← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

قال: فصْل [في الإقرار بجناية المرهون] وإن رهن عبدًا فأقبضه، ثم أقر أنه جنى قبل الرهن على رجل، وصدقه المقر له، وأنكر المرتهن، ففيه قولان؛ أحدهما: أن القول قول المرتهن، وهو اختيار المزني؛ لأنه عقد إذا تم منع البيع، فمنع الإقرار كالبيع. والثاني: أن القول قول الراهن؛ لأنه أقر في ملكه بما لا يجر إلى نفسه نفعًا، فقبل إقراره كما لو لم يكن مرهونًا، ويخالف هذا إذا باعه؛ لأن هناك زال ملكه عن العبد فلا يقبل إقراره عليه، وهذا باق على ملكه فقبل إقراره عليه. القولان منصوصان في "المختصر"، وأصحهما عند الأصحاب: أن القول قول المرتهن، وبه قال المزني وأبو حنيفة (١)، وهو الذي ينهض الدليل به، لما في قول الراهن من إبطال حق المرتهن، وقد يتواطأ هو ومدعي الجناية، وتصحيح ابن أبي عصرون أن القول قول الراهن لا يلتفت إليه. وشبهوا القولين بالقولين فيما إذا أقر العبد بسرقة مال، ونفذناه في القطع، هل ينفذ في المال وبناهما الشيخ أبو محمد عليهما، والأصح عدم

стр. 1682

تنفيذه بالنسبة إلى السيد، فهو موافق للأصح هنا، على أن تنفيذه من العبد أولى من تنفيذ إقرار الراهن؛ لأن شفقة العبد على نفسه أوقى من شفقة سيده عليه فتضعف تهمة المواطأة في الإقرار بالسرقة. نعم، تنفيذه من الراهن أولى من جهة أخرى، وهي أن الراهن يقر في ملكه بخلاف العبد، فهو يشبه إقرار المحجور عليه بالفلس، والأصح فيه القبول؛ ولذلك صرح القاضي أبو الطيب بأن القولين في المفلس هما القولان في الراهن، وهذا يعضد ابن أبي عصرون في تصحيحه هنا القبول؛ لأنه الصحيح هناك لكن الجمهور على خلافه. ولعل الفرق أن الراهن حجر على نفسه فإقراره بعد ذلك مناقض لقوله: نعم، لو كان رهن عليه وكيله الذي وكله في رهن ما شاء من أمواله، ثم أقر المالك، فينبغي أن يكون كالمفلس وأولى بالقبول. ودليل الأولوية: أن إعتاق المفلس لم يجعلوه كإعتاق الراهن. ومحل القولين: إذا قلنا: رهن الجاني لا يصح - وهو الأصح - أما إذا قلنا بصحته، فعن بعض الأصحاب: أنه يقبل إقراره لا محالة حتى يغرم للمجني عليه ويستمر الرهن. وقال آخرون: يطرد فيه القولان. ووجه عدم القبول: أنه يخل بلزوم الرهن؛ لأن المجني عليه يبيع المرهون لو عجز عن تغريم الراهن، وينبغي أن يكون هذا أصح، وسيأتي في تفريع المصنف ما يشهد له، ويجري القولان فيما لو قال: كنت قبل الرهن غصبته أو اشتريته شراء فاسدًا أو بعته أو وهبته وأقبضته أو أعتقته وفي الإقرار بالعتق أنه إن كان موسرًا يعذر وإلَّا فلا؛ تنزيلًا للإقرار بالإعتاق منزلة إنشائه. ونقل إمام الحرمين هذا القول الفارق في الصور كلها وجعلها على

стр. 1683

ثلاثة أقوال (١)، وتابعه الغزالي (٢). لكن العتق وبقية الصور يفترقان في شيئين أحدهما: أن في الإقرار بالعتق لا حاجة لتصديق العبد ودعواه وسائر الصور تحتاج إلى تصديق المقر له ودعواه، والدعوى تكون على الراهن؛ لأنه المالك الثاني أنا إذا لم ننفذ عتق الراهن وانفك الرهن لا نحكم بنفوذه على الأصح عند جمهور الأصحاب، وهنا إذا انفك يحكم بتعلُّق الأرش بالرقبة. وكذا يحكم بالعتق إذا كان قد أقر به، فهنا يخالف الإقرار بالعتق إنشاءه حيث نفذنا الإقرار به بعد الانفكاك ولم ننفذ إنشاءه بعد الانفكاك، والأصل في هذا ما قاله الإمام: "أن أصل الإقرار مقبول من السيد بلا خلاف فيه" (٣)، وإنما الخلاف في قبوله بالنسبة إلى المرتهن، ويجري القولان أيضًا فيما لو أجر عبده ثم أقر أنه كان جنى قبل الإجارة وقلنا: لا تجوز إجارة الجاني أو أقر أنه كان أعتقه قبل الإجارة أو غصبه. وكلام الغزالي يقتضي جريان الوجه الثالث أيضًا، قال ابن الرفعة: وفيه نظر من جهة أنا إذا قبلنا إقراره أبطلنا حق المستأجر من العين، وذلك يبطل الإجارة؛ إذ قيمة المنفعة لا تقوم مقام المنفعة في هذا الموطن بخلاف قيمة المرهون ولو كاتبه ثم أقر بما لا تصح معه الكتابة أجرى ابن كج الخلاف قيه، وقال الشيخ أبو حامد: "لا يقبل بحال؛ لأن المكاتب بمنزلة من زال الملك عنه" (٤)، ولو باع عبدًا ثم أقر أنه كان غصبه أو باعه أو اشتراه شراء فاسدًا لم يلتفت إلى قوله؛ لأنه إقرار في ملك غيره.

стр. 1684

وعن بعض الأصحاب إجراء خلاف فيه، والمذهب الأول، وحينئذ يكون القول قول المشتري، فإن نكل فالرد على المقر المدعي أو على البائع، حكى ابن كَجٍّ فيه قولين، ولو أقر بالعتق وقلنا: لا يقبل، فالمذهب والمنصوص: أنه يجعل كإنشاء الإعتاق، وفيه الأقوال؛ لأن من ملك إنشاء أمر قبل إقراره به. ونقل الإمام في نفوذه وجهين (١) مع قولنا: ينفذ الإنشاء، وقول المصنف: جنى على رجل يشمل جناية العمد الموجبة للقصاص والجناية الموجبة للمال، والحكم في الصورتين سواء، وكذا في إتلاف مال. وقوله: قبل الرهن - يعني قبل الرهن أو قبل لزومه بالقبض - لا فرق بينهما. وقوله: وصدقه المقر له: احتراز مما إذا لم يصدقه، ولم يدّع ذلك، أو كان إقراره لرجل مبهم من غير تعيين، ففي هاتين الصورتين الرهن مستمر بحاله، وإنما الكلام إذا عينه وادعاه المجني عليه. وقوله وأنكر، المرتهن قيد آخر لجريان الخلاف؛ لأنه لو اعترف وصدقه ثبتت الجناية ولم يذكر تصديق العبد؛ لأنه لا حاجة إليه في شيء من الصور لا في جناية ولا في غيرها. نعم، لو كان الإقرار بجناية توجب القصاص، لم يكن بدٌّ من تصديقه لإثبات القصاص والمصنف إنما أراد الكلام فيما يتعلق بالرهن والمرتهن، فلو عفا عنها على مال قبل تصديق العبد كانت على القولين كما لو كانت توجب المال، ابتداء، وتفصيل إقرار العبد مذكور في الإقرار ونذكر منه هنا ما لا بد منه فنقول:

стр. 1685

إذا أقر العبد بجناية صدرت منه قبل الرهن، فإن لم يصدقه السيد وكانت موجبة للمال فقط، فإقراره لَغْوٌ بالنسبة إلى السيد والمرتهن، وهل يلغى بالنسبة إلى نفسه حتى إذا عتق لا يطالب؟ قال الرافعي في غير هذا الموضع: إنه لا يُلغى (١)، وإن قلنا: إن السيد لو اعترف بالجناية أو قامت عليها بينة لا يثبت الأرش متعلقًا بذمته. قال ابن الرفعة: وتكلمت عليه في موضعه، وإن صدقه السيد قبل في حقه، وفي حق المرتهن قولان، قال القاضي حسين: كما هما في قبول إقرار السيد بجنايته قبل رهنه، وإن أقر بما يوجب القصاص صدر منه قبل الرهن قبل، فإن عفا وليُّ الدم على مال ثبت وتعلق برقبته، إن قلنا: موجب العمد القود، وكذا إن قلنا: موجبه أحد الأمرين في الأصح، وتقدم على حق المرتهن. ولا فرق في إقرار العبد بالجناية بين أن تكون الجناية على السيد أو على من هو تحت ولايته، أو على أجنبي فيما يوجب القصاص يقبل، وله العفو على مال ويقدم به على المرتهن، وفيما يوجب المال لا يقبل خطأ كان أو عمدًا لا يوجب قصاصًا، كقتل المسلم للكافر، والهاشمة ونحوها، أو قتل الأب الإبن. * * *

стр. 1686

قال: فإن قلنا: القول قول الراهن، فهل يحلف؟ فيه قولان؛ أحدهما: لا يحلف؛ لأن اليمين إنما تعرض ليخاف فيرجع إن كان كاذبًا والراهن لو رجع لم يقبل رجوعه، فلا معنى لعرض اليمين عليه، ولأنه لو أقر في ملكه لغيره فلم يحلف عليه كالمريض إذا أقر بدين. والثاني: يُحَلَّف؛ لأنه يحتمل أن يكون كاذبًا، بأن واطأ المقر له ليسقط بالإقرار حق المرتهن فحلِّف. نقلهما أكثر العراقيين، وصاحبا "التهذيب" (١) و"التتمة" قولين كالمصنف، ونقلهما الإمام (٢)، والغزالي (٣) وجهين، وقال ابن الصباغ: من أصحابنا من يقول: فيه قولان، ومنهم من يقول: وجهان. وقال سُليم: ظاهر كلامه - يعني الشافعي - في هذه المسألة أن القول قوله بلا يمين، ونص في نظائر لها أن القول قوله مع يمينه، فخرجت المسألة على قولين. انتهى. قال ابن الصباغ: واختار الشيخ أبو حامد أن عليه اليمين، قال: ونص الشافعي على ذلك. وقال القاضي أبو الطيب: لا يمين عليه، وجماعة صححوا أن عليه اليمين كما صححه الشيخ أبو حامد - وهو الصحيح - منهم ابن أبي عصرون،

стр. 1687

وعلى هذا يحلف على البتِّ؛ لأنه حلف على الإثبات، وسواء قلنا: لا يحلف أو يحلف فحلف ثبتت الجناية، وسيذكر المصنف حكمه. وإن نكل حلف المرتهن؛ لأنا إنما حلفنا الراهن لحقه، فالرد يكون عليه، وفائدة حلفه فيه قولان؛ أصحهما: تقرير الرهن في العبد على قياس الخصومات. والثاني: أن فائدته أن يغرم الراهن قيمته؛ لتكون رهنًا مكانه، ويباع العبد في الجناية بإقرار الراهن. فإن قلنا بالأول، فهل يغرم الراهن للمقر له فيه قولًا للحيلولة؟ وإن قلنا بالثاني، فهل للمرتهن الخيار في فسخ البيع؟ وجهان؛ أصحهما: نعم؛ لفوات العين المشروطة. والثاني: لا؛ لحصول الوثيقة بالقيمة، وإن نكل المرتهن بِيع العبد في الجناية ولا خيار له في فسخ البيع ولا غُرْم على الراهن. * * *

стр. 1688

قال: وإذا ثبت أنه رهنه وهو جانٍ ففي رهن الجاني قولان؛ أحدهما: أنه باطل. والثاني: أنه صحيح، وقد بينا ذلك في أول الرهن. فإن قلنا: إنه باطل؛ وجب بيعه في أرش الجناية، فإن استغرق الأرش قيمته بيع الجميع، وإن لم يستغرق بيع منه بقدر الأرش، وفي الباقي وجهان؛ أحدهما: أنه مرهون؛ لأنه إنما حكم ببطلانه لحق المجني عليه، وقد زال، والثاني: أنه لا يكون مرهونًا؛ لأنا حكمنا ببطلان الرهن من أصله، فلا يصير مرهونًا من غير عقد. فإن قلنا: [إنه] (١) صحيح فإن استغرق الأرش قيمته بيع الجميع، وإن لم يستغرق بيع منه بقدر الأرش، ويكون الباقي مرهونًا. فإن اختار السيد أن يفديه على هذا القول فبكم يفديه؟ فيه قولان؛ أحدهما: يفديه بأقل الأمرين من قيمته [وأرش] (٢) الجناية. والثاني: يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ، أو يسلم [إلى البيع] (٣). أي: إذا قبلنا قول الراهن بلا يمين أو بيمين فحلف، وبهذا تثبت جنايته، وفي رهن الجاني قولان - كما سبق - أصحهما: البطلان، وفي هذا إشارة إلى جريان القولين في قبول قول الراهن، سواء أصححنا رهن الجاني أم منعناه، كما قدمناه عن بعض الأصحاب. وهو الظاهر وتفريع المصنف هذا على القولين يشهد له بخلاف الغزالي والرافعي لم

стр. 1689

يلاحظا في التفريع قول الصحة، وما حكاه المصنف على قول البطلان من الوجهين، حكاهما المحاملي وغيره. وصحح ابن أبي عصرون والرافعي الثاني، وهو أنه لا يكون رهنًا إلَّا أن يستأنف العقد عليه، واستدل له المحاملي بالقياس على ما لو رهن جانيًا أرش الجناية أقل من قيمته. ولا شك أن هذا هو الصحيح تفريعًا على هذا القول، وصحح الجرجاني في "الشافي" الأول أن الباقي رهن وهو بعيد، وإذا قلنا: رهن الجاني صحيح فلا يباع منه إلَّا بقدر الأرش إلَّا ألّا يُمكن كما سبق، والزائد على قدر الأرش مرهون، والقولان في أنه هل يفديه بأقل الأمرين أو بأرش الجناية بالغًا ما بلغ، ذكرهما المصنف في باب العاقلة، والأول هو الصحيح الجديد، والثاني منسوب إلى القديم. وصحح ابن أبي عصرون في "الانتصار" هناك، وهنا أنه يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ والذي صححه الجمهور أنه يفديه بأقلِّ الأمرين، وسواء قلنا الرهن باطل أم صحيح، فللمرتهن الخيار في فسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن، أما إذا قلنا بالبطلان، فظاهر لعدم حصول ما شرط، وأما إذا قلنا بالصحة، فلعدم لزومه؛ لأن المجني عليه يتبعه، ولو نكل الراهن ونكل المرتهن، فقد سبق أنه لا خيار له، ولا غرم، ويباع العبد في الجناية. فهذه الصورة ملحقة بثبوت الجناية من جهة البيع خاصة، والقياس أن يعود فيها الوجهان في أنه هل يباع جميعه أو بعضه، وهل يفديه بالأقل أو بالأرش؟ ولو نكل الراهن وحلف المرتهن تقدم حكمه، ولو ثبتت الجناية بالبينة فلا إشكال في ثبوت جميع أحكامها.

стр. 1690

قال: وإن قلنا: القول قول المرتهن لم يقبل قوله من غير يمين؛ لأنه لو رجع قبل رجوعه، فحلف فإذا ثبت أنه غير جانٍ، فهل يغرم الراهن أرش الجناية؟ فيه قولان بناءً على القولين فيمن أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو أحدهما: يغرم؛ لأنه منع بالرهن حق المجني عليه، والثاني: لا يغرم؛ لأنه إن كان كاذبًا فلا حق عليه، وإن كان صادقًا وجب تسليم العبد. يحلف المرتهن على نفي العلم بالجناية، فإذا حلف ثبت أن العبد غير جانٍ في حق المرتهن، فيبقى في يده، وهل يغرم الراهن الأرش، فيه قولَا الحيلولة، والصحيح: الغرم. وقول الثاني: وإن كان صادقًا وجب تسليم العيد. قلنا: نعم، ولكن هو حال بالرهن بينه وبينه، فيغرم قيمته كما لو قتله، والتغريم اختيار المُزني، وقد حكى الربيع قول التغريم عند إقراره بالغصب قبل الرهن ونحوه تفريعًا على أنه لا يقبل إقراره، وقال الربيع: إنه أصح القولين فإذا قلنا: يغرم طولب في الحال إن كان موسرًا، وإن كان مُعسرًا فإذا أيسر. * * *

стр. 1691

قال: فإن قلنا: إنه لا يغرم فرجع إليه تعلق الأرش برقبته، كما لو أقر على رجل أنه أعتق عبده، ثم ملك العبد، فإنه يعتق عليه، وإن قلنا: يغرم فكم يغرم؟ فيه طريقان: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالقسم قبله، ومنهم من قال: يغرم أقل الأمرين قولًا واحدًا؛ لأن القول الثاني إنما يجيء في الموضع الذي يمكن بيعه، فيمتنع، وهاهنا لا يمكن بيعه فصار كجناية أم الولد. تعلق الأرش عند رجوعه هو مقتضى إقراره سواء انفك الرهن أم بيع ثم رجع، والطريقان في كيفية التغريم مشهوران، وأصحهما: طريقة القطع، نص الشافعي على أنه يغرم الأقل، ولم يذكر غيره، وبه قال الأكثرون، وفيهم أبو الحسين. وطريقة القولين قالها أبو إسحاق، وطائفة مع قول أبي إسحاق: إن أصح القولين غرامة الأقل. قال ابن الصباغ: ويمكن من قال بالطريق الأول أن يجيب عن القياس على أم الولد بأنه منع من بيعها قبل الجناية، وهذا منع من بيعه بالرهن بعد أن كان يمكن بيعه في الجناية. * * *

стр. 1692

قال: وإن نكل المرتهن عن اليمين [فهل] (١) ترد اليمين؟ فيه طريقان: أحدهما: ترد على الراهن وإن نكل، فهل ترد على المجني عليه؟ فيه قولان كما قلنا في غرماء الميت، ومن أصحابنا من قال: ترد اليمين على المجني عليه أولًا، فإن نكل فهل ترد على الراهن؟ على قولين؛ لأن المجني عليه ثبت الحق لنفسه، وغرماء الميت يثبتون الحق للميت. هكذا رأيته في النسخ فهل ترد؟ وصوابه، فعلى مَن ترد؟ وعير بالطريقين هنا عن الوجهين وأصحهما: الثاني، وهو أنها ترد على المجني عليه أولًا، وفي "تجريد المحاملي" وغيره أنه المنصوص عليه في "الأم"؛ لأن الحق له والراهن لا يدعي لنفسه شيئًا، ومستند الأول أن الراهن هو المالك للعبد والخصومة تجري بينه وبين المرتهن، ومنهم من يحكي هذا الخلاف قولين، وبناه الشيخ أبو محمد على أنه لو حلف المرتهن هل يغرم للمجني عليه. إن قلنا: نعم، ترد على المجني عليه، وسواء أقلنا: ترد على المجني عليه أم على الراهن، فإذا حلف المردود عليه منهما بيع العبد في الجناية، ولا خيار للمرتهن في فسخ البيع المشروط فيه؛ لأن فواته حصل بنكوله، ثم إن كان يستغرق الواجب قيمته بيع كله وإلَّا فبقدر الأرش، وهل يكون الباقي رهنا؟

стр. 1693

إن قلنا: رهن الجاني صحيح، فالباقي رهن قطعًا. وإن قلنا: رهن الجاني باطل، ففي الباقي وجهان؛ أصحهما: لا؛ لأن اليمين المردودة كالبينة، أو كالإقرار بأنه كان جانيًا في الابتداء، فلا يصح رهن شيء منه. وإذا رددنا على الراهن فنكل، فهل ترد الآن على المجني عليه؟ قولان على رواية المصنف والأكثرين، ويقال: وجهان؛ أحدهما: نعم؛ لأن الحق له. وأصحهما: لا؛ لأن اليمين لا ترد مرة بعد أخرى، والمصنف وجماعة ألحقوها بِغُرماء الميت، والشيخ أبو محمد ألحقها بغرماء المفلس. وإذا قلنا بالأصح أنها لا ترد بعد ذلك على المجني عليه، فعلى هذا نكول الراهن كحلف المرتهن في تقرير الرهن، وهل يغرم الراهن للمجني عليه؟ فيه القولان، وإن رددنا على المجني عليه فنكل، قال الشيخ أبو محمد: تسقط دعواه، وانتهت الخصومة، وطرد العراقيون في الرد منه على الراهن الخلاف المذكور في عكسه، كما صرح به المصنف، وإذا لم ترد لا يغرم له الراهن قولًا واحدًا، وتحال الحيلولة على نكوله. فرع ذكره الرافعي بعدما تقدم: "لو أقر بجناية يقصر أرشها عن قيمة العبد ومبلغ الدين، فالقبول في مقدار الأرش على الخلاف السابق، ولا يقبل فيما زاد على ذلك لظهور التهمة. وقيل: يطرد الخلاف" (١). هذا كلام الرافعي، وليس فيه زيادة على ما سبق؛ إلَّا أنه يقتضي أن الصحيح أنه لا يقبل في الزائد ويستمر رهنًا،

стр. 1694

وقد تقدم من كلامه وكلام غيره: أن الصحيح أنه لا يكون رهنًا، اللهم إلَّا أن يفرع على قول رهن الجاني، أو يفرض في الإقرار بجناية طارئة بعد لزوم الرهن، لكن في هاتين الصورتين يكون الزائد رهنا قطعًا. والرافعي ﵀ أخذ هذا من الإمام، فإن الإمام قال: "ومما يتعلق بتمهيد أصل الأقوال في إقرار الراهن أنه لو أقر بتعلق أرش يقصر مقداره عن قيمة العبد ومبلغ الدين فالتهمة في ذلك المقدار تنتفي، والأقوال الثلاثة تخرج، ولو قبلنا الإقرار لأبطلنا الرهن في الزائد، والتُّهمة متمكنة فيه، ولأصحابنا في ذلك الزائد طريقان، منهم من قطع برد الإقرار فيه، ومنهم من أجرى الأقوال الثلاثة في الجميع طردًا اللباب، وهذا ضعيف، وسنخرج عليه في أثناء الكلام تفريع، وعنده يتبين حاصل القول" (١). ثم قال الإمام في آخر الكلام: "إذا رأينا قبول إقرار الراهن على قول فساد رهن الجاني، وانتهى الأمر إلى بيع العبد، فلو فضل من ثمنه شيء اختلف أصحابنا في الفاضل، قيل: خارج عن الرهن. وقيل: مرهون، فإن إقرار الراهن إنما يقبل في مقدار الأرش" (٢). قال: "وهذا يلتفت على ما أجريناه في أثناء الكلام أن الراهن لو أقر بأرش يقصر عن القيمة، ورأينا قبوله، هل يحكم بانفكاك الرهن في الجميع، أو في قدر الأرش؟ فالقول في الفاضل ملتفت عليه، ولكن على الناظر فضل تدبر، فإن حكمنا بأن الزائد لا ينفك الرهن فيه، فلا وجه لبيعه حتى ينتهي الكلام إلى كونه رهنًا أو لا. وإن قلنا: الرهن مردود في الجميع، فالمصير إلى أن الفاضل رهن بعيد؛

стр. 1695

فما الوجه في تنزيل الخلاف في الفاضل؟ قال شيخي أبو محمد: نحن وإن قلنا: الجاني لا يصح رهنه، فإذا أقر وقبلناه وفضل من الثمن شيء، فلا نقول بأن الرهن بطل، ولكن كَأَنّا قدمنا حق المقر له بالأرش" (١). قال الإمام: "وهذا بعيد والوجه القطع بأنا نتبين بالإقرار فساد الرهن، فإن كان الأرش أقل نظرنا إلى أن بيع ما زاد على الأرش مردود أو غير مردود؟ ولا مصير إلى تصحيح البيع، ورد الخلاف إلى أن الفاضل رهن أم لا" (٢). وهذا الذي قاله الإمام حق لا مرية فيه، أعني في رد الخلاف إلى أن بيع ما زاد على الأرش مردود أو غير مردود، وقد تقدم من كلامه ما يقتضي ترجيح الطريقة القاطعة بأنه مردود؛ لأنه لم يجر الخلاف في الزائد، بل قال: إنه ضعيف. ولا جرم جعل الغزالي في "الوسيط" محل الأقوال في الجناية المستغرقة وقال: "إن الصحيح أنه لا يجري إذا لم تكن الجناية مستغرقة؛ لأن التهمة قائمة" (٣)، لكن هذا مع قول الرافعي أن الأصح أن الباقي غير مرهون لا يجتمعان، فأخذه هذا الفرع من كلام الإمام والغزالي مسلمًا بعد ذكره ما يناقضه منتقد عليه. ولا يرد على الإمام والغزالي؛ لأنهما لم يقولا أن الباقي غير رهن، بل بناهُ الإمام عليه، وهو الصواب، وأنت إذا نظرت إلى علة تصديق الراهن من جهة أنه أقر في ملكه، ولم تلتفت إلى احتمال مواطأته غلب على ظنك

стр. 1696

ترجيح الطريقة المجرية للخلاف في الزائد لوجود العلة فيه. ويعلم أن تصحيح الرافعي وغيره لكون الزائد غير مرهون مقدم على قوله في هذا الفرع أنه لا يقبل فيما زاد، بل يقبل على القول بتصديق الراهن، ولكن الأصح في أصل المسألة تصديق المرتهن. فإن قلت: قد نص الشافعي في "الأم" (١) على أنه لو شهد شاهد على الجناية قبل الرهن، وحلف ولي المجني عليه مع شاهده كانت الجناية أولى من الرهن حتى يستوفي المجني عليه جنايته ثم يكون ما فضل من ثمنه رهنًا. قلت: هذا يتعين أن يكون مفرعًا على صحة رهن الجاني، فحينئذ لا إشكال فيه، أما إذا فرعنا على بطلان رهن الجاني، فلا يكون شيء منه رهنًا؛ كما لو ثبت بشاهدين. فائدة: تقدم فيما إذا قلنا: القول قول الراهن بيمين، فنكل، فحلف المرتهن أن في فائدة حلفه وجهين؛ أصحهما: تقرير الرهن، وعلى هذا، هل يغرم الراهن القيمة للمقر له؟ وجهان. والثاني: ينزع ويباع في الجناية، ويغرم الراهن قيمته رهنًا مكانه. قال ابن الرفعة: من الخلاف في انتزاع العين أو غرامة القيمة ثار الخلاف فيما يظنه في اعتبار يسار الراهن في صحة إقراره وعدمه، ثم قال: فإن قلت: ذاك القول يقتضي إن كان موسرًا تغريمه قيمة الرهن وتسليم العدل في الجناية من غير يمين كما ذاك ظاهر كلام الإمام فلم يكن مادته ما ذكرت.

стр. 1697

قلت: لا شك أن الخلاف في قبول قول الراهن مطلقًا في حال يساره وعسرته بيمين أو بغير يمين يأتي على القول الثالث، وفارق إعتاق الراهن وإن كان مشبهًا به؛ لأن ذاك إنشاء لا يحتاج إلى التقوية باليمين، وهذا إقرار يحتمل الصدق والكذب فاحتاج إلى تقويته باليمين، وعند حلفه يبعد أن يغرم للمرتهن، وقد أثبت بطلان الرهن بيمينه، وإذا نكل من طريق الأولى. ولأجل هذا لم يتعرض الأصحاب لذكره فيما عدا العتق، وتعرضوا له في العتق إقامة للإقرار مقام الإنشاء، وإن كان ولا بد من اعتباره في غير العتق، فليكن في حال أفضى الحال فيها إلى غرامة القيمة، فكأن قائله يقول: إذا أفضى إقراره إلى نزع العين من المرتهن، فإن كان معسرًا لم تنزع، وإن كان موسرًا انتزعت. فرع هذا كله في النزاع في جناية سابقة للرهن أو القبض، أما الجناية المتأخرة عن لزوم الرهن فإذا أقر المرتهن بها ووافقه العبد أو لم يوافقه، لم يقبل قوله على الراهن، بل القول قول الراهن مع يمينه. وإذا حل الحق بيع في دين المرتهن بأن يطلب الراهن، فيمتنع المرتهن من الإذن، فيأذن الحاكم نيابة عنه، أمّا طلب المرتهن فيظهر أنه ممتنع لإقراره بأن حق المجني عليه مقدم عليه، فإذا بيع ألزم المرتهن بأخذ دينه من ثمنه، أو الإبراء كما في نظائره، وإذا أخذه لم يلزمه تسليمه إلى المجني عليه، وليس للمجني عليه مطالبته به بحكم إقراره السابق. كذا قاله صاحب "التقريب"، وادعى الإجماع عليه، وتلقاه الأصحاب عنه واحتجوا بأن العبد إن لم يكن جانيًا فلا حق فيه لغير المرتهن، وإن كان جانيًا، فلا يصح بيعه للمرتهن لتعلق حق المجني عليه، وإذا لم يصح بيعه

стр. 1698

كان الثمن باقيًا على ملك المشتري. وقال ابن الرفعة: عندي فيه وقفة على قولنا: يصح بيع الجاني بدون إذن، وعلى قولنا: لا يصح بدون إذن، أما الأول: ففي دعوى الإجماع على عدم تعلق حق المجني عليه بالثمن، فإن الإمام حكى في كتاب العتق عن الشيخ أبي علي أن الوارث إذا باع التركة وعلى المورث (١) دين صح البيع وتعلق حق الغرماء بالثمن، وهذا لا يمكن أن يصار إليه على قولنا: تعلق الدين بالتركة تعلق رهن؛ فتعين أن يكون على قولنا: إنه كتعلق جناية، وحينئذ طرده في كل عبد جنى، ومنه ما نحن فيه، وتنتفي صحة دعوى الإجماع فيما نظنه. وأما الثاني: فلأن حق المجني عليه متعلق برقبة العبد، وقد وضع المشتري يده عليه بغير حق بزعم المرتهن، وهي حائلة بين المرتهن وحقه، فله أن يأخذ من ماله بطريق الظفر، قدر قيمته؛ لأجل الحيلولة؛ لأن حقه متعلق بالقيمة المأخوذة للحيلولة إذا غصب المرهون وتعذر رده، فكذلك هاهنا، والثمن مال المشتري، والمرتهن معترف بأنه باقٍ على ملك المشتري، وكذلك المجني عليه، فاقتضى لك تسليط المجني عليه على أخذ قدر أرش جنايته منه بطريق الظفر لا بطريق وفاء الحق، وستعرف مثل ذلك للأصحاب في كتاب الضمان والحوالة إن شاء الله تعالى. قلت: والذي قاله صاحب "التقريب" قد رأيته منصوصًا في "الأم" (٢) في الرهن الكبير في باب إقرار العبد المرهون بالجناية قال: "وإذا أقر العبد المرهون على نفسه بأنه جنى جناية خطأ على غير سيده وصدقه المرتهن

стр. 1699

وكذبه مالك العبد، فالقول قول مالك العبد مع يمينه، والعبد مرهون بحاله. وإذا بيع بالرهن لم يحكم على المرتهن بأن يعطي ثمنه ولا شيئًا منه للمجني عليه، وإن كان في إقراره أنه أحق بثمن العبد منه؛ لأن إقراره بجمع معنيين؛ أحدهما: أنه أقر به في مال غيره. والآخر: أنه إنما أقر للمجني عليه بشيء إذا ثبت له، فماله ليس في ذمة الراهن، فلما سقط أن يكون ماله في ذمة الراهن دون العبد سقط عنه الحكم بإخراج ثمن العبد من يديه، والورع للمرتهن أن يدفع من ثمنه إلى المجني عليه قدر أرش الجناية، وإن جحده حل له أن يأخذ أرش ذلك من ثمن العبد، ولا يأخذه إن قدر من مال الراهن غير ثمن العبد، وهكذا لو أنكر العبد الجناية وسيده وأقر بها المرتهن. ولو ادعى المرتهن أن العبد المرهون جنى عليه جناية خطأ، وأقر العبد وأنكر الراهن كان القول قوله، ولم يخرج العبد من الرهن، وحل للمرتهن أخذ حقه في الرهن من وجهين من أصل الحق، والجناية إن كان يعلمه صادقًا، ولو ادعى الجناية على العبد المرهون خطأ لابن هو له وليه وحده أو معه فيه ولي غيره، وأقر العبد وأنكر السيد فالقول قول السيد، والعبد مرهون بحاله، وهي كالمسألة في دعوى الأجنبي على العبد الجناية خطأ، وإقرار العبد والمرتهن لها، وتكذيب المالك له"، هذا كلام الشافعي ﵀، والإيراد الذي قاله ابن الرفعة قوي يحتاج إلى جواب. فرع لو أقر بها الراهن وأنكر المرتهن، قال الرافعي: "القول قول المرتهن؛ لأن الأصل عدم الجناية وبقاء الرهن وإذا بيع في الدين؛ فلا شيء للمقر له على الراهن؛ لأن الراهن لا يغرم جناية المرهون، ولم

стр. 1700

يتلف بالرهن شيئًا للمقر له، لكون الرهن سابقًا على الجناية، وليس كما لو أقر بجناية أم ولد حيث يغرم للمقر لهن، وإن سبق الاستيلاد الجناية؛ لأن السيد يغرم جناية أم الولد. وذكر القاضي ابن كج وجهًا آخر: أنه يقبل إقرار الراهن، ويباع العبد في الجناية، ويغرم الراهن للمرتهن" (١)، هذا ما ذكره الرافعي في هذا الفرع، وقال الغزالي في "الوسيط": أن فيه الأقوال الثلاثة التي في إقراره بجناية سابقة على الرهن، ولم يصرح بذلك غيره. لكن في كلام القاضي حسين شيء منه؛ فإنه قال: إن العبد المرهون إذا أقر بجناية صدرت منه بعد الرهن مُوجبة للمال وصدقه السيد أنه يحتمل وجهين؛ أحدهما: يكون فيه القولان في إقرار العبد بجنايته قبل الرهن، وتصديق السيد له. والثاني: يقبل في الحال. انتهى. ومن ذلك يُعلم أن قبول قول الراهن هنا أولى من قبول قوله في جناية صدرت قبل الرهن، وذلك يلتفت على أن رهن الجاني صحيح أو باطل. فإن قلنا: باطل، فلا شك أن قبول قوله فيما بعد الرهن أولى منه فيما قبله لعدم مناقضته لما سبق منه. وإن قلنا: صحيح، فهما سواء. ومن ذلك يخرج طريقان؛ إحداهما: القطع بالقبول. والثانية: التخريج على القولين، والأصح على كل حال عدم القبول، وإذا قلنا به، فلا غرم في هذه الحالة قطعًا، بخلافه إذا أقر بجناية متقدمة

стр. 1701

حيث قلنا: يغرم للمقر له على الأصح؛ لأن الحيلولة هناك بالرهن وهنا الرهن سابق. وإذا قلنا بالقبول: فقياس ما سبق أن يأتي الخلاف في تحليفه، وحيث قبلنا قوله بيع في الجناية، وهل يغرم للمرتهن؟ سبق عن ابن كج أنه يغرم. قال ابن الرفعة: والأشبه أن يقال: إن قلنا: قبول إقراره مفرع على قبول إقراره بجناية قبل الرهن من غير أولوية، فيجب عليه الغرم إلحاقًا لتفويت دوام اليد بتفويت أصل الرهن كما لأجل ذلك سوينا بين الصورتين في قبول الإقرار وعدمه. وإن قلنا: قبول إقراره هنا يقول به مع القول بأنه لا يقبل إقراره بجناية قبل الرهن، لأجل عدم المناقضة بين الإقرار وما سلف. ولم يقم لمناقضة الإقرار بالجناية للازم الرهن المتقدم والإقباض وزنًا فهاهنا يظهر ما إذا قبلنا إقراره لا يغرم للمرتهن شيئًا. قلت: والأظهر أنه لا يغرم للمرتهن شيئًا مطلقًا، سواء خَرَّجناه على الإقرار بجناية سابقة أم لا، فإنّا إذا قبلنا إقرار الراهن بجناية سابقة بيمين أو بغير يمين لم يقل أحد أنه يغرم للمرتهن شيئًا، وإنما قالوا ذلك إذا نكل فحلف المرتهن على وجه ضعيف؛ لأن اليمين المَرْدودة من المرتهن على عدم الجناية كإقرار الراهن بعدمها، وأنه كاذب في إقراره بها أو لا، وقد انتزعنا العين فيغرم للمرتهن بمقتضى إقراره الآن الموجود في ضمن اليمين المردودة إن انتزاعها ظلم، فأين هذا من تغريمه له إذا لم تجر مناقضة في الإقرار، ولم يرد على الإقرار بجناية، فهذا الذي أشار إليه ابن الرفعة من تغريم الراهن للمرتهن على تقدير قبول قوله في الإقرار بجناية سابقة لم يقله أحد من الأصحاب.

стр. 1702

وأما بجناية طارئة، فقد قاله ابن كج، ولا أدري ما وجهه، فإن الراهن إن كان صادقًا في إقراره فالرهن مستحق البيع في الجناية، ولا يستحق المرتهن قيمته، وإن كان كاذبًا فالمرتهن يستحق دوام يده على عينه، ولا يستحق قيمته فالقيمة غير مستحقة قطعًا وانتزاع العين قد قبلنا قوله فيه تفريعًا على هذا القول، فما وجه التغريم. وينبغي أن يُحمل هذا المنقول عن ابن كج على ما إذا نكل الراهن عن اليمين، وردت على المرتهن، فحلف وانتزعت العين منه كما هو أحد الوجهين في الإقرار بجناية سابقة، فإنه يغرم على ذلك الوجه، ولا محمل عندي لهذا المحكي عن ابن كج غير هذا. ولو قيل: إن ما أخذه أنه بإقراره قاطع للرهن مفوت له فيغرمه كما لو قتله للزم أن يطرد هذا فيما إذا أقر بجناية سابقة ولم يقبل به أحد. فرع إذا ادعيت جناية العبد، وأنكر الراهن والمرتهن، فالحلف يتوجه أولاً على الراهن؛ لأنه الذي يتوجه عليه الدعوى، فإن أنكر وحلف دام الرهن، وإن نكل قال الماوردي: "هل يرد على المرتهن أو على المجني عليه؟ على قولين مبنيين على القولين في غرماء المُفلس، فإن ردت على المجني عليه فحَلِف؛ حُكِم له بالأرش، فإن كانت دعواه بجناية سابقة على الرهن بطل الرهن، بناء على أن رهن الجاني لا يصح، وإلَّا فلا يبطل حتى لو بقي منه بعد الأرش شيء كان مرهونًا، وإن ردت على المرتهن فحلف استقر الرهن، وإن نكل ردت على المجني عليه، فإن حلف كان الحكم كما تقدم وإلَّا دام الرهن" (١).

стр. 1703

قال: فصل [في الاختلاف في عتق العبد المرهون] وإن أعتق الراهن العبد المرهون ثم اختلفا فقال: أعتقتُه بإذنك، وأنكر المرتهن إذنه، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الاذن، وإن نكل عن اليمين حلف الراهن، وإن نكل الراهن فهل ترد على العبد؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على قولين بناء على رد اليمين على غرماء الميت، قال في الجديد: لا يرد؛ لأنه غير المتراهنين فلا يرد عليه اليمين، وقال في القديم: يرد؛ لأنه يثبت لِنَفْسه حقًّا باليمين، ومن أصحابنا من قال: ترد اليمين على العبد قولًا واحدًا؛ لأن العبد يُثْبِت باليمين حقًّا لنفسه، وهو العتق بخلاف غرماء الميت. قال ابن أبي عصرون: الأصح الطريقة الثانية، أنها ترد على العبد قولًا واحدًا. وقال في "البيان": "إنه المنصوص" (١)، وهكذا الحكم لو أحبل الجارية وادعى أنه بالإذن، قال في "البيان" (٢): "فإن حلف الراهن أو الجارية أو العبد إذا قلنا: يَحْلِفان؛ ثبت العتق والاستيلاد، وبطل الرهن قولاً واحدًا،

стр. 1704

وإن لم يحلف واحد منهم فهو كما لو أعتقها أو أحبلها بغير إذن، وقد مضى". انتهى. وقد قطع المصنف في هذا الفصل بأن القول قول المرتهن، وقدمنا خلافًا أن الإقرار بجناية طارئة كالإقرار بجناية سابقة، وفي الإقرار بعتق سابق أو استيلاد خلاف كالجناية السابقة، فيحتمل أن يأتي هنا مثله؛ لأنه أقر بعتق صحيح، ويحتمل أن يمنع؛ لأنه يدعي إذنًا من المرتهن والقول قوله فيه، وهذا هو الظاهر. واعلم أنني أوْردت في بعض الدروس من نحو عشرين سنة على كلام المصنف في هذا الفصل وقطعه بتحليف الراهن عند نكول المرتهن، فقلت: هلا جرى فيه الخلاف في المسألة قبلها في جناية العبد إذا نكل المرتهن هل يرد على الراهن أو المجني عليه؟ وقد علل المصنف هناك ردها على المجني عليه ابتداء على أحد الطريقين (١) بما علل به هنا ردها على العبد بعد نكول الراهن في الطريقة الثانية القاطعة، وهو كونه يثبت الحق لنفسه، وتلخيص السؤال: أنه لم لا جري هنا طريقة أنها ترد على العبد ابتداء، وأيضًا هناك إذا قلنا بردها على الراهن فنكل، هل ترد على المجني عليه؟ قولان كغرماء الميت، وهنا طريقان فلم لا جرت الطريقة القاطعة هناك، وكل من المجني عليه والعبد يثبت الحق لنفسه. وأجيب عن عدم الرد على العبد ابتداء: بأن الدعوى هنا بالإذن في العتق والراهن هو الذي يدعي جريانه بأنه له فالمخاصمة معه، وأورد إشكال أن الراهن كيف يدعي ولا حق له؟!

стр. 1705

قال: فصل [في الاختلاف في عتق العبد المرهون] وإن كان المَرْهُون جاريةً، فادعى الراهن أنه وطئها بإذن المرتهن، فأتت بولد لمدة الحمل وصدقه المرتهن، ثبت نسب الولد وصارت الجارية أم ولد، فإن اختلفا في الإذن، أو في الولد، أو في مدة الحمل فأنكر المرتهن شيئًا من ذلك، فالقول قوله؛ لأن الأصل في هذه الأشياء العدم. إذا صدقه المرتهن ثبتت أمية الولد بلا خلاف، وانفك الرهن، وأما نسب الولد وحريته فهما ثابتان صدّقه أو كذبه، فلا ينبغي أن يتوهم من كلام المصنف أن نسب الولد متوقف ثبوته على التصديق، وإنما أراد مجموع الحكمين اللذين ذكرهما، وذلك لا يثبت إلَّا عند التصديق مع أنه لو حذف ذكْر النسب كان أحسن لأجل هذا الإيهام، ولأن المجموع كما ليس حاصلاً قبل التصديق لعقد أحد جزأيه ليس حادثًا بعده؛ لتقدم أحد جزأيه. والمقصود أنه إذا صدقه المرتهن كانت أمية الولد، وانفكاك الرهن مع نسب الولد وحريته ثابتة قطعًا، ومتى اختلفا في الإذن فالقول قول المرتهن أنه ما أذن، وفي الولد فالقول قول المرتهن أنها ما ولدت، أو أن الولد ليس منه؛ لكونه لم يطأ ونحو ذلك، أو في مدة الحمل: هل هو لستة أشهر أو

стр. 1706

أقل؟ فالقول قول المرتهن أنه لأقل ولو صدقه على الأمور الأربعة؛ الإذن، والوطء، وولادتها، ومدة الحمل من حين الإذن، وأنكر أن يكون الولد منه لم يلتفت إليه، وحيث قلنا قول المرتهن في ذلك يصير إقرار الراهن بالاستيلاد كما لو استولد بغير إذن المرتهن على الأقوال الثلاثة التي ذكرناها. هذه هي الطريقة الصحيحة، وحكى الإمام خلافًا يعني: هل يكون كذلك أو يبطل؟ قولاً واحدًا؛ لأنه ممنوع من الاستيلاد والإعتاق شرعًا، فلا يقر بهما، كما لا يقبل إقرار السفيه بإتلاف المال على أحد الوجهين؛ لأنه حرام عليه بخلاف إقراره بالطلاق، وهذه طريقة ضعيفة. والصواب: أن من قدر على الإنشاء سواء أكان جائزًا أم حرامًا قدر على الإقرار به، والقاضي حسين حكى عن الأصحاب في الإقرار باستيلاد قبل الرهن أنا إذا لم ننفذ إقراره فأقل ما فيه أن يجعل كاستيلاد بعد القبض واستشكله؛ لأنه بعد القبض يَبْطل رهنًا منعقدًا، وقبله يمنع انعقاده أصلاً، وقد تقدم فيما يجوز رهنه الكلام في شيء من الإقرار بالاستيلاد. اتفقا على الإذن واختلفا في الرجوع، قال الراهن: رجعت بعد الوطء، وقال المرتهن: رجعت قبله، قال في "الاستقصاء": إن كان الولد جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الرجوع فقد علم صدق الراهن وخرجت من الرهن، وإن جاءت به لستة أشهر، فصاعدًا من وقت الرجوع قال في "الإفصاح": قال الشافعي: فهي رهن، والولد حر لاحق به.

стр. 1707

فرع وطئها بغير إذن وقال: كانت ثيباً، وقال المرتهن: بل بكرًا، فعليك أرش البكارة، فالقول قول الراهن مع يمينه، كما لو اختلفا في قطع يدها، فقال المرتهن: قطعتها بعد القبض، وقال الراهن: قبضتها مقطوعة اليد، قاله في "الاستقصاء". * * *

стр. 1708

قال: فصل [في الاختلاف في الوفاء] فإن كان له عليه ألف برهن وألف بغير رهن، فدفع إليه ألفًا ثم اختلفا نظرت، فإن اختلفا في اللفظ، فادعى المرتهن أنه قال: هي عن الألف التي لا رهن بها، وقال الراهن: بل قلت: هي عن الألف التي بها الرهن، فالقول قول الراهن؛ لأنه منه ينتقل إلى المرتهن، فكان القول قوله في صفة النقل. وإن اختلفا في النية؛ فقال [المرتهن] (١): نويت أنها عن ألف لا رهن بها، وقال الراهن: بل نويت أنها عن الألف التي بها الرهن، فالقول قول الراهن لما ذكرنا في اللفظ، ولأنه أعرف بنيته، وإن دفع إليه الألف من غير لفظ ولا نية، ففيه وجهان، قال أبو إسحاق: يصرفه إلى ما شاء منهما، كما لو طلق إحدى المرأتين، وقال أبو علي ابن أبي هريرة: يجعل بينهما نصفين؛ لأنهما استويا في الوجوب، فصرف القضاء إليهما. أصح الوجهين: قول أبي إسحاق ويصرفه إلى ما شاء منهما كالطلاق، وكما لو كان له مالان: حاضر وغائب، ودفع دراهم إلى المستحقين زكاة وأطلق له صرفها إلى ما شاء منهما، وتردد الصيدلاني في حكاية قول ابن

стр. 1709

أبي هريرة أنه يوزع على قدر الدينين أو على المستحق بالسوية. وعلى هذا القياس نظائر المسألة كما إذا تبايع مشتركان درهما بدرهمين وسلم الفضل من التزمه، ثم أسلما إن قصد تسليمه عن الفضل، فعليه الأصل، وإن قصد تسليمه عن الأصل، فلا شيء عليه، وإن قصد تسليمه عنهما وزع عليهما، وسقط ما بقي من الفضل، وإن لم يقصد شيئًا، ففيه الوجهان. ولو كان لزيد عليه مائة، ولعمرو مثلها فوكَّلا وَكِيلًا بالاستيفاء، فدفع المديون إلى الوكيل لزيد أو لعمرو فذاك، وإن أطلق فعلى الوجهين؛ أحدهما: يقال للدافع: انْوِ الآن. والثاني: يوزع على عدد الرؤوس في وجه وعلى مقدار الدينين في وجه. ولو تلف في يد الوكيل من غير تفريط تلف من ضمان الموكلين؛ لأن يده يدهما؛ قاله القاضي حسين، وهو على قول التوزيع ظاهر، وعلى القول الآخر مشكل، ووجهه ابن الرفعة بأنه لا سبيل إلى تضمين الوكيل ولا إسقاط ضمانه، وليس أحد الموكلين أولى من الآخر فوزع، وأورد أنه إذا كان القبض يتوقف على إرادة المالك، فهو غير حاصل لكل منهما قبلها، فوجب أن يكون من ضمان الدافع. وأجاب بأنه في يد الوكيل لهما منزلة يد الوكيل المستام. انتهى. والأولى عندي على هذا القول أن يقال: ملكاه على الإبهام حتى يعينه الدافع ويضمنانه كذلك، وله بعد التلف أن يعين لكل منهما ما شاء، كما كان قبل التلف، وليس كالمستام والقبض قد حصل من غير توقف على الإرادة بلا إشكال، وكذا الملك على ما قررناه، وإنما الموقوف تعيين مقداره، وكما أن الواحد الذي له ألفان، فقبض ألفًا يملكها وللدافع تعيين

стр. 1710

جهتها بعد ذلك كذلك الموكلان. وهذا شيء عجيب، فإنها تصير في يد الوكيل ملكًا لجهتهما لا يتحقق ملك واحد معين لها ولا لشيء منها، فإن للدافع تعيينها كلها لأحدهما وتعيينها لهما بالسوية وبالمفاضلة على ما يراه، هذا مقتضى تفريع هذا الوجه، هذا إذا أعطاه على أنه قابض لهما، فإن قال: خذه وادفعه إلى الأب أو إليهما، فهذا توكيل منه بالأداء، وله التعيين ما لم يصل إلى المستحق، ولو تلف في هذه الحالة في يد الوكيل، فينبغي أن يكون من ضمان الدافع. ونقل الإمام اختلافًا للأصحاب في أن قبول الوكيل من الدافع ذلك هل يكون عزلًا عن وكالته لرب الدَّين أم لا؟ ووجه الأول: أن قوله: ادفعه إلى فلان توقف الأمر على وصوله إلى الموكل، وحكم البقاء على توكيله بالقبض أن يبرأ الدافع بالدفع إلى الوكيل، فلا يكون لقوله: ادفع إلى فلان معنى. ووجه الثاني: بأن يد الوكيل ليست منتهى القبض ومعنى قبضه أنه يوصله إلى موكله، فإذا قال من عليه الدين: ادفع هذا إلى موكلك لم يكن ما ذكره مضادًّا للقبض، والمسألة محتملة، والأفقه: الوجه الأول. انتهى. وهما وجهان للقاضي حسين قال في "تعليقه": إذا قال: ادفعه إلى فلان، أو كُن وكيلي في ذلك، فصار وكيلًا للدافع وانعزل عن وكالتهما في الحقيقة، وقال في الكرة الثانية: لا أقول: انعزل عن وكالتهما ولكن أقول: ألغى وكالتهما وصار وكيلًا للدافع حتى لو هلك في يده قبل الدفع إليهما يكون من ضمان الدافع، وبعد الدفع يصرفه إلى من شاء منهما، وله أن يسترد منهم ذلك. قلت: ويتعين القطع بهذا الذي قاله في الكرة الثانية، ونبه الإمام في هذا

стр. 1711

الخلاف على أنه لا يشترط من الوكيل تصريح بالقبول، بل مجرد قول الدافع: "ادفع" تتضمن أني لا أقنع بيدك على حسب ما وكلك صاحبك، ولكني آمرك ابتداء بأن تسلمه إليه هذا ما نشأ منه التردد، وهو لا يفتقر إلى تصوير قبول. فإن قلنا: لا يقع قبضه عن حكم توكيل موكله، فتلف في يده فذمة من عليه الدين مشغوله. وإن قلنا: يبقى على حكم التوكيل بالقبض فتلف في يده كان من ضمان موكله وبرئ المؤدي (١). قلت: الصواب الأول وأنه لم ينعزل، وإنما ألغى وكالتهما كما تقدم، ولو أبرأ مستحق الدينين المديون عن ألف، فإن قصد أحدهما أو قصدهما، فالأمر على ما قصد، وإن أطلق فعلى الوجهين، وسيذكره المصنف. ولو اختلفا، فقال المبرئ: أبرأت عن الدين الخالي عن الرهن والكفيل، وقال المديون: بل عن الآخر، فالقول قول المبرئ مع يمينه، ولو كان بأخذ الألفين كفيل أو أحدهما حالًّا أو ثمن مبيع هو محبوس به، فقال: سلمته عنه، وأنكر صاحبه، فالقول قول الدافع، كما لو كان أحدهما برهن، والآخر بغير رهن. والأصل في هذا الفصل كله، أن الاعتبار في أداء الدين يقصد المؤدي حتى لو ظن المستحق أنه يودعه عنده، وقصد من عليه أداء الدين تبرأ ذمته، ويصير المؤدي مِلْكًا للمستحق اتفقت الأئمة على هذا، قال الإمام: "وفيه أدنى نظر عندي، فإن الإقباض شرط التمليك، وكَلَ مَنْ عليه الدين إذا أداه، فكأنه يملك القابض، ويثبت له في الأعيان ملكًا فإن حقه لم يكن متعلقًا

стр. 1712

بعين، فإن وصل المقبض فعله بقول فذاك، وإن لم يصله بقولٍ، فلا يبعد أن يقول: لا بد من مخيلةٍ مملكة مشعرة بتسليط القابض، فإن التمليك بالمبهمات غير متجه" (١). قال ابن الرفعة: وهذا النظر الذي وقع للإمام لا يندفع عن النفس، وكيف لا ونحن نشترط فيه ما نشترط في عقود التمليكات من العلم بالمقدار والصفات، حتى لا يصح قبض غير المرئي إذا لم نصحح بيعه. والله أعلم. قلت: معرفة المقدار والصفة شرط في صحة القبض ومعرفة حال المقبوض أمر آخر منفك عنه، والكلام فيه بعد صحة القبض ووجود شروطه والإقباض ليس بتمليك، ألا ترى أنه لا يشترط فيه لفظه، ولا يثبت له حكمه، وإنما هو تعيين وكونه يثبت له ملكًا به في الأعيان ليس بمحذور، ولا موجب لوجود ما يدل عليه، وإنما يشترط ذلك في علم القابض لا في حكمه في نفس الأمر. والذي نص عليه الشافعي من ذلك أنه إذا كان أحد الدينين برهن، والآخر بغير رهن، فالقول قول الراهن، نص عليه في "الأم" (٢)، و "المختصر"، والبويطي قال: والحجة في ذلك أنه أقر له بقبض ألف وادعى عليه أنها من غير الرهن، فلا أقبل دعواه في مال غيره إلَّا ببينة، كما لو أقر له بألف درهم، وذكر أنها قراض وقد عمل فيه، وقال رب المال: وديعة فالقول قول رب المال مع يمينه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٣).

стр. 1713

وذكر صاحب "الاستقصاء" تفريعًا على قول ابن أبي هريرة فيما إذا دفع وأطلق من غير لفظ ولا نية أنهما إن اصطلحا على أن يكون المدفوع عن أحد الدينين تعيُّنه، ففيه وجهان؛ قيل: وأصحهما: أنه لا يجوز. قلت: وهو كذلك؛ لأنه يناقض التفريع والقول بالجواز يرجع حاصله إلى موافقة أبي إسحاق لكن بشرط الاتفاق. وقد أطلق المصنف في اختلافهما في اللفظ واختلافهما في النية أن القول قول الراهن ولم يبين أنه بيمينه أو لا، وقال الرافعي وغيره في المسألتين: إنه بيمينه، وقال صاحب "الاستقصاء" في اختلافهما في اللفظ أنه بيمينه، وفي اختلافهما في النية أنه بيمينه على الصحيح. وقيل: بلا يمين.

стр. 1714

قال: فصل [في الاختلاف في الإبراء] وإن أبرأ المرتهن الراهن عن الألف، ثم اختلفا نظرت، فإن اختلفا في اللفظ، فادعى الراهن أنه قال: أبرأتك من الألف التي بها الرهن، وقال [المرتهن] (١): بل قلت: أبرأتك عن الألف التي لا رهن بها، فالقول قول المرتهن؛ لأنه هو الذي يبرئ، فكان القول في صفة الإبراء قوله. وإن اختلفا في النية فقال الراهن: نويت الإبراء عن الألف التي بها الرهن، وقال المرتهن: بل نويت الإبراء عن الألف التي لا رهن بها، فالقول قول المرتهن لما ذكرنا في اللفظ، ولأنه أعرف بنيته، فإن أطلق صرفه إلى ما شاء منهما في قول أبي إسحاق، وجعل بينهما في قول أبي علي بن أبي هريرة. قد تقدم هذا في القبض، وأن الأصح قول أبي إسحاق والكلام في الإبراء، كالكلام في القبض سواء حرفًا بحرف، وقد قدمناه، ومن قواعد الفقهاء أن كل من كان القول قوله في شيء، كان القول قوله في صفته. * * *

стр. 1715

قال: فصل [في ادعاء هلاك الرهن ورده] وإذا ادعى المرتهن هلاك الرهن، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أمين، فكان القول في الهلاك قوله كالمودع. هذا لا خلاف فيه، وإن كان كلام "الوسيط" يوهم خلافًا، وكذا كل أمين كالمستأجر والوكيل وغيرهما، ولا فرق بين أن يدعي الهلاك بأمر ظاهر كالغرق والحرق والنهب أو خفي، كالسرقة الخفية والضياع، لكنه في السبب الظاهر يلزمه إقامة البينة على السبب، ثم يقبل قوله في التلف. وقال مالك: "إن خفي هلاكه لم تقبل دعواه" (١). فإن قلت: تعليل المصنف بكونه أمينًا يفهم أنه لوكان ضامنًا لا تقبل دعواه التلف، وليس كذلك فإن الغاصب تقبل دعواه التلف إلَّا على وجه ضعيف. قلت: المراد قبول دعواه حتى لا يلزمه شيء، وهذا خاص بالأمانات متى ادعى هلاكها بغير تفريط قبل قوله، ولا يلزمه شيء قطعًا إذا كان ما ادعاه ممكنًا، ولا يحمل أمره على الكذب فيضمنه.

стр. 1716

قال: وإن ادعى الرد لم يقبل قوله؛ لأنه قبض العين لمنفعة نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر. هذه طريقة العراقيين، وأكثر الأصحاب، وتبعهم الروياني، قالوا: القول قول الراهن ولا يقبل قول المرتهن في الرد إلَّا ببينة كالمستعير؛ لأن كلًّا منهما قبض العين لغرض نفسه، وحكى الإمام (١)، والغزالي، عن المراوزة: أن القول قول المرتهن، وحكاه القاضي حسين عن القفال، وكأنه لما كان زعم المراوزة عمم الإمام والغزالي الحكاية. وطرد القفال ومن وافقه مذهبهم في كل أمين، ولم يفصلوا بين الرهن والإجارة، والوديعة والوكالة بِجُعل وبغير جعل، وعامل القراض، بل قبلوا قول الجميع في الرد، وأما العراقيون ومن وافقهم فقسموا الأمناء، فالمودع والوكيل بغير جُعل يقبل قولهما في الردّ مع اليمين، وذلك مما لا خلاف فيه؛ لأنهما أَخَذَا المال لمحض غرض المالك، وقد ائتمنهما فليصدقهما. وقالوا في الوكيل بجعل، وعامل القراض، والأجير المشترك: إذا لم يضمنه - وهو الأصح - وجهان؛ أحدهما: أنهم يطالبون بالبينة؛ لأنهم أخذوا العين لغرض أنفسهم في الأجرة والربح. وأصحهما: أنه يقبل قولهم مع أيمانهم؛ لأنهم أخذوا لمنفعة المالك وانتفاعهم بالعمل في العين لا بالعين، وقالوا في المرتهن والمستأجر: لا

стр. 1717

يقبل قولهما وعليهما البينة؛ لأن انتفاعهما بالعين نفسها بخلاف الوكيل والمقارض والأجير انتفاعهم بالمقابل ويدهم نائبة عن المالك لمنفعته ويد المرتهن والمستأجر ليست نائبة عن المالك. والإمام استحسن ما ذكره العراقيون لكنه قال: "إن ما قاله المراوزة أوقع في طريق المعنى، وأن ما ذكره العراقيون من عود يد المرتهن والمستأجر إلى منافعهما لو جاز التعويل عليه للزم أن يكون سببًا في إيجاب الضمان على المرتهن والمستأجر كالمستعير والمستام، فإذا لم يكن كذلك، فلا معول على ما ذكروه" (١). قال: "وليت شعري ما قولهم: إذا ادعى المرتهن والمستأجر تلف العين هل يصدقان عندهم أم لا؟ والقياس أن تنزل دعوى التلف منزلة دعوى الرد في كل تفصيل" (٢). انتهى. فأما إلزامه لهم تضمين المرتهن والمستأجر كالمستعير والمستام فإلزام قوي يحتاج في الانفصال عنه إلى تأمل، والذي ظهر لي فيه أن يد المستعير والمستام على العين والمنفعة وقصدهما في ذلك وهي منفصلة عن يد المالك إلَّا أنها ليست عدوانًا، والمستأجر غرضه في المنفعة والمرتهن غرضه في التوثقة ويدهما على العين لذلك لا لغرض فيها نفسها فكأن يد المالك مشاركة ليدهما فمن هذه المشاركة لم تجعل يد ضمان بخلاف المستعير والمستام. ألا ترى أنا نقول في عدل الرهن أنه نائب عن المرتهن في الحفظ، وعن المالك في الملك، فتخيلنا في العين جهتين، فلهذا فارق المستعير المستام؛

стр. 1718

إذ ليس فيهما إلَّا جهة واحدة. وإن تخيل للمالك في السوم غرض، فهو في الثمن المتوقع لا في العين وقبضها، ولم يقوَ جانب الراهن والمؤجر قوة المالك في القراض والموكل والمستأجر للأجير المشترك حتى تطردوا فيهم الخلاف في دعوى الرد لما كان المرتهن والمستأجر غرضهما في العين نفسها من وجه، والوكيل والعامل والأجير ليس غرضهم إلَّا في البدل، والمودع، والوكيل بغير جُعل لما لم يكن لهم غرض أصلًا قبل قولهما قطعًا. وأجاب ابن الرفعة عن إلزام الإمام بأن القياس يقتضي أن يكون المرهون والمستأجر مضمونين لكن صدَّ عنه في المرتهن الخبر والمستأجر في معناه فبقينا في دعوى الرد على مقتضى القياس، وهذا جواب مستريح لا يصبر على المحك. وأما قول الإمام في التلف فهو الذي حمل الغزالي في "الوسيط" و "الوجيز" على أن جمع في النقل عن العراقيين بين دعوى التلف والرد، قال الرافعي: "وليس كذلك بل الكل مطبقون على تصديقه في دعوى التلف، وإنما الاختلاف في الرد" (١). قلت: وهو كما قال الرافعي، وهذه كتبهم، وفي "الوسيط" في كتاب الوكالة: "أن العراقيين ذكروا في كل ذلك وجهين" (٢). يعني: في المرتهن والمستأجر والوكيل، وهذا غريب في النقل عن العراقيين، والمعروف عنهم القطع في المرتهن والمستأجر وتخصيص الخلاف بالمقارض والأجير المشترك والوكيل بجعل، وأما الوكيل بغير جعل فلا خلاف عند الجميع

стр. 1719

أنه يقبل قوله كالمودع، وإن كانت عبارة "الوسيط" توهم أن الخلاف عند العراقيين فيه، ولكن هذا الإيهام متأول وكلامه محمول على غيره. وأما النووي في "شرح الوسيط" فحمله على الوكيل بجُعلٍ خاصة وأسقط لفظة كل، فلا يبقى فيه غرابة. ونبه ابن الرفعة على شيء حسن، وهو أن العراقيين والمراوزة هنا اتفقوا على التسوية بين المرتهن والمستأجر، أما المراوزة ففي القبول وأما العراقيون، ففي عدمه، وقالوا: إن الإيداع من الغاصب هل يبرأ به؟ فيه خلاف، وفي البراءة بالإيجار منه خلاف مرتب، وأولى بألا يبرأ أو الرهن منه لا يبرأ به وجهًا واحدًا إلَّا على احتمال أبداه الإمام. ويشبه أن يقال: تترتب الأيدي كذلك فيما نحن فيه، ولكني لم أر من قال به، وقول المصنف: كالمستأجر، قد يشعر بأنه متفق عليه؛ إذ قاس عليه قد بان لك أن الخلاف فيه، وأن حكمهما واحد بل الإمام لما حكى عن العراقيين مذهبهم قال: وكان لا يبعد على طريقتهم أن يترددوا في المستأجر من قبل أن المؤجر يستفيد بقبض المستأجر تقرير الأجرة وليس كالمرتهن فإن قبضه لخالص حقه وحظه، ولا منفعة للراهن. وهذا كله إذا ادعى المرتهن الرد على الراهن، فلو مات المرتهن وادعى وارثه الرد لم يقبل بلا خلاف إلَّا ببينة؛ لأنه لم يأتمنه ولو ادعى المرتهن في حياته الرد على رسول الراهن لم يصدق أيضًا على الصحيح، وهذان الحكمان مذكوران في باب الوكالة والوديعة، فلا نطيل بهما هنا. وقال القاضي حسين: كل من جعلنا القول قوله في الرد، فمؤنة الرد على المالك، ومفهومه أن من لم يقبل قوله في الرد تكون مؤنة الرد عليه، وذلك يدل على أن الواجب عليه التسليم والمنقول فيمن طيرت الريح ثوبًا إلى داره

стр. 1720

أنه يجب عليه الإعلام أو التمكين، ومن يصدق في دعوى الردِّ لو طولب بالرد هل له التأخير بعذر الإشهاد؟ وجهان؛ أصحهما: لا. والثاني: نعم. ووجه ثالث: فارق بين أن يكون قبضها بإشهاد أو لا، فإن كان قبضها بإشهاد، فله الامتناع، وإلَّا فلا. ووجه رابع: إن كان الإشهاد لا يؤدي إلى تأخير فله ذلك. * * *
следующие страницы →