← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فتلفه من مال مالكه" (١). انتهى ما قاله ابن المنذر. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (٢) عن الحسن بن صالح: "نفقة الرهن على المرتهن"؛ لأنه في ضمانه، وعن الشعبي وإبراهيم قالا: ما ذهب من الرهن من شيء، فبحساب ذلك، ونقل القاضي أبو الطيب كون الرهن أمانة عن علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأبي عبيد مع من تقدم. وذكر صاحب "البيان" (٣) أنها إحدى الروايتين عن علي، وذكر البويطي أن الشافعي استدل لكون الرهن أمانة بأن الناس إذا اختلفوا ولم يكن عن رسول الله ﷺ سُنة منصوصة ولا عن أصحابه، فالأمر في ذلك أن يشبه الشيء بالسنة، وما لم يختلف فيه العلماء، وقد أجمعوا على أنه أمانة في بعض المواضع، أما المدنيون فقالوا فيما يظهر: هو أمانة. وقال العراقيون: إذا كان فضل عن قيمة دينه، فهو أمانة، فلما أجمعوا في هذين الموضعين على أنه أمانة مع قول رسول الله ﷺ : "لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ"، وإجماع العلماء أنه لو رهن جارية فوطئها الراهن لم يحد، ولو وطئها المرتهن حد، ولو زادت كان ذلك للراهن، وإنما هي موقوفة في يد المرتهن بأمر ربها غير متعد، فلم يكن شيء أولى بأن تكون أمانة وإن كان قد تخالف الأمانة؛ لأن الأمانة لي أخذها متى شئت، وليس لي أخذ الجارية إلا بالفكاك؛ لأن الأصل أن ديني على الراهن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع العلماء، ثم اختلفوا بعد ذهاب الرهن في زواله، فلا يزول ما ثبت بكتاب الله وسنة رسوله بالاختلاف، ولا يزول إلا بسنة.

стр. 1577

وقال الشافعي في الرهن الصغير: "إنما هو (يعني: المرتهن) رجل اشترط لنفسه على مالك الرهن في الرهن شرطًا حلالًا لازمًا استوثق فيه من حقه طلب المنفعة لنفسه، والاحتياط على غريمه لا مخاطرًا بالارتهان؛ لأنه لو كان الرهن إذا هلك هلك حقه كان ارتهانه مخاطرة إن سلم الرهن، فحقه فيه، وإن تلف تلف حقه، ولو كان هكذا كان شرًّا للمرتهن في بعض حالاته؛ لأن حقه إذا كان في ذمة الراهن وفي جميع ماله لازمًا كان خيرًا له، قال: ولم نر ذمة رجل تبرأ، إلا بأن يؤدي إلى غريمه ما له عليه أو عوضًا منه أو يتطوع صاحب الحق بأن يبرئ. قال الشافعي: فقال قائل: ألا ترى أن أخذ المرتهن الرهن، كالاستيفاء لحقه، قلت: لو كان استيفاء لحقه، وكان الرهن جاريةً قد ملكها رجل له وطؤها، ولم يكن له ردها" (١)، ثم قاسه الشافعي على العين المستأجرة إذا تلفت، والضامن إذا هلك أو غاب، كما قاسه المصنف. قال الشافعي: "فقال بعض أصحابنا قولنا في الرهن: إذا كان مما يظهر هلاكه مثل الدار والنخل والعبيد، وخالفنا بعضهم فيما يخفى هلاكه من الرهن. قال الشافعي: واسم الرهن جامع لما يظهر هلاكه ويخفى، وإنما جاء الحديث جملة، قال الشافعي: والقول الصحيح فيه عندنا ما قلنا من أنه أمانة كله، لما وصفنا من دفع صاحبه إياه برضاه وحق أوجبه فيه كالكفالة. قال الشافعي: وقد قال هذا القول معهم بعض أهل العلم وليس في أحد مع قول رسول الله ﷺ حجة. قال الشافعي: وخالفنا بعض الناس في الرهن، فقال فيه: إذا رهن رجل

стр. 1578

رهنًا يحق له فالرهن مضمون، فإن هلك الرهن نظرنا، فإن كانت قيمته أقل من الدين رجع المرتهن على الراهن بالفضل، وإن كانت قيمة الرهن مثل الدين أو أكثر لم يرجع على الراهن بشيء ولم يرجع الراهن عليه بشيء. قال الشافعي: كأنه في قولهم: رجل رهن رجلًا ألف درهم بمائة درهم، فإن هلكت الألف فمائة بمائة، وهو في التسعمائة أمين، أو رجل رهن رجلًا مائة بمائة، فإن هلكت المائة، فالرهن بما فيه، أو رجل رهن خمسين بمائة، فإن هلكت الخمسون ذهبت بخمسين، ثم رجع المرتهن على الراهن بخمسين، وكذلك قولهم في عرض يساوي ما وصفنا مثل هذا. قال الشافعي: فقيل لبعض من قال هذا القول: هذا قول لا يستقيم بهذا الموضع عند أحد من أهل العلم يقال من جهة الرأي؛ لأنكم جعلتم رهنًا واحدًا مضمونًا مرة كله، ومرة بعضه ومرة بعضه بما فيه ومرة يرجع بالفضل فيه، فهو في قولكم: لا مضمون بما يضمن به ما ضمن؛ لأن ما ضمن إنما يضمن بعينه، فإن فات فقيمة ولا بما فيه من الحق، فمن أين قلتم بهذا لا يقبل إلا بخبر يلزم الناس الأخذ به قالوا: روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: يترادان الفضل، قلنا: فهو إذ قال: يترادان الفضل قد خالف قولكم، وزعم أنه ليس منه شيء بأمانة، وقول علي: إنه مضمون كله كان فيه فضل، أو لم يكن مثل جميع ما يضمن، مما إذا فات ففيه قيمته. قال الشافعي: فقلنا: قد رويتم ذلك عن علي وهو ثابت عندنا يرويه أصحابنا، فقد خالفتموه، قال: فأين؟ قلنا: زعمتم أنه قال: يترادان الفضل، وأنت تقول: إن رهنه ألفًا بمائة فمائة بمائة، وهو في التسعمائة أمين، والذي رويت عن علي فيه أنه الرهن يرجع على المرتهن بتسعمائة. قال: فقد روينا عن شريح أنه قال: الرهن بما فيه، وإن كان خاتمًا من

стр. 1579

حديد، قلنا: فأنت أيضًا تخالفه، قال: وأين قلنا: أنت تقول: إن رهنه مائة بألف أو خاتمًا يسوى درهمًا بعشرة، فهلك الرهن رجع صاحب الحق المرتهن على الراهن بتسعمائة من رأس ماله وبتسعة في الخاتم من رأس ماله، وشريح لا يرد واحدًا منهما على صاحبه بحال، فقال: قد روى مصعب بن ثابت عن عطاء، أن رجلًا رهن رجلًا فرسًا، فهلك الفرس، فقال رسول الله ﷺ : "ذَهَبَ حَقُّك". قال الشافعي: فقيل له: أخبرنا إبراهيم عن مصعب بن ثابت عن عطاء. قال: زعم الحسن كذا، ثم حكى هذا القول، قال إبراهيم: كان عطاء يتعجب مما روى الحسن، وأخبرني به غير واحد عن مصعب عن عطاء عن النبي ﷺ وسكت عن الحسن، فقيل له: أصحاب مصعب يروونه عن عطاء عن الحسن، فقال: نعم كذلك حدثنا، ولكن عطاء مرسل اتفق من الحسن مرسل. قال الشافعي: ومما يدل على رهن هذا عند عطاء إن كان رواه أن عطاء يفتي بخلافه، ويقول فيه بخلاف هذا كله، ونقول فيما ظهر هلاكه أمانة وفيما خفي يترادان الفضل، وهذا أثبت الرواية عنه، وقد روي عنه: "يترادان" مطلقه، وما شككنا فيه فلا نشك أن عطاء - إن شاء الله - لا يروي عن النبي ﷺ شيئًا مبينًا عنده، ويقول بخلافه، مع أني لم أعلم أحدًا روى هذا عن عطاء يرفع إلا مصعب، والذي روى عن عطاء يرفعه يوافق قول شريح أن الرهن بما فيه. قال: وكيف يوافقه؟ قلنا: قد يكون الفرس أكثر مما فيه الحق ومثله وأقل، فلم يُرْوَ، أنه سأل عن قيمة الفرس.

стр. 1580

قال: فكيف لم تأخذ به؟ قلنا: لو كان منفردًا لم يكن من الرواية التي تقوم بمثلها حجة، فكيف وقد روينا عن النبي ﷺ قولًا مبينًا مفسرًا؟! قال: فكيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعًا، ولم تقبلوه عن غيره؟ قلنا: لا يحفظ أن ابن المسيب رواه منقطعًا، إلا وجدنا ما يدل على تسديده ولا أثره عن أحد فيما عرفنا عنه إلا ثقة معروف، فكم كان بمثل حاله قبلنا منقطعه ورأينا غيره يسمي المجهول، ويسمي من يرغب عن الرواية عنه، ويرسل عن النبي ﷺ وعن بعض من لم يلق من أصحابه المستنكر، الذي لا يوجد له شيء يسدده، ففرقنا بينهم؛ لافتراق أحاديثهم، ولم نحابِ أحدًا، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفنا من صحة روايته" (١). قال: "فكيف لم تأخذوا بقول عليٍّ فيه، قلنا: إذا ثبت عن عليٍّ لم يكن عندنا وعندك وعند أحد من أهل العلم لنا أن يترك ما جاء عن النبي ﷺ إلى ما جاء عن غيره، قال: فقد روى عبد الأعلى الثعلبي عن علي (٢) شبيهًا بقولنا. قلنا: الرواية عن علي بأن يترادان الفضل أصح عنه، من رواية عبد الأعلى، وقد رأينا أصحابكم يضعفون رواية عبد الأعلى، التي لا يعارضها معارض تضعيفًا شديدًا، فكيف بما عارضه فيه من هو أقرب من الصحة وأولى بها؟! قال الشافعي: وقيل لقائل هذا القول: قد خرجت فيه مما رويت عن عطاء يرفعه، ومن أصح عن علي وعن شريح، و ما روينا عن النبي ﷺ إلى قول رويته عن إبراهيم النخعي، وقد روي عن إبراهيم خلافه، وإبراهيم لو

стр. 1581

لم تختلف الرواية عنه لا يلزم قوله، وقلتَ قولًا متناقضًا خارجًا من أقاويل الناس، وليس للناس فيه قول إلا وله وجه، وإن ضعف إلا قولكم، فإنه لا وجه له يقوى ولا يضعف. قال الشافعي: ووجه قول من قال: الرهن بما فيه أن يقول: قد رضي الراهن والمرتهن أن يكون الحق في الرهن، فَإِذَا هَلَكَ هَلَك بما فيه؛ لأنه كالبدل من الحق، وهذا ضعيف، قال: وقيل لبعض من قال هذا القول الذي حكينا: أنت أخطأت بخلاف السنة وأخطأت بخلافك ما قلت، قال: وأين خالفتُ ما قلتُ؟ (١) قلتُ: عِبتَ علينا أن زعمنا أنه أمانة، وحجتنا فيه ما ذكرنا وغيرها مما فيه مما ذكرنا كفاية منه، فكيف عبت قولًا قلت ببعضه؟! وقال لي: وأين؟ قلت: زعمت أن الرهن مضمون؟ قال: نعم. قلنا: فهل رأيت مضمونًا قط بعينه فيهلك، إلا أدى الذي ضمنه قيمته بالغة ما بلغت؟! قال: لا غير الرهن. قلنا: فالرهن إذ كان عندك مضمونًا إذا كان يسْوَى ألفًا، وهو رهن بمائة لِمَ لَمْ يَضْمَنْ المرتهن تسعمائة؟ قال: هو في الفضل أمين. قلنا: ومعنى الفضل غير معنى غيره؟ قال: نعم. قلنا: لأن الفضل ليس برهن. قال: إن قلتَ ليس برهنٍ. قلتُ: أفيأخذه مالكه؟ قال: فليس لمالكه أن يأخذه حتى يؤدي ما فيه. قلنا: لِمَ. قال: لأنه رهن، قلنا: فهو رهن واحد محتبس بحق واحد بعضه مضمون وبعضه أمانة. قال: نعم، أفتقبل مثل هذا القول ممن يخالفك، فلو قال هذا غيرك ضعفته تضعيفًا شديدًا فيما نرى. وقلت: كيف يكون الشيء الواحد مدفوعًا بالأمر الواحد، بعضه أمانة وبعضه مضمون؟! أرأيت جارية تَسْوَى ألفًا رهنت بمائة يكون عشرها مضمونًا وتسعة أعشارها أمانة؟ قال: نعم. قلنا: فأي شيء عبت من قولنا:

стр. 1582

ليس مضمون، وأنت تقول في أكثره: ليس بمضمون؟! قال الشافعي: وقيل له فما تقول: إن نقصت الجارية في ثمنها حتى تصير تسوى مائة؟ قال: الجارية كلها مضمونة. قيل: فإن زادت حتى تسوى ألفين؟ قال: تخرج الزيادة من الضمان، وتصير نصف عشرها مضمونًا وباقيها غير مضمون. قلنا: ثم هكذا إن نقصت حتى تسوى مائة. قال: نعم تعود كلها مضمونة. فقلت لبعضهم: لو قال هذا غيركم كنتم شبيهًا أن تقولوا: ما يحل لك أن تتكلم في الفتيا، وأنت لا تدري ما تقول كيف يكون رهن واحد بحق واحد بعضه أمانة وبعضه مضمون، ثم يزيد فيخرج ما كان مضمونًا منه من الضمان، وزعمت أنه إن دفع جارية رهنًا بألف وهى تسوى ألفًا فولدت أولادًا يساوون آلافًا فالجارية مضمونة كلها، والأولاد رهن كلهم غير مضمونين، ثم إن ماتت أمهم صاروا مضمونين بحساب، فهم كلهم مرة رهن خارجون من الضمان، ومرة داخل بعضهم في الضمان خارج بعض. قال الشافعي: فقيل لمن قال هذا القول: ما يدخل على أحد أقبح من قولكم أعلمه وأشدتنا تناقضًا أخبرني من أثق به عن بعض من نُسب إلى العلم منهم أنه يقول: لو رهن الجارية بألف ثم أدى الألف إلى المرتهن وقبضها منه، ثم دعاه بالجارية هلكت قبل أن يدفعها إليه، هلكت من مال الراهن وكانت الألف مسلمة للمرتهن؛ لأنها حقه، فإنه كان هذا، فقد صاروا فيه إلى قولنا وتركوا جميع قولهم" (١). انتهى ما أردت نقله من كلام الشافعي وحذفت بعضه. قال البيهقي في "المعرفة" (٢): "أما الذي ذكره الشافعي في مرسلات ابن

стр. 1583

المسيب، فكذلك قال غيره من أهل العلم بالحديث. قال أحمد بن حنبل ﵀: مرسلات سعيد بن المسيب صحاح لا نرى أصح من مرسلاته، وأما الحسن وعطاء فليس مراسيلهما بذاك، هي أضعف المرسلات كأنهما كانا يأخذان عن كل أحد. وقال يحيى بن معين: أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب، وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أنه كان إذا سئل عن مسألة فالتبست عليه قال: عليكم بسعيد بن المسيب فإنه قد جالس الصالحين، وعن جعفر بن ربيعة قال: قلت لعراك بن مالك: مَن أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، وأفقههم فيها، وأبصرهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب. قال البيهقي: والحكايات عن السلف في تفصيل سعيد بن المسيب فيما نرويه على أبناء دهره كثيرة، وللشافعي فيما قال في مراسيل ابن المسيب لهم قدوة، ثم إنه -رحمه الله تعالى- لم يقتصر في مراسيله على مجرد الدعوى، حتى بيَّن وجه الرجحان في مراسيله، ثم لم يخص به ابن المسيب بل قطع القول بأن من كان في مثل حاله قبلنا منقطعه، وقد حكينا مبسوط كلامه في ذلك في الأصول، ثم هذا الحديث وصله زياد بن سعد، وهو من الثقات كما سبق، وعبد الأعلى الثعلبي ضعيف. وقال يحيى بن سعيد القطان: قلت لسفيان في أحاديث عبد الأعلى عن ابن الحنفية فوهنها، وفي رواية الحكم عن علي، ورواية الحارث عن علي: يترادان الفضل، وهو منقطع وضعيف، وفي رواية قتادة عن خِلاس عن علي: إذا كان في الرهن فضل، فإن أصابته جائحة، فالرهن بما فيه، وإن لم تصبه جائحة، فإنه يرد الفضل. وهذه أصح الروايات عن علي - كرم الله

стр. 1584

وجهه - وفيها أن أهل العلم بالحديث، يقولون: ما روى خِلاس عن علي أخذه من صحيفة. قال يحيى بن معين وغيره من الحفاظ: وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ مثل رواية عبد الأعلى، وإنما رواه أبو العوّام عمران بن داود القطان، عن مطر، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عمر بن الخطاب، وعمران بن داود القطان لم يحتج به صاحب الصحيح، وضعفه يحيى بن معين وأبو عبد الرحمن النسائي، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه. وقال: لم يكن من أهل الحديث كتبت عنه أشياء فرميتُ بها، وقال يحيى ابن معين: عمران القطان لم يرو عنه يحيى بن سعيد، وليس بشيء، والعجب أن بعض من يدعي تسوية الأخبار على مذهبه، يطعن في مطر الوراق في مسألة نكاح المحرم، حين روى حماد، عن مطر، عن ربيعة، عن سليمان ابن يسار عن أبي رافع، أن النبي ﷺ تزوج ميمونة حلالًا، ثم يحتج برواية أبي العوام عنه في هذه المسألة، ويجعل اعتماده عليه؛ إذ ليس له فيما روي عن غيره حجة، كما بينه الشافعي - رحمه الله تعالى -، ثم أنه ذكر حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه. قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين يُنتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وذكر الفقهاء في مشيخة من نظرائهم أهل فقه وصلاح وفضل، فذكر ما جمع من أقاويلهم في كتابه على هذه الصفة، أنهم قالوا: الرهن بما فيه إذا هلك، وعميت قيمته ويرفع ذلك منهم الثقة إلى رسول الله ﷺ ، واستدل بهذا الحديث على أن ابن المسيب كان يذهب إلى تضمين الرهن، والراوي أعلم بتأويل الحديث؛ دل أن معنى حديثه غير ما ذهبتم إليه، قلنا: ليس من الإنصاف ترك شيء من الحديث المستقيم على

стр. 1585

الباقي ما قصده من الاحتجاج به. وحديث ابن أبي الزناد عن أبيه قد أخبرناه أبو الحسن الرفاء، قال: أخبرنا عثمان، قال: حدثنا إسماعيل القاضي، قال: حدثنا ابن أبي أويس وعيسى، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، أن أباه قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين يُنتهى إلى قولهم، فذكر أسماءهم، ثم قال: وربما اختلفوا في الشيء، فأخذنا بقول أكثرهم، فأخبرنا أبو الزناد أن الذي جمعه واختاره فيما اختلفوا فيه قول بعضهم لا قول جميعهم. وقد ثبت عن ابن المسيب خلاف ذلك دلَّ أنه لم يرده، وأما رواية الثقة منهم فهو منقطع كحديث عطاء، وفيه زيادة ليست في حديث عطاء وهي أنه إنما يكون بما فيه إذا عميت قيمته، وهذا يشبه أن يكون كمذهب مالك في الفرق بين ما يظهر هلاكه وما يخفى ويجعله أمانة فيما يظهر، ونحن نقول به فيما يظهر هلاكه، والمحتج بهذا لا يقول به فيما يخفى هلاكه في حال دون حال، ولا يقول به فيما يظهر هلاكه بحال، فمن المحال أن يحتج بما لا يقول به في أكثر أحواله، وهو عندنا لا حجة فيه؛ لانقطاعه، ونحن لم نحتج بمراسيل ابن المسيب حتى أكدناها بما تتأكد به المراسيل. واعترض المحتج على الشافعي في تأويله قوله ﷺ : "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"، والشافعي ذكر معه تأويل غيره، واستنبط من الخبر معنى آخر، وهو مكانه من اللغة، وكونه من أرباب اللسان ذكرًا ونسبًا، فمن الغباوة الدخول عليه فيما يقوله في اللغة". هذا كلام البيهقي، والشخص الذي أشار إليه أنه ذكر حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد هو الطحاوي، فقد رأيته في كتابه المسمى "شرح الآثار" (١)، وروى فيه حديث عبد الأعلى الثعلبي عن محمد ابن

стр. 1586

الحنفية عن علي، وبالغ الطحاوي فقال: "فعمّن أخذ قوله هذا؟ أو مَن إمامه فيه؟ وقد روينا عن رسول الله ﷺ خلافه، وعن تابعي أصحابه خلافه، وقد روي عن أئمة أصحابه خلاف ذلك أيضًا" (١)، ثم ذكر الآثار التي تقدم جوابها بغير زيادة. ورأي الطحاوي أن هلاك الرهن يبطل الدين، قال: "غير أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ذهبوا في الرهن إلى ما رويناه عن عمر والنخعي، وأشار الطحاوي بما ذكر إلى أن الشافعي غير مسبوق في قوله: إن الرهن أمانة وليس بصحيح؛ لأن سعيد بن المسيب قال: له غنمه وعليه غرمه" (٢). وقد تقدم قول من قال: إن هذا مدرج من كلامه، وهو قول أبي داود وقول من قال: إنه من الحديث، وهو قول الشافعي والجمهور وإن كان من الحديث، وهو راويه فلا يخالفه، فعلى كل تقدير يغلب على الظن أنه قائل بأن الرهن أمانة كما يقوله الشافعي. واعلم أني لم أر في هذه المسألة للصحابة شيئًا، إلا ما تقدم عن علي في بعض الروايات عنه: يترادان الفضل، وفي بعضها تفصيل، ولم ينقل عن غيره من الصحابة شيء إلا أبا هريرة، فإنه قال: أمانة، كما قاله الشافعي على ما نقله الماوردي (٣)، وإلا ابن عمر، ففي "مصنف ابن أبي شيبة" (٤) عنه: أنهما يترادان الفضل، وهذه مسألة جزئية لا ينتشر الكلام فيها وكذلك التابعون كلامهم فيها قليل، وقد عرف كلام ابن المسيب فيها، والقول بالضمان فيها مخالف للقواعد؛ إذ لم يقل الخصم: أنه يضمنه بقيمته

стр. 1587

على قياس المضمونات، ولم يتفقوا على سقوط الدين بكماله بتلف المرهون، ولم يجمعوا على عدم كونه أمانة، فلم يبق إلا النظر، وهو مع كلام الشافعي. وأما الحديث الذي احتجوا به، فهو قد أشار إليه الشافعي (١)، ورواه أبو داود في "المراسيل" (٢) عن محمد بن العلاء عن ابن المبارك عن مصعب قال: سمعت عطاء يحدث أن رجلًا رهن فرسًا، فنفق في يده، فقال رسول الله ﷺ للمرتهن: "ذَهَبَ حَقُّك". وروى أبو داود أيضًا في "المراسيل" (٣) عن طاوس، أن النبي ﷺ قال: "الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ"، وعن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: إن أناسًا يوهمون في قول رسول الله ﷺ : "الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ". ولكن إنما قال ذلك فيما أخبرنا الثقة من الفقهاء أن رسول الله ﷺ قال: "الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ" إذا هلك وعميت قيمته، يقال حينئذ للذي رهنه: زعمت أن قيمته مائة دينار أسلمته بعشرين دينار أو رضيت بالرهن، ويقال للآخر: زعمت أن ثمنه عشرة دنانير فقد رضيت به عوضًا من عشرين دينار (٤). انتهى ما ذكره أبو داود. والجواب عن المرسل بضعفه، وعما قاله أبو الزناد: أنه ليس مجمعًا عليه، وروى الدارقطني مما احتجوا به عن حميد عن أنس عن النبي ﷺ قال: "الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ"، قال الدارقطني: لا يثبت هذا عن حميد، وكل من بينه وبين شيخنا ضعفاء (٥)، وهم أحمد بن محمد بن غالب عن عبد الكريم

стр. 1588

ابن روح عن هشام بن زياد. ورواه الدارقطني بإسناد آخر عن إسماعيل بن أبي أمية، عن سعيد بن راشد، عن حميد وإسماعيل بن أبي أمية أيضًا، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، قال الدارقطني: إسماعيل هذا يضع الحديث، وهذا باطل عن قتادة، وعن حماد سلمة (١)، ولم يحتج الدارقطني بذكر سعيد بن راشد؛ لأنه ضعيف بمرة، وذكر البيهقي في "الخلافيات" أنهم استدلوا بما روي عن عمرو بن دينار قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ". قال أبو حازم الحافظ: تفرد به حسان بن إبراهيم الكرماني، قال البيهقي ﵁: وهو منقطع بين عمرو بن دينار وأبي هريرة (٢). قلت: وهو كما قال البيهقي؛ لأن وفاته سنة ست وعشرين ومائة، وكان يقول: جاوزت السبعين (٣) ووفاة أبي هريرة سنة ثمان وخمسين، فيصغر عن السماع منه، وإنما روى عن جابر، وابن عباس، وابن عمر، ومن بعدهم، وهذه هي العلة في الحديث، وهي الانقطاع. وأما تفرد حسان بن إبراهيم به، ففي كونه قادحًا نظر؛ لأنه ثقة متفق عليه، وإن كان يقع في حديثه بعض الغلط، وإلى هذا أشار أبو حازم الحافظ؛ لأنه يخشى أن يكون هذا من الغلط. واعلم أن المذاهب الخمسة التي نقلها ابن المنذر في ألفاظ السلف في بعضها إلباس، ولكن الماوردي كشفها، فقال: "أحدها: وهو مذهبنا أن الرهن أمانة لا يضمن إلا بالتعدي، وبه قال من الصحابة أبو هريرة ومن

стр. 1589

التابعين ابن المسيب ومن الفقهاء ابن أبي ذئب وأحمد وأبو ثور. والثاني: أنه مضمون بأقل الأمرين من قيمته، أو الحق المرهون به، وهو مذهب أبي حنيفة. والثالث: أنه مضمون بقيمته، وإن زادت على الحق، ويترادان الفضل، فإن كانت قيمته ألفا والحق ألفين ضمنه المرتهن بألف، ويرجع على الراهن ببقية القيمة، وبه قال علي وعطاء وإسحاق. والرابع: أنه مضمون بالحق حتى لو كانت قيمته درهمًا، والحق ألفا ضمنه بألف، وبه قال شريح والحسن والشعبي. والخامس: إن كان تلفه ظاهرًا كالنهب والحريق وانهدام الدار، فهو غير مضمون وإن كان باطنًا كالسرقة فيضمن بقيمته، وهو مذهب مالك" (١). وهذا الذي نقله عن مالك من ضمان الخفي هلاكه بقيمته، تقدم عن ابن المنذر مثله، وكذا نقله البويطي، والرافعي نقل عنه أنه مضمون بالدين (٢). وقد استدل المصنف في "النكت" وغيره من أصحابنا من جهة القياس بأدلة منها، ما ذكره في الكتاب أنه وثيقة بدين ليس بعوض منه، وفيه احتراز من المبيع إذا هلك في يد البائع قبل القبض؛ ولأنه مقبوض عن عقد واحد بعضه أمانة، فكان جميعه أمانة كالوديعة والشركة. وأراد ببعضه الذي هو أمانة ما زاد على قدر الحق، ولأن الرهن وثيقة لمن له الحق، فلو كان مضمونًا لكان وثيقة عليه، ولأن ما أمسكه بالرهن لم يضمنه بحكم الرهن؛ كالحَمْل الموجود حال الرهن إذا قلنا بدخوله، ولأنه أحد محلي حق المرتهن، فلا يسقط الحق بتلفه كالذمة، ولأنه من زوائد

стр. 1590

عقد، فلا يسقط بتلفه الحق الذي بأصل العقد كالصداق؛ ولأنه لو كان مضمونًا لضمن فاسده، وقد قالوا: إن الرهن المأخوذ في العهدة لا يضمن، فدل على أنه غير مضمون. ذكر المصنف هذه الأدلة كلها إلا الثاني. وأجابوا عن حديث الرهن بما فيه مع ضعفه بحمله على أنه محبوس بما فيه، أو مبيع بما فيه؛ لأنه يحتمل ذلك، ويحتمل أنه مضمون بما فيه، فوجب التوقف، وعن حديث "ذَهَبَ حَقُّك" (١) مع ضعفه بأنه يحتمل: ذهب حقك من الوثيقة، فلا تطالب برهن آخر، كما يطالب المؤجر بدابة أخرى إذا هلكت دابة. قال: وهذا أشبه؛ لأنه لو أراد الدين لما أطلق حتى يعرف مقدار الدين والرهن. قالت الحنفية: هو محبوس في يده بعقد استيفاء، فكان مضمونًا عليه؛ كالمبيع قبل القبض. قلنا: لا تأثير للوصف، فإنه مضمون في الأصل والفرع إذا قضاه الدين، وإن لم يكن محبوسًا بالحق، ثم يبطل بما إذا عجل الأجرة في الإجارة، ثم تفاسخا وحبس العين بالأجرة، والمبيع عوض عن الدين لا ينفرد عنه، فإذا تلف سقط ما في مقابله، وهذا وثيقة ليس بعوض، فإذا تلف بقي الدين كالضمان والشهادة، ولأنَّ بتلف المبيع ينفسخ البيع، ولا يجوز أن يستحق الثمن مع انفساخ البيع، وها هنا لا ينفسخ بتلف الرهن قالوا: أخذه على وجه الاستيفاء، فكان حكمه إذا تلف حكم المستوفى كالسوم. قلنا: ينتقض بالإجارة وأيضًا فإنا نقول: إن سبب الشيء فيما يتعلق بالضمان حكم مسببه فالمستام أخذ ليشتري، ويكون مضمونًا عليه، فيكون

стр. 1591

مضمونًا عليه بالسوم، وهنا لو أخذه ليرهنه لم يكن مضمونًا عليه، كذا قاله الماوردي، فكذا إذا أخذه عن عقد الرهن. وأيضًا: فلم يسلك بالسوم مسلك الشراء؛ لأن الشراء مضمون بالثمن والسوم مضمون بالقيمة؛ لأنه قبضه على وجه البدل، فضمنه به، والمرتهن لم يقبض ليستوفي الحق منه؛ بل ليباع ويدفع إليه الثمن، ومدار البحث على هذه النكتة. هم يقولون: قبضه ليستوفي الحق منه، ويجعلون قبضه قبض استيفاء. ونحن نقول: قبضه توثقة إن احتيج إليه بيع واستوفى الحق من ثمنه. قالوا حق تعلق بالعين فسقط بهلاكه كأرش الجناية. قلنا: أرش الجناية يختص بالعين، وهذا يتعلق بالعين والذمة، فإذا فاتت العين بقيت الذمة. قالوا: لو كان أمانة لقبل قوله في الرد كالوديعة. قلنا: إذا لم نَقُلْ به فالوديعة أخذها لمنفعة المالك، وهذا لمنفعة نفسه والإنصاف أن يد المرتهن يد وثيقة، وأن الاستيفاء في الحال غير معقول وإنما يكون بالبيع، فإذا حصل التلف لم يحصل الاستيفاء. * * *

стр. 1592

قال: فإن غصب عينًا ورهنها بدين، فلم يعلم المرتهن وهلكت عنده من غير تفريط، فهل يجوز للمالك أن يغرمه؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا يغرمه؛ لأنه دخل على الأمانة. والثاني: أن له أن يغرمه؛ لأنه أخذه من يد ضامنه. فإن قلنا: إنه يغرمه فغرمه؛ فهل يرجع بما غرم على الراهن؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يرجع؛ لأنه غَرَّه. والثاني: لا يرجع؛ لأنه حصل التلف في يده، فاستقر الضمان عليه. وإن بدا وغرم الراهن، فإن قلنا: إن المرتهن إذا غرم رجع على الراهن لم يرجع الراهن على المرتهن بما غرمه. وإن قلنا: إن المرتهن [إذا غرم] (١) لا يرجع على الراهن رجع عليه الراهن بما غرمه، وإن رهن عينا عند رجل قال: رهنتك هذا إلى شهر، فإن لم أعطك مالَك فهو لك بالدين، فالرهن باطل؛ لأنه وقَّته والبيع باطل؛ لأنه علقه على شرط، فإن هلكت العين قبل الشهر لم يضمن؛ لأنه مقبوض بحكم الرهن، فلم يضمنه كالمقبوض عن رهن صحيح، وإن هلك بعد الشهر ضمنه؛ لأنه مقبوض بحكم البيع، فضمنه كالمقبوض عن بيع صحيح. لكون الرهن أمانة فروع ذكر المصنف منها هذين الفرعين فنذكرهما وغيرهما ونقدم عليهما أصلًا، وهو أن كل عقد يقتضي صحيحه الضمان،

стр. 1593

فكذلك فاسده يقتضي الضمان، وما لا يقتضي صحيحه الضمان لا يقتضي فاسده الضمان. أما الطرف الأول، فلأنَّ الصحيح إذا وجب الضمان، فالفاسد أولى، وأما الثاني، فلأن من أثبت اليد عليه أثبتها عن إذن المالك، ولم يلتزم بالعقد ضمانًا، ولا يكاد يوجد التسليم، والتسلم إلا من معتقدي الصحة. وقد شذ عن هذا الأصل الشركة إذا كانت صحيحة، فعمل كل منهما في مال صاحبه لا يكون عمله مضمونًا، وإذا كانت فسادة يكون مضمونًا، وعكسه عقد المسابقة على الخيل أو الرمي إذا كان صحيحًا يكون مضمونًا وفاسده لا يكون مضمونًا، استثنى هذين العقدين القاضي حسين، لكن الرافعي ذكر في المسابقة: "أنه لو فسدت المسابقة وركض المتسابقان على فسادهما، وسبق الذي لو صحت المسابقة لاستحق بالسبق المشروط، فهل يستحق شيئًا؟ وجهان: أحدهما: وهو اختيار أبي إسحاق وابن القاص: لا. وأصحهما، وبه قال ابن سلمة، واختاره الشيخ أبو حامد، والقفال: يستحق" (١)، وعقد الهبة إذا كان صحيحًا لا تكون العين الموهوبة مضمونة، وإذا كان فاسدًا فوجهان: أصحهما كذلك. إذا عرف هذا الأصل نرجع إلى ذكر فروع الأمانة وفروع أخرى. الأول: إذا غصب عينًا ورهنها ولم يعلم المرتهن، وهلكت عنده بغير تفريط، ففي تغريمه طريقان. قال العراقيون: فيه وجهان لابن سريج. وقيل: قولان؛ أصحهما الثاني: أنه يغرم. وقالت المراوزة: يغرم قطعًا، وإذا غرم ففي رجوعه على الراهن طريقان.

стр. 1594

قالت المراوزة: يرجع، وقال العراقيون: فيه وجهان؛ أصحهما: الرجوع، وإن ابتدأ، فغرم الغاصب فالأصح عدم رجوعه على المرتهن. قال الرافعي: والطريقان جاريتان في المستأجر من الغاصب والمودَع منه والمضارب، والذي دفع المغصوب إليه ووكله ببيعه، وكل ذلك إذا جهلوا كونه مغصوبًا فإن علموا فهم غاصبون أيضًا، والمستعير منه والمستام يطالبان ويستقر عليهما الضمان؛ لأن يد كل واحد منهما يد ضمان بخلاف المرتهن ومَن في معناه؛ لأن يدهم يد أمانة؛ فلهذا جرى فيهم الخلاف. قال ابن الرفعة: ويحتاج العراقيون أن يفرقوا بين ما نحن فيه وبين المشتري من الغاصب إذا غرم قيمة الولد، حيث جزموا بأنه يرجع لها لأجل الغرور مع أنه دخل على ألا يضمن ذلك. ومثل ذلك موجود فيما نحن فيه، وفي الفرق عسر؛ بل لو قيل: إنه لا يرجع في قيمة الولد ويرجع ها هنا لم يبعد؛ لأن التغرير هنا وجد في وضع اليد بالمباشرة، وثم وجد بالتسبب بالبيع؛ لأنه سبب للتسليط على الوطء، وقد لا يوجد؛ فلم يلزم من البيع تحقق الغرور به، وإن وجد فقد لا يتفق منه الإحبال. ولهذا ذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا يرجع بقيمة الولد، وذكر ابن الرفعة أيضًا أن المستعير والمستام يطالبان بلا خلاف، كما سبق، ولكن على طريقة العراقيين هل يطالبان بما يطالبان به لو كان الدافع إليهما مالكًا لا غير، أو بأقصى القيم، ويكون في رجوعهما بالقدر الزائد على الغاصب؟ الخلاف في المرتهن ونحوه، يشبه أن يكون فيه خلاف أخذًا مما سنذكره عن صاحب "التقريب" وغيره، فيما إذا ابتاع العين المغصوبة على جهل من الغاصب بأقل من قيمتها، وضمنه الغاصب أقصى القيم هل يرجع بما زاد

стр. 1595

على قدر الثمن على الغاصب؟ انتهى. وهذا التخريج الذي ذكره جيد، وأما إيراده على العراقيين، ففيه نظر؛ لأن الولد وإن لم يكن مضمونًا بالبيع، لكنه من أثره وناشئ عنه، فكان مستندًا إلى عقد ضمان، فهو في حكم المضمون بالعقد، فلا نسلم أنه دخل على أنه لا يضمن ذلك، وأورد أيضًا أنه كان يشبه أن يقال: يطالب المستأجر والمرتهن لأن يدهما ثبتت على العين لأنفسهما، ولا يطالب المودع والوكيل بغير جعل، وفي مطالبة الوكيل بجعل وعامل القراض خلاف، لكن لم أر من قال به. الفرع الثاني: مما ذكره المصنف إذا قال: رهنتك هذا إلى شهر، فإن لم أعطك مالك، فهو لك بالدين، أي: مبيع لك بطل الرهن للتوقيت والبيع للتعليق، نص عليه الشافعي في "الأم" و "البويطي"، والتعليل بحسب تصوير المصنف ظاهر، والرافعي قال: "لو رهن منه مالًا على أنه إذا حل الأجل، فهو مبيع منه، أو على أن يكون مبيعًا منه بعد شهر، فالرهن والبيع فاسدان" (١) أما الرهن؛ فلكونه مؤقتًا وأما البيع فلكونه مشروطًا، وليس في هذه العبارة تصريح بتوقيت الرهن إلَّا أن يقال: إنه إذا صار مبيعًا منه خرج من الرهن، فهو توقيت بالوقت الذي علق البيع عليه، وكون ذلك يكون أمانة قيل: الأجل لكونه رهنًا فاسدًا، ومضمونًا بعده؛ لكونه بيعًا فاسدًا منصوص عليه في "الأم". هذا ما عليه الجمهور، ووراءه شيئان غريبان: أحدهما: في الضمان بعد الشهر نقل الإمام وجهًا: "أنه إنما يصير مضمونًا إذا أمسكه عن جهة البيع، أما إذا عرف فساد البيع وأمسكه عن جهة الدين فلا، والصحيح:

стр. 1596

الأول" (١)؛ اعتبارًا بإذن المالك، فإنه لم يأذن في إمساكها بعد الشهر عن الدين، فهو بإمساكه لذلك متعدٍّ. الآخر: في فساد الرهن نقل القاضي حسين في "تعليقه" أن العراقيين قالوا: يخرج في المسألة قول آخر: أن الرهن صحيح من مسألة ذكرناها، وهي إذا رهن شيئًا وشرط المرتهن لنفسه زيادة، فالشرط باطل، وفي الرهن قولان كذلك ها هنا. وعلى هذا إذا قلنا بصحة الرهن، قال ابن الرفعة: إن علم الحال فيظهر أن لا ضمان بعد الشهر وجهًا واحدًا، وإن جهل الحال، فهو في نفس الأمر بعد الشهر مرهون، لكنه ممسك له؛ لجهله على حكم البيع، فهل يضمنه لذلك أو لا لما في نفس الأمر؟ فيه نظر، واحتمال. قلت: الأقرب على هذا أنه لا يضمنه اعتبارًا بما في نفس الأمر، هذا ما يتعلق بما ذكره المصنف، ولابد من التنبيه على فائدة وهي أن عبارة الرافعي التي حكيناها على أنه يكون مبيعًا منه تفيد الاشتراط، وهكذا عبارة الشافعي في "الأم"؛ فإنه قال: "لو رهنه وشرط له إن لم يأته بالحق إلى كذا فالرهن له بيع، فالرهن فاسد، والرهن لصاحبه الذي رهنه" (٢). انتهى. وعبارة المصنف لم يصرح فيها بالاشتراط، وقد ذكر الروياني الصورتين، فقال: "إذا رهن على أنه إن لم يقضه إلى محله كان مبيعًا منه بالدين فالرهن والبيع فاسدان، أما الرهن؛ فلأنه مؤقت ومن شأن الرهن أن يكون مطلقًا، وأما البيع فمعلق. ثم قال: لو قال: رهنتك هذا إلى سنة، فإن قضيتك فالعبد لي، وإن لم

стр. 1597

أقضك فالعبد لك بيعًا به، فالرهن جائز، والبيع باطل، والفرق بينه وبين المسألة الأولى، أن هنا أخرج مخرج الخبر فلم يقدح في صحة الرهن وبطل البيع لتعليقه، وهناك أخرج مخرج الشرط بقوله: عليَّ، فكلاهما باطل؛ لأنه شرط في الرهن ما ينافيه" (١). انتهى. وهذا الذي قاله فيه نظر؛ لأن الصورة الثانية وإن لم يكن فيها شرط ففيها توقيت، وهو قد علل البطلان في الصورة الأولى بالتوقيت لا بالشرط، وكذا تعليل المصنف والرافعي بالتوقيت وينبغي أن يجعل أربع صور: إحداها: إذا لم يوقت ولم يشترط في الرهن، بل قال: رهنتك، فإن لم أقضك عند الأجل، فهو مبيع ففي هذه الصورة يظهر ما قاله الروياني من فساد البيع وحده دون الرهن (٢)؛ لأن الرهن سالم عن الشرط والتوقيت. الثانية: إذا شرط ولم يوقت كما إذا قال: رهنتك هذا على أنه إن لم أقضك عند الأجل، فهو مبيع، فالبيع والرهن فاسدان، ولا يخالف الروياني في هذا (٣). نعم، يأتي فيها الخلاف الذي ذكره القاضي حسين عن العراقيين ويتجه جريانه. الثالثة: إذا وقت ولم يشترط، فالبيع فاسد للتعليق والرهن فاسد للتوقيت؛ كما اقتضاه تعليلهم وتصوير المصنف، ولا ينبغي أن يجري الخلاف الذي نقله القاضي حسين هنا؛ لأن ذلك الخلاف في الشرط، وأما التوقيت فتصان العقود عنه، ولا يختلف فيه.

стр. 1598

الرابعة: إذا وقت واشترط، فقال: رهنك هذا إلى سنة على أنه إن قضيتك وإلَّا فهو مبيع منك، فهذه أولى ببطلان العقدين من التي قبلها، وكلام المصنف يمكن أن يحمل على هذه؛ لسبق الفهم إلى إرادة ذلك، ويمكن أن يحمل على الثالثة اعتبارًا بمدلول اللفظ. الفرع الثالث: إذا قال: بشرط أن يكون موهوبة لك بعد شهر، قال ابن الرفعة: إنه يطرد فيه ما لو قال: تكون مبيعة قال: وقد يتوقف في بعض ذلك إذا قلنا: إن هبة ما في يد الشخص لا بد فيها من مضي زمان بعد الإذن في القبض إن احتيج إليه دون ما إذا قلنا: إنه لا يحتاج إلى ذلك، وقد يقال: بل ذلك جار على كل حال؛ لأنه في الابتداء قابض في الشهر بحكم الأمانة وبعده بحكم الهبة. الفرع الرابع: لو كانت أرضًا فغرس فيها المرتهن، أو بنى قبل دخول وقت البيع، والتصوير كما سبق في الفرع الثاني قلع مجانًا، وكذا لو غرس بعده وهو عالم بفساد البيع، وإن كان جاهلًا لم يقلع مجانًا لوقوعه بإذن المالك، وجهله بعدم الجواز، فيكون الحكم كما لو غرس المستعير ورجع المعير. وللإمام احتمال في أن العالم كالجاهل لإذن الراهن والحق خلافه؛ لما نبه هو عليه من أن الراهن إنما ذكر بيعًا، فإن صح حكم به، وإن فسد وجرى غرس على جهل عذر، وإلَّا فهو غير معذور، ونص الشافعي قبل المدة على القلع مجانًا، وبعدها على أنه لا يقلع مجانًا، وفي إطلاقه ما يؤيد احتمال الإمام، لكن الأقرب حمله على حالة الجهل. الفرع الخامس: إذا برئ الراهن عن الدين بأداء أو إبراء أو حوالة كان الرهن أيضًا أمانة في يد المرتهن، ولا يصير مضمونًا عليه إلَّا إذا امتنع من

стр. 1599

الردِّ بعد المطالبة، وقال ابن الصباغ: "ينبغي أن يكون المرتهن بعد الإبراء كمن طيرت الريح ثوبًا إلى داره حتى يعلم الراهن به أو يرده؛ لأنه لم يرض بيده إلَّا على سبيل الوثيقة" (١). وقد تقدم شيء من هذا عند قول المصنف: "فصل: ولا ينفك من الرهن شيء حتى يبرأ الراهن من جميع الدين" (٢)، وفرق صاحب "الاستقصاء" تبعًا للقاضي أبي الطيب بأن صاحب الثوب لم يرض بكونه في يده، وهنا رضي بذلك. قال: وقيل: إذا لم يعلم الراهن بالإبراء انبغى أن يلزم العدل رده على الراهن أو إعلامه به؛ لأنه لم يرض بتركه عنده إلَّا على سبيل الوثيقة، ويخالف إذا علم؛ لأنه قد رضي بتركه في يده. وقال أبو حنيفة: "إن قضاه كان مضمونًا، وإن أبرأه أو وهبه له، ثم تلف الرهن في يده؛ لم يضمنه استحسانًا" (٣). الفرع السادس: " لو أعاد المرهون من المرتهن لينتفع به؛ صح وضمنه. وعند أبي حنيفة: يخرج عن كونه مضمونًا، بناءً على مذهبه أن العارية غير مضمونة، ولو رهنه أرضًا وأذن له في الغراس بعد شهر، فهي بعد الشهر عارية، وقبله أمانة حتى لو غرس قبله قلع، ولو غرس بعده، فسيأتي الحكم في العارية إن شاء الله تعالى" (٤). وقال الغزالي في "الوجيز": "فهو بعد الغرس عارية" (٥)، وقال الرافعي:

стр. 1600

"إنه يجب تأويله؛ لأنه بعد الشهر عارية غَرَسَ أو لم يَغْرِس" (١) وحمله ابن الرفعة على ما إذا لم يوجد منه عند الأخذ ما يدل على قبول الشرط، فلا يصير بعد الشهر عارية إلَّا بالغرس، أما إذا أخذ على حكم الشرط، فلا فرق أن يغرس أو لا. الفرع السابع: لو رهن بشرط أن يكون مضمونًا على المرتهن أو من يوضع تحت يده فسد الشرط والرهن، ثم لا يكون مضمونًا نصَّ عليه الشافعي والأصحاب، قال الماوردي: "إذا ثبت أن اشتراط ضمان الرهن فاسد وجب اعتباره، فإن كان مشروطًا بعد عقد الرهن، صح الرهن، وبطل الشرط، وإن كان مشروطًا في عقد الرهن بطل الرهن قولًا واحدًا، وهل يبطل البيع المشروط فيه؟ على قولين؛ أحدهما: يبطل. والثاني: لا، ولكن للبائع الخيار" (٢)، وما ذكره من كون الشرط إذا كان بعد العقد يبطل ويصح الرهن؛ يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون بعد القبض أو لا، وقد قال الشافعي في "الأم" في باب ضمان الرهن قبل باب التعدي في الرهن: "وإذا دفع الراهن الرهن على أن المرتهن ضامن فالرهن فاسد، وهو غير مضمون إن هلك" (٣)، هذا لفظه. وإطلاقه يقتضي أنه إذا أطلق الرهن ثم شرط عند القبض فسد الرهن، وذلك يعارض ما قاله الماوردي إلَّا أن يحمل كلام الشافعي أن مراده إذا اقترن الشرط بالعقد والقبض معًا، وهكذا كل شيء لا يكون مضمونًا في نفسه كالوديعة، ومال الشركة والمضاربة لم يَصِرْ مضمونًا بالشرط، وكل ما يقتضي إطلاقه أن يكن مضمونًا كالعارية والقرض، لم يصر أمانة بالشرط.

стр. 1601

الثامن: قال صاحب "الاستقصاء": إن قضاه الدين وطالبه برد الرهن عليه فأخره، فإن كان لعذر بأن كان بينه وبين الرهن طريق مخوف، أو باب مغلق أو خاف فوت الجماعة، أو الصلاة في وقتها، أو كان به جوع شديد وما أشبه ذلك، فأخَّر التسليم لأجله، فتلف الرهن، فلا ضمان عليه، وإن لم يكن له عذر فأخره، فتلف لزمه الضمان. ويلزمه قيمته أكثر ما كانت من حين المنع إلى حين التلف. انتهى. وكذلك قاله الروياني في "البحر"، وقال: "فوت الجماعة أو الجمعة" (١). وما قاله إذا خاف فوت الجماعة فيه نظر؛ لأن الجماعة سنة أو فرض كفاية، وتسليم الرهن بعد الفكاك والمطالبة فرض عين تضيَّق، فينبغي أن يشتغل به، ويكون عذرًا في ترك الجماعة، وقد تقدم عن الكلام في الشروط في الرهن شيء من الكلام في هذا الفرع. التاسع: أسلم في طعام وأخذ به رهنًا ثُمَّ تَقَايلا السَّلم برئت ذمة المسلم إليه ولزمه ردُّ رأس المال وانفسخ الرهن، وكذا إذا أقرضه دراهم وارتهن بها شيئًا، ثم صالح على طعام أو صارفه على دنانير سقط القرض عن ذمته، وانفسخ الرهن، فإن تفرقا قبل قبض الدنانير بطل الصرف، وعاد القرض في ذمته، وعاد الرهن؛ كالعصير المرهون إذا تخمر ثم تخلل، وإن تفرقا قبل قبض الطعام فوجهان؛ أحدهما: يبطل كالصرف. والثاني: لا يبطل، وإن تلف الطعام أو الدنانير قبل القبض بطل العقد وعاد القرض في الذمة وعاد الرهن. العاشر: وإن لم يكن هو والذي قَبِلَه من فروع الأمانة لو قال: خذ هذا الكيس واستوف حقك منه؛ فهو أمانة في يده قبل أن يستوفي حقه منه، فإذا

стр. 1602

استوفاه منه كان مضمونًا عليه، ولو قال: وفيه دراهم: خذه بدراهمك وكانت الدراهم التي فيه مجهولة القدر، أو كانت أكثر من دراهمه؛ لم يملكه، ودخل في ضمانه بحكم الشراء الفاسد، وإن كانت معلومة بقدر حقه ملكه. ولو قال: خذ هذا العبد بحقك، ولم يكن سلما، فقبل ملكه، وإن لم يقبل وأخذه دخل في ضمانه بحكم الشراء الفاسد، ونبه ابن الرفعة فيما إذا كانت الدراهم معلومة بقدر حقه، وكان للكيس قيمة أنه يمتنع لقاعدة مدّ عجوة، وإنما لا يمتنع إذا لم يكن للكيس قيمة. الحادي عشر: تعدي المرتهن في الرهن لا يفسخ الرهن، بل يصير مضمونًا عليه، وللراهن نقله من يده، وتعدي العدل كتعدي المرتهن وتضمنه ضمان الغصوب؛ كما يضمن المودَع الوديعة إذا تعدى فيها، ولا يضمنه بالدين، كما يقوله من قال بضمان الرهن. نعم، إن كانت قيمته من جنس المدين، وهو حال جاءت أقوال التقاص، وإن كان مؤجلًا تؤخذ القيمة، فإن شاء الراهن عَجَّل، وإن شاء وضعها رهنًا. الثاني عشر: من فوائد كون الرهن أمانة في يد المرتهن، أنه لا يجب عليه مؤنته ولا مؤنة تعهده، وكذا مؤنة نقله إلى يد المرتهن أو الموضوع تحت يده على الراهن، وفي مؤنة رده بعد الفكاك وجهان تقدَّما. الثالث عشر: قولنا في الأمانة الشرعية؛ كمن طيَّرت الريح ثوبًا إلى داره يجب عليه الرد أو الإعلام، معناه: أنه ما دام لا يعرف صاحبها فيده يد أمانة، فإذا عرفه؛ وجب الرد. الرابع عشر: لو أصدق امرأته صداقًا وأعطاها به رهنًا، ثم طلقها قبل الدخول، سقط نصف الصداق ولم ينفك من الرهن شيء.

стр. 1603

باب اختلاف المتراهنين إذا اختلف المتراهنان، فقال الراهن: ما رهنتك، وقال المرتهن: بل رهنتني، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العقد. الحكم لا خفاء فيه، وأغرب الغزالي، فحكى في كتاب "الدعاوى" وجهًا: إذا كانت العين في يده أنه يُقْبل قوله في الارتهان، وساعده الرافعي هناك على حكايته، وقال: "هما الوجهان اللذان سبق ذكرهما في الرهن في باب الاختلاف" (١)، والذي رأيته في باب الاختلاف، إنما هو فيما إذا اتفقا على الرهن، واختلفا في القبض، ويثبت الرهن وشرطه بشاهد وامرأتين، كسائر الأموال. وقيل: لا يثبت الرهن إلَّا برجلين، وقول المصنف: "الراهن والمرتهن" فيه تجوز، وتحرير العبارة أن يقال: "المالك وصاحب الدين"؛ لأن اسم الراهن والمرتهن مشروط بتحقق الرهن والفرض التنازع فيه. * * *

стр. 1604

قال: فصْل [في الاختلاف في عين الرهن] وإن اختلفا في عين الرهن، فقال الراهن: رهنتك العبد وقال المرتهن: بل رهنتني الثوب فالقول قول الراهن أنه لم يرهن الثوب، فإذا حلف خرج الثوب عن أن يكون رهنًا بيمينه، وخرج العبد عن أن يكون رهنًا برد المرتهن. هذا أيضًا لا خفاء فيه، وقال الفوراني في "الإبانة": لو اختلفا في جنس الرهن أو في مقداره أو في عينه، فالقول قول الراهن؛ لأن القول قوله في عقد الرهن وغَلِطَ المزني، فقال: "القول قول الراهن في الحق، والقول قول المرتهن في الرهن" (١)، وهذا إنما يكون إذا كان الرهن في يده، بحيث لو ادعى ملكه لكان القول قوله، وقد صدقه ربه على وجود الدين، وقال ابن الرفعة: إن ابن الصباغ قال: حكى في "التعليق"، يعني: الشيخ أبا حامد عن المزني أنه قال: القول قول المرتهن إذا كان في يده وتعلق باليد، وجوابه: أنها تدل على الملك لا على الرهن. انتهى. ولم أر هذا في "الشامل" في هذا الموضع، وإنما ذكره في مسألة الأرض والشجر، كما سنذكره.

стр. 1605

ويظهر لك أنه لا تجوز نسبته هنا إلى المزني. واعلم أن هذا الفصل والذي قبله، إن كان الذي يدَّعي المرتهن رهنه ليس في يده وليس الرهن مشروطًا في عقد، فالقول قول الراهن بيمينه بلا خلاف، وإن كان مشروطًا في بيع تحالفا كما في اختلافهما في سائر كيفيات البيع وفيه شيء سننبه عليه، وإن كان في يده وهو يدعي الرهن والراهن ينكره إما أن ينكر أصل الرهن أو رهن هذا المعين، فإن لم يعترف المالك بدين عليه فلا شك أن القول قوله، ولا يأتي فيه خلاف أيضًا. وإن اعترف بالدين وأنكر الرهن والدين في يده العين يدعيه، فها هنا يجري الخلاف الذي نقله الغزالي، والأصح منه أن القول قول المالك؛ إذ لا دلالة لليد على الرهن والوجه الآخر يعتبرها. وقال المزني: تنظيره فيما إذا اختلفا في المقدار كما سيأتي في كلام المصنف، فإن كان الوجه المذكور منقولًا أحد عن من الأصحاب غير المزني، فقد توافق قولهما، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من خلاف المزني؛ إذ لا فرق بين الاختلاف في قدر الرهن وعينه وجنسه وأصله، والوجه المذكور الموافق لقول المزني لم أره إلَّا في كلام الغزالي. وقال الرافعي في كتاب الدعاوى: "ولو أنه اعترف بالملك، وادعى رهنًا أو إجارة وكذبه المدَّعي، فمن المصدق منهما فيه وجهان، وهما اللذان سبق ذكرهما في الرهن في باب الاختلاف" (١). انتهى. والذي ذكره هنا في باب الاختلاف أنه ذكر اختلافهما في الرهن أولًا، ولم يذكر خلافًا أن القول قول المالك، ثم ثنى باختلافهما في القبض، فقال: إذا تنازعا في قبض المرهون، نظر إن كانت وقت النزاع في يد

стр. 1606

الراهن، فالقول قوله مع يمينه، كما في أصل الرهن، وإن كان في يد المرتهن، وقال: أقبضنيه عن الرهن، وأنكر الراهن، نظر إن قال: غصبته، فالقول قوله. وإن ادعى قبضه عن جهة أخرى مأذون فيها فوجهان؛ الأصح المنصوص: أن القول قول الراهن. والثاني: أن القول قول المرتهن؛ لأنهما اتفقا على قبض مأذون فيه، وأراد الراهن أن يصرفه إلى جهة أخرى؛ والظاهر خلافه؛ لتقدم العقد المحوج إلى القبض" (١). انتهى. وبهذا التصوير والتعليل يعلم تقييده بما إذا اتفقا على تقدم رهن وعلى أنه مقبوض بإذنه، وكلام الغزالي مطلق، اللهم إلَّا أن يؤخذ من قول الرافعي أن الوجهين اللذين في الدعاوى هما اللذان هنا، ومن تقييده هنا أن كلام الغزالي مقيد، وأن الوجهين في كلام الغزالي محلهما إذا اتفقا على تقدم رهن وقبض بإذن، واختلفا في أنه عن الرهن أو لا، ولكن هذا تقييد بعيد. ونحن اتبعنا في حكاية الوجه السابق عن الغزالي ابن الرفعة، فإنه حكاه فيه، وهو معذور؛ لإطلاق كلام الغزالي، وعدم تصريح الرافعي بتقييده. وذكر الرافعي: "أن في "النهاية" حكاية وجه بعيد فيما إذا قال: غصبته أيضًا أن القول قول المرتهن استدلالًا باليد على الاستحقاق، كما يستدل بها على الملك" (٢)، وهذا هو الذي حكاه الغزالي بعينه؛ لكنه مفروض في كلام الرافعي فيما إذا اتفقا على تقدم رهن، واختلفا في القبض، وإن كان هو في كلام الغزالي مطلقًا، وهو الأولى؛ لأن الاستدلال باليد لا فرق فيه، ولو لم

стр. 1607

يستدل باليد كان يمكن الفرق بأن تقدم الرهن مع اليد أقوى من اليد وحدها؛ فلا يلزم من إثبات الخلاف عند تقدم الرهن إثباته إذا تنازعا فيه. وعلى الجملة: هذا بحث فيما يقتضيه كلام الرافعي، وأما الخلاف، فثابت بنقل الغزالي، ولا يمكن حمل كلام الرافعي على القولين اللذين ذكرهما هنا، فيما إذا اعترف بأنه رهنه من كل من رجلين وصدَّق أحدهما في السبق، كما سيذكره المصنف؛ لأن سبق تصديقهما مرجح، ولأن ذلك الخلاف قولان لا وجهان. وقول المصنف: فإذا خرج الثوب عن أن يكون رهنًا بيمينه؛ أي: في ظاهر الحكم، وأما في الباطن فهو على ما كان عليه إن كان المرتهن صادقًا، فهو رهن حتى يمتنع على الراهن فيما بينه وبين الله التصرف فيه، وإلَّا فلا. وقوله: وخرج العبد عن أن يكون رهنًا برد المرتهن، أما في الحكم فصحيح؛ لأن المالك أقر له بالرهن، وهو ينكره، فلا يعمل بإقراره، وأما في الباطن فيلتفت على الخلاف في أن إنكار العقد الجائز هل يكون فسخًا؛ لأن الرهن جائز من جهة المرتهن، وما ذكرناه من تحالفهما إذا كان مشروطًا في بيع، لا فرق فيه بين أن يكون في يد المرتهن أو لا. فرع قال: "رهنتني العبد الذي في يدي، فقال: ما رهنتك إلَّا عبدًا آخر أتلفته، فعليك قيمته؛ فالقول قول الراهن في الموجود والقول قول المرتهن فيما يُدَّعى عليه من الإتلاف، فلا يغرم"؛ قاله الروياني (١)، ورأيته في "الأم" في الرهن الصغير (٢).

стр. 1608

فرع تقدم أنه إذا كان مشروطًا في بيع تحالفا، قال الماوردي: "يبتدئ المشتري باليمين لا يختلف فيه المذهب، لأن يمينه لإنكار عقد الرهن، ويمين البائع لفسخ البيع بعدم الرهن، فيقول المشتري: والله لقد اشتريتها بلا رهن، ثم يحلف البائع بالله لقد باعها برهن، فإذا حلفا خرج العبد من الرهن، ولم يلزم البائع إمضاء البيع بلا رهن، وكان بالخيار بين إمضائه بلا رهن وفسخه، وإن حلف المشتري دون البائع لم يكن للبائع فسخ البيع، وإن حلف البائع دون المشتري كان العبد رهنًا، ولم يكن للبائع فسخ البيع" (١). فرع ما ذكرناه من جريان التحالف لا شك فيه إذا اختلفا في البيع بالرهن ودونه، وهكذا صوره الماوردي، أما الرافعي فإنه ذكر اختلافهما في أصل الرهن، وقدر المرهون، والمرهون به، وأن القول قولُ الراهن، ثم قال: "واعلم أن الحكم بتصديق الراهن في هذه الصورة مفروض، فيما إذا كان اختلافهما في رهن تبرع، أما إذا اختلفا في رهن مشروط في بيع فالجواب أنهما يتحالفان كما في سائر كيفيات البيع، إذا وقع فيها الاختلاف" (٢). انتهى. وهو صحيح على ما صوره الماوردي، أما إذا اتفقا على البيع بشرط العبد الفلاني مثلًا، ورأيناه في يد المشتري واختلفا، هل رهن أو لا؟ فإن قلنا: إنه بنفس الشرط يصير رهنًا فلا فائدة لهذا الاختلاف، وهو رهن، ويظهر أن هذا اختيار الماوردي.

стр. 1609

وإن قلنا: لابد من إنشاء رهن، كما هو اختيار الرافعي فها هنا يصح أن يقال: يصدق الراهن، وفائدته أن يأخذ الرهن ويمتنع من تسليمه؛ ليفسخ المشتري العقد أو يأخذه بلا رهن، فلا يحتاج إلى فرض المسألة في رهن التبرع. * * *

стр. 1610

قال: فصْل [في الاختلاف في قدر الرهن] وإن اختلفا في قدر الرهن، فقال الراهن: رهنتك هذا العبد. وقال المرتهن: بل رهنتني هذين العبدين؛ فالقول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الرهن إلَّا فيما أقرَّ به، ولأن كل من كان القول قوله إذا اختلفا في الأصل كان القول قوله إذا اختلفا في قدره كالزوج في الطلاق. وإن رهنه أرضًا وأقبضه ووُجد فيها نخل يجوز أن يكون حدث بعد الرهن، ويجوز أن يكون قبله، فقال الراهن: حدث بعد الرهن، فهو خارج من الرهن، وقال المرتهن: بل كان قبل الرهن ورهَنْتنيه مع الأرض فالقول قول الراهن، وقال المزني: القول قول المرتهن؛ لأنه في يده، وهذا خطأ لما ذكرناه في العبدين. وقوله: " [إنها] (١) في يده" لا يصح؛ لأن اليد إنما يقدم بها في الملك دون العقد؛ ولهذا لو اختلفا في أصل العقد كان القول قول الراهن، وإن كانت العين في يد المرتهن وإن رهن حمل شجرة تحمل حملين وحدث حمل آخر، وقلنا: إنه يصح العقد، واختلفا في مقدار الحمل الأول؛ فالقول قول الراهن، وقال المزني: القول قول المرتهن؛ لأنه في يده، وهذا لا يصح؛ لأن الأصل

стр. 1611

أنه لم يدخل في العقد إلَّا ما أقر به، وأما اليد فقد بينا أنها لا يرجح بها في العقد. هذه ثلاث مسائل، وخلاف المزني في الثلاثة منصوص في "المختصر"؛ إذ قال الشافعي فيه: "والقول قول الراهن في قدر الثمرة المختلطة من المرهونة كما لو رهنه حنطة، فاختلطت بحنطة الراهن كان القول قوله في قدر المرهونة من المختلطة بها" (١). قال المزني: "هذا أشبه بقوله، وقد بينته في هذا الكتاب في باب ثمر الحائط يباع أصله" قال المزني: "وينبغي أن يكون القول في الزيادة قول المرتهن؛ لأن الثمرة في يديه، والراهن مدَّعٍ قدر الزيادة عليه؛ فالقول قول الذي هي في يديه مع يمينه في قياسه عندي، وبالله التوفيق" (٢). انتهى. وقد قدمت هذا ورد الأصحاب عليه عند قول المصنف: فصل: "وإن كان له أصول تحمل في السنة مرة بعد أخرى" (٣). والمسألة الثانية: نقل المحاملي في "التجريد" و "المجموع"، وسُلَيْمٌ في "التقريب"، والجرجاني في "الشافي"، فيها خلاف المزني كما نقله المصنف، وهو قياس خلافه في الثالثة، ولم يتعرض آخرون لذلك، بل جزموا بأن القول قول الراهن منهم الماوردي وغيره، وجزم ابن الصباغ في صدر كلامه بأن القول قول الراهن، وأورد على نفسه اليد، وأجاب ثم قال:

стр. 1612

وقد حكى في "التعليق" - يعني أبا حامد أو أبا الطيب - عن المزني أنه قال: القول قول المرتهن، وتعلق باليد، وقد أجبنا عن ذلك. انتهى. فالمصنف ومن وافقه تبعوا ما حكاه في "التعليق" ولفظه في "المختصر": عن الشافعي: "ولو رهنه أرضًا ونخلًا ثم اختلفا فقال الراهن: أحدثت فيها نخلًا، وأنكر المرتهن ولم تكن دلالة، وأمكن ما قاله الراهن فالقول قوله مع يمينه كالمسألة قبلها" (١)، انتهى. ولم يتعقب المزني ذلك بشيء، وقال بعد ذلك في كتاب الرهن والحميل في البيع: "قال المزني: وجملة قوله في اختلاف الراهن والمرتهن، أن القول قول الراهن في الحق، والقول قول المرتهن في الرهن فيما يشبه ولا يشبه، ويحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه" (٢). انتهى. فإن كان ما حكى في "التعليق" مستندًا إلى هذا الكلام، فسيأتي اختلاف الأصحاب في تأويله، وإن كان مستندًا إلى نقل صريح فلعله. والمسألة الأولى: ذكرها المصنف جازمًا بها، واستدل بها للثانية، كأن المزني لا يطرد قوله فيها، واعلم أن ابن الصباغ ذكر قول المزني الذي حكيناه قريبًا، ثم قال: إذا اختلفا في الرهن، فقال الراهن: رهنتك أحد العبدين اللذين في يدك، وقال المرتهن: بل رهنتنيهما جميعًا؛ فالقول قول الراهن. ثم إذا ثبت هذا، فقد بينا أن القول قول الراهن في قدر الدَّين وقدر الرهن، فأما قول المزني: إن القول قول المرتهن في الرهن، فإنما هو محمول على اختلاف البائع والمشتري في الرهن المشروط في البيع، فإنهما

стр. 1613

يتحالفان، ويُبدأ بيمين البائع - وهو المرتهن - فهذا موضع ما ذكره. انتهى ما قاله ابن الصباغ. وفيه فائدتان؛ إحداهما: أنه لا فرق بين المسائل كلها. والثانية: تأويل كلام المزني وحينئذٍ لا يبقى خلاف بيننا وبينه إلَّا في البُداءة على ما سنتعرض له على أحد الأقوال، والمحاملي في "التجريد" لما حكى قول المزني قال: وهذا غلط؛ لأن المرتهن أقر للراهن بملك النخل، وادعى عليه عقدًا فيه، فلم تقبل دعواه ذلك عليه، كما لو قال رجل: هذا الثوب الذي في يدي لفلان رهنه عندي؛ فإنه لا يقبل دعواه عليه الرهن، فكذلك ها هنا. انتهى. وهذا يشير إلى أن المزني لا يطرد قوله في تلك المسائل، وذكر الماوردي قول المزني، وجملة قوله أن القول قول الراهن في الحق وقول المرتهن في الرهن، وقال: قوله: "القول قول الراهن في الحق صحيح مطرد، وقوله القول قول المرتهن في الرهن، فلا يمكن حمله على ظاهره؛ لأن المرتهن لو ادعى في الحق رهنًا وأنكره الراهن كان القول قول الراهن. واختلف أصحابنا في تأويله ومراده على ثلاثة مذاهب؛ أحدها: أن مراده إذا اختلفا في الرهن بعد تلفه؛ فقال الراهن: تلف بتعديك، وقال المرتهن: تلف بغير تعدٍّ. والثاني: أن مراد المزني إذا اختلف بعد تلف الرهن بالتعدي في قدر قيمته. والثالث - وهو أصح المذاهب: أن مراده إذا اختلفا في البيع فقال الراهن: ابتعت بلا رهن، وقال المرتهن ما بعت إلَّا برهن، فالقول قول

стр. 1614

الراهن في الحق أنه لزمه بغير رهن، والقول قول المرتهن في الرهن أنه وثيقة في الحق. ألا تراه قال بعده: ويحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، وهما لا يتحالفان إلَّا في مسألة البيع" (١). انتهى ما قاله الماوردي. وقد ظهر لك بما ذكرناه أنه ينبغي أن يكون في المسألة طريقان؛ إحداهما: تأويل كلام المزني، والقطع في رهن التبرع بأن القول قول الراهن، وفي المشروط في بيع بالتحالف. والثانية: إثبات خلاف ما اعتمده المصنف، والقائلون بهذا لم أر أحدًا منهم طرده في المسألة الأولى، وهي ما إذا قال: رهنتني العبدين، فقال: أحدهما، بل جزموا فيها بأن القول قول الراهن إلَّا ما تقدم من كلام الفوراني وابن الرفعة ولعله بالتخريج لا بالنقل. وكلام بقية الأصحاب يشير إلى إبطال قوله بتلك المسائل لاطراده فيها، وهذا شأن الأقوال الضعيفة أن يرد عليها بالمسائل المتفق عليها؛ إما للعلم بأن صاحبها لا يطرد قوله فيها، وإما لأنه لو طرده لورد عليه أكثر مما ورد عليه في المسألة التي تكلم فيها. أما أنَّا نأخذ كل قول ضعيف نطرده في كل ما يساوي محله فليس من دأب العلماء، وكم من قول يكون ضعفه يخفى على قائله في محله، فإذا قدّر عند نفسه طرده في مواضع أخرى ربما كاع عنه وتجلى له ضعفه؛ فلذلك قلت: إنه لا يجوز نقله في المسائل المتقدمة لا سيما في تنازعهما في أصل الرهن. نعم، هو لازم لقائله، فإما أن يطرده، وإما أن يفرق، وإما أن يرجع عن قوله - وهو الصواب ها هنا؛ ولذلك لم يقبله أحد، بل الأصحاب منقسمون إلى مغلط ومتأول، والأقوال اللازمة للمذاهب إنما تنسب على أصحاب

стр. 1615

تلك المذاهب بشرطين: أحدهما: مساواة الموضع الذي تكلموا فيه للموضع المسكوت عنه. والثاني: ألا يظهر بسبب تعديته إلى المسكوت عنه ضعفه، فإذا اجتمع هذان الشرطان جاز التخريج وإلَّا فلا؛ لأن قائلها قد يكون إذا عرض عليه ذلك يرجع، فلا ينسب إليه إلَّا ما يعلم أنه لا يرجع عنه، ومتى فقد الشرط الثاني وحده يكون إلزامًا لا تخريجًا، ومتى فقد الأول انتفى الإلزام والتخريج. فهذه قاعدة في الأقوال والوجوه التي تريد إثباتها أو تزييفها، وبهذا ظهر استدلال المصنف على المزني والتوقَّف فيما قاله الفوراني وابن الرفعة. فرع قد تقدم قول الرافعي أن الحكم بتصديق الراهن إذا كان رهن تبرع، فإن اختلفا في رهن مشروط في بيع تحالفا، وقول الماوردي: "إنه يبدأ بيمين المشتري هنا بلا خلاف" (١)، وقول ابن الصباغ في تأويل كلام المزني: إنه يبدأ بيمين البائع، وهو المرتهن، وقول الماوردي: إن المشتري يقول: "والله لقد اشتريتها بلا رهن ثم يحلف البائع لقد باعها برهن، فإذا حلفا كان البائع بالخيار في فسخ البيع" (٢)، هكذا قال في اختلافهما في أصل الرهن. وقال في مسألة الأرض والنخل: "القول قول الراهن فإذا حلف الراهن، فالنخل خارجه من الرهن، فإن كان في دين فلا خيار للمرتهن، وإن كان في بيع أحلف المرتهن بالله: لقد كان النخل داخلًا في الرهن، فإذا حلف، فله
следующие страницы →