← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الطيب فيما إذا لم يعلم المشتري بردة العبد المبيع حتى قتل؛ أنه يرجع بالأرش خاصة، ونسبه إلى كثير من أصحابنا، وانتصر له بأنه لو كان التلف في يد البائع لم يفرق فيه بين العلم والجهل. وأجاب عن نص الشافعي في الرهن على الانفساخ: بأن المرتهن لا يمكنه استدراك الظُّلامة بالرجوع بالأرش، فألحق القتل والقطع الحادث في يده بسببه حتى يستدرك الظلامة، فجعل كأن القتل وُجِدَ في يد الراهن، فينفسخ البيع ويرجع ويجعل القطع كأنه وجد في يد الراهن، فيثبت للمرتهن الخيار في رد الرهن وفسخ البيع؛ لئلا يهدر حقه، وليس كذلك البيع، فإنه يرجع بالأرش. قال القاضي: وهذا قول ظاهر، فسقط السؤال؛ يعني الاستشهاد بنص الشافعي [في على] (١) الانفساخ، وأكد هذا المعنى بأن من حفر بئرًا في طريق لا يجوز الحفر فيه إذا وقع فيه حيوان ومات؛ وجب الضمان في تركته وألحق بسببه؛ لئلا يهدر التعدي. الكلام الثاني: أن الرافعي (٢) ﵀ أطلق القول بذلك، ولم يفصل بين أن يكون المشتري علم بترك السقي أو لا، ثم ذكر في آخر كلامه فيما إذا تعيبت بترك السقي ويبعد به ولم يفسخ حتى تلفت، خلافًا في الغرم ولم يتعرض للانفساخ. والإمام (٣) ذكر الطريقين في حالة الجهل، ثم ذكر فيما إذا علم بالعيب بسبب ترك السقي، ولم يفسخ حتى تلفت أن الصيدلاني قال: ففي وضع الجوائح قولان، فدل أن الصيدلاني تطَّرد طريقته المجربة للخلاف في حالتي الجهل والعلم، وما قاله الصيدلاني هو القياس من التخريج على

стр. 352

وضع الجوائح، سواء أكان عالمًا أم جاهلًا، بل لو لم يحصل عيب، لكن مجرد انقطاع الماء عيب فجريان الخلاف في وضع الجوائح؛ لحصول التلف بعده أولى. فرع إذا ثبت هذا بأن قلنا: ينفسخ، فلا كلام، وإن قلنا: لا ينفسخ، وكان المشتري لم يشعر بالحال حتى حصل التلف، قال الإمام: "فلا خيار بعد التلف" (١). وقال الغزالي: "له الخيار" (٢)، وأطلق الغزالي ذلك من غير تفصيل بين العلم والجهل، وقرره ابن الرفعة (٣) بأن ترك السقي بعد القبض الذي لم يتم كجناية البائع قبل القبض، إذا قلنا: لا ينفسخ العقد فيثبت الخيار؛ لفوات العين، هذا إن كان المشتري جاهلًا بترك السقي. فإن كان عالمًا، قال: فيكون فيه خلاف مبني على رجوعه على البائع ببدل الثمرة، وفيه وجهان: إن قلنا لا يرجع، فلا خيار، وإن قلنا: يرجع؛ ثبت الخيار ليبدل المستحق. فرع هذا الكلام في الانفساخ والخيار، أما الضمان، هل يضمن البائع الثمرة التالفة بترك السقي؟ إن قلنا بالانفساخ على الطريقة التي صححها الرافعي (٤)، أو على أحد قولي الطريقة الثانية، فلا ضمان، فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن، وإن قلنا بعدم الانفساخ، فإن قلنا بما قاله

стр. 353

الغزالي (١) من ثبوت الخيار وانفق الفسخ، فالحكم كذلك، وإن أجاز أو قلنا بما قاله الإمام (٢) من عدم الخيار بعد التلف. فقد قال الإمام (٣) والغزالي (٤) والرافعي (٥) بتضمين البائع القيمة إن كانت عند التلف من ذوات القيم أو المثل إن كانت من ذوات الأمثال. قال الإمام: ويصير ترك السقي بمثابة جناية ذات سريان، فإذا تمت السراية وتحقق التلفُ، وجب ضمان التالف على الجاني" (٦)، هذا ما أطلقوه، ولقائل أن يقول: إذا أثبتنا الخلاف، ولم يعتبر استناد التلف إلى سبب سابق. وفرعنا على الجديد القائل بعدم وضع الجوائح، وأن الثمرة خرجت من ضمان البائع بالتخلية، فيده قد زالت، وسبب الضمان إما اليد وهي منتفية وإما الجناية، فالترك ليس [إلا لم] (٧) يعهد سببًا في الضمان، ألا ترى أن مَن تعين عليه إنقاذ غريق فلم ينقذه، أو إطعام مضطر فلم يطعمه حتى (٨) مات، لا ضمان عليه، بل لو منع شخصًا طعامه وشرابه حتى مات ولم يوجد منه إلَّا ذلك، فلا ضمان، فَلِم نَزَّلوا الترك هنا منزلة الجناية؟! وليس ذلك إلا ملاحظة والتفات إلى أن القبض لم يتم، ولا يناسب القول بعدم وضع الجوائح. ثم اتفقوا على أن البائع لا يضمن الثمرة باعتبار كمالها لو سقيت، وإن كان ملتزمًا لذلك بمقتضى العرف؛ لأنا إنما نلزمه الضمان بحكم الإتلاف

стр. 354

ولم يتلف إلا الموجود، ثم هذا كله مفرع على وجوب السقي، أما إذا قلنا بالوجه الذي حكاه القاضي حسين أنه لا يجب السقي لم يجئ شيء من ذلك. ثم قال ابن الرفعة لما حكى كلام الغزالي في الخيار والضمان قال: ومن هنا نأخذ فائدة جليلة، وهي أن البائع إذا أتلف المبيع قبل القبض، وقلنا: لا ينفسخ العقد؛ ثبت للمشتري الخيار، سواء أكان المبيع مثليًّا، أم متقومًا؛ لأجل تعلق الغرض بنفس العين؛ ولهذا يتعين الإيمان عندنا بالتعيين، وهي من ذوات الأمثال. فرع لو أودعه نخلة، فلم يسقها حتى تلفت، لا ضمان. ولو أودعه آنَّة فلم يسقها حتى تلفت، ضمن. فرع إذا تعيبت الثمار، فإن كان تعيبها بجائحة، فعلى القديم يثبت الخيار، وعلى الجديد لا يثبت وإن تعيبها بترك السقي، فعلى القديم لا إشكال في ثبوت الخيار؛ لأنه عيب حصل قبل تمام القبض، وعلى الجديد ادعى الغزالي (٢) القطع بثبوت الخيار أيضًا، وهو قول أبي إسحاق المروزي، ونقله الإمام (٣) عن الصيدلاني واستشكله، وقال: إنه على إشكاله متفق عليه بين الأصحاب، ولم يحكِ الرافعي (٤) غير ذلك، وهو الذي نص عليه الشافعي، فإنه قال في باب الجائحة من "الأم": "وإذا باع الرَّجُلُ الرَّجُلَ ثمرةً على [أن] (٥) يتركها إلى الجذاذ ثم انقطع الماء، وكانت

стр. 355

لا صلاح لها إلا به، فالمشتري بالخيار بين أن يأخذ جميع الثمرة بجميع الثمن، وبين أن يردها بالعيب الذي دخلها" (١)، ومن الأصحاب مَن قال هذا على قوله القديم. ونقل القاضي أبو الطيب عن أبي علي الطبري: أن الثمرة إذا عطشت وتعذر على البائع سقيها لا يثبت للمشتري الرد على الجديد، وهذا هو القياس، وهو الذي يقتضيه كلام الشافعي في "الأم"، فإنه قال: "ومَن وضع الجوائح فلا يضعها إلى على معنى أن قبضها قبض إن كانت السلامة، ولزمه إن أصاب ثمر النخل شيء يدخله عيب مثل: عطش يضمره، أو جمح يناله، أو غير ذلك من العيوب أن يجعل للمشتري الخيار" (٢)، وأطال الشافعي الكلام في ذلك [فانظر] (٣) كيف جعل العطش وثبوت الخيار به إلزامًا لِمَن يقول بوضع الجوائح. فأفهم أن القول الآخر بخلافه، وهذا يشهد للوجه الذي حكاه القاضي حسين، أنه لا يجب السقي على البائع، لكن الجمهور أوجبوا السقي عليه. وفهم ابن الرفعة (٤) عن أبي علي أنه يقول بذلك مع القول بوجوب السقي، قال: "لكنه يقول: هو واجب عند القدرة، ساقط عند العجز" فيكون وجهًا ثالثًا في المسألة مع قولنا بالجديد، يعني: أنه يجب السقي مطلقًا أو لا يجب مطلقًا، أو يجب مع القدرة دون العجز. وعلل الإمام "ما نقله من ثبوت الخيار بأن البائع ملتزم تنمية الثمار بحكم العقد؛ فيصير العيب الحادث بهذا السبب؛ كالعيب المتقدم على القبض" (٥)،

стр. 356

وهو في ظاهر "الأم" مشبه بخيار الحلف، فإن الصفة المشروطة إذا اختلفت ثبت الخيار، فالثمار تزيد لو سقيت، فترك السقي متضمن أَلَّا توجد تلك الزوائد التي كان السبب إلى وجودها، وهو يضاهي منافع الدار المستأجرة، فإنها توجد شيئًا فشيئًا، والدار تسلم بنفسها، وهل يثبت الخيار للمشتري بمجرد انقطاع الماء؟ قال الإمام عن الصيدلاني: "إن له الرد بمجرد انقطاع الماء، وإذا أثبتنا الخيار فأجاز". قال صاحب "التتمة": "ليس للبائع تكليفه قطعها، وإن كان في التبقية ضرر"، وقد تقدم فيه خلاف في باب بيع الأصول والثمار. فرع قال الغزالي في "الوسيط" بعد أن تكلم (١) في تلف الثمرة بترك السقي: "فإن كانت قد تعيبت، ففي المطالبة بالأرش وجهان نبهنا على نظريهما في الاستئجار (٢) " (٣). أما إذا قلنا بثبوت الخيار بالعيب الحاصل بترك السقي؛ فحصل العيب بترك السقي، ولم يفسخ المشتري، ولم تتلف الثمار، فهل للمشتري الرجوع بأرش العيب على البائع؟ فيه وجهان. فإنا لما أثبتنا الخيار بترك السقي بعد التخلية، جعلنا هذا الزمان كما قبل القبض في ثبوت الخيار بالعيب الحاصل فيه؛ فتكون جناية البائع فيه بترك السقي كجنايته قبل القبض، وفي جنايته قبل القبض خلاف هل هي كالآفة السماوية أو كجناية الأجنبي؟ فإن جعلناها كالآفة لم يرجع بالأرش، وإن

стр. 357

كان الثابت بها الخيار فقط، فإذا أجاز فلا شيء له، وإن جعلناها كجناية الأجنبي. وقد أجاز فيرجع عليه بالأرش، وهذا ما قطع به الغزالي من القول بثبوت الخيار، أما على المنقول عن أبي علي الطبري، فينبغي أن لا أرش، ولا خيار، ولا أثر لذلك بعد التخلية وهو القياس، وهذا الفرع لا ذكر له في "النهاية" في هذا الموضع، ولا في "شرح الرافعي"، وسَوَّى ابن الرفعة في "شرحه" لكلام الغزالي في ذلك بين العيب الحاصل بترك السقي، والحاصل بانقطاع الماء، وفيه نظر. والظاهر أن العيب الحاصل بانقطاع الماء كالعيب الحاصل بالجائحة، فيثبت به الخيار على القديم، ولا يثبت الخيار على الجديد، ويحتمل أن يقال: إنه كترك السقي؛ لأن فيه فوات ما التزمه البائع بخلاف الجائحة. واعلم أن كلام الرافعي في مسألة الإجارة (١) يقتضي أن الأصح عنده في الأرش: أنه يجب بعد القبض ولا يجب قبله، فإنه حكى الخلاف، والصحيح فيها ذلك. ثم قال: "ويجري هذا الخلاف في وجوب الأرش" (٢) وهو ها هنا من الجازمين بثبوت الخيار، فيقتضي ذلك أن الأصح عنده هنا: وجوب الأرش، لكن مأخذ القول الصحيح في مسألة الأجرة مستمدٌّ من أن جناية البائع كالآفة السماوية؛ ولذلك أسقطها قبل القبض، ومن أن اتصال ملك البائع بالمبيع لا يمنع من القبض بالتخلية؛ ولذلك أوجبها بعد القبض. وهذا المعنى يقتضي إسقاط الخيار في مسألتنا؛ لأنه إذا تم القبض فلا

стр. 358

عبرة بعيب يحدث بعده، وكذلك يقتضي عدم الانفساخ عند التلف، إلا أن يقال: بجعل بقاء العلق، وإيصال ملك البائع بالمبيع ملحقًا بما قبل القبض في ثبوت الخيار بالعيب الحاصل فيه لا في إسقاط الأرش، فيكون كما قبل القبض في العيب، وكما بعده في الجناية، وهو تحكم، ووجوب الأرش في مسألة الحجارة لا إشكال فيه؛ لأنه لم يعارضه ما يقتضي إلحاق ذلك بما قبل القبض في حكم من الأحكام، وكل هذا جزؤه يجاذب المآخذ، وإلا فالقياس أنا إذا لم نقل بوضع الجوائح لا يثبت خيارًا ولا يوجب أرشًا. فرع هذا كله إذا بيعت الثمار بعد بدو الصلاح مطلقًا أو بشرط التبقية، أما إذا بيعت بشرط القطع قبل بدو الصلاح أو بعده؛ فلم يقطع حتى أصابتها جائحة، فثلاث طرق: أصحها عند الرافعي (١) والنووي (٢): أنه على القولين، ولم يذكر ابن الصباغ غيرها. والثانية: أنها من ضمان المشتري قولًا واحدًا؛ لتفريطه بترك القطع، ولأنه لا علقة بينهما؛ إذ لا يجب السقي على البائع في هذه الحالة، ويُحكى هذا عن القفال، وجزم به الروياني في "البحر" (٣). وعلى هذا يدل تعليل المصنف - فيما سيأتي - أنه إذا تلفت الثمار وقت الجذاذ تكون من ضمان المشتري، فإن النقل واجب. والثالثة: أنها من ضمان البائع قولًا واحدًا، حكاها أبو علي السنجي عن بعض الأصحاب؛ لأنه إذا شرط القطع كان القبض فيه بالقطع والنقل، فقد

стр. 359

تلفت قبل القبض، والرافعي في "الشرح" (١) و "المحرر" (٢) وضمن ذلك قبل الصلاح وتبعه في "المنهاج" (٣)، وكلامه في "الروضة" (٤) يشعر بفرضه فيما بعد الصلاح، ولا فرق بين الحالتين؛ فلذلك جمعت بينهما وحكيت الطرق فيهما - والله أعلم. فرع قال صاحب "البيان": "إذا تلف بعض الثمرة بعد التخلية، فعلى القديم ينفسخ في التالف، وفي الباقي طريقان من تفريق الصفقة، فإن قلنا: لا ينفسخ، فينبغي أن يثبت للمشتري الخيار، فإن لم يفسخ استرجع من الثمن بقدر الهالك" (٥). فرع هذا كله إذا بيعت الثمار منفردة، فلو بيعت مع الأشجار إما تبعًا وإما بالشرط بعد التأبير، أو كان مشتري الثمرة مالك الشجرة، ثم اجتيحت الثمار بعد التخلية، فالظاهر أنها من ضمان المشتري قولًا واحدًا، ولا يأتي القديم فيه؛ لأن التخلية هنا تسليم تام، ولا تبقي بعدها علقة بين البائع والمشتري، ولا يجب السقي على البائع، وكذلك قال القاضي حسين، والمتولي، والجرجاني، والرافعي (٦)، وغيرهم فيما إذا باع الثمرة مع الشجرة والمتولي والنووي (٧) فيما إذا باع الثمرة من صاحب الشجرة.

стр. 360

وقال المتولي في القسم الأول: إنه لا خلاف فيه، وقد رأيت في "الأم": "أنه لو أصيبت الثمرة في يد المشتري رقبة الحائط بجائحة تأتي عليه أو على بعضه، فلا يكون للمشتري أن يرجع بالثمرة المصابة، ولا بشيء منها على البائع. قال: فإن قال قائل: ولمَ لا يرجع بها ولها من الثمن حصة؟ قيل: لأنها إنما جازت تبعًا في البيع، ألا ترى أنها لو كانت تُباعُ منفردة لم يحل بيعها حتى تحمر، فلما كانت تبعًا في بيع رقبة الحائط حل بيعها، وكان حكمها حكم رقبة الحائط، ونخله الذي يحل بيع صغيره وكبيره، وكانت مقبوضة لقبض النخل، وكانت المصيبة بها كالمصيبة بالنخل والمشتري لو أصيب بالنخل بعد أن يقبضها كانت المصيبة منه" (١)، وهذا النص يدل على ما قبله من أنه لا يقول بوضع الجوائح في ذلك، لكنه عقب ذلك قال: "فإن ابتاع رجل حائطًا فيه ثمر لم يؤبر كان له مع النخل أو شرطه بعدما أُبِّرَ، فكان له مع النخل، فلم يقبضه حتى أُصِيبَ بعض الثمر، ففيها قولان" (٢)، وذكر الشافعي قول الإجارة بالقسط، وقول الإجارة بجميع الثمن. وقال عقيب قول الإجارة بالقسط: "ولا خيار للمشتري في هذا الوجه. قال: وهكذا الثمرة تبتاع مع رقبة الحائط، وتقبض فتصيبه الجائحة في قول من وضع الجوائح. وفي القول الآخر الذي حكيت قولًا يخالفه سواء لا يختلفان" (٣)، وظاهر هذا الكلام أن قول وضع الجوائح تأتي فيها. وقوله: "بعد القبض"؛ أي: القبض بالتخلية، فظاهر هذا الكلام

стр. 361

مخالف لما ذكره الأصحاب، ثم ظاهره يقتضي أن ذلك على القولين قول وضع الجوائح، والقول الآخر: جميعًا، وهو عجيب، إلا أن يكون الشافعي راعى أن الثمار وإن قُبِضَتْ قبضًا تامًّا فهي ضعيفة، فأشبهت المريض والمرتد، وقد تقدم فيه بحث. وقوله - أيضًا - في الأول: "ولا خيار للمشتري في هذا الوجه" لم أفهم ولا يمكن حمل قوله: القبض على القبض التام بالجذاذ، ولو حمل على ذلك لكان أشكل، فليتأمل هذا الكلام - والله أعلم. فرع لا يختص قول وضع الجوائح بالثمرة، بل يجريان في الزرع إذا بيع بعد الاشتداد فأصابته جائحة قبل الحصاد، ولو اشترى طعامًا مكايلةً، وقبض جزافًا، وهلك في يد المشتري، ففي سقوط الثمن عن البائع وجهان في "التتمة"، أصحهما: لا يسقط؛ لأن التسليم قد تمَّ، وإنما بقي معرفة المقدار. * * *

стр. 362

قال: فإن قلنا بهذا فاختلفا في الهلاك، فقال البائع: الثلث. وقال المشتري: النصف، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل عدم الهلاك. إذا قلنا: "بوضع الجوائح فاختلفا في قدر الهالك، فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الهلاك، ولأن الثمن لازم للمشتري فلا يصدق على البراءة منه بقوله: وعلى المشتري البينة" (١)، وعلى ذلك كله نص الشافعي في "الأم"، وهذا منهم على تفريقه الصفقة. أما إذا قلنا: إن الصفقة لا تفرق في ذلك، فينفسخ في الجميع كما تقدم عن صاحب "البيان" (٢) ولا حاجة إلى هذا الاختلاف، وإن اختلفا في أصل الهلاك فقال البائع: لم تصبك جائحة. قال الشافعي في "الأم": "القول قول البائع مع يمينه، وعلى المشتري البينة" (٣). وقال صاحب "التتمة": "لو اختلفا في وقوع الجائحة، فالغالب أن الجائحة إذا وقفت لا تخفى، فإن لم يعرف وقوعها أصلًا، فالقول قول البائع بلا يمين، وإن عرف وقوعها، فالقول قول المشتري بلا يمين، وإن وقعت الجائحة وأصابت قومًا دون قوم، فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن الأصل لزوم الثمن" (٤).

стр. 363

وهذا التفصيل قد يقال: إنه مخالف لإطلاق الشافعي، وقد يقال: إن ذلك الإطلاق منزل على القسم الثالث الذي ذكره صاحب "التتمة"، ويرشد إليه قول الشافعي: لم تصبك جائحة، فأنما أنكر إصابتها له، أما وقوعها على الإطلاق فهو مما يعم ويعلم (١)، فلا حاجة إلى اليمين، بل من ادعاه مع العلم به سمع، ومن ادعاه في غير هذه الحالة ردت دعواها؛ لمخالفتها الحس. لكن ليس كل الجوائح مما يعم ويعلم وجودها لكل الناس أو معظمهم، فقد يدعي حصول جائحة لا يعلم وقوعها إلا الأفراد، لا سيما إذا قلنا: إن السرقة من الجوائح، ففي هذا القسم يحتاج منكره إلى اليمين. * * *

стр. 364

قال: وإن بلغت الثمار وقت الجِدَادِ فلم ينقل حتى هلكت، كان هلاكها من ضمان المشتري؛ لأنه وجب عليه النقل، فلم يلزم البائع ضمانها [والله أعلم] (١). أي: كان هلاكها من ضمان المشتري قولًا واحدًا، ولا يأتي فيه القديم، وهذه طريقة، وهي الصحيحة، ونسبها الروياني (٢) إلى اختيار أبي حامد والقفال، ونسبها صاحب "البيان" (٣) إلى أبي إسحاق أيضًا، وعليه يدل نص الشافعي. وفيه وجه: بأن إن وضع الجوائح إلى نفس الجداد، حكاه القاضي حسين وغيره، ومقتضى كلام ابن الصباغ أنهما قولان، وكذلك الشيخ أبو محمد في "السلسلة": وبناهما: أنا إذا قلنا بوضع الجوائح، فهل توضع بسرقات الآدميين أولا؟ على قولين: إن قلنا: توضع، فالجائحة توضع إلى الجداد وإلا فإلى إمكان الجداد. قال الإمام: "ولو حان وقت القطاف، ولكن ليس يُعدُّ تأخيره في اليوم واليومين توانيًا ولا تشوفاً إلى مزيد تنشيف رطوبة لا يستقل بها الجرين" (٤). فظاهر المذهب أن التالف من ضمان المشتري، ولا يخرج القولان، وإنما محل جريانهما فيما قبل أوان القطاف، وفي بعض الطرق رمز إلى

стр. 365

إلحاق هذا الزمن إذا لم يتسبب المشتري إلى التقصير بالزمان المتقدم على القطاف. قلت: فتحصلنا على ثلاثة أوجه في انتهاء الزمان الذي هو محل القولين: أحدهما: بأول إمكان الجداد. والثاني: يتأخر بعد ذلك زمانًا لا يُعَدُّ المشتري فيه متوانيًا طالبًا لزيادة تخفيف. والثالث: بنفس الجداد. والصحيح: الأول، فإن الشافعي قال: "وينبغي لِمَن وضع الجائحة أن يضعها، ما لم يرطب النخل عامة، فإذا رطبت عامة حتى يُمْكِنَهُ جدادها لا يضع. وكذلك كلما أرطبت؛ لأنه قد خُلِّي بينه وبين قبضها ووجد السبيل بتركه، فتكون الثمرة مضمونة من البائع حتى يجتمع فيها أن يسلمها إلى المشتري، ويكون قادرًا على قبضها بالِغَة، لا يستقيم فيه عندي قول غير هذا" (١). قال الإمام: "وعلى نحو هذا تردَّدوا في أمد السقي الواجب على البائع" (٢). فرع إذا اشترى الثمرة بعد الإرطاب خرج على هذا الخلاف، فعلى الأصح يكون من ضمان المشتري قولًا واحدًا، و به جزم الجرجاني.

стр. 366

قال ﵀: باب السلم قال الأزهري: "السَّلَمُ والسَّلَفُ واحد، يقال: سلم، وأسلم، وأسلف، بمعنى واحد، وهذا قول جميع أهل اللغة، إلَّا أن السلف يكون قرضًا أيضًا. وفي حديث النبي ﷺ : "أنه تسلف بكرًا"؛ أي اقترضه ليرد مثله، وكذلك استسلفه" (١). هذا كلام الأزهري، وهو يقتضي أن القرض يصدق عليه اسم السلف دون اسم السلم، فيكون اسم السلم مختصًّا بالبيع المخصوص الذي عقد له هذا الباب، واسم السلف مشتركًا بينه وبين القرض، وبذلك صرح الشيخ أبو حامد؛ ولهذا قال الرافعي: "إن كلًّا من السلم والقرض يُسَمَّى سلفًا" (٢)، ولم يرد الرافعي ما تأوله ابن الرفعة عليه، ونقله عنه من "أن اسم السلم يشمل القرض، لكن حد السلم الشرعي يخرجه" (٣). وقال ابن فارس: "السلم: السلف" (٤). وقال: "السلف في البيع" (٥).

стр. 367

وقال الرافعي: "إن السَّلَمِ والقَرْض كما اشتركا في التسمية بالسلف اشتركا في المعنى؛ لأن كلًّا منهما إثبات مال في الذِّمَّة بمبذول في الحال" (١). وإنما أراد الرافعي بهذا أيضًا اشتراكهما في هذا القدر من المعنى خاصة دون أن تكون حقيقتهما واحدة، ألا ترى أن إسلام الربوي في جنسه لا يجوز، وقرضه جائز، وتأجيل السلم جائز، وتأجيل القرض غير جائز؟ قال الرافعي: "وذكروا في تفسير السَّلَم عبارات متفاوتة: منها: أنه عقد على موصوف في الذِّمَّة ببدل يعطى عاجلًا. ومنها: أنه إسلاف عوض حاضر في عوض موصوف في الذِّمَّة. ومنها: تسلم عَاجِل في عوض لا يجب تعجيله" (٢). قال الماوردي: "والسَّلف لُغَة عِرَاقيَّة، والسَّلَم لُغَة حِجَازِيَّة" (٣). * * *

стр. 368

قال: السلم جائز لقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال ابن عباس: أشهد أن [السلم] (١) المضمون إلى أجل مسمى] (٢) قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. أثر ابن عباس هذا رواه الشافعي (٣) ثم البيهقي من طريقه في "المعرفة" (٤)، ومن غير طريقه في "السنن" (٥)، والسند صحيح إلى ابن عباس. قال الواحدي: "قال المفسرون: كل حق مؤجل، فهو داخل تحت قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٦). وقال ابن عطية: "قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في السلم خاصة. معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم تتناول جميع المداينات إجماعًا" (٧). هذا قول ابن عطية. وقد ظهر بهذا أن الآية مع ما ذكره المفسرون من الإجماع على عمومها نص في السلم المؤجل، وبه يحصل المقصود في جواز السلم في الجملة.

стр. 369

ومقتضى كلام الشافعي في "الأم" (١) أن الآية تحتمل كل دين، وتحتمل السلف خاصة، وغيره بالقياس عليه، يعني: فعلى كل تقدير دلالتها على السلم محققة. ونقل الماوردي اتفاق الصحابة على جوازه، قال: "ولم يخالف بعدهم إلَّا ابن المسيب، حُكيت عنه حكاية شاذة أنه أبطل السلم ومنع منه، وهو إن صحت الحكاية عنه محجوج بإجماع من تقدمه من النصوص الدالة والمعنى الموجب" (٢). ولا أظنها تصح عنه. وقد قال الشافعي في "الأم": "إنه لا اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم حفظ عنه" (٣). وكذلك نقل ابن المنذر الإجماع عليه (٤). وأما نهيه ﷺ لحكيم عن بيع ما ليس عنده، فحمله الشافعي على بيع الأعيان؛ توفيقًا بين الأدلة، وذكر الشافعي جمله من الآثار، ثم قال: "وما كتبت من الآثار بعدما كتبت والقرآن والسنة والإجماع ليس؛ لأن شيئًا من هذا يزيد سنة رسول الله ﷺ قوة، ولا لو خالفها ولم يحفظ معها يُوهِنُهَا، بل هي التي قطع الله بها العذر، ولكنا رجونا الثواب في إرشاد مَن سمع ما كتبنا؛ إذ كان فيما كتبنا بعض ما يشرح قلوبهم لقبوله، ولو تنحت عنهم الغفلة لكانوا مثلنا في الاستغناء بكتاب الله ، ثم سنة نبيه ﷺ ، وما احتاجوا إذ أمر الله بالرهن في الدَّين إلى أن يقول قائل: هو جائز في السلف" (٥).

стр. 370

ذكر الشافعي هذا في تقرير أن الرهن جائز في السلم، فإن بعض السلف خالف فيه، وسنذكره في الرهن، وقد استغنى المصنف بالاستدلال بالآية عن غيرها، وسيأتي في كلامه حديث ابن عباس، وهو نص في جواز السلم، وقد أكثر ﵁ في أبواب السلم في "الأم" عمل فيها نحو: سبعين ورقة في مكان واحد. فرع هل السلم عقد غرر أو لا؟! فيه وجهان في "الحاوي" (١)، قال الروياني: أظهرهما الأول" (٢). * * *

стр. 371

قال: فصل [شروط المسلم] ولا يصح السلم إلَّا من مطلق التصرف في المال؛ لأنه عقد على المال، فلا يصح إلا من جائز التصرف، كالبيع. هذا حكم لا خلاف فيه، وقياس صحيح. * * *

стр. 372

قال: قال الشافعي ﵀: ويصح السلم من الأعمى. قال المزني ﵀: اعلم من لطفه (١) أنه أراد الأعمى الذي عرف الصفات قبل أن يعمى. قال أبو العباس ﵀: هذا قاله المزني: حسن، فأما الأكمه الذي لا يعرف الصفات، فلا يصح سلمه؛ لأنه يعقد على مجهول، وبيع المجهول لا يصح. وقال أبو إسحاق: يصح السلم من الأعمى، وإن كان أكمه؛ لأنه يعرف الصفات بالسماع. قال المزني في باب بيع حبل الحبلة: وشراء الأعمى "يشبه أن يكون أراد الشافعي بمعرفتي بلَفظَةِ الأعمى الذي عرف الألوان قبل أن يعمى، فأما مَن خلق أعمى، ولا معرفة له بالألوان، فهو في معنى من اشترى ما يعرف طعمه وجهل لونه، وهو يفسده فَتَفَهَّمْهُ ولا تغلط عليه" (٢)، هكذا رأيته في غير نسخة لمعرفتي بلفظه. وما ذكره المصنف من لفظ "اللطف" أحسن، أي: دقة نظره وحسن استنباطه. وقد اختلف الأصحاب فأبو العباس وابن أبي هريرة وابن خيران: صوبوا المزني فيما قال، ومنعوا سلم الأكمه، واختاره البغوي (٣) والمتولي (٤).

стр. 373

وأما أبو إسحاق وجمهور الأصحاب، فردوا ذلك وصححوا سلم الأكمه، وهو الأصح عند العراقيين (١). واستدلوا بصحة سلم البصير فيما لم يشاهده، وأنه لم يقل أحد أنه لا يجوز لأهل بغداد أن يسلموا في الموز، ولا لأهل خراسان أن يسلموا في الرطب؛ لأنهم لم يشاهدوه. وصورة المسألة: أن يكون رأس المال موصوفًا في الذمة، ثم يعين في المجلس ويقبض، وهل يصح إقباضه لرأس المال إذا كان مسلمًا، وقبضه له إذا كان مسلمًا إليه، وكذلك قبضه للمسلم فيه عند حلوله وإقباضه، أو يوكل عنه في ذلك؟ فيه وجهان؛ أصحهما: الثاني، وهو الذي نص عليه في "المختصر" (٢) في قبضة المسلم فيه عند حلوله. أما إذا كان رأس المال معينًا، فلا يصح السلم منه ولا عليه؛ لأنه لا يعرفه، ويصير ذلك كبيع الأعيان. وقد ذكر المصنف حكمه والخلاف فيه على القديم في أول كتاب البيوع. أما الأعمى الذي كان بصيرًا، فلا خلاف في صحة سلمه، وكل ما ذكرناه يجري في خلع الأعمى ونكاحه، هل يثبت المسمى أو لا؟ فرع الكافر يصح إسلامه في العبد المسلم على أصح الطريقين. وقيل: على القولين في البيع، فإذا صححناه فقيل: لا يعترض عليه حتى يقبض.

стр. 374

وقيل: يمنع من استدامة العقد، ويوجد بفسخه. آخر أسلم إلى مكاتب عقب العقد، هل يصح؟ فيه وجهان في "الوسيط" (١) في الكتابة. * * *

стр. 375

قال: [فصل ألفاظ السلم] وينعقد بلفظ السلم، والسلف (١)، وفي لفظ البيع وجهان؛ من أصحابنا مَنْ قال: لا ينعقد بلفظ البيع، وإذا عقد بلفظ [البيع] (٢) كان بيعًا، ولا يشترط فيه قبض العوض في المجلس؛ لأن السلم غير البيع، فلا ينعقد بلفظه. ومنهم من قال: ينعقد؛ لأنه نوع بيع يقتضي القبض في المجلس. انعقاده بلفظ السلم والسلف لا خلاف فيه لما تقدم من كلام الأزهري (٣) وغيره من أهل اللغة الذي أقره الشرع، ولم يخالفه. وأما بلفظ البيع كقوله: اشتريت منك ثوبًا، أو طعامًا صفته كذا بهذه الدراهم، أو يقول المسلم إليه: بعتك ثوبًا أو طعامًا صفته كذا بهذه الدراهم، فلا خلاف في صحة هذا العقد. وهل يكون بيعًا أو سلمًا حتى يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس؟

стр. 376

فيه وجهان - كما ذكر المصنف - أصحهما عند العراقيين والروياني (١) والجرجاني: الثاني، وعليه يدل نص الشافعي في "الأم" (٢) في باب الخيار في السلف، وحكاه الشيخ أبو حامد (٣) وغيره عن نصه في "الإملاء"؛ لأن السلم أخص من البيع، فلم يتعارض فيه اللفظ والمعنى، ولا منافاة بينهما. والأول: قال الرافعي: "إنه الأصح عند صاحب "التهذيب" وغيره" (٤). وصححه في "المحرر" (٥)، والنووي في "الروضة" (٦)، والفارقي في كلامه على "المهذب"، وهو قول أبي إسحاق، وليس لهذا القول حجة إلَّا أحد أمرين: إما أن يرى أن البيع مختص بالأعيان، وحينئذٍ إذا استعمل في الدين تعارض اللفظ والمعنى، ولكن هذا فاسد؛ لأنه لو اختص اسم البيع بالمعين لكان ينبغي أن يبطل إذا أضافه إلى الذمة على قول، ولا قائل به، وعلى هذا لا يكاد يظهر بينه وبين الصرف فرق. وإما أن أن يرى بيع الموصوف في الذمة، ويُسَمَّى سلمًا إِلَّا إذا عبر عنه بلفظ السلم، وهو بعيد؛ لأن الألفاظ لا اعتبار بها، ثم يرد على البغوي أنه وافق على اعتبار المعنى في الإجارة الواردة على الذمة، فاشترط القبض في المجلس، وإن كان بلفظ الإجارة، وقد أجاب بعضهم عنه بكثرة الغرر في الإجارة؛ لأن المنافع جُوِّز العقد عليها للحاجة بخلاف الأعيان، والأكثرون خَرَّجُوا هذا الخلاف على أن النظر إلى اللفظ، أو إلى المعنى، وذلك في

стр. 377

مسائل منها هذه. ومنها: إذا باع معينًا بلفظ السلم لم ينعقد سلمًا قطعًا، وهل ينعقد بيعًا اعتبارًا بالمعنى، أو يبطل اعتبارًا باللفظ؟ فيه وجهان؛ عند جميع الأصحاب الثاني، والتعارض هنا ظاهر. ومنها: إذا باع بلا ثمن، بطل نظرًا إلى اللفظ. وقيل: يصح هبة نظرًا إلى المعنى. ومنها: هبة الدين ممن عليه معناها الإبراء، فهل يفتقر إلى القبول لأجل اللفظ؟! وجهان. ومنها: إجارة العين بلفظ البيع، كقوله: بعتك منفعتها، وفيه وجهان؛ أصحهما: عند العراقيين الصحة، وهو جارٍ على قولهم هنا بانعقاده سلمًا (١). والأصح عند جماعة منهم الرافعي (٢): المنع (٣). وحجتهم: أن البيع مختص بالأعيان، فإذا أرادوا ما سوي المنفعة؛ فللنظر فيه مجال، وإن أرادوا أنه لا يشمل الدين أيضًا ففاسد؛ لما سبق. ومنها: المسألة المتقدمة إذا وردت الإجارة واردة على الذمة، هل يشترط قبض الأجرة في المجلس نظرًا إلى معناها أو لا؟! نظر إلى لفظها وجهان؛ أصحهما عند العراقيين، والشيخ أبي علي، والبغوي (٤)، اعتبار

стр. 378

المعنى (١). وأقول: إن هذه ومسألة الكتاب لا تعارض بين اللفظ والمعنى فيهما، فإن المعنى اقتضى القبض، واللفظ لا يوجبه ولا ينفيه، فالأصح فيهما النظر إلى المعنى خلافًا لمن اعتبر اللفظ فيهما، وهو بعض الأصحاب، أو فرق بينهما، وهو البغوي (٢)، وكذلك اعترض عليه الرافعي، وقال: "إن ما صير إليه من الإجارة لا يلائم ما صار إليه في السلم" (٣). وضابط ترجيح البطلان: "أن يكون آخر اللفظ رافعًا كالبيع بلا ثمن، أو يستعمل اللفظ فيما لا يوجد فيه تمام معناه كالبيع بلفظ السلم والصحة فيما تكون الصيغة منتظمة صحيحة الدلالة على المقصود كالسلم بلفظ البيع" (٤)، هكذا نبه الرافعي عليه في الإجارة وهو حسن. فرع لو قال: اشتريت منك هذا العبد بثوب صفته كذا، نقل الشيخ أبو حامد (٥) عن "الإملاء"، أنه لا يصح أن يتفرقا حتى يقبض العبد؛ لأن هذا سلم بعينه، ومن هذا النص نقلوا عن "الإملاء" أنه ينعقد سلمًا كما تقدم، لكن هو تلك الصور المتقدمة، حيث يرد الشراء على ما في الذمة ظاهرًا. أما في هذه الصورة، إذا ورد الشراء على المعين، وجُعِلَ الموصوف ثمنًا، فينبغي القطع بأنه بيع، لكن القاضي حسين خرجه على أن الثمن ماذا؟

стр. 379

فإن قلنا: إنه ما اتصلت به [باء الثمنية] (١) كان هذا بيعًا، وإن قلنا: الثمن النقد كان هذا سلمًا. وهذا مأخذ آخر للمسألة غير مراعاة اللفظ والمعنى، والماوردي حكى الخلاف فيما إذا قال: "بعتك هذا الدينار بقفيز حنطة في الذمة، هل يكون بيعًا أو سلمًا؛ نظرًا إلى اللفظ أو المعنى؟ " (٢)، وهو مشكل أيضًا؛ لأن المبيع الدينار وهو معين، إلَّا أن يراعى ما قاله القاضي، ويجعل الثمن النقد مطلقًا. ويخرج لك من هذا: أنه ليس لنا بيع لفظًا ومعنى متفق عليه، إلَّا إذا باع معينًا بنقد، وما سوى ذلك أنه يتردد في بيع أو سلم. وفي مسألة الماوردي (٣) يأتي وجه آخر بفساد العقد لتغير النظم إذا قلنا: لا ثمن إلَّا النقد، فإنه جعل الثمن غير نقد، وهو وجه ضعيف. واعلم أن بين طريقة القاضي حسين وطريقة غيره تباينًا، فإن القاضي يقول: إذا ورد العقد بلفظ الشراء، فإن كانت الحنطة في الذمة والدراهم رأس مال. فإن قلنا: الثمن النقد فهو سلم، وإلَّا فهو بيع، وإن كانت الدراهم في الذمة ورأس المال عرض. فإن قلنا: الثمن كان بيعًا وإلَّا كان سلمًا، والبغوي (٤) والرافعي (٥) في طائفة يقولون: هو بيع مطلقًا اعتبارًا بلفظه. والعراقيون يقولون: هو سلم اعتبارًا بمعناه، فالتفصيل الذي ذكره القاضي مخالف للعراقيين عند جميع الأصحاب.

стр. 380

فائدة: احترز المصنف بقوله: "نوع بيع" عن النكاح والخلع، وقوله: "يقتضي القبض في المجلس". قال القلعي (١): الظاهر أنه لم يأتِ به للاحتراز، بل لتقريب السنة بين الأصل والفرع، قال: ويحتمل أن يحترز به عن الإجارة، إذا قال: بعتك منفعتها شهرًا، لم يصح على أحد الوجهين، ولو قال: بعتك هذه الدار شهرًا، لم تنعقد إجارة قولًا (٢) واحدًا، بل يكون بيعًا فاسدًا (٣). تنبيه: محل الوجهين في مسألة الكتاب ما إذا كان الثمن معينًا كما سبق تمثيله، أو في الذمة، ثم عين في المجلس، كقوله: اشتريت منك طعامًا صفته كذا بدرهم في ذمتي ثم يعينه في المجلس، أما لو تفرقا من غير تعيين، فلا يصح بلا خلاف؛ لأنه على الوجه الأول: بيع دين بدين، وعلى الثاني: سلم لم يقبض رأس ماله، هكذا نبه عليه الفارقي، وإسماعيل الحضرمي (٤)، ونقله

стр. 381

عن المحاملي، ورأيته في "التجريد" للمحاملي بزيادة "أنه لا بد من قبضه"، وكأنه أطلق القبض، وأراد به التعيين، أو فرعه على أحد الوجهين أن القبض شرط فيه وإن كان بيعًا. وفي الرافعي أنه: "إن جعلناه سلمًا، وجب تعيين الدراهم وتسليمها في المجلس، وإن جعلناه بيعًا لم يجب" (١)، وهو مشكل. والذي يظهر أن هذا من بيع الدين بالدين الذي انعقد الإجماع على بطلانه في الشافعي في "الأم": "أنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: لا بأس أن يبيع السلعة بالسلعة، إحداهما ناجزة، والأخرى دين، أنا سعيد، عن بن جريج، عن عطاء أنه قال له: أبيع السلعة بالسلعة كلتاهما دين، فكرهه. قال الشافعي: وبهذا نقول: لا يصلح أن يبيع دينًا بدين، وهذا يُرْوَى عن النبي ﷺ من وجه" (٢). وإذا أُرِيْدَ تصحيح كلام الرافعي، فليجعل الضمير في "لم يجب" عائدًا على التسليم وحده لا على التعيين، ومما يتفرع على جعله بيعًا جواز خيار الشرط فيه. وفي الاعتياض عن الثوب طريقان: إحداهما: أنه على القولين في الثمن. والثاني: القطع بالمنع؛ لأنه مقصود الحبس كالمبيع؛ لأن من تمامه

стр. 382

انقضاء الخيار، وعلى جعله سلمًا لا يثبت شيء من هذه الأحكام، ويمتنع الاعتياض عن المسلم فيه. فرع شروط السلم التي إذا وجد معها صح قطعًا، عشرة: تعيين رأس المال، ووصفه، وقبضه، ووصف المسلم فيه، وعلم أجله، وقدره، وموضعه، وأمن وجوده في محله، وأن يعقد بلفظ السلم بلا شرط خيار. * * *

стр. 383

قال: فصل [خيار المجلس والشرط] ويثبت فيه خيار المجلس؛ لقوله ﵇: "الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا". هذا لا خلاف فيه، والاستدلال له بالحديث يدل على شمول البيع عند الإطلاق للسلم، كما قدمناه، وأنه لا يختص ببيع الأعيان ولا بلفظ مخصوص، فإن كان أحد من الأصحاب تنازع في ذلك، فطريقه أن يجعل ثبوت الخيار هنا مستندًا إلى القياس لا إلى النص وحده. * * *

стр. 384

قال: فصل ولا يثبت فيه خيار الشرط؛ لأنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمامه؛ ولهذا لا يجوز أن يتفرقا قبل قبض العِوَض، فلو أثبتنا فيه خيار الشرط، أدى إلى أن يتفرقا قبل تمامه. هذا الحكم لا خلاف فيه، وقاسوه على الصرف، والمصنف صرح بالمعنى الذي لأجله امتنع هنا وفي الصرف؛ لأنه متى يثبت خيار الشرط أمكن أن يتفرقا قبل انقضاءٍ، وذلك تفرق قبل تمامه على هذا التقدير قطعًا، والتفرق قبل تمامه محذور بدليل امتناع التفرق قبل قبض العوض؛ ولأنه لو شرط الخيار وفسخ بعد القبض والتفرق، صار القبض كلا قبض، فكأنهما تفرقا من غير قبض. ولو شرط أن المسلم إليه عند انقضاء الأجل بالخيار عند المسلم ورد رأس مال السلم، لم يجز نص عليه. وكذلك إذا قال: إن حبستني عن رأس مالي، فلي زيادة كذا. * * *

стр. 385

قال: فصل [السلم المؤجل والحال، والمعلوم والمعدوم] ويجوز مؤجلًا للآية (١). الآية الكريمة دالة على ذلك بالطريق السابق، وحديث ابن عباس الذي سيأتي صريح في ذلك، وإجماع القائلين به. * * *

стр. 386

قال: ويجوز حالًا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا فِلأَنْ يجوز حالًا، وهو من الغرر (١) أبعد، أولى. لا خلاف عندنا في ذلك (٢)، وممن قال به: عطاء في آخر أمره، والأوزاعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة (٣) وغيره من فقهاء العراق: والظاهر به لا يجوز حالًا؛ لحديث ابن عباس الآتي؛ إذ فيه: "مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ" (٤). وقياسًا على الإجارة؛ لأن كلًّا منهما لا يشترط فيه ملك المعقود عليه في الحال، وتمسكًا بدلالة اسم السلم على التأجيل، وحكى ذلك عن [الأوزاعي] (٥) وأحمد (٦)، والمشهور عن مالك كمذهبنا (٧). وقال عبد الوهاب: إن الصحيح من مذهبه اشتراط الأجل (٨). والجواب عن الحديث: أن المراد كون الأجل معلومًا إذا كان إلى أجل،

стр. 387

وأما اشتراط الأجل فلا، كما لا يشترط أن يكون مكيلًا أو موزونًا. وقد وافق أبو حنيفة (١) على جواز السلم في المزروع، وزاد فقال في المعدود بالعدد، فإن قالوا الحديث في الثمار، وهي إما مكيلة أو موزونة. قلنا: فإذا اختص (٢) بسببه، فهي بسلم فيها، وهي معدومة، وحينئذٍ الأجل شرط فيها عندنا وعندكم، ولعل الحديث ورد وهي معدومة، وعن الإجارة أن ذلك ليس بتأجيل، بل لتقدير المعقود عليه؛ ولذلك إذا أمكن التقدير بالعمل لا يشترط، وعن التمسك بالاسم، فإن اسم السلم وضع لتعجيل عاجل، وأما كون مقابله مؤجلًا، فلا دلالة له عليه، ولئن سلمناه، فكونه دينًا كافٍ في ذلك. واستدل الأصحاب أيضًا: بأنه عقد معاوضة لا يشترط فيه التنجيم، فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع، والمسلم فيه لا يجب تعيينه، فهو كالثمن يجوز حالًّا ومؤجلًا، ورأس المال يجب تعيينه، فأشبه المبيع لا يدخل فيه الأجل. والدليل المذكور في الكتاب [هو] (٣) دليل الشافعي. وقد استدل الشافعي والبيهقي بأشياء لم يظهر لي الاستدلال بها إلَّا إن ثبت أن حكم المسلم فيه حكم الأثمان الثابتة في الذمة. منها: أن رسول الله ابتاع من أعرابي جزورًا بتمر، وكان يرى أن التمر عنده، فإذا بعضه عنده وبعضه ليس عنده فَأَبَى، فاستسلف له النبي ﷺ تمره فدفعه إليه. واستدلال المصنف يسبقه به الشافعي، واعترضوا بالكتابة، فإنها جوزت

стр. 388

مؤجلة مع الغرر، ولم يجر حاله. وأجاب الأصحاب: أن الأجل فيها نفي للغرر، والحلول إثبات له؛ لعدم قدرة العبد، ولم [ير نص الإمام ذلك] (١)، وأجاب بأن السلم موضوع لمصالح المعاملات وليس نائبًا عنها؛ أي: الكتابة، فلما تعذر الكتابة، وكان ذلك لأجل الرفق، فإذا زال الرفق فارقت موردها الشرعي. فرع إذا ثبت جوازه حالًّا ومؤجلًا، فما الأصل فيه منهما فيه ثلاثة أوجه في "الحاوي": "أحدها: التأجيل، والحلول رخصة. والثاني: عكسه. والثالث: هما سواء؛ لقيام الدليل عليهما" (٢). فلو شرط في حلول أو تأجيل اتبع، وإن أطلق فقيل: يبطل، والأصح الصحة، ويحمل على الحلول، وسيأتي ذلك في كلام المصنف. * * *

стр. 389

قال: ويجوز في [المعدوم] (١) إذا كان موجودًا عند المحل؛ لما روى ابن عباس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يُسلفونَ في الثمار السنتين والثلاث، فقال: "أَسْلِفُوا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ"، فلو لم يجز السلف في المعدوم لنهاهم عن السلف في الثمار السنتين والثلاث. هذا الحديث متفق عليه، رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) واتفق أصحابنا على حكم المسألة (٤) خلافًا لأبي حنيفة (٥)، ومالك في رواية (٦). أما أبو حنيفة: فاشترط وجوده من العقد إلى المحل، ووافقه النووي (٧) والأوزاعي، والحديث حجة عليهم؛ لأن الثمار معلوم أنها لا تبقى السنتين والثلاث، فلو اشترط ذلك لم يصح السلم في الرطب إلى هذه المدة، ولنهاهم النبي ﷺ عنه، وهذا دليل الشافعي في "الأم" (٨). وأما مالك، فالذي رأيته في كتب بعض أصحابه كمذهبنا، ولكن

стр. 390

أصحابنا نقلوا عنه رواية أنه اشترط وجوده عند العقد، وعند المحل دون ما بينهما، وهذا وإن لم يكن الحديث صريحًا في رده، لكنه لا معنى له. قال الأصحاب: ما قبل المحل ليس محلًّا للتسليم، فلم يكن وجوده فيه شرطًا كما بعد المحل. واحتجت الحنفية بحديث من رواية أبي إسحاق عن رجل من نجران عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: لا تُسْلِمُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ". يعني: في ثمر النخل. رواه أبو داود (١) والبيهقي (٢). ونهيه ﷺ حكيمًا عن بيع ما ليس عنده، وبأنه قد يموت المسلم إليه قبل المحل، فيستحق عليه، فينبغي أن يكون شرطًا كما عند المحل. واحتجت المالكية بقياس الابتداء على الانتهاء، فلما كانت القدرة عند المحل شرطًا كانت عند العقد شرطًا بطريق الأوْلَى، ألا ترى أن العبد الآبق تعتبر القدرة عليه عند العقد، ولا تعتبر ما بعد ذلك. والجواب عن الحديث أنه من رواية رجل من أهل نجران وهو مجهول، ثم لو صح لحُمِلَ على بيع الأعيان، كما حمل حديث حكيم على بيع الأعيان، واحتمال موت المسلم إليه لا نظر إليه؛ لأن الأصل السلامة، وإلا لأبطلنا كل عقد لاحتمال التلف. وأما ما ذكرته المالكية، فذلك في بيوع الأعيان، أما السلم، فحال المحل أقوى من حال العقد؛ لأنه لو كان موجودًا عند العقد معدومًا عند المحل كان باطلًا.
следующие страницы →