← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قال: ويجوز حالًا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا فِلأَنْ يجوز حالًا، وهو من الغرر (١) أبعد، أولى. لا خلاف عندنا في ذلك (٢)، وممن قال به: عطاء في آخر أمره، والأوزاعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة (٣) وغيره من فقهاء العراق: والظاهر به لا يجوز حالًا؛ لحديث ابن عباس الآتي؛ إذ فيه: "مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ" (٤). وقياسًا على الإجارة؛ لأن كلًّا منهما لا يشترط فيه ملك المعقود عليه في الحال، وتمسكًا بدلالة اسم السلم على التأجيل، وحكى ذلك عن [الأوزاعي] (٥) وأحمد (٦)، والمشهور عن مالك كمذهبنا (٧). وقال عبد الوهاب: إن الصحيح من مذهبه اشتراط الأجل (٨). والجواب عن الحديث: أن المراد كون الأجل معلومًا إذا كان إلى أجل،

стр. 387

وأما اشتراط الأجل فلا، كما لا يشترط أن يكون مكيلًا أو موزونًا. وقد وافق أبو حنيفة (١) على جواز السلم في المزروع، وزاد فقال في المعدود بالعدد، فإن قالوا الحديث في الثمار، وهي إما مكيلة أو موزونة. قلنا: فإذا اختص (٢) بسببه، فهي بسلم فيها، وهي معدومة، وحينئذٍ الأجل شرط فيها عندنا وعندكم، ولعل الحديث ورد وهي معدومة، وعن الإجارة أن ذلك ليس بتأجيل، بل لتقدير المعقود عليه؛ ولذلك إذا أمكن التقدير بالعمل لا يشترط، وعن التمسك بالاسم، فإن اسم السلم وضع لتعجيل عاجل، وأما كون مقابله مؤجلًا، فلا دلالة له عليه، ولئن سلمناه، فكونه دينًا كافٍ في ذلك. واستدل الأصحاب أيضًا: بأنه عقد معاوضة لا يشترط فيه التنجيم، فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع، والمسلم فيه لا يجب تعيينه، فهو كالثمن يجوز حالًّا ومؤجلًا، ورأس المال يجب تعيينه، فأشبه المبيع لا يدخل فيه الأجل. والدليل المذكور في الكتاب [هو] (٣) دليل الشافعي. وقد استدل الشافعي والبيهقي بأشياء لم يظهر لي الاستدلال بها إلَّا إن ثبت أن حكم المسلم فيه حكم الأثمان الثابتة في الذمة. منها: أن رسول الله ابتاع من أعرابي جزورًا بتمر، وكان يرى أن التمر عنده، فإذا بعضه عنده وبعضه ليس عنده فَأَبَى، فاستسلف له النبي ﷺ تمره فدفعه إليه. واستدلال المصنف يسبقه به الشافعي، واعترضوا بالكتابة، فإنها جوزت

стр. 388

مؤجلة مع الغرر، ولم يجر حاله. وأجاب الأصحاب: أن الأجل فيها نفي للغرر، والحلول إثبات له؛ لعدم قدرة العبد، ولم [ير نص الإمام ذلك] (١)، وأجاب بأن السلم موضوع لمصالح المعاملات وليس نائبًا عنها؛ أي: الكتابة، فلما تعذر الكتابة، وكان ذلك لأجل الرفق، فإذا زال الرفق فارقت موردها الشرعي. فرع إذا ثبت جوازه حالًّا ومؤجلًا، فما الأصل فيه منهما فيه ثلاثة أوجه في "الحاوي": "أحدها: التأجيل، والحلول رخصة. والثاني: عكسه. والثالث: هما سواء؛ لقيام الدليل عليهما" (٢). فلو شرط في حلول أو تأجيل اتبع، وإن أطلق فقيل: يبطل، والأصح الصحة، ويحمل على الحلول، وسيأتي ذلك في كلام المصنف. * * *

стр. 389

قال: ويجوز في [المعدوم] (١) إذا كان موجودًا عند المحل؛ لما روى ابن عباس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يُسلفونَ في الثمار السنتين والثلاث، فقال: "أَسْلِفُوا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ"، فلو لم يجز السلف في المعدوم لنهاهم عن السلف في الثمار السنتين والثلاث. هذا الحديث متفق عليه، رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) واتفق أصحابنا على حكم المسألة (٤) خلافًا لأبي حنيفة (٥)، ومالك في رواية (٦). أما أبو حنيفة: فاشترط وجوده من العقد إلى المحل، ووافقه النووي (٧) والأوزاعي، والحديث حجة عليهم؛ لأن الثمار معلوم أنها لا تبقى السنتين والثلاث، فلو اشترط ذلك لم يصح السلم في الرطب إلى هذه المدة، ولنهاهم النبي ﷺ عنه، وهذا دليل الشافعي في "الأم" (٨). وأما مالك، فالذي رأيته في كتب بعض أصحابه كمذهبنا، ولكن

стр. 390

أصحابنا نقلوا عنه رواية أنه اشترط وجوده عند العقد، وعند المحل دون ما بينهما، وهذا وإن لم يكن الحديث صريحًا في رده، لكنه لا معنى له. قال الأصحاب: ما قبل المحل ليس محلًّا للتسليم، فلم يكن وجوده فيه شرطًا كما بعد المحل. واحتجت الحنفية بحديث من رواية أبي إسحاق عن رجل من نجران عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: لا تُسْلِمُوا فِي النَّخْلِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ". يعني: في ثمر النخل. رواه أبو داود (١) والبيهقي (٢). ونهيه ﷺ حكيمًا عن بيع ما ليس عنده، وبأنه قد يموت المسلم إليه قبل المحل، فيستحق عليه، فينبغي أن يكون شرطًا كما عند المحل. واحتجت المالكية بقياس الابتداء على الانتهاء، فلما كانت القدرة عند المحل شرطًا كانت عند العقد شرطًا بطريق الأوْلَى، ألا ترى أن العبد الآبق تعتبر القدرة عليه عند العقد، ولا تعتبر ما بعد ذلك. والجواب عن الحديث أنه من رواية رجل من أهل نجران وهو مجهول، ثم لو صح لحُمِلَ على بيع الأعيان، كما حمل حديث حكيم على بيع الأعيان، واحتمال موت المسلم إليه لا نظر إليه؛ لأن الأصل السلامة، وإلا لأبطلنا كل عقد لاحتمال التلف. وأما ما ذكرته المالكية، فذلك في بيوع الأعيان، أما السلم، فحال المحل أقوى من حال العقد؛ لأنه لو كان موجودًا عند العقد معدومًا عند المحل كان باطلًا.

стр. 391

تنبيه: القدرة عند المحل شرط بلا خلاف عندنا وعندهم، وهي ها هنا بمثابة القدرة على التسليم في بيع الأعيان حالة العقد، فلا يجوز السلم الحال إلا في موجود عند العقد بلا خلاف. تنبيه آخر: المراد بالمعدوم: ألَّا يكون عند المسلم إليه ولا عند غيره، أما المعدوم عند المسلم إليه، وهو موجود عند غيره، فلا خلاف في جوازه، ففي البخاري عن ابن أبي أوفى قال: "إِنْ كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِلَى قَوْمٍ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ" (١). وسأل محمد بن أبي المجالد عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى عن السلف، فقالا: "كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنَ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، قَالَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ" (٢). فرع "أسلم إلى محرم في صيد إلى أجل يعلم خروجه من الإحرام عنده" (٣)، قال في "البحر": "الأظهر جواز السلم" (٤)، وفي النسخة سقم.

стр. 392

والذي فهمت منه أنه على القول يحل الصيد بالتحلل الأول، وأن فوات وقت رمي الجمرة يفيد التحلل، وأن الحلق ليس بنسك، ويكون السلم بعد الوقوف؛ ليعلم يقينًا أنه لو بقي على شرط التكليف أبيح له الصيد. ومقتضى ذلك: أنه لا يصح (١) من المحرم إلَّا بهذه الشروط. * * *

стр. 393

قال: ويجوز السلم في الموجود؛ لأنه إذا جاز [السلم] (١) في المعدوم، فلأن يجوز في الموجود أولى؛ لأنه أبعد من الغرر. هذا لا خلاف فيه، فهو غني عن القياس على ما هو مختلف فيه، لكن المصنف لما أثبت ذلك بالنص أحبَّ أن يقيس هذا عليه، ووجه القياس والأولوية ظاهر. * * *

стр. 394

قال: فصل [أنواع المسلم فيه] ويجوز السلم في كل [ما] (١) يجوز بيعه، وتضبط صفاته، كالأثمان، والحبوب، والثمار، والثياب، والعبيد، والجواري، والأصواف، والأشعار، والأخشاب، والأحجار، والطين، والفخار، والحديد، والرصاص، والبلور، والزجاج، وغير ذلك من الأموال التي تباع وتضبط بالصفات. والدليل عليه حديث ابن عباس في الثمار، وروى عبد الله بن أبي أوفى قال: "كنا نسلف ورسول الله ﷺ فينا في الزيت، والحنطة". وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلاص صدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة. وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: - في السلم في الكرابيس - إذا كان ذراعًا معلومًا إلى أجل معلوم، فلا بأس. وعن أبي النضر قال: سُئل عمر ﵁ عن السلم في السرق، فقال: لا بأس - والسرق: الحرير -، فيثبت جواز السلم فيما رويناه بالأخبار، وثبت فيما سواه مما يباع ويضبط بالصفات بالقياس على ما ثبت بالأخبار؛ لأنه في معناه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 395

حديث ابن عباس في الثمار تقدم (١)، وحديث ابن أبي أوفى في البخاري (٢)، وقد ذكرناه قريبًا، وفيه - أيضًا - الشعير والتمر، ولم يذكرهما المصنف، وفي رواية سفيان الثوري: الزيت كما ذكر المصنف، وفي رواية سليمان الشيباني: الزبيب بدل الزيت، وفي رواية شعبة: الزبيب أو التمر على الشك. وقول الصحابي: كنا نفعل على عهد رسول الله ﷺ كذا حجة عند المحدثين والأصوليين. وفي البخاري - أيضًا - أن الذي سأل ابن أبي أوفى عن ذلك سأل عبد الرحمن بن أبزى، فقال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذه أصرح من قول ابن أبي أوفى: كنا، وبيان لمعناها، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أبو داود (٣) بسند فيه محمد بن إسحاق، واختلف عليه في إسناده ولفظه كما ذكر المصنف. ورُوي من طريق أخرى صحيحة إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله ابن عمرو تقريب من معناه، ورواه الحاكم (٤) من طريق أخرى، وقال: إنه على شرط مسلم، وعلى كل حال، فليس فيه دليل على السلم في الحيوان، بل على أنه يثبت في الذمة ثمنًا، وقد تقدم أن الشافعي وغيره استدلوا بمثل ذلك على السلم؛ لاشتراكهما في الدَّينية، وفيه نظر. نعم لفظ الحديث. وقوله: "أخذ على إبل الصدقة"، يحتمل أن يكون إبلًا في ذمته بإبل يأخذها عاجلًا، وهذا معنى السلم، فيصح الاستدلال، ويحتمل أن يأخذ

стр. 396

الإبل المعجلة بالإبل التي في ذمته على وجه الشراء، وهو الذي رواه الدارقطني في "سننه" (١)، فينبني على أن الثمن ماذا؟ فإن قلنا: النقد، فها هنا لا ثمن، فيكون سلمًا - أيضًا - كما يقتضيه كلام الإمام (٢)، فيما إذا أسلم، وإن كان فيه نظر؛ لأنه يلزم أن كل بيع بعوض في الذمة غير النقود يشترط قبض المبيع فيه في المجلس، فإن ثبت؛ ذلك صح الاستدلال أيضًا. وإن (٣) قلنا: الثمن ما دخلت عليه الباء، فلا يلزم من جعلها ثمنًا جواز السلم فيها، إلا أن يثبت أن كل ما صح ثبوته في الذمة بالمعاوضة صح السلم فيه، لكن المقصود بيان أن الحيوان يجوز أن يكون دينًا في الجملة. وقد اتفق الشافعي والأصحاب على جواز السلم في الحيوان (٤)، واستدلوا من هذا الجنس بإبل الدية، وبأن النبي ﷺ "اسْتَسْلَفَ بَكْرًا" (٥)، وهو حديث صحيح، "وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: عُصَيْفِيرِ بِعِشْرِينَ بَعِيرًا إِلَى أَجَلٍ" (٦)، "وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ، يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ" (٧)، وعن ابن شهاب: "لَا بَأْسَ بِالْحَيَوَانِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ". وكان ابن عمر، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وعطاء، ومجاهد، والزهري، ومالك (٨)،

стр. 397

والأوزاعي، وأحمد (١)، وإسحاق (٢): لا يرون بأسًا بالسلف في الحيوان. ورُوي عن ابن مسعود: كراهيته بسند فيه مقال (٣). واحتجت الحنفية (٤) بذلك، فمنعوا السلم في الحيوان. قال الشافعي: "قلت لمحمد بن الحسن أنت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب عن أبي البختري أن بني عمٍّ لعثمان بن عفان أتوا واديًا، فصنعوا شيئًا في إبل وجل قطعوا به لبن إبله وقتلوا فصالها، فأتى عثمان بن عفان وعنده ابن مسعود فرضي بحكم ابن مسعود، فحكم أن يعطي بواديه إبلًا مثل إبله، وفصالًا مثل فصاله، فأنفذ ذلك عثمان" (٥)، ومراد الشافعي من ذلك ثبوته دينًا كما سبق. وقد رُوي عن عمر منقطعًا، وحذيفة، وسريج، والضحاك في آخر قوليه، وسعيد بن جبير: كراهة السلم في الحيوان (٦)، وممن قال به: النووي (٧) وأصحاب الرأي (٨)، وعندهم أن الحيوان لا يضبط بالصفة مع أنهم قد أثبتوه في الذمة في الصداق والخلع وغيرهما.

стр. 398

ومن جملة ما استدل به أصحابنا على وصفه؛ قوله ﷺ : "لَا تُبَاشِرُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا (١) لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا" (٢). وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ "نَهَى عَنِ السَّلَفِ فِي الْحَيَوَانِ"، قال الحاكم في "المستدرك" (٣) " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت: وفي حكمه بصحته نظر، فإن ابن السمعاني قال: إنه لم يثبت ذكر ذلك في "الاصطلام" (٤)، وأيضًا - فإني نظرته في حديث يحيى بن أبي كثير مع أحاديث في النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والناس تكلموا على بيع الحيوان نسيئة، وقالوا: الصحيح أنه مرسل. والقلاص جمع قلوص، وهي الناقة يقال: هي الباقية من النوق على السير، ويقال: بل هي الطويلة القوائم (٥)، وأما أخذه إلى إبل الصدقة، فلعل المقصود أنه إذا جاءت إبل الصدقة كثرت الإبل، وأمكنه تحصيل ما التزمه، وإلا فكيف يجوز أن نعطي من إبل الصدقة، وهي لأصناف مخصوصين، فيحمل على ما ذكرناه، وعلى أنه كان أجلًا معلومًا، فقد جاء في رواية أخرى: "إلَى خُرُوجِ الْمُصَدِّقِ" (٦)، ويقال: إن خروج المصدق كان في أول المحرم. وأَثَرُ ابن عباس في الكاربيس رواه البيهقي من طريق سعيد بن منصور بسند صحيح إلى القسم بن محمد عنه، والكرابيس جمع كرباس، قال

стр. 399

صاحب «التنقيب» وهو النصافي، وكذلك قال ابن البزري وابن باطيش وغيرهم. وذكر الشافعي: «أنه لا يعرف خلافًا في أنه يحل أن يسلم في الثياب بصفة» (١)، وذكر في ذلك الحديث المعروف أن النبي ﷺ جعل علَى أهل نجران ثيابًا، وهو كما تقدم مراده أنها صارت دَينًا، ونقل ابن المنذر (٢) الإجماع على السلم في الثياب، وأثر عمر ﵁ لم أجده. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٣) أنه رخص في السلم في الحرير ابن تيم، وسالم، والقاسم، وطاوس، ومجاهد، ومحمد بن عطاء، ووكيع، ولرشقق هو ابن معقل ومسروق (٤) والشعبي. والسرق -بالسين والراء المفتوحتين-: الحرير الأبيض، أصله بالفارسية سره، أي: جيد، فعربوه، واحده سرقة، ومنهم مَن يطلق أن السرق الحرير، كما أطلق المصنف. قال ابن فارس: «السرقة الحريرة، والجمع سرقة» (٥). وأبو النضر -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة -اسمه: سالم بين أبي أمية مولى عمر بن عبد الله التيمي، تابعي، ليس له ذكر في الكتاب إلَّا في هذه الموضع، وثبوت جواز السلم فيما رواه بالأخبار المرفوعة ظاهر. وأما الآثار التي من أقوال الصحابة، فعند لا من يحتج بقول الصحابي محمول على أنها اعتضدت لما يوجب الاحتجاج بها، وثبوته فيما سواه على الوجه الذي ذكره صحيح، واشتراط كونه مما يباع؛ لأن السلم بيع واشتراط

стр. 400

كونه مما يضبط بالصفة؛ لأن بها يتميز ويصح إيراد العقد عليه. وخرج بقول المصنف: «يجوز بيعه» النجس، وما لا ينتفع به، وجميع ما ذكره المصنف وهو ستة عشر لا خلاف عندنا في جواز السلم فيها. إلا الأثمان، فالأصح الذي قطع به الأكثرون الجواز، وعليه نص الشافعي (١). وفي طريقة الخراسانيين وجه غريب حكاه الإمام (٢) والغزالي (٣) أنه لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة (٤)؛ لأنها ثمن فلا تكون مثمنًا، فعلى الصحيح المنصوص يشترط أن يكون رأس المال عرضًا، فلو كان نقدًا كإسلام أحد النقدين في الآخر، فإن كان مؤجلًا لم يجز قطعًا، وإن كان حالًا، فكذلك خلافًا للقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي حامد في أحد احتماليه. وإذا أسلم في النقود، فهل يلغى الإطلاق وينزل على الغالب؟ كما في سائر العقود حيث يكون ثمنًا أو لا بد من وصفها؟ فيه وجهان، اقتضى كلام الإمام (٥) في كتاب القاضي إلى القاضي أن الراجح: أنه لا بد من الوصف، وأن في كلام الأصحاب الاكتفاء بالإطلاق في رأس المال، ولأجل ذلك أثبت فيها وهي سلم فيها وجهان، وسيأتي أن المفهوم من كلام الأصحاب الاكتفاء بإطلاقها، إذا كانت رأس مال؛ كما قال، فينبغي أن يكون الراجح عندهم على مقتضى ذلك إطلاقها، وهي سلم فيها؛ إذ لا فرق.

стр. 401

قال الماوردي: «إنه يذكر في الذهب والفضة النوع واللون والخشونة أو اللين والجيد والرديء، وأنه في الدراهم ينسب الضرب إلى تميُّز به، وليس يحتاج إلى غير ذلك الأوصاف». واعلم أن الأصحاب أطلقوا أن النقد متى كان في صفقة، فهو الثمن على الأصح، وأطلقوا أن الاستبدال عن الثمن جائز على الصحيح، ومن المعلوم أن الاستبدال عن المسلم فيه لا يجوز، والجمع بين ذلك يتقيد إطلاقهم أن النقد ثمن، فإنه إذا جعل مسلمًا فيه انتقل من كونه ثمنًا إلى كونه مثمنًا؛ ولهذا لما استدلت الحنفية على امتناع السلم فيها بأنها أثمان، فلا يجوز أن تصير مثمنة. قال المصنف في «النكت» في الجواب: إنه يجوز ذلك، كما يجوز أن يصير العروض أثمانًا. فهذا الكلام من المصنف يقتضي أنَّا في هذه الصورة لا نسميها ثمنًا، ومن هذا يُعْلَمُ أنه إذا عقد هذا العقد بلفظ الشراء، فإن نظرنا إلى اللفظ؛ كما صححه البغوي (١)، والرافعي (٢) جعلناها ثمنًا، وكان الاستبدال عنها كالاستبدال عن الثمن، وإن نظرنا إلى المعنى كما هو الأصح عند العراقيين كانت مثمنًا، فلا يجوز الاستبدال عنها، والقاضي حسين أطلق القول: «بأنا إذا جعلنا الثمن النقد كان الاستبدال عنها كالاستبدال عن الثمن»، وذلك على ما تقدم من أصله أنه ينبني كون العقد سلمًا أو بيعًا على أن الثمن ماذا؟ والأكثرون لم يبنوه على ذلك. وتابع الإمام القاضي على ذلك، وقال: «إن لم يجعلها ثمنًا، لم يجز

стр. 402

الاعتياض عنها، وفي وجوب تسليم رأس المال الخلاف في كونه سَلَمًا أو بيعًا» (١)، ومما تقدم يُعْرَفُ ضعف الطريقة التي سلكاها، وهذا كله إذا كان بلفظ الشراء. أما إذا عقد على الدراهم في الذمة بلفظ السلم، فهو سلم، ويمتنع الاستدلال عنه، ولا نسميه ثمنًا كما تقدم. وعلى الوجه المتقدم عن طريقة المراوزة، يفسد. وهذه أنواع من غير ما ذكره المصنف مما يجوز السلم فيه، وإن كان لا حصر له الفلوس خلافًا لبعض العلماء حيث كره السلم فيها، وإذا أبطل السلطان المعاملة بها، فهي من العروض بلا خلاف، وإن راجت في المعاملة، فكذلك على الصحيح. ونقل ابن المنذر: «عن أبي ثور وأصحاب الرأي أنه يسلم فيها عددًا، إذا لم يكن تباينها شديدًا» (٢) وأما عندنا فالشافعي والأصحاب خرجوا بجواز السلم فيها من غير تقييد، والأقرب أنه يشترط فيها الوزن. لكن القاضي حسين، والإمام في «النهاية» قال: «إذا قال: اشتريت منك مائة فلس بهذا الثوب، فإن قلنا: هي عروض فلا ثمن» (٣). فأخذنا من هذا الكلام أنه يجوز ثبوتها في الذمة بالعدد. وصرح القاضي بجواز الإطلاق، ولا شك أن ذلك فيما إذا لم يختلف، ثم في طرده في السَّلَمِ فيها نظر.

стр. 403

واللحم (١) وفاقًا لعطاء، والزهري، ومالك (٢)، والأوزاعي، وأحمد (٣)، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور، خلافًا لأبي حنيفة (٤)، وعن إبراهيم النَّخَعي: كراهيته. والشحم نقل ابن المنذر الإجماع عليه (٥). والألية، والكبد، والطحال، والكلية، والرئة، كلها بالوزن. وصفة اللحم، والسمك، والجراد حيًّا وميتًا، عند عموم وجوده، والمنافع، نقله الشيخ أبو حامد عن «البويطي»؛ فيجوز أن يسلم في تعليم القرآن قاله أبو حامد، والروياني (٦). قال أصحابنا: من منع السلم في تعليم القرآن، قال: «وقال والدي: الأول أجود؛ لأن الشافعي نص على جواز السلم في المنافع ولم يفصل» (٧). قلت: وينبغي أن يستثني منافع العقار؛ فيكون السلم فيها ممتنعًا كالسلم في العقار، وكذا منافع كل عين معينة. ومنها: أنواع العطر كالمسك، وقد ذهب بعض أهل العلم بالمسك إلى أنه سره دابة كالظبي تلقيه في وقت، وأنه لا يحل التطيب به، وكان يحيى بن

стр. 404

يحيى التميمي، لا يرى الصلاة فيه، ويذهب إلى أنه دم وميتة؛ لسقوطه لما من حي حتى لما مات أرسل ابن طاهر مسكًا، فامتنعوا من استعماله فيه؛ لكراهته له في حياته. ورد الشافعي هذا القول بأن المسك تستحيل إلى طيب، فكان طاهرًا؛ كاللبن والبيض والولد، وإنما النجس ما استحال إلى نتن كالبول والرجيع والدم، فإنه ليس من الطيبات، وبالخبر الذي ورد فيه، وبالإجماع قال الشافعي: «لم أرَ الناس عندنا اختلفوا في إباحته قط» (١). والعنبر: وهو نبات يخلقه الله في حشاف في البحر، وقد يجده حوت أو طير فيأكله. وقيل: أنه لا تأكله دابة إلا ماتت، فيموت الحوت الذي يأكله، فينبذه البحر، فيوجد فتشق بطنه ويستخرج منه. قال الشافعي: فيغسل ما ظهر منه إن أصابه شيء من أذاه؛ لأنه متجسد غليظ، ولا أعلم أحدًا خالف في بيعه قال الأصحاب: يصفه، فيقول: عنبر أشهب أو أخضر أو أبيض، وبلده إن كان يختلف بها، وقطعة أو قطعتين أو قطعًا أو فتاتًا، فإن شرط قطعًا فأحضر فتاتًا لم يقبل، ويذكر فيه وفي غيره من أنواع العطر العامة: الوزن، والنوع؛ ويجوز الكافور، واللبان، والمصطكى، وصمغ الشجر كله، والطين الأرمني، والمختوم، وطين البحيرية إن وجد عدلان يعرفانها، فإنه قل مَن يعرفها على الحقيقة، والشب، والكبريت، وعود البخور إذا لم يكن رطبًا، وحجارة الكحل، ولبن الآدميات، والوحوش كالضبع، والثعلب، والفهد، والصقر، والشاهين إذا كانت مأمونة الانقطاع، والطين، والجص، والنَّوْرة، وحجارة الأرجية، والأبنية، والسم الذي يدخل الأدوية كالسقمونيا،

стр. 405

والزنجبيل، وغيره مما لا يقتل قليله؛ فأما ما يقتل قليله، فالصحيح منع بيعه، وفيه وجه: أنه يجوز بيعه لقتل الكفار به. ويجوز في الذوقي السلم في الطلع وجهان في «البحر» أصحهما: الجواز (١). قال الروياني: «ويجوز في الدروع والحلي مجوفًا ومصمتًا ما لم يُحْشَ برمل، ولا يكون رأس المال ناضًّا» (٢). «ولا يجوز في العود الرطب ولا في التوتيا الهندي؛ لأن وجودهما نادر» (٣). قلت: إن كان وجودهما في محلهما غالبًا، فيجوز السلم في ذلك المحل، ولا يجوز في كل ما له كمام من أرز، وعلس، وحنطة وذرة؛ لاستتاره، نص عليه، ولا في الكَرِش مع ما تعلق به، قاله الروياني (٤). وهذه الأمثلة كلها مجموعة من كلام الشافعي والأصحاب، ولم أذكر إلَّا ما ذكروه، وسيأتي غير ذلك. فرع: أطلق المصنف جواز السلم في البلور، والمعيار فيه الوزن، وقال الماوردي: إنه إن كان عتيقًا، لم يجز السلم فيه. * * *

стр. 406

قال: فصْل [ما لا يضبط بالصفة] وأما ما لا يضبط بالصفة، فلا يجوز السلم فيه؛ لأنه يقع البيع فيه على مجهول، وبيع المجهول لا يجوز. هذا صحيح، والجهالة في الدّين أشد منها في العين، وقد استدل على اشتراط الضبط بالصفة بحديث ابن عباس أيضًا؛ لأنه لما شرط العلم في الكيل والأجل دل على اشتراطه في غيرها فما هو مقصود. * * *

стр. 407

قال: قال الشافعي ﵀: ولا يجوز السلم في النبل؛ لأن دقته وغلظه مقصود وذلك لا يضبط. نص الشافعي على ذلك في «المختصر» (١) و «الأم» (٢)، وقسمها الأصحاب ثلاثة أقسام: الأول: قبل النحت يجوز السلم فيه قطعًا، ويصفه بصفات الخشب، يذكر نوعه، وطوله، وعرضه، ومنبته من سهل أو جبل، وإن كان مدُورًا ذكر دوره بدل عرضه، كما في الخشب، ولا يشترط ذكر الوزن في الأصح. الثاني: بعد النحت تركيب النصل والريش، فلا يجوز قطعًا لمعنيين: أحدهما: أنه من المختلطات لما فيه من العقب، والريش، والنصل، والغراء، والخشب. والثاني: اختلاف وسطه وطرفيه دقة، وغلظًا، ومن أي موضع يأخذ في الدقة والغلظ، فإن وسطه غليظ، وطرفاه دقيقان، ويقدر ضبط ذلك، وقد يكون الريش الذي عليه ريش النسور وهو نجس. الثالث: بعد النحت، وقبل تركيب النصل والريش، فالمشهور: أنه لا يجوز أيضًا للمعنى الثاني، ويدل عليه إطلاق نصه في «المختصر» (٣).

стр. 408

وحكى الماوردي (١) فيه قولين أصحهما عنده: الجواز، ونسبه إلى نصه في «الأم». قال الماوردي: وكذلك حكم الْقِسِيِّ (٢) على هذه الأقسام الثلاثة والأجوبة. قال: وأما الرماح، فما طال منها واختلف طول القبة، لم يجز السلم فيها، وما قصر منها واستوت أكعب أسفله وأعلاه جاز إذا عرفت ذلك، فقول المصنف: لأن دقته وغلظه مقصوده ظاهره أن هذا التعليل من كلام الشافعي، ويقتضي ذلك أنه لا فرق بين المريش وغيره. والذي رأيته في «المختصر» (٣) و «الأم» (٤): «في النبل المريش، وعلله بأنه لا يقدر على ذرع ثخانتها ولا صفة ما فيها من ريش وعقب وغيره». فيحمل كلام المصنف على أن التعليل من جهته على ما ارتضاه من العلة، والنبل السهام العربية لا واحد لها من لفظها، وجمعها نبال وأنبال، ومن غلط العامة قولهم في واحدها: نبلة، وإنما هو: سهم، وقدح، ووصف النبل بالمَرِيش، كما في «التنبيه» (٥) هو بفتح الميم وكسر الراء، يقال: رشته أريشه ثلاثي ومصدره: ريش.

стр. 409

فرع: قال الإمام: «إذا امتنع السلم في النشاب، فالقوس المركب، وهو قوس العجم أولى بالمنع. والنبعة (١) التي يتخذ منها قوس العرب تأخذ في التخريط من الطرفين، فتتطرق إليه الجهالة» (٢). * * *

стр. 410

قال: ولا يجوز في الجواهر؛ كاللؤلؤ، والعقيق، والياقوت، والفيروزج، والمرجان؛ لأن صفاءها مقصود، وعلى قدر صفائها يكون ثمنها، وذلك لا يضبط بالوصف. المنع من ذلك وتعليله بعدم ضبطه بالوصف، بأن الكبر فيه، والوزن، مقصودان في «المختصر» (١)، وبأن الصفاء فيه، مقصود في كتب العراقيين، ورأى الإمام (٢) تعليل ذلك بعزة الوجود، إذا ضبط بالصفات التي يجب ذكرها؛ لأن ضبطها بالصفات متصور بأن يقول: ياقوتة وزنها وشكلها كذا، لحمية أو حمرية، أو وردية أو رمانية، ولؤلؤة مدحرجة صافية براقة البياض، وزبرجد أخضر ريحاني، أو سلقي، وإنما المنع أن الأوصاف إن لم يذكرها كانت مجهولة وإن ذكرت عز وجودها. واستثنى الخراسانيون، والبغوي (٣)، والرافعي (٤) من ذلك اللآلئ الصغار التي لا يعز وجودها؛ لقلة الأوصاف المقصودة فيها، ثم اختلفوا فضبطها أكثرهم بما يطلب للسحق والتداوي، وضبطها الشيخ أبو محمد بما وزنه سدس دينار، وإن قصد للتحلي والتزين؛ لعموم وجوده، ولم يتعرض العراقيون لذلك.

стр. 411

قال الرافعي: «والوجه أن يكون اعتبار السدس بالتقريب» (١)، وحيث جوزنا، فيجوز بالوزن والكيل، قاله الرافعي، وهو مقتضى قول الأصحاب، ويأتي فيه ما سنذكره عن الإمام من أن ما لا يُعد الكيل فيه ضبطًا لا يصح السَّلم فيه كيلًا، وذكره الرافعي عنه هناك، ولم يذكره هنا. قال النووي (٢): فكأنه اختار هنا ما أطلقه الأصحاب، ووافقنا أكثر العلماء على منع السلم في الجواهر، وأجاز ذلك مالك (٣). فرع: كما لا يجوز السلم في الجوهر، لا يجوز أن يكون صداقًا، قاله الشيخ أبو حامد في الكلام مع الحنفية في مسألة السلم في الحيوان وكذلك الْقِسِيِّ. * * *

стр. 412

قال: ولا يجوز السلم في الجلود؛ لأن جلد الأوراك غليظ، وجلد البطن رقيق، ولا يُضبط قدر رقته وغلظه، ولأنه مجهول المقدار؛ لأنه لا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه. نص «المختصر» (١) و «البويطي» (٢) وغيرهما هكذا مطلق، وهو فيما إذا كانت غير مقطوعة على التناسب لا خلاف فيه، وفيما إذا كانت مقطوعة على التناسب وجهان في «الحاوي» (٣) و «النهاية» (٤) و «الوسيط» (٥). قال أبو الفياض، وأبو حامد: يجوز لانتفاء الغرر، وبه جزم البغوي (٦) وابن داود في «شرح المختصر»، والرافعي (٧)، وهو الأفقه، وهو الأصح عند الإمام (٨). وقال الأكثرون: وهو ظاهر النص لا يجوز للتفاوت في الرقة والغلظ، ومثل الإمام (٩) والغزالي (١٠) محل الخلاف بالنعال السِّبتية؛ يعني: جلود

стр. 413

البقر المدبوغة بالقرظ، ومراده بها هنا: التي هي طاق واحدة، وكذلك ذكرها البغوي (١)، وجزم فيها بالجواز، وفي مربعات الصرم، ومثله الماوردي (٢) بقلعة من جلود السِّبت مقدره الطول، والعرض، موصوفه اللون والثخن، وعلل المنع بأنه من جملة لا يصح السلم فيها، وبه جزم الشيخ أبو حامد، والقلعي هي النعال غير المشركة. قال ابن الرفعة: «وقد ذكر بعض الشارحين أن وجه الجواز معتد بما إذا ضبط بالوزن، وذلك إن كان بمفرده كان الأشبه البطلان، وإن كان مع الدرع، فقد يفضي إلى عزة الوجود فلا يصح» (٣). قلت: والبغوي (٤) والرافعي (٥) حيث ذكرا الجواز فبدأه بالوزن، والإمام (٦) أيضًا، قال: والاعتماد لا محالة على الوزن، وما ذكره ابن الرفعة من عزة الوجود فيه نظر، فإن من المسلم فيه ما يمتنع الجمع فيه بين ذلك كالثياب على الأصح، ومنه ما لا يمتنع، كما سيأتي في الآجر والبطيخ، فإلحاق الجلود بأحد القسمين فيه نظر. * * *

стр. 414

قال: ولا يجوز في الرَّق؛ لأنه لا يضبط رقته وغلظه. هو منصوص عليه أيضًا، وفيه مع ذلك أنه ذلك أنه يقطع الشَّعر من عليه، فربما أثر ذلك فيه ويشبه أن يأتي فيها الوجه المتقدم في الجلود. * * *

стр. 415

قال: ويجوز في الورق؛ لأنه معلوم القدر معلوم الصفة. نص عليه في «البويطي» (١)، وعامة الأصحاب، الشيخ أبو حامد، والماوردي (٢)، والرافعي (٣)، وغيره. قال الروياني (٤): ورأيت عن بعض أصحابنا وجهًا: أنه لا يجوز كالجلد وهو غلط، ويشترط فيه بيان النوع والطول والعرض والجودة والدقة أو الغلظ واستواء الصنعة هذا. قال الشافعي في «الأم»: «وعلق القول بجوازه على أن يكون معروفًا بهذه الصفات، فإن اختلف بالبلد ذكرها. قال: فإن ترك من هذا شيئًا لم يجز. قال: ولا أحسبها بهذا إلَّا مضبوطة، أو ضبطها أصح من ضبط الثياب أو مثله» (٥)، وبقي مما لم يذكره الشافعي الزمان، ولا بد منه مثل كونه [صيفيًّا] (٦) أو مستويًا، وقد يقال: إنه إذا ذكر النوع والبلد والزمان كقوله: فرخ مصري صيفي أغنى عن ذكر الطول والعرض؛ لأنه قطع معروف، وكذلك المنصوري والدمشقي وغيرها كل نوع منها معروف المقدار، فليحمل اشتراط ذلك على ما إذا لم يكن معلومًا، ولا بد من ذكر الصقال.

стр. 416

وأما الرقة والثخن، فلا يمكن ضبطه، وإن كان يختلف باختلاف عرف الورق، فيحمل على الوسط من ذلك. قال الماوردي (١): ويجوز السلم فيه [رسوبًا] (٢) عددًا، فأما القراطيس الظهور، فإن كانت للغسل؛ جاز السلم فيها وزنًا لا غير، وإن كانت من الظهور المقروءة لم يجز السلم فيها لاختلافها، وكذلك غير الماوردي صرح بجواز السلم فيه بالعدد، وقالوا هم والرافعي (٣): إن الوزن فيه أحوط، والروياني (٤) لما ذكر الجواز قيده بالوزن، ولعل ذلك منه ليس على سبيل الاشتراط. * * *

стр. 417

قال: فصْل [السلم فيما عملت فيه النار] ولا يجوز فيما عمل فيه النار كالخبز والشواء؛ لأن عمل النار فيه يختلف ولا يضبط، واختلف أصحابنا في اللِّبأ المطبوخ. فقال الشيخ أبو حامد الأسفراييني ﵀: لا يجوز؛ لأن النار تعقد أجزاءه، ولا يضبط وقال [شيخنا] (١) القاضي أبو الطيب [الطبري] (٢) ﵀: [يجوز] (٣) لأن ناره لينة. ما ذكره من امتناع السلم في الخبز هو الصحيح عند الأكثرين. وفي «النهاية» (٤): أن الصحيح الجواز، واختاره الفارقي والغزالي (٥)، وهو مذهب أحمد (٦)، وقال الروياني: «إنه اختيار مشايخ خراسان» (٧)،

стр. 418

وكلام الإمام يقتضي أنهم يرون أن تأثير النار فيه مضبوط، وطردوا ذلك في الدبس والسكر والفانيذ، وأشار الإمام إلى طريقة قاطعة بجواز السلم في السكر والفانيذ. والماوردي (١) عكس، فحكى الوجهين في السكر والدبس، وجزم بالمنع في الخبز، وصحح في السكر الجواز، ومحل الوجهين في الدبس فيما أثرت فيه النار، ولم يضبطه الماء، فإن حصل فيه ما لم يجز قطعًا، وإن لم تمسه النار ولا حصل فيه ما [. . .] (٢) الرطب، جاز قطعًا. وأما ما تأثير النار فيه غير مضبوط بالعادة، كاللحم المطبوخ والمشوي، فلا خلاف في منع السلم فيه أعلمه إلا ما حكي عن الجيلي؛ أنه أثبت الخلاف فيه، وهو غريب في النقل، وأصح الوجهين في البِّبأ المنع، كما قال أبو حامد، كذلك قال صاحب «التهذيب» (٣)، و به جزم المتولي، والماوردي (٤). واختار الإمام (٥) الجواز، وذلك منه موافق لطريقة الخراسانيين، فإنهم إذا اختاروا الجواز في الخبر الذي جزم فيه العراقيون بالمنع، فلا يجوز. [وما] (٦) تردد العراقيون فيه أولى، وقد قال النووي في «الروضة» (٧) بعد أن ذكر الدبس والعسل المصفى بالنار، والسكر، والفانيذ، واللِّبأن إنه الغزالي (٨)، وصاحب «التتمة» ممن اختار الصحة في هذه الأشياء، وليس كما قال، وإنما إختار صاحب «التتمة» الجواز في اللِّبأ قبل أن يخلط باللبن

стр. 419

ويطبخ، أما بعد الطبخ فلا، وجزم بالحكمين في القسمين، وأظن النووي طالع أول كلامه ولم ينظر الثاني، ولا يمكن [حمل] (١) كلامه في «الروضة» على اللِّبأ الذي لم يطبخ؛ لأنه لا خلاف فيه، ولأن الرافعي لم يتكلم فيه، ثم إن النووي ذكر في «التصحيح» (٢) أن الأصح صحة السلم في السكر، والفانيذ، والدبس، واللِّبأ، وجعل نارها ونار الآجر والجص لطيفة. فأما الأجر والجص فالحكم صحيح وتوجيهه ما سيأتي، وأما الأربعة ففي تصحيحه فيها نظر، ولكنه موافق لقولهم في باب الربا: إنه يجوز بيع بعضه ببعض، وقد أطلق الشافعي في «الأم» (٣) جواز السلم في اللِّبأ ومراده والله أعلم: الطري الذي لم يطبخ، وذكر أن المعتبر فيه الوزن [لتكبسه] (٤) وتجافيه. قال الأصحاب: اللِّبأ الذي لم يطبخ وهو الذي إذا ولدت البهيمة ترك حتى يجمد ويجف يجوز السلم فيه بلا خلاف، ومعياره الوزن، فأما قبل الجفاف فمعياره الكيل كاللبن، وقد يكون اللِّبأ قبل الولادة. وذكر إسماعيل الحضرمي في «كتابه على المهذب» أن اللِّبأ المطبوخ بالشمس يجوز السلم فيه قطعًا، وكون اللِّبأ يطبخ بالشمس قد يستنكر إلَّا أن يكون في البلاد المفرطة الحرارة، ويقرب من صور الخلاف. كما قال الرافعي: «التردد في السلم في «الماء ورد»، وقد تردد فيه صاحب «التقريب» (٥)، وحكى الماوردي (٦) فيه وجهين عن الأصحاب؛

стр. 420

لاختلاف تأثير النار فيما يتصعد ويفطر، واستبعد الإمام (١) وجه المنع، وقال الروياني: «الجواز أصح عندي وعند عامة الأصحاب» (٢). والعسل المصفى بالشمس يجوز قطعًا. وفي العسل المصفى بالنار الوجهان في الدبس ونحوه هذا، قال الرافعي وذكر أن مما يوجبه به المنع أن النار تعيبه ويسرع الفساد إليه. قلت: ويشهد له أن الشافعي نص (٣) على أنه إذا أسلم في العسل المصفى، فأحضر إليه المصفى بالنار لم يجب قبوله؛ لأن النار تُغَير طعمه فينقص ثمنه، ولكن تصفية له بغير نار، وشرط القاضي حسين في ذلك أن تكون النار أثرت فيه تعقد الأجزاء، أما إذا لم يؤثر فيه أثرًا بينًا، فيجوز كالمصفى بالشمس، وكذلك يقتضيه كلام المحاملي، والشيخ أبي حامد، فلينزل كلام مَن أطلق عليه السمن المصفى بالنار، فليست التصفية بالنار عيبًا فيه؛ لأنها لا تؤثر في طعمه بخلاف العسل، فإنها تؤثر في طعمه، قاله الماوردي (٤)، وفي الرافعي (٥) وابن الرفعة (٦)، أنه كالعسل وهو بعيد. قسم الماوردي ما دخلته النار إلى أربعة أقسام: قسم دخلته لاستهلاك أجزائه؛ كالأدهان المغلية، فيمتنع السلم فيه، وقسم دخلته لتنقله من حال إلى حال، كالمعتصر من الفواكه والأعناب فيمتنع أيضًا، وقسم دخلته للتمييز والتصفية، كالعسل والسمن، فيجوز، وقسم دخلته لانعقاد أجزائه كالسكر فيجوز أيضًا.

стр. 421

فرع: الطوب الآجر يجوز السلم فيه على الصحيح المنصوص، قال الشافعي: في آخر كتاب السلم من «الأم»: «والماء فيه مستهلك، والنار شيء ليس منه فيه، وإنما لها فيه أمر صلاح» (١). ونقل الإمام (٢) فيه خلافًا للأصحاب كالدبس، فعلى الصحيح يذكر فيه التربة والقالب طولًا وعرضًا وسمكًا، واللون وصفة الطبخ، ويستحب الوزن، ويجعل السلم في الجص أيضًا على الأصح كالآجر. قال الماوردي: قال أصحابنا: ولا يجوز السلم في الآجر الملهوج، وهو الذي لم يكمل نضجه فاحمر بعضه واصفر بعضه. قلت: والمنع من ذلك ظاهر لاختلافه. فرع: جزم الروياني (٣) بامتناع السلم في الكعك. * * *

стр. 422

قال: فصْل [السلم في الأجناس] ولا يجوز فيما يجمع أجناسًا مقصودة لا تتميز، كالغالية، [والند] (١) والمعجون، والقوس، والخف، والحنطة التي فيها شعير؛ لأنه لا يعرف قدر كل جنس منه. الغالية: طيب متخذ من مسك وعنبر خلطَا بالدهن. يقال: أول مَن سماها بذلك سليمان بن عبد الملك. يقال: تغللت وتغليت، ويقولون: تغلفت، هكذا نقل عن الجوهري، وفي الرافعي (٢) و «الروضة» (٣) أنها مركبة من المسك، والعود، والعنبر، والكافور، واختلاط المعجونات من أجزائها والقوس من الخشب، وغيره معلوم، ويتعذر الوقوف على مقادير أجزائها المقصودة؛ فلذلك لا خلاف في امتناع السلم في هذه الثلاثة، وكذلك الند الطيب المعروف وليس بعربي، والسُّد وهو عربي، والجوارشات، والهرايس (٤)، والمرق الذي يحوي أخلاطًا مقصودة،

стр. 423

والحلاوى، والنبل المريش، واستغنى المصنف عن ذكر هذه؛ لأنها دخلت في كلامه فيما تقدم فيما دخله النار، وفي النبل. وأما الخف فنص الشافعي وأكثر الأصحاب على إطلاق المنع فيه لما فيه من الجلود المختلفة، والحشو المجهول، والخرز غير المضبوط، والانعطافات. وحكى الماوردي (١) عن ابن سريج جوازه، وقيد الروياني (٢) هذا النقل عنه بما إذا كانت طاقاته معلومة، وعزاه أيضًا إلى بعض أصحابنا بخراسان، ثم قال: إنه غلط ظاهر، وهذا التقييد حسن، أما التي بخلاف ذلك، فليست محل الخلاف؛ لأنه نقل عن ابن سريج أنه قال: لا يعلم ما في الخف إلا الله والإسكاف يعني أنه مجهول، وفي معنى الخف: النعال، والحكم فيهما واحد، ونص الشافعي عليهما وخلاف ابن سريج فيهما، وفي كلام الغزالي (٣) والإمام (٤) الصنادل، والمراد بها: الأمدسة، واحدها صندل. ومما ذكروه نعلم أن الخف المتخذ من طاق واحد، كما هو المعروف في خفاف الرجال في هذه البلاد ليس من هذا القسم، بل حكمه أنا إن منعنا السلم في الجلود مطلقًا كما هو الصحيح امتنع إن كان من جلد. ولهذا قال الماوردي: «إنه يمتنع السلم في الجُرُب والأرقاق؛ لأنها جلود وإن جوزناه إذا قطعت على التناسب أو كانت من غير الجلود حكم الثياب المخيطة التي جوز الصيمري السلم فيها» (٥).

стр. 424

قال الشافعي: «وإنما يجوز في هذا أن يبتاع النعلين والشركين، ويستأجر على الحذو، وعلى خراز الخفين» (١)، هكذا قال في «الأم». ونقل الروياني (٢) عنه أنه يجوز اصطناع الأواني والخفاف والنعال إذا كان العمل معلومًا، وهو أن يلزم ذمته أن يصنع له خفًّا، وهذا لا ينافي الذي في «الأم»، بل هذا مجمل، والذي في «الأم» مبين، وقد ذكر ابن الصباغ وغيره أن استصناع هذه الأشياء لا يجوز إلا كما قاله في «الأم»، وأن أبا حنيفة (٣) قال بجوازه؛ لأن الناس مجمعون على ذلك. قال أصحابنا: لو كان صحيحًا للزم، وعند الحنفية (٤) كل واحد من المستصنع، والصانع بالخيار. وأما الحنطة التي فيها شعير، فالمراد منه أن يكون ذلك غير متميز ولا معلوم المقدار، وهو مع ذلك حر مقصود، وعند ذلك يمتنع جزمًا لا كالقمح الذي فيه شعير يسير غير مقصود، كما هو الغالب في القمح الغلث. قال الرافعي وغيره: «والترياق المخلوط كالغالية، فإن كان نباتًا واحدًا، أو حجرًا، جاز السلم فيه» (٥)، وقد خرج بقوله: مقصوده ما ليس بمقصود، وسيأتي في كلامه يقسمه إلى: محتاج إليه، كالملح في الجبن، والماء في خل التمر، فيجوز، وإلى غير محتاج إليه، كالماء في اللبن، فلا يجوز. وخرج بقوله: لا يتميز ما يعرف مقدار أجزائه، كالثوب المعمول من غزلين، وسيأتي حكمه، فالمختلطات في كلامه أربعة أقسام:

стр. 425

الأول: ما يقصد كل أجزائه ولا يتميز. الثاني: ما لا يقصد الخليط، ولكنه غير محتاج إليه. الثالث: ما يحتاج إليه. الرابع: ما أجزاؤه مقصودة يُعْرَف مقدارها. وقد جعل الغزالي (١) من أقسام المختلطات المختلط خلقة، كاللبن والشّهد، فأما اللبن فهو شيء واحد، وإن كان يعرض أن يحصل منه شيئان مختلفان، فلذلك لا يُعَدُّ من المختلطات، ولا خلاف في جواز السلم فيه إذا كان حليبًا. وأما الشُّهد ففيه وجهان: أصحهما: عند الرافعي (٢)، وبه جزم المتولي، والقاضي حسين، والفوراني: الجواز؛ لأن اختلاطه خلقي، فأشبه النوى في التمر، وجزم به الإمام (٣) في موضع، وحكاه في موضع آخر عن العراقيين. والثاني: المنع؛ لأن الشمع قد ثقل فيه ويكثر، وعن ابن كجّ أنه رواه عن نصة، وإطلاق المصنف منطبق على ذلك. قلت: رأيته في «الأم» (٤) صريحًا في آخر تفريع الوزن من العسل، وعلله بأنه لا يعرف ما فيه من العسل أو الشمع؛ لكثرته وقلته وثقله وخفته. وقطع به الماوردي وغيره من العراقيين، ونسب الروياني المنع إلى بعض الخراسانيين، وقال: «إن كلام جميع أصحابنا العراقيين، وظاهر النص
следующие страницы →