فرع: الطوب الآجر يجوز السلم فيه على الصحيح المنصوص، قال الشافعي: في آخر كتاب السلم من «الأم»: «والماء فيه مستهلك، والنار شيء ليس منه فيه، وإنما لها فيه أمر صلاح» (١).
ونقل الإمام (٢) فيه خلافًا للأصحاب كالدبس، فعلى الصحيح يذكر فيه التربة والقالب طولًا وعرضًا وسمكًا، واللون وصفة الطبخ، ويستحب الوزن، ويجعل السلم في الجص أيضًا على الأصح كالآجر.
قال الماوردي: قال أصحابنا: ولا يجوز السلم في الآجر الملهوج، وهو الذي لم يكمل نضجه فاحمر بعضه واصفر بعضه.
قلت: والمنع من ذلك ظاهر لاختلافه.
فرع: جزم الروياني (٣) بامتناع السلم في الكعك.
* * *
стр. 422
قال:
فصْل [السلم في الأجناس]
ولا يجوز فيما يجمع أجناسًا مقصودة لا تتميز، كالغالية، [والند] (١) والمعجون، والقوس، والخف، والحنطة التي فيها شعير؛ لأنه لا يعرف قدر كل جنس منه.
الغالية: طيب متخذ من مسك وعنبر خلطَا بالدهن. يقال: أول مَن سماها بذلك سليمان بن عبد الملك. يقال: تغللت وتغليت، ويقولون: تغلفت، هكذا نقل عن الجوهري، وفي الرافعي (٢) و «الروضة» (٣) أنها مركبة من المسك، والعود، والعنبر، والكافور، واختلاط المعجونات من أجزائها والقوس من الخشب، وغيره معلوم، ويتعذر الوقوف على مقادير أجزائها المقصودة؛ فلذلك لا خلاف في امتناع السلم في هذه الثلاثة، وكذلك الند الطيب المعروف وليس بعربي، والسُّد وهو عربي، والجوارشات، والهرايس (٤)، والمرق الذي يحوي أخلاطًا مقصودة،
стр. 423
والحلاوى، والنبل المريش، واستغنى المصنف عن ذكر هذه؛ لأنها دخلت في كلامه فيما تقدم فيما دخله النار، وفي النبل.
وأما الخف فنص الشافعي وأكثر الأصحاب على إطلاق المنع فيه لما فيه من الجلود المختلفة، والحشو المجهول، والخرز غير المضبوط، والانعطافات.
وحكى الماوردي (١) عن ابن سريج جوازه، وقيد الروياني (٢) هذا النقل عنه بما إذا كانت طاقاته معلومة، وعزاه أيضًا إلى بعض أصحابنا بخراسان، ثم قال: إنه غلط ظاهر، وهذا التقييد حسن، أما التي بخلاف ذلك، فليست محل الخلاف؛ لأنه نقل عن ابن سريج أنه قال: لا يعلم ما في الخف إلا الله والإسكاف يعني أنه مجهول، وفي معنى الخف: النعال، والحكم فيهما واحد، ونص الشافعي عليهما وخلاف ابن سريج فيهما، وفي كلام الغزالي (٣) والإمام (٤) الصنادل، والمراد بها: الأمدسة، واحدها صندل.
ومما ذكروه نعلم أن الخف المتخذ من طاق واحد، كما هو المعروف في خفاف الرجال في هذه البلاد ليس من هذا القسم، بل حكمه أنا إن منعنا السلم في الجلود مطلقًا كما هو الصحيح امتنع إن كان من جلد.
ولهذا قال الماوردي: «إنه يمتنع السلم في الجُرُب والأرقاق؛ لأنها جلود وإن جوزناه إذا قطعت على التناسب أو كانت من غير الجلود حكم الثياب المخيطة التي جوز الصيمري السلم فيها» (٥).
стр. 424
قال الشافعي: «وإنما يجوز في هذا أن يبتاع النعلين والشركين، ويستأجر على الحذو، وعلى خراز الخفين» (١)، هكذا قال في «الأم».
ونقل الروياني (٢) عنه أنه يجوز اصطناع الأواني والخفاف والنعال إذا كان العمل معلومًا، وهو أن يلزم ذمته أن يصنع له خفًّا، وهذا لا ينافي الذي في «الأم»، بل هذا مجمل، والذي في «الأم» مبين، وقد ذكر ابن الصباغ وغيره أن استصناع هذه الأشياء لا يجوز إلا كما قاله في «الأم»، وأن أبا حنيفة (٣) قال بجوازه؛ لأن الناس مجمعون على ذلك.
قال أصحابنا: لو كان صحيحًا للزم، وعند الحنفية (٤) كل واحد من المستصنع، والصانع بالخيار.
وأما الحنطة التي فيها شعير، فالمراد منه أن يكون ذلك غير متميز ولا معلوم المقدار، وهو مع ذلك حر مقصود، وعند ذلك يمتنع جزمًا لا كالقمح الذي فيه شعير يسير غير مقصود، كما هو الغالب في القمح الغلث.
قال الرافعي وغيره: «والترياق المخلوط كالغالية، فإن كان نباتًا واحدًا، أو حجرًا، جاز السلم فيه» (٥)، وقد خرج بقوله: مقصوده ما ليس بمقصود، وسيأتي في كلامه يقسمه إلى: محتاج إليه، كالملح في الجبن، والماء في خل التمر، فيجوز، وإلى غير محتاج إليه، كالماء في اللبن، فلا يجوز.
وخرج بقوله: لا يتميز ما يعرف مقدار أجزائه، كالثوب المعمول من غزلين، وسيأتي حكمه، فالمختلطات في كلامه أربعة أقسام:
стр. 425
الأول: ما يقصد كل أجزائه ولا يتميز.
الثاني: ما لا يقصد الخليط، ولكنه غير محتاج إليه.
الثالث: ما يحتاج إليه.
الرابع: ما أجزاؤه مقصودة يُعْرَف مقدارها.
وقد جعل الغزالي (١) من أقسام المختلطات المختلط خلقة، كاللبن والشّهد، فأما اللبن فهو شيء واحد، وإن كان يعرض أن يحصل منه شيئان مختلفان، فلذلك لا يُعَدُّ من المختلطات، ولا خلاف في جواز السلم فيه إذا كان حليبًا.
وأما الشُّهد ففيه وجهان:
أصحهما: عند الرافعي (٢)، وبه جزم المتولي، والقاضي حسين، والفوراني: الجواز؛ لأن اختلاطه خلقي، فأشبه النوى في التمر، وجزم به الإمام (٣) في موضع، وحكاه في موضع آخر عن العراقيين.
والثاني: المنع؛ لأن الشمع قد ثقل فيه ويكثر، وعن ابن كجّ أنه رواه عن نصة، وإطلاق المصنف منطبق على ذلك.
قلت: رأيته في «الأم» (٤) صريحًا في آخر تفريع الوزن من العسل، وعلله بأنه لا يعرف ما فيه من العسل أو الشمع؛ لكثرته وقلته وثقله وخفته.
وقطع به الماوردي وغيره من العراقيين، ونسب الروياني المنع إلى بعض الخراسانيين، وقال: «إن كلام جميع أصحابنا العراقيين، وظاهر النص
стр. 426
بخلافه (١)، ولعل الفرق بينه وبين العتابي المركب من فزلين، أن الشمع في العسل لا يمكن ضبطه بخلاف الفزلين.
قال الرافعي: «وكما يجوز السلم في الشهد، يجوز في كل واحد من ركنيه» (٢).
قلت: جوازه في كل واحد من ركنيه، وهما العسل والشمع لا إشكال فيه.
فرع: مما لا يجوز السلم فيه من المختلطات سويق اللوز؛ لأنه لا يتميز السكر من دهن اللوز، واللوز، وكذا السويق الملتوت بالزيت ونحوه، وكذا الفالوذج أو الحبش (٣) نص على ذلك كله، وكذا اللحم المطبوخ بالأبزار، والملح، والخل، والدجاج المحشو.
ولا يجوز السلم في السفينة، قاله الروياني (٤).
* * *
стр. 427
قال:
ولا يجوز فيما خالطه ما ليس بمقصود من غير حاجة، كاللبن المشوب بالماء، والحنطة التي فيها الزوان؛ لأن ذلك يمنع من العلم بمقدار المقصود، وذلك غرر من غير حاجة، فمنع صحة العقد.
المنع في هذا القسم لا خلاف فيه، وكذلك لا يجوز السلم في المخيض الذي خالطه ماء؛ لأن الماء مصلحة له فيه، نص عليه الشافعي والأصحاب، وهو وارد على مَن أطلق أن كل ما لا يقصد خليطه يجوز السلم فيه.
أما المخيض الذي لا ماء فيه، فيجوز، قاله الغزالي (١) والرافعي (٢).
قال: وحينئذٍ لا يضر وصف الحموضة؛ لأنها مقصودة فيه، وكما لا يجوز السلم في اللبن المشوب بالماء، لا يجوز بيعه أيضًا، وفي «التتمة» أن المصل كالمخيض لما فيه من الدقيق، وهكذا الكشك لا يجوز السلم فيه؛ قاله الماوردي (٣).
* * *
стр. 428
قال:
ويجوز فيما خالطه غيره للحاجة، كخل التمر وفيه الماء، والجبن وفيه الإنفحة، والسمك [المالح] (١) وفيه الملح؛ لأن ذلك من مصلحته، فلم يمنع جواز العقد.
هذا هو الصحيح عند الأكثرين في جميع ما ذكر؛ لأنه لا غنى لها عنه، وفي جميعها وجه بالمنع، وإليه ميل الصيمري والإمام (٢) في خل التمر والزبيب. وذكر الغزالي أن المراوزة قطعوا فيهما بالمنع، والعراقيين قطعوا بالجواز، وعد الغزالي (٣) الخبز في هذا القسم مع الجبن لما فيه من الماء والملح، ولكن العلة الصحيحة فيه دخول النار، وكذلك كان الأصح فيه المنع، وكذلك قدمه المصنف، ولم يجعله من هذه الأقسام.
وأما ما فيه من الماء والملح، فلا أثر له أصلًا، وليس كالماء الذي في الخل، ألا تري أن المراوزة قطعوا هنا بالمنع مع اختيارهم الجواز في الخبز، ونقل الإمام، «أن صاحب التقريب» حكى عن ابن سريج: أن السمك المملح، إن كان يظهر للملح وزن، لم يصح، وإلا فإن لم يكن له قيمة صح، وإن كانت له قيمة فهو كالثوب المصبوغ بعد النسيج» (٤).
قال الرافعي: «والأقط كالجبن» (٥)، وإطلاق غير المصنف غيره.
стр. 429
تنبيه:
على أن علة الجواز الحاجة سواء أكان مقصودًا أم غير مقصود، ألا ترى أن الخليط في هذه الأشياء مقصود؛ لإصلاح ما معه؟
نعم، هو ليس بمقصود في ذاته، وكذلك عده الغزالي (١) وغيره، مع ما ليس بمقصود، ولولا ذلك لكان يجب استثناء ذلك من قول المصنف أول الفصل: لا يجوز فيما يجمع أجناسًا مقصودة، ولو كانت الحاجة كافية في الجواز لجاز في المقصودة التي يحتاج إليها كالمعجونات، فدل على أن المراد ما ليس مقصودًا في نفسه، بل لإصلاح ما هو المقصود.
* * *
стр. 430
قال:
ويجوز في الأدهان المطيبة؛ لأن الطيب لا يخالطه، وإنما تعبق به رائحته.
الأدهان المطيبة كدهن البنفسج، والبان، والورد، تارة لا يخالطها شيء من الطيب، وإنما يروح السمسم بها، ثم يعتصر، وهذه مراد المصنف، يجوز السلم فيها قولًا واحدًا، وهذا القسم هو الذي ذكره الأكثرون، واقتصروا على إيراده (١) من إطلاق الأدهان، كما فعل المصنف، وتارة يخالطها شيء من الطيب وترتب به، فلا يجوز السلم فيها.
وممن ذكر هذا القسم الرافعي (٢)، وفي «مختصر المزني» (٣) إطلاق المنع، وهو منزل على هذا التفصيل، وكثير من الأصحاب المطلقين بادر إلى تغليط المزني.
وقال: إنه ظن اختلاطها فحكم بالمنع، وفي «البويطي» (٤): ولا بأس بالزنبق والخيري والبنفسج؛ لأن ترتيبه إنما هو شيء واحد، وإنما كره الغالية، وما أشبه لما يدخله من الآفات.
* * *
стр. 431
قال:
و [لا] (١) يجوز في ثوب نسج ثم صبغ؛ لأنه سلم في الثوب وصبغ مجهول، ويجوز فيما صبغ غزله ثم نسج؛ لأنه بمنزلة صبغ الأصل.
أدرجه في المختلطات مع القسم الذي يكون في اختلاطه صلاح له، وجزم بالمنع فيما صبغ بعد النسج، وهو المشهور في كتب الأصحاب، وفيه وجه اختاره الشيخ أبو محمد والإمام (٢)، والشاشي.
وقال الرافعي: «إنه القياس أنه يجوز كالمسألة الثانية إذا صبغ غزله، ثم نسج وكالسلم في الغزل المصبوغ صحيح» (٣)، وما جزم به المصنف من المنع في الأولى، والجواز في الثانية هو المنصوص عليه في «البويطي» (٤) معللًا بأن الثوب إذا صبغ بعد نسجه لم يضبط صفة الثوب، ونص عليه في «الأم» (٥) أيضًا، لكن ليس صريحًا، وفرق الشيخ أبو حامد وغيره بينه وبين ما صبغ غزله، ثم نسج بفرقين:
أحدهما: أنه إذا صبغ الغزل ثم نسج أمكن معرفة الصفاقة والرقة وسائر الأوصاف، وإذا صبغ بعد النسج لم يمكن كل ذلك، يعني: لأن الصبغ يسد الفُرَج، فلا يظهر به الصفاقة، وربما يخفى بسببه بعض نفيه الصفات المشترطة.
стр. 432
الفرق الثاني: أنه إذا صبغ الغزل، ثم نسج، يكون السلم في الثوب، وإذا صبغ بعد النسج يكون في التقدير كأنه أسلم في الثوب والصبغ معًا، وهذا المعنى هو الذي ذكره المصنف، وهو الذي يشير إليه كلام الشافعي في «الأم» (١) في باب السلف في الشيء المصلح بغيره.
وحاصله: أن المقصود أمران الثوب في نفسه مقصود مستقل بنفسه وصبغه، وكأنه يصير في معنى مَن عاقد على ثوب، ثم عاقد على صبغه، وبهذا المعنى يحصل إدراج المصنف له مع المختلطات.
أما الذي ينسج مصبوغًا كالغصب وغيره، فالصبغ وصف له، والمقصود شيء واحد وهو الثوب الموصوف بذلك الوصف، وقد اعترض الرافعي (٢) بأن المعنيين المذكورين يقتضيان ألَّا يجوز السلم في الذي صبغ غزله ثم نسج، ولا في الغزل المصبوغ، ولك أن تنازع في وجود المعنيين فيهما بما قدمناه.
وقال الماوردي (٣): إنه إن أسلم في الثوب أبيض على أن يصبغه لم يجز؛ لأنه عقد شرط فيه إجازة، وكأنه نزل المنع على هذا، وكلامه في «الأم» في الباب الذي ذكرناه محتمل لذلك؛ ولذلك قدمت أنه ليس صريحًا، فإنه شبهه بأن يسلم إليه في عين على أن يدفعها إليه بغيره لصاع حنطة على أن يوفيه إياه دقيقًا، اشترط كيل الدقيق أو لم يشترطه، وإذا قلنا بهذا سهل الأمر، ولم يحتج إلى الفرقين المتقدمين.
стр. 433
فرع: إذا أسلم في الغزل، أو الصوف، أو الثوب المصبوغ نصف الصبغ وجنس ما يصنع به، والبلد الذي صبغ به وصبغ الشتاء أو الصيف، وكذلك إذا أسلم في غزل على أن يعمله له ثوبًا.
واستغرب الروياني (١) ما ذكره الماوردي، وقول المصنف؛ لأنه بمنزلة صبغ الأصل.
قال الفارقي: معناه أنه لا يحول ويتغير؛ كنفيس الثوب إذا صُبغَ بعد نسجه.
* * *
стр. 434
قال:
ولا يجوز في ثوب عمل فيه من غير غزله، كالقرقوبي (١)؛ لأن ذلك لا يضبط.
هكذا جزم به الشيخ أبو حامد، والمحاملي، وفرضناه فيما عمل عليه بالإبرة، وذلك يقتضي أنه بعد نسخه، و به صرح الرافعي، وقال: «إنه يتخرج على الوجهين الآتيين في الثوب المعمول من غزلين ومثله بالإبريسم على القطن والكَتان» (٢)، ومقتضى ذلك أن يكون الأصح الجواز؛ لأنه الأصح في المعمول من غزلين.
ومفهوم كلام المصنف أنه إذا كان من غزله جاز، وبه صرح الشيخ أبو حامد والمحاملي كالابريسم يجعل عليه طراز منه؛ لأنه من تمام النسج، ولك أن تقول: إن كان المراد أنه من ذلك الإبريسم ولونه فلم تجر العادة بذلك، وإن كان المراد أنه من الإبريسم وهو مخالف للونه، فهو كما لو كان من غير غزله؛ لاختلاف الغرض به وعدم انضباطه.
ثم إن قولهم في الذي من غزله أنه من تمام النسج غير متضح؛ لأن الغرض أنه بعد النسج.
وأطلق الماوردي الجواز في الطرز المنسوج معها، وقال في الطرز المركب عليها: إن مَن أصحابنا من أجراه مجرى الصبغ، وجوز السلم معه، ومنهم مَن أبطله لامتيازه عن الثوب.
стр. 435
والظاهر: أنه أراد بالمنسوج معها ما كان من الأصل قبل تمام النسيج، وبالمركب ما عُمل بالإبرة بعد تمام النسيج، وهو في حكاية الخلاف في القسم الثاني موافق للرافعي (١)، وإن خالفه في المأخذ، وأمَّا جزمه في القسم الأول بالجواز، فما أظن الأصحاب يوافقونه على ذلك، وأقل درجات ذلك أن يكون كالمعمول من غزلين.
* * *
стр. 436
قال:
واختلف أصحابنا في الثوب المعمول من غزلين، فمنهم من قال: لا يجوز؛ لأنهما جنسان مقصودان، لا يتميز أحدهما [من] (١) الآخر، فأشبه الغالية. ومنهم مَنْ قال: يجوز؛ لأنهما جنسان يعرف قدر كل واحد منهما.
هذا القسم الرابع من المختلطات، وعبر عنه الرافعي بالمختلطات المقصودة الأركان التي يضبط أقدارها وصفاتها؛ كالثياب العتَّابية والخزوز المركبة من الإبريسم والوبر، والثياب المركبة من الكتان والقطن، وأصح الوجهين عند الأكثرين: جواز السلم فيه، واستدلوا من جهة المذهب بأن الشافعي أجاز السلم في الخز، وهو مركب من القز وشعر الأرنب، ومن جهة المعنى بأن كل واحد من أقدارها مما يسهل ضبطه، وبهذا فارق الغالية.
وقد رأيت في «الأم» ما يشبه النص على جوازه، فإنه قال: «وإذا عمل الثوب من قز، ومن كتان، ومن قطن، وصفه، وإن لم يصف غزله إذا عمل من غزول مختلفة، أو من كرسف مروي أو من كرسف خشن لم يصح، وإن كان إنما يعمل من صنف واحد ببلده الذي سلف فيه لم يضره أن لا يصف غزله» (٢).
وإنما لم أجعل هذا نصًّا؛ لأنه يحتمل أن يكون مراده إذا اختلفت غزول البلد يجب وصف الغزل الذي يعمل منه ذلك الثوب، وهو احتمال بعيد، ونقل البندنيجي عن «الأم» أنه لو أسلم في ثوب مختلف الغزول، جاز وهذا
стр. 437
صريح.
وفي «الحاوي»: أن بعض أصحابنا أبطل السلم في الخز، والجمهور على جوازه، ثم قال الشافعي: «وإن سلف في الوشي، لم يجز حتى يكون للوشي صفة يعرفها أهل العدل من أهل العلم، ولا خير في أن يريه خرقة ويَتَوَاصَفَانِهَا على يديَّ عدل يوفيه الوشي عليها، إذا لم يكن الوشي معروفًا؛ لأن الخرقة قد تهلك» (١).
إذا عرفت ذلك، فقد حكم الرافعي (٢) على هذا القسم بأن أجزاءه منضبطة الأقدار والصفات.
وكذلك المصنف قال: إن قدرها يعرف، ومع ذلك علل الوجه الأول بأنها لا تتميز، فإن أراد لا تتميز في العلم تناقض الكلام، ولزمه أن يجزم بالمنع فيها كالقسم الأول، قليحمل على عدم التميز في الخارج؛ أي: لا ينفصل بعضها عن بعض، وكلامه يرشد إلى ذلك، ألا تراه في هذا القسم قال: لا يتميز أحدهما من الآخر؛؛ أي: ينفصل.
وفي القسم الأول أطلق أنها لا تتميز أي: لا تعلم، وهو أخص.
وقول المصنف في تعليل الجواز: بأنه يعرف قدر كل واحد منهما، لعل مراده أن اللُّحْمَةِ من أحدهما وَالسَّدَى من الآخر، وكذلك هو في كلام غيره، وأما معرفة قدر كل منهما بالوزن، فما أظنه يشترط لأنه (٣) بعد النسج لا يمكن العلم به، ويفضي إلى نزاع لا ينفصل، وإن كان ظاهر لفظه يقتضيه.
стр. 438
قال:
وفي السَّلم في الرؤوس قولان:
أحدهما يجوز؛ لأنه لحم وعظم، فهو كسائر اللحوم.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه أجناسًا مقصودة، [لا تضبط بالوصف] (١)؛
ولأن معظمه العظم، وهو غير مقصود.
القولان في «الأم» (٢) مما هما في «المختصر» (٣)، والظاهر منهما الذي يدل كلام الشافعي أنه اختياره المنع، وهو الأصح عند الأصحاب (٤)، وبه قال أبو حنيفة (٥).
وبالجواز قال مالك (٦)، وأحمد (٧)، وظاهر النص إطلاق القولين، ويوافقه إطلاق المصنف، وابن الصباغ، وسليم.
стр. 439
وذكر طائفة منهم الماوردي (١)، والغزالي (٢)، والرافعي (٣)، والنووي (٤)، أن محل القولين بعد تبقية الشعور والصوف.
أمَّا قبل التبقية، فلا يجوز قطعًا لستر المقصود بما ليس بمقصود، وعن ابن كَجّ تقييدها أيضًا بما إذا كانت المشافر والمناخر منحاة عنها.
قال الرافعي: «وهذا لا اعتماد عليه» (٥)، وأهمله النووي في «الروضة».
قلت: وقد وافقه الماوردي في اشتراط تنحية المشافر، ويشترط أيضًا أن تكون نَيّة، فلو كانت مَطْبُوخة أو مشوية لم يجز بحال، وهذا لا شك.
قال ابن الرفعة: «وعند من جوز السَّلم في اللحم المشوي لا يبعد أن يجوزه في الرؤوس المشوية أو المطبوخة؛ لأن تأثير النار فيه أيضًا يمكن ضبطة» (٦).
قلت: ولا أعرف أحدًا جوّز السلم في اللحم المشوي، إلا أن الجيلي حكى فيه وفي المطبوخ وجهين وهما غريبان في النقل، وحيث جوزنا فلا بد من الوزن، نص عليه في «المختصر» (٧) و «الأم» (٨) والأصحاب.
أما بالعدد فلا يجوز قطعًا؛ لاختلافهما في الصغر والكبر، وقال الماوردي (٩) يجمع بين الوزن والعدد، ولعل إطلاق غيره محمول على
стр. 440
ذلك، ولا يفضي ذلك إلى عزة الوجود؛ لقلة أوصافها، لكنه سيأتي أن في الجميع بين ذلك في الطبخ ونحوه خلافًا، وينبغي أن يكون الحكم هنا مثله فلينظر هناك.
فرع
الأكارع كالرؤوس في جميع ما ذكر، واختار الغزالي (١) أن الجواز فيها أصح، والجمهور على الأول، وعليه نصه في «الأم» (٢)، وعن القاضي أبي الطيب الرمز إلى القطع بالمنع فيها.
قال النووي: «وإذا جوزنا فيها فمن شرطه أن يبين من الأيدي أو الأرجل» (٣)، وما قاله لا بد منه في الوصف، وهو في كلام الماوردي (٤) والروياني (٥).
* * *
стр. 441
قال:
فصْل [السلم في الطير]
ولا يجوز السلم في الطير؛ لأنه لا يضبط بالسِّن، ولا يعرف قدره بالذرع.
هكذا نص عليه في «البويطي» (١) معللًا بأنه لا يوصف بِسِن ولا ذرع، وذكر البندنيجي أنه لا يعلم أحد رواه غيره، وقال الروياني: «غلطه أصحابنا» (٢)، والمشهور في كُتب الأصحاب أنه يجوز السلم في الطير.
وممن صرح به الشيخ أبو حامد، وقال في «الروضة»: «الذي قطع به الجماهير» (٣) فعلى هذا تبين النوع، والصغر والكبر من حيث الجثة، ولا يكاد يعرف سنها، فإن عرف وصف، وعندي في الخروج عما نقله «البويطي» إشكال؛ لأن هذا الخصيص لبعض الحيوانات بالمنع، ولم يعارضه نقل آخر إلا عموم الحيوان، والخاص مقدم على العام.
نعم رأيت في «البحر» في السَّلم في الطيور أن «الشافعي قال: يقول فرخ أو ناهض» (٤)، وهذا يدل على أنه وجد نص للشافعي بجوازه، وحينئذ
стр. 442
يعارض ما رواه «البويطي»، وبالجملة ما علمت أحدًا وافق «البويطي» إلَّا المصنف.
ولو كان الطير مذبوحًا، اشترط فيه الوزن بخلاف كونه في حال الحياة حيث يجوز بالعدد إذا جوزنا السلم.
* * *
стр. 443
قال:
ولا يجوز [السلم] (١) في جارية وولدها، [أو] (٢) جارية وأختها؛ لأنه يتعذر وجود جارية وولدها، أو جارية وأختها على ما وُصف.
المقصود بذلك ما يعز وجوده؛ لندرة اجتماعه، كما ذكر، وكجارية وعمتها أو ابنتي عم، أو شاة وسخلتها؛ لأن وجودهما تلك الأوصاف فيهما إن اتفق فنادر، هكذا أطلقه الشافعي والأصحاب.
وفصل الإمام فقال: «لا يمتنع ذلك في الزنجية التي لا تكثر صفاتها. ويمتنع في السّرية التي تكثر صفاتها» (٣) وتبعه الغزالي (٤).
قال الرافعي: «وهذا مفرع على أن الصفات التي يجب التعرض لها تختلف باختلاف الجواري، ولم يُفصل الأئمة القول فيه» (٥).
قلت: لم يتعرض [لهذا] (٦) الإمام؛ لأن كثرة الصفات في السرية واجب دون الزنجية، ولعل المراد أن الزنجية لا يذكر في العادة من وصفها إلا ما هو الواجب، ويكثر وجود الولد والأخت معها، وكذلك المولدات في هذه البلاد والحاضنات، فهذا ليس عزيز الوجود فيصح.
وأما المطلوبة للتسري بصفات تزيد على الواجب في وصف الجواري،
стр. 444
فإنه نقل فيهن الولد، فإذا انضم ذلك إلى بلد الأوصاف عز وجوده، وما ذكره الإمام (١) يوافق وجهًا حكاه الروياني «عن أبي إسحاق: أنه يجوز أن يسلم في جارية معها ولدها في بلد يكثر فيه الجواري، ولا يتعذر وجود ذلك» (٢).
قال: والصحيح خلافه، ثم أورد الرافعي على الأصحاب «إشكالًا في منع السلم على الإطلاق؛ [لأنهم] (٣) حكوا عن نصه أنه لو شرط كون العبد كاتبًا، أو الجارية ماشطة، ولمدعٍ أن يدعي نُدرة اجتماع الكتابة، والمشط مع الصفات التي يجب التعرض لها، بل قضية ما أطلقوه تجويز السلم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتبًا وتلك ماشطة، وكما يندر كون أحد الرقيقين ولد الآخر مع اجتماع الصفات المشروطة فيهما، فكذا يندر كون أحدهما كاتبًا، والآخر ماشطًا أمَّا اجتماع تلك الصفات، فليسو بين الصورتين في المنع والتجويز» (٤).
قلت: وقد نص الشافعي على أن حكم المسألتين مختلف، وفرق بين العينين الموصوفتين وبين الجارية وولدها، ولهم أن يفرقوا بين ما ذكروه، وبين اشتراط كون العبد كاتبًا، أو الجارية ماشطة بأنه مع كونه يسهل تحصيله بالإكساب ليس فيه إلا زيادة وصف الكتابة، أو المشط على الأوصاف المطلوبة.
وأما في الولد فزيادته مع زيادة صفاته مع كونه غير مكتسب، فأين زيادة وصف واحد من زيادة أوصاف أكثر من الأوصاف الأصلية.
стр. 445
وأما السلم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتبًا وتلك ماشطة فلا تعلق لأحدهما بالآخر، ولا هو وصف فيه، بل هو سلم في سنين منفصلين بخلاف الجارية وولدها؛ لأن كونها ذات ولد وصف فيها حتى لو أحضر جارية وعبدًا ليس ولدها على الوصف المطلوب فيهما غير الولدية لم يجب قبوله، ولا يكن كمن أحضر بعض المسلم فيه، وفي العينين المنفصلين لو أحضر إحداهما بصفها كان قد أحضر بعض المسلم فيه، فلم يلزم التسوية بين الصورتين.
فرع: حكم البهيمة وولدها، حكم الجارية وولدها، نص عليه الشافعي.
* * *
стр. 446
قال:
وفي الجارية الحامل طريقان:
أحدهما: لا يجوز السلم فيها؛ لأن الحمل مجهول.
والثاني: يجوز؛ لأن الجهل بالحمل لا حكم له مع الأم، كما تَقول في بيع الجارية الحامل.
مقتضاه أنهما طريقتان قاطعتان، والذي حكاه الرافعي (١) وسائر الأصحاب طريقان:
طريقة المنع، وهي أظهر عنده، وعند القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ.
وطريقة أنه على قولين بناء على أن الحمل، هل له حكم أو لا؟
إن قلنا: نعم جاز وإلا فلا؛ لأنه لا يعرف حصوله، وهما كالقولين في الشراء بهذا الشرط، وهي طريقة أبي إسحاق، وأبي علي الطبري، وابن القطان، والشيخ أبي حامد، والذي رأيته منصوصًا عليه المنع.
وقد عد النووي (٢) هذا الموضع التي أطلق المصنف فيها الطريقين على الوجهين، فإنه قد يأتي ذلك وعكسه؛ لاشتراك الطرق والوجوه في أنهما من كلام الأصحاب، ولك أن تقول: إنما يحسن ذلك لو كان في المسألة وجهان، والمنقول في المسألة طريقان كما تقدم، فلعل المصنف أطلق الطريقين على القولين اختيارًا لطريقة القولين، أو ذَكَرَ الطريقين، واقتصر من الثانية على أحد القولين.
стр. 447
وذكر الرافعي (١): أنهم عللوا طريقة المنع بأن اجتماع الحمل مع الصفات المشروطة نادر، قال: «وهذا يؤيد الإشكال الذي أوردناه» (٢) يعني ما تقدم في الجارية وأختها أو ولدها، فإن أراد الصحة هناك فليس في هذا تأييد له؛ لأن الحكم هنا، وإن أراد أنه ينبغي لأجله أن يمتنع في إذا شرط كون العبد كاتبًا والجارية ماشطة، كما أورده فيما تقدم، فهو إنما يرد على من علل بالعلة التي ذكرها.
أما علة المصنف ومن وافقه، فلا يرد عليها لكن للرافعي أن يقول: أن التعليل بالجهل يشكل عليه أن الأصح: صحة بيع الجارية بشرط أنها حامل، فإذن يلزم أحد أمرين:
إما صحة السلم فيها، وإما امتناعه إذا شرط كونها ماشطة، وطريق الانفصال عن هذا السؤال بأن يمنع الندور في شرط كونها ماشطة أو كونه كاتبًا؛ لأن ذلك مما يكتسب بالتعلم، فيسهل تحصيله تحمل الحمل، وأيضًا فقد يحصل ما في الجمل من الجهالة المغتفرة في البيع مع الندرة المغتفرة في مثلها في شرط الكتابة، والمشط هو العلة، وإذا كان المانع مجموع الأمرين لم يرد شيء من السؤالين، والجواب الأول أحسن، وعلى هذين الجوابين لا يتجه تعليل المصنف بالجهل وحده؛ لأنه غير كاف، أو غير صحيح.
وجواب ثالث يصح معه كلام المصنف، وهو أن جهالة الحمل مغتفرة في البيع؛ لأنه متعلق بالعين، وشرط الحمل شرط وصف فيه، وأما السلم فإنه متعلق بالأوصاف، فكان الحمل مقصودًا ومسلمًا فيه، وكذلك يبطل كما لو باعها وحملها، وهذا أحسن الأجوبة.
стр. 448
فرع: حكم البهيمة الحامل في ذلك حكم الجارية نص عليه الشافعي، ولو أسلم في جذعه، فسلمها إليه حاملًا، له الامتناع؛ لأنه ربما يريد أن يستعملها، أو له فيها غرض لا يحصل ذلك من الماخض، فقلنا له الامتناع عن قبولها بخلاف الزكاة، فإن الغرض فيها الدر والنسل، ذكره القاضي.
* * *
стр. 449
قال:
وفي السلم في شاة لبون، قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه سلم في شاة ولبن مجهول.
والثاني: يجوز؛ لأن الجهل باللبن لا حكم له مع الشاة، كما نقول في بيع شاة لبون.
القولان منصوصان، وذهب الشيخ أبو حامد إلى ترجيح قول الجواز هكذا حكى عنه.
قال الرافعي: "لكن قضية توجيه أظهر الطريقين في صورة الحمل تقتضي ترجيح المنع هنا أيضًا، وبه أجاب صاحب "التهذيب" (١).
قلت: قال الشافعي في "الأم" في باب صفات الحيوان: "إذا كانت دينًا أنه أشبه القولين بالقياس" (٢)، ورأيت الشيخ أبا حامد ذكر الوجهين في "تعليقه" من غير ترجيح، وعلل الجواز بأنه إنما يريد أنها على صفة يكون لها اللبن.
قلت: وهذا تحقيق مناط إن فرض أن الأمر كذلك، فالحق الجواز، وإنما يتجه الخلاف والمنع فيما إذا شرط وجود اللبن معها، وهو المفهوم من كلام المصنف وغيره.
وقد أيقن الماوردي المسألة فقطع بالجواز فيما إذا شرط أنها لبون بمعنى أنها مما تدر لبنًا، وخص القولين بما إذا كان على معنى أن معها لبنًا، وحينئذٍ
стр. 450
يبعد المصير إلى الجواز، ويتعين المنع، كما أجاب صاحب "التهذيب"، وليس كذلك لما ذكره الرافعي (١) في مسألة الحمل من التعليل بندرة الوجود؛ لأن اللبن في الشاة كثير أو غالب، وإنما هو لأجل الجَهالة، فإن قلت: الصحيح أن الحمل يُعلم، وأن بيع الجارية بشرط أنها حامل جائز.
قلت: بيع الجارية بشرط أنها حامل بيع معين، والشرط وصف فيه، وأمّا السلم فإنه متعلق بالوصف، فهو كبيع الجارية وحملها، وقد تقدم شيء من هذا في الجارية الحامل.
* * *
стр. 451
قال:
فصل [السلم في الأواني]
وفي السلم في الأواني المختلفة الأعلى والأسفل، كالإبريق، والمنارة، [والكيزان] (١) وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنها مختلفة الأجزاء، فلم يجز السلم فيها، كالجلود.
والثاني: يجوز؛ لأنه يمكن وصفها، فجاز السلم فيها كالأسطال المربعة، والصحاف الواسعة.
هذه الأواني، وكذلك الخباب، والطشوش، والقماقم، والطناجر، والبرام المعمولة إذا كانت مختلفة فيها وجهان:
الأول: المنع، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، ووافقه الرافعي (٢)، ولم يحك فيه خلافًا.
والثاني: اختيار القاضي أبي الطيب والماوردي وهو الأصح عند الروياني (٣)، وحكاه أبو الطيب عن نصه في "الأم"، وغَلَّطَ من قال بخلافه
стр. 452
وطرده في القمقم.
وقد رأيته في "الأم" في السلف في الشيء المصلح بغيره، قال: "ولا بأس أن يسلفه في طست، أو تور من نحاس أو رصاص أو حديد، ويشترط بسعة معروفة ومضروبًا أو مفرغًا أو بصنعة معروفة، ويصفه بالثخانة أو الرِّقة" (١)، وكذلك كل إناء من جنس واحد ضُبطت صنعته، فهو كالطست والقمقم.
قال: "ولو كان يضبط مع ذلك وزنًا كان أصح، وإن لم يشترط وزنًا صح إذا الشرط سعة" (٢).
وقال في آخره: "ولا بأس أن يبتاع منه صحافًا [وقدحًا ما] (٣) من نحو معروف وبصفة وقدر معروف من الكبر والصغر، والعمق والضيق، ويشترط أي عمل، ولا بأس إن كانت من قوارير، ويشترط جنس قواريرها ودقته وثخانته، ولو كانت القوارير توزن مع الصفة كان أحب إليَّ وأصح للسلف" (٤)، وهكذا في "البويطي" (٥) مختصرًا.
قال الشيخ أبو حامد: إن نصه في "الأم" اختلف، أشار في موضع إلى الجواز، وفي موضع إلى المنع، والأول: محمولٌ على ما لا يختلف كالسطول التي تستوي حيطانها، فإنه إذا ذكر قدر القامة والدور والثخانة والدقة وبقية الأوصاف جاز، والثاني: محمول على ما يختلف والكيزان والجوار المتحدة من الخزف كالمتحدة من النحاس، وكذلك أطلق
стр. 453
المصنف، ولم يقيد.
وقول المصنف في وصف الأصطال المربعة ليس بشرط بل المدورة أيضًا يجوز السلم فيها، كما عرفت في كلام أبي حامد.
واعلم أن الرافعي (١) جزم بالمنع إلا فيما يصب منها في القالب قال: فإنه يجوز السلم فيه؛ لأنه لا يختلف، وكذلك الأسطال المربعة وعَلَّل المنع في القسم الأول بندرة اجتماع الوزن مع الصفات المشروطة، ويتعذر ضبطها، وهذا يقتضي أن من جوزها يجوزها بالوزن.
والماوردي صَرَّح أنه ليس بشرط، وهو مقتضى نص الشافعي الذي تقدم.
وأما قوله: في الأسطال المربعة، فالحكم غير قاضٍ عليها، بل هي والمدورة كما في كلام أبي حامد، والصحاف الواسعة كما في كلام المصنف، وكل ما لا يختلف من ذلك مصبوبًا كان أو مضروبًا فإنه يجوز، وممن صرح بالجواز الماوردي.
وأما قوله: "إن ما يصب منها في القالب يجوز" يعني مع اختلاف نقل من ذكره من المانعين، لكنه حسن.
وأما الآنية القوارير فلا تعمل إلا مضبوطة مفتوحة.
قال الماوردي: لا يجوز السلم فيها مخروطة؛ لأن الخرط والنقش عمل غير مضبوط، وما فهمت ذلك.
فرع: لو شرط أن يكون الطست من نحاس وحديد جميعًا، أو نحاس ورصاص، لم يجز؛ لأنهما لا يخلصان، فيعرف قدر كل واحد منهما، نص عليه في "الأم" (٢)، وفرق بينه وبين الثوب المصبوغ بأن الصبغ
стр. 454
زينة لا يعتبر ضبط صفته بخلاف هذا، ويمكنك أن تحتج بهذا الفرع للمنع في الثوب المعمول من غزلين، ويمكن أن يفرق بين الغزلين ربما يكونان مزينين في الثوب بخلاف النحاس والحديد المخلوطين فيهما أشد جهالة، وفيه نظر؛ لأن الشافعي قال عقب ذلك: "وهكذا كل ما استصنع، فلا خير في أن يسلف في قلنسوة محشوة، وذلك لا يضبط وزن حشوها، ولا صفته، ولا يوقف على حد بطانتها" (١).
* * *
стр. 455
قال:
واختلف أصحابنا في السلم في الدقيق، فمنهم من قال: لا يجوز، وهو قول أبي القاسم الداركي ﵀؛ لأنه لا يضبط.
والثاني: يجوز؛ لأنه يذكر النوع، والنعومة، والجودة، فيصير معلومًا.
نص الشافعي في "الأم" (١) في باب السلم السلف في الشيء المصلح بغيره يدل على الجواز، وقطع به الشيخ أبو حامد، ونقله عن النص.
وقال الماوردي: أنه قول جمهور أصحابنا؛ لأن نصوص الشافعي دالة عليه، وإن لم تكن مصرحة فلا وجه لمن اشتبه عليه القول فيه من أصحابنا.
ومقتضى إيراد الرافعي (٢) ترجيحه، والمنع محكي عن الداركي (٣) وغيره من أصحابنا، وشروطه كشروط الحنطة إلا التعرض لمقدار الحب، وسنذكرها ويزيد الدقيق ثلاثة شروط أخرى:
أحدها: ما طحونة من رحاء الماء أو الدولاب.
والثاني: خشونة الطحن ونعومته.
والثالث: قرب زمان الطحن وبعده.
стр. 456
هكذا قال الماوردي، وفي السلم في السويق وجهان:
أحدهما: أنه كالدقيق بشروطه كشروطه إلا الرحا، فإنه لا يصلح إلا بالدولاب.
* * *
стр. 457
قال:
ولا يجوز السلم في العقار؛ لأن المكان فيه مقصود، والثمن يختلف باختلافه، فلا بد من تعيينه، [والمعين لا يثبت] (١) في الذمة.
هكذا جزم به الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، والمحاملي، والمتولي، والبغوي (٢)، والروياني (٣)، والرافعي (٤)، وآخرون، ونقله الشيخ أبو حامد عن "الأم" في الدور والضياع، ومرادنا بالعقار: كل بناء، وأرض، وشجر مغروس، فيدخل في ذلك الدور، والضياع، والبساتين.
* * *
стр. 458
قال:
فصْل [السلم في الشيء العام]
ولا يجوز السلم إلا في شيء عام الوجود، مأمون الانقطاع في المحل، فإن أسلم فيما لا يعم، كالصيد في موضع لا يكثر فيه، أو ثمرة ضيعة بعينها، أو جعل المحل وقتًا لا يأمن انقطاعه فيه، لا يصح [لما] (١) روى عبد الله بن سلام ﵁ (٢) أن زيد بن سَعْنَة، قال لرسول الله ﷺ : يَا مُحَمَّدُ هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَني تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ قَالَ: "لَا يَا يَهُودِيُّ وَلَكِنِّي أُبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى كَذَا وَكَذَا مِنَ الأَجَلِ"، ولأنه لا يأمن أن يتعذر السلم فيه، وذلك غرر من غير حاجة، فمنع صحة العقد.
عبد الله بن سلام بن الحارث الصحابي المشهور أحد الأحبار، أسلم يوم قدوم النبي ﷺ المدينة وسماه: عبد الله، وكان اسمه الحصين، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وهو من بني إسرائيل من سبط يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -صلى الله عليهم وسلم أجمعين- وكان حليفًا للقواقلة من الأنصار، والقواقلة كل من كان من بني غنم وبني سالم ابني عوف بن
стр. 459
عمرو بن عوف بن الخزرج، يقال لهم: بنو قوقل، واختلف في المسمى بقوقل، فقيل: غنم، وقيل ثعلبة بن دعد من نسله كان له عز، فكان يقول للخائف إذا جاءه: قوقل حيث شئت فإنك آمن؛ أي: انزل، فغلب ذلك عليهم، توفي عبد الله بن سلام بالمدينة سنة ثلاث وأربعين.
وزيد بن سعنة صحابي كان من أحبار اليهود، ثم أسلم وشهد مع النبي ﷺ مشاهد كثيرة، وقال: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه محمد ﷺ ، وتوفي في غزوة تبوك مُقبلًا إلى المدينة، وسَعْنَة بفتح السين المهملة والنون، وهذا الحديث رواه البيهقي (١).
وفي آخره من كلام النبي ﷺ بعد ما ذكره المصنف، "وَلَا أُسَمِّي مِنْ حَائِطِ بَني فُلَانٍ"، ورواه الدارقطني في كتاب "المؤتلف والمختلف"، وفيه فقال رسول الله ﷺ : "لا أَبِيعك وسوقًا مُسماة من حائط مسمى إلى أجل مسمى، ولكني أبيعَك وسوقًا مسماه إلى أجل مسمى" (٢)، فأعطاه زيدًا ثلاثين دينارًا، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أتى النبي ﷺ ، وهذا اللفظ أحسن من الاستدلال، فإنه يدل على أن تسمية الحائط ممتنعة.
واللفظ الذي ذكره البيهقي، والمصنف من قوله: "حائط بني فلان"، قد يتوهم أن المانع فيه كونه مملوكًا للغير، فإن [أزالت] (٣) رواية الدارقطني هذا الوهم، وإن كان بعيدًا، وروى ابن ماجه (٤) الحديث بالإسناد الذي إليه ينتهي إسناد الدارقطني والبيهقي، ولكن من غير ذكر زيد بن سعنة فيه أن عبد الله بن سلام قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ بَنِي فُلَانٍ أَسْلَمُوا -
стр. 460
لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ- رَأَيْتهُمْ قَدْ جَاعُوا، فَأَخَافُ أَنْ يَرْتَدُّوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ عِنْدَهُ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: عِنْدِي كَذَا وَكَذَا -لِشَيْءٍ قَدْ سَمَّاهُ- أُرَاهُ قَالَ: ثلاثُ مئة دينارٍ بسِعْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بِسِعْرِ كَذَا وَكَذَا إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ" ولعل الرجل المبهم في هذا الحديث هو زيد بن سعنة، ولأجل ذلك نسب صاحب "التنقيب" حديث الكتاب إلى ابن ماجه ورواه الحاكم في "المستدرك" (١)، فذكر منه قطعة من حديث زيد بن سعنة، ووفاء النبي ﷺ ، ولم يذكر موضع الاستدلال وقال: إنه حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الحافظ أبو الحجاج المزي أبقاه الله: "إنه حديث حسن مشهور في دلائل النبوة" (٢).
قلت: ومدار الحديث من الكتب كلها على محمد بن حمزة بن يوسف، ويقال: ابن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، قد قال أبو حاتم: أنه لا بأس به وأبوه حمزة ذكره ابن حبان في الثقاة من التابعين، لكن وقع في حديثه هذا اضطراب ففي ابن ماجه عن أبيه، عن جده عبد الله بن سلام، وفي "المستدرك" عن أبيه، عن جده أن زيد بن سعنة، ولا منافاة بينهما، وفي البيهقي، عن أبيه، عن جده قال: قال عبد الله بن سلام، وفي الدارقطني عن رجل من أهل بيته، عن أبيه، عن جده فقال: قال زيد بن سعنة، وقال البخاري في ترجمة محمد بن حمزة: هذا عامة حديث مرسل، وليس بدال.
وقد يقال: إن هذا الاضطراب لا سيما ما ذكره الدارقطني من الرجل المجهول مع كلام البخاري موجب للتوقف في الحكم بصحة الحديث أو بحسنه، لكني تأملت ذلك فوجدت الراوي له عن محمد بن حمزة رجلين