا له. والماوردي لما حكى "عن أبي حنيفة أنه لا يعود الرهن في الخل إلَّا بعقد مستأنف، وأنه قول ابن خيران استدل له بأشياء؛ منها: أن جلد الشاة المرهونة إذا دبغ بعد الموت لا يعود إلى الرهن، ثم أجاب بأن فيه وجهين؛

стр. 1544

فإن قلنا: يعود سقط السؤال، وإلَّا فالفرق ظاهر" (١). فرع محل الاختلاف في عود الرهن والاتفاق على عود الملك إلى المالك إذا كان هو الدابغ أو وكيله، أما إذا دبغه المرتهن بغير إذنه، قال الجوري: احتمل أن يكون ملكًا للراهن ويخرج من الرهن، وهذه الصورة تدخل في كلام غيره، ويأتي فيها وجهان؛ أحدهما: أنه ملك المرتهن، فعلى هذا يخرج من الرهن. وأصحهما: أنه ملك الراهن، فعلى هذا في عود الرهن الوجهان، وإنما قلتُ ذلك؛ لأن الأصحاب قالوا: إذا أخذ جلد ميتة لغيره بغصب أو غيره فدبغه فوجهان، قال أبو إسحاق: يكون ملكًا لمالكه، الأول دون الدابغ كالخمر إذا استحالت خلًّا. وقال ابن أبي هريرة: يكون ملكًا للدابغ؛ لأنه ملك بإحداث فعل، قال وعلى هذين الوجهين عوده إلى الرهن. قلتُ: في البناء نظر؛ لأن الأصح أنه لا يكون ملكًا للدابغ، بل يجب عليه رده، والأصح أنه لا يعود إلى الرهن، وكأن الفرق أن إحداث الدباغ لم يقو على قطع سبب الملك بالكلية، وقوي على قطع سبب الرهن لضعفه، وذكر القاضي حسين فيما لو غصبَ خمرًا، فانقلب خلًّا في يديه أو جلد ميتة فدبغه، أربعة أوجه: أحدها: يردهما على المغصوب منه. والثاني: لا يردهما. والثالث: يرد الخمر دون الجلد، والفرق ما سبق.

стр. 1545

والرابع: يرد الجلد دون الخمر؛ لأن الخمر لا يحل إمساكه للمعالجة بخلاف الجلد. فرع لو كان له خمرٌ، فأراقها، فجمعها رجل، فصارت خلًّا في يده أو وُهِبَ خمرًا من رجل، فصارت خلًّا في يد الموهوب له، فلمن يعود الملك؟ وجهان؛ أحدهما: إلى الأول؛ لأنه لا يد للثاني عليها، فإن يده لا تقرُّ عليها، فصار كما لو غصبها من الأول فصارت خلًّا في يده تكون للمغصوب منه، وهذا ظاهر المذهب. والثاني: يعود إلى الثاني؛ لأن الأول قد رفع يده عنه، وقد حصل في يد الثاني، فإذا عاد ملكه كان صاحب اليد أولى به، كما لو ماتت شاةٌ فألقاها في مزبلة فجاء إنسان ودبغ جلدها كان له، وليس كمسألة الغصب؛ لأن يد الثاني بغير حق، فلا تصير ملكًا له، وهكذا في مسألة جلد الميتة لو ألقاها صاحبها، فجاء رجل وأخذ الجلد، ودبغه كان له بخلاف ما لو غصبه. قال الروياني: "وهذا أصح عندي، ويد الثاني تثبت عليها حين رفع الأول يده عنها، وهذا إذا حلَّ له هذا الفعل لغرض صحيح، فأما إذا حرم عليه جمع الخمر فيده لا تثبت عليها ولا يملك بذلك" (١)، قاله الروياني في "البحر". وقال الجوري: إذا أريقت، فابتدر إليها ذميٌّ، فتخللت عنده تكون ملكًا له دون الراهن والمرتهن. * * *

стр. 1546

فائدة: تقدم نقل المصنف وجماعة عن أبي إسحاق: أن جلد الميتة لا يعود رهنًا. قال الروياني: "قال أبو الطيب الساوي: قيل لأبي إسحاق: ما تقول في شاة ماتت، فغصبها غاصب ودبغَ جلدها، هل يملكه الغاصب؟ فقال: لا أقول إن الغاصب يملكه بما استحدثه من الدباغ. فقيل له: يلزمك أن تقول: الملك للغاصب، قال: الفرق أن فعل الغاصب لا حكم له؛ لأن يده ليست بحق، فوجوده كعدمه، كما لو غصب من رجُلٍ كلبًا غير مُعلَّمٍ وعلَّمه كان الأول أحق به. فقيل له: قد قال الشافعي: إذا تحجر مواتًا فأحياه غيره فالملك للثاني، وإن كان يد الأول بحقٍّ، قال: يد المتحجر لم تستند إلى ملكٍ سابق، فلما وجد سبب الملك من الثاني أبطله، ويدُ صاحب الشاة استندت إلى ملك سابق فكانت أقوى، وكان أحق بالملك من الثاني. قال أصحابنا: هذا الذي ذكره دليل عليه؛ لأن يد الراهن مستندة إلى ملك سابق. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يزول ملك الراهن عن الجلد بالموت، ولا يبطل حق المرتهن عن الجلد، وإذا دبغ؛ فهو مرهون" (١). فرع "أشار في "المختصر" (٢) - في هذا الموضع - إلى منع التخليل، فتأسى به أكثر الأصحاب وذكروا مسائله هنا، والمصنف ذكرها في باب إزالة النجاسات، ونحن لا نرى إخلاء هذا الموضع منها، فنقول:

стр. 1547

الخمر قسمان: محترمة، وغير محترمة، وفسروا المحترمة بما عُصر لقصد الخلِّية، وغير المحترمة بما عُصر لقصد الخمرية، وسأفرد فرعًا لتحقيق ذلك، واستدلوا لكون القسم الأول محترمًا بأن اتخاذ الخل جائز بالإجماع، ولن ينقلب العصير على الحموضة إلَّا بتوسط الشدة، ولو لم تحترم وأريقت في تلك الحالة لتعذر إيجاد الخل، وفي القسمين المحترمة وغير المحترمة أحكام نرسمها في ضمن فروع. أحدها: تخليل الخمر بطرح العصير، أو الخل، أو الخبز الحار، أو الملح، أو نحوه فيها حرامٌ، والخل الحاصل نجس، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: يجوز تخليلها، والخل الحاصل طاهر. وعن مالك روايتان؛ إحداهما: كمذهبنا. والأخرى: أنه مكروه. ولكنه لو فعل حلَّ. قال الشافعي في رواية أبي سعيد (١): "ولا تحل الخمر عندي - والله أعلم - أبدًا إذا أُفسدت بعمل آدمي" (٢). لنا ما روى مسلم (٣) ﵀ في "صحيحه" من حديث أنسٍ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تُتخذ خلًّا، قال: "لّا". وفي "سنن أبي داود" (٤) عن أنس، أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتامٍ ورثوا خمرًا، قال: "أَهْرِقْهَا"، قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: "لا". ورواه

стр. 1548

الترمذي أيضًا" (١). وروى البيهقي (٢) عن أسلم مولى عُمر، عن عمر ﵁ قال: لا تشرب خلَّ خمرٍ أُفسدت؛ حتى يبدأ الله فسادها، فعند ذلك يطيب الخل. وفي رواية أخرى: أن عمر أُتيَ بالطَّلا وهو بالجابية، وهو يومئذ يطبخ، وهو كعقيد الرُّب، فقال: إن في هذا لشرابًا ما انتهينا إليه، ولا يشرب خل خمر فسدت، حتى يبدي الله فسادها، فعند ذلك يطيب الخل، ولا بأس على امرئٍ إن ابتاع خلًّا وجده أهل الكتاب، ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها (٣). قوله: أُفسدت، يعني: عولجت (٤)، قال البيهقي: ولا نعلم أحدًا من الصحابة خالفه، استدلت الحنفية بما روي عن أم سلمة ﵂ أنها كانت لها شاة تحلبها، ففقدها النبي ﷺ ، فقال: "مَا فَعَلَتْ شَاتُكُمْ؟ " فقلت: ماتت. فقال: "أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ " فقلت: إنها ميتة قَالَ: "فَإِنَّ دِبَاغَهَا يَحِلُّ كَمَا يَحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ" (٥). وهو حديث ضعيف، قال الحاكم: تفرد به الفرج ابن فضالة عن يحيى بن سعيد، والفرج ممن لا يحتج بحديثه (٦)، ولم يصح تخليل الخمر من وجهٍ، وفي رواية محمد بن بكار عن الفرج في هذا الحديث قال فرج: يعني أن الخمر إذا تغيرت فصارت خلًّا حلَّت (٧)، فعلى

стр. 1549

هذا التفسير الذي فسَّره، وهو راوي الحديث يرتفع الخلاف، ونقول به، ولا يكون لهم فيه دليل. وقال عمرو بن علي: "كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة، ويقول: حدَّث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث منكرة مقلوبة" (١)، وقال البخاري: "الفرج بن فضالة أبو فضالة منكر الحديث" (٢)، وقال أحمد بن حنبل: "إذا حدَّث عن الشاميين فليس به بأس، ولكنه عن يحيى بن سعيد مناكير" (٣). قلت: وهذا منه مع حمله على ما إذا تخللت بنفسها، فهما جوابان. واستدلوا أيضًا بما روى المغيرة بن زياد عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَقْفَرَ بَيْتٍ مِنْ أُدْمِ فِيهِ خَلٌّ وَخُبْزٌ، خَلِّكُمْ (٤) خَلُّ خَمْرِكُمْ" (٥). قال الحاكم: "هذا حديث واهي الإسناد شاذٌّ، لا نعلم أنَّا كتبناه إلا بهذا الإسناد، والمغيرة بن زياد الموصلي يقال له: أبو هشام المكفوف صاحبُ مناكير، وحدَّث عن عبادة بن نسي بحديث موضوع" (٦). وقال البيهقي: "تفرَّد به مغيرة وليس بالقوي، وأهل الحجاز يسمون خلَّ العنب خل خمرٍ، ثم هو وما قبله محمولان على الخمر، إذا تخللت بنفسها

стр. 1550

إن صحت الرواية، وعلى ذلك حمل الفرج بن فضالة روايته" (١). فرع قال أصحابنا: وإذا حرم التخليل كان الخل الحاصل نجسًا؛ لأن الفعل الحرام لا تستباح به العين المحظورة، كاصطياد المحرم، وأيضًا فإن المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها وتستمر نجاسته؛ إذ لا مُزيل لها، ولا ضرورة إلى الحكم بانقلابه طاهرًا بخلاف أجزاء الدَّنّ، فهاتان علتان: إحداهما: تحريم التخليل، وهي اختيار القاضي حسين. والثانية: نجاسة المطروح، وهي منسوبة إلى أبي يعقوب الأبيوردي والإسفراييني وأظنه أبا حامد، وطائفة من أئمة الخلاف، وضعَّفها الإمام (٢). فرع ولا فرق في هذا الفرع والذي قبله بين المحترمة وغيرها، وحكى الإمام عن بعض الأصحاب جواز تخليل المحترمة؛ لأنها غير مستحقة الإراقة (٣)، والمذهب الأول؛ لأن الخمر التي كانت لأيتام أبي طلحة محترمة؛ لأنها عُصرت قبل التحريم، هكذا روي مُصرحًا، أن يتيمًا كان في حجر أبي طلحة فاشترى له خمرًا، فلما حُرِّمت الخمر سأل النبيَّ ﷺ أتتخذ خلًّا؟ قال: "لَا" (٤). * * *

стр. 1551

وقد نوزع لصاحب الوجه المذكور بأمور: منها: لعل تلك الخمر كانت اتخذت بعد التحريم والعصير تُلقب (١) في يوم واحد في حر الحجاز خمرًا، وهذا يردُّه ظاهر هذه الرواية. ومنها: أن المحترمة ما اعتصر لقصد مُباح، والخمر قبل تحريمها قد لا تكون مباحة، بل باقية على الأصل، فلا يثبت لها وصف الاحترام؛ فلذلك أريقت ومنع من تخليلها. واعلم أن الأدلة في حال الخمر قبل تحريمها متعارضة، فإنَّا إن نظرنا إلى أن الناس كانوا يشربونها ولا يُنكر عليهم، وقضية حمزة في السكر (٢) مشهورة، وغير ذلك اقتضى أن تكون مُباحة، ويعضده أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧]. وقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. وأقوى دليل في ذلك ما ورد في الحديث: "إِنَّ اللهَ يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا، فَلْيَبِعُهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ" (٣). وإن نظرنا إلى ما ادعاه الغزالي من أن السكر لم يزل محرمًا في كل ملة (٤)، وأخذنا بظاهر الحال من أن المحرمات نزلت شيئًا فشيئًا من غير أن يكون نسخًا لإباحة متقدمة، اقتضى ذلك ألا يحكم عليها بشيء ويكون سكوت النبي ﷺ ؛ لأنه لم ينزل عليه فيها في ذلك الوقت شيء، فإن ثبت أنها كانت مباحة ظهر الرد على صاحب الوجه المذكور، وإن ثبت أنها كانت باقية على حكم الأصل، والأصل أن لا حكم قبل الشرع، فيبقى النظر

стр. 1552

في أن المحترمة ما عصر لقصد عصر مباح أو لغير قصد محرم. والثاني: أعم من الأول، والظاهر أنه المراد، وأنه لا يشترط قصد المباح، بل يكفي عدم قصد الحرام حتى لو عصرها صبي أو مجنون أو داس حيوان عليها فانعصرت، وصار من ذلك العصير خمر بغير قصد تكون محترمة؛ استصحابًا للاحترام الأصلي في العنب من غير أن يطرأ قصد فاسد، هذا الذي يظهر، ولم أره منقولًا، فإن ثبت ذلك، فخمر أيتام أبي طلحة محترم، ويظهر الرد على صاحب الوجه المذكور، وإلا فلا يتوجه الرد بذلك. فإن قلت: إذا لم يتوجه الرد بذلك هل يتوجه بعموم حديث أنس: سئل النبي ﷺ عن الخمر تتخذ خلًّا؟ قال: "لَا" (١)، قلت: لو لم يعرف أصل الحديث، كان لنا التمسك بذلك لعمومه، ولكن الذي يظهر أن مراد أنس واقعة أبي طلحة، وكان السؤال منها عن خمر مخصوصة فجعل اللفظ شاملًا لغيرها ولغير ما في معناها بعيد. نعم، يتمسك فيه بأثر عمر المتقدم، وبالتعليل الثاني، وهو أن المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها وتستمر بنجاسته. وذكر الغزالي في "التحصين" طريقة أخرى أنها اتخذت لمقصود الخمر، وورود النسخ بإسقاط حرمة الخمور المهيأة للشرب، فاجتمع فيها النسخ اللاحق والإباحة السابقة، ونحن نريق مثل هذا الخمر، ولكن لا يوجد نظيره في زماننا. * * *

стр. 1553

فرع هل يفرق بين الطرح بالقصد وأن يتفق من غير قصد كطرح الريح أو فتح رأس الدَّنِّ، فوقع فيه شيء؟ قال الرافعي (١) وغيره: "فيه اختلاف للأصحاب مبني على أن المعنى تحريم التخليل أو نجاسة المطروح فيه، والأظهر أنه لا فرق"، وهذا يدل على أن أصح العلتين عنده نجاسة المطروح، وعندنا خلافه كما سنذكره في التشميس. وقال الروياني: "لو وقع ملح بإطارة الريح، فتخللت، طَهُر بلا شك كذا قاله الصيمري (٢)، وعندي يحتمل وجهًا آخر مما قال أصحابنا أنه إذا وقع فيه الملح ينجس، ثم بعد ما صارت خلًّا بقي نجاسة الملك" (٣) انتهى، وهذا الذي رجحه الرافعي هذا إذا كان الطرح في حالة التخمر. فرع أما إذا طرح بصلًا أو ملحًا في العصير، واستعجل به الحموضة بعد الاشتداد، فوجهان؛ أحدهما: أنه إذا تخلل كان طاهرًا؛ لأن ما لاقاه إنما لاقى قبل التخمر، فيظهر طهارته كأجزاء الدن. والثاني: لا، لأن المطروح فيه ينجس عند التخمر، وتستمر نجاسته بخلاف أجزاء الدَّنِّ للضرورة. قال في "التهذيب": "وهذا أصح" (٤)، وكذا اعتمده النووي في "الروضة" (٥)، وينبغي أن يكون الخلاف مرتبًا على العلتين تحريم

стр. 1554

التخليل كان طاهرًا. وإن قلنا بنجاسة المطروح: فالوجهان مأخذهما أنه هل يطهر بطهارتها كالدن أو لا؟ ولم ينظر الإمام إلى هذا المأخذ، وأشار إلى بناء الخلاف على العلتين، ورجح القول بالطهارة؛ لأنه يختار التعليل بتحريم التخليل (١). وزعم ابن الرفعة: أن ما اختاره الإمام من الطهارة في هذه نص عليه الشافعي في "الأم"، إذ قال: "ولو رهنه عصيرًا فصبّ فيه الراهن خلًّا أو مِلْحًا أو ماء فصار خلًّا كان رهنًا بحاله" (٢). انتهى. وهذا النص ليس فيه أنه صار خمرًا، ثم صار خلًّا حتى يؤخذ منه موافقة الإمام والتمسك بإطلاقه أو بكونه لا يصير خلًّا حتى يصير خمرًا ضعيف. والظاهر أن الشافعي ما أراد إلا إذا صار خلًّا ولم يصر خمرًا، وذلك لا خلاف فيه، والذي قاله صاحب "التهذيب" أقوى، ولعل الرافعي إنما ترك تصحيحه، واقتصر على نسبته إليه؛ لما أشرت إليه من ترتيب الخلاف، ولو صح عنده البناء لصحح عدم الطهارة؛ بناء على العلة الصحيحة كما فعل في الفرع الذي قبله، ولو طرح العصير على الخل، وكان العصير غالبًا يغمر الخل عند الاشتداد، ففي طهارته إذا انقلب خلًّا هذان الوجهان، ولو كان الخل غالبًا يمنع العصير من الاشتداد، فلا بأس: فرع علل الشيخ أبو محمد النجاسة في الفرع المتقدم، بأن تلك الأعيان لا حاجة إليها في التخليل كما قدمنا الإشارة إليه، فقال ابن الرفعة: قوله: تلك الأعيان لا حاجة إليها؛ احترز به عما إذا ألقى الماء في حالة العصير، فإنه يطهر قولًا واحدًا عند الاستحالة خلًّا، كما قاله في

стр. 1555

"التهذيب"؛ لأن به إليه حاجة. انتهى. وفي تحقيق الحاجة نظر؛ لأنه يمكن عصره بغير ماء. فرعان ذكرهما القاضي أبو الطيب في ضمن حجاج الخصم: أحدهما: إذا وضع في الخمر آجرَّة جديدة، وتخلل الخمر يجب أن نقول: يطهر؛ لأنها جامدة، يعني: والخمر لاقتها واستحالت خلًّا فزال حكم النجاسة. قال: والجواب: أنها يطهر على طريقة لبعض الأصحاب. نعم، القاضي جزم على هذه الطريقة بأن الموضوع في الخمر لو كان خلًّا، ونحوه أن الاستحالة لا تطهر ذلك؛ لأن المائع إذا نجس بملاقاة شيء لا يطهر بزواله، كما لو غمس في الخل عظم خنزير وأخرجه منه لا يطهر الخل، فكذلك لا يطهر باستحالة؛ لأن زواله أكثر من طهارته بالاستحالة. ولأجل هذه العلة قال: وهو الفرع الثاني من هذين الفرعين: إذا تخلل النبيذ المتخذ من التمر والزبيب بعد أن كان خمرًا بنفسه لا يطهر بالاستحالة عند أصحابنا، فإن الماء المنجس الذي فيه يمنع من طهارة نبيذ التمر والزبيب بالاستحالة، يعني: لأنه لما استحال ذلك الخل إلى الشدة المطربة تنجس الماء، وهو لا يطهر بالاستحالة، فلذلك لم يطهر الكل بها. ونقل هذين الفرعين ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب هكذا، وكنت سمعت من لفظه وهو يصنف في هذا المكان، أخبرني عن القاضي أبي الطيب بهذا الفرع الثاني، وقال: إنه لم يره من قبل تلك الليلة وتعليله كما قال، لكنه مشكل على الناس إن ثبت ما تقدم أنه لا يصير خلًّا حتى يصير خمرًا؛ فيلزم من ذلك مع ما قاله القاضي أبو الطيب عن الأصحاب انسداد طهارة خل التمر والزبيب.

стр. 1556

وأقل مراتب هذا أن يخرج على الوجهين المتقدمين؛ فيما إذا طرح في العصير ما يستعجل به الحموضة وقد يفرق، ويقال: ما نحن فيه أولى بالطهارة؛ لأن نبيذ التمر والزبيب كله شيء واحد، صار بالشدة المطربة خمرًا نجسًا، فيصير بالتخلل خلًّا طاهرًا، أو لا يفصل حكم بعضه عن بعض؛ لأن إبعاضه لا تستقل بخلاف العصير والخمر الذي طرح فيه شيء خارج عنه لم ينتقل إلى طبيعته حتى يتنجس بتخمره، بل بملاقاة الخمر له، فلذلك لا يطهر بالتخلل؛ لأن التخلل لا ينقله عن طبيعته إلى سواها، وإذا لم يطهر بالتخلل لم يطهر الخل لاختلاطه به، ويصير كما لو خللت بعين، ونبيذ التمر ليس خمرًا خللت بعين، وإنما الماء والتمر كلاهما خمر تخلل، فلذلك تظهر طهارته إذا تخلل بنفسه كسائر الخمور، والتعلق بأن الماء ينجس بالتخمر ليس بجيد، فإن الماء هو الذي صار خمرًا، إنما اكتسبه من حلاوة التمر والزبيب، فليس متنجسًا، ولكنه نجس العين؛ إذ لم تلاقيه عين نجسة غيره. وهذا القول وإن كنا لم نر أحدًا تقدمنا إليه، لكنه مأخوذ من الحكم بالطهارة فيما إذا ألقى في العصير ما يستعجل به الحموضة كما تقدم الخلاف. ولا شك أن هذا أولى بالطهارة كما أوضحناه، ويؤيد ما تقدم من أن الماء الموضوع حالة العصير المحتاج إليه يطهر قولًا واحدًا، فإذا جزمنا بطهارته، وإن كان خارجًا عن الخمر للحاجة، فلأن يحكم بطهارة ما هو الخمر بعينه أو جزؤها أولى وأخرى. وفي "فتاوى البغوي" (١) عن القاضي: "أنه لو ألقى ثوبًا في خمر وتركه فيه

стр. 1557

حتى صار خلًّا لا يطهر؛ لأن ما شربه الثوب لا يطهر؛ إذ لا ضرورة إليه بخلاف أجزاء الدن"، وفيها: "أنه إذا ألقى فيها حجر صلب أو حديدة ينبغي أن تطهر، ولو صب في العصير قطرة خمر تنجس، فإذا صار خمرًا ثم عاد خلًّا لا يطهر كما لو وقعت فيه شعرة، وكذا إذا أخرج الخمر من الدن ثم صب فيه عصير، فتخمر ثم تخلل، ولو نقل الخمر من محل إلى محل، أو فتح رأسه استعجالًا أو صبه من دن إلى دن" (١). واعلم أن خمر العنب قد يشتمل على عناقيده، والعناقيد ليست جزءًا من الخمر، فهي مجاورة للخمر متنجسة به، فينبغي إذا تخللت تكون في طهارتها خلاف، كما قدمه القاضي أبو الطيب في الآجرَّة الجديدة، وكما قدمناه في طرح البصل ونحوه في العصير. وقد تقدم عن صاحب "التهذيب" (٢) أن الأصح أنه لا يطهر إلا أن يقال: إن بقاء العناقيد لها صلاح للخل، فلا يضر بقاؤها للحاجة إليها، وهذا المعنى في الحبات أظهر؛ لأن فصلها عند العصر يذهب جزءًا من العصير مع ما في فصل العناقيد والحبات من المشقة، التي تبعد اعتماد الناس لها مع عموم الحاجة إلى الخل، وما زالت الناس في سائر الأعصار يتبايعونه، ولم ينقل توقفهم في ذلك، فالأقرب الحكم بالطهارة، وإن وجدت العناقيد والحبات ويحتمل على بعد أن يقال بخلافه. وقد صرح القاضي حسين في "الفتاوى" بطهارتها فقال: "لو أدخل العنب مع العناقيد في الدن، وصار خلًّا يكون حلالًا وليس كالمعالجة، وكذا لو صب الماء في العصير استعجالًا للخل أو عصر العنب، فصب فيه الماء

стр. 1558

استعجالًا للخل، فصار خلًّا فهو طاهر؛ لأن حبات العنقود تتشرب الماء، وهو طاهر" (١). انتهى ما قاله في "الفتاوى" وتسويته بينه وبين إلقاء الماء في العصير؛ يقتضي أن القائل بعدم الطهارة إذا ألقى الماء في العصير يقول به في العناقيد، ولكنا نفرق بينهما بما سبق، فإن صحت التسوية بينهما، فعلى هذا ليس لنا خل عنب طاهرًا يقينًا، إلا إذا صفِّي من عناقيده قبل التخمر بحيث يبقى مائعًا صرفًا ليس فيه شيء من الحبات ولا من العروق، فهذا هو الذي يطهر إذا استحال بنفسه يقينًا. ومسألة العناقيد هذه لم أرها منقولة في غير "فتاوى القاضي حسين"، وإنما المنقول المشهور ما قاله القاضي حسين وغيره، أن العناقيد إذا استحالت أجواف حباتها خمرًا، ففي جواز بيعها اعتمادًا على طهارة ظاهرها في الحال، وتوقع فائدتها في المال وجهان، المذهب: المنع وطردوهما في البيضة المستحيل باطنها دمًا، ولما أبدى القاضي احتمال جواز البيع ألزم النجاسة، فلم يجب. قال الإمام: "وهذا عظيم، فإن متضمنها الخمر الشديدة، ولا يليق بقاء عدتنا أن يُنفى حكم النجاسة عما في بطنها، ثم نقول: لو اعتصرت صارت نجسة، والانفصال لا يثبت النجاسة، وهذا يوافق قول أبي حنيفة أن الدم في العروق في خلل اللحم ليس نجسًا، وإذا سفح اكتسب النجاسة، ولا خروج للبيع إلا على طهارة الظاهر" (٢)، وفائدته المنتظرة عند التخلل. ولهذا علل به الغزالي والرافعي (٣) وأضربا عن التوقف في نجاسة

стр. 1559

الباطن، وقطع الغزالي بنجاسته وأجرى الوجهين في البيع (١)، ورأى ابن الرفعة القطع بمنع البيع أيضًا كما لو قال: رهنتك هذه الخريطة وما في باطنها مجهول وهي لا قيمة لها، وهذا الذي قال ابن الرفعة يلزم الغزالي، ولا يلزم القاضي لتوقفه في النجاسة. قال الإمام: "وإذا صححنا بيع العنقود، فلا فرق بين أن تكون طازجة في الدن قصد بذلك الخلية أو الخمرية؛ لأن العادة أن من يقصد الخمر يعتصره ولا يصب في الدِّنان إلا العصير، فإن عفوصة العنقود تفسد شدة الخمر، فإذا وجدنا العناقيد لم نعوِّل على قصد المتخذ، إذا كان ما وجدناه مائلًا عن عادة من يقتني الخمور" (٢). وقد أغرب الشيخ أبو علي فحكى في بيع الخمرة المحترمة وطهارتها ترددًا. قال الإمام: "وهذا خرم للمذهب ومصادمة للقاعدة" (٣)، وعلى وجه الصحة والطهارة يضمن متلفها البدل، وكذا يضمن العناقيد إذا جوزنا بيعها وإن لم نجوز ذلك، وكان الخمر محترمًا، فليس على المتلف، إلا الإثم والتوبيخ والتأديب على ما يراه ولي الأمر، وإذا غرمناه البدل فما هو؟ قال القاضي حسين قبيل باب بيع البراءة: إذا اريقت الخمر التي عصرت للخل على طريق الغصب، فهل يضمنها المريق؟ وجهان إن قلنا يضمن، قال ﵁: يقال: كم كانت قيمته لو صار خلًّا، وكم قيمته في طريق مصيره خلًّا فنوجب ذلك عليه.

стр. 1560

فرع إذا خلل خمرًا بدواءٍ فيه وجهان؛ أحدهما: أنه خل على الإطلاق إلا أنه نجس. والثاني: أنه لا يُسمَّى خلًّا ولا خمرًا حكاهما الروياني (١). وقال القاضي حسين: إذا خللها بمعالجة بإلقاء ملح أو نحوه لم تَحِلَّ ويجب إراقتها كما قبل التخليل، ولا يَحِلُّ شربها ولا حَدَّ في شربها؛ لأن الحد للزجر، وفي الطباع نفرة عنها ولا يفسق شاربها؛ لأن الإنسان لا يفسق بكل معصية ولا يكفر مستحلها؛ لأن التكفير نتيجة الإجماع. فرع إمساك الخمرة المحترمة إلى أن تصير خلًّا جائز، والتي هي غير محترمة لا يجوز إمساكها ويجب إراقتها، لكن لو لم يرقها حتى تخللت بنفسها، فهي طاهرة أيضًا؛ لأن النجاسة والتحريم إنما تثبت للشدة، وقد زالت هذا ما به الفتوى. وحكى الإمام عن بعض الخلافيين: أنه لا يجوز إمساك الخمر المحترمة، بل يضرب عن العصير حتى يصير خلًّا، فإن اتفقت منا اطَّلاعة وهي خمر أرقنا (٢). وقد ذكر القاضي الحسين هذا في "تعليقه" فقال: وإذا صب العصير في الدنِّ بنية الخل، ففتح رأسه فوجده خلًّا لا خلاف أنه حلال، فأما إذا فتح رأسه، فوجده خمرًا المذهب أنه يحل له إمساكه حتى يصير خلًّا. ومن أصحابنا من قال: إنما يحل إذا لم يعلم مصيره خمرًا، فأما إذا علم

стр. 1561

عصيره خمرًا، وأمسك لا يحل، وهذا ليس بمذهب. وذكر الحناطي في غير المحترمة وجهًا: أنه لو أمسكها حتى تخللت لم تحل ولم تطهر؛ لأن إمساكها حرام فلا تستفاد به نعمة. وذكر القاضي حسين: "أنه إن أمسكها لتصير خلًّا، فمرتب على ما لو عرض للريح والشمس إن قلنا هناك: يحل فهنا أولى، وإلا فوجهان؛ لأنه فعل ضعيف، وأنه قصد مصيره خلًّا، وإن أمسكها لتزداد قوتها، فصارت خلًّا فمرتب على ما لو أمسكها لتصير خلًّا إن قلنا هناك: لا يحل فهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق أنه قصد ما هو مباح وهنا قصد محظور". انتهى. وعلى كل تقدير الإمساك حرام والإراقة واجبه على الفور بلا خلاف أعلمه، وإنما الخلاف في الطهارة، ففيما إذا قصد بالإمساك الخل وجهان؛ لأن الإمساك وإن كان محرمًا، فهو لغرض مباح، وإذا أمسك لا لقصد شيء أصلًا فيأتي فيه وجه الحناطي، ويظهر أنه مرتب على قصد الخل، وأولى بعدم الطهارة، وإذا قصد قوة الخمرية فتخللت فمرتب على ذلك وأولى بعدم الطهارة وتحريم الإمساك ثابت في الجميع. وأما قول الغزالي في "الوجيز" (١): "والتخليل بإلقاء الملح حرام، وبالإمساك غير حرام، وكذا بالنقل من الظل إلى الشمس على الأصح"، فقد تكلم الرافعي عليه وقال: "إن قوله: والإمساك غير حرام لا يمكن إجراؤه على إطلاقه؛ لأن الإمساك حرام في غير المحترمة والإراقة واجبة، والكلام في أنه لو اتفق الإمساك، وتخللت لم تطهر هذا هو المشهور، والذي في طريقة الصيدلاني من تجويز الإمساك على قصد أن تصير خلًّا وعدم وجوب الإراقة، فهو مما يستغرب، فإذا هو مخصوص بالمحترمة

стр. 1562

لكنه غير مستحسن من جهة النظم؛ لأنه على خلاف ما قبله وما بعده، وليس في اللفظ ما يدل عليه" (١). انتهى. وما نقله عن طريق الصيدلاني لا يكفي استغرابه، بل يجب رده إن لم يحمل على المحترمة؛ لمخالفته الحديث الصحيح في الأمر بالإراقة، ولعل الصيدلاني إنما أراد المحترمة على أن كلام الغزالي ليس صريحًا في أن الإمساك غير حرام، بل إن التخليل بالإمساك غير حرام. وقد نقول بأن معنى هذه العبارة لا يستلزم معنى تلك، وفي "البحر" عبارة مشكلة، فإنه قال: "فرع: إمساكها بنية المعالجة حرام، وأما إمساكها بنية أن تصير بنفسها خلًّا. قال أبو حامد: لا يجوز ذلك عندي، ولكنه لو خالف، فصارت خلًّا حلَّ، وقال القفال وجماعة: "يجوز إمساكها إذا كانت نيته الخل، وإنما يحرم إمساكها إذا كان قصده الشرب أو البيع أو يخاف على نفسه شربها، وهذا هو الصحيح عندي" (٢). انتهى. فإن كان مراده المحترمة وهو الظاهر، فالنقل عن أبي حامد غريب وهو موافق لما نقله الإمام عن بعض الخلافيين، ثم نقله عن غيره تحريم الإمساك يقصد الشرب والبيع، والخوف على نفسه الشرب مما يستفاد وينظر فيه؛ لأنه ليس إنشاء فعل لم يتكلم ولم يعمل، فينبغي ألا يأثم حتى يحقق ما قصده. وإن كان مراده غير المحترمة، ففي غاية البعد أن يقال: يجوز إمساكها بقصد أن تصير خلًّا وتصحيحه أبعد. فإن قلت: ما ذكرته من المنقول عن طريقة الصيدلاني ومن كلام الغزالي، والروياني هذا يقتضي أن في إمساك غير المحترمة خلافًا وأنه

стр. 1563

لا يقطع بتحريمها. قلت: كلام الثلاثة ليس صريحًا في الخلاف، فلا يجوز إثباته بالاحتمال، والصواب: القطع بالتحريم، ولأجل احتمال كلامهم للخلاف قيدت كلامي فيما تقدم، وقلت: بلا خلاف أعلمه، فإنما نعيت علمي بالخلاف، وذلك صحيح مع الاحتمال نقلًا لا دليلًا. فرع لو كان ينقل الخمر من الظل إلى الشمس وعكسه أو يفتح رأسها؛ ليصيبها الهواء استعجالًا للحموضة فوجهان؛ أحدهما: لا تطهر كما لو طرح فيها شيئًا، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، وأبي سهل الصعلوكي (١)، وهو مقتضى إطلاق جماعة من العراقيين أنها لا تطهر، إلا إذا استحالت بنفسها من غير علاج، ومقتضى كلام الشافعي أيضًا أنها لا تحل إذا أفسدت بعمل آدمي، ومقتضى إطلاق الأثر الذي رويناه عن عمر، ومقتضى إطلاق المصنف في "التنبيه" وصححه ابن أبي عصرون واستدل له المصنف في "المهذب" "بأنه فعل محظور توصل به إلى استعجال ما يحل في الثاني، فلم يحل به، كما لو قتل مورثه أو نفَّر صيدًا حتى خرج من الحرم إلى الحل" (٢). انتهى. وعلى هذا لا يكفر مستحلها ولا يجب الحد بشربها؛ لأنها ليست بخمر في الحال. والثاني: وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وقال: إنه المذهب، والأصح عند الغزالي، والرافعي: أنها تطهر؛ لزوال الشدة من غير نجاسة تلحقها.

стр. 1564

والوجهان بناهما القاضي حسين، والغزالي، على العلتين في بقاء النجاسة إذا خللت بطرح شيء فيها. إن قلنا: العلة تحريم التخليل فهو نجس، وإن قلنا: نجاسة المطروح، فهو طاهر. والغزالي يرى التعليل بنجاسة المطروح، وكذلك الرافعي على ما ظهر في كلامه، فلا جرم، صححا الطهارة، وكذلك الشيخ أبو حامد ومقتضى تضعيف القاضي حسين والإمام لهذه العلة أن يكون الأصح عندهما أنه لا يطهر، كما صححه ابن أبي عصرون. لكن الإمام قال: "لا حاجة إلى البناء فإن علة النجاسة باطلة قطعًا، وتوجيه الوجهين في التشميس يهون من غير بناء، فأحد القائلين يتمسك بقصد التخليل المحرم. والثاني: بأن الخمر تحل اعتبارًا بالإمساك" (١)، يعني: يكون كما لو أمسكها لتصير خلًّا فتخللت بنفسها. وقد سبق فيها وجهان؛ والأصح منهما: أنها تطهر، ولك أن تفرق أنه إذا أمسكها فتخللت بنفسها فالحرام الإمساك، وهو منفك عن سبب التخليل، فلذلك يقول بالطهارة؛ لأنها تخللت بنفسها. وأما التشميس، فهو سبب مصيرها خلًّا، وهو صنعة آدمي فمن جعل العلة عند الطرح فعل الآدمي، يلزمه أن يقول بالنجاسة هنا، والحق البناء على العلتين، ويجب عليك أن تنظر في الأصح من العلتين، أما تحريم التخليل فقد أورد عليه أنه لو دبغ بآلة مغصوبة طهر الجلد، وكذا لو دبغ جلد الغير بغير إذنه الفعل حرام، ويحصل به التطهير. وهذا الإيراد ضعيف؛ لأن المطهر الدبغ من حيث هو دبغ، والحرام هذا

стр. 1565

الدبغ المخصوص، وهما غيران، وأما التخليل فإنه من حيث هو تخليل حرام فلا يمكن أن يكون سببًا في الحل، وأورد أن التخليل لم يحرم لعينه من حيث هو تخليل، ولكن لما فيه من تأخير الإراقة الواجبة. وأجيب: بالتمسك بالحديث؛ لأن النبي ﷺ أمر بالإراقة ومنع التخليل، وهما حكمان، فقد ظهر أن هذه العلة مستقيمة سالمة مما يرد عليها. وأما التعليل بالنجاسة، فقال الإمام: "لا معنى لتنجس العين إلا باتصال الخمر بها، وإلا فجوهر تلك العين الواردة على الخمر طاهر، فإذا انقلب الخمر خلًّا، فمن ضرورة ذلك أن تنقلب تلك الأجزاء التي لاقت العين الواردة على الخمر" (١). والماوردي أفسد التعليل المذكور أيضًا بطريق آخر وهو "أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة في محلها، وهو لا يمنع من إزالة حكمها، والشب والقرظ في الدباغ ينجس بملاقاة جلد الميته ولا يمنع من تطهيره، فما المانع من أن يكون ما يلقى في الخمر من الخل وغيره كذلك" (٢). انتهى. وكلام الماوردي هذا ينبه على شيء لا بد من التنبيه له، وهو أنا إذا قلنا: لا يطهر الخمر بالتخليل؛ فمعناه عند من علل بتحريم التخليل، لا شك أنه دوام نجاسة عينها. وأما عند من علل بنجاسة المطروح، فهل معناه كذلك أيضًا، وأن حالها لم يتغير، وهي نجسة العين، أو أنها طهرت عينها بالانقلاب وصارت متنجسة بالعين المطروحة فيها؟ كلام الماوردي الذي حكيناه يرشد إلى الأول، وإلا لما حسن الرد

стр. 1566

المذكور، فإن قلت: وكلام الإمام يرشد إلى الثاني. قلت: لا وإنما يصلح أن يكون مكملًا له؛ لأن مَن ورد عليه ذلك قد يقول: إن المانع أنه لو قيل بطهارة عينها؛ لكانت متنجسة بالعين المطروحة فيها وهي من المائعات التي لا يمكن تطهيرها، فلا يبقى للحكم بطهارة عينها فائدة. فأجاب الإمام عن كونها تصير متنجسة: بأن العين المطروحة أيضًا تطهر بانقلاب ما لاقاها من النجاسة (١)، والماوردي يحتمل أن يوافق على هذا الجواب، ويحتمل أن يمنع؛ لأن العين المتنجسة لا تطهر إلا بالماء، وإنما قلنا بطهارة الدن للضرورة، وعلى هذا التقدير قد يختلف الحكم في الحكم ببقاء نجاسة عين الخمر المتخللة، أو بتنجيسها إذا صب عليها ماءً كثيرًا، وقلنا بطهارة الغسالة، كما أبداه الرافعي في "الشرح الصغير" احتمالًا، وإن كان المنقول أن المائع - غير الدهن - لا يطهر من غير خلاف نعلمه. والقدر المستفاد هنا من كلام الماوردي معرفة أن نجاسة العين باقية على العلتين، وهو الظاهر من كلام الأصحاب وفحواه، وقد كنت قلت في "شرح المنهاج": إن في التعليل بالنجاسة نظرًا يتلقى مما قدمناه عن النووي في زوال التغير بالتراب، أعني: قوله: "إذا زال التغير بالتراب لا يعطي الماء حكم المتغير بتراب متنجس؛ لأن نجاسة التراب نجاسة مجاورة للماء النجس، فإذا زالت نجاسة الماء طهر التراب والماء جميعًا؛ لأن عينه طاهرة" (٢). وكلام الإمام هنا يؤيد ما قاله النووي في التراب، وكلام الماوردي يزيل

стр. 1567

ما ذكرته هناك من النظر، ويبين أن المحكوم به النجاسة العينية بخلاف مسألة التراب، فإن الكلام فيها في التنجس. فإن قلت: هذا بحسب ما اقتضاه كلام الماوردي، وقد يكون صاحب هذه العلة لا يقول بذلك، ونقول: أنها صارت متنجسة كما يشير إليه قول الرافعي: "إن النجاسة تخلف الشدة". قلت: متى قال بذلك نرد عليه بتحريم الشارع التخليل لغير معنى خارج عنه، ومتى حرم الشيء لعينه بطل ما يترتب عليه، وبهذا نبين أن أصح العلتين: هو تحريم التخليل، ويلزم منه أن يكون نقلها من الظل إلى الشمس وعكسه غير مطهر في الأصح، وأنه إذا اتفق الطرح من غير قصد طهرت في الأصح، وكذلك إذا ألقي في العصير ما يستعجل به الحموضة بخلاف ما تقدم تصحيحه عن الرافعي والبغوي في هذه المسائل الثلاث، هذا كله في غير المحترمة. أما المحترمة إذا نقلها من الظل إلى الشمس وعكسه، فقال الرافعي: "إنها أولى بالجواز" (١)، يعني: لأن إمساك المحترمة جائز، وإمساك غير المحترمة حرام، وحينئذ نقول: إن عللنا بنجاسة المطروح، فهي مفقودة هنا فتطهر، وإن عللنا بتحريم التخليل فينبني على أن تخليل المحترمة هل يجوز؟ وفيه وجهان تقدَّما، فإن جوزنا، فهي طاهرة أيضًا، وإن منعناه فهي نجسة. ولما كان الغزالي يرى التعليل بالنجاسة، جزم هنا بالطهارة، وهو الأصح عند الرافعي بطريق الأولى؛ لأن الأصح عنده التعليل بالنجاسة. وأما على قول الإمام والقاضي حسين واختيارهما التعليل بتحريم

стр. 1568

التخليل، ونحن قد صححناه، والمشهور أنه لا فرق في تحريم التخليل بين المحترمة وغيرها، فيظهر أن الأصح عدم الطهارة، لكن في كلام الشيخ أبي حامد جواب، وهو أن الذي وجد من الآدمي النقل من موضع إلى موضع، والاستحالة تحصل بشدة الحر أو شدة البرد. فرع تلخص أن الخمر محترمة كانت أو غير محترمة إذا تخللت بنفسها من غير فعل ولا إمساك طهرت اتفاقًا، وإن خللت بإلقاء عين فيها حرمت اتفاقًا، وإن خللت بفعل غير عين فوجهان، وإن أمسكت بقصد، فتخللت بنفسها طهرت المحترمة، وكذا غير المحترمة في الأصح، وإن ألقي فيها عين فتخللت بنفسها من غير أن يكون للمطروح أثر في التخليل، ممن علل بتحريم التخليل يقول بالطهارة، ومن علل بالنجاسة يمنع. وعلى هذا يكون معنى قول "الحاوي الصغير": والطهر لخمر تخللت بلا عين معناه حال كونها خالية عن عين؛ ليوافق رأي الرافعي في أن العلة النجاسة، وعلى رأي الإمام يصح اللفظ المذكور، بمعنى: أن تخللها بسبب غير عين. فرع الخمر التي عصرت للخل ونحوه إذا استحكمت وأيس أهل الصناعة من عودها خلًّا إلا بصنع آدميٍّ، قال ابن الرفعة: الأشبه فيما يظنه أنه لا يجوز إمساكها. قلت: هذا صحيح؛ إذ قالوا: لا تجيء خلًّا إلا بإلقاء عين فيها، أو إذا كانت تجيء بالنقل من الظل إلى الشمس وعكسه، ولكن منعنا تخليل المحترمة بالنقل، أما إذا جوزناه، فيجوز إمساكها وجعل خمر أيتام أبي

стр. 1569

طلحة ممّا أُيس من صلاحه إلا بالتخليل؛ فلذلك أريقت، وغالب الخمور التي تباع تكون كذلك، بخلاف المنتظر مصيرها خلًّا قبل استحكامها. فرع متى تخللت الخمر وحكمنا بطهارتها، فتطهر أجزاء الظرف أيضًا للضرورة، ولا فرق بين أن يكون الظرف مما يتشرب كالفخار، أو لا؛ كالزجاج هذا هو المذهب المشهور. وفي "البيان" (١): "أن الداركي قال ذلك فيما لا يتشرب كالزجاج، أما غيره فلا يطهر"، وكما يطهر ما يلاقي الخمر بعد التخلل، يطهر ما فوقه الذي أصابته الخمر في حال الغليان، قاله القاضي حسين وأبو الربيع الإيلاقي وهو بكسر الهمزة وبالياء المثناة تحت، وبالقاف، منسوب إلى إيلاق ناحية من بلاد الشاش، واسم أبي الربيع هذا طاهر بن عبد الله إمام جليل من أصحاب القفال المروزي وأبي إسحاق الإسفرايني. فرع في تحقيق معنى الخمرة المحترمة وغير المحترمة، قال الرافعي هنا: "المحترمة التي اتخذ عصيرها؛ ليصير خلًّا، وغير المحترمة التي اتخذ عصيرها، لغرض الخمرية" (٢)، وذكر في باب الغصب فيما إذا غصب عصيرًا وتخمر في يده، أنه يجب على الغاصب إراقة الخمر. قال: ولو جعلت محترمة، كما لو تخمرت في يد المالك من غير قصد الخمرية جاز" (٣). انتهى. وهذه العبارة أعم من الأولى؛ لأن عدم قصد الخمرية يشمل قصد الخلِّيَّة

стр. 1570

وغيرها، وألا يقصد شيئًا، وهذا هو الذي ينبغي اعتماده؛ لأن الأصل الاحترام إلا أن يوجد قصد فاسد، فإذا لم يوجد قصد أصلًا كانت محترمة، وقد يتخمر ما في العناقيد من غير عصر، أو ينعصر من غير عصر آدمي، وما أشبه ذلك. وفي هذا كله تكون محترمة، واشتهر بين الفقهاء أن المحترمة: ما اعتصر لقصد الخلية، وغير المحترمة لقصد الخمرية. وعلى هذا يدل كلام الغزالي، وكان مراد الغزالي ذكر الحالتين العاليتين وإلا فينتقض بما ذكرناه بغيره، وليس هذا مما يختلف فيه، بل هو راجع إلى تحرير عبارة فليقطع الناظر بأن المحترمة ما لم يقصد بها الخمرية وغير المحترمة ما قصد بها الخمرية، ثم هذا القصد متى يُعتبر ما ذكرناه من كلام الغزالي يقتضي أن يكون عند العصر. وعبارة الرافعي التي ذكرناها في قوله: اتخذ عصيرها يدخل فيها ذلك ويدخل فيها أيضًا ما إذا اشترى العصير بهذا القصد، وفي عبارة القاضي حسبن ما يقتضي اعتبار حالة وضعه في الدنِّ؛ ولذلك قال ابن الرفعة: "المحترمة ما عصر لأمر مباح من خل أو غيره، وكذا إذا عصرت من غير نية شيء، ووضعت في الدن ثم قصد بها بعد الوضع الخلية" (١). نعم، لو تخمرت ثم قصد إمساكها بعد التخمر إلى أن تصير خلًّا، فهل يحرم الإمساك؟ قال القاضي حسين: يحتمل وجهين؛ أحدهما: يحل وهو الأظهر؛ لأن صبه في الدن لم يكن بنية الخمرية؛ أي: وعلى هذا يكون كما لو عصرت للخلية.

стр. 1571

والثاني: لا يحل؛ لأنه لم يوجد منه نية الخل قبل صيرورتها خمرًا. وقال ابن الرفعة في غير المحترمة: الأحسن أن يقول: ما وضع من العصير في الدن ونحوه يقصد الخمرية، فإنه لو لم يقصد ذلك حالة العصر وقصده حالة الوضع كان غير محترم. قال القاضي حسين: ولم لم يكن له نية حالة الوضع لكنه نوى بعده الخمرية، فالأمر كذلك. انتهى. فخرج من كلام القاضي الحسين أنه إذا لم يقصد عند العصر شيئًا، فإن قصد عند الوضع في الدن أو بعده، وقبل التخمر الخمرية كانت غير محترمة، وإن قصد الخلية كانت محترمة، وإن لم يقصد شيئًا حتى تخمرت فوجهان؛ أصحهما: أنها محترمة. والثاني: أنها غير محترمة. وتحصلنا على مراتب: الأولى: القصد عند العصر، وهو مؤثر قطعًا إن قصد الخمرية كانت غير محترمة، وإن قصد الخلية ونحوها كانت محترمة. المرتبة الثانية: إذا لم يقصد شيئًا عند العصر، ولكن قصد عند الوضع في الدن، فهو كحالة العصر على ما قاله القاضي حسين وهو صحيح؛ لأن الوعاء معدٌّ لما يراد به العصير، فإذا اقترن القصد به حصل الفعل المحتمل لكلٍّ من الأمرين، والقصد المميز له، فيترتب عليه حكمه كما يترتب على العصر. ولا شك أن العصر يشبه السبب الفاعلي، والوضع في الدن يشبه السبب القابلي، فكل منهما إذا انضم إليه القصد صار سببًا في اتخاذ المقصود من خل أو خمر، فيترتب عليه حكمه. المرتبة الثالثة: إذا لم يقصد عند العصر، ولا عند الوضع، وقصد بعد

стр. 1572

ذلك قبل التخمر، فقد اقتضى كلام القاضي حسين أنها تصير غير محترمة، وفيه نظر؛ لأنه قصدٌ مجردٌ عن فعل، فيلتحق بالقصود التي رفع الشارع حكمها ما لم يتصل بها المقصود إلا أن يقال: إن الإمساك مع هذا القصد كافٍ، كما يكفي قصد القنية مع الإمساك في قطع التجارة، وليس كقصد الخيانة في الوديعة، فإن الخيانة فعل مقصده لا يحققه. والخمرية هنا صفة تحصل للعصير، وإنما من القاصد القصد والإمساك، فلذلك تصير بالقصد الحرام غير محترمة، وقياس هذا أن هذا القصد لو طرأ بعد العصر وقبل وضعها في الدن أن تكون كذلك غير محترمة. المرتبة الرابعة: لو لم يقصد شيئًا إلى أن تخمر، فالأصح: أنها محترمة. والثاني: أنها غير محترمة. وتلخص لك أن المحترمة على الأصح ما لم يقصد بها الخمرية قبل التخمر، وعلى الوجه الثاني ما قصدت خلّيتها قبل التخمر، وغير المحترمة على الأصح ما قصدت خمريتها قبل التخمر، وعلى الوجه الثاني ما قصدت خمرتيها ولو بعد التخمر هذا كله إذا لم يوجد قصد في الحالة الأولى، ووجد فيما بعدها، فلو وجد قصد في حالة ثم قصد ضده فيما بعدها، فقد ذكر القاضي حسين ما نصه: أما الخمر المتخذة بنية الخل بأن صب العصير في الدن بنية الخل أو صب العصير في الدن بنية الخمر، ثم قبل أن يصير خمرًا نوى إمساكها للخل، فإذا صارت خمرًا يحل إمساكها، ولا يجوز إراقتها، لكنها نجسة لا يحل شربها وبيعها، ولا ضمان على من أراقها وإن خللها بالمعالجة فوجهان. انتهى. فقد دخل فيما ذكره من ضابط الخمر المحترمة أن يصب العصير في الدن بنية الخمر، ثم قبل أن تصير خمرًا ينوي إمساكها للخل، وقياس هذا أنه لو

стр. 1573

عصرها بنية الخمر، ثم نوى بعد ذلك قبل مصيرها خمرًا إمساكها للخل أن تصير محترمة، وهذا محل نظر كيف يزول القصد المقترن بالفعل الثالث حكمه بالقصد المجرد، فإن صح ما قاله القاضي حسين، فالمعتبر الحالة التي يعقبها التخمر إن كان قصد الخمرية موجودًا كانت غير محترمة، وإلا كانت محترمة، وأعني بوجوده وجوده حقيقة أو استصحابًا بأن يكون قصد قبل ذلك ولم يطرأ ما يقطعه. فرع قال القاضي حسين: إن أبا حنيفة مع قوله: إن الخمر تحل بالتخليل وافقنا فيما لو ألقى شيئًا من الحلاوة فيها حتى صارت خلًّا؛ أنها لا تحل. فرع قال الماوردي: "إذا صارت خمرًا في يد المرتهن، فلم يرقه حتى صار خلًّا، فقال الراهن: صارت خلًّا بنفسها، وقال المرتهن: صارت خلًّا بالتخليل، فقد بطل الرهن بدعوى المرتهن، ثم القول قول الراهن أنها استحالت خلًّا بنفسها وله بيعها والتفرد بثمنها، ولو قال المرتهن: استحالت بنفسها، وقال الراهن بالتخليل فوجهان؛ أحدهما: القول قول المرتهن ويكون رهنًا. والثاني: القول قول الراهن ويبطل الرهن، وتحرم على الراهن. وهما مخرجان من اختلاف قوليه في إقرار الراهن بجناية المرهون وإنكار المرتهن" (١).

стр. 1574

قال: فصل [في تلف الرهون] وإن تلف الرهن في يد المرتهن من غير تفريط؛ تلف من ضمان الراهن ولا يسقط من دينه شيء؛ لما روى سعيد بن المسيب قال: قضى رسول الله ﷺ أن الرهن لا يَغْلَق، والرهن ممن رهنه، ولأنه وثيقة بدين ليس بعوض منه، فلم يسقط الدين بهلاكه كالضامن. هذا الحديث قد تقدم عند زوائد الرهن ذكره المصنف هناك مسندًا، وهنا مرسلًا، كأنه أراد أن يجمع بين الطريقين وقدم المسند، ليكون المرسل بعده معتضدًا به. ومذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل ابن المسيب ونحوه إذا اعتضد (١)، وهذا المرسل بلفظ: "قضى" رواه أبو داود في "المراسيل" (٢) عن أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن ابن المسيب قال: قضى رسول الله ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". وقد تقدم من قبل أن هذه الزيادة مدرجة، ولما كانت مقصود المصنف

стр. 1575

حكم الغنم ذكرها ومقصوده هنا الضمان، فلم يذكر الطريق التي هي فيه، واقتصر على قوله: "الرهن ممن رهنه"، فإنه الناصر على أنه من ضمان الراهن، وإن كان قوله: "وعليه غرمه" أيضًا يدل له، وقوله: "قضى"، إما أن يحمل على قضاء عام، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أي: أمر، وإما أن يكون قضى في واقعة خاصة، فإنا قدمنا عن ابن أبي شيبة رواية قصِّه فيها القضاء بذلك، وإن كان الحكم يعم، وتقدم الكلام على تفسير الحديث. وقد اختلف العلماء في ضمان الرهن. قال ابن المنذر: "افترق أهل العلم في الرهن يهلك عند المرتهن خمس فرق، فقالت فرقة: يترادان الفضل روي هذا القول عن علي بن أبي طالب، وبه قال عبيد الله بن الحسن، وأبو عبيد وإسحاق. وقالت فرقة: يكون من مال الراهن وحق المرتهن ثابت على الراهن، هذا قول الشافعي، وأحمد، وأبي ثور. وقالت فرقة: ذهبت الرهان بما فيها. يروى هذا القول عن شريح، والحسن، والشعبي. وقالت فرقة: إن كان الرهن أكثر مما رهن فيه فهلك، فهو بما فيه، والمرتهن أمين في الفضل، وإن كان أقل رد عليه النقصان، هكذا قال النخعي، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي. وقالت فرقة: إن كان الرهن مما يظهر تلفه مثل الحيوان والأرض والدار، فهو من الراهن إذا علم بهلاكه، وإن كان مما لا يعلم فهو من مال المرتهن وهو لقيمته ضامن، هذا قول مالك. قال أبو بكر: بقول الشافعي أقول؛ لأن ملك الرهن للراهن وإذا تلف

стр. 1576

فتلفه من مال مالكه" (١). انتهى ما قاله ابن المنذر. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (٢) عن الحسن بن صالح: "نفقة الرهن على المرتهن"؛ لأنه في ضمانه، وعن الشعبي وإبراهيم قالا: ما ذهب من الرهن من شيء، فبحساب ذلك، ونقل القاضي أبو الطيب كون الرهن أمانة عن علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأبي عبيد مع من تقدم. وذكر صاحب "البيان" (٣) أنها إحدى الروايتين عن علي، وذكر البويطي أن الشافعي استدل لكون الرهن أمانة بأن الناس إذا اختلفوا ولم يكن عن رسول الله ﷺ سُنة منصوصة ولا عن أصحابه، فالأمر في ذلك أن يشبه الشيء بالسنة، وما لم يختلف فيه العلماء، وقد أجمعوا على أنه أمانة في بعض المواضع، أما المدنيون فقالوا فيما يظهر: هو أمانة. وقال العراقيون: إذا كان فضل عن قيمة دينه، فهو أمانة، فلما أجمعوا في هذين الموضعين على أنه أمانة مع قول رسول الله ﷺ : "لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ"، وإجماع العلماء أنه لو رهن جارية فوطئها الراهن لم يحد، ولو وطئها المرتهن حد، ولو زادت كان ذلك للراهن، وإنما هي موقوفة في يد المرتهن بأمر ربها غير متعد، فلم يكن شيء أولى بأن تكون أمانة وإن كان قد تخالف الأمانة؛ لأن الأمانة لي أخذها متى شئت، وليس لي أخذ الجارية إلا بالفكاك؛ لأن الأصل أن ديني على الراهن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع العلماء، ثم اختلفوا بعد ذهاب الرهن في زواله، فلا يزول ما ثبت بكتاب الله وسنة رسوله بالاختلاف، ولا يزول إلا بسنة.

стр. 1577

وقال الشافعي في الرهن الصغير: "إنما هو (يعني: المرتهن) رجل اشترط لنفسه على مالك الرهن في الرهن شرطًا حلالًا لازمًا استوثق فيه من حقه طلب المنفعة لنفسه، والاحتياط على غريمه لا مخاطرًا بالارتهان؛ لأنه لو كان الرهن إذا هلك هلك حقه كان ارتهانه مخاطرة إن سلم الرهن، فحقه فيه، وإن تلف تلف حقه، ولو كان هكذا كان شرًّا للمرتهن في بعض حالاته؛ لأن حقه إذا كان في ذمة الراهن وفي جميع ماله لازمًا كان خيرًا له، قال: ولم نر ذمة رجل تبرأ، إلا بأن يؤدي إلى غريمه ما له عليه أو عوضًا منه أو يتطوع صاحب الحق بأن يبرئ. قال الشافعي: فقال قائل: ألا ترى أن أخذ المرتهن الرهن، كالاستيفاء لحقه، قلت: لو كان استيفاء لحقه، وكان الرهن جاريةً قد ملكها رجل له وطؤها، ولم يكن له ردها" (١)، ثم قاسه الشافعي على العين المستأجرة إذا تلفت، والضامن إذا هلك أو غاب، كما قاسه المصنف. قال الشافعي: "فقال بعض أصحابنا قولنا في الرهن: إذا كان مما يظهر هلاكه مثل الدار والنخل والعبيد، وخالفنا بعضهم فيما يخفى هلاكه من الرهن. قال الشافعي: واسم الرهن جامع لما يظهر هلاكه ويخفى، وإنما جاء الحديث جملة، قال الشافعي: والقول الصحيح فيه عندنا ما قلنا من أنه أمانة كله، لما وصفنا من دفع صاحبه إياه برضاه وحق أوجبه فيه كالكفالة. قال الشافعي: وقد قال هذا القول معهم بعض أهل العلم وليس في أحد مع قول رسول الله ﷺ حجة. قال الشافعي: وخالفنا بعض الناس في الرهن، فقال فيه: إذا رهن رجل

стр. 1578

رهنًا يحق له فالرهن مضمون، فإن هلك الرهن نظرنا، فإن كانت قيمته أقل من الدين رجع المرتهن على الراهن بالفضل، وإن كانت قيمة الرهن مثل الدين أو أكثر لم يرجع على الراهن بشيء ولم يرجع الراهن عليه بشيء. قال الشافعي: كأنه في قولهم: رجل رهن رجلًا ألف درهم بمائة درهم، فإن هلكت الألف فمائة بمائة، وهو في التسعمائة أمين، أو رجل رهن رجلًا مائة بمائة، فإن هلكت المائة، فالرهن بما فيه، أو رجل رهن خمسين بمائة، فإن هلكت الخمسون ذهبت بخمسين، ثم رجع المرتهن على الراهن بخمسين، وكذلك قولهم في عرض يساوي ما وصفنا مثل هذا. قال الشافعي: فقيل لبعض من قال هذا القول: هذا قول لا يستقيم بهذا الموضع عند أحد من أهل العلم يقال من جهة الرأي؛ لأنكم جعلتم رهنًا واحدًا مضمونًا مرة كله، ومرة بعضه ومرة بعضه بما فيه ومرة يرجع بالفضل فيه، فهو في قولكم: لا مضمون بما يضمن به ما ضمن؛ لأن ما ضمن إنما يضمن بعينه، فإن فات فقيمة ولا بما فيه من الحق، فمن أين قلتم بهذا لا يقبل إلا بخبر يلزم الناس الأخذ به قالوا: روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: يترادان الفضل، قلنا: فهو إذ قال: يترادان الفضل قد خالف قولكم، وزعم أنه ليس منه شيء بأمانة، وقول علي: إنه مضمون كله كان فيه فضل، أو لم يكن مثل جميع ما يضمن، مما إذا فات ففيه قيمته. قال الشافعي: فقلنا: قد رويتم ذلك عن علي وهو ثابت عندنا يرويه أصحابنا، فقد خالفتموه، قال: فأين؟ قلنا: زعمتم أنه قال: يترادان الفضل، وأنت تقول: إن رهنه ألفًا بمائة فمائة بمائة، وهو في التسعمائة أمين، والذي رويت عن علي فيه أنه الرهن يرجع على المرتهن بتسعمائة. قال: فقد روينا عن شريح أنه قال: الرهن بما فيه، وإن كان خاتمًا من

стр. 1579

حديد، قلنا: فأنت أيضًا تخالفه، قال: وأين قلنا: أنت تقول: إن رهنه مائة بألف أو خاتمًا يسوى درهمًا بعشرة، فهلك الرهن رجع صاحب الحق المرتهن على الراهن بتسعمائة من رأس ماله وبتسعة في الخاتم من رأس ماله، وشريح لا يرد واحدًا منهما على صاحبه بحال، فقال: قد روى مصعب بن ثابت عن عطاء، أن رجلًا رهن رجلًا فرسًا، فهلك الفرس، فقال رسول الله ﷺ : "ذَهَبَ حَقُّك". قال الشافعي: فقيل له: أخبرنا إبراهيم عن مصعب بن ثابت عن عطاء. قال: زعم الحسن كذا، ثم حكى هذا القول، قال إبراهيم: كان عطاء يتعجب مما روى الحسن، وأخبرني به غير واحد عن مصعب عن عطاء عن النبي ﷺ وسكت عن الحسن، فقيل له: أصحاب مصعب يروونه عن عطاء عن الحسن، فقال: نعم كذلك حدثنا، ولكن عطاء مرسل اتفق من الحسن مرسل. قال الشافعي: ومما يدل على رهن هذا عند عطاء إن كان رواه أن عطاء يفتي بخلافه، ويقول فيه بخلاف هذا كله، ونقول فيما ظهر هلاكه أمانة وفيما خفي يترادان الفضل، وهذا أثبت الرواية عنه، وقد روي عنه: "يترادان" مطلقه، وما شككنا فيه فلا نشك أن عطاء - إن شاء الله - لا يروي عن النبي ﷺ شيئًا مبينًا عنده، ويقول بخلافه، مع أني لم أعلم أحدًا روى هذا عن عطاء يرفع إلا مصعب، والذي روى عن عطاء يرفعه يوافق قول شريح أن الرهن بما فيه. قال: وكيف يوافقه؟ قلنا: قد يكون الفرس أكثر مما فيه الحق ومثله وأقل، فلم يُرْوَ، أنه سأل عن قيمة الفرس.

стр. 1580

قال: فكيف لم تأخذ به؟ قلنا: لو كان منفردًا لم يكن من الرواية التي تقوم بمثلها حجة، فكيف وقد روينا عن النبي ﷺ قولًا مبينًا مفسرًا؟! قال: فكيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعًا، ولم تقبلوه عن غيره؟ قلنا: لا يحفظ أن ابن المسيب رواه منقطعًا، إلا وجدنا ما يدل على تسديده ولا أثره عن أحد فيما عرفنا عنه إلا ثقة معروف، فكم كان بمثل حاله قبلنا منقطعه ورأينا غيره يسمي المجهول، ويسمي من يرغب عن الرواية عنه، ويرسل عن النبي ﷺ وعن بعض من لم يلق من أصحابه المستنكر، الذي لا يوجد له شيء يسدده، ففرقنا بينهم؛ لافتراق أحاديثهم، ولم نحابِ أحدًا، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفنا من صحة روايته" (١). قال: "فكيف لم تأخذوا بقول عليٍّ فيه، قلنا: إذا ثبت عن عليٍّ لم يكن عندنا وعندك وعند أحد من أهل العلم لنا أن يترك ما جاء عن النبي ﷺ إلى ما جاء عن غيره، قال: فقد روى عبد الأعلى الثعلبي عن علي (٢) شبيهًا بقولنا. قلنا: الرواية عن علي بأن يترادان الفضل أصح عنه، من رواية عبد الأعلى، وقد رأينا أصحابكم يضعفون رواية عبد الأعلى، التي لا يعارضها معارض تضعيفًا شديدًا، فكيف بما عارضه فيه من هو أقرب من الصحة وأولى بها؟! قال الشافعي: وقيل لقائل هذا القول: قد خرجت فيه مما رويت عن عطاء يرفعه، ومن أصح عن علي وعن شريح، و ما روينا عن النبي ﷺ إلى قول رويته عن إبراهيم النخعي، وقد روي عن إبراهيم خلافه، وإبراهيم لو
следующие страницы →