قال: كذبت عمدًا، فلا يقبل" (١)، ومراده القبول للتحليف، كما تضمنه كلامه.
فرع
لو كان الرهن مشروطًا في بيع، فقال المشتري: أقبضت ثم تلف الرهن، فلا خيار لك في البيع، وأقام على إقراره بالقبض حجة، فأراد المرتهن تحليفه فهو كما ذكرنا في إقرار الراهن وطلبه يمين المرتهن، قال الرافعي: "وقِسْ على هذا ما إذا قامت البينة على إقراره لزيد بألف فقال: إنما أقررت وأشهدت ليقرضني، ثم إنه لم يقرضني فحلفوه وسائر النظائر" (٢).
فرع
لو كان الرهن مشروطًا في بيع فقال المشتري: أقبضته ثم تلف، فلا خيار ولا بينة وأنكر البائع القبض فالقول قوله، وله فسخ البيع؛ قاله المحاملي في "التجريد".
تنبيه:
أدرج الغزالي في "الوسيط" في كلامه: "إذا قلنا: يحلف المرتهن أنه يحلف على نفي العلم" (٣) قال ابن الرفعة: وهذا لم أر مَن تعرض لذكره حتى الإمام، وهو في "الوسيط"، بل ظاهر كلام الشافعي والأصحاب أن المرتهن يحلف على وجود القبض الشرعي في ذلك، قال: وقد رأيت حاشية على الكتاب - يعني: "الوسيط" - تتضمن الجواب عن ذلك؛ إذ
стр. 1647
فيها: إنما لم يحلف على أنه أقبضه إياه؛ لأنه مستغنٍ عن ذلك بإقرار الراهن الذي شهدت به الشهود، فإنه ثبت له القبض به، وطلب التحليف على وَفْق ما تقوم عليه البينة لا يسمع، والمسموع دعوى الرهن أن المرتهن عالم بكذبه في الإقرار الصادر منه، فليحلف على نفي ما ادعى عليه من العلم على هذا الوجه.
قال: وهذا التأويل ظاهر النص يرده، وليس في هذه الصورة طلب اليمين على وفق ما شهدت به البينة؛ لأنها شهدت بالإقرار، وهو لا يستلزم وجود القبض في نفس الأمر، والذي طلبت اليمين عليه وجود القبض في نفس الأمر على أنّي أقول: إن المسألة مصورة بما إذا صدق الشهود بما شهدوا عليه به من إقراره، وذلك إن كان قبل الحكم عليه بموجب الشهادة يقتضي إبطال الشهادة على رأي، وتكون مؤاخذته بالقبض ظاهرًا بمقتضى قوله: التأخير لا بما شهدت به البينة.
نعم، قال في "الوجيز" (١): "إذا قال: غلطت فيه؛ تعويلًا على كتاب الوكيل أو إقامة لرسم القبالة، فله أن يحلِّف المرتهن على نفيه"، قال الرافعي: "أي على نفي ما يدعيه من التأويل، وليس ذلك على معنى أنه يتعين فيحلف عليه بل له تحليفه على القبض، وينبغي أن يكون التحليف على نفي ما يدعيه فيما إذا نازعه المرتهن في تأويله ونفاه، أما إذا لم يتعرض له واقتصر على قوله: قبضته فيقنع منه بالحلف عليه" (٢).
قال ابن الرفعة: وعلى الحالة الأولى يتعين حمل ما في الكتاب - يعني: "الوسيط" - أو على ما إذا ادعى كذبه في الإقرار، وأن المرتهن يعلم ذلك
стр. 1648
ليحلف عليه، فإن حلفه في هذه الحالة يكون على نفي العلم إذا أجاب به، وإن أجاب بأنِّي قبضت حلف على ذلك، وعلى هذه ينطبق ظاهر النص، وما حكيناه عن الأصحاب. انتهى.
وهذا الذي قاله الرافعي متعين والتحليف بحسب ما تكون الدعوى والإنكار والجواب كما نزله ابن الرفعة عليه.
فرع
الأوجه الثلاثة المتقدمة جارية فيما إذا أقر ببيع أو هبة وإقباض أو ضمان أو نحوها ثم رجع وقد تقدم عن الرافعي مطلقًا. وإنما ذكرت هذه المسائل الخاصة لتصريح الأصحاب بالخلاف فيها، وقول الغزالي في كتاب الإقرار: "لا خلاف أنه قال: لو قال: كذبت من غير تأويل لم تقبل دعواه" (١) محمول على نفي الخلاف عند المراوزة، فإن ذلك مذهبهم وحكايته الأوجه الثلاثة في الرهن محمولة على أنه أخذها عن العراقيين، فإن الخلاف في حال تعمُّد الكذب عندهم.
* * *
стр. 1649
قال:
فصل [في الاختلاف في صفة المقبوض]
وإن رهن عصيرًا وأقبضه ثم وجده خمرًا في يد المرتهن، فقال: أقبضتنيه وهو خمر فلي الخيار في فسخ البيع، وقال الراهن: بل أقبضتكه وهو عصير، فصار في يدك خمرًا، فلا خيار لك، ففيه قولان؛ أحدهما: أن القول قول المرتهن وهو اختيار المزني؛ لأن الراهن يدعي قبضًا صحيحًا، والأصل عدمه.
والثاني: أن القول قول الراهن وهو الصحيح؛ لأنهما اتفقا على العقد والقبض، واختلفا في صفة يجوز حدوثها، فكان القول قول من ينفي الصفة، كما لو اختلف البائع والمشتري في عيب بعد القبض، وإن اختلفا في العقد، فقال المرتهن: رهنتنيه وهو خمر، وقال الراهن: بل رهنتكه وهو عصير فصار عندك خمرًا؛ فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال أكثرهم: هي على القولين، وقال أبو علي بن أبي هريرة: القول قول المرتهن قولًا واحدًا؛ لأنه ينكر العقد والأصل عدمه.
قال الشافعي في "مختصر المزني": "ولو قال: رهنتكه عصيرًا فصار في يدك خمرًا، وقال المرتهن: رهنتنيه خمرًا، ففيها قولان أحدهما: أن القول قول الراهن؛ لأنه يحدث كما يحدث العيب في البيع، ومن قال بهذا أراق
стр. 1650
الخمر، ولا رهن له، والبيع لازم.
والثاني: القول قول المرتهن؛ لأنه لم يقرَّ أنه قبض منه شيئًا يحل ارتهانه بحال، وليس كالعيب في العبد الذي يحل ملكه، والعيب به، والمرتهن بالخيار في فسخ البيع، قال المزني: هذا عندي أقيس؛ لأن الراهن مدَّعٍ" (١). انتهى.
وقال في "الأم" قبل باب الرهن الفاسد: "ولو اختلفا في العصير فقال الراهن: رهنتكه عصيرًا ثم عاد في يدك خمرًا، وقال المرتهن: بل رهنتنيه خمرًا، ففيها قولان؛ أحدهما: أن القول قول الراهن؛ لأن هذا يحدث كما لو باعه عبدًا فوجد به عيبًا يحدث مثله؛ فقال المشتري: بعتنيه وبه العيب، وقال البائع: حدث عندك: كان القول قوله مع يمينه. ومن قال هذا القول قال: يهراق الخمر، ولا رهن له، والبيع لازم.
والقول الثاني: أن القول قول المرتهن؛ لأنه لم يقر له أنه قبض منه شيئًا يحل ارتهانه بحال؛ لأن الخمر محرم بكل حال، وليس هذا كالعيب الذي يحل ملك العبد، وهو به، والمرتهن بالخيار في أن يكون حقه ثابتًا بلا رهن أو يفسخ البيع" (٢). انتهى.
قال الأصحاب: إذا باع وشرط رهن عصير، ثم صار ذلك العصير خمرًا في يد المرتهن، فلا خيار له، وإن صار خمرًا في يد الراهن بعد العقد وقبل القبض ثبت الخيار، وإن صار قبل العقد ولم يعلما به إلَّا في يد المرتهن؛ فالرهن باطل وفي بطلان البيع قولان؛ أحدهما: يبطل.
والثاني: يصح، ويثبت الخيار.
стр. 1651
وإن اختلفا لما وجد في يد المرتهن خمرًا فهي مسألة الكتاب التي نقلها المزني. ولاختلافهما صورتان؛ إحداهما: إذا قال الراهن: أقبضتكه عصيًرا، وقال المرتهن: أقبضتنيه خمرًا فقولان؛ أصحهما: أن القول قول الراهن.
والثانية: إذا قال المرتهن: رهنتكه عصيرًا، وقال المرتهن: رهنتنيه خمرًا فكذلك عند أكثر الأصحاب، وأبي إسحاق - وهو الصواب؛ لأن لفظ "مختصر المزني" و"الأم" على ما حكيناه يشهد بذلك، وقول ابن أبي هريرة: إن القول قول المرتهن قولًا واحدًا بعيد نقلًا وحِجَاجًا.
أما نقلًا: فلمخالفته التصوير الذي ذكره في المزني و"الأم". وأما حجاجًا؛ فلأنه ينبغي أن يكون كاختلافهما في الصحة والفساد في العقود، وممن صحّح أن الأصح من القولين قول الراهن كما صححه المصنف: الشيخ أبو حامد، والمحاملي، والبغوي (١)، والروياني (٢)، ونصر المقدسي، والشاشي، وصاحب "البيان" (٣)، والرافعي.
وخالفهم الماوردي: فصحح أن القول قول المرتهن (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥) والمزني، هذا في اختلافهما في القبض، وكذا في اختلافهما في الرهن عند الأكثرين وقال البغوي: "يبنى على أن فساد الرهن: هل يوجب فساد البيع؟ وفيه قولان؛ إن قلنا: يوجب فساده فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأنه ينكر البيع، والأصل عدمه.
وإن قلنا: لا يوجب فساد البيع، فالقول قول من يكون على قولين" (٦).
стр. 1652
قلت: اختيار البغوي في الاختلاف في صحة العقود وفسادها أن القول قول مدعي الفساد، فينبغي أن يكون هنا عنده القول قول المرتهن؛ لأنه يدعي فساد الرهن؛ سواء أصح البيع أم فسد.
ونظير المسألة: إذا باعه عصيًرا وسلّمه فوجد خمرًا في يد المشتري، فقال البائع: عندك صار خمرًا، وقال المشتري: بل كان عندك خمرًا، وصحّح النووي فيها: أن القول قول البائع (١)، وهو موافق لتصحيحهم هنا: أن القول قول الراهن، ولتصديق مدعي الصحة.
وليعلم أن مسألتنا هنا في الرهن أَوْلَى بتصديق الراهن من تصديق البائع في مسألة البيع؛ لأن هناك لا مأخذ لتصديقه إلَّا إجراء العقود على الصحة، وهنا هذا المأخذ ومأخذ آخر؛ وهو أن المرتهن يقصد فسخ البيع المشروط فيه الرهن والأصل لزومه؛ فلهذا لم يكن الخلاف هنا مساويًا للخلاف، وقال بتصديق الراهن هنا من لم يقل بتصديق مدعي الصحة وهو البغوي.
وقد ذكرنا في شرح هذا الكتاب في باب اختلاف المتبايعين: أنهما إذا اختلفا في حرية المبيع، فالذي جزم به العراقيون: أن القول قول مدعي الصحة.
وأن الجرجاني قال: إذا ادعى المشتري أنه اشتراه خمرًا قُبل قوله وفسد البيع.
وخرجها الرافعي على الاختلاف في الصحة والفساد، ووافق الروياني الجرجاني في قبول قول مدعي الفساد في أن العصير كان خمرًا، والقياس في هذا كله في البيع التخريج على الخلاف، والرهن أولى بتصديق مدعي الصحة لما ذكرناه.
стр. 1653
فإن قلنا: القول قول الراهن، فإذا حلف، فلا خيار للمرتهن، وإن نكل حلف المرتهن، فإن كان ادعى مصيره خمرًا بعد العقد وقبل القبض ثبت الخيار، وإن كان ادعى مصيره قبل العقد، ففي بطلان البيع القولان، وإن نكل المرتهن بعد نكول الراهن فلا خيار.
وإن قلنا: القول قول المرتهن فإذا حلف فإن كانت دعواه أنه صار خمرًا بعد العقد وقبل القبض، فله الخيار، وإن كان ادعى أنه كان خمرًا وقت العقد، ففي البيع القولان، وإن نكل المرتهن حلف الراهن، ولا خيار للمرتهن، فإن نكل الراهن أيضًا فهل يحكم بقول المرتهن؟ على وجهين في "الحاوي" (١)، أحدهما نعم؛ لأن الراهن أسقط حقه بنكوله وقول المرتهن استند إلى صورة الرهن وصفته.
والثاني: لا؛ لأن فيه استئناف حكم بمجرد الدعوى، بخلاف نكول المرتهن بعد الرهن؛ لأن فيه استدامة حكم في إسقاط الخيار وليس فيه استئناف حكم في إثبات الخيار.
فرع
قال الروياني: "ولو أرادا إمساك الخمر لتستحيل خلًّا كانا ممنوعين من الإمساك في ظاهر المذهب، وقد ذكرنا ما قيل فيه" (٢).
قلت: قد تقدم ذكر هذا عنه، وأن الأصح جواز إمساك المحترمة.
نعم، قول الشافعي الذي حكيناه ومن قال بهذا أراق الخمر، يدل له، لكن ينبغي حمله على ما إذا لم يعلم أنها محترمة. واعلم أن إراقة الخمر
стр. 1654
حيث تجب لا فرق فيها بين أن يصدق الراهن أو المرتهن ومقصود الشافعي أن من صدق الراهن أراق الخمر، ولم يثبت الخيار، ومن صدق المرتهن أراق الخمر وأثبت الخيار، فالتفريع إنما هو للحكم الثاني.
* * *
стр. 1655
قال:
وإن رهن عبدًا وأقبضه في محمل أو ملفوفًا في ثوب ووجد ميتًا، فقال المرتهن: أقبضتنيه وهو ميت، فلي الخيار في فسخ البيع، وقال الراهن: بل أقبضتكه حيًّا ومات عندك، فلا خيار لك، ففيه طريقان؛ أحدهما - وهو الصحيح: أنه على القولين؛ كالعصير.
والثاني: وهو قول أبي علي الطبري: أن القول قول المرتهن؛ لأن هذا اختلاف في أصل القبض؛ لأن الميت لا يصح قبضه؛ لأنه لا يقبض إلَّا ظاهرًا، بخلاف العصير؛ فإنه يقبض في الظرف والظاهر منه الصحة.
قول أبي علي الطبري رأيته في "الإفصاح"، ولفظه: ولو اتفقا على أنه رهنه عبدًا، ثم اختلفا في موته، فقال الراهن: مات في يديك، وقال المرتهن: بل في يديك؛ كان القول قول المرتهن؛ لأنه لم يقر له بالقبض بوجه من الوجوه، وبخلاف الخمر؛ لأنه أقر بالقبض، وادعى تغيُّرًا موجودًا في ذلك الوقت، ولو خلينا وهذا اللفظ لم يكن فيه دليل على صورة المسألة، وأن العبد في يد المرتهن، لكن قرينة ذكرها مع مسألة الخمر والفرق بينهما يدل لذلك. وأيضًا الأصحاب المتقدمون القريبون من زمنه كالمصنف ونحوه أعلم منا بمراده؛ لأنهم لا يقتصرون على مدلول لفظه الذي في الكتاب، بل يكون عندهم أشياء مما تلقوها من مشايخهم ولم تدوّن يفهمون بها مراد ذلك المصنف.
وبالجملة: طريقته في هذا ضعيفة إذا أقر المرتهن بالقبض. وقوله: "لأن الميت لا يصح قبضه" إن أراد شرعًا فالخمر كذلك، وتصحيح كلامه: أنه
стр. 1656
أراد: لا يتفق قبضه بحيث يلتبس موته على قابضها؛ لأنه لا يقبض إلَّا ظاهرًا، لكن هذا خلاف الفرض؛ لأن الفرض أنه قبضه في محمل أو ملفوفًا، وما أشبه ذلك، ولا فرق بين العبد في المحمل والعصير في الظرف؛ ولهذا كان جمهور الأصحاب على طريقة القولين.
وفي "البحر": "أنها قول أبي إسحاق ونصَّ عليها في "الأم"" (١)، وخطر لي أن ذلك غلط في نسخة "البحر"، وأن الناسخ نقل ذلك من المسألة المتقدمة إلى هذه، فإن هذه لم أرها منصوصة، بل القاضي حسين استنبط الخلاف فيها من القولين في المسألة المتقدمة، والقاضي حسين لم يبتكر ذلك، فقد سبقه إليه الشيخ أبو حامد.
نعم، استنبط القاضي حسين مع ذلك الخلاف في فرع آخر؛ وهو إذا اشترى مائعًا وجاء بظرف قبضه البائع فيه، فوجدت فيه فأرة ميتة، فقال البائع: كانت في ظرفك، وقال المشتري: بل قبضته وفيه الفأرة، ففيمن يصدق القولان؟ أحدهما: البائع، ويحمل على أن الفأرة كانت في ظرف المشتري، ولا ذلك يمنع من صحة القبض؛ لأن المائع إذا حصل في فضاء الظرف ثبت له حكم القبض جزءًا فجزءًا قبل أن يلقي النجاسة.
والثاني: يصدق المشتري ويثبت له الخيار في فسخ البيع، كما لو تحققنا طريانها قبل القبض، والأول أصح. ولو زعم المشتري أنها كانت فيه يوم البيع، فهذا اختلاف في أن العقد جرى صحيحًا أو فاسدًا، والأصح تصديق مدعي الصحة.
* * *
стр. 1657
فائدة:
خرج مخرجون القولين في مسألة العصير ومسألة العبد على أن المدعي من يدعي أمرًا خفيًّا، والمدعى عليه من يدعي أمرًا جليًّا، أو المدعي من لو سكت ترك، والمدعى عليه من لو سكت لم يترك.
فإن قلنا بالأول، فالمدعي الراهن؛ لأنه يزعم جريان القبض الصحيح، والأصل عدمه؛ فيكون القول قول المرتهن.
وإن قلنا بالثاني، فالمدعي المرتهن؛ لأنه لو سكت لترك، والراهن لا يترك لو سكت؛ فيكون القول قول الراهن.
فرع
اختلفا في قِدَم عيب الرهن وحدوثه إذا كان مشروطًا في بيع، فادعى الراهن أنه حدث بعد القبض، وقال: المرتهن: قبله فالقول قول الراهن، وقد تقدم في أثناء الكلام على العصير وقاسوا عليه مسألة العصير.
* * *
стр. 1658
قال:
فصْل [في الاختلاف في تحديد المرتهن]
وإن كان الرجل عبد، وعليه ألفان لرجلين، لكلِّ واحد منهما ألف، فادعى كل واحد منهما أنه رهن العبد عنده بِدَيْنه، والعبد في يد الراهن، أو في يد العدل، نظرتَ: فإن كذَّبَهما فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرهن، وإن صدقهما وادعى الجهل بالسابق منهما، فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف فسخ الرهن على المنصوص؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، فبطل، كما لو زوَّج المرأة وليَّان من رجلين وجهل السابق منهما.
ومن أصحابنا من قال: يجعل بينهما نصفين؛ لأنه يجوز أن يكون مرهونًا عندهما، بخلاف الزوجة.
وإن صدّق أحدَهما، وكذَّب الآخر، أو صدقهما وعيَّن السابق منهما، فالرهن للمصدق، وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان أحدهما: يحلف.
والثاني: لا يحلف؛ بناء على القولين فيمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو، هل يغرم لعمرو شيئًا أم لا؟ فيه قولان؛ فإن قلنا: لا يغرم، لم يحلف؛ لأنه إن نكل لم يغرم، فلا فائدة في عرض اليمين.
وإن قلنا: يغرم، حلف؛ لأنه ربما نكل، فيغرم للثاني قيمته.
فإن قلنا: لا يحلف، فلا كلام.
وإن قلنا: يحلف، نظرتَ، فإن حلف، انصرف الآخر، وإن نكل عرض اليمين
стр. 1659
على الثاني، فإن نكل انصرف، وإن حلف بنينا على القولين في يمين المدعي مع نكول المدعى عليه.
فإن قلنا: إنه كالبينة نزع العبد وسلّم إلى الثاني.
وإن قلنا إنه كالإقرار، ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه ينفسخ؛ لأنه أقر لهما، وجهل السابق منهما.
والثاني: يجعل بينهما؛ لأنهما استويا، ويجوز أن يكون مرهونًا عندهما فجعل بينهما.
والثالث: يقر الرهن في يد المصدق ويغرم للثاني قيمته ليكون رهنًا عنده؛ لأنه جعل كأنه أقر بأنه حال بينه وبين الرهن، فلزمه ضمانه.
وإن كان العبد في يد أحد المرتهنين نظرت، فإن كان في يد المقر له أقر في يده؛ لأنه اجتمع [له] (١) اليد والإقرار، وهل يحلف للثاني؟ على القولين، وإن كان في يد الذي لم يقر له فقد حصل لأحدهما اليد وللآخر الإقرار، وفيه قولان؛ أحدهما: يقدم الإقرار؛ لأنه يخبر عن أمر باطن.
والثاني: يقدم اليد، وهو قول المزني؛ لأن الظاهر معه، والأول أظهر؛ لأن اليد إنما تدل على الملك لا على العقد، وإن كان في يدهما فللمقر له الإقرار، واليد على النصف، وفي النصف الآخر له إقرار، وللآخر يد، وفيه قولان؛ أحدهما يقدم الإقرار، فيصير الجميع رهنًا عند المقر له.
والثاني: تقدم اليد، فيكون الرهن بينهما نصفين.
الفصل من منصوصات "المختصر" (٢) في باب رهن الرجلين الشيء
стр. 1660
الواحد. وصورة المسألة: أن كلًّا منهما ادعى الرهن والقبض، وإنما سكت المصنف عن القبض لظهوره. وقوله: فيما إذا كان في يد الراهن أو العدل إن كذّب المدعيين فالقول قوله مع يمينه؛ أي: يحلف لكل منهما يمينًا، وكذا قال البغوي (١) والرافعي (٢)، وهو كقول البغوي فيما إذا ادعى كل واحد من الزوجين على المرأة العلم بالسبق، وقول القفال هناك: "إن حضرا وادعيا حلفت يمينًا" (٣)، وقياسه أن يأتي هنا.
قال الماوردي: "وإنما لزمته اليمين قولًا واحدًا؛ لأنه لو رجع وبين الأول منهما قبل" (٤). وهذا الحكم الذي ذكره المصنف لا يختص بما إذا كان في يد الراهن أو العدل، بل لو كان في يد المدعيين أو أحدهما كان الحكم كذلك، صرح به صاحب "البيان" (٥)، وصاحب "الانتصار"، وصاحب "الاستقصاء"، واقتضاه كلام الرافعي وغيره، وعلله صاحب "البيان" بأن اليد لا يرجح بها في العقد، وهو جارٍ على ما قدمناه من أن صاحب اليد لا يصدق في دعوى الرهن.
أما إن صح الوجه المتقدم عن الغزالي فيطّردها هنا، ولكنه بعيد الصحة، فلو قدم المصنف هذا الحكم على تقسيمه من هو في يده كان أحسن؛ ولهذا لم يذكر بعد ذلك فيما إذا كان في يدهما أو في يد أحدهما حكم تكذيبهما أو تصديقهما. وقوله: "وإن صدقهما … " إلى آخره.
صورة المسألة: أن يدعي كل منهما السبق، وأن الراهن عالم بصدقه
стр. 1661
فيحلف الراهن على نفي العلم.
فإذا حلف، فأربعة أوجه: أحدها: الوقف كما في الزوجة إذا زوَّجها وليَّان حكاه ابن داود وسماه قولًا والثاني: أن فائدة حلفه لهما انقطاع الخصومة عنه من جهتهما، والخصومة قائمة بين المتداعيين؛ حكاه الإمام عن صاحب "التقريب"، وشيخه أبي محمد قال: "وهو حُسْنُ فقه" (١)، وصحّحه الغزالي في "الوسيط"، وهو المختار.
والوجه الثالث: وهو الذي ذكره المصنف أخيرًا أنه يجعل بينهما نصفين، قال الإمام: "وهذا وإن كان مشهورًا، فليس يستند إلى فقه متين إلَّا أن يعترف المتداعيان بالإلباس" (٢).
والوجه الرابع: أن الخصومة انتهت بحلفه وتعذر الإمضاء فينفسخ الرهنان، وهذا هو الصحيح المنصوص، وإن نكل الراهن؛ ردت اليمين عليهما، فإن حلف أحدهما وحده قضي له، وإن حلف عادت الأوجه الثلاثة، وهي ما سوى الثاني؛ إذ لا جريان له بعد انتهاء الخصومة.
وإن نكلا فكما لو حلفا على ما قاله الإمام (٣) والرافعي (٤)، وجزم الماوردي بأن الرهن حينئذ مفسوخ بنكولهما والعبد في يد مالكه غير مرهون، وحكى الخلاف في حال حلفهما: هل ينفسخ لتعارض بينتهما أو يقسم لتساويهما (٥)، وكل من حكى وجه القسمة حيث حكاه جعله وجهًا إلَّا ابن داود، فإنه حكاه قولًا. وإذا قلنا بالأصح المنصوص: هل نقول: ينفسخ
стр. 1662
الرهنان أو يبطلان؟ عبارة الشافعي: "كان الرهن مفسوخًا" (١)، وتبعه المصنف.
وممن تبعه على هذه العبارة القاضي حسين، والماوردي (٢) والروياني، والإمام، وعبارة البغوي، والرافعي (٣): أنه يحكم ببطلان العقد، وينبغي أن يقال في ذلك ما قيل فيما إذا زوَّج الوليَّان ولم يعلم السابق ويأتي التفصيل والخلاف المذكور هناك، والذي يتلخص منه هنا أنه إن احتمل السبق والمعية، فالرهنان باطلان.
وقيل: لا بد من إنشاء فسخ، وإن سبق واحد معين، ثم خفي، فيتوقف حتى يتبين، ولا يجوز للراهن التصرف فيه بما يبطل به حق المرتهن، ولا لواحد منهما المطالبة ببيعه قبل التبيُّن.
وإن علم سبق أحدهما ولم تعلم عينه، فباطلان. وقيل: يتوقف، فعلى البطلان: هل يحتاج إلى إنشاء فسخ؟ فيه الخلاف السابق.
فإن قلنا: يحتاج، فالذي ينشئه الحاكم. وقيل: للراهن الفسخ بغير مراجعة الحاكم. وقيل لهما أيضًا الفسخ، هذا قياس ما ذكروه هناك.
وقال الإمام هنا فيما إذا لم يدّعيا العلم عليه وتنازعا فيما بينهما، فحلفا أو نكلا: "قال الأصحاب: انفسخ الرهن قال الشيخ أبو محمد: يمكن أن يجعل بمثابة ما لو تحالف المتبايعان، وفيه خلاف في أن العقد ينفسخ أو يفسخ، ثم إذا قلنا: ينشأ، فسخه، فالقاضي يفسخ أو المتعاقدان، فلنخرج هذا على ذاك، فإن حكمنا بالانفساخ أو نفذنا الفسخ، فالقول في الظاهر
стр. 1663
والباطن يعود، وهذا اختلاف حقه الجريان في كل موضع رتّب الحكم فيه بالفسخ على الإشكال، وتعذر إمضاء العقد.
فإن قلنا بالانفساخ، وهو الذي أطلقه الأصحاب في هذه المسألة، فلا كلام.
وإن قلنا بإنشاء الفسخ، فليس ذلك إلى المدعيين، ولكن يفسخ الحاكم ويبعد أن يقال بفسخ المالك، فإن الخصومة ما تعلقت به" (١). انتهى ما قاله الإمام.
وبين إلحاقه بالتحالف وإلحاقه بمسألة الزوجة تبايُن لا يخفى، وهو عندي بمسألة الزوجة أشبه منه بمسألة التحالف. ثم ذكر الإمام حالة حلف الراهن على عدم العلم وحالة نكوله وعود اليمين إليهما، وقال: "إن الكلام في الانفساخ ما مضى" (٢) هذا كله ذكرناه من كلام الإمام لتعلقه بالانفساخ.
وأصل الكلام فيما دل عليه كلام المصنف؛ وهو ما إذا ادعى كل منهما السبق، وأن الراهن عالم به، فإن لم يدعيا السبق أو ادعياه وصدَّقا الراهن في أنه لا يعلم فلا يمين عليه، ولا نزاع لهما معه، والخصومة بين المدعيين ولكل منهما أن يحلف صاحبه، فإن تحالفا أو نكلا عَسُر إمضاء الأمر بينهما، وعادت الأوجه الثلاثة: هل يقسم أو يوقف أو يفسخ؟ وهو الأصح.
والقول بالوقف لا يدل عليه كلام الإمام، وإنما يدل عليه كلام ابن داود، فإنه حكاه بصريح الوقف كمسألة الزوجة، والإمام اقتصر على كونه إذا حلف الراهن لا تنقطع الخصومة بينهما، ولم يصرح عند انتهاء الخصومة
стр. 1664
بينهما إلَّا بالفسخ.
واعلم أن كون كل منهما يحلف صاحبه رأيته في كلام الإمام مجزومًا به، ولم يذكره الرافعي، بل قال: "إن لم يدعيا السبق أو صدقاه، فوجهان؛ أحدهما: يقسم. والثاني: يحكم ببطلان العقد" (١)، فإما أن يكون في كلامه إطلاق يقيده كلام الإمام.
وإما أن يقال: إن ذلك يخرج على أن المرتهن هل يخاصم، فإن منعناه لم يكن لكل منهما تحليف صاحبه؛ لأنه لا يدعي عليه، فكيف يحلفه فينبغي أن يكون التداعي بين المرتهنين مبنيًّا على أن المخاصم في الرهن المالك أو المرتهن، ويكون ما قاله الإمام مفرعًا على أن للمرتهن المخاصمة، وما ذكره الرافعي مقرعًا على أنه ليس له المخاصمة.
ولهذا لم يحك الرافعي في المسألة في جميع الأحوال إلَّا قول الفسخ، ووجه القسمة خاصة.
نعم، ما حكاه ابن داود من قول الوقف ينبغي أن يجري، سواء أقلنا للمرتهن المخاصمة أو لا، فإنا إن قلنا: لا يخاصم انتهت الخصومة يحلف الراهن فيوقف حينئذ.
وإن قلنا: يخاصم فيوقف إذا انتهت الخصومة بنكولها أو حلفها ويخرج حينئذٍ من هذا أن يحلف الراهن يأتي أربعة أوجه؛ أصحها: الفسخ. والثاني: القسمة. والثالث: الوقف. والرابع: يتداعى المرتهنان فيما بينهما؛ لأن يمين الراهن كانت لنفي العلم لا لنفي الرهن، وهو المختار، وقد قلنا: إن الغزالي صححه، وصححه الإمام أيضًا في آخر كلامه، فإذا حلفا أو نكلا، جرت الأوجه الثلاثة كما ذكرناه في أول الكلام،
стр. 1665
والوقف حتى تبين كما في الزوجة.
وقول المصنف: "فسخ الرهن" ظاهره أنه يحتاج إلى إنشاء فسخ وهو يحتمل أمرين؛ أحدهما: أن يكون كالتحالف يفتقر - على الأصح - إلى فسخ المتعاقدين أو الحاكم على ما بيّن في بابه، ويكون موافقًا لما تقدم عن الشيخ أبي محمد.
والثاني: أن يلحقه بمسألة الزوجة، كما يشعر به كلامه.
لكن القول بإنشاء الفسخ في الزوجة ضعيف، وقد صرح المصنف في كتاب النكاح في مسألة الزوجة ببطلان العقدين، والقياس التسوية بين البابين، ويحمل ما أطلقه في أحدهما على ما ذكره في الآخر:
إما أن يقال بالفسخ فيهما لتحققنا تقدم عقد، فلا بد في رفعه من فسخ، وإما أن يقال: ما لم يتعين، لا يثبت له حكم فوجوده كعدمه، فيحكم بالبطلان من أصله.
وقياس إلحاق المصنف ما نحن فيه بمسألة الزوجة - وهو إلحاق صحيح: أنه لو عرف السابق ثم نسي يتوقف إلى البيان قطعًا كنظيره في الزوجة، وفيما إذا لم يعرف السابق لكن علم أن أحدهما بعينه سابق فيه وجه بالوقف. وقياسه أن يأتي هنا - كما صرح به ابن داود - قال الماوردي: "إن حلف الراهن فمذهب الشافعي أن الرهن مفسوخ وسواء أكان الرهن في يده أو في يد أحد المرتهنين" (١). انتهى.
وهو يبين أن هذا الحكم أيضًا لا يختص بحالة أن يكون الرهن في يد الراهن أو العدل، بل هو عامٌّ كما قلناه حالة التكذيب، فلو قدمه المصنف على التقسيم لكان أحسن.
стр. 1666
وقول المصنف: ولو صدَّق أحدهما وكذَّب الآخر أو صدَّقهما وعيَّن السابق منهما، فالرهن للمصدق، قال ابن أبي عصرون: أو للسابق. قلت: ويمكن تصحيح كلام المصنف بأن تعيين السابق تصديق أيضًا في دعوى السبق، فمعناه: فالرهن للمصدق في دعواه جميعها، وهي الرهن وحده في المسألة الأولى، والرهن مع السبق في المسألة الثانية وتصديق الراهن هنا مقبول بالاتفاق إذا كان العبد في يده، أو في يد وكيله، أو أجنبي ليس من جهته، ولا من جهة المرتهنين والعدل سنتكلم عليه في الآخر.
وفي هذه الحالة يظهر التقسيم واحتراز المصنف بقوله: والعبد في يد الراهن أو في يد العدل، ففي هذه الحالة القول قول الراهن قطعًا، وهل يختلف؟ قولان؛ المنصوص منهما في هذا الموضع: أن لا يمين عليه؛ لأن اليمين تجب؛ زجرًا للمستحلف ليرجع عنها، فيحكم برجوعه، وهذا الراهن لو رجع عن إقراره لم يحكم برجوعه، فلم يكن لوجوب اليمين عليه وجه. وهذا القول هو الأصح في "التهذيب" (١) و"البحر".
والقول الثاني: أنه عليه اليمين وإن لم يقبل رجوعه؛ لأنه قد يستفاد بها إن نكل أن يرد على المكذب، فيستحق بها إن حلف ما سنذكره، وهذا القول ذكر الماوردي "أنه مخرج من قوله في "الإملاء" في الزوجة إذا أنكحها وليَّان، فصدقت أحد الزوجين، أن عليها اليمين في أحد القولين، ومن الراهن إذا أقر بجناية عبده المرهون، وقبل قوله: إن عليه اليمين في أحد القولين" (٢)، وذكر المصنف، والقاضي حسين، والإمام، والرافعي (٣)، وغيرهم، أن القولين في تحليف الراهن يبنيان على القولين فيمن أقر لزيد،
стр. 1667
ثم لعمرو: هل يغرم لعمرو؟ إن قلنا يغرم، حلف، وإلَّا فلا.
وقد يقال: لو صح هذا البناء، لكان الأصح التحليف؛ لأن الأصح التغريم، ولأجل ذلك قال ابن أبي عصرون هنا: يحلف على أصح الوجهين، لكن المنصوص الذي نقله المزني (١)، والبويطي، أنه لا يحلف كما صححه البغوي (٢)، والروياني.
وأما تحليف الزوجة إذا صدقت أحد الزوجين، فقد قال الرافعي في كتاب النكاح: "إن قلنا: تغرم لو أقرت للثاني سمعت الدعوى عليها وحلفت، وإلَّا فإن قلنا: اليمين المردودة كالإقرار لم تسمع الدعوى عليها، وإن قلنا: كالبينة سمعت وحلفت" (٣)، وهذا يقتضي أن الصحيح تحليفها؛ لأن الصحيح عنده التغريم، والحلف مبنيٌّ عليه، أو على أنها كالبينة، فهو أَوْلَى منه.
وأما الراهن إذا أقر بجناية عبده المرهون وقلنا: يقبل إقراره، فالصحيح تحليفه، وإذا وصلت إليها في هذا الباب؛ تعلم أنها ليست كما نحن فيه.
واعلم أن الذي نقله المزني عن الشافعي في "المختصر" (٤) فيما إذا أقر لزيد، ثم لعمرو أنه لا يغرم، وهو الذي صححه البغوي (٥) هناك، وفي الزوجة أيضًا إذا أقرت للثاني بعد إقرارها للأول، وذلك يوافق ما نص عليه هنا، وصححه البغوي من عدم تحليف الراهن، وقال البغوي بمثله في الزوجة (٦)، فصح أنها لا تحلف، ولا يدعى عليها بعد إقرارها للأول فمشى
стр. 1668
المزني والبغوي على قاعدة في الأبواب كلها، والقول بالتغريم في مسألة الإقرار، قال الماوردي في كتاب الإقرار: "إن الشافعي نص عليه في كتاب الإقرار بالحكم الظاهر الذي لم ينقل المزني منه شيئًا" (١)، وهو الذي قال الرافعي: إنه أصح عند الأكثرين.
وقياسه مع من البناء أن نقول في الزوجة بالتغريم والتحليف، وهو ظاهر كلامه، وأن نقول في الراهن بالتحليف، وكأنه لما استشعر ذلك ورأى النص بخلافه خلص من العهدة وقال: أصحهما عند صاحب "التهذيب": أنه لا يحلف، وقد علمت أن صاحب "التهذيب" إنما صحح ذلك لقاعدته التي عرفتها في باب الإقرار.
وأما النووي ﵀ في "الروضة" فأطلق أن أظهر القولين في الراهن: عدم تحليفه مع موافقته على ما قاله الرافعي في الإقرار من التغريم، وفي النكاح مما يقتضي التغريم والتحليف؛ فالإشكال على النووي قوي جدًّا، ومع ذلك فالقول بالتحليف قويٌّ، وكذا القول بالتغريم في الإقرار، وإن كان المزني لم ينقله، فليكن هذا هو المختار؛ أعني التحليف والتغريم في المواضع كلها إلَّا ما يستثنى في باب الإقرار.
وهذا الذي اخترته من تحليف الراهن تقدم أن ابن أبي عصرون صححه، ووافق البغوي غيره على بناء تحليف الراهن على التغريم لما لم يكن واردًا عليه وزاد فقال: "إن قلنا: يغرم فها هنا للثاني تحليفه. وإن قلنا: لا يغرم، فإن قلنا: النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار لم يحلف. وإن قلنا: بمنزلة البينة حلف" (٢) وهذا كما قاله الرافعي في الزوجة، وقد أورد الفارقي
стр. 1669
على المصنف في قوله؛ لأنه إن نكل لم يغرم، فلا فائدة في عرض اليمين عليه.
وإن قلنا: يغرم حلف؛ لأنه ربما نكل فيغرم للثاني قيمته أن لفظ النكول هنا يحسن استعماله، فإن النكول إنما يستعمل في حق من لم يحلف، ولم يعترف فالعبارة الصحيحة أن يقول؛ لأنه لو اعترف لم يغرم للآخر شيئًا. انتهى.
ويمكن تصحيح كلام المصنف بأن مراده أنه إن نكل؛ أي: امتنع عن اليمين: فعلى القول بأنه يغرم إذا أقر ترد اليمين، فيحلف المدعي ويغرمه وعلى القول بأنه لا يغرم يمنع ذلك؛ لأن اليمين المردودة كالإقرار، فلا فائدة.
وقول المصنف: "فإن قلنا: لا يحلف، فلا كلام"؛ أي: يكون العبد رهنًا في يد المصدق، ولا كلام بعده.
وقوله: "وإن قلنا: يحلف فحلف انصرف الآخر"؛ أي: المكذب الذي طلب اليمين ويكون العبد رهنًا في يد المصدق.
وقوله: "وإن نكل عرض اليمين على الثاني". قسم الماوردي نكوله إلى قسمين: "أحدهما: أن ينكل عن اليمين، ويعترف للمكذب فلا ترد اليمين؛ لحدوث الاعتراف له، ويصير الراهن بهذا الاعتراف راجعًا عن الأول مقرًّا للثاني، ولا يقبل رجوعه عن الأول، ويكون العبد بيد الأول لتقدُّم الإقرار له.
وهل يغرم للثاني؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوليه فيمن أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو، أحدهما: يغرم قيمة العبد تكون رهنًّا بيد الثاني لتفويته الرهن عليه بإقراره المتقدم.
стр. 1670
والثاني - وهو أصح في هذا الموضع: أنه لا غرم عليه؛ لأنه أقر بمال لزمه ولم يتلف عليه مالًا فيلزمه غرمه" (١).
قلت: هذه علة ضعيفة والمختار وجوب الغرم.
القسم الثاني: أن ينكل عن اليمين ولا يعترف للثاني، وهو مقصود المصنف فتعرض اليمين على الثاني، فإن نكل انصرف وكان العبد رهنًا بيد المصدق، ولا شيء للمكذب، وإن حلف المكذب، فإن قلنا: اليمين المردودة، كالبينة، وهو أضعف القولين فوجهان؛ أحدهما ما قاله المصنف أنه ينزع العبد أي: من يد الأول إن كان سلم إليه أو من يد الراهن إن كان باقيًا في يده، ويسلم إلى الثاني وفاء بجعل اليمين المردودة كالبينة.
وهذا وجه حكاه الإمام وضعّفه (٢)؛ لأن يمين الريد إنما تجعل كالبينة في حق المتداعيين خاصة، ولا تتعدى إلى ثالث، هذا هو المشهور في يمين الردِّ.
وفيها وجه غريب: أنها تتعدى إلى ثالث اقتصر عليه بعض الشارحين في مسألة إنكاح الوليين، وهو يناسب هذا الوجه، وعلى هذا إذا انتزعنا الرهن وسلمناه للثاني: فهل يغرم المالك القيمة للأول؟ طريقان في "النهاية": منهم من قال: قولان، ومنهم من قطع بأنه لا غرم عليه؛ لأن امتناعه من اليمين ليس بمنزلة الإقرار الذي هو مقصِّر فيه ومن حقه ألا يقوله.
قال الإمام: "ولا ينبغي أن نزيد على هذا الخبط في تفريع أصل هو خطأ" (٣)، يعني: الوجه الذي في الكتاب، وقال: "إنه غلط صريح لا ينقل
стр. 1671
مثله إلَّا للتنبيه على كونه زللًا" (١)، ولا معنى للاعتناء بالتفريع عليه.
والوجه الثاني - وهو الذي ارتضاه الإمام، وقال الرافعي: "إنه الأصح" (٢): أنه يوجد القيمة من المالك لتكون رهنًا عند الحالف ولا ينزع المرهون من الأول، هذا إذا جعلنا اليمين المردودة كالبينة، وإن جعلناها كالإقرار، وهو الصحيح، وعليه اقتصر الماوردي هنا، فالأوجه الثلاثة التي في الكتاب، وقال الماوردي: "إن ابن أبي هريرة حكاها" (٣) وأرجحها الثالث القائل بأنه يقر الرهن في يد المصدق، ويغرم للثاني قيمته لتكون رهنًا عنده. وأما الوجهان الأولان فبعيدان جدًّا؛ لأنه لو أقر للثاني بعد إقراره للأول لم يبطل إقراره للأول، ولا يقاسمه فيه، فإذا نكل بطريق الأولى، فالقول بالانفساخ أو بالقسمة هنا في غاية الضعف، كيف ينتزع حقًّا ثبت بغير بينة؟!
وكأن هذين الوجهين يجعلان اليمين المردودة أرفع من الإقرار؛ لأنها حجة تنتهي بالخصومة، فمن هذه الجهة عارضت الإقرار السابق ودون البينة؛ إذ لو كانت كالبينة لأبطلته، ولكن هذا لا يعرف في أحكام اليمين المردودة، بل المعروف فيها أنها كالإقرار على قول، وكالبينة على آخر. وأيضًا ففيه إبطال لحق الغير بغير حجة لا بينة ولا يمين من جهة صاحب الحق.
وقد وقع في كلام الرافعي هنا إشكال، فإنه قال: "إذا صدق أحدهما وكذب الآخر قضي للمصدق، وهل للمكذب تحليفه؟ إن قلنا: يغرم لو أقر للثاني، فله تحليفه.
стр. 1672
وإن قلنا: لا يغرم فيبنى على أن النكول ورد اليمين بمثابة الإقرار أو البينة، إن قلنا بالأول: لم يحلف، وإن قلنا بالثاني: حلفه، فإن نكل فحلف اليمين المردودة ففيم يستفيد به؟ وجهان؛ أحدهما ينزع من الأول وفاء بجعلها كالبينة.
وأصحهما: يأخذ القيمة من المالك؛ لأنها وإن جعلت كالبينة لا تكون حجة على غيرها" (١). انتهى.
فقوله: فإن نكل إن كان مفرعًا على قولنا بتحليفه مطلقًا: إما لقولنا بالتغريم، وإما لجعلنا اليمين المردودة كالبينة، لم يستقم تعليله الوجهين، وإن كان مفرعًا على تحليفه إذا قلنا: اليمين المردودة كالبينة.
فيبقى قسم أهمله، وهو ما إذا قلنا: إنها كالإقرار - وهو الصحيح - وقلنا بالتحليف بناءً على التغريم لم يتعرض الرافعي لذلك، وهو القسم الذي حكى المصنف فيه الأوجه الثلاثة، وصححنا منها وجه التغريم. هذا كله إذا كان في غير يد المرتهنن، فإن كان في يد أحدهما، فإن كان هو المقر له أقر في يده.
وهل يحلف للثاني؟ على القولين، وإن كان في يد الذي لم يقر له، فقولان منصوصان؛ أصحهما: أن القول قول الراهن لما ذكره المصنف.
والثاني - وبه قال المزني: "أن القول قول صاحب اليد" (٢). وعبارة الشافعي في "الأم": "فيها قولان" (٣).
فإن قلت: أنكرتم قبل هذا أن أحدًا قال بتصديق صاحب اليد إذا ادعى
стр. 1673
الرهن وأنكر المالك واستغربتم الوجه الذي حكاه الغزالي في الدعاوى ولم تجعلوه صريحًا في ذلك، وهذا قول منصوص للشافعي والمزني قائل به بتصديق صاحب اليد في دعوى الرهن.
قلت: ليس كذلك، ويكفي في دفع هذا الخيال كلام الماوردي، وكلام الإمام: أما الماوردي فإنه إنما ذكر القولين فيما إذا صدقهما، ولكن أقر بالسبق لغير صاحب اليد، واستدل لتصديق الراهن بأنه لو أنكر الرهن وكان في يده لم تكن يده دليلًا على صحة دعواه كذلك إذا اعترف أنه رهنه بعد الأول رهنًا فاسدًا كان كما لو أنكره ولم تكن يده دليلًا، واستدل للقول الآخر بأنهما لو تداعياه بيعًا وأقر لهما بالبيع، وأن أحدهما سبق، كان القول قول صاحب اليد. ثم فرق بأن إقرار الراهن في ملكه وإقرار البائع في غير ملكه (١). وأما الإمام فقال: "ولا يكاد يخفى فرض المسائل كلها في تسليم جريان الرهن في صورته مع الرجلين، وإنما النزاع في السابق بالقبض" (٢).
ثم قال: "واختار المزني أضعف القولين، وقال: إذا أقر المالك بالرهن والقبض لمن لا يد له، فالقول قول صاحب اليد، وهذا تقديم منه لليد على الإقرار، وليس له أصل، ولا يعرف أن الإنسان إذا كان في يده ملك لغيره، فادعى أنه رهنه منه المالك، وأنكر صاحب الملك أصل الرهن، فالقول قول المالك في نفيه، ولا حكم ليد مدعي الرهن، وإنما القولان فيه إذا جرى الرهن، وآل التنازع إلى القبض. وإذا كان الرهن لا يلزم بنفسه، فأي أثر له والقبض متنازع فيه؟!
стр. 1674
ثم فرَّع المزني: إذا كان بيد أحدهما فقال: قبضته أنا وصاحبي ولكن سبقته بالقبض، نزع منه، وسُلِّم إلى صاحبه؛ لاعترافه بتقديم يد صاحبه على يده المشاهدة، وقال القفال: إن اعترف أنهما لم يقبضاه إلَّا دُفعة واحدة، فالجواب كما ذكره المزني، وإن قال: سبقته باليد فقبضه مني، ثم انتزعته منه، فإنا نقره في يده" (١). والذي ذكره المزني أَوْجه مما ذكره القفَّال.
واعلم أن لفظ "مختصر المزني": "فإن كان في يدي أحدهما وصدق الذي ليس في يديه، ففيها قولان؛ أحدهما: يصدق. والآخر لا يصدق"، قال المزني: "أصحهما أن يصدق؛ لأنه حق من الحقوق اجتمع فيه إقرار المرتهن وربع الرهن" (٢).
ثم رأيت أن القول قول المرتهن الذي هو في يديه؛ لأن الراهن مقرٌّ له أنه أقبضه في جملة قوله، وله فضل يده على صاحبه، قال الماوردي: "فكان أولُ كلامه دليلًا على أنه اختار أن القول قول الراهن. ثم آخر كلامه يدل على أن القول قول المرتهن صاحب اليد، فاختلف أصحابنا، فكان بعضهم يقول: للمزني في المسألة قولان كما للشافعي.
وقال أكثر أصحابنا: إن المزني قال: أصحهما عندي: أن القول قول الراهن على مذهب الشافعي وموضوع أصوله، والذي أراه على مذهبه أن القول قول المرتهن" (٣).
وإن كان في يد أحد المتداعيين، فقد ذكر المصنف أن فيه في النصف قولين.
стр. 1675
وقال الرافعي: "إنه على القولين" (١). ونقل الماوردي ذلك عن ابن أبي هريرة، وقال: "إنه ليس بصحيح، وأن منصوص الشافعي أن القول قول الراهن في جميع العبد ويكون العبد كله رهنًا في يد المقر له بالسبق. وما نص الشافعي عليه أَوْلى؛ لأنهما استويا في اليد وفضل أحدهما بالإقرار، فكان الحكم له" (٢).
قال الماوردي: "إذا كان في يد أجنبي، فإن كانت يده نيابة عن الراهن، فكما لو كان في يد الراهن، وإن كانت نيابة عن أحد المرتهنين، كان كما لو كان في يد ذلك المرتهن، وإن كانت يده غاصبة، فكما لو كان في يد الراهن" (٣).
وقد ذكر المصنف أن العدل كالراهن وهو إذا كان من جهة الحاكم ظاهر؛ لأنه أجنبي عنهما. وأما إذا كان من جهتهما، أعني الراهن والمرتهن، فله نيابة عن المالك في الملك، وعن المرتهن في الوثيقة؛ فيصير كأنه في يد الراهن والمرتهن جميعًا، فيكون كما لو كان في يد الراهن وحده؛ لأن يد المرتهن إنما تصلح للترجيح لو انفردت عن يد المالك.
قال الرافعي: "والاعتبار في جميع ما ذكرناه بسبق القبض لا يسبق العقد حتى لو صدق هذا في سبق العقد وهذا في سبق القبض فالمتقدم الثاني" (٤)، هذا كله إذا لم تكن بينة، فإن كانت ولم يعارضها غيرها عمل بها والبينة هنا شاهدان أو شاهد وامرأتان، أو شاهد ويمين، قاله الماوردي (٥)؛ لأنها
стр. 1676
مسموعة فيما يفضي إلى مال، وهذا هو الصحيح.
وحكى الأصحاب وجهًا في كتاب الشهادات: أن الرهن لا يثبت بشاهد وامرأتين، ولا شاهد ويمين، وإن كان لكل منهما بينة وقد كذبهما، قال الماوردي: فيجيء هنا قول التساقط وقول القرعة، واختلف أصحابنا في تخريج قول الاستعمال وجعله بينهما نصفين على وجهين، وإن كان قد كذب أحدهما وصدق الآخر ولكل منهما بينة سُمعتا.
وإن كان المقر لا تسمع عليه البينة بإقراره، ولكن هنا تسمع بينته معارضة لبينة المكذب، فإذا تعارضتا قوى المصدق بالإقرار له، فحكم له بقوله، وسقطت البينتان؛ لتعارضهما، وكان العبد رهنًا بيد المصدق، ولو لم يكن للمصدق بينة؛ حكم ببينة المكذب، وقدمت على الإقرار.
وذكر الماوردي فيما إذا صدقهما أن ذلك غير ممكن، إلَّا أن يتقدم أحدهما على الآخر، واندفع في بيان أقسام علمه بالتقدُّم وعدمه وما قاله صحيح؛ لأنه يستحيل أن يقبضه كلُّ منهما على التمام دفعة واحدة، وليس النزاع في العقد وحده حتى يمكن فرضه معهما بوكيلين.
وقدم الإمام على الكلام في المسألة أنه إذا أقر المالك بأنه رهن عبده من زيد، ثم بأنه رهنه من عمرو وسلمه إليه، ولم يتعرض في الإقرار للأول للقبض، فيسلم الرهن إلى المقر له الثاني؛ لأنه لم يعترف للأول إلَّا بالرهن، ولو رهن من رجل ولم يقبض ثم رهن من الثاني وأقبض، فيرتفع الرهن الأول، ويتم الثاني. ولو أقر أنه رهن زيدًا وسلمه، ثم أقر أنه رهنه عَمْرًا وسلمه سلم لزيد، وفي غرمه لعمرو قولا الحيلولة القولية.
ولو قال: رهنت عبدي فلانًا من زيد وأقبضته بعد أن كنت رهنته من عمرو وأقبضته، فصَدْرُ الإقرار يقتضي تقديم زيد، ومنتهى الكلام المنعطف على
стр. 1677
أوله يقتضي أن يكون المتقدم عَمْرًا، هذا يخرج على قولين في أن الاعتبار في مثل ذلك بأول الإقرار أو بآخر الكلام المتواصل.
فإن قلنا: الاعتبار بآخر الكلام، فالمقر له بالسبق هو المذكور أوَّلًا، وهذا مأخوذ من قول القائل: لفلان عليَّ ألف من ثمن خمر" (١)، وزاد النووي في "الروضة" (٢): "أنه لو قال المدعى عليه: رهنته عند أحدكما ونسيت، حلف على نفي العلم، فإن نكل ردَّت عليهما، فإن حلفا أو نكلا انفسخ العقد على المذهب الذي قطع به الجماهير في الطرق، ونقله الإمام وغيره عن الأصحاب. وخرج وجه أنه لا ينفسخ، بل يفسخه الحاكم، وبهذا الوجه قطع صاحب "الوسيط" وهو شاذ ضعيف، وإن حلف الراهن على نفي العلم تحالفا على الصحيح، كما لو نكل، وفي وجه انتهت الخصومة".
قلت: أما حلفه على نفي العلم وانفساخه عند حلفهما أو نكولهما والوجه بأنه يفسخه الحاكم فقد سبق ذلك كله. وأما قطع صاحب "الوسيط" بأن الحاكم يفسخه، فهو قياس التحالف على قول والعقود التي تعذر (٣) إمضاؤها. وأما تحالفهما عند حلف الراهن، فهو الصحيح عند الإمام، والغزالي، والمشهور أنه بالحلف تنتهي الخصومة، فلعل النووي أخذ التصحيح من "الوسيط" ولكنا قدمنا أنه المختار.
* * *
стр. 1678
فرع
لو ادعى رجل على رجلين أنهما رهناه عبدهما بمائة وأقبضاه، فأنكراه - الرهن أو الرهن والدَّين جميعًا؛ فالقول قولهما مع اليمين، وإن صدقه أحدهما فنصيبه رهن بخمسين، والقول قول المكذب في نصيبه مع يمينه؛ فلو شهد المصدق للمدعي على شريكه المكذب قبلت شهادته.
فإن شهد معه آخر أو حلف المدعي ثبت رهن الجميع، ولو زعم كل منهما أنه ما رهن نصيبه وأن شريكه رهن وشهد عليه، فوجهان، ويقال: قولان؛ أحدهما: لا تقبل شهادته؛ لأن كل واحد يزعم أن صاحبه كاذب ظالم بالجحود، وطعن المشهود له في الشاهد يمنع قبول شهادته له.
وأصحهما: تقبل، وبه قال الأكثرون؛ لأنهما ربما نسيا، وإن تعمدا فالكذبة الواحدة لا توجب الفسق.
ولهذا لو تخاصم رجلان في شيء، ثم شهدا في حادثة قبلت شهادتهما، وإن كان أحدهما كاذبًا في ذلك التخاصم، كذا قال الرافعي (١)، ولك أن تقول: الكذبة الواحدة لا تفسق إذا لم تكن جحدًا لحقٍّ واجب، ولا دعوى لما لم يجب، أما إذا كانت كذلك، فينبغي أن تكون مفسقة.
نعم، ها هنا مخلص آخر وهو احتمال ألا يكون متعمدًا؛ لأنه يحتمل شبهة عرضت له إما نسيان وإما غيره حملته على الإنكار، فإذا قلنا: تقبل شهادته، فإذا حلف مع كل منهما أو أقام شاهدًا آخر ثبت رهن الكل، وعن أبي الحسين بن القطان أن الذي شهد أولًا تقبل شهادته دون الذي شهد آخرًا؛ لأنه انتهض خصمًا منتقمًا (٢).
стр. 1679
فرع
ادعي رجلان على رجل أنه رهنهما في عقد واحد عبدًا وأقبضهما إياه، فإن صدقهما أو كذبهما لم يَخْف الحكم، وإن صدق أحدهما، فنصف العبد مرهون عنده، ويحلف للآخر. وهل تقبل شهادة المصدق، "قال ابن كَجٍّ: نعم. وقال آخرون: لا. وحكى الإمام والغزالي وجهين بناء على الشريكين إذا ادعيا حقًّا أو ملكًا بابتياع أو غيره، فصدق، أحدهما: هل يستبد بالنصف أو يشاركه الآخر فيه؟ وفيه وجهان؛ إن قلنا: يستبد قبلت، وإلَّا فلا؛ لأنه متهم" (١).
قال الرافعي: "الذي ينبغي أن يفتى به القبول إن كانت الحال لا تقتضي الشركة، والمنع إن اقتضت؛ لأنه متهم، وقال البغوي: إن لم ينكر إلَّا الرهن قبل، وإن أنكر الرهن والدين، فحينئذ يفرق بين دعواهما الإرث وغيره، قال الرافعي: ولك أن تقول: كما أن الاستحقاق في الدين يثبت بالإرث تارة وبغيره أخرى؛ فلذلك استحقاق الرهن، فليجر التفصيل، وإن لم ينكر إلَّا الرهن" (٢).
قال ابن الرفعة: والخلاف الذي بني عليه الخلاف في قبول الشهادة قد يقال: إنه ينبني على أنه إذا رهن عبده من رجلين ثم وفى أحدهما نصيبه، هل ينفك من الرهن شيء أو لا ينفك؟ حتى تقضى نصيب الراهن من الدين إذا كان دينهما ثبت عن جهة واحدة، والمذهب الانفكاك، فإن قلنا به لم يشارك، وإلَّا شارك.
* * *
стр. 1680
" فرع منصوص عليه في رواية الربيع:
ادعى زيد وعمرو على ابني بكر أنهما رهنا عبدهما المشترك بينهما بمائة فصدقا أحد المدعيين ثبت ما ادعاه وكان له على كل واحد منهما ربع المائة ونصف نصيب كل واحد منهما مرهون به، وإن صدق أحد الاثنين زيدًا، والآخر عَمْرًا ثبت الرهن في نصف العبد لكل واحد من المدعيين في ربعه بربع المائة؛ لأن كل واحد منهما يدعي على الابنين نصف العبد ولم يصدقه إلَّا أحدهما.
ثم لو شهد أحد الاثنين على الآخر قبلت شهادته، ولو شهد أحد المدعيين للآخر، فعلى ما ذكرنا في الفرع الذي قبله، والمسألة ظاهرة في المعنى، لكن في فهمها وتصوُّرها تعقيد، عن ابن سريج قال: ما انتهيت إليها إلَّا احتجت إلى الفكرة حتى أثبتها على حاشية الكتاب" (١).
* * *
стр. 1681
قال:
فصْل [في الإقرار بجناية المرهون]
وإن رهن عبدًا فأقبضه، ثم أقر أنه جنى قبل الرهن على رجل، وصدقه المقر له، وأنكر المرتهن، ففيه قولان؛ أحدهما: أن القول قول المرتهن، وهو اختيار المزني؛ لأنه عقد إذا تم منع البيع، فمنع الإقرار كالبيع.
والثاني: أن القول قول الراهن؛ لأنه أقر في ملكه بما لا يجر إلى نفسه نفعًا، فقبل إقراره كما لو لم يكن مرهونًا، ويخالف هذا إذا باعه؛ لأن هناك زال ملكه عن العبد فلا يقبل إقراره عليه، وهذا باق على ملكه فقبل إقراره عليه.
القولان منصوصان في "المختصر"، وأصحهما عند الأصحاب: أن القول قول المرتهن، وبه قال المزني وأبو حنيفة (١)، وهو الذي ينهض الدليل به، لما في قول الراهن من إبطال حق المرتهن، وقد يتواطأ هو ومدعي الجناية، وتصحيح ابن أبي عصرون أن القول قول الراهن لا يلتفت إليه.
وشبهوا القولين بالقولين فيما إذا أقر العبد بسرقة مال، ونفذناه في القطع، هل ينفذ في المال وبناهما الشيخ أبو محمد عليهما، والأصح عدم
стр. 1682
تنفيذه بالنسبة إلى السيد، فهو موافق للأصح هنا، على أن تنفيذه من العبد أولى من تنفيذ إقرار الراهن؛ لأن شفقة العبد على نفسه أوقى من شفقة سيده عليه فتضعف تهمة المواطأة في الإقرار بالسرقة.
نعم، تنفيذه من الراهن أولى من جهة أخرى، وهي أن الراهن يقر في ملكه بخلاف العبد، فهو يشبه إقرار المحجور عليه بالفلس، والأصح فيه القبول؛ ولذلك صرح القاضي أبو الطيب بأن القولين في المفلس هما القولان في الراهن، وهذا يعضد ابن أبي عصرون في تصحيحه هنا القبول؛ لأنه الصحيح هناك لكن الجمهور على خلافه.
ولعل الفرق أن الراهن حجر على نفسه فإقراره بعد ذلك مناقض لقوله: نعم، لو كان رهن عليه وكيله الذي وكله في رهن ما شاء من أمواله، ثم أقر المالك، فينبغي أن يكون كالمفلس وأولى بالقبول.
ودليل الأولوية: أن إعتاق المفلس لم يجعلوه كإعتاق الراهن.
ومحل القولين: إذا قلنا: رهن الجاني لا يصح - وهو الأصح - أما إذا قلنا بصحته، فعن بعض الأصحاب: أنه يقبل إقراره لا محالة حتى يغرم للمجني عليه ويستمر الرهن.
وقال آخرون: يطرد فيه القولان.
ووجه عدم القبول: أنه يخل بلزوم الرهن؛ لأن المجني عليه يبيع المرهون لو عجز عن تغريم الراهن، وينبغي أن يكون هذا أصح، وسيأتي في تفريع المصنف ما يشهد له، ويجري القولان فيما لو قال: كنت قبل الرهن غصبته أو اشتريته شراء فاسدًا أو بعته أو وهبته وأقبضته أو أعتقته وفي الإقرار بالعتق أنه إن كان موسرًا يعذر وإلَّا فلا؛ تنزيلًا للإقرار بالإعتاق منزلة إنشائه.
ونقل إمام الحرمين هذا القول الفارق في الصور كلها وجعلها على
стр. 1683
ثلاثة أقوال (١)، وتابعه الغزالي (٢). لكن العتق وبقية الصور يفترقان في شيئين أحدهما: أن في الإقرار بالعتق لا حاجة لتصديق العبد ودعواه وسائر الصور تحتاج إلى تصديق المقر له ودعواه، والدعوى تكون على الراهن؛ لأنه المالك الثاني أنا إذا لم ننفذ عتق الراهن وانفك الرهن لا نحكم بنفوذه على الأصح عند جمهور الأصحاب، وهنا إذا انفك يحكم بتعلُّق الأرش بالرقبة.
وكذا يحكم بالعتق إذا كان قد أقر به، فهنا يخالف الإقرار بالعتق إنشاءه حيث نفذنا الإقرار به بعد الانفكاك ولم ننفذ إنشاءه بعد الانفكاك، والأصل في هذا ما قاله الإمام: "أن أصل الإقرار مقبول من السيد بلا خلاف فيه" (٣)، وإنما الخلاف في قبوله بالنسبة إلى المرتهن، ويجري القولان أيضًا فيما لو أجر عبده ثم أقر أنه كان جنى قبل الإجارة وقلنا: لا تجوز إجارة الجاني أو أقر أنه كان أعتقه قبل الإجارة أو غصبه.
وكلام الغزالي يقتضي جريان الوجه الثالث أيضًا، قال ابن الرفعة: وفيه نظر من جهة أنا إذا قبلنا إقراره أبطلنا حق المستأجر من العين، وذلك يبطل الإجارة؛ إذ قيمة المنفعة لا تقوم مقام المنفعة في هذا الموطن بخلاف قيمة المرهون ولو كاتبه ثم أقر بما لا تصح معه الكتابة أجرى ابن كج الخلاف قيه، وقال الشيخ أبو حامد: "لا يقبل بحال؛ لأن المكاتب بمنزلة من زال الملك عنه" (٤)، ولو باع عبدًا ثم أقر أنه كان غصبه أو باعه أو اشتراه شراء فاسدًا لم يلتفت إلى قوله؛ لأنه إقرار في ملك غيره.
стр. 1684
وعن بعض الأصحاب إجراء خلاف فيه، والمذهب الأول، وحينئذ يكون القول قول المشتري، فإن نكل فالرد على المقر المدعي أو على البائع، حكى ابن كَجٍّ فيه قولين، ولو أقر بالعتق وقلنا: لا يقبل، فالمذهب والمنصوص: أنه يجعل كإنشاء الإعتاق، وفيه الأقوال؛ لأن من ملك إنشاء أمر قبل إقراره به.
ونقل الإمام في نفوذه وجهين (١) مع قولنا: ينفذ الإنشاء، وقول المصنف: جنى على رجل يشمل جناية العمد الموجبة للقصاص والجناية الموجبة للمال، والحكم في الصورتين سواء، وكذا في إتلاف مال.
وقوله: قبل الرهن - يعني قبل الرهن أو قبل لزومه بالقبض - لا فرق بينهما.
وقوله: وصدقه المقر له: احتراز مما إذا لم يصدقه، ولم يدّع ذلك، أو كان إقراره لرجل مبهم من غير تعيين، ففي هاتين الصورتين الرهن مستمر بحاله، وإنما الكلام إذا عينه وادعاه المجني عليه.
وقوله وأنكر، المرتهن قيد آخر لجريان الخلاف؛ لأنه لو اعترف وصدقه ثبتت الجناية ولم يذكر تصديق العبد؛ لأنه لا حاجة إليه في شيء من الصور لا في جناية ولا في غيرها.
نعم، لو كان الإقرار بجناية توجب القصاص، لم يكن بدٌّ من تصديقه لإثبات القصاص والمصنف إنما أراد الكلام فيما يتعلق بالرهن والمرتهن، فلو عفا عنها على مال قبل تصديق العبد كانت على القولين كما لو كانت توجب المال، ابتداء، وتفصيل إقرار العبد مذكور في الإقرار ونذكر منه هنا ما لا بد منه فنقول:
стр. 1685
إذا أقر العبد بجناية صدرت منه قبل الرهن، فإن لم يصدقه السيد وكانت موجبة للمال فقط، فإقراره لَغْوٌ بالنسبة إلى السيد والمرتهن، وهل يلغى بالنسبة إلى نفسه حتى إذا عتق لا يطالب؟ قال الرافعي في غير هذا الموضع: إنه لا يُلغى (١)، وإن قلنا: إن السيد لو اعترف بالجناية أو قامت عليها بينة لا يثبت الأرش متعلقًا بذمته.
قال ابن الرفعة: وتكلمت عليه في موضعه، وإن صدقه السيد قبل في حقه، وفي حق المرتهن قولان، قال القاضي حسين: كما هما في قبول إقرار السيد بجنايته قبل رهنه، وإن أقر بما يوجب القصاص صدر منه قبل الرهن قبل، فإن عفا وليُّ الدم على مال ثبت وتعلق برقبته، إن قلنا: موجب العمد القود، وكذا إن قلنا: موجبه أحد الأمرين في الأصح، وتقدم على حق المرتهن.
ولا فرق في إقرار العبد بالجناية بين أن تكون الجناية على السيد أو على من هو تحت ولايته، أو على أجنبي فيما يوجب القصاص يقبل، وله العفو على مال ويقدم به على المرتهن، وفيما يوجب المال لا يقبل خطأ كان أو عمدًا لا يوجب قصاصًا، كقتل المسلم للكافر، والهاشمة ونحوها، أو قتل الأب الإبن.
* * *