← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فتجري فيه الطرق التي ذكرتها هناك، وللإمام (١) احتمال في رجوع البائع بالقيمة إذا قلنا: الملك له من حيث أن العين المملوكة إذا عادت إلى يد صاحبها وتلفت في يده يظهر أن يقال: لا ضمان على المشتري. * * *

стр. 317

قال: وإن كان المبيع عبدًا فذهبت يده بأكلة، فالمبتاع بالخيار بين أن يرد وبين أن يمسك، فإن اختار الرد رجع بجميع الثمن، وإن اختار الإمساك أمسك بجميع الثمن؛ لأن الثمن لا ينقسم على الأعضاء، فلم يسقط بتلفها شيء من الثمن. إما رده؛ فلأن ذلك عيب حدث قبل القبض، وإما إمساكه بجميع؛ فلما ذكر ولا خلاف في ذلك، وقد سلكوا باليد في الآفة السماوية مسلك الوصف قطعًا؛ وإن كانوا ترددوا فيما إذا كان تلفها بجناية، كما سيأتي. وقد تقدم في باب الرد بالعيب أن في كلام الشافعي ما يقتضي أن العيب الحادث بعد انقضاء الخيار لا أثر له، وعن "مختصر البويطي" (١) في الثوب حكاية قول أنه يأخذه ويسقط عنه ما نقص بحصته من الثمن، ولكن كلام الأصحاب كلهم مخالف لذلك، وفي معنى ذهاب اليد: كل نقص يحدث كالعمى والشلل، ولا أرش له مع القدرة على الفسخ. * * *

стр. 318

قال: وإن أتلفه أجنبي؛ ففيه قولان: أحدهما: أنه ينفسخ البيع؛ لأنه فات التسليم المستحق بالعقد فانفسخ البيع، كما لو تلف بآفة سماوية. والثاني: أن المشتري بالخيار بين أن يفسخ البيع ويرجع بالثمن وبين أن [يقر البيع] (١) ويرجع على الأجنبي بالقيمة؛ لأن القيمة عوض عن المبيع، فقامت مقامه في القبض. القولان أطبق العراقيون على حكايتهما، وحكوا - أيضًا - عن ابن سريج طريقة قاطعة بعدم الانفساخ، وهي طريقة المراوزة على ما حكاه الإمام (٢) وعكس الغزالي (٣)، فحكى عن المراوزة قولين، وعن العراقيين: القطع بالمنع واستدرك ذلك عليه، وطريقة العراقيين أظهر عند الرافعي (٤)، والأصح منها عنده، وعند البغوي (٥) والإمام (٦): عدم الانفساخ، وبه قال أبو حنيفة (٧)، وأحمد (٨)، ونص الشافعي عليه في كتاب الصلح نصًّا لا

стр. 319

يحتمل التأويل، وكذلك في "البويطي" (١)، والأصح عند القاضي أبي الطيب: الانفساخ. وقال في "التتمة": أنه ظاهر المذهب، ومستندهم نص الشافعي (٢) أنه إذا أكرى داره سنة فغضبت لا كراء؛ لأنه لم يسلم له ما أكراه، وهذا قياس إلحاقه بالصرف، فإن عوض الصرف لو أتلفه أجنبي لم يقم بدله مقامه يعتقده، وإن لم أر فيه نقلًا، فإن التقايض لم يوجد. وقد تعرض بعض الأصحاب للفرق بين غصب العين المستأجرة وإتلاف الأجنبي المبيع قبل القبض، ومحل الكلام عليه كتاب الإجارة، والظاهر أنه: لا فرق في غصب العين المستأجرة بين أن يكون بعد القبض أو قبله، ومما ينبه عليه هنا لينظر فيه هنا أن المستأجر هل يخاصم أو لا؟ فإذا قلنا: لا يخاصم كان كالتلف؛ لتعذر وصوله إليه، بخلاف إتلاف الأجنبي المبيع، فإن له أن يدعي عليه بقيمته، ويبعد كل البعد إن يقال: أن المنافع بالغصب تبين عدم صحة العقد فيها، فإن كلام الأصحاب ينافي ذلك، والدليل - أيضًا - ينافيه. التفريع: إن قلنا بالانفساخ، صار كالتلف في جميع أحكامه السابقة، ويغرم الأجنبي القيمة للبائع، وإن قلنا بالأصح ثبت الخيار للمشتري؛ لأن فوات العين وإن انتقل الحق إلى القيمة عيب، فإن اختار الفسخ استرد الثمن إن كان أقبضه، وغرم الأجنبي القيمة للبائع. ومقتضى هذا القول: أن المبيع تلف على ملك المشتري إذا جعلنا الرد بالعيب رافعًا للعقد من حينه، وتكون القيمة وجبت للمشتري، ثم انتقلت

стр. 320

بالفسخ إلى البائع، وإذا كان عبدًا، والحالة هذه فموته تجهيزه ودفنه على المشتري على الأصح، ولم أر ذلك منقولًا، لكنه يقتضي التفريع. وإن اختار الإجارة رجع على الأجنبي بالقيمة، فلو اختار الفسخ بعد ذلك؛ فوجهان، قال القفال: "له ذلك". وقال القاضي حسين: "لا"؛ لأنه رضي بذمة الأجنبي فأشبه الحوالة، وحيث قلنا ببقاء العقد فهل للبائع حبس القيمة كما كان له حبس العين؟ فيه وجهان حكاهما الإمام (١) وغيره: أحدهما: نعم كالرهن، وبه جزم القاضي حسين. وأصحهما: لا؛ لأن حق الحبس لم يثبت مقصودًا بعقد، بل بطريق التبعية؛ ولهذا لو أتلفه المشتري لا يلزمه بدل القيمة؛ لتصير محبوسة بخلاف الرهن؛ فعلى هذا ليس للبائع المطالبة بها، وعلى الأول: له المطالبة بها، قاله الإمام (٢)، والقاضي حسين، زاد القاضي: كما للمشتري مطالبته كما للراهن والمرتهن. قلت: والأصح أن المطالبة في بدل الرهن للراهن لا للمرتهن، وقياسه هنا ألَّا يملك البائع المطالبة على الأصح، وإن قلنا: له حبسها، بل يطالب بها المشتري ثم يأخذها البائع، وإذا تلفت في يده بآفة سماوية، هل ينفسخ البيع؛ لأنها بدل عن المبيع أو لأنها ليست منيعة؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني؛ وعلى هذا، هل يكون من ضمان البائع حتى يغرمها للمشتري أو لا؟ قال بعض الشارحين من عند نفسه: الظاهر الأول معني؛ لأنه من الأجنبي لغرض نفسه، أما إذا قلنا بالمذهب؛ أنه ليس له حبسها، فقبضها المشتري وأعطاها له يوثقه عن الثمن، فذلك رهن في الحقيقة، فلا يضمن.

стр. 321

فرع هذا كله إذا أتلفه بغير حق، فإن أتلفه بحق؛ كما إذا قُتِلَ المبيع قصاصًا، فإنه كالآفة السماوية وجهًا واحدًا، وإن جُنِي عليه بإذن المشتري كان كجناية المشتري نفسه قاله صاحب "التتمة"؛ لأنه يكون وكيلًا في القبض. * * *

стр. 322

قال: وإن كان عبدًا فقطع الأجنبي يده فهو بالخيار بين أن يفسخ [البيع] (١) ويرجع بالثمن، وبين أن يجيزه ويرجع على [الجاني] (٢) بنصف قيمته. ثبوت الخيار لا خلاف فيه؛ لأن اليد وصف قد فات، ورجوعه على الجاني بنصف القيمة هو الصحيح. ولنا قول آخر: أنه يرجع عليه بما نقص من القيمة بالقطع، وهم قولان جاريان في خراج العبد مطلقًا. قال الماوردي: "وإنما يطالبه إذا قبض العبد أما قبله فَلَا؛ لجواز موت العبد في يد البائع وانفساخ البيع"؛ فيجب الأرش للبائع. قال ابن الرفعة: "ويظهر أن هذا تفريع على أن التلف قبل القبض يرفع العقد من أصله" (٣) فليتأمل. فرع كان القاطع ابن المشتري [فمات المشتري] (٤) قبل أن يختار، وانتقل الإرث إلى الابن القاطع، هل له الخيار لحق الإرث؟ فيه احتمالان للروياني (٥)، فإن صح أن له الخيار فأجاز لم يغرم شيئًا؛ لأنه لا يجب له على نفسه، وإن فسخ كان عليه ما على الأجنبي.

стр. 323

قال: وإن أتلفه البائع ففيه طريقان، قال أبو العباس: فيه قولان كالأجنبي. وقال أكثر أصحابنا: ينفسخ البيع قولًا واحدًا؛ لأنه لا يمكنه الرجوع على البائع بالقيمة؛ لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، فلا يجوز أن يكون مضمونًا عليه بالقيمة بخلاف الأجنبي، فإن المبيع غير مضمون عليه بالثمن، فجاز أن يضمنه بالقيمة. الطريقان مشهوران للعراقيين، وهما قولان للمراوزة في أنه ينزل إتلاف البائع منزلة الأجنبي، أو كالآفة السماوية، ومن ذلك تخرج طريقة قاطعة بعدم الانفساخ كما هي طريقة المراوزة في الأجنبي، فيحصل في البائع ثلاث طرق: إحداها: عدم الانفساخ قطعًا، كالأجنبي على الطريقة القاطعة، كما ذلك مقتضى كلام الإمام (١) والغزالي (٢). والثانية: قولان كالأجنبي على طريقة القولين. والثالثة: القطع بالانفساخ كالآفة. وجواب أبي العباس، وهو ابن سريج هنا بالقولين، وإلحاقه بالأجنبي إما أن يكون على طريقة القولين في الأجنبي، والطريقة التي اقتصر عليها المصنف وغيره، فيكون إلحاق ابن سريج البائع بالأجنبي؛ تفريعًا على طريقة غيره، وإما أن يكون تشبهه بالأجنبي من كلام المصنف لا من كلام

стр. 324

ابن سريج؛ لأن طريقة ابن سريج في الأجنبي القطع بعدم الانفساخ، فيكون البائع مترددًا عنده بين الأجنبي وبين الآفة، وعل وعل هذا يخرج من كلامه - أيضًا - الطريقة القاطعة بعدم الانفساخ التي هو يقول بها في الأجنبي. إذا عُرف ذلك فقد قال الرافعي: "إن طريقة القولين أظهر" (١)، والأصح من القولين: الانفساخ ونسبه إلى معظم الأصحاب، وفي "الوجيز" (٢) أن الأصح: إلحاقه بالأجنبي. وقال الرافعي: "إنه جواب على طريقة القولين" (٣)، ومقتضى ذلك أن يكون الأصح عند الغزالي: عدم الانفساخ، والذي قاله المصنف: أن أكثر الأصحاب على القطع بالانفساخ، واستدلوا للانفساخ بأن المبيع مضمون عليه بالثمن، فإذا أتلفه سقط الثمن، وبهذا قال أبو حنيفة واستدلوا لمقابله بأنه جنى على ملك غيره. التفريع: إن قلنا بالانفساخ فعلى ما تقدم، وإن قلنا: لا تنفسخ ثبت الخيار؛ لفوات العين، سواء أكان متقوِّمًا أم مثليًّا، فإن فسخ فعلى ما تقدم، وإن أجاز أدى الثمن وغرم البائع القيمة له. وقد يقع في ذلك أقوال النقاض هكذا أطلقوه، وينبغي أن يحمل على ما إذا كان متقوِّمًا، ولا يأتي فيه الخلاف في المقبوض بالبيع الفاسد، وهل للبائع حبس القيمة؟ فيه الخلاف المتقدم. وعن الشيخ أبي محمد: القطع بأنه لا حبس ها هنا؛ لتعديه بإتلاف

стр. 325

العين، فمقتضى هذا القطع بأن المشتري يطالبه بها قبل وفاء الثمن، والإمام (١) في آخر باب اختلاف المتبايعين بيّن المطالبة بها على البدأة، فإن قلنا: البدأة بالبائع طولب بها، وإن قلنا: البدأة بالمشتري لم يطالب حتى ينقد الثمن، وهو عكس ما قاله الشيخ أبو محمد، فإن مقتضاه الجزم بأن له حبسها لأخذ الثمن. ولو باع شقصًا من عبد، وأعتق ما فيه قبل القبض، وهو موسر عتق كله وانفسخ البيع وسقط الثمن، إن جعلنا إتلاف البائع كالآفة، وإن جعلنا كالأجنبي فللمشتري الخيار وإتلاف الأعمى والصبي الذي لا يميز بأمر البائع والمشتري، كإتلافهما وإتلاف المميز بأمرهما كإتلاف الأجنبي. وقد تقدم عن "التتمة " إطلاق القول بأن الجناية بإذن المشتري كجناية المشتري، ولعل الجمع بينهما أن ما يسوغ الإذن فيه يكون لجناية المشتري وما لا فلا إذا صدر من المميز. وذكر القاضي حسين: "أنه لو أذن المشتري للبائع في الأكل والإحراق ففعل كان التلف من ضمان البائع"؛ لعدم استقرار الملك بخلاف الغاصب، وكذلك قال صاحب "التتمة"، وعلله بأن البائع لا يصلح أن يكون وكيلًا للمشتري في القبض فكأن جنايته خلت عن الإذن. قال ابن الرفعة: "إلا إذا جوزنا اتحاد القابض والمقبض، فيجوز أن يجعل من ضمان المشتري، وفي "فتاوى القفال" أن إتلاف عبد البائع، كإتلاف الأجنبي، وإتلاف (٢) بهيمة المشتري بالنهار ينفسخ البيع به، وبالليل لا ينفسخ بل يثبت الخيار، فإن فسخ طالبه البائع بقيمته وما أتلفت بهيمته، وإتلاف بهيمة البائع كالآفة، قيل له: هلّا فرق بين بهيمته بين الليل والنهار

стр. 326

كما في بهيمة المشتري؟ فقال: هذا موضع التردي. قال ابن الرفعة: "لأن إتلاف البائع عنده كالآفة، فإن كان ذلك بتفريط، فهو إتلاف، وإلا فإلحاقه بالآفة أولى، وإما بهيمة؛ فبالليل هو مفرط، ولذلك ضمَّنه القيمة، فلذلك لم ينفسخ، وبالنهار البائع مفرط؛ فانفسخ؛ لأن جنايته كالآفة"، وهذا قوله: هذا موضع التردي؛ أي: يروي الفقيه في تدبر الفرق لا أنه أشكل عليه حتى يحتاج إلى تدبره. قال: وهذا إذا لم يكن مالكها معها، فإن كان معها، فالتلف منسوب إليه ليلًا كان أو نهارًا" (١)، وما قاله لا بد منه، وعليه يدل كلام الأصحاب وكلام الإمام (٢) في كتاب الغصب، حيث ذكر إذا اشترى حمارًا بشعير فأكل الحمار الشعير، ولو طالبه المشتري بتسليمه، فامتنع تعديًا ثم تلف كان كإتلافه إقامة ليد العدوان مقام الإتلاف قاله القاضي حسين، وللإمام فيه احتمال؛ لأن الإتلاف لم يوجد واليد يد عقد؛ ولهذا لا يتصرف المشتري والحالة هذه فتغليب ضمان العقد أولى. وذكر الرافعي (٣) ذلك عند الكلام في مسألة العلج (٤)، ولم يزد عليه، ولو باع البائع المبيع وسلمه وعجز عنه فكجنايته قاله القاضي حسين، والقول قوله في العجز مع اليمين كذا في الرافعي، فإن نكل حلف المدعي أنه قادر وحبس إلى أن يسلم، أو يقيم البينة على عجزه، فإن ادعى المشتري الأول على الثاني العلم بالحال، فأنكر حلفه؛ فإن نكل حلف هو وأخذه منه.

стр. 327

وفي "الإشراف": أن البائع إذا ادعى حدوث العجز حبس حتى يقيم البينة، فإن ادعى على المشتري علمه بعدم القدرة أو بحدوث العجز. قال ابن العاص: "يحلف على البت لا ينفي وجوب تسليم المبيع إليه". وقال غيره من أصحابنا: يحلف على نفي العلم، ولو أخذ المشتري المبيع بغير إذن البائع فللبائع الاسترداد، وإذا ثبت له الاسترداد فأتلفه في يد المشتري عن رواية صاحب "التقريب": أحدهما: عليه القيمة ولا خيار للمشتري؛ لاستقرار العقد بالقبض، وإن كان ظالمًا فيه. والثاني: يجعله مستردًّا بالإتلاف، كما أن المشتري قابض بالإتلاف، فعلى هذا ينفسخ البيع أو يثبت الخيار للمشتري. قال الإمام الظاهر: "أي؛ أنه يثبت الخيار" (١). قلت: وقياس هذا القول أنه ينفسخ؛ لأن إتلاف البائع كالآفة وهو احتمال الإمام، ولعله إنما ذكر أن الظاهر ثبوت الخيار بناء على طريقة المراوزة في إتلاف البائع، والذي يجيء على الصحيح من المذهب وأنه كإتلاف البائع: أنه ينفسخ البيع، "ولو جحد البائع العين قبل القبض فللمشتري الفسخ؛ لحصول التعذر" (٢) قاله الرافعي. * * *

стр. 328

قال: وإن كان عبدًا فقطع البائع يده ففيه وجهان، قال أبو العباس: المبتاع بالخيار إن شاء فسخ البيع ورجع بالثمن، وإن شاء أجازه ورجع على البائع بنصف القيمة. وقال أكثر أصحابنا: هو بالخيار إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجازه ولا شيء [له] (١). قول أكثر الأصحاب مفرع على قولهم، فيما تقدم أن جناية البائع كالآفة السماوية، وقول أبي العباس مفرع على أنها كجناية الأجنبي، فيعود فيها القولان: في أنه هل يرجع على البائع بنصف القيمة أو بما نقص كما تقدم؟ والخيار لا خلاف فيه، ولو قطع اليدين فَمَنْ أوجب نصف القيمة في اليد أوجب هنا كمال القيمة، وإن قطع اليدين والرجلين وفرعنا على ذلك، فقيمتان إن وجد قطعهما معًا وإلا فقيمة عبد سليم وقيمة عبد مقطوع. ولو استعمل البائع المبيع قبل القبض؛ فلا أجرة عليه إن جعلنا إتلافه كالآفة السماوية، وإن جعلناه كإتلاف الأجنبي فللمشتري الخيار، فإن أجاز وجبت الأجرة هكذا قاله الأكثرون، ومنهم الغزالي (٢) في كتاب الصداق. وقال في "الفتاوى": "إن الصحيح أنه يضمن الأجرة إذا أمسك المبيع بعد تسليم الثمن مدة لمثلها أجرة". ومقتضى ذلك أن نقول به عند الانتفاع من طريق الأولى، وهذا جار على

стр. 329

ما صححه في "الوجيز" (١): أن جناية البائع كالأجنبي، وإذا أزال البائع بكارة الجارية فعلى الأصح لا عزم عليه، وعلى جعله كالأجنبي إن كان بالأصبع وجب الأرش، وإن كان بالوطء وجب المهر. * * *

стр. 330

قال: وإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن؛ لأن الإتلاف كالقبض؛ ولهذا لو أعتقه جعل إعتاقه كالقبض؛ فكذلك إذا أتلفه. هذا هو المذهب والاحتجاج له بالعتق مفرع على المشهور في صحة عتقه، وقد تقدم نقل ابن المنذر الإجماع عليه (١)، وخلاف ابن سريج وابن خيران فيه. واستدلوا له أيضًا: بما إذا أتلف المغصوب منه المال المغصوب في يد الغاصب؛ فإنه يبرأ الغاصب من ضمانه. وعن الشيخ أبي علي وغيره حكاية وجه: أن إتلافه ليس بقبض وليس كالعتق الذي تشَوَّف الشرع إليه ولا كالمغصوب الذي الملك فيه مستقر، وعلى هذا فوجهان: أصحهما: وهو الذي أورده الرافعي (٢) أن عليه القيمة للبائع، ويستردُّ الثمن ويكون التلف من ضمان البائع ينفسخ العقد به. والثاني: حكاه الإمام (٣) في باب الرهن، والحميل في البيع عن صاحب "التقريب " أن القيمة تجعل محبوسة كما لو أتلف الراهن المرهون، يعني: ولا ينفسخ البيع، بل إذا أدى الثمن ترجع القيمة إليه، وجميع ما تقدم إذا كان المشتري عالمًا، فإن كان جاهلًا بأن قدم البائع الطعام المبيع إلى

стр. 331

المشتري فأكله، فهل يُجعل قابضًا؟ قال القاضي حسين: فيه وجهان تفريعًا على القولين؟ "فيما إذا قدم الغاصب الطعام المغضوب إلى المالك فأكله جاهلًا هل يبرأ الغاصب؟ فإن لم يجعله [قابضًا] (١) فهو كما لو أتلفه البائع"، ولو كان عبدًا وارتد في يد البائع فقتله المشتري، فإن كان هو الإمام، أو مأذونه، وقصد قتله حدًّا؛ لم يجعله قابضًا، وينفسخ البيع، وإن كان غير الإمام استقر العقد سواء أقصد القتل عن الردة أم لا؛ لأنه لا يجوز له ذلك بخلاف الإمام. ولو صال العبد المبيع على المشتري في يد البائع فقتله دفعًا، فعن الشيخ أبي علي: أنه لا يستقر الثمن عليه، وهو يوافق ما حكاه الرافعي في قتل المغصوب منه العبد، المغصوب عند صياله عليه؛ سواء علم المالك أنه عبده أو لا. وعن القاضي: أنه يستقر؛ لأنه أتلفه في غرض نفسه، ولعل هذا فيما إذا علم أنه المبيع، ولو قتله المشتري قصاصًا. قال ابن الرفعة: "يظهر أنه كالأجنبي، فيكون كالآفة، ولكون الحق له خالف قاتل المرتد، وإتلاف عبد المشتري أو البائع بغير الإذن كإتلاف الأجنبي" (٢) هكذا قيده ابن الرفعة بغير الإذن. قال: "فإن أجاز وكان المتلف عبده جُعِل قابضًا كما لو أتلفه بنفسه" (٣) ثم أَبْدَا نظرًا في أن إتلاف عبد المشتري كإتلاف الأجنبي؛ لاستحالة أن تثبت القيمة في ذمته لسيده، واستحالة ملك البائع الأرش مع كون العقد لم ينفسخ، واستحالة كون الإتلاف لا يوجب القيمة، فتعين أن يقال بانفساخ العقد كما لو كان المتلف حربيًّا، لا يمكن إيجاب القيمة عليه.

стр. 332

وكذلك لا يمكن أن يقال: تعلقت القيمة للسيد برقبة العبد، إلا إذا قلنا بمذهب ابن سُريج في العبد المرهون، إذا جنى على عبد غير المرهون وكلاهما للراهن أن للسيد فك الرهن، فلا يبعد جعل جناية عبد المشتري كجناية الأجنبي، وإتلاف بهيمة المشتري تقدم، ولو كان الثمن علفًا فأكلته الدابة المبيعة، فإن كان بعد التقابض، فلا خيار أو بعد قبض الدابة فقط. فمن ضمان المشتري كما يقتضيه جواب القفال أو بعد قبض العلف فقط، فمن ضمان البائع أو قبل قبضهما انفسخ العقد إلَّا أن يكون البائع مع الدابة، فيكون إتلافها كإتلافه لكونها في يده، ويصير بذلك قابضًا للعلف، كما ذكره الإمام في كتاب الغصب. فرع من تصرفات المشتري التي تصح وتعد قبضًا كالعتق الوقف، فإن رفع البائع يده عنه زال ضمانه، وإلَّا صار مضمونًا عليه بالقيمة كذا قاله الماوردي (١) وبناه المتولي على افتقاره إلى القبول، فإن قلنا: نعم فكالبيع، وإلَّا فكالعتق. قال الماوردي: وكذلك إباحة الطعام للفقراء والمساكين إذا كان اشتراه جزافًا (٢). قلت: مراده إذا اتصل ذلك بقبض الفقراء والمساكين، قال: وفي معنى هذا كل استهلال من جهة المشتري مباح أو غير مباح، وعُدَّ مع الوقف الصدقة، ومراده: إذا اتصلت بالقبض، وينبغي أن يكون ذلك إذا جرى بإذن البائع، أو حيث لم يبق له حق الحبس، أو كان كذلك ولكن تلف في يد

стр. 333

المتصدق عليه، وتلف الطعام في يد الفقراء والمساكين، وتكون يدهم نائبة عن يد المشتري، وأما [بدو] (١) في ذلك، فلا يزول الضمان والاستيلاد كالعتق فلا نزاع. * * *

стр. 334

قال: فإن كان عبدًا فقطع يده، لم يجز له أن يفسخ؛ لأنه نقص بفعله؛ فإن اندمل وتلف في يد البائع، رجع البائع على المشتري بأرش النقص، فتقوم مع اليد، ويقوم بلا يد ثم يرجع بما نقص من الثمن، ولا يرجع بما نقص من القيمة؛ لأن [المبيع] (١) مضمون على المشتري بالثمن، فلا يجوز أن يرجع عليه بما نقص من القيمة. امتناع الفسخ لكون المشتري هو المعيب ظاهر، بل يمتنع بسببه الرد بسائر العيوب القديمة، وكان ذلك [منزلًا] (٢) منزلة الاستيفاء، وبذلك فارق حب المرأة ذكر زوجها [ … ] (٣) المستأجر الدار المستأجرة، حيث يثبت لهما الخيار. وقال الرافعي: "إن قياس مَن لا يجعل إتلاف المشتري قبضًا أن يكون لهما الخيار" (٤)؛ وإطلاق الغزالي في "الوسيط" (٥) يقتضيه، فإنه أطلق ثبوت الخيار فيما إذا نقصت صفة بالتعييب. والأقرب أنه ما أراد هذا الإطلاق، وكيف ما [قُدِّرَ] (٦) فالمعروف في المذهب أن لا خيار للمشتري بتعييبه، ثم بعد ذلك له ثلاثة أحوال: الأولى: أن يتسلمه المشتري، فالعقد مستقر ولا إشكال.

стр. 335

الثانية: أن يتلف بتلك الجناية في يد البائع فكذلك، ويجعل كأن المشتري قبضه؛ لأن التلف منسوب إليه وإتلافه قبض على الصحيح. الحالة الثالثة التي ذكرها المصنف: أن يندمل ويتلف في يد البائع بآفة سماوية، فالبيع ينفسخ بالتلف، ويلزم المشتري ضمان اليد، وبماذا يضمنها؟ فيه أربعة أوجه: أصحها (١): ما ذكره المصنف، وبه قال ابن سريج، وابن الحداد، والقفال، والقاضي حسين، والبغوي (٢)، أنه يقوّم العبد صحيحًا، فيقال مثلًا: ثلاثون، ثم مقطوعًا، فيقال: خمسة عشر، فعرفنا أن التفاوت النصف، فيستقر عليه من الثمن بمثل تلك النسبة، وهو نصف الثمن، ولو قوم مقطوعًا بعشرين، فعليه ثلثا الثمن. والثاني: ويُحْكَى عن القاضي أبي الطيب: أنه يستقر من الثمن بنسبة أرش اليد من القيمة وهو النصف، وعلى هذا لو قطع يديه واندملتا ثم مات العبد في يد البائع؛ وجب على المشتري تمام الثمن، ولا يرجع على البائع بشيء واستبعد الإمام هذا، وقال: "إنه يستحيل أن يجعل المشتري قابضًا لجميع المبيع بقطع يدي العبد" (٣). وهذان الوجهان مفرعان على أن المشتري بجنايته قد جعل قابضًا البعض المبيع، واستقر عليه ضمانه بجزء من الثمن، كما يضمن الكل بالقيمة، وفي معياره الوجهان المذكوران. والثالث: يضمنها بالأرش المقدر وهو نصف القيمة كالأجنبي، واستبعده الإمام (٤) بأن إتلاف المشتري قبض وليس بجناية.

стр. 336

والتقدير من خواص الجناية؛ ولذلك لا يُقدر به طرف العبد إذا سقط في يد الغاصب بآفة سماوية. والرابع: بما نقص من القيمة، وهذا الوجه هو الذي أشار المصنف إلى دفعه بقوله: ولا يرجع بما نقص من القيمة. وهذان الوجهان حكاهما في "الحاوي" (١)، وعلل الرابع بأنه مالك، وهما يحتمل أن يكونا مفرعين على أن إتلاف المشتري ليس بقبض. ولذلك قال الرافعي لما حكى الوجهين الأولين: إن هذا كله مفرع على المذهب الصحيح وهو أن إتلاف المشتري قبض، وعلى الوجه المنسوب إلى رواية الشيخ لا يجعل قابضًا لشيء من العبد، وعليه ضمان اليد بأرشها المقدر، وهو نصف القيمة كالأجنبي، ويحتمل ألَّا يكونا مفرعين على ذلك، وهو الأظهر؛ لأن الماوردي (٢) جازم بأن إتلاف المشتري قبض، ومع ذلك اقتصر على إيرادهما. ولعل الثالث مفرع على أن العقد بالفسخ قد ارتفع من أصله، والرابع أيضًا يحتمل ذلك، ويكون على القديم في أن الجناية على العبد لا تتقدر، لكن الماوردي علله بأنه مالك، فيكون تفريعًا على الجديد، لكن لم يوجب المقدر؛ لأنه مالك كما ذكر. وقضية ذلك: أن يكون الوجه المذكور مفرعًا على أن الفسخ من حينه، وأن إتلاف المشتري ليس بقبض. وهذا شرح ما يتعلق بهذا المكان، ثم بعد ذلك يذكر ما قاله المصنف في باب الرد بالعيب: إن الأرش الذي يرده المشتري إذا كسر ما لا يوقف على عينه إلَّا بكسره هو ما نقص من القيمة وما قلنا فيه هناك من الفرق بين

стр. 337

المسألتين. وما قاله ابن الرفعة من حمل هذه المسألة على الأجزاء أو حمل تلك على الأوصاف، فإنه إن صح ذلك أفادنا هنا معرفة صورة المسألة من قطع اليد وما يشبهه من الأجزاء التي أجريت في غير الأوصاف لا من الأوصاف المحضة. وما قاله ابن أبي الدم هناك من الفرق، فإنه يقتضي أن الأجزاء، والأوصاف سواء، وما ذكرناه فليتأمل. والذي أقوله الآن: إن كل ما يفوته المشتري في مسألتنا هذه بجنايته يضمنه بجزء من الثمن، ولا فرق فيه بين الجزء والوصف، وأرش البكارة كالجزء، لكن لا يأتي فيه المقدر كاليد وإنما يأتي فيه ثلاثة أوجه. قال الماوردي: "ولا يجب عليه المهر؛ لأنه من كسبها، للمشتري، والبكارة زال ملك المشتري عنها " (١). قلت: وهذا على ما قدمناه في باب الرد بالعيب أن الكسب للمشتري، ثم محل ذلك إذا كان حين الوطء يد البائع عليها، أما الوطء مع رفع يد البائع؛ فهو قبض، قاله الماوردي في مكان آخر. فرع هذا كله فيما لا يتقسط عليه الثمن، فإن كان مما يتقسط الثمن عليه إما بالقيمة كأحد العبدين، وإما بالأجزاء كأحد الصاعين من المكيل والموزون المتماثلين، فإنه إذا أتلفه المشتري جعل قابضًا له، فإذا تلف الباقي في يد البائع انفسخ العقد فيه، ولم ينفسخ في الذي أتلفه المشتري على أصح الطريقين، بل يستقر بقسطه من الثمن ليس إلَّا، ولا

стр. 338

يجيء فيه الخلاف المتقدم. واعلم أن اليد ونحوها لا يتقسط الثمن عليها قطعًا؛ ولذلك تعدُّ في الأوصاف، وإن كانت واحدًا لعبدين [ولصاعين] (١) يتقسط الثمن عليه قطعًا، وسقف الدار هل هو كأحد العبدين أو كاليد؟! [فيه] (٢) وجهان؛ أصحهما: الأول، وهذه القاعدة ينتفع بها هنا، وفي كل مكان حصل التلف بآفة سماوية أو بغيرها. وحكى الرافعي "عن بعض المتأخرين فيما إذا احترق من الدار ما يفوت الغرض المطلوب منها، ولم يبق إلَّا الأطراف ينفسخ في الكل، ويجعل فوات البعض في مثل ذلك كفوات الكل" (٣). فرع لو اشترك المشتري والبائع في قتل العبد المبيع قبل القبض لزم البيع في نصفه، وأما النصف الباقي فإن قلنا: جناية البائع كالآفة؛ بطل فيه ورجع المشتري عليه بنصف الثمن، ولا خيار له في فسخ ما قد لزم؛ لفوات رده، وإن قلنا: جناية البائع لجناية الأجنبي، فقولان: أحدهما: كذلك. والثاني: يكون للمشتري الخيار في فسخ البيع واسترجاع نصف الثمن أو إمضاء البيع فيه وأخذ نصف القيمة. * * *

стр. 339

قال: وإن كان المبيع ثمرة، فإن كانت على الأرض، فهي كغير الثمرة وقد بيناه، وإن كانت على [الشجر] (١) نظرت، فإن تلفت قبل التخلية، فهي كغير الثمرة إذا هلكت قبل القبض وقد بيناه. هذان الحكمان لا خلاف فيهما. * * *

стр. 340

قال: وإن تلفت بعد التخلية، ففيه قولان: أحدهما: أنها تتلف من ضمان المشتري؛ لأن التخلية قبض يتعلق به جواز التصرف، فدخل [به] (١) في ضمانه، كالنقل فيما ينقل. والثاني: أنها تتلف من ضمان البائع؛ لما روى جابر ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ [ثَمَرًا] (٢)، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، لِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ". وروى جابر ﵁ أيضًا أن النبي ﷺ "أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ". الحديث الأول رواه مسلم (٣) من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وفي رواية: "فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا". رواه البيهقي (٤) من طريق ابن وهب، والحديث الثاني رواه مسلم (٥) من حديث سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر. وقد روى سفيان أيضًا عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ : "أَنَّهُ وَضَعَ الْجَوَائِحَ". رواه الحاكم في "المستدرك" (٦)، وقال: على شرط مسلم. والاحتجاج بهما للقول الثاني وهو الذي نص عليه في القديم (٧)، ونسب

стр. 341

أيضًا إلى الصرف من الجديد، وبه قال أبو عبيد وأحمد على الصحيح من مذهبه، وإسحاق وجماعة من أهل الحديث قالوا: يجب وضع الجوائح. والقول الأول الذي نص عليه الشافعي في الجديد (١) في "الأم": وفي الصرف، وبه قال أبو حنيفة (٢)، وهو قول عمرو بن دينار من التابعين، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وداود، وجمهور السلف، ورُوِيَ ذلك عن عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وقيل: إنه لا يصح غير ذلك عن أحد من الصحابة. وقال الأصحاب: إن الشافعي رجع عن الثاني؛ ولأجل ذلك الصحيح الأول. والجواب عن الحديثين: أما حديث وضع الجوائح الذي رواه سليمان بن عتيق، فقد تكلم الشافعي عليه في "الأم" (٣)، فإنه سمعه من سفيان أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح، ومسلم ﵀ رواه مقطعًا في "صحيحه"؛ بيع السنين في موضع، ووضع الجوائح في موضع آخر. قال الشافعي في "الأم" في باب الجائحة في الثمرة: "سمعت سفيان يحدث هذا الحديث كثيرًا في طول مجالستي له لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته لا يذكر فيه: "أمر بوضع الجوائح"، لا يزيد على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ" - ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ". قال الشافعي: "قال سفيان: وكان حميد يذكر بعد بيع السنين كلامًا قبل

стр. 342

وضع الجوائح لا أحفظه، فكنت أكف عن ذكر وضع الجوائح؛ لأني لا أدري كيف كان الكلام، وفي الحديث أمر بوضع الجوائح. وذكر الشافعي رواية سفيان عن أبي الزبير أيضًا، وذكر الشافعي "حديث مالك عن عمرة أنها قالت: ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله ﷺ فعالجه، وأقام فيه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع عنه، فحلف ألا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله: تَأَلَّى أَلَّا يَفْعَلَ خَيْرًا"، فسمع بذلك رب المال، فأتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! هو له. قال الشافعي: قال سفيان في حديثه عن جابر عن النبي ﷺ في وضع الجوائح ما حكيت، فقد يجوز أن يكون الكلام الذي لم يحفظه سفيان من حديث حميد يدلُّ على أن أمره بوضعها على مثل أمره بالصلح على النصف، وعلى مثل أمره بالصدقة تطوعًا حضًّا على الخير لا حتما، وما أشبه ذلك، ويجوز غيره، فلما احتمل المعنيين، ولم يكن فيه دلالة على أنهما أولى به لم يجز عندنا أن نحكم - والله أعلم - على الناس بوضع ما وجب لهم بلا خبر عن رسول الله ﷺ يثبت بوضعه. وحديث مالك عن عمرة مرسل وأهل الحديث، ونحن لا نثبت مرسلًا. ولو ثبت حديث عمرة كانت فيه - والله أعلم - دلالة على ألَّا توضع الجائحة لقولها، قال رسول الله ﷺ : "تَأَلَّى أَلَّا يَفْعَلَ خَيْرًا"، ولو الحكم عليه أن يضع الجائحة لكان أشبه أن يقول ذلك لازم له حلف أو لم يحلف" (١). هذا كلام الشافعي ولا مزيد على حسنه. فإن قلت: كيف يترك المحقق بالمشكوك فيه، والأمر بوضع الجوائح محقق، وكون الكلام الذي سقط دافعًا لظاهره مشكوك فيه.

стр. 343

قلت: الشك في الكلام الساقط بطرق الشك إلى المراد بالكلام الموجود، كما إذا خص العام بمجمل، بل هنا أولى؛ لأنه لم يثبت لنا لفظ النبي ﷺ فيه، ثم مع الاحتمال المذكور يتمسك ما يدل على عدم وضع الجوائح، ويجمع بينه وبين هذا الخبر إن أمكن الجمع. وأما الحديث الآخر، وهو قوله ﷺ : "لوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأخُذَ مِنْهُ " (١). وفي رواية: "مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا". فإنه صريح، لكن أبدى البيهقي (٢) فيه احتمالًا أن يكون " [واردًا] (٣) في البيع قبل بدو الصلاح، وما قاله محتمل، وهذا الاحتمال وإن كان مخالفًا لما يقتضيه إطلاق اللفظ، لكن يوجب المصير إليه الحديث الذي هو حجة القول الجديد. وقال البيهقي (٤): إنه أصح ما يحتج به له، وهو ما رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، قال: أُصِيْبَ رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ" (٥)، ولو كانت الجائحة من ضمان البائع لأسقط النبي ﷺ الديون التي لحقته من ثمن الثمار التالفة، فقد دل هذا الحديث على أن الجائحة لا توضع، ودل حديث جابر على الأمر بوضعها،

стр. 344

فيجب الجمع بينهما بأن يحمل [الأمر] (١) على ما قبل بدو الصلاح، وعدم الوضع على ما بعده. قال ابن حزم: "وقد وجدنا بيان ذلك في حديثين: حديث أنس أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمر حتى يُزهي، قال: "أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟! ". وحديث جابر: [أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ] (٢) "نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ"، فصح بهذين الخبرين أن الجوائح التي أمر رسول الله ﷺ بوضعها التي تصيب ما بيع من الثمر سنين، وقبل أن يُزهي، والجائحة التي لم يسقطها وألزم المشتري مصيبها، وأخرجه من جميع ماله بها: هي التي تصيب الثمر المبيع بعد ظهور الطيب فيه وجواز بيعه (٣)، وهذا جمع حسن، وهو منقول عن أبي إسحاق المروزي، ويشهد له جمع النهي عن بيع السنين، والأمر بوضع الجوائح في حديث واحد، ويكون وضع الجوائح لإبطال البيع من أصله في بيع السنين وقيل: الزهو، فإن منع السنين هو أن يبيع الثمرة سنين فيكون بيع ما لم يخلق، ولعلهم لما كانوا يتبايعون تلك البياعات، ونهى النبي ﷺ عنها؛ وضع الجوائح التي حصلت في تلك الثمار المبيعة قبل نهيه ﷺ بيانًا لبطلانها، فهذا أولى من تعطيل حديث أبي سعيد المذكور. والشافعي ﵁ في "الأم" (٤) ذكر من حجة القائلين بعدم وضع الجوائح حديث أنس المذكور، وشبهه من الأحاديث المانعة من بيع الثمرة حتى تنجو من العاهة، ثم قال: "ولو ثبت الحديث في وضع الجائحة لم يكن في

стр. 345

هذا حجة" (١)، وأمضى الحديث على وجهه. وقال في موضع آخر: "وهذا مما أستخير الله فيه" (٢)، ولعل مراد الشافعي بانتفاء الحجة عن الحديث المذكور لو ثبت الأمر بوضع الجوائح أن الحديث المذكور يكون المراد به حينئذٍ أن الثمار يلحقها العاهة كثيرًا قبل بدو الصلاح؛ فلذلك نهى عنها للعلة المتوقعة غالبًا أو كثيرًا، فإذا وصلت إلى حالة الصلاح صار لحوق العاهة لها نادرًا، فصح بيعها، ولا يمتنع مع ذلك أنها إذا تلفت بجائحة ينفسخ البيع، وإن كان موقع هذه الجائحة لم يعتبر في المنع من البيع؛ لندرتها بعد الصلاح؛ فلهذا والله أعلم قال ذلك، لكن ولو ثبت فخبر أبي سعيد معارض له، فيجب الجمع بينهما. والشافعي ﵁ لم يذكر حديث أبي سعيد فيما وقفت عليه من "الأم". وقال الماوردي: "إنه رواه عن يحيى بن حسان" (٣)، فقد ظهر أنه عمدة القول الجديد. والجواب: عن حجة القديم بالجمع المتقدم أو بحمله على الاستحباب، والغزالي ﵀ وجماعة من الأصحاب لما رأوا توهين الشافعي بحجة القديم جعلوا مأخذ الخلاف بين القديم والجديد راجعًا إلى المعنى، وإن جعلها من ضمان البائع مستند إلى أنه بقي عليه علقة متعلقة بالمبيع بدليل أنه يجب عليه السقي لتنمية الثمار وترتيبها، فكأنه في عهدة التسليم إلى القطاف، فكانت من ضمانه، وإن ملك المشتري التصرف فيه، كما في الدار المستأجرة بعد التخلية يملك المستأجر التصرف فيها، ولو تلفت انفسخت الإجارة، وجعلوا حجة الجديد تسلط المشتري على التصرف.

стр. 346

وقال القاضي حسين: قيل: إن حقيقة الخلاف تتلقى من أصل، وهو أن قبض الثمرة إذا بيعت على رؤوس الأشجار هل تحصل بالتخلية أولًا؟ وفيه قولان، قال في القديم: لا يحصل (١)، ولا بد فيه من النقل؛ لأنه منقول. وقال في الجديد: تحصل بالتخلية (٢)، وهذا الذي قاله القاضي غريب، ووافقه عليه ابن الصباغ، فحكى القولين في أن قبض الثمرة هل تحصل بالتخلية؟ فقال: إنه على القديم: لا تكون مقبوضة، وعلى الجديد: التخلية قبض وهي من ضمان المشتري. وقيل: من ضمان البائع، وهذا يقتضي أنه لا يجوز للمشتري التصرف على القديم وهو غريب. وقال الإمام: إنه لا خلاف في جواز التصرف (٣)، ونص الشافعي على أنه يجوز للبائع شراؤها بعد القبض والتفرق، فهذا يلغي القول بأنها غير مقبوضة. وأما ما لَحَظُوهُ من المعنى حجة القديم فقد ألقاه الشافعي في "الأم"، وقال: "لو ضرب إلى وضع الجائحة ما كانت الحجة فيها إلا اتباع الخبر لو ثبت، ولا أقول قياسًا على الدار إذا تكاراها" (٤). وفرق الشافعي بين الثمرة والدار، بأن الثمرة عين تقبض ويقدر المشتري أن يأخذها كلها من ساعته، وإنما يتركها اختيارًا ليبلغ غاية نصحها، ومنافع الدار ليست بعين، فلا تقبض إلا شيئًا فشيئًا، فهذا الكلام من الشافعي يلغي ذلك المعنى، إلا أن يقال: إن هذا الكلام في الجديد، وجاز أن يكون كأن يتركه في القديم ما يخالف ذلك.

стр. 347

وعمدة الأصحاب أن التخلية كافية في التسلط على التصرف، فكانت قبضًا، وأجاب بعض الأصحاب عن وجوب السقي بأنا لا نسلم وجوبه على الجديد، كما حكاه القاضي حسين وجهًا، ولئن سلمنا على ما قاله الجمهور فلأن العقد لمَّا اقتضى ذلك ينزل منزلة بعض المبيع، وتأخير تسليم بعض المبيع لا يمنع من تسليم باقيه. وبما ذكرناه نأخذ خلافًا قدمناه في باب بيع الأصول والثمار في أن اليد لِمَن بعد التخلية على ثلاثة أوجه، إن وضعنا الجائحة، فاليد للبائع وإلا ولم يوجب السقي، فهي للمشتري، وإن أوجبنا السقي فلهما. وقال مالك (١): الجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعدًا، ولا يوضع أقل من الثلث، ويكون ذلك من مال المشتري، وذكروا في ذلك عن النبي ﷺ وعثمان، وعلي، وسهل بن أبي حَثْمَةَ، وجماعة كثيرة من فقهاء التابعين آثارًا لا يصح شيء منها، وحكي عن مالك مع ذلك أنه يضع في النقول كل شيء أصابته الجائحة قل أو كثر. قال الشافعي: "ولو يكن سفيان وَهَّن حديثه بما وصفت وتثبت السنة بوضع الجوائح، وضعت كل قليل وكثير أصيب من السماء بغير جناية أحد عليه" (٢). فرع هذا كله إذا كانت الجائحة بآفة سماوية، قال الشافعي في "الأم": "وجماع الجوائح: كل ما أذهب الثمرة أو بعضها بغير جناية آدمي" (٣).

стр. 348

وقال في موضع آخر في باب الجائحة: "والجائحة من المصائب كلها كانت من السماء أو من الآدميين" (١). وقد روى البيهقي (٢) من طريق أبي داود بسنده عن عطاء قال: "الْجَوَائِحُ: كُلُّ ظَاهِرٍ مُفْسِدٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ بَرَدٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ حَرِيقٍ". قال العبدري من أصحابنا " وكذا الباز، والطير الغالب، والسموم، وانقطاع ماء العيون. قال المتولي: والزنابير، والسيل، والحر. أما إذا كان تلف الثمرة بعد التخلية بجناية أجنبي كسرقة أو غصب أو نهب. فإن قلنا: لا يبطل البيع بالجائحة السماوية، فها هنا أولى. وإن قلنا: يبطل، فها هنا قولان قاله الماوردي (٣) والقاضي حسين وغيرهما، ومن ذلك تخرج طريقان: إحداهما: القطع بأنها من ضمان المشتري وهي طريقة الشيخ أبي حامد. والثانية: تخريجها على القولين، وبها قال ابن الصباغ، ويشهد لها ما قدمناه من اختلاف نص الشافعي، وهو الذي نقله الروياني (٤) عن العراقيين واستبعد الإمام (٥) ضمان السرقة من جهة أنه لا يعرف خلافًا أنه لا يجب على البائع نصب ناطور على الثمار إلى جدادها. قال: "ولست آمن أن يمنع ذلك مَنْ يصير إلى الوجه البعيد أن الفائت

стр. 349

بالسرقة من ضمان البائع (١). وإن كان بجناية البائع؛ فأحد الوجهين: أنه كالجائحة السماوية. والثاني: كالأجنبي قاله الماوردي (٢)، وهما الطريقان في أن إتلاف البائع قبل القبض كإتلاف الأجنبي أو كالآفة السماوية، ولا فرق بين أن يكون التلف في حالة إمكان السقي أو في حالة تعذره بانقطاع الماء؛ لأن ضمان الأموال لا يختلف بالتعدي وعدمه. فرع لو تلفت الثمرة بترك السقي، ففي الانفساخ طريقان: إحداهما: ينفسخ قولاً واحدًا على القديم والجديد؛ لأنه استند إلى أمر ملتزم في العقد وما استند إلى سبب سابق على القبض قد ينزل منزلة ما لو سبق، كما إذا اشترى عبدًا مرتدًّا، فقتل بعد القبض بالردة السابقة أو سارقًا، فقطع، أو مريضًا فمات، وهذه الطريقة هي الصحيحة عند الرافعي (٣). والثانية: ويُحْكَى عن أبي علي الطبري، وصاحب "التقريب"، والصيدلاني تخريجها على [القولين] (٤) القديم والجديد، وها هنا كلامان: أحدهما: أن الرافعي (٥) استشهد للطريقة الأولى بالعبد المرتد، والسارق، والمريض، كما تقدم، والحكم في ذلك مختلف عنده، فإن الصحيح عنده في المرتد الانفساخ في حالة الجهل دون العلم وفي المريض قال: الأشهر القطع بأنه من ضمان المشتري؛ لأن المرض يزداد شيئًا فشيئًا إلى الموت، والردة خصلة واحدة وحدث في يد البائع.

стр. 350

وذكر توسطًا عن صاحب "التهذيب" (١): بجعل المرض المخوف والجرح الساري كالمرتد وغير المخوف من ضمان المشتري، ومسألتنا هذه الأظهر أن يلحق بالمرض؛ لضعف الثمار وتعرضها للآفات تعرض المريض، وحينئذٍ على مقتضى الأشهر عنده لا تكون مخرجه على القديم فضلًا عن أن يقطع به فيها إلَّا أن يكون مال إلى المتوسط الذي نقله عن صاحب "التهذيب"، وشبه ضعف الثمار بالمرض المخوف. وأنا أقول: إن تجويز الشرع ببيعها بعد بدو الصلاح يدل على أنها تجب من العاهة، وأنه يبعد إلحاقها بالمرض المخوف، وأيضًا فإن التلف هنا محال على ترك السقي، وإن كان الضعف في الثمار شرطًا فيه، فليس ضعف الثمار الموجود في يد البائع إلى التلف، ولا إلى ما يفضي إليه بخلاف المرض، فإنه مفضٍ، إما إلى الموت، وإما إلى مرض آخر يفضي إليه، وبخلاف الردة فإنها مفضية إلى القتل، فالجزم بالانفساخ في مسألتنا هذه أو ترجيحه فيه نظر، ثم إنه ولو سلم إلحاقه بالمرتد، فالصحيح عنده (٢) في المرتد إذا كان المشتري عالمًا بردته أنه لا ينفسخ العقد، ولا شك أن المشتري هنا عالم بضعف الأشجار، وتعرضها للآفة الذي هو منزل منزلة الردة أو المرض، فعلى قياس ذلك لا ينفسخ ها هنا. وإن قيل: بأن البائع يترك السقي ترك ما التزمه بالعقد كان هذا معنى غير إلحاقه بالردة والمرض، وعاد النظر في أن هذا المعنى هل هو موجب للانفساخ، فإنه لا نظر لذلك أن يكون البائع التزم شيئًا وترتب على ترك ذلك الشيء تلف المبيع بعد القبض، فينفسخ العقد به، لا بد لهذا من دليل، فإن الثمار مقبوضة غير مضمونة على الجديد على أن اختيار القاضي أبي (٣)

стр. 351

الطيب فيما إذا لم يعلم المشتري بردة العبد المبيع حتى قتل؛ أنه يرجع بالأرش خاصة، ونسبه إلى كثير من أصحابنا، وانتصر له بأنه لو كان التلف في يد البائع لم يفرق فيه بين العلم والجهل. وأجاب عن نص الشافعي في الرهن على الانفساخ: بأن المرتهن لا يمكنه استدراك الظُّلامة بالرجوع بالأرش، فألحق القتل والقطع الحادث في يده بسببه حتى يستدرك الظلامة، فجعل كأن القتل وُجِدَ في يد الراهن، فينفسخ البيع ويرجع ويجعل القطع كأنه وجد في يد الراهن، فيثبت للمرتهن الخيار في رد الرهن وفسخ البيع؛ لئلا يهدر حقه، وليس كذلك البيع، فإنه يرجع بالأرش. قال القاضي: وهذا قول ظاهر، فسقط السؤال؛ يعني الاستشهاد بنص الشافعي [في على] (١) الانفساخ، وأكد هذا المعنى بأن من حفر بئرًا في طريق لا يجوز الحفر فيه إذا وقع فيه حيوان ومات؛ وجب الضمان في تركته وألحق بسببه؛ لئلا يهدر التعدي. الكلام الثاني: أن الرافعي (٢) ﵀ أطلق القول بذلك، ولم يفصل بين أن يكون المشتري علم بترك السقي أو لا، ثم ذكر في آخر كلامه فيما إذا تعيبت بترك السقي ويبعد به ولم يفسخ حتى تلفت، خلافًا في الغرم ولم يتعرض للانفساخ. والإمام (٣) ذكر الطريقين في حالة الجهل، ثم ذكر فيما إذا علم بالعيب بسبب ترك السقي، ولم يفسخ حتى تلفت أن الصيدلاني قال: ففي وضع الجوائح قولان، فدل أن الصيدلاني تطَّرد طريقته المجربة للخلاف في حالتي الجهل والعلم، وما قاله الصيدلاني هو القياس من التخريج على

стр. 352

وضع الجوائح، سواء أكان عالمًا أم جاهلًا، بل لو لم يحصل عيب، لكن مجرد انقطاع الماء عيب فجريان الخلاف في وضع الجوائح؛ لحصول التلف بعده أولى. فرع إذا ثبت هذا بأن قلنا: ينفسخ، فلا كلام، وإن قلنا: لا ينفسخ، وكان المشتري لم يشعر بالحال حتى حصل التلف، قال الإمام: "فلا خيار بعد التلف" (١). وقال الغزالي: "له الخيار" (٢)، وأطلق الغزالي ذلك من غير تفصيل بين العلم والجهل، وقرره ابن الرفعة (٣) بأن ترك السقي بعد القبض الذي لم يتم كجناية البائع قبل القبض، إذا قلنا: لا ينفسخ العقد فيثبت الخيار؛ لفوات العين، هذا إن كان المشتري جاهلًا بترك السقي. فإن كان عالمًا، قال: فيكون فيه خلاف مبني على رجوعه على البائع ببدل الثمرة، وفيه وجهان: إن قلنا لا يرجع، فلا خيار، وإن قلنا: يرجع؛ ثبت الخيار ليبدل المستحق. فرع هذا الكلام في الانفساخ والخيار، أما الضمان، هل يضمن البائع الثمرة التالفة بترك السقي؟ إن قلنا بالانفساخ على الطريقة التي صححها الرافعي (٤)، أو على أحد قولي الطريقة الثانية، فلا ضمان، فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن، وإن قلنا بعدم الانفساخ، فإن قلنا بما قاله

стр. 353

الغزالي (١) من ثبوت الخيار وانفق الفسخ، فالحكم كذلك، وإن أجاز أو قلنا بما قاله الإمام (٢) من عدم الخيار بعد التلف. فقد قال الإمام (٣) والغزالي (٤) والرافعي (٥) بتضمين البائع القيمة إن كانت عند التلف من ذوات القيم أو المثل إن كانت من ذوات الأمثال. قال الإمام: ويصير ترك السقي بمثابة جناية ذات سريان، فإذا تمت السراية وتحقق التلفُ، وجب ضمان التالف على الجاني" (٦)، هذا ما أطلقوه، ولقائل أن يقول: إذا أثبتنا الخلاف، ولم يعتبر استناد التلف إلى سبب سابق. وفرعنا على الجديد القائل بعدم وضع الجوائح، وأن الثمرة خرجت من ضمان البائع بالتخلية، فيده قد زالت، وسبب الضمان إما اليد وهي منتفية وإما الجناية، فالترك ليس [إلا لم] (٧) يعهد سببًا في الضمان، ألا ترى أن مَن تعين عليه إنقاذ غريق فلم ينقذه، أو إطعام مضطر فلم يطعمه حتى (٨) مات، لا ضمان عليه، بل لو منع شخصًا طعامه وشرابه حتى مات ولم يوجد منه إلَّا ذلك، فلا ضمان، فَلِم نَزَّلوا الترك هنا منزلة الجناية؟! وليس ذلك إلا ملاحظة والتفات إلى أن القبض لم يتم، ولا يناسب القول بعدم وضع الجوائح. ثم اتفقوا على أن البائع لا يضمن الثمرة باعتبار كمالها لو سقيت، وإن كان ملتزمًا لذلك بمقتضى العرف؛ لأنا إنما نلزمه الضمان بحكم الإتلاف

стр. 354

ولم يتلف إلا الموجود، ثم هذا كله مفرع على وجوب السقي، أما إذا قلنا بالوجه الذي حكاه القاضي حسين أنه لا يجب السقي لم يجئ شيء من ذلك. ثم قال ابن الرفعة لما حكى كلام الغزالي في الخيار والضمان قال: ومن هنا نأخذ فائدة جليلة، وهي أن البائع إذا أتلف المبيع قبل القبض، وقلنا: لا ينفسخ العقد؛ ثبت للمشتري الخيار، سواء أكان المبيع مثليًّا، أم متقومًا؛ لأجل تعلق الغرض بنفس العين؛ ولهذا يتعين الإيمان عندنا بالتعيين، وهي من ذوات الأمثال. فرع لو أودعه نخلة، فلم يسقها حتى تلفت، لا ضمان. ولو أودعه آنَّة فلم يسقها حتى تلفت، ضمن. فرع إذا تعيبت الثمار، فإن كان تعيبها بجائحة، فعلى القديم يثبت الخيار، وعلى الجديد لا يثبت وإن تعيبها بترك السقي، فعلى القديم لا إشكال في ثبوت الخيار؛ لأنه عيب حصل قبل تمام القبض، وعلى الجديد ادعى الغزالي (٢) القطع بثبوت الخيار أيضًا، وهو قول أبي إسحاق المروزي، ونقله الإمام (٣) عن الصيدلاني واستشكله، وقال: إنه على إشكاله متفق عليه بين الأصحاب، ولم يحكِ الرافعي (٤) غير ذلك، وهو الذي نص عليه الشافعي، فإنه قال في باب الجائحة من "الأم": "وإذا باع الرَّجُلُ الرَّجُلَ ثمرةً على [أن] (٥) يتركها إلى الجذاذ ثم انقطع الماء، وكانت

стр. 355

لا صلاح لها إلا به، فالمشتري بالخيار بين أن يأخذ جميع الثمرة بجميع الثمن، وبين أن يردها بالعيب الذي دخلها" (١)، ومن الأصحاب مَن قال هذا على قوله القديم. ونقل القاضي أبو الطيب عن أبي علي الطبري: أن الثمرة إذا عطشت وتعذر على البائع سقيها لا يثبت للمشتري الرد على الجديد، وهذا هو القياس، وهو الذي يقتضيه كلام الشافعي في "الأم"، فإنه قال: "ومَن وضع الجوائح فلا يضعها إلى على معنى أن قبضها قبض إن كانت السلامة، ولزمه إن أصاب ثمر النخل شيء يدخله عيب مثل: عطش يضمره، أو جمح يناله، أو غير ذلك من العيوب أن يجعل للمشتري الخيار" (٢)، وأطال الشافعي الكلام في ذلك [فانظر] (٣) كيف جعل العطش وثبوت الخيار به إلزامًا لِمَن يقول بوضع الجوائح. فأفهم أن القول الآخر بخلافه، وهذا يشهد للوجه الذي حكاه القاضي حسين، أنه لا يجب السقي على البائع، لكن الجمهور أوجبوا السقي عليه. وفهم ابن الرفعة (٤) عن أبي علي أنه يقول بذلك مع القول بوجوب السقي، قال: "لكنه يقول: هو واجب عند القدرة، ساقط عند العجز" فيكون وجهًا ثالثًا في المسألة مع قولنا بالجديد، يعني: أنه يجب السقي مطلقًا أو لا يجب مطلقًا، أو يجب مع القدرة دون العجز. وعلل الإمام "ما نقله من ثبوت الخيار بأن البائع ملتزم تنمية الثمار بحكم العقد؛ فيصير العيب الحادث بهذا السبب؛ كالعيب المتقدم على القبض" (٥)،
следующие страницы →