أنه لم يدخل في العقد إلَّا ما أقر به، وأما اليد فقد بينا أنها لا يرجح بها في العقد.
هذه ثلاث مسائل، وخلاف المزني في الثلاثة منصوص في "المختصر"؛ إذ قال الشافعي فيه: "والقول قول الراهن في قدر الثمرة المختلطة من المرهونة كما لو رهنه حنطة، فاختلطت بحنطة الراهن كان القول قوله في قدر المرهونة من المختلطة بها" (١).
قال المزني: "هذا أشبه بقوله، وقد بينته في هذا الكتاب في باب ثمر الحائط يباع أصله" قال المزني: "وينبغي أن يكون القول في الزيادة قول المرتهن؛ لأن الثمرة في يديه، والراهن مدَّعٍ قدر الزيادة عليه؛ فالقول قول الذي هي في يديه مع يمينه في قياسه عندي، وبالله التوفيق" (٢). انتهى.
وقد قدمت هذا ورد الأصحاب عليه عند قول المصنف: فصل: "وإن كان له أصول تحمل في السنة مرة بعد أخرى" (٣).
والمسألة الثانية: نقل المحاملي في "التجريد" و "المجموع"، وسُلَيْمٌ في "التقريب"، والجرجاني في "الشافي"، فيها خلاف المزني كما نقله المصنف، وهو قياس خلافه في الثالثة، ولم يتعرض آخرون لذلك، بل جزموا بأن القول قول الراهن منهم الماوردي وغيره، وجزم ابن الصباغ في صدر كلامه بأن القول قول الراهن، وأورد على نفسه اليد، وأجاب ثم قال:
стр. 1612
وقد حكى في "التعليق" - يعني أبا حامد أو أبا الطيب - عن المزني أنه قال: القول قول المرتهن، وتعلق باليد، وقد أجبنا عن ذلك. انتهى.
فالمصنف ومن وافقه تبعوا ما حكاه في "التعليق" ولفظه في "المختصر": عن الشافعي: "ولو رهنه أرضًا ونخلًا ثم اختلفا فقال الراهن: أحدثت فيها نخلًا، وأنكر المرتهن ولم تكن دلالة، وأمكن ما قاله الراهن فالقول قوله مع يمينه كالمسألة قبلها" (١)، انتهى.
ولم يتعقب المزني ذلك بشيء، وقال بعد ذلك في كتاب الرهن والحميل في البيع: "قال المزني: وجملة قوله في اختلاف الراهن والمرتهن، أن القول قول الراهن في الحق، والقول قول المرتهن في الرهن فيما يشبه ولا يشبه، ويحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه" (٢). انتهى.
فإن كان ما حكى في "التعليق" مستندًا إلى هذا الكلام، فسيأتي اختلاف الأصحاب في تأويله، وإن كان مستندًا إلى نقل صريح فلعله.
والمسألة الأولى: ذكرها المصنف جازمًا بها، واستدل بها للثانية، كأن المزني لا يطرد قوله فيها، واعلم أن ابن الصباغ ذكر قول المزني الذي حكيناه قريبًا، ثم قال: إذا اختلفا في الرهن، فقال الراهن: رهنتك أحد العبدين اللذين في يدك، وقال المرتهن: بل رهنتنيهما جميعًا؛ فالقول قول الراهن.
ثم إذا ثبت هذا، فقد بينا أن القول قول الراهن في قدر الدَّين وقدر الرهن، فأما قول المزني: إن القول قول المرتهن في الرهن، فإنما هو محمول على اختلاف البائع والمشتري في الرهن المشروط في البيع، فإنهما
стр. 1613
يتحالفان، ويُبدأ بيمين البائع - وهو المرتهن - فهذا موضع ما ذكره. انتهى ما قاله ابن الصباغ.
وفيه فائدتان؛ إحداهما: أنه لا فرق بين المسائل كلها.
والثانية: تأويل كلام المزني وحينئذٍ لا يبقى خلاف بيننا وبينه إلَّا في البُداءة على ما سنتعرض له على أحد الأقوال، والمحاملي في "التجريد" لما حكى قول المزني قال: وهذا غلط؛ لأن المرتهن أقر للراهن بملك النخل، وادعى عليه عقدًا فيه، فلم تقبل دعواه ذلك عليه، كما لو قال رجل: هذا الثوب الذي في يدي لفلان رهنه عندي؛ فإنه لا يقبل دعواه عليه الرهن، فكذلك ها هنا. انتهى.
وهذا يشير إلى أن المزني لا يطرد قوله في تلك المسائل، وذكر الماوردي قول المزني، وجملة قوله أن القول قول الراهن في الحق وقول المرتهن في الرهن، وقال: قوله: "القول قول الراهن في الحق صحيح مطرد، وقوله القول قول المرتهن في الرهن، فلا يمكن حمله على ظاهره؛ لأن المرتهن لو ادعى في الحق رهنًا وأنكره الراهن كان القول قول الراهن.
واختلف أصحابنا في تأويله ومراده على ثلاثة مذاهب؛ أحدها: أن مراده إذا اختلفا في الرهن بعد تلفه؛ فقال الراهن: تلف بتعديك، وقال المرتهن: تلف بغير تعدٍّ.
والثاني: أن مراد المزني إذا اختلف بعد تلف الرهن بالتعدي في قدر قيمته.
والثالث - وهو أصح المذاهب: أن مراده إذا اختلفا في البيع فقال الراهن: ابتعت بلا رهن، وقال المرتهن ما بعت إلَّا برهن، فالقول قول
стр. 1614
الراهن في الحق أنه لزمه بغير رهن، والقول قول المرتهن في الرهن أنه وثيقة في الحق. ألا تراه قال بعده: ويحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، وهما لا يتحالفان إلَّا في مسألة البيع" (١). انتهى ما قاله الماوردي.
وقد ظهر لك بما ذكرناه أنه ينبغي أن يكون في المسألة طريقان؛ إحداهما: تأويل كلام المزني، والقطع في رهن التبرع بأن القول قول الراهن، وفي المشروط في بيع بالتحالف.
والثانية: إثبات خلاف ما اعتمده المصنف، والقائلون بهذا لم أر أحدًا منهم طرده في المسألة الأولى، وهي ما إذا قال: رهنتني العبدين، فقال: أحدهما، بل جزموا فيها بأن القول قول الراهن إلَّا ما تقدم من كلام الفوراني وابن الرفعة ولعله بالتخريج لا بالنقل.
وكلام بقية الأصحاب يشير إلى إبطال قوله بتلك المسائل لاطراده فيها، وهذا شأن الأقوال الضعيفة أن يرد عليها بالمسائل المتفق عليها؛ إما للعلم بأن صاحبها لا يطرد قوله فيها، وإما لأنه لو طرده لورد عليه أكثر مما ورد عليه في المسألة التي تكلم فيها. أما أنَّا نأخذ كل قول ضعيف نطرده في كل ما يساوي محله فليس من دأب العلماء، وكم من قول يكون ضعفه يخفى على قائله في محله، فإذا قدّر عند نفسه طرده في مواضع أخرى ربما كاع عنه وتجلى له ضعفه؛ فلذلك قلت: إنه لا يجوز نقله في المسائل المتقدمة لا سيما في تنازعهما في أصل الرهن.
نعم، هو لازم لقائله، فإما أن يطرده، وإما أن يفرق، وإما أن يرجع عن قوله - وهو الصواب ها هنا؛ ولذلك لم يقبله أحد، بل الأصحاب منقسمون إلى مغلط ومتأول، والأقوال اللازمة للمذاهب إنما تنسب على أصحاب
стр. 1615
تلك المذاهب بشرطين: أحدهما: مساواة الموضع الذي تكلموا فيه للموضع المسكوت عنه.
والثاني: ألا يظهر بسبب تعديته إلى المسكوت عنه ضعفه، فإذا اجتمع هذان الشرطان جاز التخريج وإلَّا فلا؛ لأن قائلها قد يكون إذا عرض عليه ذلك يرجع، فلا ينسب إليه إلَّا ما يعلم أنه لا يرجع عنه، ومتى فقد الشرط الثاني وحده يكون إلزامًا لا تخريجًا، ومتى فقد الأول انتفى الإلزام والتخريج.
فهذه قاعدة في الأقوال والوجوه التي تريد إثباتها أو تزييفها، وبهذا ظهر استدلال المصنف على المزني والتوقَّف فيما قاله الفوراني وابن الرفعة.
فرع
قد تقدم قول الرافعي أن الحكم بتصديق الراهن إذا كان رهن تبرع، فإن اختلفا في رهن مشروط في بيع تحالفا، وقول الماوردي: "إنه يبدأ بيمين المشتري هنا بلا خلاف" (١)، وقول ابن الصباغ في تأويل كلام المزني: إنه يبدأ بيمين البائع، وهو المرتهن، وقول الماوردي: إن المشتري يقول: "والله لقد اشتريتها بلا رهن ثم يحلف البائع لقد باعها برهن، فإذا حلفا كان البائع بالخيار في فسخ البيع" (٢)، هكذا قال في اختلافهما في أصل الرهن.
وقال في مسألة الأرض والنخل: "القول قول الراهن فإذا حلف الراهن، فالنخل خارجه من الرهن، فإن كان في دين فلا خيار للمرتهن، وإن كان في بيع أحلف المرتهن بالله: لقد كان النخل داخلًا في الرهن، فإذا حلف، فله
стр. 1616
الخيار في فسخ البيع؛ لأنه لم يعترف بالبيع إلَّا برهن لم يحصل له، فإذا حلف فيصير الراهن حالفًا والمرتهن حالفًا، إلَّا أن يمين الراهن بخروج النخل من الرهن ويمين المرتهن لفسخ البيع" (١).
وقال المحاملي في "التجريد" في مسألة النخل: إذا حلف الراهن حكمنا بيمينه أن النخل خارجة من الرهن، فإن كان الراهن على بيع، فالمتبايعان يختلفان في قدر الرهن، فيقال للمرتهن: قد حلف الراهن أن النخل ليست برهن؛ أتسمح بأن تأخذ الأرض رهنًا، وتترك النخل، فإن ترك وسمح أقر العقد بينهما، وإن قالا: لا أسمح قيل للراهن: أتسمح أن يسلم إليه الأرض والنخل رهنًا، فإن سمح أقر العقد، وإن قال: لا أسمح، قيل له؛ فقد حلف على ما ادَّعاه فاحلف أنت أيضًا على ما يدعيه؛ لأنهما متبايعان يختلفان في قدر الرهن المشروط في البيع فيثبت بينهما التحالف، فإذا تحالفا انفسخ البيع بتحالفهما، ويسقط الرهن؛ لأنه تابع له. انتهى.
وهو يوافق الماوردي في البداءة بالمشتري، وفي حلف كلٍّ منهما على شيء واحد بخلاف قاعدة التحالف، حيث يجمع بين النفي والإثبات، ويخالف الماوردي في أثر التحالف، فإن الماوردي جعل أثره الخيار، والمحاملي جعل أثره الانفساخ على قياس قاعدة التحالف.
وقال المحاملي في "التجريد" أيضًا في اختلافهما في أصل الرهن: وإن اختلفا في رهن على حقٍّ مستقرٍّ، فالقول قول الراهن، وإن اختلفا في رهن على حق غير مستقر، بأن ادعى أنه باعه عبدًا بمائة ورهنه بالثمن عبدًا له، فقال: بل رهنتني عبدين أو اتفقا على قدر الرهن واختلفا في الثمن تحالفا. وقد ذكرنا هذا في البيوع.
стр. 1617
وقال ابن الصباغ في مسألة النخل - بعد أن قال: إن القول قول الراهن: إذا ثبت هذا، فقد ثبت بيمين الراهن أن ذلك لم يدخل في الرهن والمرتهن يدعي دخوله، وذلك اختلاف في قدر ما تناوله عقد الرهن، فإن كان الرهن على القرض، فلا كلام، وإن كان مشروطًا في عقد البيع، فقد اختلفا في شرط من شرائط البيع، وذلك يقتضي التحالف، وقد حلف الراهن، فإن رضي المرتهن بذلك فلا كلام، وإن أبى حلف على أن هذا كان داخلًا في الرهن، فإذا حلف كان له الخيار في البيع إلَّا أن يرضى بتسليمه إليه رهنًا. انتهى.
وهذا يوافق الماوردي في البداءة بالمشتري وفي كونه حلفًا لا تحالفًا، وفي إثبات الخيار للبائع، ولم يتعرض ابن الصباغ عند الكلام في اختلافهما في أصل الرهن لكيفية التحالف إذا كان مشروطًا في بيع سوى حمله كلام المزني على ذلك، كما سبق.
وقال الروياني في "البحر" في مسألة النخل: "القول قول الراهن" (١)، وقال المزني ﵀: "القول قول المرتهن" (٢)، وذلك سهو منه، فإذا حلَّفنا الراهن يحلف أن هذه النخيل أحدثها بعد العقد على الأرض، وهكذا لو رهن مع النخيل واختلفا هكذا في بعض النخيل فيها، فإذا حلف يكون حكمه حكم المسألة قبلها؛ أي في أنه لا يقلع النخل في الحال، وإذا حل الحق وبيعت مع الأرض قسط الثمن عليهما إلى غير ما تقدم بيانه.
قال الروياني: "قال أصحابنا: فإن كان هذا الرهن في البيع فاختلفا في وقوع البيع على رهن النخل الذي يتداعيانه فيجب أن يتحالفا، وقد حلف
стр. 1618
الراهن فيقال للبائع المرتهن: أيقنع أن تكون الأرض رهنًا بلا نخل، فإن قنع فلا كلام، وإن لم يقنع قيل للراهن: أتسمح أن يكون النخيل رهنًا مع الأرض فإن سمح فلا كلام، وإن لم يسمح قيل للبائع: قد حلف الراهن ولم تحلف أنت، فاحلف أنت لقد رهنتها بنخلها، فإن حلف؛ قيل له: أنت بالخيار بين أن تقيم على البيع أو تفسخ.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا قال الراهن: كانت النخيل فيها واستثنيتها، أو قال: رهنت الأرض دون النخيل وخالفه المرتهن، أما إذا قال: رهنتك جميع النخيل التي في الأرض لكن هذه النخلة بعينها لم تكن يومئذٍ، وقال المرتهن: قد كانت فالقول قول المرتهن؛ لأنهما لم يختلفا في صفة العقد، وفي هذا نظر؛ لأنه يقول: كان الشرط هذه النخلة بعينها مع الباقي، وهو ينكر ذلك، فهو اختلاف في قدر الرهن المشروط فيتحالفان كما ذكرناه" (١). انتهى.
وقال الروياني في اختلافهما في أصل الرهن: "إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الحق، فإن كان مستقرًّا كالفرض وقيمة المتلفات وثمن المبيع فقال المرتهن: الحق ألف ورهنتني هذا العبد به، وقال الراهن: خمسمائة، فالقول قول الراهن، وإن كان غير مستقر كثمن المبيع قبل القبض، فقال: بعتكه بألف على رهن هذا العبد، وقال المشتري: بل بخمسمائة على رهن هذا العبد: تحالفا.
وإن كان اختلافهما في قدر الرهن فإن كان الحق مستقرًّا، فقال: رهنتني عبدين به، وقال الراهن: عبدًا واحدًا، فالقول قول الراهن، وإن كان غير مستقر، فقال: بعتكه على رهن هذين العبدين، وقال المشتري: بل على
стр. 1619
رهن هذا العبد الواحد تحالفا، وهكذا لو قال المشتري: اشتريته من غير شرط الرهن يتحالفان، فإذا تحالفا فقد ذكرنا حكمه فيما تقدم.
ولو اختلفا في أصل وجود الرهن، فقال الراهن: لم أرهنك شيئًا، فالقول قوله، وكذا لو تصادقَا على وجود الرهن واختلفا في تعيينه أو في قدره كما لو قال: رهنتني هذين، وقال الراهن: رهنت أحدهما بعد أن اتفقا على أن الشرط في البيع كلا العبدين، فالقول قول الراهن أيضًا؛ لأن الأصل أنه لم يرهن. وإن شرط ذلك. فإن قيل: ما معنى قول المزني: القول قول المرتهن في الرهن.
قلنا: نحن نجعل القول قوله في كثير من المسائل في تلف الرهن وقيمته، وإذا ادعى الراهن أنه أذن له في بيعه أو إعتاقه، وكذلك إذا شرطه في بيع وادعى أنه رهنه، ووفى بالشرط وأنكر المرتهن، وأراد فسخ البيع القول قوله، وقال أبو حامد: تأويله إذا كان في بيع وتحالفا يبدأ ييمين البائع - وهو المرتهن - فقوله: القول قول المرتهن - يعني في البداءة" (١).
ثم حكى الروياني كلام الماوردي، ثم قال: "فإن قيل: إذا كانت المسائل مختلفة، فلم أطلق المزني؟
قلنا: يحتمل أنه أراد أحد قسمي المسائل. ويحتمل أنه أراد بهذا الإطلاق ما عطف عليه قوله فيما يشبه ولا يشبه ردًّا على مالك، فمتى ادعى المرتهن على الراهن أنك لم تسلم إليَّ ما اشترطناه رهنًا فلي فسخ البيع، وأنكر الراهن، فالقول قول المرتهن؛ سواء اشتبهت الحال ما قال أو أشبهت ما قال المرتهن" (٢). انتهى.
стр. 1620
وقوله: فإذا تحالفا فقد ذكرنا حكمه فيما تقدم - يعني به الذي حكيناه عنه في مسألة النخل - وقال المحاملي في "المجموع" مثل ما قال في "التجريد" سواء، وقال سليم في "تقريبه": إذا كان الرهن مشروطًا في بيع واختلفا في قدره أو قدر الحق، فيتحالفان على ما مضى إذا اختلفا في قدر الثمن أو المثمن.
وقال القاضي حسين في مسألة النخل: إن كان الرهن مبتدأ غير مشروط في بيع؛ فالقول قول الراهن، وكذلك إذا كان مشروطًا، وأنكر وجوده يوم العقد وليس يستند هذا الاختلاف إلى أصل العقد، فلم يكن من التنازع الذي يجري فيه التحالف.
وقال العراقيون من أصحابنا: إذا حلف الراهن يقال له: أتسمح أم لا؟ فإن أَبَى، يقال للمرتهن: أتسمح؟ فإن سمح يكون خارجًا من الرهن، وإن أبى يحلف المرتهن حينئذ ويفسخ العقد بينهما. وقال المزني: القول قول مَن الشيء في يده، وهو المرتهن، فإن قال الراهن: رهنتك الأرض دون النخل أو قال: استثنيت نخلاتٍ منها يتحالفان. انتهى.
وهذا هو الذي أشار إليه الروياني بقوله: "عن بعض أصحابنا بخراسان"، وقال القاضي حسين أيضًا في اختلافهما في أصل الرهن أو في قدره: القول قول الراهن، وتأويل كلام المزني أن الرهن إذا كان مشروطًا في بيع، فتنازعا في أصله وقدره، فيتحالفان ويبدأ بيمين البائع، وهو المرتهن فجعل القول قوله على هذا المعنى أو اختلفا في فسخ الرهن، فقال الراهن: فسخنا وأنكر المرتهن، فالقول قول المرتهن.
وقال البغوي: "لو رهن أرضًا وفيها أشجار فاختلفا، فقال الراهن: رهنتك دون ما فيها، وقال المرتهن: بل رهنتني بما فيه، نظر إن كان الرهن مشروطًا
стр. 1621
في بيع فيتحالفان ويفسخ البيع، وإن كان رهن تبرع، فالقول قول الراهن مع يمينه، فلو رهنها مع الأشجار، ثم أشار الراهن إلى شجرة وقال: هذه حدثت بعد الرهن، فهي خارجة عن الرهن، وقال المرتهن: بل كانت موجودة يوم الرهن وكل واحد محتمل؛ فالقول قول الراهن مع يمينه، فإذا حلف: هل للراهن قلع الشجرة؟ حكمه حكم الحادث بعده" (١).
وقال الإمام في مسألة النخل: "القول قول الراهن في نفي الرهن، ولو اقتصر على نفي وجود النخل، فالأظهر أنه يكفي، والمسألة مفروضة إذا قال المرتهن: كانت موجودة فرهنتنيها مع الأرض ولهذا نظائر في الدعاوى، ولو قال: رهنتني الأشجار ولم يتعرض لوقت ولم يذكر اقترانها ولا تأخرها، فلا ينفع، والدعوى على هذه الصيغة تعرض الراهن لتقدم وجود النخيل أو تأخرها.
وهذا بيِّن إذا لم يكن الرهن مشروطًا في بيع، فإن كان مشروطًا في بيع وصيغة الدعوى كما تقدمت فقال المرتهن: شرطت الأرض والنخيل، وقال الراهن: لم يكن النخيل، ذهب المحققون إلى أن هذا لا يوجب التحالف، فإن حاصله راجع إلى التنازع في وجود النخل وعدمها، وهذا حسن دقيق.
والظاهر عندي أنهما يتحالفان، وإن اتفقا على وجود النخيل، وقال المرتهن: شرطنا في البيع رهن الأرض والنخل، وقال الراهن: لم نشترط إلّا رهن الأرض، فهذا اختلاف في صفة العقد فيتحالفان ويتفاسخان العقد، ولو قال المرتهن: لم يتحالف وأنا معترف أنك وفيت الرهن المشروط في النخيل فاختلافنا في الرهن، قيل له: هذا أمر تبنيه أنت فرعًا على أصل، والراهن منكر لأصل الشرط فلا بد من التحالف" (٢).
стр. 1622
وقال الإمام أيضًا بعد ذلك عند كلام المزني: "أما قوله: القول قول المرتهن، فمشكل، فمراده أن الرهن إذا كان مشروطًا في البيع، فالمرتهن هو البائع، والراهن المشتري، فإذا تنازعا في أصل الرهن أكان أم لم يكن أو في قدره أو في جنسه، فهذا اختلاف المتبايعين في صفة العقد، والحكم فيه التحالف، ثم البداءة في الأصح تقع بالبائع، وهو المرتهن. فهذا معنى قوله: القول قول المرتهن، ويمكن أن يفرض نزاع في بعض أحكام الرهن والقول فيها قول المرتهن" (١). انتهى.
وقد أطلنا بنقل كلام الناس، والمقصود: تحقيق ثلاثة أشياء: أحدها: بمن يبدأ في التحالف، وقد تقدم قول ابن الصباغ في تأويل قول المزني أنه يبدأ بالبائع، وكذلك قول الإمام والقاضي حسين وقول الإمام أصرح؛ فإنه فرعه على الصحيح في البداءة بالبائع، وكلام ابن الصباغ والقاضي حسين.
قد يقال: إنه في تحقيق مذهب المزني، فلا يعارض ما قاله الماوردي عن المذهب، وكلام الإمام صريح في معارضته، فليكن في المسألة طريقان؛ إحداهما: تخريجه على البداءة في البيع.
والثانية: القطع هنا بالبداءة بالمشتري.
والموضع الثاني: أن التحالف في البيع يجمع فيه بين النفي والإثبات وهنا قد اقتضى كلام الماوردي ومن وافقه أنه ليس كذلك وغيرهم أطلق الكلام؛ فيفهم منه التسوية بين الموضعين، وهو القياس.
الموضع الثالث: أن أثر التحالف في البيع الانفساخ، أو أن لكلٍّ منهما أن يفسخ، وهنا قد جعلوا أثره ثبوت الخيار للبائع؛ فليت شعري ما المخرج
стр. 1623
لهذا عن تلك الأحكام؟ وهل هذا إلَّا فرد من أفراد تلك القاعدة المذكورة في التحالف.
وقد صرح الماوردي في باب التحالف بجريانه في اختلافهما في شرط الرهن، فهذه المسألة مما ينبغي إمعان النظر فيها وتأملها وتحرير أن الاختلاف تارة يجري منهما في صفة العقد وشرط الرهن فيه، وتارة لا يحصل إلَّا دعوى الرهن من المرتهن، فينكر الراهن فيحلف ثم يستمر النزاع بسبب البيع كما يشعر به كلامهم، وفرضهم المسألة.
لكن قياس التحالف أن تلك اليمين المتقدمة لا يعتد بها، ولا بد من تحرير الصورة أيضًا في أن يكون الاختلاف في صفة البيع والشرط فيه، أما لو اتفقا على شرط الرهن واختلفا في الوفاء به، فلا يتجه إلَّا القطع بقبول قول المنكر، إلَّا إذا قلنا: إن شرط الرهن يغني عن إنشاء رهن، فيكون اتفاقهما على الشرط رافعًا لاختلافهما في الوفاء به. ثم يبقى الكلام في قبضه.
فرع
محل ما قلناه في مسألة النخل إذا كان يحتمل وجوده يوم الرهن والحدوث بعده، أما إذا كانت بحيث لا يتصور وجودها يوم الرهن؛ فالمرتهن كاذب، والقول قول الراهن بلا يمين، وإن كانت بحيث لا يتصور حدوثها بعده، فالراهن كاذب، فإن اعترف في مفاوضتهما أنه رهن الأرض بما فيها كانت الأشجار مرهونة ولا حاجة إلى يمين المرتهن.
وإن زعم رهن الأرض وحدها أو ما سوى الأشجار المختلف فيها أو اقتصر على نفي الوجود، فلا يلزم من كذبه في إنكار الوجود كونها مرهونة، فيطالب بجواب دعوى الرهن، فإن أصر على إنكار الوجود
стр. 1624
فقط جعل ناكلًا، وردت اليمين على المرتهن.
وإن رجع إلى الاعتراف بالوجود وأنكر رهنها قبلنا إنكاره، وحلف لجواز صدقه في نفي الرهن، وهذا تفريع على الاكتفاء منه بإنكار الوجود، وهو الصحيح، وفي وجه لا بد من إنكار الرهن صريحًا.
فرع
إذا توجّهت اليمين على الراهن عند دعواه أن النخل لم تكن موجودة حين الرهن، وقد توافقا على أنه رهن منه الأرض وما فيها من النخل، فإن نكل وحلف المرتهن دخل النخل في الرهن، وإن نكل المرتهن قال الماوردي: "فعلى وجهين؛ أحدهما: تكون النخل داخلة في الرهن لتصادقهما بأن الرهن كان على جميع النخل الذي كان في الأرض، وهذا من نخل في الأرض أي: والأصل عدم حدوثه فلما لم يخرجه الراهن بيمينه دخل من الرهن.
والثاني وهو الصحيح: أنه خارج من الرهن؛ لأن دعوى المرتهن قد بطلت بنكوله، فلم يجز أن يحكم بقوله. قال: ولا خيار للبائع في فسخ البيع؛ لأنه ناكل" (١).
* * *
стр. 1625
فرع
عبارة الشافعي في "المختصر": "ولو رهنه أرضًا ونخلًا، ثم اختلفا، فقال الراهن: أحدثت فيها نخلًا، وأنكر المرتهن ولم يكن دلالة له، وأمكن ما قال الراهن، فالقول قوله مع يمينه" (١).
وعبارته في "الأم": "ولو رهنه أرضًا ونخلًا ثم اختلفا، فقال الراهن: قد نبت في الأرض نخل لم أكن رهنتكه، وقال المرتهن: ما نبت فيه إلَّا ما كان في الرهن أريه أهل العلم به، فإن قالوا: قد تنبت مثل هذا النخل بعد الرهن كان القول قول الراهن مع يمينه، وما نبت خارج من الرهن، وإن قالوا: لا تنبت مثل هذا في هذا الوقت لم يصدق، وكان داخلًا في الرهن" (٢).
قال ابن الرفعة: وهذه شهادة على النفي وقد سمعها الشافعي للضرورة، فينبغي أن تضاف إلى ما يسمع فيه شهادة النفي كشهادة ألا يكذب ونحوها.
قلت: وفيما قال نظر؛ لأن شهادة النفي كشهادة أن لا مال له ولا وارث له ونحوها، أما الشهادة بأن لا يكذب فإنما تسمع الشهادة على أنه بصفة لا يكذب، وهذه شهادة بصفة ثبوتية قائمة به لمنعه من الكذب، وهي العدالة، وكذلك هنا تشهد البينة بأن هذه النخيل بصفة لا ينبت مثلها في هذه المدة فالمشهود به في الحقيقة صفتها التي هي عليها الآن وليست بنفي.
فرع
لو اتفقا على رهن الأرض بلا نخل، ثم أخرجت نخلًا، فهو خارج من الرهن، وقد سبق الكلام في شيء منه عند رهن الجارية دون ولدها، وقد أتقن الماوردي الكلام فيها فقال ما ملخصه: "إذا حل الحق، وفي الأرض نخل، فلا يخلو من ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون حادثًا بعد
стр. 1626
الرهن إما بغرس الراهن، وإما بنفسه من نوى في الأرض، فلا يقلع بحال، فإذا لم يكن في ثمن بياض الأرض وفاء، فإن أجاب الراهن إلى بيعهما معًا كان للمرتهن ما قابل الأرض بيضاء، وللراهن ما قابل النخل، وإن امتنع فإن كان موسرًا أمر بقلع النخل أو تمام قيمة الأرض بيضاء، فإن لم يبذل تمام القيمة أجبر على قلع النخل، وتباع بيضاء لا نخل فيها.
فإن كان قلع النخل ينقص من ثمنها بما أحدث من الحفر غرم الراهن أرشه إن كان هو الغارس، وإن كان الغرس نبت بنفسه، فلا، وإن كان مفلسًا محجورًا عليه وجب بيع الأرض مع النخل، فإذا كانت قيمة الأرض ألفًا والنخل خمسمائة وبعناهما، فلم تزد القيمة ولم تنقص كانت الألف للمرتهن والخمسمائة للغرماء.
وإن نقصت الأرض، فبيعت مع النخل بألف ومائتين وكان النقص بالنخل أخذ المرتهن تمام الألف والباقي للغرماء؛ لأن المرتهن استحق إزالة النقص، وإن زادت قيمتها فبيعا بألفين قسمت الزيادة عليهما بالنسبة للمرتهن ثلثاها، وللغرماء الثلث.
القسم الثاني: أن يكون النخل متقدمًا قبل الرهن، فإن لم يكن الراهن مفلسًا محجورًا عليه بيع بياض الأرض دون النخل، ودفع إلى المرتهن سواء كان فيه وفاء لدينه أم لا، فإن اختار الراهن بيع الأرض والنخل معًا بيعا ودفع إلى المرتهن ما قابل الأرض ذات نخل.
والفرق بين هذا والقسم الأول من وجهين؛ أحدهما: أنه لا يجبر في هذا القسم على القلع، وفي الأول: يجبر.
والثاني: أنه لا يؤخذ منه في هذا القسم ما نقص من قيمة بياض الأرض وفي القسم الأول: يؤخذ، وإن كان مفلسًا محجورًا عليه وجب بيع الأرض
стр. 1627
مع النخل والثمن إن كان بإزاء قيمة الأرض والنخل دفع للمرتهن ما قابل قيمة الأرض ذات نخل وللغرماء ما قابل قيمة النخل، وإن زاد فالزيادة مقسطة بينهما، وإن نقص عن قيمتها فالنقصان مقسط عليهما بخلاف ما مضى؛ لأن النقصان هناك مجبور ونقص الأرض هنا غير مجبور.
القسم الثالث: أن يكون ابتداء نباته قبل الرهن وظهوره بعد الرهن، فحكمه كالقسم الثاني إلَّا في شيء واحد؛ وهو أن المرتهن إذا كان غير عالم بحال النَّوْر المزروع في الأرض قبل الرهن، فله الخيار في فسخ البيع؛ لأن مثله يخفى، وإذا كان ظاهرًا قبل الرهن، فلا خيار؛ لأن مثله لا يخفى" (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 1628
قال:
فصْل [في الاختلاف في قدر الدَّيْن]
وإن اختلفا في قدر الدين، فقال الراهن: رهنته هذا العبد بألف، وقال المرتهن: بل رهنتنيه بألفين فالقول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الألف، وإن قال: رهنته بألف وزادني ألفًا آخر على أن يكون رهنًا بألفين، وقال المرتهن: بل رهنتني بالألفين وقلنا: لا تجوز الزيادة في الدَّين في رهن واحد، ففيه وجهان؛ أحدهما: [أن] (١) القول قول الراهن؛ لأنهما لو اختلفا في أصل العقد كان القول قوله، فكذلك إذا اختلفا في صفته.
والثاني: أن القول قول المرتهن؛ لأنهما اتفقا على صحة الرهن والدين، والراهن يدعي أن ذلك كان في عقد آخر، والأصل عدمه، فكان القول قول المرتهن.
قبول قول الراهن إذا اختلفا في قدر الدين لا نزاع فيه، وقد تقدم قريبًا فيما حكيناه من كلام الأصحاب: قال التميمي في "نادر قول الفقهاء": أجمعوا أن القول في الدَّين وفي مقداره قول الراهن مع يمينه إلَّا أن يدعي المرتهن بينة على أكثر من ذلك إلَّا مالكًا، فإنه قال: القول قول المرتهن إلَّا
стр. 1629
أن يأتي بأكثر من قيمة الرهن، فلا يقبل منه إلا ببينة. وقوله: لأن الأصل عدم الألف، كأنه فرض الاختلاف في الرهن والدين معًا.
وقد يعترف الراهن بأن عليه ألفين ويدعي أنه لم يرهن إلَّا بأحدهما فالقول قوله أيضًا، وعلته أن الأصل عدم الرهن بالألف الزائدة، فلو قال في الكتاب: لأن الأصل عدم الرهن بهما لشمل الصورتين، والوجهان فيما إذا قال: رهنته بألف وزادني ألفًا على أن يكون رهنًا بهما، وقال المرتهن: رهنتني بالألفين ذكرناهما عند الكلام في رهن المرهون لكن في صورة خاصة وهي إذا ادعى المرتهن أن الرهن الأول انفسخ واستأنفا رهنًا آخر وأطلنا الكلام فيها هناك، وقلنا: إن الأصح عند البغوي أن القول قول الراهن، والأصح عند الصيدلاني والروياني أن القول قول المرتهن، وهو المختار.
والمصنف هنا حكاهما فيما إذا قال: رهنتني بألفين ولم يتعرض المصنف لانفساخ ولا استئناف، ويقوى هنا تخريجهما على الاختلاف في الصحة والفساد إذ لم يسبق إقرار، والأصح عند الجمهور في الاختلاف في الصحة والفساد أن القول قول مدعي الصحة، فيكون القول هنا قول المرتهن، واختيار الماوردي (١) والبغوي (٢) تصديق مدعي الفساد، ولا جَرَم كان قوله هنا أن القول قول الراهن، وينبغي أن يراجع ما ذكرناه عند رهن المرهون.
* * *
стр. 1630
قال:
وإن بعث عبده مع رجل ليرهنه عند رجل بمال، ففعل ثم اختلف الراهن والمرتهن فقال الراهن: أذنت له في الرهن بعشرة، وقال المرتهن: بل بعشرين نظرت، فإن صدق الرسول الراهن حلف الرسول أنه ما رهن إلَّا بعشرة ولا يمين على الراهن؛ لأنه لم يعقد العقد وإن صدق الرسول المرتهن فالقول قول الراهن مع يمينه فإذا حلف بقي الرهن على عشرة، وعلى الرسول عشرة؛ لأنه أقر بقبضها.
قال الشافعي في "الأم" في باب الرسالة في الرهن: "وإذا دفع الرجل إلى الرجل متاعًا، فقال: ارهنه عند فلان، فرهنه عنده، فقال الدافع: إنما أمرته أن يرهنه عندك بعشرة، وقال المرتهن: جاءني برسالتك في أن أسلفك عشرين، فأعطيته إياها، فكذبه الرسول؛ فالقول قول الرسول، والمرسل، ولا أنظر إلى قيمة الرهن. ولو صدقه الرسول فقال: قد قبضت منك عشرين فدفعتها إلى المرسل، وكذبه المرسل كان القول قول المرسل مع يمينه ما أمره إلَّا بعشرة، ولا دفع إليه إلَّا هي، وكان الرهن بعشرة وكان الرسول ضامنًا للعشرة التي أقر بقبضها مع العشرة التي أقر المرسل بقبضها.
ولو دفع إليه ثوبًا فرهنه عند رجل، وقال الرسول: أمرتني برهن الثوب عند فلان بعشرة فرهنته وقال المرسل: أمرتك أن تستسلف من فلان عشرة بغير رهن ولم آذن لك في رهن الثوب، فالقول قول صاحب الثوب، والعشرة حالَّة عليه، ولو كانت المسألة بحالها، فقال: أمرتك بأخذ عشرة سلفًا في عبدي فلان، وقال الرسول: بل في ثوبك هذا، أو عبدك هذا العبد
стр. 1631
غير الذي أقر به الآمر، فالقول قول الآمر، والعشرة حالّة عليه، ولا رهن فيما رهن الرسول ولا فيما أقر به الآمر؛ لأنه لم يرهن إلَّا أن يجددا فيه رهنًا.
ولو كانت المسألة بحالها، فدفع المأمور الثوب والعبد الذي أقر الآمر أنه أمره برهنه كان العبد مرهونًا والثوب الذي أنكره الآمر أنه أمره برهنه خارجًا من الرهن. ولو أقام المرتهن البينة أن الآمر أمر برهن الثوب وأقام الآمر البينة أنه أمر برهن العبد دون الثوب ولم يرهن المأمور العبد، أو أنه نهى عن رهن الثوب كانت البينة بينة المرتهن، وأجزت له ما أقام عليه البينة رهنًا؛ لأني إذا جعلت بينتهما صادقة معًا لم تكذب إحداهما الأخرى؛ لأن بينة المرتهن بأن رب الثوب أمره برهنه قد تكون صادقة فلا تكذيب البينة الراهن أنه نهى عن رهنه، ولا أنه أمر برهن غيره؛ لأنه قد ينهى عن رهنه بعد ما أذن فيه ويرهن، فلا ينفسخ ذلك الرهن، وينتهي عن رهنه. قيل: يرهن ثم يأذن فيه فإذا رهنه، فلا يفسخ ذلك الرهن، فإذا كانتا تكونان صادقتين بحال لم يحكم لهما حكم المتضادتين اللتين لا يكونان أبدًا إلَّا وإحداهما كاذبة" (١). انتهى كلام الشافعي في هذا الباب، وهو يبين مراد المصنف، وأن صورة المسألة إذا استقرض ورهن ولو لم يكن إلَّا مجرد الرهن لم يتوجه الحلف على الرسول؛ لأنه سفير محض لا يتعلق به عهدة، ولو اعترف لم يقبل اعترافه على المالك.
فمن قول المصنف حلف الرسول يعلم أن صورة المسألة إذا استقرض كما دل عليه كلام الشافعي، وصرح به الأصحاب، وقول المصنف: ولا يمين على الراهن هو قول الشيخ أبي حامد والمحاملي، قال ابن الصباغ:
стр. 1632
"وعندي أن المرتهن إذا ادعى على الراهن أنه أذن له في ذلك وقبض منه عشرين بإذنه أن له أن يحلفه؛ لأن الراهن لو أقر بذلك لزمه ما قاله، فإذا أنكره حلف عليه" (١).
وهكذا قال الروياني: "إن له أن يحلفه إذا ادعى إذن الراهن بقبض العشرين" (٢)، واختاره ابن أبي عصرون، وهو المختار، وهو ظاهر كلام الرافعي فإنه قال: "إن صدق الرسول المُرسِلَ فالمرسَل إليه مُدَّعٍ عليهما على المرسِل بالإذن، وعلى الرسول بالأخذ؛ فالقول قولهما في نفي ما يدعيه" (٣). وتعليل المصنف بأنه لم يعقد العقد منقوض بما إذا وكل في الشراء، فللبائع أن يدعي عليه ويحلفه، وإن لم يعقد العقد إلَّا إذا قلنا: إن العهدة لا تتعلق به، وإنما تتعلق بالوكيل خاصة، وهو ضعيف.
وأما إذا صدق الرسولُ المرتهنَ، فالقول في نفي الزيادة قول الراهن مع يمينه بلا خلاف، وهل يرجع المرتهن على الرسول؟ ينظر، إن لم يصدقه في الدفع إلى الراهن رجع عليه، وإن صدقه قال ابن الصباغ والمتولي: لم يكن له الرجوع عليه. ونقل الروياني هذا عن بعض أصحابنا، وقال: "إنه صحيح" (٤)، ونقل الرافعي هذا غير منسوب إلى أحد، ثم قال: "هكذا ذكروه، وفيه إشكال؛ لأن الرسول وكيل المرسل وبقبضه يحل الملك للموكل حتى يغرم له إن تعدى فيه، ويسلمه إليه إن كان باقيًا، وإن كان كذلك فرجوع المرسل إليه إن كان بناء على توجيه العهدة على الوكيل فيرجع. وإن صدقه في دفع المال إلى المرسل كما يطالب البائع الوكيل
стр. 1633
بالشراء بالثمن، وإن صدقه في تسليم المبيع إلى الموكل، وإن كان الرجوع؛ لأن للمقرض أن يرجع في غير القرض ما دام باقيًا؛ فهذا ليس بتغريم ورجوع مطلق، وإنما يسترد عين المدفوع فيحتاج إلى إثبات كونه في يده، ولا يكفي فيه عدم التصديق بالدفع إلى المرسل، وإن كان غير ذلك فلم يرجع إذا لم يصدقه، ولم يوجد منه تعدٍّ عليه، ولا على حقه" (١).
واختصر في "الروضة" هذا فقال: "وينبغي أن يرجع على الرسول وإن صدقه في الدفع إلى المرسل" (٢). انتهى. كأنه رأى أن موجب الرجوع العهدة، وهو صحيح.
واعلم أن المصنف وغيره أطلقوا الرجوع، ونقله ابن الصباغ كذلك مطلقًا، وهو الذي فصل بين أن يصدقه أو لا، فالذي بحثه الرافعي هو المنقول عن الأصحاب، والذي نقله لم أره إلَّا لابن الصباغ والمتولي ومن وافقهما ممن بعدهما.
ويجوز أن يكون أخذه منهما وممن أطلق الرجوع ولم يفصل بين أن يصدقه أو لا، المحاملي والقاضي حسين والبغوي وإطلاق الشافعي فيما حكيناه من نصه أن الرسول ضامن للعشرة يشهد له فليكن هذا هو الصحيح، وقد اشتمل كلام الشافعي على فروع أفردها الأصحاب ولم يزيدوا فيها على ما قاله الشافعي.
* * *
стр. 1634
قال:
فصْل [في الاختلاف في عين: هل هي رهن أم بيع]
قال في "الأم": "إذا كان في يد رجل عبد لآخر، فقال: رهنتنيه بألف، وقال السيد: بل بعتكه بألف حلف السيد أنه ما رهنه بألف؛ لأن الأصل عدم الرهن، ويحلف الذي في يده العبد أنه ما اشتراه؛ لأن الأصل عدم الشراء ويأخذ السيد عبده، وإن قال السيد: رهنتكه بألف قبضتها منك قرضًا، وقال الذي في يده العبد: بل بعتنيه بألف قبضتها مني ثمنًا حلف كل واحد منهما على نفي ما ادعي عليه؛ لأن الأصل عدم العقد وعلى السيد الألف؛ لأنه مقرٌّ بوجوبها، وإن قال الذي في يده [العبد] (١): بعتنيه بألف، وقال السيد: بل رهنتكه بألف حلف السيد أنه ما باعه؛ فإذا حلف خرج العبد مِن يد مَن هو في يده؛ لأن البيع زال والسيد معترف بأنه رهن والمرتهن منكر، ومتى أنكر المرتهن الرهن زال الرهن.
قال الشافعي في "الأم" (٢) في باب اختلاف الرهون: "ولو كان في يدي رجل عبد فقال: رهنتنيه فلان بمائة، فقال: ما رهنتك بمائة، ولكني بعتكه
стр. 1635
بمائة لم يكن العبد رهنا ولا بيعًا إذا حلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه". انتهى.
وهذه المسألة الأولى في كلام المصنف، وذكر الرافعي المسألة في باب التحالف وقال: "إنه يرد الألف" (١)، وهو محمول على ما إذا أقر بقبضها.
وأما المسألة الثانية في كلام المصنف، فقال أبو علي الفارقي: لا فائدة فيها، وهي غلط، أما أنه لا فائدة فيها؛ فلأنه ذكرها في التي قبلها، ولم يغير إلَّا أنه قدم ذكر الذي في يده العبد وأخَّر ذكر السيد.
وأما بيان أنها خطأ، فإنه قال: حلف كلٌّ منهما على نفي ما ادعى عليه وليس هنا مدع، وإنما الذي في يده العبد هو الذي يدعي على السيد البيع، وهو ينكره فيحلف والسيد لا يدعي، وإنما يقر أنه رهنه رهنًا وهو ينكره، فلا يحلف على ما يقر له به، وإنما يحلف على ما يدعي عليه، والرهن حق له لا عليه، فلا يمين عليه بحال. انتهى.
وقال ابن أبي عصرون: أما الذي في يده العبد، فلا يمين عليه؛ لأنه ينكر الرهن، وحكى صاحب "البيان" كلام "المهذب"، وقال: "إن المحاملي أيضًا قاله في "المجموع"، ثم قال صاحب "البيان": "الذي يقتضي القياس عندي أنه لا يمين على الذي بيده العبد أنه ما ارتهن العبد" (٢).
قلت: وما قاله المصنف والمحاملي قد نص عليه الشافعي، فقال في باب اختلاف الرهون من الرهن الكبير من "الأم": "ولو قال: رهنتك داري بألف، وقال الذي يخالفه: بل اشتريتها منك بألف وتصادقا على قبض الألف تحالفا، وكانت الألف على الذي أخذها بلا رهن ولا بيع، وهكذا لو
стр. 1636
قال: رهنتك داري بألف أخذتها منك، وقال المقر له بالرهن: بل اشتريت منك عبدك بهذه الألف تحالفا، ولم تكن الدار رهنًا ولا العبد بيعًا، وكانت له عليه ألف بلا، رهن ولا بيع" (١). انتهى.
وهذان المثالان نص ما قاله المصنف والمحاملي فلا اعتراض عليهما لكن لا بد من الجواب عما ذكره الفارقي وابن أبي عصرون وصاحب "البيان"، والذي خطر لي فيه الآن أن اليمين على عدم القرض الذي ادعاه السيد، أما على قولنا: إنه ليس للمقرض الرجوع في القرض بعد القبض، كما هو أحد الوجهين أو أنه لم يرد الرجوع، فيستفيد السيد بتحليفه أنه قد ينكل، فيرد اليمين عليه فيحلف، ويثبت القرض، ويبقى الألف على ملكه؛ ولذلك قيدها الشافعي والمصنف بما إذا قال: أخذتها.
وأما المسألة الثالثة: فلم يعترف فيها بالأخذ؛ ولذلك لم يقل المصنف فيها: على السيد الألف كما قال في الثانية، فلا جَرَم لا يمين فيها على المرتهن، وأظنه حصل تقديم وتأخير في بعض النسخ فوقعت المسألة الثالثة ثانية، ولزوم الألف للسيد في المسألة الثانية ينبغي أن يتخرج على الخلاف فيما إذا أقر لشخص بألف من جهة فوافقه على ثبوتها وخالفه في الجهة: هل يلزم أو لا؟! والصحيح: اللزوم.
وإنما لم يحتج في المسألة الثالثة إلى حلف الآخر؛ لأن الرهن حق له لا عليه، وقول المصنف: متى أنكر المرتهن الرهن زال الرهن قدمنا قريبًا الكلام على مثله وقلنا: إنه إن أريد في الظاهر فذلك لا خلاف فيه، وإن أريد في الباطن، فيلتفت على أن إنكار العقود الجائزة هل يكون فسخًا أو لا؟ وممن وافق الفارقي في المسألة الثانية وقال: إنه لا يمين على الآخر"،
стр. 1637
الرافعي (١) نقلًا عن صاحب "التهذيب"، وفرضها في دعوى الاستقراض المقبوض، وهو مخالف للنص، ولم يذكر المسألة الثالثة.
فرع
قال في "الاستقصاء"، ونص عليه في "الأم" (٢) أيضًا: إن قال الذي في يده العبد: رهنتنيه بألف قبضته مني، وقال السيد: بل رهنتكه على ألف ولم أقبضها بعد؛ فالقول قول السيد؛ لأن الأصل عدم القبض، فإذا حلف أخذ العبد. انتهى.
وهذا محمول على ما إذا أنكر الدَّين جملة، فإن اعترف به، وادعى أن الرهن كان قبل ثبوته، فينبغي أن يتخرج على اختلافهما في الصحة والفساد، فإن الرهن قبل أخذ ما يرهن عليه فاسد، وقد اعترف بالرهن، فلا يسمع منه دعوى الفساد عند من يقول: القول قول مدعي الصحة - وهو الأصح - وسكت المصنف في المسألتين الأخيرتين عن أخذ السيد العبد؛ لأنه قد قاله في الأولى؛ ولأنه معلوم.
* * *
стр. 1638
قال:
فصْل [في الاختلاف في قبض الرهن]
وإن اتفقا على رهن [عين] (١)، ثم وجد العين في يد المرتهن، فقال الراهن: قبضتَه بغير إذني، وقال المرتهن: بل قبضتُه بإذنك، فالقول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الإذن، ولأنهما لو اختلفا في أصل العقد والعين في يد المرتهن كان القول قول الراهن، فكذلك إذا اختلفا في الإذن.
هذا هو الصحيح؛ سواء ادَّعى الراهن أن القبض غَصْبٌ لم يأذن فيه أصلًا أم أنه أذن فيه عن جهة أخرى سوى الرهن بأن قال: أودعتكه، أو أعرتكه، أو أكريته منك، أو أكريته من فلان، فأكراه منك، وفي "النهاية" (٢) وجه بعيد، ولو قال: غصبته أن القول قول المرتهن استدلالًا باليد على الاستحقاق كما يستدل بها على الملك وردّ الأصحاب هذا، وقالوا: "اليد لا دلالة لها على الرهن" (٣).
ورأيت هذا أيضًا في "الأم" من كلام الشافعي، فلهذا كان جمهور
стр. 1639
الأصحاب قاطعين بقبول قول الراهن في ذلك، والوجه المذكور في "النهاية" غريب، وإنما الوجهان مشهوران فيما إذا ادعى الراهن أن المرتهن قبضه بإذن في جهة أخرى سوى الرهن. فأحد الوجهين: أن القول قول المرتهن؛ لأنهما اتفقا على قبض مأذون فيه، وأراد الراهن أن يصرفه إلى جهة أخرى؛ والظاهر خلافه لتقدم العقد المحوج إلى القبض.
وأصحهما - وهو المنصوص: أن القول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم اللزوم، وعدم إذنه في القبض عن الرهن. وحكى الإمام هذين الوجهين (١) كما حكيناهما؟
وأما الوجه إذا ادعى الغصب، فإنما حكاه مع تضعيفه واستبعاده وأنه غير معتدٍّ به، ومع ذلك إنما حكاه في صورة يتفقان فيها على تقدم الرهن، فلو لم يتفقا على ذلك فلم نر أحدًا اكتفى بدلالة اليد، وقال بتصديق دعوى المرتهن إلَّا ما يقتضيه إطلاق الغزالي حكاية الوجه في الدعاوى، وإطلاقه يمكن أن يحمل على الصورة التي ذكرها الإمام، ولا يثبت خلاف فيما إذا تنازعا في أصل الرهن، وقد أشرنا إلى ذلك قريبًا.
وكما أنَّا جعلنا تقدُّم الرهن قرينة رجّحنا بها قول المرتهن في دعواه القبض إليه، ولم نقبل دعوى الراهن إسناده إلى غيره على أحد الوجهين كذلك يقول صاحب الوجه الضعيف؛ فيجعل تقدم الرهن مرجحًا لدعواه، فإذا فقد تقدم الرهن لم يبق إلَّا اليد فقد لا يقول بها.
وقول المصنف: "لأن الأصل عدم الإذن" يشمل حالة دعوى الغصب؛ لأن الأصل عدم الإذن مطلقًا وحالة دعوى الإذن في غير جهة الرهن؛ لأن الأصل عدم الإذن في الرهن، وقوله: ولأنهما لو اختلفا إلى آخره هو ما
стр. 1640
قلنا: إن كلام الأصحاب قاطع به إلَّا ما اقتضاه إطلاق الوجه الذي حكاه الغزالي في الدعاوى مع قوة احتمال أن يحمل على ما حكاه الإمام.
ولما ذكر الرافعي الخلاف في دعوى الراهن الإيداع أو الإعارة أو الغصب قال: "ويجري مثل هذا التفصيل فيما إذا اختلف البائع والمشتري في القبض حيث كان للبائع حق الحبس؛ إلا أن الأظهر هنا الحكم بحصول القبض إذا كان المبيع عند المشتري، وادعى البائع أنه أعاره، أو أودعه لتقوى اليد بالملك، وهذا يتفرع على أن حق الحبس لا يبطل بالإيداع والإعارة من المشتري، وفيه وجهان" (١).
قلت: ويصحح حصول القبض في دعوى الايداع والإعارة يظهر بناؤه على عدم بطلان حق الحبس بهما، وأما في دعوى الغصب، فينبغي أن يكون الصحيح أو المقطوع به قبول قول البائع، ولا يحكم بحصول القبض، وجزم الماوردي بعدم قبول دعوى البائع أن المشتري غصب المبيع ودعوى المؤجر أن المستأجر قبض الدار المستأجرة، لكنه لم يصرح بأنه حيث يكون للبائع حق الحبس.
* * *
стр. 1641
قال:
وإن اتفقا على الإذن، فقال الراهن: رجعت في الإذن قبل القبض، وقال المرتهن: لم ترجع حتى قبضت، فالقول قول المرتهن؛ لأن الأصل بقاء الإذن، وإن اتفقا على الإذن واختلفا في القبض، فقال الراهن: لم يقبضه، وقال المرتهن: بل قبضت، فإن كان العين في يد الراهن؛ فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم القبض، وإن كان في يد المرتهن، فالقول قوله؛ لأنه أذن في قبضه والعين في يده؛ فالظاهر أنه قبضه بحق، وكان القول قوله.
إذا اتفقا على الإذن والقبض، ثم قال الراهن: كنت رجعت قبل القبض لم يقبل إلَّا ببينة، وإذا اتفقا على الإذن واختلفا في القبض قال الشافعي في موضع: "القول قول الراهن" وفي موضع: "القول قول المرتهن". واتفق الأصحاب على أنه لا خلاف في المسألة، وإنما هي على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال: القول قول الراهن إذا كانت العين قائمة في يده والمرتهن يقول: أقبضتني ورددتها إليك عارية أو وديعة والموضع الذي قال فيه القول قول المرتهن إذا كانت العين في يده.
فرع
تقدم أنه لو كان المبيع في يد المشتري حيث يثبت للبائع حق الحبس، فقال البائع: سلمته إليك وديعة أو عارية وحق الحبس باقٍ، وقال المشتري: بل سلّمته إلى مسمى البيع فوجهان كما سبق في الرهن، وأن الأصح هنا أن القبض يحصل لقوة يده بالملك، قال الغزالي: "وكذلك الخلاف إذا قال المشتري للبائع: أعرتك المبيع بعد قبضه، وقال
стр. 1642
البائع: بل هو محبوس بأصل الثمن" (١). قال ابن الرفعة: إثبات الخلاف في هذه الصورة لم أظفر به في كلام الإمام ولا غيره، والأشبه فيها التفصيل.
فإن زعم البائع أنه لم يسلم العين أصلًا؛ فالقول أظنه قوله، وإن زعم أنه سلمها على حكم الوديعة أو العارية وقلنا: لا يبطل بذلك حق الحبس، ثم أعادها المشتري إليه واختلفا، فقال البائع: على حكم الحبس، وقال المشتري: بل على حكم الوديعة، فضمن القول قوله الوجهان فيما نظنه، ولا أظن لهما محملًا غير ذلك.
ثم ذكر ابن الرفعة ما ذكرناه من أن الشافعي نص في موضع في اختلافهما في القبض على أن القول قول الراهن، وفي موضع على أن القول قول المرتهن، وتنزيل الأصحاب لهما على حالين قال: وهذا يؤيد أحد الوجهين في الصورة التي انفرد المصنف بذكرها كما صورناها.
فرع
لو دفع الراهن العين المرهونة للمرتهن من غير أن يقصد الإقباض عن الرهن، فإذا تسلمها: هل يكون ذلك قبضًا عن الرهن أم لا؟ فيه وجهان في "التهذيب": "أحدهما: يقع عن الرهن، كما لو باع شيئًا ثم سلمه إلى المشتري يقع عن البيع.
والثاني: يكون وديعة بخلاف البيع؛ لأن التسليم ثَم واجب فوقع مطلقه عن الواجب وتسليم الرهن غير واجب، فلم يقع مطلقه عنه" (٢).
* * *
стр. 1643
قال:
وإن قال: رهنته وأقبضته ثم رجع وقال: ما كنت أقبضته، فحلفوه أنه قبض، فالمنصوص أنه يحلف، قال أبو إسحاق: إن قال وكيلي: أقبضته وبان لي أنه لم يكن أقبضه حلف وعليه تأول النص، وإن قال: أنا أقبضته ثم رجع لم يحلف؛ لأن إقراره المتقدم يكذبه، وقال أبو علي بن خيران: وعامة أصحابنا: إنه يحلف؛ لأنه [لا] (١) يمكن صدقه بأن يكون قد وعده بالقبض، فأقر به ولم يكن قبض.
إقرار الراهن بإقباض المرهون مقبول ملزم، ولكن يشترط الإمكان حتى لو قال: رهنته اليوم داري بمكة وأقبضته إياه وهما بمصر فهو لاغٍ، ولو أقر بالرهن ولم يوقت وأقر بالقبض ثم قال: إنما رهنتها اليوم، وقال المرتهن: رهنها في وقت يمكن في مثله أن يكون قبضها قابض بأمره، فالقول قول المرتهن، هكذا نص عليه في "المختصر" (٢)، ولو قامت الحجة - أعني البينة على إقراره في محل الإمكان فقال: لم يكن إقراري عن حقيقة فحلفوه أنه قبض: فهل يحلف المرتهن؟ فيه ثلاثة أوجه؛ أصحها - وبه قال ابن خيران وابن سريج وعامة أصحابنا، وهو المنصوص: أنه يحلف، ولا فرق بين أن يدعي الإقباض بنفسه أو توكيله، أو يبدي عذرًا كقوله: كنت أقبضته بالقول وظننت أنه يكفي، أو ألقي كتاب إليَّ عن لسان وكيل بأنه قبض ثم خرج مزورًا أو أشهدت على رسم القبالة قبل تحقيق القبض، أو لم يذكر
стр. 1644
شيئًا من ذلك أو صرح بكذب نفسه عمدًا؛ لأن ذلك ممكن.
والثاني: الفرق بين أن يبدي عذرًا أو لا، وهو قول أبي إسحاق المروزي، وتأول النص عليه، والجمهور على خلافه.
والثالث: أنه لا يحلف مطلقًا، حكاه الغزالي (١)، وهو حائد عن النص بالكلية، وقال الرافعي: "قلَّ من رواه" (٢)، وقال الرافعي: "إن الوجه الأول أصح عند العراقيين والثاني عند المراوزة" (٣). قال النووي: "طريقة العراقيين أفقه وأصح، ولو لم يقم بينة على إقراره، بل أقر في مجلس القضاء بعد توجّه الدعوى عليه قال القفال: لا يحلف، وإن ذكر تأويلًا؛ لأنه لا يكاد يقر عند القاضي إلَّا عن تحقيق، وقال غيره: لا فرق لشمول الإمكان" (٤).
وقال الإمام: "إن اتحد المجلس كان كإكذابه نفسه، وإن اعتذر في مجلس آخر قبل لإمكان ما قال، ولو شهد الشهود على نفس القبض فليس له التحليف بحال، وكذا لو شهدوا على إقراره؛ فقال: ما أقررت؛ لأنه تكذيب للشهود" (٥).
واعلم أن قول أبي إسحاق هنا موافق لقوله في باب المرابحة: "إذا قال: اشتريته بمائة ثم قال: بمائة وعشرة، وأراد تحليف المشتري فيه طريقان" (٦)
أحدهما: قول أبي إسحاق إن أبدى عذرًا، فله تحليفه، وإلَّا فلا.
стр. 1645
والصحيح: أن له تحليفه بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار.
وإن قلنا: كالبينة فلا، وما ذكروه هناك من بناء التحليف على أن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة ينبغي أن يقال به هنا، ولعله مأخذ من منع التحليف هنا مطلقًا فإن المرتهن إذا عرضت عليه اليمين قد ينكل؛ فترد اليمين على الراهن، فإن جعلناها كإقرار المرتهن ظهرت فائدتها، فإن المرتهن إذا أقر بعدم القبض حصل مقصود الراهن، وإن جعلناها كالبينة لم يكن لها فائدة؛ لأن بينة الراهن لا تسمع.
هذا مقتضى بنائهم في مسألة المرابحة، ولا يعارضه نص الشافعي هنا على التحليف؛ لأن الصحيح المشهور أن اليمين المردودة، كالإقرار فيكون هذا النص عليه.
واعلم أن الرافعي قال في المرابحة: إن بينة البائع تُسمع إذا أبدى لغلطه وجهًا محتملًا، وتكلمنا عليه هناك، وإن كلام الأكثرين لا يساعده، ولم يتعرض هو ولا غيره هنا لذلك، ولا عرَّجوا على التعرض للبينة كأنه؛ لأن غرض الراهن هنا نفي القبض والبينة لا تشهد بالنفي؛ إلَّا أنَّا نقول: قد يكون نفيًا محصورًا، كما إذا أقر بأنه أقبضه في الوقت الفلاني، وكانت العين تحت يد عدلين في ذلك الوقت يعلمان عدم قبضها، وإذا فرض هكذا ينبغي أن يأتي ما قيل في المرابحة.
ولا خلاف أن الراهن لا يحلف ابتداء، وهذا واضح، وإنما ذكرته لأني رأيت بعض الطلبة غلط في فهم قول الرافعي في "المحرر"، وكذلك في قول الغزالي في "الوسيط": "فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: لا يقبل. والثاني: يقبل. والثالث: إن قال: غلطت قبل، فتسمع حتى يحلف الخصم، وإن
стр. 1646
قال: كذبت عمدًا، فلا يقبل" (١)، ومراده القبول للتحليف، كما تضمنه كلامه.
فرع
لو كان الرهن مشروطًا في بيع، فقال المشتري: أقبضت ثم تلف الرهن، فلا خيار لك في البيع، وأقام على إقراره بالقبض حجة، فأراد المرتهن تحليفه فهو كما ذكرنا في إقرار الراهن وطلبه يمين المرتهن، قال الرافعي: "وقِسْ على هذا ما إذا قامت البينة على إقراره لزيد بألف فقال: إنما أقررت وأشهدت ليقرضني، ثم إنه لم يقرضني فحلفوه وسائر النظائر" (٢).
فرع
لو كان الرهن مشروطًا في بيع فقال المشتري: أقبضته ثم تلف، فلا خيار ولا بينة وأنكر البائع القبض فالقول قوله، وله فسخ البيع؛ قاله المحاملي في "التجريد".
تنبيه:
أدرج الغزالي في "الوسيط" في كلامه: "إذا قلنا: يحلف المرتهن أنه يحلف على نفي العلم" (٣) قال ابن الرفعة: وهذا لم أر مَن تعرض لذكره حتى الإمام، وهو في "الوسيط"، بل ظاهر كلام الشافعي والأصحاب أن المرتهن يحلف على وجود القبض الشرعي في ذلك، قال: وقد رأيت حاشية على الكتاب - يعني: "الوسيط" - تتضمن الجواب عن ذلك؛ إذ
стр. 1647
فيها: إنما لم يحلف على أنه أقبضه إياه؛ لأنه مستغنٍ عن ذلك بإقرار الراهن الذي شهدت به الشهود، فإنه ثبت له القبض به، وطلب التحليف على وَفْق ما تقوم عليه البينة لا يسمع، والمسموع دعوى الرهن أن المرتهن عالم بكذبه في الإقرار الصادر منه، فليحلف على نفي ما ادعى عليه من العلم على هذا الوجه.
قال: وهذا التأويل ظاهر النص يرده، وليس في هذه الصورة طلب اليمين على وفق ما شهدت به البينة؛ لأنها شهدت بالإقرار، وهو لا يستلزم وجود القبض في نفس الأمر، والذي طلبت اليمين عليه وجود القبض في نفس الأمر على أنّي أقول: إن المسألة مصورة بما إذا صدق الشهود بما شهدوا عليه به من إقراره، وذلك إن كان قبل الحكم عليه بموجب الشهادة يقتضي إبطال الشهادة على رأي، وتكون مؤاخذته بالقبض ظاهرًا بمقتضى قوله: التأخير لا بما شهدت به البينة.
نعم، قال في "الوجيز" (١): "إذا قال: غلطت فيه؛ تعويلًا على كتاب الوكيل أو إقامة لرسم القبالة، فله أن يحلِّف المرتهن على نفيه"، قال الرافعي: "أي على نفي ما يدعيه من التأويل، وليس ذلك على معنى أنه يتعين فيحلف عليه بل له تحليفه على القبض، وينبغي أن يكون التحليف على نفي ما يدعيه فيما إذا نازعه المرتهن في تأويله ونفاه، أما إذا لم يتعرض له واقتصر على قوله: قبضته فيقنع منه بالحلف عليه" (٢).
قال ابن الرفعة: وعلى الحالة الأولى يتعين حمل ما في الكتاب - يعني: "الوسيط" - أو على ما إذا ادعى كذبه في الإقرار، وأن المرتهن يعلم ذلك
стр. 1648
ليحلف عليه، فإن حلفه في هذه الحالة يكون على نفي العلم إذا أجاب به، وإن أجاب بأنِّي قبضت حلف على ذلك، وعلى هذه ينطبق ظاهر النص، وما حكيناه عن الأصحاب. انتهى.
وهذا الذي قاله الرافعي متعين والتحليف بحسب ما تكون الدعوى والإنكار والجواب كما نزله ابن الرفعة عليه.
فرع
الأوجه الثلاثة المتقدمة جارية فيما إذا أقر ببيع أو هبة وإقباض أو ضمان أو نحوها ثم رجع وقد تقدم عن الرافعي مطلقًا. وإنما ذكرت هذه المسائل الخاصة لتصريح الأصحاب بالخلاف فيها، وقول الغزالي في كتاب الإقرار: "لا خلاف أنه قال: لو قال: كذبت من غير تأويل لم تقبل دعواه" (١) محمول على نفي الخلاف عند المراوزة، فإن ذلك مذهبهم وحكايته الأوجه الثلاثة في الرهن محمولة على أنه أخذها عن العراقيين، فإن الخلاف في حال تعمُّد الكذب عندهم.
* * *
стр. 1649
قال:
فصل [في الاختلاف في صفة المقبوض]
وإن رهن عصيرًا وأقبضه ثم وجده خمرًا في يد المرتهن، فقال: أقبضتنيه وهو خمر فلي الخيار في فسخ البيع، وقال الراهن: بل أقبضتكه وهو عصير، فصار في يدك خمرًا، فلا خيار لك، ففيه قولان؛ أحدهما: أن القول قول المرتهن وهو اختيار المزني؛ لأن الراهن يدعي قبضًا صحيحًا، والأصل عدمه.
والثاني: أن القول قول الراهن وهو الصحيح؛ لأنهما اتفقا على العقد والقبض، واختلفا في صفة يجوز حدوثها، فكان القول قول من ينفي الصفة، كما لو اختلف البائع والمشتري في عيب بعد القبض، وإن اختلفا في العقد، فقال المرتهن: رهنتنيه وهو خمر، وقال الراهن: بل رهنتكه وهو عصير فصار عندك خمرًا؛ فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال أكثرهم: هي على القولين، وقال أبو علي بن أبي هريرة: القول قول المرتهن قولًا واحدًا؛ لأنه ينكر العقد والأصل عدمه.
قال الشافعي في "مختصر المزني": "ولو قال: رهنتكه عصيرًا فصار في يدك خمرًا، وقال المرتهن: رهنتنيه خمرًا، ففيها قولان أحدهما: أن القول قول الراهن؛ لأنه يحدث كما يحدث العيب في البيع، ومن قال بهذا أراق
стр. 1650
الخمر، ولا رهن له، والبيع لازم.
والثاني: القول قول المرتهن؛ لأنه لم يقرَّ أنه قبض منه شيئًا يحل ارتهانه بحال، وليس كالعيب في العبد الذي يحل ملكه، والعيب به، والمرتهن بالخيار في فسخ البيع، قال المزني: هذا عندي أقيس؛ لأن الراهن مدَّعٍ" (١). انتهى.
وقال في "الأم" قبل باب الرهن الفاسد: "ولو اختلفا في العصير فقال الراهن: رهنتكه عصيرًا ثم عاد في يدك خمرًا، وقال المرتهن: بل رهنتنيه خمرًا، ففيها قولان؛ أحدهما: أن القول قول الراهن؛ لأن هذا يحدث كما لو باعه عبدًا فوجد به عيبًا يحدث مثله؛ فقال المشتري: بعتنيه وبه العيب، وقال البائع: حدث عندك: كان القول قوله مع يمينه. ومن قال هذا القول قال: يهراق الخمر، ولا رهن له، والبيع لازم.
والقول الثاني: أن القول قول المرتهن؛ لأنه لم يقر له أنه قبض منه شيئًا يحل ارتهانه بحال؛ لأن الخمر محرم بكل حال، وليس هذا كالعيب الذي يحل ملك العبد، وهو به، والمرتهن بالخيار في أن يكون حقه ثابتًا بلا رهن أو يفسخ البيع" (٢). انتهى.
قال الأصحاب: إذا باع وشرط رهن عصير، ثم صار ذلك العصير خمرًا في يد المرتهن، فلا خيار له، وإن صار خمرًا في يد الراهن بعد العقد وقبل القبض ثبت الخيار، وإن صار قبل العقد ولم يعلما به إلَّا في يد المرتهن؛ فالرهن باطل وفي بطلان البيع قولان؛ أحدهما: يبطل.
والثاني: يصح، ويثبت الخيار.