ثم قال: "وإن ترك من هذا شيئًا لم يجز" (١)؛ لكنه في "مختصر المزني" "وأن يصف ذلك بحصاد عام مسمى أصح" (٢)؛ فهذا النص يدل على عدم وجوبه، قالوا هنا: ولا يحتاج مع إضافتها إلى البلد أن يذكر النوع، واشترط الماوردي تبعًا للشافعي والشيخ أبي حامد أن يقول: مجلوبة أو مولدة، فإن المجلوبة خير من المولدة التي تغترب بالبرية، ولا يجوز السلم في حنطة مبلولة، نص عليه. والذرة يذكر فيها ما يذكر في الحنطة.
فرع: الصوف يذكر بلده ولونه وطوله وقصره، وخريفي أو ربيعي، فإن الخريفي أحسن؛ لأنه من الربيع من ذكر أو إناث، من صغارها أو كبارها، والأكثرون استغنوا بذلك عن ذكر النعومة والخشونة، ومقتضى كلام الماوردي أنها تشترط أيضًا.
ونص الشافعي (٣) أن ذكر كونه نقيًّا أو مغسولًا شرط، وأوله الأصحاب على الاحتياط.
ومنهم من قال: إن شرط الغسل واجب، ولا نزاع أن شرط الغسل جاز إلا أن يعيبه الغسل، ولا يقبل إلا نقيا من السول والبعر وهو موزون، والشعر والوبر كالصوف، إلا أن الماوردي لم يشترط في الوبر ذكر النعومة والخشونة إذ لا يختلف.
فرع: "القطن يبين بلده، ولونه، وكبره، لحمه، وقلته، والخشونة، والنعومة، وكونه عتيقًا، أو جديدًا إن اختلف الغرض، والمطلق
стр. 492
محمول على الخام"، هكذا قال الرافعي (١).
وقال الشافعي: "إن كان يكون نديًّا سُمّي (٢) جافًّا، ومطلقه محمول على ما فيه الحب كالنوى في التمر" (٣)، هكذا قاله الرافعي (٤)، واقتضاه نص الشافعي.
فإن شرط كونه حليجًا جاز، وقال الماوردي: إنه يشترط كونه لقط رطبًا أو يابسًا، وكونه طويل الشعرة أو قصيرها، وكونه حليجًا أو منقًّا أو باقيًا في حبه، وكونه لقط في أول السنة عند شدة الحر أو في آخرها وقت البرد إلا أن يكون في بلد لا يختلف فيها بذلك.
واختار الروياني (٥) ما ذكره الماوردي من كونه لابد من اشتراط كونه حليجًا أو مع الحب، ونسب ما ذكره الرافعي (٦) إلى اختيار الشيخ أبي حامد، وليس الأمر كما ذكره؛ لِمَا أعلمتك من نص الشافعي.
ويجوز السلم في حب القطن، ولا يجوز في القطن في الجوز قبل الشقق، أما بعده ففي "التهذيب" (٧): أنه يجوز، وقال في "التتمة": ظاهر المذهب أنه لا يجوز لاستتاره، وهو الذي أَطلق العراقيون حكايته عن النص، ولا مجال لقول بيع الغائب في السلم.
فرع: الإبريسم يبين لونه وبلده، وغلظه ولا يشترط النعومة؛ لأنه لا يكون إلا كذلك، قال الماوردي: ويبين طول الشعرة أو قصرها،
стр. 493
ولا يسلم في عمل صانع بعينه.
ولا يجوز السلم في القز، وفيه الدود حيًّا ولا ميتًا؛ لأنه يمنع معرفة وزن القز، وبعد خروج الدود يجوز بعد ذكر البلد والصغر، أو الكبر واللون، وأمَّا سلخ القز، قال الماوردي: وهو ما طير منه فوق الإبريسم فيجوز السلم فيه، ويحتاج إلى البلد واللون.
فرع: الغزل يذكر فيه ما يذكر في القطن والرقة والغلظ، قال الماوردي: ويبين هل هو من غزل الشتاء أو الصيف، وهل هو بالمغزل أو بغيره، ويجوز السلم في غزل الكتان، ويجوز شرط كونه مصبوغًا، ويجب بيان الصبغ، وقد تقدم.
فرع: قال الماوردي: لا يجوز السلم في الكتان على خشنة، فإن دق وصار مسرجًا جاز، ويصف بلده ولونه وطوله والنعومة والدقة والحداثة.
فرع: الثياب يذكر جنسها من إبريسم، أو قطن، أو كتان، والنوع والبلد الذي نسج فيه إن اختلف الغرض به، وقد يغني النوع عنه، وعن الجنس أيضًا، ولا يغني هو عنهما إذا كان ما يعمل فيه مختلفًا، ويبين الطول والعرض، والخشونة والنعومة، والغلظ أو الرقة، والصفاقة أو الرقة أو التوسط، ولم يكتب الشافعي بالصفاقة حتى يضيف إليها الرقة؛ لأن الصفيق قد يكون غليظًا، ويجوز في المقصور، والمطلق يحمل على الخام.
قال الشيخ أبو حامد: فإن أحضر المقصور كان أولى.
قلت: إلا أن يختلف الغرض به فلا يجب القبول ولا يجوز أن يذكر نسج
стр. 494
رجل بعينه، قال الماوردي: إلا أن يكون استعمالًا من النسج ينسب إلى رجل بعينه إضافة تعريف، وليس من نسجه فيجوز، ولا يجوز في الملبوس نص عليه الشافعي (١) والأصحاب لعدم انضباطه.
وأطلق الشافعي أن المغسول لا يجوز السلم فيه، قيده الأصحاب بالمغسول بعد اللبس، أما المغسول الجديد فيجوز.
قال الماوردي: ولا يجوز في الثياب المنقوشة كالسقلاطورة والحلل الديباج لأن ضبط نقشها يتعذر.
وقال الروياني مع ذلك: "يجوز في الإبراد والعنابي والحبرة وعصب الثمن؛ لأن تخطيطها مضبوط، ويصف تخطيطه في ضيقه وسعته" (٢).
ويجوز في اللبد والأكسية، ولا يجوز في الزلال المنقوشة، ولا يجوز في الجباب والقلانس؛ لما فيها من الحشو والأجناس المختلفة.
قال الصيمري: ويجوز في القُمص والسراويلات إذا ضبطت طولًا وعرضًا، وسعة وضيقًا، وتابعه الروياني (٣).
فرع: الخشب أنواع، فمنه الحطب يذكر نوعه وغلظه ودقته، أو توسطه وأنه من نفس الشجرة أو من أغصانها، ووزنه، ولا يجب التعرض للرطوبة والجفاف، والمطلق محمول على الجاف، ويجب قبول المعوج والمستقيم.
ومنه ما يطلب للبناء كالجذوع، فيذكر النوع والطول، والغلظ والرقة، ولا يشترط الوزن على الصحيح، وشرطه الشيخ أبو محمد، ولو ذكره جاز
стр. 495
بخلاف الثياب حيث اختلفوا فيها؛ لأن الخشب يمكن نحته حتى يعود إلى القدر المشروط، ولا يجوز السلم في المخروط لاختلاف أعلاه وأسفله، هكذا قالوه، وينبغي أن يكون فيه الخلاف في الأواني المختلفة.
ومنه ما يطلب لنصب السكاكين والدواة وما أشبه ذلك من الخشب اللطيف، فيحتاج فيه إلى الوزن والدقة والغلظ، قاله الماوردي.
ومنه ما يطلب للغراس فيسلم فيه بالعدد، ويذكر النوع والطول والغلظ.
ومنه ما يطلب ليتخذ منه القسي والسهام فيذكر فيه النوع والدقة والغلظ، ونص الشافعي أنه يتعرض لكونه سهليًّا أو جبليًّا، ويُعين الأرض وعرض رأسه وما بين الطرفين من الغلظ وكونه مستوي النبتة، ومنهم من قال بذكر اللون أيضًا فيه، وفي خشب البناء.
فرع: الجديد يذكر نوعه، وذكر أو أنثى ولونه وخشونته أو لينه، والنحاس يُذكر نوعه من شبه وغيره، والرصاص نوعه من قلعي وغيره، ولونهما وخشونتهما ولونهما، والوزن فيهما، وفي الحديد، وإن كانت معادنهما يختلف ذكرها.
ومنع بعض الأصحاب من السلم في الصفر، وقال: إنه أخلاط يجمع ويسبك، وذهب سائر الأصحاب إلى جوازه؛ لأنه وإن كان أخلاطا فهي مقدرة إن زيد فيها أو نقص فسد، وهكذا اختلفوا في جوهر الزجاج؛ لأنه أخلاط مجموعة.
قلت: وهذا بعيد؛ لأنه قد صار شيئًا واحدًا لا يُعد مختلطًا، وإذا أسلم في الدراهم والدنانير لا يحتاج إلا إلى السَّكة والضرب، فإن لم يذكر أنها مضروبة لزمه فضة خالصة أو ذهب مسبوك.
стр. 496
فرع: كل ما شرط ينزل على أقل الدرجات، وحيث اشترطنا ذكر البلد فيما تقدم فالمراد به البلد الكبير الذي لا يكون ذكره وتعيينه مُفسدًا للعقد.
فرع: قسم الماوردي البقول على ثلاثة أقسام: قسم المقصود منه شيآن، كالخس والفجل يقصد اللب والورق؛ فالسلم فيه باطلا لاختلافه.
وقسم المقصود منه شيء واحد وكله مقصود فيجوز وزنًا.
وقسم يتصل به ما ليس بمقصود، كالجوز والسلجم، فلا يجوز إلا بعد قطع ورقه، وأما الباذنجان بأقماعه فيحتمل أن لا يجوز إلا بعد قطع أقماعه، ويحتمل أن يجوز قبله.
فرع: يجوز السَّلم في قصب السكر بالوزن، ويشترط قطع أعلاه الذي لا حلاوة فيه، هكذا قال الشافعي (١)، قال المزني: وأنا أقول: "وقطع مجامع عروقه من أسفله" (٢).
واختلف الأصحاب في اشتراط ما ذكره المزني على وجهين.
فرع: الرداءة والجودة في جميع ما ذكر هل يجب التعرض لها؟ أمَّا الجودة فلا خلاف أن ذكرها لا يضر، وهل يشترط، بمعنى أنه لابد من ذكرها، أو ذكر ضدها، حكى الماوردي فيه خلافًا، وأكثر العراقيين على اشتراطه جزمًا، وهو المنصوص في مواضع من "الأم" (٣) نصًّا صريحًا،
стр. 497
اشترط أن يذكر جيدًا، أو رديئًا، أو وسطًا.
وتبعه الماوردي على إثبات الوسط بين الجيد والرديء، ونقل الرافعي "عن غير العراقيين أنها لا تشترط، ويحمل المطلق على الجيد، قال: وهو الأصح" (١)، وما صححه صحيح إن فسرت الجودة بالسلامة من العيوب، وإن فسرت بزيادة على ذلك لم يصح، بل لابد من التعرض لها كما اقتضاه النص، وأما الرداءة فهل يجوز ذكرها أو لا؟ الحق أن يقال: إن رداءة النوع يجوز ذكرها قطعا، بل يجب، وأن رداءة العيب فيها خلاف.
والأصح أنه لا يجوز ذكرها، ولا خلاف أن ذكرها بعينها ليس بشرط، ومقتضى كلام الرافعي عكس هذا أن رداءة العيب لا تجوز قطعًا، وأن في رداءة النوع خلافًا، وأن الأكثرين على الجواز، وقال النووي (٢): إن الإمام قال بالبطلان.
والذي رأيته في "النهاية" (٣) الجواز في رداءة النوع، والمنع من رداءة الوصف، وإنما رجحت ما قلته على ما قاله الرافعي؛ لأن في "البويطي" (٤) أنه يصف بالجودة والوسط، ولا يجوز أن يشترط رديء؛ لأنه لا يقع على حدة.
وقد قيل: يجوز السلم -السلف- في الرديء، هذا لفظه في "البويطي" (٥)، فوجب أن يكون له في جواز اشتراط الرديء قولان، والمراد بهذا الرديء: رداءة العيب لأمرين، أحدهما: قوله: لا يقع على حدة.
стр. 498
والثاني: أن رداءة النوع مثلوها بالجعرور ومصران الفأرة، وشبهها في التمر.
والشافعي قد ذكر أنه يذكر الصنف، ويذكر منه الجيد أو الرديء، ولا نزاع في أن التعرض للنوع واجب، فكيف يقال: إن رداءة النوع لا يجب ذكرها، ومن ضرورة إهمالها النوع، وهذا لا يخفى على متأمل:
وليس معنى قولنا: إن رداءة النوع يجب ذكرها إلا أنه يذكر النوع المعروف بالرداءة لا أنه يذكره، ثم يذكر كونه جيدًا أو رديئًا، فإن ذلك هو رداءة الوصف، وفي هذا موافقة للرافعي (١) في بعض ما قاله في المعنى، وإن خالفه في العبارة فيقطع بأنه لابد من ذكر النوع جيدًا كان؛ كالصيجاني، والبرني، أو رديئًا كالجعرور، ومصران الفأرة، ويجوز محل الخلاف في رداءة الوصف التي لا تُوقف على حدها، والأصح أنه لا يجوز ذكرها للجهل، وهو الذي اقتضى تقديمه في "البويطي" (٢) ترجيحه.
نعم، هاهنا نظر آخر، وهو أنه يمكن أن يقال: إن رداءة الوصف غير رداءة العيب، كما أشرنا إليه في أن الجودة قد يقال: إنها أزيد من السلامة من العيوب، فإذا فسرت الرداءة بانتفاء ذلك الوصف، وإن لم يكن معيبًا أمكن أن ينزل عليه الخلاف المذكور في "البويطي"، ويجزم في المعيب بالبطلان.
وحينئذ تصير الرداءة على ثلاثة أقسام: رداءة النوع، وذكرها شرط قطعًا بذكر ذلك النوع، ورداءة العيب، وذكرها مفسد، ورداءة الوصف، وهي محل الخلاف، فإن صح ذلك كان الأصح في رداءة الوصف أيضًا الاشتراط على خلاف ما صححه الرافعي لاختلاف الغرض به.
ويوافق ذلك قول الشيخ أبي حامد في الجيد والرديء: مشترط ليس
стр. 499
المراد به العيب، وإنما المراد به الدون، وعلى هذا يكون ذكر واحد من الجودة أو الرداءة شرطًا بعد ذكر النوع، وهو إطلاق العراقيين فليتأمل ذلك.
وتجويز الشافعي اشتراط الوسط بين الجيد والرديء يقتضي أن من ذلك. ما لا يصدق عليه جيد ولا رديء، فإن كان كذلك فمن ضرورة ذكره عدم ذكر الجيد والرديء، ويكون الشرط واحد من الثالثة.
فرع
العيب الذي لا ينضبط كلام الشافعي والأصحاب جازم بأنه لا يجوز شرطه وقد علمت ما ذكرناه في رداءة العيب، والعيب المنضبط يجوز شرطه كقطع اليد والعمى والعور ونحوه.
فرع
لو أطلق شرط الرداءة من غير تعيين، قال أبو إسحاق العراقي: قال الأصحاب: يجوز، ويحمل على رداءة النوع إذ هو المتعارف.
قلت: ولا يصح ذلك؛ لأن تعيين النوع شرط.
* * *
стр. 500
قال:
ويرجع فيما لا يعلم من ذلك إلى نفسين من أهل الخبرة.
الأوصاف تكون مشهورة، وقد تكون غريبة كما في بعض أنواع العطر، ولابد من معرفة المتعاقدين بها، فلو جهلاها أو أحدهما لم يصح، والأصح المنصوص أنه لابد مع معرفتها من معرفة غيرهما ليرجع إليه عند التنازع.
وقيل: يكفي معرفتهما والنص محمول على الاحتياط.
فإن قلنا بالصحيح فهل يعتبر فيها الاستفاضة أو يكفي معرفة عدلين سواهما؟ فيه وجهان، أصحهما الثاني، وهو الذي نص عليه في "الأم" (١) في باب متاع الصياد له، ويجري الوجهان فيما إذا لم يعرف المكتال إلا عدلان، وقد تقدم بيانه.
إذا عرفت ذلك فينبغي أن يحمل قول المصنف على أنه يرجع إلى عدلين عند التنازع فيما يحضره المسلم إليه، هل هو بذلك الوصف أو لا حيث يكون الوصف خفيًّا يقبل النزاع، وليس المراد بالاكتفاء بمعرفتهما حالة العقد ليوافق قوله ما ذكره الأصحاب.
* * *
стр. 501
قال:
وإن شرط الأجود لم يصح العقد؛ لأنه ما من جيد إلا ويجوز أن يكون فوقه ما هو أجود منه؛ فيطالب به فلا يقدر عليه.
تقدم الخلاف في اشتراط ذكر الجودة، وسواء اشترطناها أم لا فاشتراط الأجود لا يجوز، هذا هو الصحيح المنصوص الذي قطع به الأكثرون لما ذكره المصنف، ولأنه غير معلوم فكأنه شرط شيئًا مجهولًا؛ لأن الأجود عند الإطلاق يقتضي أعلى درجات الجودة؛ فأي شيء أتى به ينازعه المسلم في أنه هو الأعلى؛ لأنه لا يكتفي منه بدونه، بخلاف الجيد فإن له ما صدق عليه اسم الجودة، ويكن الإتيان به بحيث لا يقبل المنازعة.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن من أصحابنا من خرج قولًا أنه جائز؛ فاجتمع في المسألة طريقان، أحدهما: القطع بالمنع، وهي المذهب.
والثانية: على قولين وهي ضعيفة، واعلم أن الأجود هنا المراد به في الصفات لا في الأنواع لم يجز أيضًا؛ لأن تعيين النوع لابد منه.
ولكن العلة المذكورة من كونه لا جيد إلا ويجوز أن يكون فوقه ما أجود منه لا يأتي هنا؛ لأن الأنواع قد تكون معلومة ويعرف ما هو الأعلى منها؛ فلا يقبل النزاع، لكن لابد من تعيين النوع فلذلك يفسد، وهذا قلته تفقهًا لا نقلًا.
* * *
стр. 502
قال:
وإن شرط الأردأ، ففيه قولان، أحدهما: لا يصح؛ لأنه ما من رديء إلا ويجوز أن يكون دونه ما هو أردأ منه [فيصير كالأجود.
والثاني: أنه يصح؛ لأنه إن كان ما يحضره هو الأردأ فهو الذي أسلم فيه، وإن كان دونه أردأ منه] (١) فقد تبرع بما أحضر فوجب قبوله فلا يتعذر التسليم.
الخلاف في ذلك قولان، ويقال: وجهان: المنصوص في "المختصر" (٢) و"الأم" (٣) المنع كما في الجودة؛ فيفسد العقد، وعلله الشافعي في "الأم" بأن الأردأ لا يوقف عليه، وصححه الجوري والروياني (٤)، وقال الشافعي في "الأم": "الرديء قد يكون بالعرق وبالسوس وبالقدم؛ فلا يوقف على حده" (٥).
وأصحهما عند جماعة منهم الرافعي (٦)، والنووي (٧): الجواز، ونص عليه في "الأم" (٨) في باب السلف في الزيت، قال: إنه يكرهه، ولا يفسد به العقد، وعلله بما ذكره المصنف، والتحقيق إن عللنا المنع في الأجود
стр. 503
بالنزاع، وامتناع المسلم من القبول فيصح؛ لأن امتناعه من الرديء وطلب الأردأ تعنت، وإن عللنا بالجهل فلا يصح؛ لأن الأدنى ليست له رتبة معلومة، وصار كالأجود.
والذي يظهر أن هذا الخلاف جار سواء منعنا اشتراط الرديء أو جوزناه، فإنا إن منعناه فلعدم الوقوف عليه يتنازعان أن الذي أحضره غيره أصلح أم لا؟ كما اقتضاه كلام الشافعي، وهذا النزاع مفقود في الأردأ لعلة الوجه الثاني، وإن جوزنا اشتراط الرداءة فقد يمنع اشتراط الأردأ للجهل به.
ويظهر أيضًا أن هذا لما هو في رداءة الوصف أو العيب إن تمايزنا بينهما، أما رداءة النوع فإذا شرط أردأ الأنواع يتجه أن يقال: لا يصح؛ لأن تعيين النوع لابد منه كما قلناه في الأجود، وجعل أبو إسحاق العراقي القولين في شرط الأردأ من حيث النوعية، وأظن ذلك تفقها منه، ووهمًا، وكيف يقال: إنه إذا أتى بالأجود من حيث النوعية يجب القبول، والأكثرون على عدم وجوب أخذ النوع عن النوع أو على منعه.
* * *
стр. 504
قال:
وإن أسلم في ثوب بالصفات التي يختلف بها الثمن، وشرط أن يكون وزنه قدرًا معلومًا، ففيه وجهان، أحدهما لا يصح، وهو قول الشيخ أبي حامد الأسفراييني ﵀؛ لأنه لا يتفق ثوب على هذه الصفات مع الوزن المشروط إلَّا نادرًا؛ فيصير كالسلم في جارية وولدها، وكالسلم فيما لا يعم وجوده. والثاني: أنه يجوز؛ لأن الشافعي - رحمة الله عليه - نص على أنه إذا أسلم في آنية وشرط وزنًا معلومًا جاز، فكذلك ها هنا.
قول الشيخ أبي حامد جزم به الرافعي (١)، والثاني رأيته منصوصًا في (الأم) (٢) في الآنية من المرمر، ذكره في باب السلف في الحجارة، والصفات التي يجب ذكرها في الثياب سيأتي.
وفصل الماوردي، فقال: إن أمكن نسجها في ذلك الطول والعرض بذلك الغزل من وزن معروف فلا يتعداه؛ جاز ويكون أولى من الإخلال به، وإن كان يتعذر على صناعه لم يجز، وكان السلم باطلًا، قال: وقد نص الشافعي على هذا في "الأم" (٣).
* * *
стр. 505
قال:
فصل [الأجل المعلوم]
وإن أسلم في مؤجل وجب بيان أجل معلوم لحديث ابن عباس ﵁: [أن] (١) النبي ﷺ قال: "أَسْلِفُوا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (٢). ولأن الثمن يختلف باختلافه فوجب بيانه؛ كالكيل والوزن وسائر الصفات.
هذا صحيح، ولا خلاف لو أجل لمجيء المطر لم يصح، وكذا بقدوم الحاج، وما أشبهه، أو أن يقول: إلى شهر كذا فإن لم يتهيأ فإلى شهر كذا، ويشترط مع علم الأجل أن يكون إلى وقت يتيسر فيه المُسَلَّمُ فيه على ما تقدم بيانه.
* * *
стр. 506
قال:
والأجل المعلوم ما يعرفه الناس؛ كشهور العرب، وشهور الفرس، وشهور الروم، وأعياد المسلمين والنيروز والمهرجان.
شهور العرب التي أولها المحرم، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ وأجمعوا على جواز التأجيل بها (١).
وشرط التأجيل بها على ما قال الماوردي، والفوراني: أن يكون المتعاقدان (٢) عارفين بذلك.
فإن لم يكونا عارفين، لم يصحَّ قولًا واحدًا، وشهور الفرس كإسفندار، وشهور الروم؛ كتموز وحزيران.
فإن كان العاقدان جاهلين بها لم يجز التأجيل بها، وإن كانا عالمين بها فالمشهور الجواز.
وفي "الحاوي" عن البصريين المنع، وجعله كالخلاف في الفصح ونحوه، وأعياد المسلمين الفطر والأضحى، والتأجيل بهما جائز، وكذلك بعرفة وعاشوراء؛ لأنها معروفة مضبوطة، لكن في العيد إذا أطلق يكون لربيع وجمادى عند الإطلاق، فيجري فيه الخلاف إلا أن يكون بين العيدين فينصرف إلى عيد النحر؛ لأنه الذي يليه حج.
والنيروز معروف، والمهرجان والتأجيل بهما مختلف فيه؛ فالأصح الصحة، وبه قال البغداديون من أصحابنا، وهو الذي أورده ابن الصباغ
стр. 507
والبندنيجي وسليم، والمصنف وغيرهم، واختاره الإمام (١) والغزالي (٢).
وعن البصريين منعه، وفي كلام "المختصر" (٣) لهم متعلق غير سالم من نزاع.
وعلله الإمام (٤) بأنهما مطلقان على الوقتين الذي تنتهي الشمس فيهما إلى أوائل برجي الحمل والميزان، وقد يتفق ذلك ليلا ثم ينحبس سير الشمس كل سنة قدر ربع يوم وليلة [ … ] (٥).
والصحيح الجواز، وليس كما يختص به أهل الكتاب من أعيادهم، والمعروف في هذه البلاد أن إليه [ورّادًا وفي يوم من يوم] (٦)، وذلك قبل انتهاء الشمس إلى برج الميزان بأيام والبيع إلى الصدر وهو يوم النفر من منى جائز، نص عليه في "الأم" (٧).
* * *
стр. 508
قال:
فإن أسلم إلى الحصاد، أو إلى العطاء، أو إلى عبد اليهود والنصارى، لم يصح؛ لأن ذلك غير معلوم؛ لأنه (١) يتقدم ويتأخر.
التأجيل بالحصاد مفسد سواء كان إلى نفس الحصاد أم إلى وقت الحصاد؛ لأن الوقت يتقدم ويتأخر، وهذا مطرد في تأجيل السلم والثمن، وفي صحة تأجيل الضمان بوقت الحصاد وجه، وعن مالك (٢)، وأحمد (٣) وأبي ثور: جواز التأجيل بالحصاد، والتأجيل بالعطاء مفسد إذا أريد حصوله (٤).
وممن قال بذلك ابن عباس، وأبو حنيفة (٥)؛ لأنه لا يدري متى حصل، فقد يؤخره السلطان عن حينه. وعن ابن عمر: أنه كان يبتاع إلى العطاء. وقال ابن أبي ليلى: يصح العقد والمال حال، "وقد ذهب ابن خزيمة فيما حكاه الرافعي (٦) عن ابن كج عنه إلى جواز التأجيل بالميسرة؛ لما روى النسائي (٧)
стр. 509
عن عائشة؛ "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى يَهُودِيٍّ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ".
وأجابوا عنه بجوابين، أحدهما: لعل الوقت كان معلومًا.
والثاني: أنه من رواية حربي بن عمارة، وقد قال أحمد: فيه غفلة، إلَّا أنه صدوق.
قال ابن المنذر: ولم يتابع عليه، فأخاف أن يكون من غفلاته. وعد النووي قول ابن خزيمة هذا من الوجوه الشاذة.
أما التأجيل بوقت العطاء، فجائز إذا كان معلومًا؛ فإنه وقت لا يتقدم ولا يتأخر، وعيد اليهود الذي يمثل الفقهاء به كثيرًا الفطير، وعيد النصارى الفصح بالصاد، وفي كلام الشافعي بالسين، وهو عيدهم يأكلون فيه اللحم، والتأجيل به نص الشافعي (١) على فساده؛ لأنه مجهول؛ فإن لهم فيه حسابًا ينسبون فيه أيامًا، ويتقدم ويتأخر، ولا يمكن قبول شهادة النصارى فيه.
وقال الأصحاب: إن علمها المسلمون دونهم فوجهان؛ أصحهما: وبه قال البغداديون: الجواز.
والثاني: وهو قول البصريين: المنع، قال الإمام (٢): ولا وجه له إلَّا التأقيت بأعياد الكفار، وإن لم يعرفها المسلمون إلَّا منهم اتفق الأصحاب على المنع، واستدرك ابن الصباغ ما إذا كانوا عددًا كثيرًا في البلاد الكبار بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب.
ولا فرق في جميع ما ذكر بين الفصح للنصارى والفطر لليهود، وسائر أعياد المسلمين أهل الملك، وإذا قلنا: لا يجوز التأجيل بهذه الأعياد، ففي
стр. 510
تأجيل الضمان بها قولان عن ابن سريج، وهما في "الحاوي" في بابه.
ولو قال: إلى الصيف أو إلى الشتاء لم يجز؛ إلا أن يريد الوقت، ولما تكلم الرافعي في التأجيل بالفصح والنيروز قال: "إنه لو عرفها المتعاقدان دون غيرهما كفى في الأصح" (١).
وقيل: لابد من معرفة عدلين سواهما، ولو عرفها الناس ولم يعرفها المتعاقدان كفى عند الأكثرين، هكذا قال.
والذي قاله الفوراني والماوردي: أنه إن لم يكن معلومًا عندهما لم يجز؛ وإن كان معلومًا عندهما، فالأصح الجواز، وفرق الرافعي على ما ذكره بين صفات وبين المسلم فيه حيث يشترط علم المتعاقدين، وكذا علم غيرهما على الأصح؛ فإن الجهالة هنا راجعة إلى الأصل؛ فاحتمل فيها ما لم يحتمل في الأوصاف.
* * *
стр. 511
قال:
وإن جعله إلى شهر ربيع أو جمادى صح، وحمل على الأول منهما، ومن أصحابنا من قال: لا يصح حتى يبين، والمذهب الأول؛ لأنه نص على أنه إذا جعل إلى النفر [حمل على النفر] (١) الأول.
إن قيد بالأول أو بالثاني صح في الجميع، ولا إشكال، وإن أطلق وهي مسألة الكتاب، فالوجهان في ربيع وجمادى مشهوران في الطرق، ونقلهما الخراسانيون عن صاحب "التقريب" في النفر أيضًا.
والصحيح الصحة، والحمل على الأول في المسألتين عند أكثر الأصحاب، و به جزم ابن الصباغ إلَّا أن الأرغياني (٢) اختار الفساد في مسألة النفر، وهو غاية البعد.
وقد يقول المنتصر للوجه الضعيف في ربيع بأن الاسم صادق على الأول، والثاني بالاشتراط، فهو متردد بينهما، والنفر صادق على الأول والثاني بالتواطؤ فلا يلزم من نص الشافعي في الثاني أن يطرد في الأول، فإن المتواطئ يكفي فيه المسمى، والمشترك متردد لا دلالة له على واحدة بعينه، ألا يمكن هنا القول بحمله على الجميع، كما يقوله الشافعي.
هذا غاية ما يمكن في الفرق، وفيه نظر.
стр. 512
قال الرافعي: "ولا يحتاج إلى تعيين السنة إذا حملنا المذكور على الأول" (١).
قلت: وعلى الوجه الآخر إذا قيده يحتمل أيضًا ألا يحتاج إلى تعيين السنة، ويحتمل أن يحتاج، وهو قياسه، وحينئذ يطرد ذلك في جميع الشهور، ولو قيد النفر بالأول أو الثاني ارتفع الإشكال، وفي "الحاوي": أن التأجيل بالنفر الأول أو الثاني يصح لأهل مكة؛ لأنهم يعرفون أن الأول الثاني عشر من ذي الحجة، والثاني الثالث عشر، وفي جوازه لغيرهم وجهان.
ولو أجل بالقر وهو الحادي عشر أو بالجلاء وهو الثالث عشر لم يجز لغير أهل مكة لجهلهم به، وفي جوازه لأهل مكة وجهان، وجه المنع أنه لا يعرفه إلَّا خواصهم، قال الرافعي: "وهذا غير فقيه؛ لأنا إذا اعتبرنا علم المتعاقدين فلا فرق، وإلا فهي مشهورة في كل ناحية عند الفقهاء وغيرهم" (٢).
وأجاب النووي بأن مراده لغيرهم غير الفقهاء والحجاج ومن في معناهم ممن يعرفه، قال: وهذا الوجه الذي ذكره في "الحاوي" قوي، ودعوى الإمام الرافعي شهرته عند غير الفقهاء ففي معناهم لا تقبل، ربما لا يعرف السفر كثير من الفقهاء" (٣).
الماوردي موافق للأصحاب في الصحة، وأما تردده في جوازه لغير العارف به، فهو كالتردد في أنه هل يشترط معرفة المتعاقدين بالأجل، والصحيح لا.
* * *
стр. 513
قال:
وإن قال: إلى يوم كذا، كان المحل إذا طلع الفجر، وإن قال: إلى شهر كذا كان المحل إذا غربت الشمس من الليلة التي يرى فيها الهلال.
في اليوم خلاف شاذ أنه من طلوع الشمس، ولكنه ليس في المذهب بل لبعض العلماء وقد أطبق أصحابنا على الحلول بأول جزء منه لتحقق الاسم به، وربما يقال بانتهاء ليلته وانسلاخ الشهر الذي قبله، قال الرافعي: والمقصود واحد (١).
قلت: وقد فرق الماوردي بين التأجيل برمضان وسلخ شعبان وإن كان الحلول فيهما بغروب الشمس، فقال: إن غروب الشمس فيما إذا كان الأجل سلخ شعبان يكون مقارنا للحلول، وفي قوله: إلى رمضان يكون متقدمًا عليه.
وأما ما قاله الماوردي صحيح، والمعتبر الفجر الثاني، ولا فرق في ذلك بين أن يقول: إلى يوم الجمعة، أو يوم النَّيروز، أو يوم العيد في الكل يحل بطلوع الفجر.
واعلم أنا وإن حكمنا بالحلول، فالمطالبة إنما تتوجه عند إمكان الأداء كما قاله الماوردي، وهذا في هذا الموضع وفي غيره، ولو قال: إلى نهار كذا ذكر الماوردي هنا وجهين؛ أحدهما: أنه من طلوع الفجر.
والثاني: من طلوع الشمس، لكن المشهور أن النهار من طلوع الفجر وأكثرهم لا يحكي فيه خلافًا، وقد ذكروا ذلك في الطلاق وغيره، وعن أبي
стр. 514
حنيفة (١) أنه إذا قال: إلى يوم كذا دخل اليوم في العشاء، ولم يحل إلَّا بغروب الشمس منه، ووافق في الشهر أنه لا يدخل.
* * *
стр. 515
قال:
وإن قال: محله يوم كذا، أو شهر كذا أو سنة كذا، ففيه وجهان، قال أبو علي ابن أبي هريرة: يجوز، ويحمل على أوله كما لو قال لامرأته: أنت طالق في يوم كذا، أو في شهر كذا، أو في سنة كذا، فإن الطلاق يقع في أولها. والثاني: لا يجوز، وهو الصحيح؛ لأن ذلك يقع على جميع أجزاء اليوم، والشهر، والسنة، فإذا لم يُبَيَّنْ كان مجهولًا، ويخالف الطلاق، فإنه يجوز إلى أجهل مجهول، فإذا صح تعلق بأوله بخلاف السلم.
الذي صححه المصنف صححه جمهور الأصحاب وفرقوا بالفرق المذكور، قالوا فكأنه قال: في وقت من الأوقات يوم كذا ولا شك أن السلم لا يصح بذلك بخلاف الطلاق، وأورد ابن الصباغ أنه لو كان مجهولًا لوقع الطلاق في الجزء الأخير دون الأول، قال الرافعي: "وهذا حسن، والفرق مشكل" (١).
قلت: وقد أجاب إسماعيل الحضرمي بجواب حسن، فقال: ما كان مراد الأصحاب أن الطلاق إذا قبل التعليق بالمجهول كقدوم زيد قبله بالعام ثم يتعلق بأوله، وأما السلم فلا يدخل بقدوم زيد، فكذا لا يدخل بالعام.
قال ابن الصباغ: وقد نص الشافعي على ما قال الأصحاب في المكاتب إذا كاتبه على عشر سنين يؤدي في كل سنة كذا وكذا لم يجز حتى يبين أولها وآخرها، والذي ذكره المصنف عن ابن أبي هريرة أنه يحمل على الأول ذكره ابن الصباغ.
стр. 516
ومقتضى كلام الماوردي أنه يصح، ولا يحمل على الأول فيكون ذلك وجهًا ثالثًا غير ما في الكتاب، وفي الطلاق وجه، أقول: إنه لا يقع إلا في آخر اليوم، ولكن المشهور ما سبق، والقول الأول مذهب أبي حنيفة.
وجمهور الأصحاب سووا في ذلك بين اليوم والشهر والسنة.
وحكى الطبري في "العدة" وجهًا أنه يصح في يوم كذا دون الشهر، وجعل صاحب "الحاوي" ذلك على مراتب، فجزم في السنة بالبطلان، وحكى في الشهر وجهين، والأصح عنده البطلان كالسنة، وفي اليوم وجهين والأصح عنده الصحة لقرب طرفيه. قال النووي: "والأصح المعتمد ما قدمناه" (١).
فرع
لو قال: إلى أول شهر كذا أو آخره قال الرافعي: "فعن عامة الأصحاب بطلانه؛ لأن اسم الأول والأخير يقع على جميع النصف فهو مجهول، وقد قال الإمام وصاحب "التهذيب": وجب أن يصح ويحمل على الجزء الأول من كل نصف على قياس مسألة النفر، ولأن اليوم يحمل على أوله، وإن كان اسم اليوم عبارة عن جميع الأجزاء، وبالقياس على الطلاق" (٢).
ولأن التأجيل إلى الشهر يحمل على أوله، وإن كان اسم النوع عبارة عن جميع الأجزاء، وبالقياس على الطلاق، ولأن التأجيل إلى الشهر يحمل على أوله فإذا صرح بالأول كان آكد، وقال الإمام: وإذا لم يكن لصاحب المذهب نص، ورجع الكلام إلى تغاير الألفاظ، اتسع المقال، وارتفع الحرج، ولست أرى مثل هذا مخالفة في المذهب، فإن المحذور خلاف نص المذهب" (٣).
стр. 517
قلت: وما ذكره الإمام عن الأصحاب لم أره إلّا في طريقة الخراسانيين، والذي أبداه من البحث واختاره هو الصحيح، وهو الذي ذكره هو في الأول والآخر، وذكره الفوراني والقاضي حسين، والبغوي (١) في الآخر.
والذي أبداه الإمام من البحث واختاره هو الذي يدل عليه نصه في "البويطي"، فإنه قال: ويسمى أول الشهر، أو كذا وكذا يوما يمضي من الشهر (٢)، وكذلك قال الشيخ أبو حامد وسوى بين إلى شهر رمضان وإلى غرته وإلى هلاله وإلى أوله وقال إنه إذا قال: إلى أول يوم من الشهر الفلاني، فالمحل أول جزء من أول يوم من الشهر، وكذلك الماوردي سوى بين الشهر والأول والغرة، بل جعل الأول والغرة هما الأصل، وشبه الشهر بهما.
وعجب كونه خفي هذا النقل عن أولئك الأئمة، حتى إن الإمام وصاحب "التهذيب" لم يذكراه إلَّا بحثًا.
فرع
قال: عقب شهر، كذا فهو فاسد نص عليه، وكذلك عجزه، ذكره الماوردي وعللهما بأنه يتناول ما بعد النصف.
قلت: وقد فرقت العرب بين عَقِب الشهر بفتح العين وكسر القاف، وبين عُقْب الشهر بضم العين وإسكان القاف؛ فالثاني آخره، والأول إذا بقيت منه بقية، فينبغي أن يحمل كلام الشافعي والماوردي على الأول، ومن قال من الأصحاب: إنه لا يصح التأجيل بآخر الشهر يصح له أن يقرأها بالوجهين، لكنه لا يوافق قول الماوردي عجز.
* * *
стр. 518
قال:
وإذا ذكر شهورًا مطلقة حُمل على شهور الأهلة؛ لأن الشهور في عرف الشرع شهور الأهلة، فحمل العقد عليها.
الأجل المعلوم على قسمين، أحدهما: أن يعلم بتعيين وقت المحل، كقوله: إلى وقت كذا، وهو الذي تقدم الكلام فيه، ولا فرق فيه بين أن يكون مقدار مدة الأجل معلومة أو لا؛ قاله الماوردي، ولابد أن يكون الذي بقي شهرًا أو أقل أو أكثر.
القسم الثاني: ما هو معلوم بتقدير مدة الأجل، سواء تعين وقت المحل أم لا؛ لقوله: ثلاثة أشهر وشبهها وهو هذا القسم الذي تكلم فيه الآن، فإذا ذكر الشهور وأطلق حمل على شهور الأهلة، لا خلاف فيه، وكذا إطلاق السنين محمول على الهلالية، فإن قُيد بالفارسية أو الرومية أو الشمسية تقيد.
ولو قال: بالعدد، فهي ثلاثمائة وستون يومًا، وكلام المصنف يقتضي أن يكون إطلاق الشهر على الهلالي حقيقة شرعية، وغيره قال: إنها الشهور الإسلامية، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
قال الشافعي: "لم يجعل لأهل الإسلام علمًا إلا بها" (١).
* * *
стр. 519
قال:
وإن كان في أثناء الشهر، اعتبر الشهر بالعدد، وجعل الباقي بالأهلة (١).
إن جرى العقد في أول الشهر اعتبر الجميع بالأهلة تامة كانت أو ناقصة، وإن كان في أثناء الشهر عد الباقي منه بالأيام واعتبرت الشهور بعده بالأهلة ثم يتمم المنكسر بالعدد ثلاثين، هذا هو المذهب، وفيه وجه أنه إذا انكسر الشهر انكسر الجميع؛ فيعتبر الكل بالعدد، ويحكى عن أبي حنيفة.
وضرب الإمام مثلًا للتأجيل ثلاثة أشهر مع الانكسار، فقال: عقد، وقد بقي من صفر لحظة ونقص الربيعان وجمادي، فيحسب الربيعان بالأهلة، ويضم جمادى إلى اللحظة من صفر، ويكمل من جمادى بيوم إلَّا لحظة، ثم قال الإمام: كنت أود أن يكتفي في هذه الصورة بالأشهر الثلاثة فإنها جرت عربية كوامل" (٢).
قال الرافعي: "وما عناه الإمام هو الذي نقله صاحب "التتمة" وغيره، وقطعوا بحلول الأجل بالسلاح جمادى الأول، وقالوا: إنما يراعى العدد وإذا عقد في غير اليوم الآخر، قال الرافعي: وهو الصواب" (٣).
قلت: وفي كتاب إسماعيل الحضرمي أنه إذا كان العقد قبل آخر الشهر بنصف يوم وكان الشهر الثالث بعد شهر العقد، ناقصًا، فهل يُكتفى به؟ فيه وجهان خرجهما بعض أصحابنا بخراسان، ونقل فيه أيضًا عن المصنف
стр. 520
والشيخ أبي حامد أنه إن كان العقد في الليلة التي رأى فيها الهلال اعتبر الجميع بالأهلة.
ثم قال: إن أرادوا به احتواش الليلة بالعقد فيعتد، وإن أرادوا أن تمام العقد حصل مقارنًا لأول جزء من الليلة فهو صحيح، وكذلك قال ابن أبي عصرون كما نقل عن الشيخ أبي حامد، وكذلك القاضي حسين، وقال فيه: إذا أجل شهرًا واحدًا ينكسر الشهر فيه بكل حال؛ لأن المعتد يتقدمه شهر أو يتأخره لا محالة فيكمل ثلاثين وإذا أجل إلى شهرين أو ثلاثة أكمل المنكسر والبقية بالهلال، ومراد إسماعيل الحضرمي ببعض الخراسانيين صاحب "التتمة" وتقييده بنصف يوم إنما قاله صاحب "التتمة" على جهة المثال.
فرع
قال: إلى عشرة أيام، قال صاحب "التهذيب": "يكمل اليوم الأول بالحادي عشر، فإذا انتهى إلى الوقت الذي عقد فيه حل الأجل" (١).
فرع
يصح أن يقول: إلى آخر الشهر، وإن كان لا يعلم هل يجيء ناقصًا أو تامًّا، ويصح أن يقول: إلى الظهر أو العصر.
* * *
стр. 521
قال:
وإن أسلم في حال وشرط أنه حال، صح العقد، وإن أطلق ففيه وجهان، أحدهما: لا يصح؛ لأنه أحد محل السلم، فوجب بيانه كالمؤجل.
والثاني: [أنه] (١) يصح ويكون حالًا؛ لأن ما جاز حالًا ومؤجلًا حمل إطلاقه على الحال كالثمن في [البيع] (٢).
الثاني هو الصحيح عند الجمهور، وقد سبق بيان الماوردي للخلاف على أن الأصل في السلم الحلول أو التأجيل، أو هما سواء، والقول بالفساد مبني على أن الأصل فيه الأجل، ولأن المعتد فيه التأجيل، وهو الذي اختاره الغزالي في "الوجيز" (٣)، ونسبه فيه، وفي "الخلاصة" إلى النص استنادًا إلى لفظ (٤) في "المختصر" غير صريح، ولم يوجد في نص صريح بل في "الأم": "وإن لم يكن له أجل كان حالًا" (٥)، وهذا دليل على أنه عند الإطلاق يحمل على الحلول، وقد حكى بعض الأصحاب الخلاف قولين، ومحل هذا الخلاف إذا كان المسلم فيه موجودًا، أما إذا كان معدومًا، فلا يصح.
стр. 522
فرع
لو شرط المطالبة متى شاء، فهو على الحلول في أول أوقات الإمكان؛ لأنها لفظة قد ألفها الناس، ولولا ذلك لكانت مجهولة، ولو شرط متى شاء من ليل أو نهار، ففيه وجهان:
أحدهما: أن السلم باطل.
والثاني: أنه صحيح، ويحمل على زمان الإمكان للعرف، حكاه الماوردي.
* * *
стр. 523
قال:
وإن عقد السلم حالًّا ثم جعله مؤجلًا، أو مؤجلًا فجعله حالًّا، أو زاد في أجله، أو نقص، نظرتَ: فإن كان ذلك بعد التفرق لم يلحق بالعقد؛ لأن العقد استقر؛ فلا يتغير، وإن كان قبل التفرق لحق بالعقد، وقال أبو علي الطبري: إن قلنا: إن المبيع انتقل بنفس العقد لم يلحق به، والصحيح هو الأول، وقد ذكرناه في الزيادة في الثمن.
لا خلاف عندنا أنه لا يلحق بعد التفرق واللزوم، والخلاف قبل التفرق كما ذكر المصنف، وقد تقدم في باب المرابحة عن صاحب "التتمة" والإمام (١) أنه لا يلحق، وإن قلنا: المبيع لم ينتقل، ولكن هذا القول لا يكاد العراقيون يعرفونه.
وقد نصَّ الشافعي على تأجيل الحال، وعكسه كما ذكر المصنف، وذلك يرد على ما تقدم في باب بيع المرابحة عن القاضي حسين من أنه إذا أسقط الأجل ينبغي الحكم بالفساد، وكذلك إذا عقد مطلقًا، وقلنا بجوازه على الصحيح يجوز تأجيله في المجلس، وإن قلنا بفساده أو كان قد شرط أجلًا مجهولًا؛ فلا في الأصح.
وفيه وجه محكيٌّ عن صاحب "التقريب" أن الأجل المجهول إذا حذف في المجلس انحذف، وصار العقد صحيحًا، واختلفوا في جريان هذا الوجه في الخيار والرهن الفاسدين وغيرهما، قال الإمام: "والأصح تخصيصه
стр. 524
بالأجل" (١)؛ لأن بين الأجل والمجلس مناسبة لا توجد في غيره، وهي عدم ملك البائع المطالبة بالثمن.
واختلفوا أيضًا هل يلحق خيار الشرط في البياعات بخيار المجلس في هذا المعنى، والأصح أنه لا يلحق به، وعليه يدل نصه في "الأم" (٢) باب الآجال والسلف؛ لكونه قد يكون ذكره في السلم؛ لأنه ليس فيه خيار شرط، فلا يلزم طرده في بيع الأعيان.
وقد تقدم في الحط والزيادة أن خيار الشرط، كخيار المجلس على الأصح، ولا يلزم من التسوية بينهما هناك عن صحة العقد التسوية بينهما هنا عند الفساد، فلذلك كان الأصح هنا أن خيار الشرط لا يلحق بخيار المجلس إذا قلنا بجواز حذف الشروط الفاسدة فيه.
* * *
стр. 525
قال:
فصل [السلم في جنسين]
وإن أسلم في جنسين إلى أجل، أو في جنس إلى أجلين؛ ففيه قولان، أحدهما: أنه لا يصح؛ لأن ما يقابل أحد الجنسين أقل مما يقابل الآخر، وما يقابل [أبعدهما] (١) أجلًا أقل مما يقابل الآخر، وذلك مجهول؛ فلم يجز.
والثاني: أنه يصح وهو الصحيح؛ لأن كل بيع جاز في جنس واحد وأجل واحد جاز في جنسين وفي أجلين كبيع الأعيان، ودليل القول الأول يبطل بيع الأعيان، فإنه يجوز إلى أجلين، وفي جنسين مع الجهل بما يقابل كل واحد منهما.
القول الأول نص عليه في الأجلين في آخر باب الآجال في السلف (٢)، وفي باب بيع الحيوان والسلف فيه (٣)، وفي "الإملاء" وفي "البويطي" (٤) أيضًا بصيغة تقتضي ترجيحه، والقول الثاني حكاه في "البويطي" (٤) أيضًا في
стр. 526
الأجلين، وهو في موضع آخر في "الأم" في الجنسين.
والصحيح: الصحة في المسألتين، كما قال المصنف، وممن صححه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والبغوي (١) والرافعي (٢) والنووي (٣) وغيرهم (٤)، وممن قال به مالك (٥)، وفاوت البغوي في نقل الخلاف فحكى في الأجلين وجهين وفي الجنسين قولين، وما بينته لك من نصوص الشافعي يبعد ذلك.
واستدلوا للقول الأول أيضًا بأنه ربما يتعذر تسليم بعض النجوم أو بعض الأجناس، فيرتفع العقد فيه، ويتعدى إلى الباقي، قال الرافعي: "والخلاف ناظر إلى أن الصفقة هل تفرق؟ " (٦). وكلام الشافعي والأصحاب يدل على أن القول الأول مأخوذ من وجوب، ومحل الخلاف فيما إذا لم يفصل الثمن، أما إذا فصل فيجوز، نبه عليه في "البويطي" (٧).
ومن أمثلة المسألة: لو أسلم في ثلاثين رطلًا لحمًا فأخذها كل يوم رطلًا، ومفهوم كلام المصنف أنه إذا أسلم في جنسين حالًّا أنه لا يجري الخلاف، وعليه يقتضي جريان الخلاف.
والذي فهمته من إطلاق كلام الشافعي والماوردي أن الخلاف يجري سواء أكان رأس المال جزافًا أو معلومًا، إلَّا أن يبين حصة كل واحد من الثمن؛ لأنه إذا كان معلومًا كان ما يخص كل واحد كالجزاف، ولو أسلم
стр. 527
في عشرة أكرار حنطة، فهو جنس واحد لا يجري فيه خلاف، ولو أسلم في كُرَّين من حنطة على أن يأخذ بأحدهما رهنا وضمينًا قال الماوردي: "جاز على القولين جميعًا [لأنها وثيقة] (١) لا تتعلق؛ بالثمن" (٢).
وقول المصنف: لأن ما يقابل أحد الجنسين أقل مما يقابل الآخر، أي: قد يكون أقل، فإن العقد يقتضي توزيع الثمن عليهما، وما يقابل أبعدهما أجلًا أقل مما يقابل أقلهما لا محالة؛ لأن زيادة الأجل يقابلها قسط من الثمن، وقوله كبيع الأعيان أي: إذا باع جنسين معينين بثمن واحد، فإن الثمن يقسط عليهما، ولا نعلم ما يخص كلًّا منهما، وإن كنا نعلم أن
قيمتهما مختلفة.
* * *
стр. 528
قال:
فصل [موضع التسليم]
وأما بيان موضع التسليم، فإنه إن كان العقد في موضع لا يصلح للتسليم كالصحراء وجب بيانه، وإن كان في موضع يصلح للتسليم، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجب بيانه؛ لأنه يختلف الغرض باختلافه، فوجب بيانه كالصفات (١).
والثاني: لا يجب بل يحمل على موضع العقد، كما يقول في بيع الأعيان. والثالث: أنه إن كان لحمله مؤنة وجب بيانه؛ لأنه يختلف الثمن باختلافه، فوجب بيانه كالصفات التي يختلف الثمن باختلافها، وإن لم يكن لحمله مؤنة لم يجب بيانه؛ لأنه يختلف الثمن باختلافها، فلم يجب بيانه؛ كالصفات التي لا يختلف الثمن باختلافها.
أطلق الشافعي في "الأم" في موضع؛ أنه يستحب أن يشترط الموضع، وأطلق في "البويطي" (٢) أنه يحتاج إلى ذكره، وقال في "الأم" في باب السلف في الحنطة: "ويصف الموضع الذي يقبضها فيه، والأجل الذي يقبضها إليه، فإن ترك من هذا شيئًا لم يجز.
стр. 529
قال الشافعي: وقال غيرنا: إن ترك صفة الموضع الذي يقبضها فيه، فلا بأس، ويقبضه حيث أسلفه ثم قال: وكل ما كان لحمله مؤنة، لم يجز عندى أن يدع شرط الموضع كما قلت في الطعام" (١)، في المسألة سبع طرق: إحداها: عن أبي إسحاق المروزي: أنه إن كان العقد في موضع لا يصلح للتسليم وجب بيانه، وإن لم يجب.
والثانية: عن ابن القاص أن المسلم فيه إن كان لحمله مؤنة وجب بيانه وإلَّا فلا، وهاتان باقيتان للخلاف، والثالثة عن صاحب "الإفصاح" والقاضي أبي حامد وابن المنذر أن المسألة على قولين مطلقًا، أحدهما: يجب، وبه قال سفيان الثوري وأهل الرأي (٢).
والثاني: لا يجب، وبه قال أحمد (٣) وإسحاق، وطائفة من أهل الحديث.
وقال الأوزاعي: تركه مكروه، واختاره ابن المنذر (٤) لعدم ذكره في حديث ابن عباس.
والرابعة: إن لم يكن الموضع صالحًا وجب، وإلَّا فقولان.
والخامسة: إن لم يكن لحمله مؤنة لم يجب، وإن كان له مؤنة فقولان.
والسادسة: إن كان لحمله مؤنة وجب، وإلا فقولان، وهي أصح الطرق عند الإمام (٥)، ويروى عن اختيار القفال وعليها يدل ما قدمته من نص الشافعي.
стр. 530
وهذه الطرق الستة ذكرها وحكى الماوردي من ذلك الثانية والثالثة، لكنه جعلهما فيما إذا كان الموضع يصلح للتسليم.
أما الذي لا يصلح، فجزم فيه بوجوب التعيين، وهو موافق لما قاله المصنف؛ فإن الطريقين يخرج منهما ثلاثة أوجه، ويكون ذلك طريقة سابعة إن لم يكن الموضع صالحًا وجب، وإلا فثلاثة أوجه، وهي أقرب من حكاية الرافعي الطريقتين على الإطلاق؛ فإنه كيف يقال لعدم الوجوب إذا لم يكن الموضع صالحًا للتسليم.
قال الرافعي: "والفتوى من ذلك كله على وجوب التعيين إذا لم يكن الموضع صالحًا، أو كان لحمله مؤنة، وعدم الاشتراط في غير هاتين الحالتين" (١).
قلت: وهو صحيح، ونص الشافعي يشهد له، ومتى شرطنا التعيين، فلم يعين فسد العقد، وإن لم يشترطه فإن عين تعين، وعن أحمد (٢) رواية أنه يفسد السلم، وإن لم يعين حمل على مكان العقد.
وفي "التتمة": أنه إذا لم يكن لحمله مؤنة سَلَّمه في أي موضع صالح شاء، وذكر وجهًا فيما إذا لم يكن الموضع صالحًا أنه يحمل على أقرب موضع صالح، ولو عين موضعًا صالحًا، فخرب، وخرج عن صلاحية التسليم فثلاثة أوجه عن ابن كج، أحدها: يتعين ذلك الموضع.
والثاني: لا وللمسلم الخيار.
والثالث: يتعين أقرب موضع صالح.
وقال النووي: "إنه أقيسها" (٣)، ولو شرط التسليم ببلد لزمه في أولها،